Iraqi Electronic Library

المكتبة الإكترونية

الثقافة الكرديّة مشكلات معضلات وآفاق...

  جلال زنكَابادي

 

 

جلال زنكَابادي

 

 

الثقافة الكرديّة

 

مشكلات ، معضلات

 وآفاق...

 

 

 

 

يقع الكتاب الورقي(237 صفحة/قطع متوسط)

دار سردم للطباعة والنشر- السليمانية

ط1/ 2010

الفهرست

 

 

الإهداء

صوى

تمهيد

الثقافة ضد الفوضى والدمار والموت

نشداناً لحقنا في الهويّة الثقافية

مساهمة في استقصاء معضلات الثقافة الكردية

الإغتراب الثقافي في كردستان

عن السياسة والتنمية الثقافيتين

سمات المثقف المستقبلي

ثقافتنا المستقبلية

(القافلة) تقرع أجراس الخطر!

معضلات الثقافة الكردية في محاضرة لجلال زنكَابادي

الحوار الثقافي ضرورة، ولكن!

عصرنة التراث؛ تأصيلاً  للحداثة

..ولذا ولدت مجلة (كَرمسير)

طاولة غيرمستديرة! للإجابة عن الأسئلة الملحة

شهادة عمّا أسدته مجلة (الثقافة) للكُرد

صحوة الضمير البشري في مؤتمر باريس 1989

يعظنا التاريخ مراراً؛ فلماذا لانتّعظ؟!

تساؤلات بمثابة خاتمة تصعيدية!

سيرة المؤلّف

 

 

 

 

 

 

 

الإهداء

 

إلى دانييل ميتران (أمّ الكُرد)،

الأستاذة سعاد محمد خضر

(أمّي الّتي لمْ تلدني)

وإلى أصدقاء وصديقات الأمّة الكُرديّة

من سائر الشعوب والأمم

أهدي هذا الكتاب

 

 

 

 

 

 

 

 

صوى *

 

" لست أعمى لأبصر ماتبصرون"

المعرّي

 

" كلّ شيء يبدو أملس على الخارطة،

لكنّما الأرض ملؤها الحفر!"

(مثل روسي)

 

" الخضوع الروحيّ لأمّة أخرى،

هو شرّ أنواع الإستعمار "

المؤرّخ الدكتور جواد علي

 

" النّفط اللعين

يحول دون وصول صوتنا إلى العالم"

الزعيم الخالد مصطفى البارزاني

 

 

* صوى: مفردها (صوّة) = علامة دالة على الطريق.

 

 

مدخل

 

   منذ نعومة أظفاري الأدبيّة؛ تبيّن لي وراح يتأكّد رويداَ رويداً، أن أنماط الأدباء والفنّانين عموماً ثلاثة: أوّلها هو المثقف التقليدي( الذيلي على الأغلب) والذي لايهمّه سوى سرعة وديمومة النشر، التكسّب، الإعتياش والإشتهار، وترتيب بيته الخاص؛ مهما كانت البيئتان الثقافية والسياسية فاسدتين، حيث يروّج لـ ( كلّ شيء على مايرام) إذ غالباً ما ينتمي إلى الحزب الحاكم ايديولوجياً وتنظيميّاً. بل وغالباً ما تقتصر دائرة قراءاته على الجنس الأدبي أو الفني الذي يشتغل عليه. إنه النمط السائد الذي قد لاتقل نسبته العددية عن 75% في حين يطغى همّ تغيير وتطوير البيئة بكلّ أبعادها على النمط الثاني، الذي غالباً ما تتسع دائرة قراءاته جداً حدّ الموسوعيّة، وهو طبعاً إستثنائي نادر محارِب ومُحارَب في آن واحد، طالما يدفع الثمن باهظاً، بل ويعاني الغربة حتى وسط جمهرة المثقفين! بل يبدو كالفارس النبيل دون كيخوتيه (طبعاً بالمفهوم الحسن،لا المبتذل) ونسبته ضئيلة جداً. أمّا النمط الثالث فهو التوفيقي الـ ( بين بين)...و(من نكد طالعي) ثمّ (من حسنه) لاحقاً أنْ يشاء قدري؛ فأكون من النمط الإستثنائي ،الذي أنعته بـ ( المثقف المستقبلي)؛ ولا أدلّ على ذلك من إهمالي وتسويفي لنشر شعري ( وما أكثره بالمقارنة مع أترابي وأقراني!) في حين طغى عليّ  نعت (المترجم) و(الكاتب) لهمّي المهوس بالتغيير والتطوير الشاملين؛ لعلّ هذا الكتاب يجسّد بعضاً من أبعاض هذا الهوس، وهو ينضوي بمقالاته ومباحثه المتقاربة والمتباعدة- لكن المترابطة/ المتجانسة - تحت مظلة الفكر الثقافي، خصوصاً وانه يتناول مواضيع: مفهوم الثقافة/ الحق في امتلاك الهويّة القومية الثقافية/ الهويّة الثقافيّة الكرديّة المتعرّضة للغزو وآفة الإغتراب/ مشكلات ومعضلات الثقافة الكردية/ أنماط المثقفين والمثقف المستقبلي المنشود/ في السياسة والتنمية الثقافيتين و الثقافة المستقبلية/ التراث والعصرنة/ الحوار الثقافي .. وقد يظهر تكرار ما هنا وهناك لبعض الطروحات؛ فمردّه التوسيع والتعميق بالضرورة، ليس هذا فحسب، بل عليّ أن أوضّح لماذا ركّزت كلّ هذا التركيز على مؤتمر باريس- (الأكراد: حقوق الإنسان والهوية الثقافية) في 1989 بمسرد بانورامي مركّز ومكثف له، عبر عشرات الصفحات؟

