Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

رواية

نخلة الغريب

ابراهيم سبتي

الفصل الأول

 

حافة النهر

 

عندما كان النهر يسير في حوضه قانعا هادئا وديعا ... كانت النخلة الكبيرة تقف قرب ضفته ، تقابل البيوت المحاذية للنهر ... لا يعرف لها تاريخا . كبار السن من سكان البلدة ، يقولون بأنها قديمة جدا ، قديمة إلى  حد أن آباءهم قد أدركوها وهم صغار .  النخلة الباسقة تقف الآن في عرض النهر ... بعد أن زحف عليها الماء وكأن النهر سئم وقفتها بعيدة عنه فضمها إليه بحركة سريعة مباغتة وبفيضان صغير، قبل ثلاث سنوات، أسفر عن ابتلاع الأرض الواسعة التي كانت تتوسطها النخلة ، الفيضان الصغير هذا لا يشبه أبدا الفيضان الكبير المدمر الذي ضرب البلدة قبل سنوات بعيدة ... تقف النخلة اليوم وسط الماء وأصبحت من ممتلكات النهر الذي يبدو أنه وقف عند هذا الحد ، يأبى الانحسار والعودة إلى  جرفيه... منذ عدة سنوات تغير وضع النخلة تلك، وتحديدا بعد فترة من انحسار الفيضان الأول  ، تغير تماما في نظر أهل البلدة والبيوت الأخرى القريبة ، حتى باتوا ينظرون إليها وكأنها تقف حامية وحارسة لحفرة صغيرة بجوارها تضم رفات أحد الغرباء،                    Text Box:  

حين أدركه الموت في تلك البقعة من الأرض. وما كان من صاحبه إلا أن يدفنه فيها ، تحت النخلة تماما . يتذكر الأهالي من كبار السن وحتى بعض الرجال الذين فطنوا على الحادثة ، بأنه في تلك السنة قدم اثنان من الغرباء مارين بهذا المكان قاصدين مكانا أبعد – والله اعلم – أدرك أحدهما الموت فدفنه الآخر بعد أن انجده أحد الأشخاص بمجرفة ، يومها  

تجمع الناس حوله وهو يدفن صبيا صغيرا كان برفقته، بعد الدفن اختفى الرجل ومن حينها لم يره أحد مطلقا ... ولم يعد أحد يتذكر تلك الحادثة فصارت نسيا منسيا . تقف النخلة اليوم باسقة وسط النهر أو قريبة منه ، فلم يعد أحد من أولاد البلدة يقترب منها بعد ان فقدوا ساحتهم المفضلة المغمورة بالماء الذي ظل جاثما لا يبدو انه سينسحب طائعا منها ، وحتى قبل أن تختفي الساحة كانت خشية الاقتراب من النخلة تزداد يوما بعد آخر ، فحكاية الصبي المدفون عادت تطفو على السطح ثانية ، فقبل أن يفيض النهر فيضانه الصغير ، كان الأولاد يحكون لاهلهم ما يرونه صباح كل يوم جمعة ، من آثار شمعة محترقة واعقاب عيدان بخور نابتة في جسد النخلة ، الجميع كان يندهش من تلك الأخبار ، كان رجل مجنون يقترب من النخلة مع الأولاد كل يوم جمعة ليرى ما يرونه، ذلك الرجل الذي رماه قدره في هذه البقعة من البلدة صار سخرية الأولاد والأطفال حتى وصل بعضهم إلى  رميه بالحجارة والركض خلفه ، وعندما يحاول المسكين الخلاص يلجا إلى  اقرب حائط يلوذ خلفه ، أو رجل قريب يدفع عنه مشاكسات الصبية.

