|
مدار النقد |
|||||||
التشكيلي محمد فرادي رئيس رابطة التشكيلين العراقيين في امريكا وكندا
في جميع المجتمعات
المتحضرة ، لا يجري وحسب تخليد الأعمال الإبداعية المتميزة في ميدان
المعمار والنحت والتشكيل، وإنما يجري التعامل مع هذه الأعمال، وبغض
النظر عن زمن إنجازها، باعتبارها من أساس معالم قبل عام من الزمن، شاهدت فلما وثائقيا، يروي وقائع وتفاصيل جهود المنظمات الثقافية والسياسية في إسبانيا وبعد رحيل الدكتاتور فرانكو، من أجل استعادة جدارية الجورنيكا للفنان بيكاسو والذي أبدعها لتخليد ذكرى الضحايا من أبناء المدينة وسائر الضحايا، خلال سنوات الحرب ضد الفاشية، وأوصى أن يظل هذا العمل، بعيدا عن إسبانيا، لغاية تحررها نهائيا من الحكم الفاشي، ويوم نجحت هذه الجهود وبعد سنوات عديدة من العمل الشاق في تحقيق هذا الهدف، تحول ذلك اليوم لمناسبة عامة من الفرح في مختلف أنحاء إسبانيا، قبل أن يجري عرضها لاحقا أمام الجمهور، في حفل رسمي تقدمه الملك خوان كارلوس وأعضاء البرلمان والحكومة وأبرز المثقفين في أسبانيا ومن اليونسكو والعشرات من ممثلي المنظمات الثقافية من مختلف دول العالم، فضلا عن سائر أعضاء السلك الدبلوماسي، وبحيث وجدت نفسي أتساءل وبمرارة: لماذا يتعمد البعض ومنذ سقوط الطاغية سلوك مختلف الطرق والوسائل المتعمدة للإساءة، لعمل إبداعي بمستوى نصب جواد سليم، هذا بعد نجاة هذا المنجز الإبداعي، من جميع المحاولات الهمجية التي استهدفت طوال عقود حكم البعث، ومحاولة الشطب على وجوده، وبحيث ظل شوكة في عيونهم لغاية سقوط نظامهم الفاشي، وكل ما جرى إنجازه من النصب والتماثيل والجدرايات لتمجيد الطاغية لمثواها الأخير في مزبلة التاريخ. وقبل الحديث عن واقع محاولات الإساءة وبمختلف الأشكال لنصب جواد سليم، لابد من توضيح بعض ما يفترض أن يكون معروفا من الحقائق عن نصب الحرية للفنان الخالد جواد سليم ، وفي المقدمة من ذلك، حقيقة أن هذا النصب الذي جرى إنجازه تماما في عام 1961 ما كان وليد الصدفة، أو مجرد رد فعل آني، لثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 كما يعتقد الكثير من أهل العراق، بما في ذلك وللأسف الشديد حتى في أوساط المثقفين، وإنما كان تجسيدا لحلم ظل يراود جواد سليم، على مدار أكثر من عقدين من الزمن وتحديدا منذ السنوات الأولى للدراسة في مختلف المعاهد الفنية في فرنسا وإيطاليا ولندن في مطلع أربعينيات القرن الماضي.
