Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

روايــة

الجحـــيـم المقــدس

بُـرهـان شـاوي

 

 

 

(1 )

 

عنـــــد نبــــع المـــــاء

 

الشمس اللاهبة تضـيىء السماء والسهل والجبال بنورها الباهر، والوادي الرحب يمتد بين سلسلتين من الجبال. والأشجار تتوزع بدون انتظام. في احدى الجهات عيون الماء تتدفق ولا تبعد الواحدة عن الأخرى كثيرا.

الماء الرقراق ينضح عنها ليسيل في جداول صغيرة، بينما يمتد السهل شاسعاً ورحباً في الجهة الأخرى. هناك قرية شبه مهجورة تتوسط الوادي، انها قرية (قاينجة) التي لا تبعد كثيراً عن المدينة الصغيرة (سيد صادق) التي تقع عند نهاية الوادي. مع انحراف السلسلة الجبلية ينفتح أفق رحب وتتقاطع الطرق التي تذهب إلى مدينة (السليمانية) وإلى (حلبجة).. مثلما ينزل الطريق ذاته شاقاً الوادي ذاهباً إلى مدينة (بنجوين).

في الطرف الآخر من الوادي، وعلى بداية سفح الجبل ترقد قرية صغيرة جداً، قرب عيون الماء. انها قرية (كاني سكان) التي لا تتعدى بيوتها العشرة.

في الطرف الآخر من القرية يقع معسكر للجنود الذين ألقت بهم أقدارهم السيئة إلى هذا المكان الجميل لكنه النائي عن الأهل والأصدقاء.

أسفل المعسكر تمتد مقبرة القرية، حيث تتناثر القبور فيها ويحيطها سور واطىء من الحجارة. القبور تتناثر بدون انتظام ولا يميز أحدها عن الآخر سوى كمية الأحجار التي تحيط به أو ترتفع عليه، وكأنما يأبى البشر ماداموا أحياء إلا أن يتمسكوا بتمايز أحدهم عن الآخر حتى أمام الموت، رغم أنه ساواهم تحت جناحه في مملكة الظلام.

المقبرة تخص قرية (كاني سكان) فقط، وهي تضم قبور أبنائها الذين أعدموا في مقر الفرقة السابعة التابعة للفيلق الأول للجيش العراقي، كما تضم قبور الذين قتلوا أثناء تصديهم للجيش الذي أرسلته السلطة في بغداد ليحرق القرى والغابات والناس والأشياء وليجعل من كوردستان جحيماً.

الظهيرة لاهبة. لاح جندي من المعسكر، قفز حاجز الحجارة الذي يفصل المعسكر عن المقبرة ونزل راكضاً بحكم الانحدار الأرضي باتجاه القبور، توقف عند أحدها ثم فك حزامه وأنزل سرواله وأقعى يتغوط.

المقبرة والمعسكر أسفل القرية على سفح الجبل لذا تبدو من بعيد وكأنها فوقهما.

صعدت فتاة صغيرة بثيابها الكوردية المهفهفة سطح الدار، نظرت باتجاه المقبرة، جلست خافضة رأسها باتجاه باحة الدار، يبدو أنها نادت شخصاً ما، إذ سرعان ما صعدت إلى سطح الدار امرأة كوردية بثياب لاهبة حمراء وأخذتا تنظران باتجاه المقبرة، ثم بدأتا بتحريك أيديهما باشارات تبدو للرائي من بعيد وكأنهما تدعيان متجهتان لرب السماء.

إذ كثيراً ما كان الجنود يتبولون ويتغوطون عند قبور الأبناء الشهداء. ولقد ذهب بعض وجهاء القرية من المسنين إلى قائد المعسكر شاكين في أن هذه القبور هي لأبنائهم وأحبتهم وليس من العدل أن يتبول الجنود عليها وأمام أعينهم، فما كان من قائد المعسكر الا أن طردهم مهدداً فيما إذا رجعوا فانه سيجعلهم من سكان المقبرة وليس القرية، وسيجعل الجنود يتغوطون على قبورهم ليل نهار. فابتلع سكان القرية هذه الاهانات على مضض، حتى صار ديدنهم أن يراقبوا حركة تبول وتغوط الجنود، بل وكثيراً ما كانت احدى الأمهات تحس بفرح خفي حينما يمر اليوم ولم تر فيه من يتبرز عند قبر ابنها الشهيد.