أطلق عليه الصغار المجنون ولم يره أحد بأنه تصرف بحنون أو انه كان يشبه المجانين في شيء، لكن هيأته جعلتهم يطلقون هذا الحكم عليه ، كان رجلا في الخمسين أو يقترب منها ، شعر ابيض منفوش اختلط مع سواد قليل مغبر ولحية بيضاء كثة ، يتخذ من كوخ صغير في طرف البلدة ملاذا له ، لم تطف حكاية النخلة على الأحداث دونما سبب ، فحكايات الأولاد حول الشمعة والبخور قد جعلت الناس ينظرون بحذر إلى  تلك النخلة ، بل راحوا يحيكون القصص حولها ، فبعضهم يقول بان الشمعة والبخور تشعلهما سعلاة تخرج من النهر ليلا كل خميس وتظل جالسة قرب النخلة ثم تختفي قبل حلول الصباح... بعضهم يدعي بأن شخصا قريبا من هذا المكان يقوم بذلك العمل ، ولكن قصة السعلاة كانت الأقوى وانتشرت بسرعة بين الناس ، حتى ان الصبية لم يحاولوا الاقتراب أبدا من النخلة حتى في النهار. وعندما تغرب الشمس فهذا معناه الابتعاد تماما عن المكان ومغادرته بسرعة، وقد سرت شائعات تقول بأن تلك السعلاة تختطف الأطفال وتأخذهم إلى  قاع النهر فمنعت الأمهات أبناءهن من الذهاب إلى  هناك ، وظل حال النخلة سرا من الأسرار التي لم يفكها احد من ساكني البيوت المجاورة للنهر ... ظلت عيدان البخور وبقايا الشموع المحترقة تدور في رؤوسهم كصور لم يستطع احد نسيانها رغم ان اغلبهم لم يرها قط.

 

بعد ان غمر النهر، بمائه، النخلة لم يعد هناك من يرى في صباح كل جمعة تلك العيدان وبقايا الشمع ، فاختراق حاجز الماء احتمال Text Box:  
 

لا يقدر عليه احد ، والاقتراب من المكان صار من المحاذير . وفجأة اصطف الناس عند جرف النهر قبالة النخلة في عصر احد الايام ... كان المنظر قد اذهلهم تماما وهم يحملقون صغارا وكبارا في النخلة ، الرجل المجنون دخل الماء وسار بقامته الفارعة نحو النخلة وامسك بها ثم احتضنها مسندا رأسه عليها وراح يجهش في بكاء شديد ... لم تدر في  

 

خلدهم فكرة إخراجه ، فظلوا يحدقون واقفين بثبات وكان نظراتهم التصقت به لا تفارقه ، الرجل المجنون غطس نصف جسد ، وظل ممسكا بذراعيه اللتين حضنتا النخلة وكأنه يتشبث بها من غرق محتمل، ظل يطلق نشيجا حادا والنظرات لا تفارقه ... بدأت الحيرة والذهول والترقب لما سيحدث ... الأسئلة تدور في الرؤوس ... لماذا يفعل ذلك؟ هل افصح عن جنونه الآن ؟

 

مرت ساعة وهو يتشبث بجذع النخلة بينما تزايد الواقفون وامتلأ المكان برمته حتى بدا أن المدينة لفظت كل ناسها قرب النهر   نساء وأطفالا ورجالا ، الكل ينظرون إلى  الرجل الممسك بالجذع   ذلك الجسد الهزيل من يصدق انه يمتلك هذه القوة ؟                                 

 يقف منذ ساعة يبكي بحرقة و ألم  بكل قوته ولا تبدو عليه علامات الإرهاق أبدا ، صاح رجل بأعلى صوته ...

-   عد ... فالماء سيأخذ قوتك !

صاح اخر

-   احذر السعلاة !

لم تبدر منه اية استجابة ... بل ظل بكاؤه متواصلا ولم يلتفت إلى  الناس المتجمعين ، قال أحدهم:

-          يخيل لي انه يهزا منا !

دار كلام سريع بين الواقفين ...   سيصيبه الوهن ويسقط في النهر    ولكن نظراتهم المذهولة دفعتهم إلى  ترقب لحظة كهذه ... و كأنهم راهنوا على ضعف قوته وانهيارها ...الجسد الملتصق بالجذع ظل واقفا براس مرفوع نحو السماء وذراعين تحتضنان الجذع ، والماء يتلاعب بدشداشته الفاقعة. رماه بعض الصبية بالحجارة وكأنهم يصوبون على هدف نصب امامهم ... صاح بهم الرجال ثم استمر احد الصبية برميه ضاحكا مسرورا...

لم يدم الحال طويلا ، فقد نزل إلى  الماء ثلاثة من الفتيان ... تحت وابل من التحذيرات:

-          لا تقتربوا منه فقد تكون السعلاة بانتظاركم !

