|
Iraqi Electronic Library المكتبة الألكترونية |
رواية ميلاد حزين |
|
علي عبد العال |
|
1 اليوم هو عيد ميلاده الخمسين؛ اليوبيل الذهبي. صحا "إبراهيم شكري" في الوقت الذي يصحو فيه كل يوم؛ السادسة صباحاً. جلس على طرف السرير يتأمل ناعساً وضعه العام قليلا. اكتشف للتو: إنه ما زال على قيد الحياة. وعرف في نفس الوقت أن زوجته "سلمى" غادرت السرير قبل قليل، كالعادة، حيث مازال مكانها دافئاً على جنبه الأيسر في السرير، وهي الآن، في هذه اللحظات بالذات، تعد القهوة والفطور في المطبخ كالمعتاد. ثم اكتشف، وهذا هو أهم اكتشاف يبدأ به حياته كل يوم: أن ليس هناك ما هو جديد في هذا الصباح؛ بالضبط مثل كل يوم سابق. زعيق الأطفال المزعج وغضبهم الطبيعي جراء النهوض الإجباري من عزّ النوم فجرا للذهاب إلى المدارس. رائحة القهوة الطازجة ورقائق خبز التوست المحمص في آلة الشواء السريعة، وصياح البحث عن الجوارب والأدوات المدرسية الضائعة على الدوام. كان يعرف جيداً أن الأطفال "ملائكة" لكنهم ليسوا كذلك على الإطلاق وقت الصباح الباكر. إذ أنهم يكونون في هذا الوقت أقرب إلى الشياطين من أي وقت آخر. أنزل قدميه إلى الأرض؛ لامسته برودة خفيفة، كانت بمثابة أول اتصال مباشر له مع "أرض الواقع" في هذا اليوم. قدماه تفتشان غريزياً عن خَفيّهِ بحاسة اللمس، مثل رجل أعمى أضاع عصاه. تندفعان إلى الخلف، تحت السرير قليلاً، وإلى الأمام قليلاً، ثم قليلاً نحو اليمين، وأخيراً، لابد أن يكون الخفان إلى جهة اليسار. دعك عينيه براحتيه وحين بدأت قدماه تنحشران عشوائياً في الخفين، امتد ذراعه الأيمن تلقائياً لتناول نظارته الطبية من فوق الطاولة الصغيرة الملحقة بالسرير قرب موضع رأسه. وقبل أن ينهض بشكل كامل على الأرض، اندفع أفراد العائلة إلى غرفة النوم يزعقون بأهزوجة الميلاد على الطريقة السويدية: سنة حلوة يا جميل.. سنة حلوة يا جميل.. سنة حلوة يا بابا.. سنة حلوة يا جميل ضحك إبراهيم لهذه المفاجأة؛ تذكر أنه ولد في مثل هذا اليوم قبل خمسين عاماً. لم يصدق ذلك تماماً. قال في نفسه: "تباً، البارحة لم يكن عمري خمسين عاماً، العمر يركض سريعاً". سمع زوجته سلمى تقول بحسرة خفيفة: ـ "ليت هناء كانت معنا اليوم". هناء هي ابنتهم الكبرى؛ ارتبطت برجل سويدي. وهما يعملان الآن خارج السويد. انتقلا منذ حوالي عامٍ تقريباً. عمرها يبلغ الآن الثالثة والعشرين، وهي الوحيدة بين أخوتها التي لم تولد في السويد. ولدتْ في العراق، وطنها الأم. بقية الأطفال الأربعة ولدوا هنا، في السويد. ثلاث بنات وولد واحد يأتي بالترتيب الرابع قبل الأخير. أضافت سلمى وهي تمعن التفكير: ـ أتمنى ألا أكون نسيت أحداً؛ دعوت كل الأصدقاء الذين تذكرتهم إلى السهرة عندنا بهذه المناسبة. لم يعلّق إبراهيم على كلامها ولم يضف شيئاً. توجه إلى الحمام وهو يفكر أن يغطس في البانيو بعض الوقت. فتح صنبور الماء بعد أن أحكم وضع السدادة في فوهة التصريف في قاع البانيو، ثم خلع ملابسه تماماً. في كل مرة كان يضع نظارته الطبية على إفريز المرآة. وقد وضعها الآن في المكان ذاته وتأمل للحظات وجهه المدور، الكبير الحجم، ونظر إلى شعره الكثيف، شعر أجعد منفوش لرجل ينهض تواً من النوم. فكر بحلاقة ذقنه عقب الحمام الساخن. الشيب يغمر معظم شعر لحيته، وهذا أفضل من القول إنها "بيضاء تماماً". كان يفضل حلاقتها بين يوم وآخر: "بصيلات الشعر القوية تحت الجلد ستكون مرتخية بعد الحمام" هكذا كان يقول دوماً عندما ينوي حلاقة ذقنه الخشن. غطس في الماء الذي امتلأ به الحوض. الماء حار بعض الشيء، لكنه منعش. شعر كما لو أنه يعود إلى النوم من جديد في سريره الوثير. أغمض عينيه وانساب غاطساً إلى أعلى الرقبة، حتى لم يعد يبين منه سوى رأس يطفو على سطح الماء مثل درع سلحفاة. لم يعرف كم استغرق ذلك الوقت؛ وقت تلك الإغفاءة القصيرة التي غيرت مجرى حياته بالكامل.
رأى بقعاً سوداء تتموج بين ذرات الماء الشفاف في البانيو. أراد أن يمسكها بيده، لكنها كانت تنسل من بين أصابعه في كل محاولة. دعك وجهه بحفنات من الماء الذي يغرفه من الحوض بجمع كفيه. عرف أن هذه البقع هي خصلات من الشعر. ظنَّ أنه لم يرها في الحوض عندما فتح الماء. سحب خيط السدادة وأراد النهوض للاغتسال تحت ماء الدوش. وجد إن الماء يتسرب بصعوبة من خلال فوهة التصريف. مد كفه تحت الماء إلى الأسفل، وشرع يبحث بأصابعه عن مكان فوهة التصريف وهو ما يزال يحتفظ بوضعية الاستلقاء. لقد تجمع فيها الكثير من خصلات الشعر. انفرجت الفوهة قليلا، فشعر بحركة غريبة تجذب نحو مصدرها أطراف أصابعه. كانت الفوهة تمتص أصابعه مع المياه المتدفقة إلى جوف البالوعة، أخذت تجذبه بقوة إلى الأسفل. ابتلعت الفوهة كفه كما لو كانت فتحة من مطاط ناعم وقوي كفم أفعى "الأناكوندا". سحبت ساعده الأيمن حتى المرفق، لم تؤلمه القوة الضاغطة، بل كانت تبدو كمداعبة لذيذة، مثل كفي فتاة ملساء خبيرة من تايلاند تعمل له مساجاً. شعر بخوف مبهم. كما لو كانت هذه العضلات الماصة الدافئة تفتش عن عضوه لتلتهمه بطريقة ما. مد ذراعه الأيسر لكي يسحب ذراعه الأيمن ويفلته من قوة الجذب، فالتهمت الفوهة المطاطية ذراعه الأيسر، وصار وضعه كمن يجلس على مؤخرته بشكل كامل بفعل قوة السحب، بينما ذراعاه يتوسطان فخذيه وقد استحكمت الفجوة بهما حتى لم يبق فوق الماء غير الرأس تقريباً. صار وضعه المشدود يشبه وضع جنين كبير في أيامه الأخيرة داخل الرحم. خُيل إليه أنه يمر بمخاضِ غامضِ عسير. كان الماء ينقص كلما نقصت أجزاء جسمه وغادرت في جوف البالوعة الذي بدا ضخماً ومظلماً كجوف حفرة في مقبرة. لم يتبق إلا القليل من الماء، ومع ذلك لم يكن يقدر على الصراخ، بينما كانت قوة الجذب تمارس ضغطها على جسمه حتى صار رأسه بين ذراعيه تماماً وتقلص كتفاه كأن العظام فيهما قد هُرست، أو تحولت إلى غضاريف طرية يمكن أن تتخذ أي شكل يخرج عن إرادته. دخل رأسه في الفوهة وشاهد الظلام الدامس. لم يكن يشعر بالألم، لكنه شعر بالرعب الحقيقي، ذلك الرعب الصريح والمرّكز، الذي لا يمكن للإنسان مواجهته إلا مرة واحدة: عندما يواجه الموت. لذا تخيل أنه مات داخل الحوض قبل قليل، وهو يمر الآن في المنعطفات المظلمة الضيقة المؤدية إلى مواجهة عرش الرب. فقد قدرته على الصراخ وأصابه الخرس التام. وفيما هو يمر بهذا المخاض المفاجئ الغريب، كان لا يسمع أي صوت يصدر من الخارج. شيء ما شفطه بكامله عبر دهليز دافئ ومظلم تجتاحه تقلصات تشبه حركة جسد أفعى ضخم يبتلعه ويدفعه إلى الخلف، نحو كوة صغيرة في نهاية هذا النفق يراها من بعيد كنقطة ضوء. اختلط جسمه بالماء والمخاط الذي ظنه رغوة الصابون. ثم، وبعد فترة لا أحد يعلم كم استغرقت من الوقت، قذفته الفوهة إلى العالم من جديد. وجد نفسه يتمدد على أرضية الحّمام المبللة. كان ما يزال يشعر بالرعب وبعد أن رأى الجحيم بعينيه قبل قليل. زحف قليلا ليختبر قواه الجسدية وقد اجتاح جسده الوهن. لم يكن يعرف المكان جيدا، تشبث بحواف المغسلة لينهض على الأرض من جديد. كانت قواه واهنة جدا وعضلاته مرتخية، وأحس بعظامه كما لو أنها من غضاريف. صعد بجسمه إلى أعلى، كان ينزلق على الأرضية المبللة من دون توازن، كعجلٍ ضعيف نزل للتو من رحم بقرة. جاهد بقوة جبارة تعادل غريزة الحياة، حتى تمكن بشق النفس من رؤية قعر المغسلة بينما كانت يداه تتشبثان بحافتها الزلقة. كانت قواه تخور في كل لحظة؛ جمع نفسه ليواجه المرآة، فيه رغبة مجهولة تحاول اكتشاف ما الذي جرى له بهذا الشكل المفاجئ السريع. رأى أمامه كائنا لم يره من قبل. قابله في المرآة وجه طفل أصلع الرأس، أملس الجلد، بعينين نصف مغمضتين، ودون