رغم مضيّ عشرين عاماً على انعقاده، فإن طروحاته مازالت في أوج حضورها :

- فهو يعدّ في رأيي حدثاً فريداً من نوعه في تاريخ الأمّة الكردية، فيما يتعلّق بقضيّتها العادلة ، وبالأخص جوهرها المتجسّد في الهويّة الثقافية القومية، بل وكان مؤثراً جداً في مسار نضالها ومصيرها لاحقاً...أجل؛ أراه أهم بكثير من معاهدة (سيفر) الخلّبيّة، التي لاتستحق ذرف دمعة واحدة عليها! إلاّ أن الكرد، حتى أغلب الإنتلجنسيا منهم، لم ينتبهوا إلى أهمية طروحات مؤتمر باريس الداعية إلى تدويل القضية الكردية، وتفعيل مبدأ حق تقرير المصير والإتحاد الإختياري! لاسيّما وان الأمّة الكردية مازالت وقد تظل تتعرّض، أكثر من أيّ وقت مضى، إلى أخبث مؤامرات الضواري الفاشية الشوفينية الرامية إلى تطهيره عرقيّاً، ولنا أسطع دليل في دعاوى ومحاولات الحكومة المركزية البغدادية، المدعومة سرّاً وجهراً من القوى الشوفينية العربيّة والتركيّة والإيرانية وحتّى الغربيّة؛ بغية إعادة إحتلال إقليم كردستان واستعباد شعبها المتحرر الآمن والمستريح من منغصّات الشوفينيين الفاشست نوعمّا!

- وكذلك تُعد الشهادات الملقاة، في هذا المؤتمر، من قبل مختلف الشخصيات المختصّة أفضل بانوراما مركّزة وأرضيّة صلبة للباحثين والدارسين في مجال الهويّة الثقافية الكردية المغزوّة وحقوق الإنسان الكردي المهضومة؛ ومن هذا المنطلق روّجت لمقتطفات مختارة منها (بعناية) ضمن المسرد الذي يقدّم عصارة حيثيّات المؤتمر، فضلاً عن كونها( أي: المقتطفات) تمثّل المرجعيّة (الخلفية التاريخية والمعاصرة) لأكثر مقالاتي ومباحثي بين دفّتيّ هذا الكتاب بالأخص، والذي بدأت إرهاصات طروحاته، بل وتبلورت تدوينيّاً، منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي، وضمنت الكثير منها بعد إنتفاضة 1991 العظمى بأشهر معدودات، في مشروعي التنظيري (رسالة المستقبل) الذي لم يدركه ويفهمه ويتعاطف معه حتى المثقفون الكرد من النمط التوفيقي السّالف الذكر! وإنّما رأت أبعاض منه النور لاحقاً في صحف ومجلات كردستانية خلال تسعينات القرن الماضي!

   وعليه بودّي أن تُستَفتَح قراءة الكتاب بهذا المسرد؛ بصفته الأرضية أو الخلفيّة لما يأتي...أمّا درج المقابلة (طاولة غيرمستديرة! للإجابة عن الأسئلة الملحة) فلمساسها المباشر بالثقافة الكردية ضمن الثقافات العراقية، لكون الوضعين السياسي والثقافي الراهنين متواشجين جداً / و درج (شهادة عمّا أسدته مجلة الثقافة للكُرد) ؛ فلكون (الثقافة) منبراً عربياً فريداً لانظير له لحد الآن( شأنه شأن مؤتمر باريس) في احتضان الثقافة الكردية الجادة المكافحة في أحلك الأيّام. وطبعاً تجسّد محاضرتي ومقالاتي الأخرى، لاسيّما إفتتاحيتا مجلّتيّ (القافلة) و(كَرمسير) وكذلك المنشورة في مجلّة (المدى) مع غيرها هنا ( والمزيد من المؤجّل نشرها) بعض حراكي الثقافي عبر مشواري الثقافي؛ بصفتي من دعاة سلطة الثقافة وحوار الثقافات، وممّن إختاروا النضال الثقافي بإستقلاليّة مشهودة ، خارج الأحزاب والتنظيمات السياسية.