 لم يعودوا بل واصلوا واقتربوا من الرجل المجنون الذي لم تبد عليه انه سيترك المكان طائعا ... نزعوا ذراعيه من النخلة عنوة واقتادوه إلى  حيث يقف الناس … فيما ظلت عيناه لا تفارقان النخلة حتى وهو يخرج من الماء كلية ... تفرق الحشد وغادر الرجل المجنون يحيط به الصبية من كل جانب …

دارت الحكاية على الالسن ... حكاية جاهزة نزلت عليهم من السماء ... البعض راح يهول ما رآه ويضيف اشياء لم تكن موجودة ... يقولون :

 

-          ان الرجل المجنون يبكي كي يكسب عطف الناس ...

 قال احدهم بسخرية : 

-   بل انه يبكي في هذا المكان ، قرب النخلة تحديدا ليسمع السعلاة، انه يريد ان يغوص معها في النهر… واطلق ضحكة مدوية واردف ...

-   مسكين ... ارجعوه ثانية.

فيما صرخ اخر

- اراد الانتحار لكنه خاف وارتد وتمسك بالنخلة باكيا ...

 رد احد الرجال بغضب :

 

-   هراء ... هذا هراء لا معنى له .

 

وعلق اخر:

-   عجبا ، لقد فعل ذلك بقلبه  الشجاع لا بجسده الضامر هذا !      يبدو ان هذا الرجل يمتلك قلبا مرهفا لا يتناسب مع ما يبديه من تصرفات!

ظلت حكاية النخلة والرجل المجنون تثير فيهم الفضول وتأليف الحكايات عنها ولم يذكر احد قط حادثة النخلة القديمة ونسوا تماما ما حدث للغريب الذي مات ودفن تحتها .

بعد ذلك النهار... ظل ينظر اليه على انه شخص مجنون فقط ، لا يخلو عقله من لوثة ... فإنسان عاقل لا يفعل الذي فعله والغريب ان جميع الناس لم يعرفوا سر تعلقه وبكائه على النخلة مع انهم ابتكروا تبريرات يقنعون بها أنفسهم .

 

 

*          *           *

 

 

في ذلك النهار... سمعت مقهى البلدة صراخا ، كان رجل قد حضر متألما  نازفا ... كانت ملابسه ملطخة تماما ، هرع اليه             رجلان ... اقتاداه إلى  المقهى ، نهض الجالسون يتابعون المشهد ... لم يجلس ، ظل واقفا متأوها ... وبصعوبة بالغة اندفعت بعض الكلمات تفوح منها رائحة الخوف...

-   هاجمني ذئب !

علت الدهشة الوجوه السمر المتحلقة حوله ... بعضهم اقترب منه وكأنه يريد ان يرى الحقيقة ... فيما جلس آخرون ينظرون إليه بعيون دارت أمامها الشكوك لما حدث .

في ذلك النهار ... كل الناس قد سمعوا بالخبر ... هرعوا إلى  المقهى ... لم يجدوه ، الرجل المفجوع  وصل إلى  بيته متألما نازفا ... سألوا عنه بلهفة:

-   اين  زامل   ؟

في ذلك النهار ... لم يكتف الذئب بما فعله ، بل اخذ ذراع  الرجل معه. صك عليه أسنانه واستدار هاربا نحو الوادي المهجور المقابل للبلدة وتوارى تماما ، فيما ظل الرجل متألما متوجعا يصيح بلا هوادة .

 

في ذلك النهار ... راح الرجل يتمرغ في تراب البر الموحش ، لا أحد يهرع إليه ، لا أحد يمر بقربه. . فالطريق خالية تماما ، خمن بأن

 

لا أحد يسمعه مهما صاح واستغاث ، فكانت صيحات يأس هزت جسده المتألم ... لا أحد يجيبه ... لا أحد يسمعه البتة ... فظل طريح التراب باكيا لا يعرف ما يفعله تحت لهيب الشمس المحرقة ، فيروح بإغماءة لا يصحو منها إلا بعد ان لكزه أحد المارة بالصدفة ... بالصدفة العجيبة فلا أحد يفكر باختراق مجاهل ذلك البر المقابل للوادي المهجور في مثل تلك الساعات المهلكة ... بل في كل الساعات ... فتلك الطريق قاحلة جافة   لا حياة فيها... فلا أحد يسير في طريق موحشة ، فالطريق الموازية للنهر هي خيارهم الوحيد ، فهُجر البر الموحش تماما ولم يعد أحد يفكر باختراقه مطلقا .