حاجبين ولا أهداب. وجه زهري فاتح، ناعم، يلمع تحت ضوء الحمام المختلط بالدفء والبخار. رغم الدفء شعر بقليل من البرد يسري في أوصاله. أراد أن ينطق بعض الكلمات، لكن لم يخرج من فمه سوى ذلك الزعيق البليد، ذلك الصراخ الذي يرافق عادة الولادة الأولى مشحوناً بطاقة هستيرية من البكاء، الذي كان من المفترض أن ينبئ بالفرح، لكنه كان مدعاة للحزن لأنه حدث بشكل عجيب وفي غير أوانه. سقط من جديد على أرضية الحمّام. وأخذ يتطلع إلى لون جسده الجديد؛ لون وردي جميل يشبه تماما لون بشرة الوجه التي رآها منذ لحظات في المرآة. يلمع تحت الضوء،أملس، ناعم ليس فيه أثر لشعرة واحدة. نظر بين فخذيه فرأى أعضاءه نائمة، كأنها أعضاء تخص صبياً ولد للتو. استراح قليلا على الأرض؛ ثم أخذ ذراعه يتسلق ببطء فوق بطنه الأملس الناعم، وتحسس صدره صعوداً نحو رأسه، ليستقر إبهامه داخل فمه الصغير وشرع يمص إبهامه بسكينة وهدوء. يبدو إن الأمر أستغرق وقتا طويلاً؛ جميع الأطفال التحقوا بمدارسهم، وبقيت زوجته سلمى وحدها بانتظار تناول الفطور معه والدردشة قليلاً حول سهرة المساء، ثم الذهاب بعد ذلك إلى العمل. قرعت باب الحمّام من دون جدوى. انتابها القلق والخوف، أحضرت سكين المطبخ وعالجت مقبض الباب. فتحته بعناء لترى زوجها ممدداً على البلاط يمص إبهامه وهو يغالب النوم. ** سلمى امرأة عراقية رابطة الجأش؛ تركها زوجها عدة مرات أسيرة حالات عصيبة، لا لشيء إلا ليمكث في السجون تارة، وفي الأحراش البرية أو الجبال تارة أخرى، لمجرد خوض النضال ضد الحكام الطغاة. وليشارك بحرب الثوار عدة مرات متطوعا. كل ما خطر على بالها في تلك اللحظات، وهي تراه متمدداً بطوله على أرضية الحّمام، هو إن زوجها: "سقط صريعا من شدة الإعياء الشامل". عندما رأته يأتي ببعض الحركات الطفولية اطمأنت إلى أنه لم يمت على الأقل. فتماسكت قليلاً، وعادت للتحكم بأعصابها من جديد. لمّتْ شتات أفكارها وتقدمت نحوه بهدوء. بالرغم من حبها لكل الأطفال المولودين حديثا في هذا العالم، فإنها شعرت بالاشمئزاز لهذا المولود المسخ. طفل بكل هذه الضخامة، وأول ما وقعت عينيها على أعضائه التناسلية، كانت أعضاء لحمية صغيرة لذكر حديث الولادة. رأسه أملس يلمع تحت الضوء، عظامه طرية ولحمه جديد لدن ذو لون وردي نظيف وبريء. لفتّه بالمناشف بعد أن نظفت جسمه من بقايا الشعر والآثار المخاطية التي كانت تشبه رغوة الصابون الكثيفة اللزجة. استسلم لها بالكامل. ولما كانت سلمى هي صاحبة الوجه الأول الذي يراه قبل كل وجه آدمي آخر، فقد أعتقد إنها أمه. حملته إلى المطبخ وأجلسته على أحد المقاعد. كان يتمايل كأنما سيسقط إن أفلتته. كان يترنح يسرة ويمنة دون أن يستقر في موضع، إلا إبهامه فهو ما زال يستقر داخل فمه بفعل قوة المص. وضعت رأسه على صدرها وهي تسنده واقفة. استقر رأسه بين نهديها الناعمين فشم رائحة إبطها الأليفة. حشر فمه وأنفه بفتحة قميص النوم العريضة التي لم تزل ترتديه، وعثر مباشرة على حلمة الثدي. ترك إبهامه تلقائيا وراح يمص الحلمة القرمزية الداكنة. أدركت سلمى أنه جائع، واكتشفت في الوقت نفسه أنه دون أسنان. وجه ناعم، بلا حاجبين ولا أهداب ولا أثر لذقن أو شارب. اختفت جميع آثار الشعر من وجهه. وجه كبير أملس وردي، وفم حار ناعم يرضع ثديها بلذة وبراءة، لكن من دون جدوى، إذ لم يكن في صدرها قطرة حليب. تناولت كوبا كبيرة ملأته بالحليب، خلصت ثديها بصعوبة من آلته الماصة، وقبل أن يصرخ محتجاً سكبت في جوفه كوب الحليب. رمق وجهها بنظرة رضا. نظرت إلى عينيه الصافيتين الجميلتين اللتين بدتا تحت ضوء الصباح المنعكس من خلال نافذة المطبخ الكبيرة بلون العسل الصافي. كانت دموعها تنسكب بصمت على ذلك الوجه الهندي الحكيم الذي كان تتمتع بالنظر إليه. كثير من الدموع سالت على تلك الوجنتين المحمرتين من شدة المفاجأة والحزن. بعد قليل غفا "برهوم" على صدرها فأخذته ليرقد على السرير بهدوء. اتصلت سلمى بمكتب عملها وأخذت إجازة؛ كما أبلغت مكان عمل زوجها "إنه مريض". جلست مطرقةً على حافة السرير تنظر إليه ينام ببراءة ويتنفس بانتظام، ثم فكرت بالاتصال بالمستشفى. لكن ماذا ستقول لهم؟ من الأفضل التريث قليلاً؛ يجب أولاً إلغاء سهرة اليوم "بسبب مرض إبراهيم والوعكة الصحية المفاجئة التي ألمت به بعد خروجه من الحمام". هل يجدر الاتصال بأخته الحاجّة فخرية وإبلاغها الأمر؟ تلك العّرافة التي تقرأ الطالع وتفتح الفال؟ ولا بد أيضاً من أن يعرف بهذا الموضوع فقط أقرب الأصدقاء إليه، وهو واحد لا غير: "عبد الواحد"، أما الباقون من الأصدقاء، بسّام، ودنخا فهم سيعرفون لاحقا بالأمر. تلقت أخته النبأ الغريب بارتياع كامل. كانت امرأة مفرطة بكل شيء، بالعواطف المهتاجة والمشاعر المبالغ بها، وبالسمنة كذلك. ذهبت إلى الحج في مكة المكرمة ثلاث مرات، بينما كانت مرة واحدة تكفي من حيث المبدأ، ليس لأمرٍ يتعلق بالطقس الديني المحدد، لكن فقط حباً بالمبالغة والتظاهر. وإذا مات أحد الجيران فهي التي تبكي وتصرخ وتولول طوال أيام المأتم حتى يخال أن الميت هو زوجها، أو أمها. كان يصاحبها كيس صغير من القماش الأبيض فيه بعض التعاويذ والخرز الصغيرة الملونة وبعض العيدان الجافة تجمعها من رحلاتها الكثيرة إلى الأماكن المقدسة. تفتح فيها فأل بعض النسوة العاثرات الحظ، وتقرأ أخبار خطوبة الفتيات المراهقات، والزواج الوشيك لمن هنَّ أكبر بقليل. لم تتوان لحظة، ولم تضع من الوقت دقيقة حين سقطت الأخبار الثقيلة بالقرب من حدودها. ارتدت ملابسها على عجل وهرعت إلى بيت أخيها إبراهيم. الأنباء السيئة المتعلقة بالناس الآخرين تفّجر في روحها نوعاً من السعادة الخفية، لأنها تؤكد للناس الجهلة والمنحرفين عن شؤون الدين على وجود دليل مسلط يثبت عقاب السماء بحق أولئك الأغبياء. كانت تؤمن إيماناً حقيقياً بقدرة الشياطين على إلحاق الأذى ببني البشر في أي وقت وفي أي مكان، خصوصاً العاقين منهم، وبما إن إبراهيم هو واحد من العاقين حسب تقديراتها الدينية المتزمتة، فأنه ليس بمنجى من شرّ الشياطين حتى لو كان أخاها هي بالذات. دخلت البيت تسبقها عاصفة صامتة من الهلع والتساؤلات المتطايرة من جميع تقاسيم وجهها. كانت تستعمل يديها أيضاً بإشارات هوجاء بشكل طبيعي، مفتعلة بأسوأ تقدير، من قبيل "أين هو؟.. أين أخي الحبيب؟.. ألم أقل له أن الدنيا قصيرة وزائلة؟"، أو تلطم على خدها الأبيض السمين كما لو أن الكارثة قد حلت والقيامة قد قامت. قادتها سلمى نحو غرفة النوم، وكان "برهوم" ما يزال يغط في نومه مثل طفل وديع. قالت سلمى بحزن: ـ شرب كوب الحليب ونام. قالت الحاجّة فخرية وهي تنظر إلى أخيها باضطراب: ـ ماذا ألمَّ به؟ لماذا هو أصلع هكذا؟ ـ سقط جميع شعره، وأسنانه كذلك. قالت الحاجّة: ـ العياذ بالله من شرّ الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.. العياذ بالله.. العياذ بالله.. قالت سلمى: ـ لا بد من الاتصال بالمستشفى، لكن لا أعرف بأي الأقسام سأتصل؟ أي طبيب سأتحدث معه بهذا الموضوع؟ قالت الحاجة وهي تنفخ على الشياطين غير المرئيين الذين يحومون حولها: ـ بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا رجس من الشيطان؛ هذا سحر.. عملوا لأخي "عملاً" الله يجازيهم على فعلهم الخبيث. ماذا أصاب أخي؟ طول بعرض ما شاء الله. لا ينفع المستشفى ولا الأطباء؛ الله هو الشافي. ـ ونعم بالله. قالت سلمى باستسلام جلستا في الصالون وفرشت الحاجة كيسها الأبيض المليء بالخزعبلات. ازدادت محتويات الكيس في الآونة الأخيرة وصارت تشتمل، إضافة إلى الخرز الزرقاء والخضراء، على بعض الخواتم القديمة ومقص صغير وأحجار صغيرة سوداء ومناقير دجاج وأصداف بحرية وكهوف حلزونات قديمة ذات أشكال مخروطية. أخذت تقلب هذه القطع المتناثرة على الطاولة. وبعد تأمل عميق واستبطان روحي بدت خلاله كعرافة لا تتقن الحرفة قالت الحاجة: ـ انظري تلك الحَجَرة السوداء.. هل ترينها جيدا؟ هذه هي علامة الحسد. انظري.. انظري جيدا.. إنها تركب فوق المنقار.. هذا منقار ديك هراتي.. إنها إشارة تدل على أخي. إنه الحسد. قلْ أعوذ برب الفلق، من شرِّ ما خلق، ومن شرَّ حاسدٍ إذا حسد، ومن شرِّ النفاثاتِ في العقد. صدق الله العظيم. تستطيع الحاجة خيرية، بما تتمتع به من مهارات سطحية، أن تستحوذ على اهتمام زوجة أخيها سلمى، وفي أحيان غير عادية تحوز على تصديقها بالكامل. تمكنت هذا الصباح على سبيل المثال من إرجاء الاتصال بالجهات الطبية طيلة ساعتين. أي إلى حين استيقاظ برهوم وسماع صوت بكائه الحار، بكاء طفلٍ غريب حديث الولادة. ركضت الحاجة إلى الغرفة خلف سلمى وهي تتساءل، بعد سماعها صوت البكاء الغريب، فيما إذا أودع أحد الجيران طفله عندهم. أخبرتها سلمى: ـ "إنه إبراهيم.. لقد صحا من النوم". لم تكن الحاجّة لتصدق ما يجري أمامها؛ كاد يغمى عليها لولا أنها وضعت كفها على قلبها المستقر تحت ثديها الهائل ثم أسندت جذعها على إطار السرير فيما هي تهوي جالسة على الأرض كبقرة. لم تعد تحتمل هذه الصدمة فوق وزنها الكبير. جلست لاهثة وهي تلطم على خديها المبللين بالدموع. كانت ترى أمراً لا يستطيع عقلها، رغم إيمانه الفطري بجميع الخرافات تصديقه. لم يصدق عبد الواحد كذلك، وهو "الرجل المنطقي" رواية سلمى عبر التلفون؛ بل إنه بالأحرى لم يفهم شيئا محددا مما كانت تريد أن تقول، لكنه أدرك جدية الموضوع. قال لها: ـ "هل هو بخطر الآن؟". لم تعرف كيف تجيب، تلعثمت قليلا وقالت: ـ "ليس في خطر حقيقي، لكن حالته غريبة، إنه يتصرف كالطفل". قال عبد الواحد مازحا عبر التلفون: ـ "يظل إبراهيم بريئا، تماماً مثل الطفل". ـ "لقد عاد كالطفل حقاً، إلا تفهمني؟". ـ "ليتني أعود يوما كطفل. على كل حال سأمر عليكم بعد العمل مباشرة. حسبت حسابي للسهرة عندكم اليوم، سأبكر بالمجيء". وضعت السماعة وهي غير مصدقة ما تقول. يجب نقله إلى المستشفى حالا. اتصلت برقم المستشفى قسم الطوارئ وحاولت توضيح ما حدث لزوجها. سألت موظفة الاستعلامات: ـ "هل أنتم بحاجة إلى سيارة إسعاف؟" أجابت سلمى: ـ "لا؛ نحن بحاجة فقط إلى موعد مع طبيب". ـ "أهلا بكم". في مثل هذا اليوم 23/11/1997 قبل خمسين عاماً ولد إبراهيم شكري في بغداد في 23/11/1947 . هل يتحتم على سلمى أن تشهد يوم ميلاده الجديد؟ دثرته جيداً بالملابس، وغطت رأسه بلفافة من القطن الأبيض وحملته إلى السيارة الواقفة قرب الباب. الحاجّة خيرية استعادت وعيها. إنها تتصرف بحكمة أمام الغرباء، خصوصاً السويديين منهم. حكمتها تتلخص، والحمد لله، بالصمت الكامل في الظروف الجدية. أحضروا مقعداً نقالا ونقلوه إلى قسم الطوارئ في الجناح الرئيسي الكبير. استغرقت الفحوص وقتاً طويلاً قبل أن يجلس الطبيب المختص مع سلمى ليتحدث إليها مباشرة. قال الدكتور وهو يخلع نظارته ويضعها على الطاولة التي أمامه محدقاً مباشرة بعيني سلمى: ـ هل أنت زوجته؟ ـ نعم. ـ كم مضى على زواجكما؟ ـ أربعة وعشرون عاماً كما أظن. ـ عندكم أطفال؟ ـ نعم؛ خمسة أطفال. ـ اعتبريهم من الآن ستة؛ زوجك لا يشكو من أي مرض سريري. إنه معافى تماماً من جميع الأمراض المعدية وغير المعدية كالسكري وتشمع الكبد والسرطان. الذي حدث له ربما يكون بسبب صدمة نفسية قوية وعميقة. صدمة سلبية ردته إلى مرحلة الطفولة. إنها حالة غريبة حقاً، ونحن نواجهها للمرة الأولى بهذا الشكل الواضح وبتلك الطريقة المباشرة التي تشبه اللغز. إذا رغبت بتركه في المستشفى لمزيد من الفحوص فنحن على استعداد كامل لفعل ذلك. لكني سأكون مضطراً، في هذه الحالة، لنقله إلى قسم الأطفال حديثي الولادة، أنه طفل بمعنى الكلمة، حتى وإن كان حجمه كبيراً. ـ كلا دكتور؛ أي أطفال وأي قسم؟ إنه زوجي. ـ تستطيعين رعايته في البيت؛ المهمة ليست سهلة، لكنه كطفل سيتعلم تدريجياً، وربماً يعود فجأة إلى وضعه الطبيعي، بالضبط كما تحول فجأة إلى طفولته. وصل عبد الواحد إلى بيت صديقه إبراهيم بعد انتهاء عمله مباشرة؛ كانت الساعة تقارب الخامسة مساءً. لم يكن غير الأطفال في البيت. عندهم علم بأن الوالدين في المستشفى. سلمى اتصلت بحنان وأخبرتها بذلك. وأوصتها أن تعتني بأخوتها جيداً. حنان فتاة ذكية تقترب من الثامنة عشر، لها شخصية قوية تشبه شخصية أمها بالضبط، وشكلها العام أيضا يشبه أمها. ليست كهناء التي تشبه أباها فقط، ولا خصلة لها من أمها، هي كأبيها طبق الأصل من دون أعضاء الذكورة. توجه إلى المستشفى وقد شعر بالقلق وبشيء من الانفعال. "ماذا يكون قد حلَّ بإبراهيم؟ هو كالبغل، هل هذه هي النهاية؟". فكر عبد الواحد بأفكار مختلفة طوال الطريق إلى المستشفى. أسترجع الماضي سريعاً، علاقته بصديقه ومن ثم علاقته بسلمى. إنها علاقات قديمة تعود إلى العصر الرومانتيكي. طالما أحب سلمى واحترمها كما لم يحب ويحترم امرأة من قبل، وطالما جافى زوجته بسبب هذا الحب. ولطالما أحب إبراهيم صديقه عبد الواحد، لكنه لم يدخر جهدا للإيقاع بزوجته ولو مرة واحدة. لولا احترام زوجة عبد الواحد لنفسها، فضلا عن احترام حياتها العائلية، لهوت مباشرة في شباك إبراهيم الدّجال. لا تستطيع امرأة عادية مقاومة سحر إبراهيم وحيله الوسخة للإيقاع بها ومن ثم نيلها. عبد الواحد يختلف عنه من الناحية المبدئية: "ضرورة الإحساس بالحب" عند التفكير بنيل امرأة ما. إبراهيم يتمتع بقدرة على مضاجعة النساء من دون حب. أما عبد الواحد فأنه لا يستطيع مضاجعة حتى المرأة التي يحبها قبل تواصل روحي غامض لا نعرف أسراره بالضبط. يعتبرها كالوردة أو الأيقونة المقدسة. لكن النساء لا يحببن أن يكنَّ مقدسات فقط. وصل عبد الواحد إلى المستشفى وركن سيارته في الكراج الكبير الخاص بالمستشفى. استدل على مكان وجودهم من الاستعلامات. وجد سلمى والحاجّة في إحدى غرف الانتظار. بدت الحاجّة فخرية في حالة بائسة وهي تتضور من الجوع. وصول عبد الواحد في هذا الوقت عنى بالنسبة لها "الإنقاذ". لكن عبد الواحد لم ينتبه لوجودها أصلا. حتى إنه لم يلق التحية عليها بعد إن لحظها بطرف عينه. هو لا يحبها، كما يفعل إبراهيم في الغالب. امرأة متطفلة لا تعرف طريقة في الحياة سوى تقريع الآخرين بغباء وهي تدعوهم للدين وفق أبشع الطرق وأساليب الشعوذة التافهة. وبذلك فقدت تقريبا أغلب الصلات بالناس، عدا تلك الصلات الكاذبة والمجاملات السخيفة. شعر عبد الواحد: "إن الأمر جدي". سأل: ـ أين هو الآن؟ قالت سلمى: ـ يخضع لبعض الفحوصات الأخيرة وتسجيل إذن خروجه من المستشفى. ـ هل وضعه خطير حقا؟ ـ نعم؛ أظن هذا. شعر عبد الواحد بالحاجة إلى التدخين. لا يوجد مكان في المستشفى يسمح بالتدخين. إلى الخارج، إلى خارج هذه الدائرة الضيقة، حيث الهواء الطلق والحرية بممارسة الموت. سلمى كئيبة عادةً رغم تظاهرها بالحيوية، طبعها يميل إلى الحزن، لكنها جميلة وموحية. وإذ تبدو كصخرة قوية تقاوم الزمن بالكد والعمل، فهي من أرق المخلوقات عندما يتعلق الأمر بالمشاعر. الخطأ الكبير الذي ترتكبه على الدوام، من دون تخطيط أو إرادة، هو حبها الفطري للسيطرة على الجميع ممن يقع ضمن دائرتها الحياتية الصغيرة. ترتاح جدا لطريقة حب عبد الواحد المليئة بطقوس الاحترام. يستطيع التضحية بأي شيء من أجلها، لكنه لا يجرؤ على لمس شعرة من رأسها. تسخر منه أحيانا، وأحيانا أخرى لا تعتبره رجلاً بالمرة. لكنه صديقها المأمون على كل حال. صديق لا يخونها في أقل تقدير. "هكذا يا عبد الواحد؛ هكذا يفعل الزمان بي بعد كل هذه السنين؟" قالت له سلمى وهو يدخن سيجارته بالقرب من السيارة في المرآب. كان يود احتضانها ومواساتها، لكنه لم يفعل. البرد يحاصرهما في الخارج، وهي تريد الكلام مع أحد يفهم ما يجري لها في هذه اللحظات الغريبة. انسكبت الدموع من عينيها غزيرة. لم يكن ليصدق أن بإمكان إنسان أن يبكي بهذه العفوية على صديقه إبراهيم، حتى لو كان ميتا في هذه اللحظة. وكالعادة أحبها أكثر من المرات السابقة. كأنه كلما عبرت أمامه عن حبها لأي شخص آخر أُعجب بها أكثر. قالت سلمى بيأس: ـ " إلى متى أتعذب هكذا؛ أليس لكل شيء نهاية؟". قال عبد الواحد وهو يحتفظ برصانته ما وسعه ذلك: ـ "كل شيء له نهاية؛ الحياة لا تدوم على ذات المنوال". انتبهت سلمى فجأة وكفكفت دموعها المنسكبة دون سيطرة على وجه برئ خال من المكياج. قالت مذعورة: ـ "لقد نسينا الحاجّة؛ خذها بطريقك إلى البيت. هي معي منذ الصباح". ** عادوا إلى البيت أخيراً؛ كل شيء أصبح جديداً. وضعوا "البابا" على المقعد المخصص له في الصالون. مقعد الملك، أمام شاشة التلفزيون، حيث يشرف على جميع الحاضرين، لكنه ليس "البابا" المعهود. رأسه ملفوف بعمامة بيضاء، تم استبدالها بطاقية جميلة تعود لابنه الصغير. جلوسه على هذا "العرش" الملكي الصغير كرب أسرة كان حكرا عليه لوحده. ولكي لا يدور بخلده وهو يطمح للبروز أمام الجميع في الأوقات التي يختارها، أنه ربما سيكون عرضة للظهور أمام الجميع بالأوقات التي لا تناسبه ولم يخترها، بعد أن تحول إلى "فرجة" تثير الشفقة أكثر مما تدعو للاحترام. ترك بقعة كبيرة تحته على المقعد وتبللت جميع ملابسه السفلية. لم يلاحظ الأطفال شيئا مريبا، كانوا يعتقدون إن "البابا مريض" كما أخبرتهم أمهم. لكن سلمى بدأت تفكر بـ "الحافظات" جديا. هل توجد واقيات على مقاسه؟ نعم؛ يوجد في السويد كل شيء يحتاجه المرء، بل حتى الأشياء التي لا يحتاجها المرء على الإطلاق. بعد ذلك، صار ينام بوقت مبكر وهو يمص إبهامه منكس الرأس. هذا الحصان الجموح الذي لم يستطع ترويضه أحد. حتى هي لم تستطع ترويضه بالشكل الكامل الذي تريد. طاوعها كثيرا، لكن من دون تخاذل. كان يريد مضاجعتها كل يوم، لكن السعادة لم تكن تظهر عليها مثل بعض النسوة، بل على العكس، كانت شديدة التذمر والقرف من هذه المتطلبات الزوجية التي أصبحت كريهة ومنفرة جراء الاستخدام السيئ والإجباري لها. تلك هي السوسة التي كانت تنخر روحها بصمت. وكانت ترفض مطاوعته في ذلك. سلمى فرس أصيلة، لا تدع فحلها ينكحها كل ما طاب له ذلك. إنها ترفسه في الوقت الذي تشاء، وتدعه يدخل بها في الوقت الذي تشاء. الأوقات كانت محددة. تنحصر غالبا عندما تفكر بإنجاب طفل. برهوم يجلس صامتا على مقعده الخاص وسط العائلة. ينظر يمينا وشمالا، بيد إن عينيه الصافيتين لا تستقران إلا على حركات سلمى وسكناتها كشخص وحيد يعرفه جيدا من بين الجميع، صارت له بمثابة الأم، أمه في هذا العالم الجديد. يغضب إذا لم تلامسه حين تقوم وحين تقعد. يبدأ بالصراخ لأتفه الأسباب. يختلط صراخه بالبصاق والمخاط الذي يأخذ بنثره على الحاضرين دون تمييز. "يجب أن يتعلم المشي". قالت سلمى لنفسها بعد أن أعياها التنزه خارج البيت ودفعه بالعربة كإنسانٍ مقعد. كان طريا وكبيرا ويكاد يترنح حين يخطو بصعوبة. يفضّل الزحف بدل المجازفة بالمشي. في الشهر الرابع بدأت قامته بالانتصاب تماما؛ لكنه ظل متمسكا بعادة الرضاعة حتى الشهر التاسع. لا ينام إلا وثدي سلمى في فمه. صديقهم دنخا يصلي هو وعائلته الأورثودكسية المتزمتة له في الكنيسة صباح كل يوم أحد. أما بسّام، فهو كعادته دوما، يحضر في الوقت الذي يحتاجك فيه، ثم يختفي عندما تحتاجه بشكل من الأشكال. يصحب معه قنينة كولا من الحجم الكبير، يشرب نصفها مخلوطا مع الفودكا التي يجلبها معه أيضا على قدر كفايته، ويترك النصف الباقي كهبة سخيفة للأطفال الذين غالبا ما يسكبونها في بالوعة التواليت. كان بسّام يردد في كل مرة يفتح فيها قنينة الكولا الكبيرة: "لولا الكوكا كولا لكان بسّام ميتا من زمان". حالته الغريبة لفتت الانتباه إعلاميا؛ وفي الوقت الذي رفضت فيه سلمى ظهورهم العلني في وسائل الإعلام، ولا حتى مجرد ذكر أسمائهم، أورد التلفزيون المحلي في إحدى نشراته خبرا طريفا عن "طفل في الخمسين" وذكر الخبر بعض التفاصيل عن الحالة تم الحصول عليها من المستشفى. وفي مقابلة في صحيفة محلية قال الطبيب الذي أشرف بنفسه على الحالة الفريدة أنه يرجح حدوث: "اختلال هرموني قلب المعادلة رأسا على عقب، وبدل أن ينمو متجها بشكل طبيعي نحو الكهولة والشيخوخة، اتجه نحو الطفولة دفعة واحدة". لا تعرف سلمى إن كان عليها لعب دور "الأرملة" وزوجها على قيد الحياة. أفضل صفاتها هي التضحية إلى النهاية. تداعبها الأحلام الكثيرة، وتعلم جيدا إنها مرغوبة من قبل الرجال. لكنها كانت تحبه أكثر كلما أزداد ضعفه وازدادت حاجته إليها. هي الآن بمثابة أمه، وعلى الأم أن تكون "شريفة" وفق الحدود المعقولة. أخذ "زيد" أبن العمة الحاجّة خيرية يكثر زياراته لبيت خاله. كان شابا وقحا وماكرا كثعلب. تجاوز الثلاثين بعامين أو نحو ذلك. لعوب وغير مرتبط بفتاة محددة. لم يكن يجرؤ على الحديث بأمور سياسية أو ثقافية أو تراثية عندما كان خاله يملأ الجلسات بنقاشات حامية وآراء سديدة. هو الآن يسخر من خاله عن طريق الغمز واللمز. أحيانا يركض إلى المطبخ كي يفجر ضحكاته المستهترة عندما يضع خاله إبهامه داخل فمه. برهوم يعرف جيدا كيف يكرهه ويمقته بنظراته الحاقدة. ربما كان يحوم حول حنان، ابنة خاله. هي شابة جميلة وفتية لها مزاج عصبي حاد، بيد أنها طيبة القلب كباقي الفتيات في عمرها. لم تحب على الإطلاق ذقن زيد المدبب الذي يشبه نهاية قمع مخروطي الشكل. يصفف شعره بعناية ولديه اختلال بسيط لكنه مزعج في أوتار حنجرته الصوتية. إذ يخرج صوته حادا، فيه نغمة لا تناسب شكل وجهه الذي يتوقع منه السامع صوتا أجمل، على الرغم من نبرته الخفيضة، نغمة تشبه الصوت الذي يصدر من المنبه المطاطي لدراجة هوائية "الطواطة". فضلا عن ذلك لم يكن بإمكان سلمى إلا الاعتقاد بإيجابية تلك الزيارات التي أخذ زيد يضاعفها عدة مرات عن السابق. لم يكن يفعل ذلك قبل "سقوط" خاله إبراهيم في حضيض الطفولة المتأخرة. "ربما كان يفعل ذلك بسبب إلحاح أمه الحاجّة بضرورة تقديم العون لبيت الخال وتلبية الاحتياجات الكثيرة لهذه العائلة الكبيرة، تخلصا من عتب الناس ونميمتهم"، تقول سلمى لنفسها. يؤدي زيد هذه المهمة التطوعية بشطارة وذكاء، لكن ليس من دون أن يستثمر الوضع لصالحه الخاص، مهما كان هذا الوضع رديئا ويبعث الكرب في الروح. مستوى الأكل في البيت كان جيدا بشكل عام، ومتوفراً. وهو يتمتع بصفة "الضيف" كذلك، إضافة إلى كونه يتصّرف بحرية كواحد من أفراد البيت بحكم صلة القرابة. وفرَّ الكثير من الجهود والمشاوير على سلمى. شؤون البيت ومتطلبات الأطفال لا تنتهي؛ العمل ثماني ساعات يوميا والقيام بكل الواجبات في الحياة، كل هذه الشبكة المحكمة التي تطّوق الأوقات والأيام تجعل من حياة سلمى سلسلة متواصلة من الكدح اليومي الخالي من الفرح أو البهجة. بل الخالي من المعنى أحيانا. وفي بعض الأوقات، خصوصا عند المساء، حين كانت تعتقد للحظة إن اليوم قد انتهى عند هذا الحد من الجهد والمتاعب والأفكار المكدرة التي تثير الأحزان، تشعر وكأنها قد بلغت مرحلة الشقاء الكامل، فتسقط هامدة على السرير حتى يبزغ الفجر الآخر من جديد. رفع زيد عن كاهلها الكثير من المهام السهلة بالنسبة له والصعبة بالنسبة لها. كان يأخذ قائمة الحاجات الضرورية التي تكتبها سلمى مساءً، ربما بين يوم وآخر، خبز وحليب