ان من ينظر إلى قرية (كان سكان) قبل أن يصلها يرى الصبيان وأحياناً الكبار يقفون على أسطح البيوت متجهين بوجوههم نحو المقبرة.

***

الظهيرة لاهبة والوادي صامت إلا من خرير الماء الذي يجري في جداول. وعند النبع وتحت ظلال أشجار التوت كانتا جالستين. امرأة عجوز قد تجاوزت الخمسين بكثير، لكنها كعادة العجائز في الجبال تبدو نشيطة، ترتدي ثياباً قديمة، وجهها قاس وحاد الملامح، في نظرتها غضب ومرارة.. كانت العجوز تنقل نظراتها التائهة بين الجبال والقرية والسهل الممتد وبين وجه ابنتها الجميل والوحشي، والتي كانت مغمضة العينين وكأنها تحلم أو تحاول اقتناص وجه ما في ذاكرتها. انها كئية الوجه والملامح فتية الجسد. فتحت عينيها، ألقت على وجه العجوز نظرة غامضة ومستقرة، دون أن يرف لها جفن. لم تستطع العجوز أن تصمد في مواجهة هذه النظرة،  فسرّحت بصرها باتجاه القرية التي لا تبعد كثيراً. دمدمت العجوز بلهجتها الكوردية السورانية بعد أن ألقت نظرة مستفهمة وسريعة على وجه ابنتها.

ــ يبدو أنه لم يبق غيرنا، لقد قتل الجميع، ويبدو أنهم أحرقوا قرية (حمه ره ش) ايضا.

لم تجبها الفتاة، نظرت بشرود إلى وجه أمها ثم استقرت نظرتها على عين الماء الجاري. نظرت إليها العجوز ثم التفتت إلى الشيء الذي استقرت عليه نظرة ابنتها، تنقلت نظرتها بين وجه ابنتها وعين الماء، خفضت وجهها بحزنبعد لحظات رفعت وجهها ونظرت للسماء مدمدمة:

ــ ستقوم القيامة قريباً.

التفتت الفتاة إليها بحركة مفاجئة، نظرت إليها للحظة ثم خفضت وجهها ثانية وتاهت نظرتها غارقة لأعماقها، فجأة، نهضت العجوز واتجهت نحو الينبوع وأخذت تغسل وجهها، التفتت نحو ابنتها، كانت الفتاة قد استلقت بكامل جسدها على الارض وغطت وجهها باحدى يديها وطوت الثانية تحت رأسها. وقفت العجوز، سرحت ببصرها نحو المعسكر والمقبرة، تقدمت من ابنتها:

ــ من حسن الحظ أن هناك عيوناً أخرى قرب المعسكر وإلا كان الجنود قد جاءوا إلى هنا.

رفعت الفتاة رأسها دون أن تجيب، نظرت إلى أمها ثم غفت ثانية.

ــ يجب أن ننتظر هنا لحين الغروب حينما تنزل نساء القرية إلى النبع الآخر.

جلست العجوز متكئة بظهرها إلى جذع شجرة بينما استلقت أمامها ابنتها منكمشة على نفسها.. في هذه اللحظة بالذات تعالى صوت من بعيد، من جهة المعسكر وباللهجة العراقية:

ــ حيــةحيــة

هرول أحد الجنود باتجاه المعسكر وبيده دلواَ يتساقط منها الماء. اختفى الجندي خلف سياج المعسكر. انتبهت الفتاة، رفعت رأسها باتجاه المعسكر، رأت اثنين من الجنود قد عادا مع حامل الدلو وبيد أحدهم بندقية، نزل الجنود نحو النبع الذي يقع أسفل المعسكر، في المسافة التي تمتد بينه وبين القرية. الجنود يلغطون بالعربية التي لم تفهمها العجوز وابنتها سوى قليلاَ. وفجأة دوى الوادي بصوت رشق من الطلقات، رددت الجبل صداه. فزت الفتاة والعجوز على أثره، وصعدت بعض النسوة إلى أسطح البيوت في القرية، بينما ترددت قهقهات الجنود وهم يختفون خلف سياج المعسكر.