 

في المساء تقاطروا عليه في غرفته الطينية الآيلة  ... ليروا ماذا حل به ... لم يصدقوا ما حدث ، صرخ   هداوي    بعينين شامتتين ، بوجه  زامل   المتأوه من جراحه ...

-   لم نسمع بوجود ذئب ولم نصادفه يوما ابدا ...!              ابحث عن قصة اخرى تقنعنا فيها يا رجل ...

اللحظات تمر عليه بطيئة قاسية ويتمنى لو ينهض من رقدته والصراخ بالوجوه المتجمعة حوله ... تمنى ان يقول لهم بأنه دفع ذراعه ثمنا، محذرا اياهم من الذي سيحدث ... لم يصدقوه ابدا ... يقولون له بان البلدة آمنة ... لم نر ذئبا أو نسمع به ... لقد انبأتنا بقصة غريبة لم نستطع تصديقها ... قال لهم بتثاقل وكأنه يخرج صوته من بئر عميقة ...

-       أنا  اعرف كل شبر في هذا البر الواسع ... كنت دائم المرور فيه... انتم تعرفون ذلك جيدا ... كنت عائدا إلى  البلدة على حصاني بعد ان بعت شيئا من الصوف في المدينة ... كنت سائرا حين تنامى اليّ صوت غريب متقطع ... لم اميزه في البدء ... الصوت صار عواء يقترب ويمتزج مع خيط الغروب النازل ...وقفت اصغي ... ولما عرفته عواء مؤكدا لا يقبل الشك ... اطلقت عنان حصاني ثم همزت بطنه برجلي فسار بطيئا وكأنه شعر بشيء ما يدور حوله ... ضربت رقبته فأسرع ... العواء دوى مرة اخرى فسمعت رجع صوته في الفضاء الاخرس ... جررت عنان حصاني فتوقف ... صرت أدير رأسي في كل اتجاه ابحث عن مصدر الصوت ... لا جدوى ... لم ار شيئا ، الليل يحاول ان يلقي بنفسه على الارض الكالحة ... صهل حصاني بقوة ... لم اعرف ما أصابه ، لكني سمعت وقع حوافره وهو يسير ببطء ... سمعتها وكأني لم اكن راكبا فوقه وقتها تخيلت انني سمعت حوافر حصان اخر في ذلك الخلاء الموحش ... كنت واهما إلى  حد أني صدقت حكاية وجود حصان Text Box:  

 

اخر قريب ... اختلطت علي الامور ... توقف ثانية ، كان القمر قد اكتمل وسط الظلمة يرسل بعض نوره مخترقا أول الليل الذي غطى المكان كليا ... قلت ... غريب ان اسمع عواء هنا ... اول مرة اسمع صوت الذئب في هذا المكان ... سنين طويلة وانا اسلك البر . لم يصادفني شيء من هذا رغم اني اجتزت ذك المكان في ليال حالكة  

السواد مخيفة ... صهل الحصان مرعوبا وهو متسمر في مكانه ... العواء صار قريبا مني ، بل في لحظة لمحت امامي كتلة سوداء تعوي بعنف ... جفل الحصان ولم يتحرك ابدا ، لكزته برجلي بكل قوتي ... لم يتحرك ...  اقتربت الكتلة السوداء اكثر ، ويبدو انه ذئب خبيث ، عرف انني لم احمل سلاحا . دنا اكثر ، عصا صغيرة هي كل عدتي في سفري ...  اخذ يدور حول الحصان ... احسست إنني المقصود اولا ... كان جريئا خبيثا ، أدير رأسي مع دورانه، اعرف انه غادر وماكر ، ربما يغدر بالحصان من الجهة التي تروق له   ، ضربته بعصاي مرة اخرى ... لكنه امسك بها بأسنانه ، عندما حاولت ضربه بها ثانية ، سحبها بقوة ... كنت امسك باللجام بيدي الاخرى فعسى ان يتحرك الحصان ، لكنه ظل واقفا خائفا يصهل كلما دنا الذئب منه ... فجأة شعرت بانه يصك اسنانه على قدمي اليمنى المتدلية إلى  اسفل.. حاولت جاهدا تخليصها ، نجحت لكني سقطت بعدها ، فقد كان اللعين قويا واسنانه كأوتاد من حديد ... سقطت على الارض ولكني لم افقد حذري ، قلت الان حلت لحظة المواجهة . نهضت ، ركلته بقدمي اليمنى التي اخذت تؤلمني بشدة ، اصبته في بطنه ... لم تؤثر فيه ركلتي ، لم أر شيئا قد تغير فيه ... قلت أنا  ميت لا محالة ... وثب علي ، ابتعدت عنه قليلا ، وثب مرة اخرى ... لم اعد اسمع صهيل الحصان ، سقطت ، لقد كان ثقيلا ، شعرت بان اصابعي قد انغرزت بين ثنايا شعره الكثيف النتن ... كتلة من النتانة تجثم فوقي ... لم اسمع صهيل الحصان ... كان فمه المفتوح بشعا واستطعت ان ارى شيئا منه فضوء القمر النازل يجعلني أتحسس جسده ، فمسكت شعر رأسه بعنف ورفعته بصعوبة ... لكنه استطاع الإفلات من قبضة يدي وانتقل إلى  ذراعي التي مسكها بسرعة خاطفة  ، ظل ينهش لحمي رغم مقاومتي وضربات يدي الأخرى...  لم اعد اسمع صهيل الحصان ، أنا  هنا             وحدي ... لا شيء غير الليل والبر الموحش ... لم اعد اسمع شيئا اخر ... كانت يدي قد التقطت العصا من الارض ... لم تنفع ضرباتي ... كان الجسد المتوحش قد ركز قوته وثقله على ذراعي اليمنى التي راح ينهشها رغم كل صرخاتي ... همهمته تتعالى وصراخي يتعالى...