الثقافة

 ضد الفوضى والدمار والموت

 

 

  " كلّ البشر مثقفون" بالمفهوم الواسع لمصطلح (المثقف)؛ باعتبار الإنسان حيواناً متحضراً! لكنّما " ليس لكلّ البشر وظيفة المثقفين في المجتمع" حسب تشخيص الفنّان أنتونيو بوزوليني، أمّا حصراً فإن دائرة صفة (المثقف) تتسع لتشمل وفقاَ للمقاربة التعريفية المهنيّة : الأديب، الفنّان، الفيلسوف، المحقق، الباحث، المترجم، الصحافي، العالم،الروحاني، الطبيب، الحقوقي، المعلّم، المدرّس، الأستاذ، المدرّب، التلميذ، الطالب، الخبير العلمي، التقني، الداعية الحزبي، الإداري  في أيّ مجال ثقافي، والمتلقّي (القاريء، المشاهد والمستمع) لكنّما المقصود في هذا المقال ومايليه هو (المثقف المبدع) ضمن الدائرة الصغرى للثقافة: الأديب، الفنّان، المفكّر، المترجم، الباحث، المحقق، الأستاذ، الروحاني، المهندس، الحقوقي، الطبيب، والحِرَفيّ  الشعبيّ...ويُعدّ المثقف المبدع نمطاً متقدّماً بالمقارنة مع( المتعلّم / حتى من حملة الشهادات العليا)

 وهنا لتحاشي أيّ إلتباس قد يطال مفهوميّ الثقافة والحضارة في مضمونيهما وتشعباتهما وتداخلاتهما؛ قد يسعفنا المفكر الهندي همايون كبير برأي راجح: " الحضارة عبارة عن نظام من الحياة يتسنّى معه تحقيق مجتمع مدني، أمّا الثقافة فهي وليدة هذا النظام، وتعبر عن نفسها عادة بواسطة:اللغة والفنون، أو الفلسفة أو الدين والعادات والطقوس الإجتماعية والمؤسسات الإجتماعية..إلاّ أن واحدة منها على إنفراد لايمكن إعتبارها ثقافة. والحضارة هي النظام الإجتماعي، الذي يهيّء الجو لقيام الثقافة؛ وعلى ذلك فإن الثقافة والحضارة متلازمتان يتمم بعضهما بعضا، فليس هناك ثقافة بدون حضارة، وإن كان من الممكن قيام حضارة لم يتيسّر لها بعد تنمية ثقافتها..ً" وهذا المنظور يعني عموماً ان الحضارة أداة للتحرير، والثقافة وليدة للتحرر، لكنما هنالك إستثناءات طبعاً؛ فالثقافة الكردية-مثلاً- تكاد أن تكون أداة التحرير، لكون كردستان محتلة، مستعمرة وشبه مستعمرة ومفتقرة إلى كيان سياسي موحد على مدى تاريخها الطويل؛ ولذلك فالكرد يواجهون تحدي إشكالية ثقاحضارية مزمنة ومتوارثة. 

   تعد الثقافة حصيلة للنشاط الإنساني الخلاق والإبداعي، ويمكن حصرها في مجموع القيم المادية والفكرية؛ لأنها قبل كل شيء عملية خلق لهذه القيم وتوزيع وإستهلاك لها، كما يؤكد المفكر ليف كوكَان، ويضيف بأنها " نظام حركي معقد يرتبط عضوياً بسائر الأنظمة الإجتماعية، ويخضع في النهاية للنظام الإقتصادي في المجتمع المعين" في حين تتجاوز الحضارة في مفهومها مفهوم الثقافة كمستوى من التطور الإقتصادي والثقافي، بل أن مفهومها أوسع، ومن ثم تكون الحضارة نمطاً ثقافياً يحدده بلد معيّن ومرحلة تاريخية معينة، وذلك يعني تركيز التطور(التاريخي-الثقافي) في(الزمكان) ويعني ضمناً أنه يمكن أن يشتمل النمط الثقافي الواحد على حضارات مختلفة، حيث يمكن أن تتعايش ثقافات روحية متعددة في إطار حضارة واحدة، حتى لو عكست تلك الثقافات أوضاع ومصالح فئات إجتماعية متعارضة ضمن مجتمع واحد أو بلد واحد، كما حصل في أوج إزدهار الحضارة الإسلامية في (القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)؛ وعليه فإن الحضارة العالمية(البشرية) لايمكن أن توجد إلاّ كمحصلة للحضارات القومية، على أن يطور كل شعب حضارته، وبذلك يقدم العون للتطور الحضاري العالمي، وعلى هذا الأساس لايتكون شكل التطور الحضاري العالمي ولايستمر إلاّ بأشكال قومية. وهنا ينبغي التذكير بحقيقة" ان الحضارات تولد وتنمو، ثم تندحر.." كما يقول المفكر الإسباني أميركو كاسترو.