ولا أدري في الواقع
لماذا يجري باستمرار تجاهل تأكيدات المعماري المعروف رفعت الجادرجي
وخصوصا عبر العديد من اللقاءات مع بعض القنوات الفضائية خلال السنوات
الأخيرة على أن جواد سليم كان وبحكم العلاقة الوثيقة التي تجمعه به،
كثيرا ما كان يتحدث ومنذ ذلك الحين، عن حلم إقامة عمل فني يتوسط بغداد،
يمثل روح العصر فنيا على صعيد أسلوب وتقنيات التنفيذ، ولكن يستوحي تراث
حضارة وادي الرافدين، وبالخصوص حضارة السومريين والآشوريين، ويكون
قريبا من الناس حاضراً ومستقبلاً، وبحيث
أن جواد سليم وبالتوافق مع الجادرجي، كان يعتقد أن الختم الأسطواني السومري قريب من حيث الشكل مع شكل اللافتة العراقية خلال تلك المرحلة، مرحلة الكفاح للتحرر من الاستعمار البريطاني، ويوم كانت اللافتة وما يعلوها من الشعار، تبعا لاختلاف الظرف السياسي. وكان المطلوب تجسيد هذا الهدف الذي يشكل واحد من الأحداث المهمة في هذا العمل وأن تكون اللافتة ثابتة لا تتغير مع الأيام باعتبارها رمز من رموز التوق للحربة. هذا وبتكثيف شديد، ما كان يشكل الهاجس الأساس وما يدور تحديدا في ذهن جواد سليم في مرحلة التخطيط لتنفيذ هذا الحلم وذلك ما أكده مرات عديدة المعماري الجادرجي في سياق توضيح المراحل المختلفة لعمل جواد سليم وخلال سنوات طويلة سبقت كثيرا زمن المباشرة في تنفيذ هذا الحلم، بحيث يمكن القول أن عودة للريليفات الناتئة التي قدمها لمشاريع مختلفة كجدارية (البنّاء 1944)، (شعار مصلحة نقل الركاب 1945)، (تمثال حصان سباق الخيل في المنصور 1953)، (ومنحوتة برونزية لتزيين واجهة البنك الزراعي 1955)، (ومنحوتة الإنسان والأرض 1955)، (وجدارية النفط في العراق 1956)،* وكذلك من خلال التخطيطات والكتابات والمناقشات والاطاريح التي كان يعيد تكرارها في مختلف المناسبات وقبل ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 تؤكد وعلى نحو قاطع من أن تراث جواد سليم ومعظم أعماله المنجزة قبل نصب الحرية كانت تمهيداً ملموساً وعملياً لتنفيذ هذا النصب الذي جاء ليمثل ويجسد في النهاية تكثيف وخلاصة كاملة للمراحل المختلفة من تجربته الإبداعية لغاية رحيله عام 1961. كان هم جواد سليم وكما يؤكد في سياق مذكراته وبالتحديد ليوم 15 تشرين الأول 1944 أن يكون هناك في بغداد عمل نحتي كبير يحتل مكاناً لائقاً في قلب مدينة بغداد، وكان منذ بداية هذا الحلم يدرك تماماً ضرورة اعتماد التركيب السمفوني عند تنفيذ هذا النصب، مؤكدا أن عمل النحات في إبداع ما يستحق أن يحتل الميادين العامة لا يختلف عن عمل الموسيقي عند تأليف السمفونيات التي تحتاج أن تصل أسماع أكبر عدد ممكن من الناس، عوضا عن أن تظل حكرا على نخبة من المستمعين. وكان يعتقد أن الحركة الواسعة التي شهدتها العديد من بلدان أوروبا خلال سنوات الحرب العالمية الثانية لإقامة النصب والجداريات لتمجيد كفاح الشعوب ضد الفاشية والنازية لابد وأن تتعزز بعد انتهاء هذه الحرب وبشكل سوف يفتح أبواب كثيرة أمام عمل النحاتين والمعماريين لإبداع أعمالا تعكس توق الناس نحو عالم جديد تسوده الحرية والفرح. كل ما تقدم كان يشكل الدافع والهاجس الأساس الذي ظل يعزز حلم جواد سليم في إقامة هذا النصب وكان يدرك تماما ومنذ البداية أن إنجاز هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق بالاعتماد فقط على جهده الفردي، وإنما يتطلب توفير الإمكانيات المادية للتنفيذ من قبل الدولة (جبرا إبراهيم جبرا ـ جواد سليم ونصب الحرية) وهذا ما لم يتوفر عمليا إلا بعد قيام ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 والفضل في ذلك يعود في الأساس لوجود صديق عمره رفعت الجادرجي في موقع أمين العاصمة والذي نجح في الحصول على موافقة الزعيم عبد الكريم قاسم في إنجاز ثلاثة أعمال فنية كبيرة،في مقدمتها نصب الحرية في مدخل حديقة الأمة المفتوح على ساحة التحرير، وجدارية تموز، في المدخل الخلفي لحديقة الأمة المطل على ساحة الطيران (أنجزه الفنان فائق حسن) ونصب الجندي المجهول الذي صممه على ما أعتقد الفنان جواد سليم** وهذه الأعمال الثلاث جرى إنجازها دون تدخل مباشر أو غير مباشر من قبل الزعيم قاسم أو من غيره من المسؤولين في ذلك الوقت، أن كان على مستوى التصميم ومفردات العمل أو متابعة شكل التنفيذ بحكم أن ذلك كان من اختصاص المبدع في ميدان الفن المعماري رفعت الجادرجي والذي يؤكد باستمرار أن دوره في إنجاز هذه الأعمال كان يتعلق أساسا بالقياسات والموقع والشكل العام للأرضية والمواد وتقنيات العمل المعماري خصوصاً وأن الجادرجي وقدر تعلق الأمر تحديدا بنصب الحرية، كان على إطلاع كامل ومنذ سنوات طويلة على تفاصيل حلم جواد سليم ، وطوال ما يزيد على عقد من الزمن قبل قيام ثورة الرابع عشر من تموز.