 

لم يتركني ، ضرباتي تتلاحق وركلاتي مستمرة                        بلا هوادة ... لافائدة ... جسد ثقيل نتن يربض فوقي ... لم اعد اسمع صهيل حصاني ابدا ... لافائدة ... شعرت بان جسدي يتقطع إلى  اجزاء متناثرة ،بعدها لم اتذكر شيئا اخر ابدا ...

قال صلال  العجوز ساخرا وهو يقف بعيدا عن حشد الرجال المتجمعين:

- الذئب لا يكتفي بخلع ذراع أو قدم ... انه لا يبرح المكان حتى يتأكد من القضاء كليا على فريسته مبقيا العظام فقط !                          

Text Box:  

 

قال  هداوي   :

 

-   الذئب لا يرحم احدا ، لو قلت غير ذلك لصدقناك !

وحده الشيخ  عبدالله   الجالس قرب راس الرجل المفجوع ، لم ينطق بكلمة ... صامتا ، يسمع كلامهم ولا يقول شيئا ... ثرثرتهم ملأت حجرة الرجل المتآكلة ... لم يتوصلوا لشيء ... علق أحدهم موجها كلامه لـ  زامل   الجريح ...

 

 

 

-   لا تستطيع إقناعنا ... كلامك ملفق... هذه خرافات !

 

أصابع الشيخ  عبد الله   تعبث بمسبحته السوداء ، يسمع وكأنه ينتظر متى يفرغون ... الشيخ  عبد الله   رجل في الستين... العقود التي عاشها يعرف كل أحداثها ، لا ينسى تفاصيلها ، راوية لكل الأحداث                بدقة ... محددا زمنها ومكانها ... يعرف كل تفاصيل الناس، يتوغل في احسابهم وأنسابهم ، يسألون عن جد ضائع أو اصل قبيلة فيرد بثقة رجل عارف وبحنكة ودراية ... يرتدي ثوبا ابيض طويل الردنين ، يضع على رأسه كوفية مثبتة بعقال اسود رفيع ، ويضع على كتفيه عباءة من الصوف الخفيف ...

رفع الشيخ رأسه فتوجهت إليه الوجوه المملوءة بالحيرة والقلق ... وسط ترقب الرجال ... قال الشيخ بصوت هادئ .

-   إذن ... انه يتربص بنا !

ونظر إلى  الرجل الراقد المتألم بنظرة لا تخلو من شفقة إلى  عينيه حيث بقية من بصيص نور شاحب ووجه اصفر خلا من الحياة وصار مثل خشبة يابسة .