   مع كل ما أسلفناه، ثمة ما يستوجب التأكيد، ألا وهو أن الإنسان هو الذي يخلق جميع القيم والمنافع الثقافية، تاركاً نفسه يتكون بها وينمو، فهو فاعل الثقافة ومفعولها في آن واحد، ولايمكنه ذلك إلاّ باستيعاب وتمثل القيم الثقافية المتراكمة منذ قرون عديدة وكل ما تبقى من الحضارات القديمة، كشرط جوهري وقاعدة لكل نشاط إبداعي للقيم الجديدة..وهكذا فإن الإبداع نشاط إنساني يستوجب بطبيعته ذلك الإستيعاب.

   ومع أهمية دور الإنسان(الفرد) يؤكد كل المعنيين، بشكل أو بآخر، على حقيقة أن الثقافة تبدو مستحيلة التطور والتأثير دون وجود مؤسسات متخصصة توفر إنتاج القيم والخيرات الثقافية وتوزيعها، فبقدر ما تكون الثقافة متطورة في بلد؛ تكثر فيه المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية، وبقدر ما يكون النظام السياسي ديمقراطياً؛ تكون إمكانية المشاركة الشعبية كبيرة في تسيير هذه المؤسسات، بل وتصبح هذه المؤسسات في متناول ملايين الناس.

   لقد إنقضى القرن العشرون(قرن العلم) وشهد العالم في عقده الأخير تسارعاً تاريخياً على جميع الصعد؛ فقد تداعت وانهارت عدة أنظمة سياسية طغيانية، وراح الوعي القومي يتعاظم رغم طروحات العولمة، ويسود إيقاع الإنفجار التكنولوجي المتقدم مجالات الحياة كافة، حيث بزغ فجر عصر مابعد التصنيع، واشتد غزو الفضاء الخارجي، بل واستعماره، ومضى علم السيبرنيتيك يتقدم راسخ الخطى، ويتوغل علم الهندسة الوراثية عميقاً، شأنهما شأن العديد من العلوم القديمة والجديدة؛ بغية ترويض الطبيعة والتغلب على آفاتها وتسخيرها في سبيل خدمة الإنسان، كما راح غزو الفضاء الداخلي(الإنساني) يستغور الأعماق متسلحاً بالثورة العقلية المتصاعدة؛ لإستكناه وتفجير الطاقات الكامنة في العقل البشري..وهكذا تمضي البشرية بفضل كشوفات الثورتين العلمية والعقلية مستغورة ومستثمرة طاقات النهايات القصوى(الكبرى والصغرى) للجرمين(الأكبر والأصغر) بحيث تتجلى أواصر الوحدة بين الذرة والمجرة، كأنما يهيب بنا صوت الشاعر الكبير وليام بليك:

" كي ترى عالماً في حبة رمل

وجنة في زهرة برّية؛

امسك اللانهاية في راحة يدك

والخلود في ساعة واحدة"

   ولكن حذار أن يبهرنا الجانب المضيء وحده؛ فيعشي أبصارنا وبصائرنا، فلا نرى الجانب المظلم، أو نتغاضى عنه؛ حيث " يملك البشر قشرة الحضارة فقط، فإذا خدشت مجرد خدش؛ يظهر مخبأ الذئب فوراً!" على حد تعبير كَرامشي، أجل؛ هنالك المزيد من مخاطر توظيف الهندسة الوراثية والباراسايكولوجي وغيرهما توظيفاً معكوساً(شريراً)، ثم إن هناك عواقب الإنفجار السكاني وأزمة الطاقة وتناقص الموارد الطبيعية، والتصحر، والتلوث والدمار البيئيين، بل وإن الخوف من العلم والتقنية آت من شيوع وسائل الإبادة الجماعية المتمثلة بأسلحة الفتك والدمار الشامل، والتي تهدد الجنس البشري بالفناء الكلي، وتفشي جنون العنف والإرهاب والأمراض المهلكة كالسرطان والأيدز،والإدمان على المخدرات، ناهيكم عن معضلة طبقة الأوزون، والتهديدات الخارجية، التي تواجه كوكبنا المرتبط مصيره بمصير الشمس والمتغيرات الكونية...