ولحم مفروم وخضار وجبن ومربى الكرز وعصير البرتقال وتعبئة صندوق الكولا، عشرون قنينة كل يومين. أما الحاجات الكبيرة مثل لحم الخروف المقطع وهبرة العجل والدجاج المجمد المخفض السعر، وكيس الرز من زنة العشرين كيلو، وزيت الطعام حجم عشرة لتر، وغيرها من الأشياء الكثيرة الأخرى، فتلك تقوم سلمى بشرائها لتتيح الفرصة لنفسها بالبحث عن أرخص الأسعار من جهة، ولأنها زبونة دائمة عند بعض المحال التي توفر لهل حسم أسعار مناسب. تبقى المعضلة الكبرى التي هي أكثر أهمية من الطعام وشؤونه، تلبية مطالب الأطفال. هنا يكمن دور زيد العظيم في حياة هذه الأسرة الذي لا يمكن نكرانه من قبل أكثر الناس جحودا. يمكن، وتجنبا لتكرار الحديث عن "أفضال" زيد، يمكن وضع أشرافه على السيارة والعناية بها وجعلها لا تشكو من نقص ما في عداد المهام العظيمة، بل المقدسة، التي ينجزها هذا الرجل الشاب بمهارة ملفتة. هو ميكانيكي سيارات من الطراز الأول، رغم أن من يراه لا يمكنه تصديق ذلك على الإطلاق. فرغم أنه حاذق وينظر إلى موتور السيارة كما لو كان لعبة أطفال، لا أحد يعلم لماذا لا يحوز هذا الـ "زيد" على ثقة من يقابله من اللقاء الأول؟ ويحتاج المرء إلى عدة مواقف ولقاءات معه لكي يتوصل فقط، وليس من دون صعوبة، لمحو هذا الانطباع السيئ الذي يخلقه هو بنفسه عنه. "نضال" التي بلغت أربعة عشر عاماً، طويلة ورشيقة تتمرن في الأوقات الحرة كي تكون سبّاحة محترفة. لا شيء يعطلها عن هذه المهمة حتى لو قامت القيامة أو انقلب أبوها إلى قرد. "أزهر" وعمره عشرة أعوام، هوايته المفضلة، كباقي الأطفال المتوحشين الأغبياء في مثل سنه، هي لعبة كرة القدم. وهو مسجل في فريق للصغار ويأتي بعد كل تمرين وقد كُسر له عظم من عظام مشط القدم الصغيرة، فضلا عن الكدمات في جسده الطري كما لو كان يتدرب على المصارعة أو الملاكمة. ولا بد له من الراحة بعض الوقت ريثما تُشفى الكسور وتندمل الجروح، فتسجله أمه في هذا الوقت المُستقطع، للمرة العشرين في إحدى دورات الموسيقى ليتعلم العزف على الكمان كما كانت تحلم. بالإمكان تخيل ذلك من وجهة نظر الأم؛ إذ يتمتع أزهر بجسم موسيقي إذا جاز التعبير. فهو رفيع وطويل كسلك من النحاس، وأبعد ما يكون عن لعبة كرة القدم. لكنه يكره العزف على الكمان كما يكره أكلة "الرز بالحليب" المقيتة صباحا. بقيت آخر العنقود، تلك الطفلة المنحوسة ذات الستة أعوام "داليا"، ولقب التحقير الذي حازت عليه بجدارة بين أخوتها هو "دودة". كانت تشبه النملة بكل شيء، فهي الأكثر سمرة بينهم، حتى تبدو سوداء في الظل. نحيفة إلى درجة مخيفة، جلد وعظم، كطفل هندي مصاب بمرض الملاريا. تدرك جيدا بغريزتها البريئة إنها جاءت إلى الدنيا عن طريق الخطأ. فهي تشعر أنها "زائدة" وليس لها ضرورة في هذا البيت. وكانت تنتقم كرد فعل سري من كل مشاعر الغبن التي تراودها من الداخل، بأن تبتكر كل ضروب الوقاحة وإعطاب الأجهزة قيد الاستعمال اليومي التي تقع بين يديها، تلفون، تلفزيون، جهاز الـكومبيوتر، آلة تسجيل، كاميرا الفيديو، جهاز التحكم الخاص بالتلفزيون. إنها تتمتع بصحة جيدة مدهشة ولها لسان سليط تعوض به ضعف بدنها ترافقه ذبذبات صوتية خارقة للعادة. وهي؛ إضافة لكل ما تقدم، عبارة عن نابض نشيط على الدوام، ذي راسورات من أسلاك معدنية صغيرة تقفز على كل المقاعد والأرائك وطاولة الطعام وأكتاف أمها وأبيها وبعض الأصدقاء المقربين جدا حين تتفضل وتألفهم تماما. هوايتها المفضلة، فضلا عن البكاء بقصد لفت الانتباه، ليست واحدة. فهي تتأرجح بين السباحة عندما ترى أختها نضال وهي تشق وجه الماء كدلفين صغير، وبين عزف الكمان كلما أتى به أزهر إلى البيت لعزف بعض الدروس المرعبة التي تعلمها في الدورة، أمام نظرات أمه الحنونة وابتساماتها المشجعة. في كلا الحالتين يتحتم دفعها في أحد هذين الاحتمالين القائمين، وإلا فهي على استعداد لمواصلة البكاء، أو بالأحرى الانخراط بالزعيق الذي يصمّ الآذان من دون كلل طوال الفترة الممتدة بين نهاية الدوام المدرسي حتى يحين وقت النوم: إنها كارثة. كل هذه الهوايات لا بد من إنجازها بعد الدوام المدرسي بالنسبة لهم، وبعد انتهاء وقت العمل بالنسبة إلى أمهم. كان إبراهيم يقوم ببعض هذه المهام، خصوصا التسوق وإيصال الأطفال إلى مرابع لعبهم وتسليتهم وممارسة هواياتهم المفضلة. والآن غدا هو بالذات مشكلة حقيقية، وحالة استثنائية صعبة تتطلب المزيد من الرعاية والاهتمام، فضلا عن الكدر والأحزان الإضافية. صار زيد، بحكم الواقع، هو الذي ينجز هذه الأعمال اليومية العادية، لكن الضرورية جدا لاستمرار إيقاع حياة الأسرة على ذات النمط القديم. لم يكن من الضروري، في نظر صديق العائلة الأعزب بسّام، أن تذهب نضال إلى تمرين السباحة، أو أزهر إلى دروس الموسيقى، وأخيرا هذه الدودة المزعجة داليا لا أحد يعرف إلى أين. يقول بسّام عندما يجري الحديث حول (فلسفة رعاية الأطفال) في السويد: "هذه سخافات لا طائل من ورائها، ودلال مفسد للأطفال، ومصاريف زائدة عن اللزوم"! إحساسه بالسخافة ينبع من نظرته السطحية إلى تجربة لم يمارسها عملياً هو بالذات. ليس لديه أسرة ليهتم بشؤونها، ولم يجّرب طعم الشعور المّر الذي يذوقه الأب أو الأم عند حرمان طفلهم من التمتع بشيء جميل ومفيد ومفرح كباقي الصغار الآخرين. نصف قنينة من الفودكا، وثلاثة أرباع لتر من الكولا، وجبة عشاء من شرائح اللحم المقلية على نار هادئة، أو قرص همبرغر زنة 150 غرام، قرصان زنة 90 غرام تفي بالغرض كذلك، مع أقراص الطماطم والبصل الطازجة في الحالتين. هذه الأشياء البسيطة تفي بالغرض تماما بالنسبة له لكي ينهي يومه الضائع على خير ما يرام. كان يستطيع البكاء بسهولة، بالضبط كمقدرته على الضحك لأتفه الأمور في كل وقت وفي أي مكان، كأنه يحاول تطبيق معنى اسمه حرفيا على أرض الواقع، هكذا بالضبط كان بسام الرجل الضاحك!!. لديه مقدرة عجيبة بهذا الخصوص. يتمتع بوجه مباشر وصريح وخال من العلامات الغريبة، إلا من ذلك الشارب اللطيف الناعم الرفيع، وبعض التعبيرات الطارئة التي سرعان ما تتلاشى وتختفي دون أن تحدث آثارا عميقة في نفس من يقابله. التعبير الأقوى يظهر على ملامح وجهه عندما يضحك. أحيانا كثيرة تراه يضحك بلا سبب، أو هو يبتسم على أقل تقدير. كما تظهر تلك التعبيرات الإنسانية المريعة عندما يهمّ بالبكاء في المواقف الوجدانية التي تمر به كغمامة في يوم صيفي. كأن يشرع بمحاولة شرح بعض همومه بصدق. يحدث هذا غالبا بعد تناوله نصف الكمية المقررة له من الفودكا. أما النصف الآخر فهو مخصص للنقاش السياسي. وفي كلتا الحالتين ترتسم على ملامح وجهه، حين يضحك أو يبكي، سمات من البلاهة الواضحة تُحدث صدمة مفاجئة لدى الشخص الذي لا يعرفه جيدا. تلك هي وسائله الساذجة للتعرف على الناس الجدد. قلة هم الأشخاص الذين يقّدرون وضعه بشيء من الاحترام، إذا لم نقل من دون سخرية. زيد ابتُلى أيضا بهذر بّسام وتسخيفه المتواصل "للأعمال الجليلة" التي يقوم بها يوميا. ذات يوم أنفجر زيد غيظاً من ثرثرة بسّام وضحكاته البلهاء التي إن بدأت فهي لن تتوقف بسهولة. إلا حين يحدث أمر مفاجئ تماما، كنشوب حريق، أو قدوم البوليس أو سيارة الإسعاف لسبب ما يحدث في العمارة السكنية. قال له زيد بتصميم: ـ "أنت شخص سخيف جدا". كان هذا هو الحل الوحيد الممكن الذي اخترعه زيد بدل اللكمة التي كان يفكر بتسديدها إلى وجه بسّام. انفرجت شفاه برهوم الجالس على الكرسي الهزاز عن ابتسامة حلوة، ماكرة وذكية. هرعت سلمى التي كانت تشتغل في المطبخ عندما توترت الأجواء. لملم بسّام حاجاته، قنينة الفودكا وما تبقى من الكولا أخذه هذه المرة أيضا إذ "لا أحد يستحق شربه في هذا البيت"، خصوصا هذا الوغد المدعو زيد. "الله يعلم من أين أتى مؤخرا ليكون سيداً في بيت صديقه القديم". قال غاضبا وهو يوجه كلامه إلى سلمى: ـ "لن أدخل هذا البيت مرة أخرى إذا كان هذا الهمجي فيه". لم تعمد سلمى إلى تقريع "ساعدها الأيمن" زيدا؛ ولم تسأل عما حدث. قالت ببرود لبسّام المنفعل: ـ "أنت عصبي المزاج هذا اليوم، شعرت بذلك من البداية". قال بسّام بانفعال شديد وهو يحاول ارتداء معطفه بشكل صحيح وقد علق كفه في أحد الأكمام: ـ "يقول أنني سخيف.. سخيف جدا"! ثم خرج إلى الهواء البارد الطلق. بيته قريب، و هو سيعود غدا أو بعده. ليس له أصدقاء غيرهم. زيد هو الرجل الحقيقي الوحيد في عالم الأسرة الآن. حتى حنان التي لا تطيقه أخذت تتعود عليه وتعامله كواحد من أفراد البيت الطبيعيين. كذلك نضال وأزهر وهذه الدودة الغاضبة على الدوام والتي لا تبخل بلسعاتها الواخزة المزعجة لأقرب المحبين على قلبها، فما بالك بزيد الوقح الذي يشاكسها على الدوام؟ الحاجّة أم زيد تقرأ لهم الفأل كل يوم تقريبا. كل مرة تتنبأ بأحداث وأمور لا يتحقق منها أي شيء. منحها الله نعمة نسيان التنبؤات اليومية الكاذبة التي تتكهن بها. فهي تطرح كل نبوءة عن الأحداث القادمة وكأنها تقولها للمرة الأولى. تنبأت أكثر من مرة بعودة أخيها إلى حالته الطبيعية في مطلع الأسبوع القادم، في يوم مولد النبي الحبيب. لقد حلمت حلما بديعا زارت فيه قبر الرسول (ص) في المدينة المنّورة، وكان إبراهيم يرافقها وبيده كتاب الله العزيز وهو يرتدي لباسا أبيض كالنور. فقط لو أنه تاب من شرب الكحول وصلى إلى ربه مستغفرا قبل أن يبتليه الله بهذاالبلاء. وتنبأت بخطوبة حنان قريبا، وبذلك استحوذت على عقل هذه الفتاة المراهقة. لكن أياً من ذلك لم يحدث على أرض الواقع. أما سلمى فقد أخبرتها الحاجّة أكثر من مرة أنها ستصيب نجاحا على صعيد العمل. وتلك في الواقع نبوءة غامضة يمكن أن تحدث أو لا تحدث دون أن يحس بها المرء. فكل يوم يمكن للإنسان أن يحقق نجاحا في العمل مهما كان بسيطا. وقالت لها مرة إن مفاجأة قريبة تنتظرها. ستحدث لها غدا أو بعد غد على أبعد احتمال. عندها سألت سلمى بهلع: ـ هل هي مفاجأة سارة أم سيئة؟ كانت الحاجّة، تعتقد إن جميع المفاجآت يجب أن تكون سارة، وإلا لماذا نسميها "مفاجأة"؟ الأمور السيئة تقع كل يوم بشكل طبيعي، أما الأحداث السارة فتقع نادرا، لذا يمكن أن نسميها "مفاجأة"، هكذا بكل بساطة. قالت الحاجّة بثقة: ـ طبعا سارة. ابشري وقولي إن شاء الله.! ـ إن شاء الله. قالت سلمى وهي تتنهد من أعماق روحها الكئيبة. في صباح اليوم التالي، وكانت سلمى قد نسيت بما فيه الكفاية تنبؤات الحاجّة، نظرا لازدحام الأفكار الكثيرة والمختلفة التي تواجهها كل صباح. جلست خلف المقود وأدارت مفتاح المحرك. بيد إن المحرك كان هامدا وباردا مثل كومة حديد تحت الثلج. قالت وهي تصب اللعنات وتضرب المقود بكلتا قبضتيها، والوقت يضيع بسرعة، ولا مناص من التأخر عن العمل هذه المرة أيضا. التأخر الذي أخذ يزداد باطراد في الآونة الأخيرة: "هذا يكفي؛ يجب رمي هذه السيارة الحقيرة في السكراب وشراء أخرى". في تلك اللحظة بالذات تذكرت "المفاجأة السارة" التي تنبأت بها الحاجّة خيرية مساء الأمس.
2
عبد الواحد يمثل النقيض التام والكامل للسيد بسّام، بل إن المرء يلاقي بعض الإحراج وهو يقارن بينهما. الخيط السري الذي يربطهما هو العلاقة القديمة بأسرة إبراهيم شكري. بالتحديد بإبراهيم نفسه. علاقة طفولة وشباب ودراسة وعمل حزبي ونضال وسجون. نمت هذه العلاقة وحافظت على استمرارها لأسباب واقعية بحتة. جميع المحطات في العالم على هذه الكرة الأرضية لها روافد وزبائن دائمون من العراقيين ضحايا الأوضاع السياسية ذاتها: الدكتاتورية في العراق. أصبحوا فجأة يهود العصر الحديث. أسر كاملة، والبعض فرادى، وجدوا أنفسهم فجأة مشردين في كل أصقاع الأرض. رمتهم "النازية" العربية الجديدة بعيدا عن وطنهم طيلة أربعة عقود. فكر قومي عنصري مزيف اجتاح بلاد ما بين النهرين. تلك البلاد العظيمة في التاريخ وفي الجغرافيا وفي العلوم. تم وأد كل الأفكار النيرة التي كان بالإمكان أن تنتجها عقول أبناء تلك البلاد. تشرد المثقفون وأعضاء الأحزاب الوطنية، وكل إنسان نادى بالحرية والتقدم. وكما حدث في ألمانيا الهتلرية، تشرد زهاء أربعة ملايين عراقي في أصقاع المعمورة على يد طغمة صغيرة قوية ومتخلفة ووحشية. هانحن الآن نردد شعارات؛ الأفضل لنا الحديث عن عبد الواحد "أبو نجاة" هذا الشاعر الذي لم ينشر في حياته غير قصيدة طويلة واحدة احتلت صفحة بأكملها في صحيفة بيروتية تحت عنوان غريب بعض الشيء (المهانة). كتبها بعد عودته مباشرة من حرب الأنصار في جبال كردستان العراق. نُشرت في بيروت عام 1982. بعد هذه القصيدة العصماء مزق جميع أشعاره السابقة. وظل يكتب بالخفاء، يكتب سريا وكأنه يخاف من الفضائح. يملأ صفحات كثيرة من الدفاتر، لكنه عزف عن نشر أو قراءة أي شيء منها. ربما كان يعتقد، وهذا شبه مؤكد، أن التاريخ سيخلده عندما يكتشف النقاد في المستقبل البعيد قيمة أشعاره الحقيقية. هرب المثقفون العراقيون في الوقت ذاته، وسويا مع النخبة السياسية التي انتجتهم. تلك النخبة التي هي عصارة قرن كامل أمتد من 1820 إلى 1920 ، تلك المخاضات السياسية والاجتماعية العسيرة انتهت بأربع جمهوريات في القرن العشرين، وجمهورية جديدة في القرن الواحد والعشرين تحت راية حكام العالم الجديد: الأمريكان. أربع جمهوريات لم تدم واحدة منها على نحو طبيعي مثل باقي الأمم والشعوب. جمهورية عبد الكريم قاسم1958 على أنقاض العهد الملكي الهاشمي، جمهورية عبد السلام عارف 1963 ، جمهورية عبد الرحمن عارف 1966، ثم وأخيرا جمهورية الفاشست الجدد ورمزها العالمي الشهير (عبد الصدام حسين) 1968. ضاع الناس وضاع الوطن، وكان الملتقى في بيروت. بيروت هي المحطة الأولى للمثقفين والسياسيين من الحزب الشيوعي والأحزاب الوطنية العلمانية الأقل شهرة. طهران كانت المحطة "الدينية" للمهجرين الشيعة من أبناء العراق. موسكو قبلة الشيوعيين الرسميين. صوفيا عاصمة بلغاريا محطة وسطى بين الحقيقة البسيطة والمثال العظيم، بين الواقعي اليومي والميتافيزيقي النظري. بين المرّشح الحزبي العادي والعضو البارز في القيادة. مثل صوفيا كانت براغ وبودابست ووارسو ورومانيا ويوغسلافيا السابقة التي تحولت بقدرة قادر إلى خمس دول مستقلة. وكل ما بقي من هذه الخزعبلات التي كانت تُسمى بـ "المعسكر الاشتراكي". أين انتهت هذه الجغرافيا السياسية المزورة القائمة على أساس مبدأ واحد هو: الأيديولوجيا الجاهزة. نظريات حديثة لشطب الشعوب وتاريخها و السيطرة على أكبر قدر من الجغرافيا ومستقبلها. كانت هذه المحطات تبدو عشوائية من النظرة السطحية، لكنها حتمية وموزونة قدريا كما يزن الصائغ ذهبه في الميزان. لا يذهب عضو الحزب الشيوعي إلى طهران. ولا يذهب آيات الله العراقيون إلى موسكو. فكان من المحتم على عبد الواحد البصري وعلى إبراهيم شكري أن يمرا، فرادى أو بصحبة أسرهم الصغيرة، بذات المحطات الإجبارية في هذا المنفى الكبير. بيروت، موسكو، كردستان، ثم بيروت من جديد، وأحيانا دمشق، وأخيرا هذا البلد العظيم، هذا المنفى الرائع: السويد. نصف أعضاء الحزب الشيوعي العراقي ونخبه السياسية يعيشون الآن في اسكندنافيا، في السويد والدانمارك والنرويج وفنلندا. إنها أكثر الدول والممالك جديرة بهذه الفئة الشريفة من المناضلين. ليست موسكو الشيوعية التي تحولت بين ليلة وضحاها إلى مسخ إمبريالي تعبث بمقدراته المافيات والقحاب وتجار الهروين بعد ثمانية عقود من الدماء والتضحيات