واردف :

-   في الذئب كل دهاء ومكر الضواري ... ان الامر يحتاج إلى  حيطة وحذر وبقاؤه طليقا يثير القلق فينا . لكننا سنكون اكثر حذرا من قبل ... يحتاج الامر إلى  شجاعة ودهاء ، ولكي لا تظلموا هذا الرجل المسكين وتنتهي شكوككم . اقترح ذهاب مجموعة من الرجال إلى  هناك ... ربما ستجدون آثار مخالب أو قطرة دم لازالت باقية ، حينها يكون لنا كلام آخر ... ولكني أحذركم من النهر ايضا ... ذلك المارد القابع أمام البلدة ، أخشى أن نجد أنفسنا يوما بين فكي كماشة ، قال أحدهم متخابثا وكأن كلامه قد تهدل أمامه لا يستطيع الإمساك به :

-   وما شأن النهر بما نحن فيه الآن ؟ لماذا يغضب علينا ؟ إلا يكفيه ما فعله بنا ؟ نحن إزاء مشكلة فان صدقت الحكاية فسنكون أمام خطر قادم وعلينا الاستعداد له ...

رد العجوز  صلال   الواقف في ركن الحجرة البعيد موجها كلامه للشيخ :

-   ان كلامه غير معقول ... لا ذئب هنا أو هناك ... انك تصدقه ، بل صدقته منذ البداية ، لقد تعاطفت معه ونحن لم نتأكد بعد ...

نهض  هداوي   الجالس قرب الشيخ وصاح بغضب :

-   سنذهب في الصباح وننهي تلك المهزلة ، ان لقيته سأعلقه على عمود وسط البلدة واسلخ جلده واكل من لحمه !

بهدوء رد الشيخ :

-   قديما قالوا من أراد قتل نفسه فليأكل لحم ذئب !

كان الرجل المجنون يقف صامتا ينظر إلى  الشيخ الذي خرج فتبعته النظرات المتوجسة ...

               

                                                                                      

*          *           *

 

الرجل المجنون يدور في الازقة بملابسه الرثة الممزقة وقد غيب الغبار لون شعره ولحيته ، يدور لاهثا لا يعرف له قرار ، لم يقل انه يبحث عن شيء ، بل لم ينبس بكلمة ... أية كلمة ، ثم ينهي طوافه في الجلوس قبالة النخلة ، رغم ان الاولاد يكيلون له ما شاع من أقذع الكلمات حتى ان بعضهم لا يهدأ له بال إلا برميه بالحجارة فيظل يئن من اوجاع يكتمها في صدره لا يبوح بها لأحد . 

يظل سارحا بخياله حتى تغيب النخلة في الظلمة الحالكة السواد ينهض متثاقلا يبحث عن شيء يأكله في هذه الساعة من الليل ... الناس الذين تحدثوا عن النخلة والمجنون ، لم يدر ببالهم يوما وتحديدا بعد الفيضان المدمر بقليل ...و لم يتذكروا ما جرى ظهيره يوم قائظ تحت النخلة ... وكأن الارض التي تحيط بالنخلة لم تحو  في احشائها صبيا مات في الطريق ، فظل الحديث يدور حول ما يراه الاولاد في ايام الجمع من عيدان بخور مطفأة وبقايا شموع محترقة وبعد ان غمر الماء تلك النخلة صار من المعجزة ان يتذكر أحد شيئا من الماضي ، فصار كل شيء ماضيا ، ذهب مع ما ذهب من كلام وطواه النسيان إلى             الابد ... الرجل المجنون كما يسميه اولاد البلدة لا يعرف له اسما ، وحده الذي يحوم حول المكان ، حتى ان البعض ساورته الشكوك ، ماذا يفعل هذا الرجل في ذلك المكان ؟

 

لكن الألسن تنشغل بأحاديث أخرى فيكون المجنون قد كسب وقتا إضافيا لبقائه حرا يجوب الأزقة لا أحد يهتم لأمره ... البلدة منشغلة بالرجل الجريح وحكاية الذئب التي أحضرها معه .

 

أولاد البلدة الذين فقدوا ساحة لعبهم قرب النخلة منذ ثلاث سنوات بفيضان النهر الصغير ، وجدوا لهم أرضا بديلة بعيدة عن النهر ، خلف البيوت ... جرداء مقفرة بعيدة عن البساتين المطلة على                النهر ... كانت مملوكة لـ   ناهي   الرجل الذي كان يسير بعكاز وتنتشر كلابه الشرسة عليها ... إلا ان موت الرجل واختفاء كلابه جعلهم Text Box:  

 