   وهنا تأتي أهمية دور الثقافة، التي عدّها الأديب الإنكَليزي ماثيو أرنولد، السلطة الثالثة؛ بصفتها تنظيماً للفوضى، وفي مقاربة أخرى شبيهة؛ يقول ف. إيفانوف:

 " الثقافة الإنسانية كلها، حتى زماننا الحالي هي إلى درجة معينة، إحتجاج ضد الموت والدمار، وضد الفوضى المتفاقمة"

 وهنا أيضاً يواجهنا تساؤلان مشروعان:- ماقيمة إمتلاك التكنولوجيا المتقدمة وصناعة الصواريخ والقنابل النووية في بلدان يعيش مواطنوها الإغتراب بكل أنواعه وأشكاله؟! وأيّ تقدم هذا الذي لايحمل للبشرية إلاّ الإنحطاط والتقهقر، بل ويلحق أفدح الأضرار بتراث الإنسانية الثقاحضاري؟!

  لقد أصاب الشاعر أندريه فوزنيسكي كبد الحقيقة بقوله: " كل تقدم رجعي؛ حين يكون الإنسان منسحقاً"

 أجل؛ لأن" التقدم الحضاري يصبح مستعصياً ومستحيلاً؛ إلاّ إذا كان مرتبطاً بتفتح الشخصية الإنسانية" على حد قول كوكَان.

   على كل حال، دخلت البشرية في مطلع الألفية الثالثة أكثر مراحل تاريخها خطورة وإبداعاً وغوراً وتوسعاً، خصوصاً وان وسائل التنقل والإتصال المتقدمة وأجهزة الإعلام الحديثة تيسّر للبشر الإتصال والتواصل والتكيّف السريع للمستجدات والمتغيرات، وأصبح العالم يصغر يوماً بعد آخر؛ فيشبه مدينة، بل قرية حسب نعت البعض، وراحت الآداب والفنون والعلوم في جوّ الإنفجار العلمي والمعرفي والتلاحم الحضاري، تتقارب وتتداخل وتتقاطع، بل وتتمازج أحياناً في مقاربة مضمونية وأسلوبية ملحوظة، بشكل لم يسبق له مثيل، نزوعاً إلى التكامل والشمولية في الرؤية والرؤيا، وكذا الحال في التأملات والتوجهات الفلسفية؛ فغدا من المحتم على المؤلفين والمبدعين أن يبحثوا باستمرار عن أساليب جديدة لتجسيد رؤاهم الأدبية، الفنية، الفلسفية والعلمية.

وعليه فإن المنطق التاريخي، رغم الطروحات الواهية لصدام الحضارات ونهاية التاريخ، يفرض أكثر من أيّ وقت مضى، التعايش الأخوي والمصير المشترك للأعراق البشرية، وتكريس الآداب والفنون والعلوم، لاسيما قوى الذرة؛ في سبيل المقاصد الخيّرة، في الوقت الذي تتقلص فيه مديات التباعد بين أنماط الحضارات الراهنة رغم التفاوت الملحوظ بين القائدة والتابعة منها، وتتقارب الثقافات القومية مع تجسّد خصوصياتها؛ لتصب في بحر الثقافة الإنسانية، بحيث يصير الكيان الحضاري الراهن تراثاً مشتركاً للبشرية؛ مادام متشكلاً من تضافر وتلاقح عبقريات شتى الثقافات والحضارات على مر العصور، وستنصهر الأصالات القومية في بوتقة الحضارة الكونية) المتكاملة، المتناغمة والمكرسة لخدمة الإنسان؛ فالثقافة غالباً ما تقرّب، بينما السياسة غالباًما تفرّق بين بني البشر، ثمّ إن عالماً بلا ثقافة وقيم معنوية لهو عالم همجي ومرعب باتأكيد؛ لأنّه سيفتقر إلى أيّ كابح وجداني لممارسة الشرّ؛ فلاعجب إذ ولد قبل قرابة ثلاثة عقود علم جديد يعنى بالثقافة، ألا وهو(علم الثقافة) لدراسة وبحث القضايا العامة المتعلقة بالثقافة والحضارة والإنسان.

   لعلّ خير ختام لما سلف هو قول المفكّر أوغست بيبل: " لقد كانت شجرة ميلاد الإنسان هي التي تحدّد كلّ شيء في العصور الوسطى. والآن فإن ثروته تحدّد كلّ شيء. أمّا في المستقبل فإن الإنسان سيلقى الإحترام لأنّه إنسان" *    

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* فصل من مشروعي الثقافي Peyamy ayinde ) رسالة المستقبل) المنجز في صيف1991 نشرته جريدة (كَه ل / الشعب) في عددها (52) أيلول 1992 تحت عنوان ( ثقافيّاً، أين نحن الكُرد؟! وقد حظي بالتزييد والتنقيح.     

