ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

iraqiwriter@ymail.com

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 11, 2010 08:49 AM

Detroit Michigan U.S

 
(قصة )

اليتيم

 

عضيد شياع عواد

 


ينتزع من كفيه أشواك سني حياته القصيرة ، يقلب رأسه باسترخاء ويرفع قدميه للأعلى كما تقتضي براءة الأطفال .. لا يأبه بالرائحة النتنة التي ينفر الناس منها  ولا يشعر بالفوقية أو الدونية .. بالانعدام أو الوجود أو أي من مصطلحات الكبار البالية .. يسعد بالخمسين أو المائة دينار التي يدأر المحسنون بها من فضلات الدخل كما يحلو لأصحاب المحلات تسميتها ..
من أين أتى ؟ لا يعرف .. وكل ما يعرفه أنه سمع من أحد المربيات عندما كان في دار الأيتام أن أبواه قتلا في قصف صاروخي للطائرات الأمريكية في أحدى غاراتها على بغداد عام 1998 وأصيب عندها بجروح لينقل بعد أن تعافى في المستشفى إلى دار حكومية لرعاية الأيتام الذي تربى فيها وأمست داره وعالمه الفسيح . وعندما أنفضت هذه المؤسسة كغيرها بعد وقوع الاحتلال  وجد هؤلاء الأيتام أنفسهم متشردين في الشوارع .. فماذا يفعل ( فارس ) أبن السبعة سنوات والذي لفظه الزمن وأمست الشوارع والساحات الفارغة مأواه وعالمه وحياته الجديدة ؟؟ ..
صباح بارد حزين يغزو أيام عمره من جديد ،  يسند ظهره المتعب متكئاً إلى أحد الجدران الصغيرة في شارع الرشيد يجلس القرفصاء بملابسه الممزقة وقبعته الصوفية البالية الجوانب وقد خارت قواه بعد رحلة مضنية من تعب الاستجداء ولون وجهه الأصفر الشاحب جالياً حظه فإغماءه أمام أحدى البقاليات ليس من تحسره على أنواع الفاكهة التي يجهل أسماء بعضها بل من فقر الدم الذي يعانيه وأصابته باللوكيميا التي لا يعرف متى بدأت تنخر في دمه .. تأمل زرقة السماء وقطع الغيوم التي تعبر أشعة الشمس ويجول بناظريه يحدق بنظرات ثاقبة وهو يرى أرتال البشر والسيارات التي تجوب
الطريق بلا هوادة وكأن الضجيج من حوله يرسم ملامح صيرورته وهوس الشوارع يصوغ حياته وقدره .. يشّد انتباهه طفل في مثل عمره بوجه مورد وملابس نظيفة أنيقة ويمسك والداه بيديه وهم يترجلون من سيارة بيضاء ركنوها أمام  أحد المحلات الكبيرة  لبيع الملابس ، على إيقاع الحزن العميق المتشابك بنفسه تذكر تباعاً أشياءً كثيرة أحبها أو تمناها وأكتافه المحملة بتلال من الحكايات أحيّت ذاكرة تعج في رأسه بما لا يمكن أن يتحقق من قائمة الأمنيات التي كثيراً ما حاول التهرب من التفكير بها .. ولكن أين المفر ؟ .. تعاوده الحسرة وأنفاسه تختلج بمرارة الألم عن صورة هذا
الطفل الأنيق ، فحتماً أنه يعيش في بيت مضاء بأنوار الحب ومفترش بأثاث وفير ، له أم ترعاه وتغمره بالحنان والطيبة وتوفر له الطعام وتنظف ملابسه وتسهر على راحته ، وأب يقبل جبينه كل يوم ويحمل ما طاب له عند عودته إلى المنزل ، يطفئون الشموع أحتفاءً بعيد ميلاده كل عام  بين فرح أهله وأصدقاءه ووسط هرج الموسيقى وتتابع الأغاني .. آه .. كم أتألم وأنا أتذكر كلمة ( العيد ) كأنها هوامير غضب تطرق على رأسي .. وها هو عيد الأضحى على الأبواب وبعد أيام يحتفل الناس به ..