لا أريد مناقشة ما إذا كانت هناك إمكانية واقعية لتنفيذ مشروع النصب خلال العهد الملكي لان ذلك لابد وأن يقود للنقاش عن أفكار وتوجهات جواد سليم السياسية, وأن كان من المعروف تماما وقبل قيام ثورة الرابع عشر من تموز، تعاطف وانحياز معظم أعضاء التشكيليين العراقيين في مطلع الخمسينيات، وأكثرية من يعملون في ميادين الإبداع الأخرى، لمواقف اليسار وتحديدا الحزب الشيوعي العراقي، ولكن وقدر تعلق الأمر بالفنان جواد سليم لابد من التأكيد على أن هاجسه السياسي، ما كان يطغى على عمله الإبداعي، وحيث كان يعيد التأكيد على عدم اهتمامه بالسياسية قدر الاهتمام بالإنسان، ومحذرا ومنذ تلك الفترة المبكرة من خطر الطغاة والحمقى أو على حد تعبيره حرفيا: في كل زمان ومكان تهوى المعاول الحمقاء من أيدي الجهلة والجلادين لتقطف الرؤوس المثمرة المفكرة ( محمد مكية في كتاب خواطر السنين)
ومن أجل تأكيد أن هذا العمل الملحمي إبداعيا ( نصب جواد سليم) ما كان هدفه تمجيد قاسم أو تاريخ الأفراد، وإنما تسجيل حضارة وتاريخ أبناء الرافدين وتوقهم الدائم للحرية، لابد من الإشارة إلى أن الفنان الخالد جواد سليم تعرض للانهيار نفسيا وعصبيا، عندما علم وهو يواصل تنفيذ مفردات النصب في إيطاليا، بوجود من يريد إقحام صورة الزعيم قاسم بين هذه المفردات، وهذا ما أكده الدكتور رفعت الجادرجي وعلنا في سياق حديث لإحدى الفضائيات في العام الماضي(بمناسبة الذكرى الخمسين لثورة الرابع عشر من تموز) وذلك في سياق توضيح أن فكرة إقحام صورة الزعيم على نصب الحرية، لم تطرأ على ذهن جواد سليم أبدا، وصاحب هذا الفكرة الكريهة، كان الفنان خالد الرحال الذي طلب وبشكل مباشر من الجادرجي إيصال المقترح للزعيم قاسم مع تأكيد استعداده شخصيا لتنفيذ هذه الفكرة وإدخالها على النصب في حال رفض جواد سليم، ولكن الزعيم تجاهل هذا المقترح موضحا أن هذا الأمر متروك لقناعة ورغبة الفنان جواد سليم، وهذا الموقف الجميل من الزعيم قاسم كما يؤكد الجادرجي ساهم في أن يتجاوز جواد سليم أزمته المرضيّة ويعود لمواصلة العمل بذات الحماس وبجهد كان يتجاوز كثيرا حدود المتاح من قدراته على الصعيد الصحي بحيث قاده التعب الشديد للرحيل عن هذا العالم، بعد أيام معدودة من تحقيق حلم حياته، وقبل أن يشهد رسميا حفل إزاحة الستارة عن هذا العمل الإبداعي الخالد. باختصار لكل ما تقدم يمكن التأكيد على أن هذا النصب الذي جرى إنجازه تماما في عام 1961 كان تجسيدا لحلم ظل يراود جواد سليم، على مدار أكثر من عقدين من الزمن وتحديدا منذ السنوات الأولى للدراسة في مختلف المعاهد الفنية في فرنسا وإيطاليا ولندن في مطلع