    

 

 

 

 

 

نشدانا

 لحقنا في الهويّة الثقافية

 

   في ( الخطّة المتوسّطة الأجل لمنظمة اليونسكو 1977-1982) وردت الفقرة الآتية:

" يتم الإستناد في كل مكان إلى الحق بالثقافة الخاصة، الداخل ضمن نطاق حقوق الإنسان، في الصراعات ضد التمييز العرقي والسّلالي واللغوي والثقافي. وتمتدّ الهويّة الثقافية، مع احتفاظها بوظيفتها السياسية للتحرير، إلى المجال الإقتصادي والإجتماعي مع البحث الجاري حاليّاً لترتيب اقتصادي دولي جديد. ويبدو أكثر وضوحاً أن هذا الترتيب الجديد يستلزم أن تعي كل أمّة، بوضوح أكبر، هويّتها ورسالتها"

   يقيناً إن هذا الطرح يعني لنا نحن الكرد(كأمّة مجزّأة مهمّشة)الكثير فيما يتعلّق بمسألة هويّتنا الثقافية القوميّة؛ فطالما عوملنا ومانزال كأقلّيّة قوميّة! وحتى لو عوملنا في أندر الحالات وأفضلها كشعب أو كقوميّة؛ فإن المعنيين الأغيار ماانفكّوا يستكثرون علينا حتى حقوقنا الكاملة المشروعة، التي تستحقّها أيّة أقلّيّة إثنيّة! وهنا توخّياً لتفادي فخاخ العديد من الإلتباسات والإشكالات؛ لابدّ أن نجيب بموضوعيّة على التساؤل الملحّ الآتي: - يا ترى هل ان الكرد أقلّيّة قوميّة؛ ليعاملوا كما عوملوا ومازالوا؟! أم ماذا؟

  طالما لازم مفهوم (الأقلّيّة) الكردَ تعسّفاً، وساد أذهان أغلب الأوساط ، كما لو أنه من البدهيّات أو المسلّمات النازلة من السماء! ولاشك في إنه قد نجم ابتغاء مقاصد وغايات لم تعد تخفى على أحد؛ وإلاّ كيف تصنّف أمّة في خانة الأقلّيّات يناهز تعداد نفوسها 45 مليون نسمة تقطن غالبيتها رقعة واحدة، ألا وهي (كردستان) موطن أسلاف الكرد منذ آلاف السنين، والذي يمتدّ من وراء جبل آرارات حتى الخليج جنوباً، ومن أطراف همدان وأصفهان شرقاً حتى الأسكندرونة والبحر المتوسط غرباً، مروراً بالضفاف الشرقية لنهري الفرات ودجلة ، والتي تزيد مساحتها على نصف مليون كيلومتر مربع، وهذا يعني أنها أوسع مساحة من مجموع مساحات: بريطانيا، هولندا، بلجيكا، سويسرا والدانمارك؟! وحتى لو ظلّ محتلّو كردستان يتشبثون بمنطق القلّة العددية، وهو ديدنهم دائماً؛ فإن شويئاً من التمحيص سيفضي جدليّاً إلى التساؤل الآتي:- ماذا سيستنتج محتلو كردستان؛ إذا ما قورن تعداد الكرد في كردستان الكبرى و المستوطنات الكردية مع تعداد قوميات الأوتوقراطيات الحاكمة (كل على انفراد)؟ سيناهز تعداد الكرد(بغض النظر عن قرابة بضعة ملايين كردي مستترك، مستعرب ومستفرس....) أكثر من ثلاثة أضعاف عرب العراق، وأكثر من ضعفيّ فرس إيران، وأكثر من أربعة أضعاف عرب سوريا، وأكثر من تعداد أتراك تركيا! أجل؛ لو لم تكن كردستان مجزّأة أجزاء أربعة ملصقة قسراً بالدول الأربع (تركيا، سوريا، إيران والعراق) خلال هذا القرن، ولو كانت( على سبيل الإفتراض) ملحقة بإحداها؛ لكان الكرد يشكّلون الأغلبية السكانية فيها بالتأكيد؛ وهنا ، وعلى أرض الواقع، ينجلي خطل مفهوم (الأقلية) اللاصق بالكرد إجحافاً! فهاهي كردستان رقعة موحّدة قائمة على أرض الواقع، يسكنها أبناء الأمة الكردية، ولاتفرّقها سوى الحدود المصطنعة بمباركة القوى الكولونيالية والإمبريالية قديماً وحديثاً، بل لاينقصها سوى الإعتراف الدولي، وتثبيتها على صفحات الأطالس!