لهجت نفسه ببضع كلمات اندلقت  بحرقة وألم على صوامع ذاكرته ، ثم مضى عائداً بخياله إلى ذلك الإنسان .. ذلك الطفل الذي يجهله تماماً : حتماً أنهم  قصدوا ذلك المتجر لشراء ملابس جديدة له ليزداد سعادة وبهجة بأيام العيد ،ولِمَ لا وكل أيامه أعياد !! ..
وأنا أين أنا ؟؟ ..  أنا الذي تركلني دوائر النفوس من قيودها والمدافن من شواهد قبورها والبيوت من سقوفها وقد لفظني الزمن في أزقة الوحشة وجعلني مدعاة للشفقة ولنقود بعض أصحاب القلوب الكبيرة وموائدي تفترشها فضلات حاويات القمامة العفنة ..
أنا المسافر بين أدغال الحيرة أتبع ظلي الضائع  وظلي يتبعني بين الزوايا والدروب السقيمة بلا نهايات ونهايات بلا أمل ، أنا  الجاثي على هامش الزمن الملتحف برداء الغربة التائهة بين حبات رمل الصحراء ، الشوارع نهاري وليلي الساحات الفارغة وقطع الكارتون لحافي ودفئي من عصف البرد وزخات المطر ،  أنزف بقايا روحي بلا أطلال بين غبار الماضي وحاضري المهزوم بأيامي المعمدة بماء القهر وساعاتي تضج بالحيرة والأنين  فلا بحر يرسيني  حداة الخلاص ولا سفن شراعية ولا نهر ولا مطر وقد جفت عروقي في النوى قبل أن يجف الفراتين ،أغفو وأصحو على جروحي و حروفي كلها
علة وحلمي مفتوح بالسواد على كل المواعيد ودفاتري ممهورة بالسواد ، أطوي جلدي على جلدي وحبات وأنفاسي تتصاعد  تأن في ظلماء الروح أسبق موتي وموتي يسبقني ..
أي عيد هذا  وأنا الجعبة الخاوية من السهام والطلقات ،محاصر من كل الجهات محاط بسياج التشرد والجوع والمرض لا درعاً يصد ولا صوتاً يرد ولا إبرة تخيط لي ثواب الحداد ، سمائي دمعة وأرضي حفنة تراب ، أمشي وأرجلي عكاكيز جوفاء لا تبر جسد الخواء فلا مظلة تقيني لهيب الشمس ولا سقف يحميني من المطر ولا سبابة تخفي نخر المرض ؟.. أي عيد هذا وأنا غريب اللغة مرمي في أزقة التيه ومنفي في شوارع بلا نهايات  ؟؟..
الغروب يخرج من عرينه الأسود ويفرش بجناحيه سيماءه القاتمة والجسد السقيم لازال متسمراً في مكانه ولجة الألم تعتمل الروح المنهكة وحينها  برقت السماء فظهر له طيف والدته التي لم يره من قبل .. ابتسامة مشرقة ارتسمت على وجهها ، نظر إليها بتمعن ، لم يكن يقتل صمت الشارع سوى حشرجتها : ( لا تقلق يا بني أنها بشارة خير ) .. بضع كلمات قالتها وغابت .
وفيما تصحو بغداد على أصوات أنفجارات جديدة .. يعثر عمال التنظيف على جثة فتى صغير جاثماً على وجهه يحتضن  بلاطات  الرصيف وهي  خالية من آثار الشظايا التي حصدت أرواح العشرات هذا الصباح ، يرحل فارس من هذا العالم البغيض بصمت دون أن يترك صفحات للذكرى ، لن يرثيه أحد ولم يترحم عليه غير عمال التنظيف الذين وجدوه جثة هامدة متيبسة تتوسد الرصيف ، قدرية الغياب حتماً لا تعيد  إليه خطواته وقد استكانت إلى رأي أمه بأن هذه النفس قد تنفجر مقهورة أو تهرب للأبد وأن الغياب أفضل لها من البقاء  لينتهي معها زمن اللف والدوران ولتبدأ رحلة القدر الموعود ..  فهل
قتله قهره ورثاءه لنفسه أم كما أبصم الطبيب على شهادة نهايته بأن الوفاة نتيجة أصابته  بسرطان الدم ؟ ..