أربعينيات القرن الماضي، ونجاح جواد في تحقيق ما كان يراوده طويلا من الحلم، بعد قيام ثورة الرابع عشر من تموز، كان ومن حيث الأساس بحكم وجود صديق عمره الفنان المعماري المبدع رفعت الجادرجي في موقع أمين العاصمة, وفي ظرف من الزمن، كان في رئاسة جامعة بغداد منصب يشغله عالم فذ بمستوى الدكتور عبد الجبار عبد الله، وفي عداد الوزراء ومن بين كل الدول العربية والإسلامية تحتل مقعدها الباسل من النساء الدكتورة نزيهة الدليمي وغيرهم من أهل الدراية والعلم في العديد من مواقع العمل الأخرى، قبل تغيير مسار ثورة تموز بعد نجاح شركات النفط الاحتكارية وبالاعتماد على قوى الإقطاع والتخلف والبعث من محاصرة عبد الكريم قاسم تحت جناح ( الزعيم الأوحد) تمهيدا لنحر أول جمهورية للكادحين والفقراء في العراق في شباط البعث الدموي عام 1963 بعد كل ما تقدم من الحقائق عن نصب جواد سليم دعونا نعود الى الكثير من محاولات التعمد في الإساءة لهذا النصب والعمل من أجل التخلص من وجوده وبالتحديد بعد نحر جمهورية الفقراء من قبل غربان حزب البعث في شباط عام 1963 وحيث جرى وكما هو معروف مهاجمة نصب الحرية وكذلك جدارية السلام بطلقات رشاشات مجرمي الحرس القومي بإيعاز مباشر من قادة البعث، ممن كانوا يعتقدون ومن منظورهم المتخلف والهمجي أنهم يتعاملون بمنتهى الحقد والكراهية مع نصب الحرية وجدارية تموز، باعتبار هذين العملين ومن منظورهم المتخلف كانا من رمز الشيوعية وحكم قاسم. ***
وبعد عودة البعث من جديد للتسلط على رقاب الشعب العراقي في عام 1968 ظل هاجس التخلص من وجود نصب الحرية يراود باستمرار عقول المتخلف من قياداتهم ممن كانوا يتعاملون مع هذا العمل الإبداعي ، وبنص تعبير احمد حسن البكر (متى نتخلص من هذه الخفافيش السواء) قال ذلك خلال لقاء جرى في أواسط السبعينيات مع عدد من المقربين منه، بهدف الحديث عن فكرة إزالة هذا النصب، وصهر الوحدات النحتية لتكون مادة لإنجاز عمل أخر في نفس المكان، ليكون بديلاً عن نصب الحرية. ولا أدري في الواقع ولغاية ألان الأسباب الحقيقة للتراجع عن هذه الفكرة الهمجية والتي أشاعت الكثير من القلق والخوف في الوسط الثقافي وخصوصا بين أوساط الفنانين التشكيليين...الخ ما توقفت عنده مؤخرا بلقيس شراره تحت عنوان (من صمم نصب 14 تموز ) حيث ورد في السياق أن المعماري رفعت الجادرجي كان هو بالذات من نجح في إقناع المسؤولين العدول عن هذه الفكرة دون ذكر المزيد من التفاصيل، خصوصا وأن السيدة شرارة يبدو ومن خلال هذا النص تملك المزيد من المعطيات والتي نتمنى أن يجري تدعيمها وتأكيدها مباشرة من قبل الفنان رفعت الجادرجي.