  ولو كان الكرد أقليّة فعلاً، ولو لم تكن كردستان موطناً تاريخيّاً حقيقيّاً للكرد على أرض الواقع منذ آلاف السنين؛ لكان الكرد، بما مورس ضدهم من شتى صنوف التطهير العرقي؛ قد إنقرضوا منذ ألف عام! ولو كان الكرد أقلّيّة فعلاً؛ فكيف رفدوا البلدان التي يتواجدون فيها بالآلاف من الأعلام المشاهير؟! وإذا ما أصرّ المتخرّصون، رغم ما أسلفناه، على كون الكرد أقلّيّة؛ فمعني هذا أن أغلبهم عباقرة، في حين أن أغلب باقي الشعوب والأمم أغبياء! وهذا التخريج رغم منطقيّته الصورية، نرفضه لعنصريّته. وللعلم أيضاً نقول أن مساحة موطن الكرد قديماً كانت تناهز (المليون كم مربع) لكنها تقلّصت إلى نصف مليون كم مربّع حالياً، وإذا ما إستمرّ الحال على صنوف التطهير العرقي من تذويب وتهجير وإبادة جماعية، وتوطين الأغيار؛ ستنحسر مساحة كردستان أكثر بالتأكيد، ولكن رغم كلّ ذلك سيصبح الكرد؛ لخصوبتهم التناسليّة التكاثريّة، هم الأكثريّة نفوساً في تركيا في غضون ثلاثة – أربعة عقود مقبلة، وكذلك في العراق؛ فأين المفرّ أيّها الطورانيون والعفالقة ؟!  

   إذنْ يحقّ لنا التساؤل: - ماهي خطيئتنا الأزلية الكبرى؛ إذ مزّق وجزّأ المستعمرون القدامى والجدد( وفقاً لمصالحهم الجيوبوليتيكية..) وطننا التاريخي، وتقاسموا أجزاءه؛ ليفتقر من ثم  حتى الآن إلى الحدود السياسية والإعتراف الدولي بوحدته القومية الجليّة جداً للقاصي والداني؟! ناهيكم عن أن الكرد لم يحتلّوا ولو شبراً من أراضي القوميات الأخرى. وإذا لم يعن حتى المنطلق العددي شيئاً في عرفهم؛ سنثير تساؤلاً آخر من المنطلق النوعي: يا ترى ألا يشكل الكرد شعباً متميّز الملامح والخصائص بتاريخه ولغته وثقافته وطموحه المشروع في تقرير مصيره بنفسه؛ من أجل العيش حراً مستقلاً في ظلال السلام والتقدم شأنه شأن سائر شعوب هذا الكوكب، والتي تتمتع بكيناتها السياسية المستقلة، وبعضها لايزيد تعداده على خمسين ألف نسمة؟! وهل ثمة من يتمادى في نكران الأدوار التاريخية المشهودة ، التي لعبها الشعب الكردي في الشرق الأوسط وحواليه، منذ غابر الأزمنة حتى الآن، لاسيما في العصر الوسيط؟  لقد قام صرح ثقافات وحضارات الفرس والعرب والترك على المساهمات الكبيرة العددية والنوعية من آلاف الإنتلجنسيا الكردية كعقول مستنزفة وكفاءات مهاجرة أو منسلخة قومياً، على كل الصّعد: الثقافية والسياسية والإجتماعية! بل يمكننا القول أن أكثر من نصف ألمع مشاهير البلدان : إيران، تركيا، العراق، مصر، سوريا، لبنان والأردن...في القرن العشرين هم من أرومة كردية.