يفكرون بجدية بتحويلها إلى  ملعب في تلك الفترة على الأقل لاسيما أن الأرض قد آلت إلى  زوجته العاقر مع أملاك كثيرة ... فراح يطول وقت مكوثه قبالة النخلة رغم ما يظهره الناس من امتعاض فهو لم يؤذ بشرا قط . لم يخرق حرمة دار أو يعتدي على طفل أو صبي مشاكس أو امرأة، كان مسالما وأكثرهم وداعة رغم ان مظهره لم يوح بذلك ... لم يقترب من حياتهم ، لم يشاركهم بشيء، فأختار طريقته في العيش وحيدا لم يتكلم مع أحد منذ وطيء هذا المكان من البلدة ... فالناس لم يهتموا يوما لوجوده، فكان تاريخ حضوره منسيا ، حتى حضوره لم يكن مفاجئا، فقد تعودوا رؤية أمثاله دون اكتراث ومثله لا يلفت الأنظار إليه لا سيما أن تصرفه لا يوحي بالجنون أصلا ، فظل تاريخ قدومه مجهولا ولم يتعب أحد نفسه في البحث والتقصي لامر لاطائل منه .

 

وحده الشيخ  عبدالله    يعرف متى جاء ... هو فقط يعلم              بذلك ... ولكن الرجل المجنون ظل حبيس وحدته وغربته في تلك الزاوية البعيدة من البلدة ... ولايعلم لماذا حبس هذا الرجل نفسه هناك ولم يغادر كل هذه السنين ؟ ما الذي يعجبه في حياته هذه ؟ اسئلة ظلت تراود البعض وحين لم تجد جوابا سكتت واختفت من رؤوسهم .

في المقهى دار الحديث عن الساحة البديلة .تلك الارض التي مات صاحبها وهجرتها الكلاب الشرسة وورثتها امراته العاقر ... احد الجالسين حذر من احتمال ظهور وريث اخر غير المراة فتكون صدمة الاولاد كبيرة رغم ان الارض جرداء مقفرة ، لكن صاحبها كان يعتبرها مثل ضيعة غناء لا يسمح لاحد بالاقتراب منها ... فصارت منيعة على اولاد البلدة طيلة السنوات الثلاث التي غرقت فيها ساحتهم ...

قال احد الجالسين :

-   وماذا يستطيع الوريث فعله في تلك الصحراء القاحلة ؟ انها لا تصلح إلا مدافن للموتى ...

كان كلامه قد وقع كالصاعقة على راس  شهيب   الجالس الذي انتفض من مكانه وكانه اكتوى بنار حامية ، قال متخابثا :

-   كل الارض تصلح لان تكون مدفنا !

 

 

رد عليه الشيخ   عبد لله    بهدوء :

 

-          حتى تلك الارض التي غمرها النهر صارت يوما مدفنا ، حينها لم يعترض احد منكم ...

علت الدهشة على الوجوه المبهورة ، صاح   سلمان    الجالس قبالة الشيخ ...

-   اتذكرون الغريب الذي دفن الصبي والذي كان برفقته ؟ حينها لم يمنعه احد ... لم يقل له ان المكان ليس بمقبرة ...

وفي غيظ رد عليه  شهيب   :

-          وما ادراك ان المرأة لن تفعل شيئا للارض ؟

-          هذا احتمال بعيد ... فلا احد منا يتكهن بذلك ... الارملة مشغولة الان بحياتها ... بوحدتها في ذلك البيت الكبير المطل على النهر ... البيت

الذي بناه زوجها من الآجر على تلك المساحة الواسعة ... لا اعتقد بانها ستفكر جديا في الامر …

قال  شهيب   :

-   سنترك ذلك للزمن.

كان الشيخ   عبد الله    صامتا يتامل البر البعيد فيما كانت اشعة الشمس اللاهبة تنهال كمشاعل حارقة في ذلك النهار اللاهب ... 

في ظهيرة ساخنة كان المجنون يجلس قبالة النهر حيث كانت مجموعة من الصبية تسبح في عرضه ... نهض كالمذعور وتقدم إلى  حيث النهر ... تقدم تحت وابل صرخات احد الاولاد ... الفزع اكتسح وجوه الآخرين ... الولد يصرخ ... نزل إلى  الماء ... راح يسير مسرعا مترنحا وسطه ، غطت دشداشته وبدا كانه يلبط كسمكة... الولد يصيح بجماعته ... المجنون اقترب من الولد ، اطلت بعض                الوجوه المارة تنظر إلى  النهر وتعالت همهمات من                              بينهم …

 

-  السعلاة ... السعلاة ...