وعلى الرغم من تراجع حكام البعث عن فكرة تنفيذ جريمة إزالة نصب الحرية، إلا أن هذا الهاجس المريض، هاجس البحث عما يكون البديل عن نصب جواد سليم ظل يراودهم طوال حكمهم البغيض، ومن بين ذلك إقامة نصب جديد تحت أسم المسيرة (المقصود مسيرة البعث في العراق) قرب المتحف العراقي في منطقة علاوي الحلة، والذي نفذه ذات الفنان الذي أقترح إقحام صورة عبد الكريم قاسم على نصب الحرية، أقصد الفنان خالد الرحال، وغير ذلك من كثير من النصب والجداريات والتماثيل التي تمجد الطاغية والبعث، هذا دون التوقف في ذات الوقت عن بذل المزيد من الجهد في سبيل تحويل الانتباه عن عظمة نصب الحرية، ومن بين ذلك تعمد إقامة العديد من العمارات المحيطة بالنصب والتي أضرت كثيرا بالموقع النموذجي للنصب وأخلّت بقيمة الفراغ المحيط بهذا العمل من جميع الجهات، كما هو الحال بشكل خاص مع عمارة وزارة الثقافة والإعلام على يمين النصب من جهة شارع الجمهورية، والعمارة مقابل النصب من الجهة القريبة من شارع الرشيد وتسمى بالمطعم التركي وتستخدم كمرآب للسيارات. وغير ذلك من المباني المرتفعة بهدف تحقيق إرباك متعمد للرؤية وخصوصا بعد تشييد نفق التحرير الذي أدى عملياً لتضييق مساحة انسيابية الحركة أمام من يرغب بمشاهدة النصب عن بعد مناسب، يكفي للتمتع فنيا لمشاهدة العرض التشكيلي على جسد النصب، وهو ما أصبح متعذراً تماماً بعد إزالة وجود الساحة الكبيرة أمام النصب، وجعل عموم المنطقة مجرد ممر عاجل لمرور العجلات أمام النصب، وليس مكانا عاما للتجول والتنزه والشعور بالارتياح من التطلع للنصب أو مجرد الاسترخاء قريب من هذا العمل المذهل.
كما أن إنشاء جدار تتدفق المياه من اعلاه على شكل شلال كبيرة يشغل المساحة الفارغة تحت النصب قد الحق ضرراً كبيراً في مشهد النصب سواء من الناحية الجمالية أو التقنية وذلك بحكم أن الرذاذ المتدفق من مياه هذا الجدار ينطوي على ضرر واضح على النصب مستقبلاً وهو ما حذر من نتائجه السلبية الكثير من التشكيليين والمعماريين الذين طالبوا بضرورة إزالة هذ الجدار ولا أدري إن تمت إزالتة أم لا.
بعد كل ما تقدم من الحقائق عن وحول هذا المنجز الإبداعي وبالاعتماد على الوقائع وشهادات الجادرجي وسواه من الفنانين التشكيليين والنقاد، يغدو من المشروع والطبيعي السؤال عن لماذا وبعد أن تخلص العراق من الطاغية وكل ما جرى إقامته في ظل عهده الأسود من النُصب والجدرايات والتماثيل، والتي توزعت بين المزابل. يوجد هناك من يريد اليوم لدوافع سياسية أو نتيجة الجهل بقيمة هذا المنجز الإبداعي، استكمال ما فشل البعث والرعاع في تحقيقه، وذلك من خلال تعمد الإساءة لنصب جواد سليم بطرق وأشكال مختلفة لا تختلف ومهما كان المنطلق والدافع، عن جهد نظام البعث البائد أو عقول القادمين من ظلام القرون الوسطى ممن يتعاملون مع هذا النصب، باعتباره ضربا من الحرام، تماما كما كان منطلق أقرانهم من همج الطالبان يوم قصفوا بمدافع الجهل والتخلف تمثالا عظيما لبوذا منحوتا منذ مئات الأعوام في مرتفعات أفغانستان! أن يرتفع فحيح أهل الظلام بالدعوة للشطب على وجود نصب الحرية، باعتباره من منظورهم الهمجي (حرام وكفر)، ذلك ما كان مدعاة للدهشة والعجب، وخصوصا في ظل تسلط الرعاع على بغداد بعد سقوط الطاغية، ولكن ترى لماذا يعمد حالياً بعض أنصار العهد الملكي المباد وبشكل خاص في الوسط الثقافي، إسقاط هاجسهم السياسي على هذا العمل الإبداعي، لمجرد أن إنجازه جرى بعد ثورة الرابع عشر من تموز**** بحيث تراهم يعتمدون مختلف الوسائل للإساءة لعمل جواد سليم الإبداعي وفي المقدمة من هذه الوسائل راهنا تزوير الحقائق أو توظيف أسم وصورة نصب الحرية، بشكل يستهدف تشويه وتسخيف هذا النصب الذي تحول إبداعيا رمزاً رائعاً لحضارة وادي الرافدين وتوق الناس للحرية على مر العصور بحيث ما عاد من الممكن ذكر معالم العراق في الزمن الحاضر دون التأشير على وجود هذا النصب في موضع القلب من بغداد، ومهما كان حنين البعض للماضي وتحديدا للعهد الملكي ترى لماذا يجري إسقاط هذا الحنين ومهما كان الدافع سياسيا على الموقف من هذا المنجز التشكيلي الكبير للفنان جواد سليم الذي أرسى لنا جميعا نحن معشر التشكيليين أسس النحت العراقي الحديث وقدم من خلاله للعراق ولكافة أنحاء العالم تجربة نحتية فريدة ومتميزة؟!