التي بذلتها الشعوب بكل ثورييها ومثقفيها وعلمائها. ربما نتكلم بلسان عبد الواحد الذي أختار الصمت المطبق، ربما خوفا من مافيات الحزب الجديدة، حيث لم يعد مجال للخوف منها. أو من الفشل، والساحة مفتوحة الآن لكل الفاشلين والمخصيين العظماء. هكذا تؤدي طرق المجانين والشرفاء والشعراء بطبقاتهم، المبدعين منهم والفاشلين، والسياسيين الناشطين أو المتقاعدين، كل الطرق تؤدي إلى بعضها بعضاً. تحدث الاختلافات الصغيرة في مواعيد الوصول ومواعيد الرحيل، لكن تبقى المحطات الرئيسية ثابتة. لذا ليست الأقدار وحدها هي التي جعلت الشاعر الشفاف الغامض عبد الواحد البصري يعيش بذات المدينة التي يعيش فيها إبراهيم شكري البغدادي، أسوة مع بسّام ودنخا. لم يخططوا مسبقا كي يعيشوا بنفس المدينة. هذه هي قوانين الحياة العجيبة. نظن أننا سنهرب من الماضي؛ لكننا نلحق به أينما اختفى أو كاد أن يتلاشى. من دون ماض ليس للإنسان معنى أو قيمة. و إن وجدت حقا، فهي قيمة مزيفة في جميع الأحوال. عبد الواحد رجل مرح بطبعه لكنه لا يضحك كثيرا. يجعل الناس يضحكون ملء أشداقهم بنكاته الحقيقية، ويشاركهم بالضحك على نفسه وعلى خيباته. يمكن وصفه بـ "الرجل العصامي" ولكنه وصف ساذج؛ إنه صعلوك من الطراز الأول. لا يحب التطفل على الآخرين ويحترم كلمته. يأكل ويشرب وينام ويغسل الصحون في بيوت الأصدقاء، لكنه يفعل ذلك كما لو أنه في بيته. لا يمس حاجة لا تخصه، ولا يجرح مشاعر أحد. إذا رأى زوجة صديقه تخرج عارية من الحمام لظنته أنه نائم، فهو سيلعب دور النائم إلى النهاية. وإذا شاهدها تمشي مع رجل آخر فهو يخبئ السر في الأعماق. وإذا حدث وقالت له: "أحبك"، فسوف يهرب منها إلى الأبد. وعلى عكس بسّام تماما يتمتع عبد الواحد بمعالم واضحة. له شارب كبير، صارم، وعتيق يشبه شارب الدكتاتور الشيوعي التاريخي "ستالين". عينان صريحتان وكبيرتان تستقران في وجه مدوّر تحت جبين عريض كجبين الملوك. ومن يحبه يبدو له وسيما، أما من لا يحبه فيبدو له كرجلٍ قاسٍ وغامض ليس فيه سوى الصرامة والانغلاق على النفس. والشيء الذي يعزز تلك الانطباعات السلبية بنيانه الضخم وبقايا لهجته وتصرفاته الريفية الجنوبية. لا يصدق الذي يراه للمرة الأولى أنه مثقف من الطراز الرفيع. ربما يظن أنه ممثل مسرحي، بطل تلفزيوني أو سينمائي رصين على غرار غريغوري بك في فيلم "كليمنجارو" لهمنغواي. لكنه، وبطريقة أقرب إلى الواقع، يشبه تماما الممثل عمر الشريف، خصوصا حين ظهر في فيلم (Funny girl) مع باربرا سترايسفيلد، شخصية ساحرة لديها الاستعداد لخسارة كل شيء من اجل نيل حريتها. يمكن للآخر ان يتصوره أي شيء، و لكن ليس "شاعرا" على الإطلاق. تزوج عن طريق الصدفة من امرأة اختارتها له سلمى، وكانت أقرب صديقة لها. أنجبت له طفلين، نجاة وعلي. نجاة تصغر هناء بأربع سنوات. هناء ابنة إبراهيم الأولى التي تلاشت فجأة من الواقع، وصارت تعيش في واقع آخر مختلف تماما. أما علي فهو بعمر أزهر، عشر سنوات، وكلاهما ولدا في السويد. نقول ذلك لأننا نحتاج ربما إلى ذكرهم أو تذكرهم. الحياة سريعة وقصيرة بقدر ما تبدو طويلة ولا نهائية بمقياس الألم. نذكر هؤلاء الأشخاص لمجرد تدوين أسمائهم الضائعة مثل حياتهم. لا نستطيع في هذا الوضع المشتت أن نؤسس عليهم بنية القصص والروايات الضخمة. تلك مهمة الكتاب المخضرمين من أهل البلد المستقرين على كتبهم كما تستقر البطاريق القطبية فوق بيضها الكبير. هناء وصلت السويد مع ذويها، إبراهيم وسلمى، لم يكن يتجاوز عمرها الثالثة، هي الآن في الرابعة والعشرين، أنجبت طفلا خلاسيا من رجل سويدي اسمه "بيترسون" أُطلق عليه اسم سويدي أيضا هو "يوهان" ليصيح اسمه Johan Petersson. حصلت الأسرة على اللجوء السياسي واستقر بهم الحال في بلدية جنوب السويد. باشر الأبوان دراسة اللغة السويدية؛ ولم تمض أشهر قليلة حتى وجدا نفسيهما يعملان كل واحد في جهة، وفي مهن لم تخطر لهما على بال. إبراهيم درس الاقتصاد في جامعة بغداد، وبدأ العمل في مصنع للحديد الصلب. سلمى درست الهندسة، وباشرت العمل كعاملة متدربة في مصنع ينتج الأبواب والخزانات الخشبية. هناء التحقت بروضة الأطفال، وبعد ذلك بالمدرسة. كانت طفلة وحيدة طيلة ست سنوات، حتى ولادة أختها حنان. كانت الفرحة في قلب هناء لا تعادلها أية فرحة في الحياة حين جاءت حنان إلى الدنيا. حيث كانت هذه المخلوقة الصغيرة التي نزلت من بطن أمها أجمل من كل الدمى التي حصلت عليها هناء في حياتها. فكانت لا تفارقها، وتأخذها بعد الرضاعة إلى غرفتها. لم تكن حنان تستيقظ من النوم أثناء الليل، تنام بعمق في حضن هناء. حتى تأكدت سلمى جيدا من أن هناء صارت بمثابة الأم الصغيرة لحنان. حينئذ عادت إلى العمل من جديد. الأطفال أبرياء كالملائكة حتى يبلغون سن المراهقة؛ عندها يتحولون إلى شياطين صغيرة يمتلكون معارف جديدة ومتطورة تفوق ما تعلمه الآباء. حافظت هناء على براءتها الفطرية الطبيعية إلى حين بلوغها الثالثة عشر؛ بالضبط حتى ذلك اليوم الذي استقبلت فيه أول مداعبة عضو ذكري لفخذيها الطريين، لامست للمرة الأولى شفاه فرجها الباكر من قبل صديقها الذي يسبقها بعامين دراسيين في المدرسة، ذلك المراهق الفنلندي القبيح والشرس "ماغنوس". حينذاك كانت أختها حنان في السابعة، وقد كشفت بنفسها هذا السر لأمها. لقد بالغت هناء في الواقع بالاعتماد على سذاجة أختها الصغيرة. وكانت تعتقد أنها لم تكبر بالقدر الكافي لفهم مثل تلك العلاقات الغرامية المتطورة. إذ أنها هي بالذات لم تكن تعرف أسرارها جيدا. وإنما كانت تمر في طور التجريب والتقليد لفتيات مراهقات في السادسة والسابعة عشر وحسب. حينئذ تحولت حياة الأسرة إلى مستوى أكثر تعقيدا، وصارت تواجه أنماطاً جديدة من المسؤولية في الحياة. من السمات البارزة في شخصية الأم سلمى "قوة الإرادة". إذا أرادت تحقيق "هدف محدد" فيجب أن تناله مهما كانت الصعوبات، ومهما تأخر الوقت. ربما يتمتع كل إنسان بغريزة الإرادة، لكن مستويات القوة فيها تختلف بين شخص وآخر. فهي تنجب الأطفال وقتما تريد. لا مجال للخطأ هنا. وتنتقي العيش في هذا الحي أو ذاك. في هذا البيت أو ذاك. وتختار هذا الأثاث أو ذاك، هذا الصديق للأسرة أو ذاك. كانت في الغالب تحصل على ما تريد وإن كان من دون خسائر أو تضحيات بعض الأحيان، وأحياناً يكون الثمن باهظا بطبيعة الحال. لم تستطع التدخل في مسار الأقدار الحتمية التي تفرض قوانينها الصارمة العشوائية في حياة كل إنسان؛ لكنها كانت تتدخل قدر الإمكان وبكل طاقتها الروحية للتخفيف من شدة وطأة هذه الأقدار العاتية، أو، على الأقل، حرف مساراتها القاسية قدر الإمكان. أن تتلقى الشظايا الصغيرة المؤلمة على جسدك خير من الاستسلام الكامل لتلقي القذيفة كلها دفعة واحدة. لم يبد زواجها من الشاب إبراهيم شكري قبل ربع قرن أمراً قدريا حتميا. ومع ذلك هاهو قد حصل وانتهى كنوع من أنواع القدر. رفضت الاقتران به في مرتين سابقتين، ثم أذعنت أخيراً في المرة الثالثة. ذلك هو بالضبط ما نقصده بقولنا "حرف الأقدار" ولو بدرجة قليلة عن مسارها الطبيعي الممعن بالقسوة؛ حيث هنا، وهنا بالتحديد، تتجلى عظمة الإنسان. لم يكن ذلك بالأمر السهل على الإطلاق حينذاك. كانت صبية في المرحلة الإعدادية، أقل جمالا من صديقاتها وأكثر جدية. خصال إبراهيم الحسنة كانت قليلة في ذلك الوقت. فهو بالإضافة إلى كونه "الابن المدلل" في أسرته المرفهة اقتصاديا بعض الشيء، كان في الوقت نفس محط أنظار المراهقات لما يتمتع به من وسامة وطيش. أعجب بلون بشرتها القمحي المميز وبطولها الجميل الفارع. كانت آخر فتاة يمكن أن يُتيّم بها "دون جوان" الحارة إبراهيم