تجاوز المجنون نخلته ، وصارت خلفه ، التفت اليها ... وقف                  لحظة ... صياح الولد بدا يخفت... الاولاد والاخرون لم يفعلوا شيئا ... لم يعرفوا ما الذي يجري لصاحبهم ... الرجل المجنون يغطس تحت الماء ويمسك بذراع الغريق الذي غاص جسده كله في الماء ، سحبه بقوة واخرج راسه حيث لا زالت بقية من انفاس تصعد بصعوبة ، سحبه إلى  خارج النهر فيما كان الاولاد... ينظرون بدهشة لما يفعله المجنون ...

عندما انتشر الخبر في البيوت المواجهة للنهر ، هب الناس المدفوعين بفضول لمعرفة ما حدث وكيف عالج المجنون الامر ... اسئلة يتقاذفونها وهم مسرعون إلى  حيث سيجدون اجوبتها بالانتظار ... الرجل المجنون ظل جالسا على الدكة الحجرية قبالة النهر ، الاولاد غادروا المكان حاملين صاحبهم الذي لم يفق من صدمته بعد ... تجمع الناس حول المجنون لكنه تجاهل ما حدث ... صرخ  هداوي   مستغربا ...

-   اخبرنا بالتحديد ... كيف أنقذت الولد ؟ هذا فعل رجل عاقل !

تساءل  صلال   بريبة :

-         

 

أين تعلمت السباحة ؟

 

فيما قذفه آخرون بسيل من الأسئلة التي لم يجب عنها ، فظل صامتا يهز برأسه علامة الاسى وهو يحدق بالوجوه المبهورة ...

 صرخ   سلمان   بوحهه :

-          لماذا لا تجيب ... هل أنت  اخرس ؟ أنت  مصيبة اخرى من المصائب التي وقعت على البلدة .

رد   صلال    ساخرا :

-   صحيح والله ... لم نسمع منه كلمة واحدة حتى الان ... انه يعيش بيننا ولم نسمعه يوما يتكلم ... لم نسمعه إلا مرة واحدة وهو يبكي حاضنا النخلة منذ ايام .

الرجل المجنون ما زال هائما في دوامته التي صنعوها له . لم يجب بأية كلمة لكنه نهض وقد انتصب واقفا متماسكا وحاول شق طريقاً له وسط الحشد لكنه لم يستطع فظل يدور حول الواقفين الذين لم يسمحوا له بالمرور من بينهم.

أطلت من بين الواقفين الأرملة صاحبة الأرض التي حاولت أن تجد له مخرجا لكنهم لم يسمحوا، فحاولت ثانية واستطاعت اخيرا بعد جهد اقناع الواقفين قربها ...

خرج المجنون تطارده النظرات المصدومة ... نظرات مريبة .

-  من هذا الرجل ؟ لماذا يخفي حقيقته ؟ هل هو مجنون حقا ؟

 

 

 غادرت الأرملة خلفه وعندما شعرت بأنها قد ابتعدت قليلا عن الحشد الذي انفرط عقده ... سألته فيما اذا كان يريد ان يأكل :

 

-     هل أنت  جائع ؟

نظر اليها مشيرا إلى  معنى خفي في عينيه وهو يحدق في ذلك الوجه الأربعيني. امرأة فارعة تضع عباءة سوداء على رأسها الذي لفت عليه فوطة سوداء مربوطة بدالية فضية ، كما يتدلى من اذنيها قرطان ذهبيان ... فوجئت بانه يومئ براسه في تجاوب ...

تقدمت امامه ، سارت مسرعة ، تحت لهيب الشمس وهي تحث للوصول إلى  بيتها امام النهر ... لم يستطع اللحاق بها فعثرت قدمه ووقع ارضا ... سمعت اصطدام جسد هزيل بالارض فعادت ورفعته... مدت يدها اليه ... التصقت يده بيدها، كلمته بابتسامة ...

-   أنت  كومة عظام ... لم يبق منك شيء ...

Text Box:

 

نهض وكانت عيناه تتفرس بوجهها الفحمي ولم يجبها بكلمة ... فيما كانت نظرات  شهيب   الغاضبة تتبعهما وكانه يريد الانقضاض على المجنون وابعاده عن الارملة ...

<

>