بصراحة لابد من السؤال لماذا وبعد أن ظل نصب جواد سليم شوكة في عيون حكام البعث، وصمد أمام العاتي من رياح الهمجية التي عصفت بكل قوة في ظل الفوضى وتسلط الرعاع على شوارع بغداد في أعقاب سقوط الطاغية, يجري وفجأة نشر موقع على شبكة الانترنيت، يحمل أسم ( تحت نصب السخرية) وتتصدره صورة لمفردات نصب جواد سليم وهي تكاد تختفي تحت ركام بعض المنشور من رسوم الفنان رضا حسن الكاريكاتيرية، وكما لو أن ذلك، يكفي للتغطية عن متعمد الإساءة لهذا العمل الإبداعي، الذي يتصدر وكما هو معروف واجهة الكثير من المواقع العراقية، باعتباره بات من بين أبرز الرموز الشاخصة للعراق في الزمن الحاضر .
المثير للدهشة أن تقدم على هذا العمل بالتحديد، صحفية مثل ميادة العسكري، لا تعتمد في كتابة نصوصها، الشائع من أساليب الكتابات الساخرة، وكتابها الوحيد الذي صدر وقبل سقوط الطاغية عن تجربتها ومعاناتها المريرة خلال حكم البعث، يتسم هو الأخر بمنتهى الجدية، تماما كما هو حال كتاباتها عن التطورات السياسية في العراق بعد سقوط الطاغية،وحتى ما تقدمه من التبرير لاختيارها أسم ( تحت نصب السخرية) انطلاقا من إعجابها الشديد باسم موقع وجيه عباس (!!) أعتقده تبرير ساذج للغاية، لا يفيد قطعا في التغطية عما تريده من الهدف، هدف الإساءة لهذا العمل الخالد ، وتحت زعم ممارسة ما لا تجيده أساسا، من فنون الكتابة الساخرة، تماما كما هو حال معظم المنشور من النصوص على صفحات هذا الموقع لغيرها من الكتاب، والتي لا يمكن حشرها هي الأخرى في إطار الكتابات الساخرة!
وإذا كان المنطلق والدافع لا يستهدف قطعا تسخيف دلالات نصب الحرية للفنان جواد سليم بهدف الإساءة لثورة الرابع عشر من تموز ولمجرد أن إنجاز هذا العمل الإبداعي جرى بعد سقوط النظام الملكي والتحرر من الاستعمار ترى هل حقاً ضاقت مسميات المواقع إلى هذا الحد، بحيث يجري ربط أسم هذا النصب بالذات وتحديدا بالسخرية كما هو حال موقع ميادة العسكري (وأخشى أن تكون حفيدة لواحد من أقطاب النظام الملكي)، إلا إذا كانت تعتقد أن مجرد لصق بعض الرسوم الكاريكاتيرية المنشورة للفنان رضا حسن على واجهة ومن حول صورة مفردات عمل جواد سليم تكفي لمنح موقعها حق جواز إقحامه بين الساخر من المواقع على شبكة الانترنيت!
شخصيا لا أريد أبدا مصادرة المشروع من حق الكاتبة ميادة العسكري وغيرها الانحياز سياسياً وفكرياً لما كان يسود من النظام في ظل العهد الملكي، وحد تفضيل ذلك عن ما عداه من العهود المتعاقبة. لكن من حقي أو بالأحرى من واجبي كفنان تشكليي ممارسة الاعتراض ورفض هذه الإساءة المتعمدة لمنجز إبداعي بمستوى نصب جواد سليم وهو الذي يفترض أن يكون مدعاة لفخر واعتزاز أهل العراق وبالخصوص من يعملون في ميدان الثقافة وقبل غيرهم من الناس، وذلك ما يدعوني شخصيا للعمل وبشكل استثنائي، على إبراز موقع ومكانة هذا النصب الخالد في موقع القلب من بغداد في العديد من أعمالي التشكيلية خلال السنوات الأخيرة، ومن بين ذلك ما جرى عرضه في حفل افتتاح نشاطات المنتدى الثقافي العراقي في الولايات المتحدة الأمريكية في كانون الأول الماضي.