شكري. وعندما رفضته في المرة الأولى ظن الأهل، أهلها، أن التفكير بالزواج ما زال مبكرا على مستوى نضج عقلها. مر الزمن الكافي كي يتقدم لخطبتها إبراهيم للمرة الثانية بعد إكمالها المرحلة الثانوية، بيد إن الرفض كان نفسه. ـ "لماذا ترفضينه؟". قالت لها باستغراب صديقتها الحميمة سُميّة. ـ "لأنه وسيم جدا". ردت سلمى ـ "أنت مجنونة حقا، شكله يجنن". قالت سُميّة هذا "الرفض" الساذج الذي أبدته فتاة مهملة من قبل الشبان لا تتقن حتى وضع المكياج على وجهها هو الذي عزز مكانتها الدائمة في حياة زوجية استمرت خمسة وعشرين عاما. لم تكن هناك واحدة من صديقاتها لتجرؤ على فعل ذلك. لقد كسبت جزءا كبيرا من بناء ثقتها بنفسها عن طريق السذاجة، بينما تحطم صرح الثقة بالنفس الذي شيده إبراهيم عبر مغامرات غرامية طائشة، لكنها حقيقية، ومعارك شغب ناجحة خاضها ضد الشبّان الأشرار الوقحين في الشوارع، ومع القوادين في البارات والملاهي الليلة، وأخيرا، تلك المصادمات الشجاعة مع رجال الأمن والمخابرات والشرطة عندما أصبح ماركسيا ثوريا على الطريقة التروتسكية التي استعمل فيها الأسلحة النارية الخفيفة. تحطم كل ذلك عن طريق مجرد الصدفة. طار صواب إبراهيم عندما جوبه للمرة الثانية بالرفض؛ لم يكن ليتوقع مثل هذه الخيبة حتى من باب التخمين. قرر بداخله: "يجب تمريغ أنفها المتكبر بالوحل". بسببها صار موقفه ضعيفا بين الأصدقاء، وأشرفت سمعته على التدهور بين الفتيات حين دبَّ الهمس بينهن: "سلمى السمراء ترفض "دون جوان" الحارة إبراهيم الحلو؛ مَنْ يصدق هذا؟". لكنه، والغريب بالأمر، بدل أن يحاول تمريغ أنفها بالوحل صار يحبها بشكل حثيث. واعتقد، طبقا لسوء طالعه في تلك الحقبة الزمنية العجيبة، التي لم يصادف فيها أحداثاً مفرحة ذات طبيعة مهمة، بأن ما يحدث له هو عبارة عن نوع من أنواع "مشاكسة الأقدار" ، وعقاب مجهول يتعرض له بالخفاء جزاءً على كل طيشه وعربدته السابقة. اعتقد جازما إن مجرد الزواج منها رغما عن إرادتها هو بمثابة "انتصار له" مهما يكن مجانيا، لأنه ينطوي على مفهوم واضح: "كسر انفها المتعجرف". إنها مجرد بداية للنيل منها؛ بعد ذلك سيُري تلك "الهندية السمراء" جيدا مَنْ هو زير النساء إبراهيم بن شكري. لكنه بدل تنفيذ خططه الساذجة انشغل طيلة السنوات الأولى بالبحث عن الأسباب الحقيقية التي دعتها إلى رفض الزواج به بكل ذلك العناد والتصميم. بيد أنها لم تبح له بالسبب الحقيقي الوحيد ولا مرة في حياتها. له أن يعرف ذلك الآن؛ بالضبط بعد فوات الأوان. يمكن تخيل حجم الثمن الذي دفعته سلمى خلال هذا الزمن الطويل من عمر زواجها بهذا الرجل المغرور، وهو يتلخص بأنها لم تسمع إبراهيم ولا مرة في حياتها يقول لها، ولو عن طريق الخطأ أو المجاملة: "كم أنتِ جميلة". لأنه كان مشغولا جدا بالبحث دون طائل عن أسباب رفضها اللامنطقية له. كان مكابرا من الطراز الأول؛ لكن موقعه الحقيقي، أو لنقل النفسي الداخلي، كان يتسم بالرخاوة والضعف أمامها بشكل عام، بالرغم من هيمنته الظاهرية على مقدرات الأمور في عالم هذه الأسرة. رضخت للقدر المحتوم بالزواج من هذا الرجل الوسيم والمغرور، لكن ليس قبل أن تعد العدة النفسية الملائمة للتخفيف من أضراره اليومية الوخيمة. كأنما كانت تفعل ذلك في منطقة "اللاوعي" من تفكيرها. وفي هذا السياق يمكن وصف شكلها العام بالقول إنها امرأة متكاملة. وبقليل من الحيلة والمقاربة والتشبيه بينها وبين الممثلة الإيطالية المخضرمة صوفيا لورين، سنعثر على سمات كثيرة مشتركة بين الاثنتين. شكل الجسد المتناسق، تحتل فيه الساقان المساحة الأكبر من طول الجسم، كتفان عريضان فوق جذع مصقول ومستقيم. ذراعان مكتنزان لهما حركة أنثوية طبيعية خالية من التوتر. ملامح وجهها مثيرة للاهتمام من دون افتعال، ذكية ولماحة ومشرقة، ربما تدل على نفس طيبة لهذه الشخصية، بيد إنها توحي كذلك بقوة شخصيتها. عبد الواحد وصفها ذات مرة بأنها "شخصية روائية". لا نعلم ماذا كان يقصد بذلك الوصف على وجه التحديد، لكنها اعتبرت هذه الملاحظة نوعا من الإطراء الأدبي على أية حال. سلمى وسُميّة زوجة عبد الواحد صديقتان منذ أيام المدرسة الابتدائية، كما عبد الواحد وإبراهيم. وغالبا ما كان يجمع أولئك الأشخاص الأربعة شعور واحد يحس به كل شخص على حدة دون أن يعترف به أمام الجميع، ربما لأنه شعور مخجل بعض الشيء: ماذا كان سيحصل لو أن القدر بدّل مواقعهم في هذه الحياة جميعا، فجعل من سُميّة زوجة لإبراهيم، بينما جعل سلمى من نصيب عبد الواحد؟ سيبدو الأمر في هذه الحالة طبيعيا جدا وعادلا. لكن يبدو إن الأقدار لا تفكر بالعدالة بقدر ما تفكر بحتمية وقوعها. لا يوجد إنسان على وجه الأرض لا يعتقد، ولو مرة واحدة، إن الأقدار خانته. نحن نقول ذلك لأن إبراهيم لا يطيب له الحديث إلا مع سُميّة، بينما سلمى على استعداد لسماع أحاديث عبد الواحد الشيقة لساعات متواصلة من دون أن تشعر بالضجر. في الوقت الذي ينشب الصراخ إذا تحدث مع زوجته أكثر من دقيقتين؟ عبد الواحد لا يحب الثرثرة كثيرا، لكنه يفتقد إلى امرأة تستمع، بل تنصت إليه باهتمام ومن دون ملل. خصوصا عندما يتحدث عن الأدب والكتب والموسيقى والثقافة الإنسانية السامية، وليس فقط عن رفع الأفخاذ على السرير. وإبراهيم يحب الغناء في جلسات السهرة، ويفضل أن يغني هو بنفسه. وهو يفعل ذلك حقا في كل جلسة يلتقون بها بين وقت وآخر. إنه يحفظ كل أغنية عاطفية يذكرها له أي شخص آخر، يباشر فورا بترديدها. يحفظ مطلعها على أقل تقدير. مثل أغنية المصري كارم محمود التي يقول فيها: "سمرة يا سمرة مرة بمرة شغلني هواكِ دمك خفة وتاج العفة شبكني معاكِ سمرة يا سمرة حلوة يا سمرة" أو أغنية العراقية وحيدة خليل: "أنا وخلي تسامرنا وحجينا نجمة والبدر شاهد علينا والعذيبي تنسم عبير الورد نشتم" سُميّة تحب هذه الخصلة جدا، تحب الأغاني العاطفية كثيرا وتشارك إبراهيم في الأداء بنشوة كاملة. إنها تحفظ جميع الأغاني العاطفية عن ظهر قلب. "الإنسان حريصٌ على ما مُنع عنه". ربما ينطبق هذا المثل على هذا الوضع بالذات، لكننا يجب إلا نغفل عن أخطاء القدر الجسيمة. طالما قال عبد الواحد متحسرا: "لماذا لم تكن سلمى هي زوجتي؟". يقول ذلك سراً في أعماقه كلما رأى سُميّة تندمج مع إبراهيم في الغناء وهي مطبقة الجفون. هي تطرب حقا مع صوتها الشجي، بينما إبراهيم "يؤدي" اللحن فقط. سلمى وعبد الواحد يتأملانهما بإعجاب لهذا الانسجام الرائع. إذا قامت سُميّة إلى المطبخ لإحضار حاجة ما، فإن إبراهيم يلحقها بالصدفة ليضع كفه على كتفها وهو يختلق أي موضوع جدي مترنحا. بينما يتحرك قدم عبد الواحد تحت الطاولة ليقع بالصدفة على قدم سلمى. يتم إدراك المعنى الخاص لهذه الحركة العفوية جدا الذي يتكلل بابتسامة صافية على الوجهين. كل واحد يعرف دوره بالتمام والكمال. الخطأ ليس في الأشخاص الخجلين، الخطأ في التاريخ والأقدار وهذه القسمة الضَيزْى. على هذه الفطرة يُفطر الرجال؛ لا أحد يحب زوجته فقط وسط هذا المرج الكوني المليء بفاكهة حواء وثمارها الطيبة. قليل من الرجال الحمقى يقتصرون على حب امرأة واحدة في حياتهم. وهذا الوضع،على العموم، يبدو نادرا في هذه الحياة المليئة بالنساء الرائعات. نستثني الرجال الخاملين الطيبين القانعين بأقدارهم السماوية. الخجل وحده يمنع البوح بمثل هذه الملذات الحقيقية التي تخلق الأمل وحب الحياة وحب التضحية في تاريخ الإنسان. أي ذلك الوهم الجميل الذي يراود البشر في كل مكان وزمان. وهمٌ أشبه ما يكون بأمل العثور على الماء الزلال في صحراء هذه الحياة الجدبة، لكنه يبقى مختزناً لقوة مجهولة تمد الشخص بطاقة غريبة وفريدة: طاقة الأمل.
|