أن يتعامل أيتام نظام البعث مع هذا العمل الإبداعي من موقع الحقد والكراهية، ذلك أكثر من متوقع، بحكم أن فكرهم مضاد للجمال ومعادي للفرح، وأن يتعامل القادمين من ظلام العصور الوسطى مع نصب جواد سليم بذات القدر من الحقد والكراهية، ذلك هو الأخر أكثر من متوقع، بحكم أن أفكار هولاء الهمج تنتمي لقرون مديدة من الجهل، وعلى نحو يجعلهم دائما في موقع النقيض جذريا، بكل ما يتصل بنبض المشرق من الحياة، وفي المقدمة من ذلك، المختلف من أشكال الإبداع، ولكن أن يكون ذلك وأن أختلف الدافع والمنطلق الجديد من أساليب الإساءة وعن عمد لنصب جواد سليم ، ذلك يتطلب وبالخصوص من جميع الفنانين التشكيليين وقبل غيرهم، التعبير عن رفضهم، ليس فقط من منطلق الدفاع عن فن جواد سليم، وإنما دفاعا عن الإبداع، ولقطع الطريق على جميع من يفكرون اعتماد هذا الخاطئ من الطريق ولدوافع سياسية، ولمجرد تعاطفهم وانحيازهم لما كان يسود في الغابر من العهود!
شخصيا كنت أعتقد أن نجاة نصب الحرية من براثن الهمج سوف يكون خاتمة المطاف في تهديد وجوده ومكانته المتميزة إبداعيا، وخصوصا بعد سقوط نظام البعث وتخلص بغداد من سطوة الرعاع والهمج، وبحيث يكون ذلك المنطلق لبداية العمل من أجل رد الاعتبار لنصب جواد سليم بكل الوسائل والسبل للتأكيد على مدى الحرص وخصوصا في أوساط المثقفين على التعامل مع المنجز الإبداعي ومكان وجوده، باعتباره ثروة وطنية، لا تقل أهمية عن الشاخص من المواقع الأثرية أو المخزون من منحوتات العصور السومرية والآشورية والبابلية في المتحف العراقي، ولكن يبدو أن هناك من يعملون ولدوافع سياسية، على استكمال ما عجز البعث والرعاع عن تحقيقه طوال خمسة عقود من الزمن، وأن كان بوسائل أخرى، تستهدف تسخيف وإفراغ هذا الرمز الإبداعي من محتواه ومكانته الإبداعية المتميزة عراقيا وعالميا، متمنيا أن لا يكون ذلك هدف موقع صحفية بمستوى ميادة العسكري، خصوصا وهي كانت من بين ضحايا نظام همج البعث ودفعت الباهض من التبعات، ثمنا لحلمها في العيش في مجتمع تسوده الحرية والعدالة.
أخيرا أقول أن هذا الخالد من العمل الإبداعي (نصب جواد سليم) يستحق وجدير تماما، أن يكون دائما مدعاة للفخر والاعتزاز، ليس فقط جميع التشكيليين في العراق، وإنما جميع من يجيدون فن التعاطي مع المنجز الإبداعي، باعتباره أساساً فعل حضاري، وعلى نحو يجعل من مواقفهم بالفعل، في موقع المتعارض جذريا، مع موقف حكام البعث، وجميع الهمج من أهل التخلف، وموقع هذا النصب في القلب من بغداد، يفترض أن يغدو مكانا لممارسة فضيلة الخشوع، تحت ظلال عمل إبداعي فريد عراقيا وعالميا، نجح وبشكل رائع، في الجمع ما بين المختلف من المدارس الفنية تشكيليا التي شهدها وادي الرافدين في المتعاقب من عصور الزمن، أقصد منحوتات الطين السومرية، وتشكيلات الحجر البابلية، وتماثيل الصخر الآشورية، والمتميز من خطوط الواسطي العباسية، وضمن تشكيل إبداعي مذهل، لا يمكن أن يدرك إبعاده أبدا، من عميت بصائرهم قبل أبصارهم، وبالخصوص وسط من لا يملكون القدرة، على التعاطي مع هذا العمل الإبداعي، بعيدا عن مساطر أهل السياسية، وتحديدا لمجرد موقفهم السلبي من ثورة الرابع عشر من تموز! محمد فرادي 2009* العديد من هذه الأعمال لم تنال الموافقة على إنجازها خلال العهد الملكي. ** هذا النصب الجميل والتاريخي ( نصب الجندي المجهول) جرى هدمه في منتصف الثمانينات والاستعاضة عنه بنصب آخر للجندي المجهول من تصميم الفنان خالد الرحال في مدخل منتزه الزوراء في الجهة القريبة من فندق قصر المؤتمرات. *** هل يمكن لأحد أن ينسى المحاولة البائسة في طلاء حمامات السلام في أعلى جدارية تموز لفائق حسن بالقير الأسود، وكيف أن أمطار بغداد الوفية أزاحت هذه البقع السوداء بعد زمن قريب، وحتى قبل سقوط حكم البعث بعد أقل من تسعة شهور من حكمهم الدموي. **** لا توجد هناك إشارة واضحة تفيد بحدوث لقاء بين جواد وقاسم، في حين أن من المعروف أن تنفيذ المشروع كان يجري بأشراف مباشر من الجادرجي، وشخصيا لا أستطيع الجزم عما إذا كان عبد الكريم قاسم يرغب في وضع ما يمثله شخصيا بين مفردات نصب جواد سليم، ولكن الثابت والأكيد من الحقيقة، أن جواد تعرض لانهيار عصبي وهو في إيطاليا،قاده للرقاد في مستشفى خاص بالأمراض النفسية، ما أن علم بوجود مثل هذا المقترح الغريب، وتطوع فنان أخر (خالد الرحال) لتنفيذه، وبهدف تسخيف فكرة النصب أساسا، وتجريده من كل المتميز من دلالاته الإبداعية، ليكون مجرد عمل ذو صبغة سياسية مباشرة وبشكل فج، سرعان ما يزول بفعل العاصف من التطورات السياسية، وعلى النحو الذي حدث عمليا، مع جميع اللوحات والنصب والجداريات والتماثيل التي جرى تنفيذها في زمن حكم البعث، سواء تلك الأعمال التي نفذها خالد الرحال و.....و...غيرهم من باب الحماس والتطوع،أو من قبل سواهم من الفنانين بعد أن بات ذلك الخيار الوحيد، للخلاص من الموت عبثا، في حروب الطاغية، أو على الأقل البقاء بعيدا ما أمكن عن المتقدم من جبهات الحرب! المصادر : من غير كتابات وتصريحات المهندس المعماري الدكتور رفعت الجادرجي وبلقيس شرارة والنحات محمد غني حكمت عن وحول نصب جواد سليم، يمكن العودة أيضا للعديد من المصادر المهمة عن هذا المنجز الإبداعي ومن بين أبرزها : - جبرا إبراهيم جبرا (جواد سليم ونصب الحرية ) دراسة في آثاره وأفكاره ـ 1974 - الدكتور شمس الدين فارس ( المنابع التاريخية للفن الجداري في العراق المعاصر ) 1974 - عادل كامل ( الحركة التشكيلية المعاصرة في العراق ـ مرحلة الرواد ) 1980 - الدكتور محمد مكية ( خواطر السنين ـ سيرة معماري ) 2005 - عباس الصراف ( دراسة في نصب الحرية ) أواسط السبعينيات - الدكتور ساهر القيسي ( محاضرات في علم الفراغ (نصب الحرية نموذجا) على طلبة الماجستير في أكاديمية الفنون الجميلة ـ جامعة بغداد ) ------------------------- موقع جواد سليم http://iraqiwriter.com/iraqiartist/Archive/Jewad_Selim/Jewad_Selim.htm
عمل للتشكيلي محمد فرادي مستوحى من نصب الحرية مع رؤية مشرقة للأمل الذي قتله البعثيون عام 1963
|
|||||||