  لقد تعرّض الشعب الكردي الأبيّ على مدى آلاف السنين ومازال يتعرّض بصورة أخبث وأشدّ لؤماً وخساسة إلى شتى صنوف القهر المتضافر مع الغزو الثقافي، الذي مابرح يستهدف مسخ شخصيته القوميّة، كأقل مقصد، إن لم يفلح في طمس هويّته الثقافية الأصيلة؛ جارّاً إيّاه إلى مهاوي الإحتواء والتذويب؛ حتى ينتهي مستلباً ومغترباً عن ذاته الحقيقية الأصيلة. ورغم ان البشريّة تحث خطاها على أعتاب الألفيّة الثالثة مسنودة بالنهوض الديموقراطي ومشفوعة بأفول الأنظمة الطغيانية، مازال عدوان أنظمة الدول الإقليمية بشتى صنوفه: الثقافية، االعسكرية والسياسية مسلطاً كسيف ديمقليس على عنق شعبنا المسالم الذي مافتيء يتعرض حتى للإبادات الجماعية رغم أنف عصر تحرر الشعوب والقوميات والعولمة! فلاعجب إذنْ إذا لم تحسب الأنظمة الأوتوقراطية الشوفينية- الفاشية، الأمّة الكردية المجزأة (في كردستان الممزقة المغتصبة) حتى مجرد أقلية إثنية معترف بوجودها وبضمان حقوقها المشروعة! أجلْ، فالكرد في منظور وعرف هذه الأنظمة وحتى أغلبية إنتلجنسيا وسواد القوميات الحاكمة: ( أتراك الجبال) في كردستان تركيا، و(عنصر إيراني لايتميّز بشيء عن الفرس) في كردستان إيران بما فيها لُرستان وخراسان، و(عرب مستكردون) في كردستان العراق وسوريا! وهذا ماتجسّد ويتجسّد جليّاً في ممارسات (التتريك)،(التعريب) و(التفريس) الفاشية *...ولقد إفتضح منذ بضعة عقود الوجه الآخر لهذا الثالوث الشوفيني الفاشي البشع عبر إضطهاد أنظمته الأوتوقراطية(الموالية للغرب الكولونيالي والإمبريالي سراً وجهراً) لسواد الشعوب من الترك والفرس والعرب؛ طبعاً لغياب الديموقراطية الحقيقية وحضور التنكيل بالإنسان وخنق حرياته وغمط حقوقه، بل وتجلّى الوجه البشع ذاك في الحروب المجنونة المدمرة، التي أشعلتها الدعاوى الدونكيشوتية والسياسات العنصرية لتلك الأنظمة المعادية بطبيعتها للقوى الديموقراطية والتقدمية(التركية، العربية والإيرانية) التي أدرك بعضها- على مايبدو- بداهة الحقيقة، التي أكّد عليها ماركس قبل أكثر من قرن، ألا وهي " إن الشعب الذي يستعبد شعباً آخر؛ يصنع أصفاده لنفسه بنفسه" ورغم ذلك مازال أغلبها يرفض إستكمال الشوط المتبقي المؤثر جوهريّاً على الطريق الصحيح ، كما لو أنها لم تدرك بعد بعمق بأن الخلاص الحقيقي للشعوب: التركية، العربية والإيرانية يتلازم جدليّاً وحتماً مع خلاص كردستان وشعبها من نير الإحتلال والإستعمار الداخليين( أي داخل كل دولة من الدول الأربع) إن كردستان مستقلة ولو بالصيغة الكونفيدرالية كحد مشروع أدنى؛ ستستحيل أقوى ظهيرة لأشقائنا من الشعوب :العربية والتركية والإيرانية..على طريق خلاصها من الأنظمة الطغيانية. لكنما القوى الديموقراطية والتقدمية رغم ضعفها أمام الأنظمة الحاكمة تدعو بالكاد إلى إقرار الصيغة الفيدرالية، التي ستقلّصها عمليّاً إلى صيغة حكم ذاتي ممسوخ؛ بعدما تتسلم دفة الحكم؛ فيظل شعب كردستان كما لو انه أقلية مستضافة أو مستوطنة أجنبية لكردستان! وتطالعنا هنا وهناك صيغ أخرى ضبابية وهلاميّة يجملها (حق تقرير المصير) لكنما بلا(استقلال)! ويعني كل ماسبق تعامل قوى المعارضة مع شعبنا وحركته التحررية وفق قواعد(الجزرة والعصا) فهي تتملّق؛ كلّما وهنت، وتستذئب؛ كلّما قويت شوكتها...وهكذا دواليك! نجدها بكافة مشاربها تواصل مناوراتها النفاقية ، وتجاهد مصرة على بقاء كردستان مستعمرة داخلية(محلية) مؤبدة، تحسب التخلي عنها جريمة قومية عظمى؛ بل ولاتتوانى عن نعت الكرد بـ ( الخونة وعملاء الأجانب و الإنفصاليين!) حتى في حالة إصرار الكرد على (الصيغة الفيدرالية)! وهي بموقفها هذا إنما تتجاهل أبسط الوقائع والحقائق، وفي مقدمتها تخلّي حتى الدول الكولونيالية العتيدة الكبرى عن مستعمراتها! فـ " أي صفح بعد كل هذه المعرفة؟!" على حدّ تساؤل الشاعر الكبير إليوت.

  إذنْ يجب ألاّ ينخدع القادة الكرد (ساسة ومثقفون) بأية مناورات نفاقية، وإنما عليهم مكاشفة القوى التقدمية الديموقراطية وتوسيع وتعميق الحوار معها سياسياً وثقافياً؛ بغية إيجاد وتكريس الصيغ الستراتيجية الممكنة للعمل المشترك؛ من أجل الخلاص الحقيقي المشترك المنشود، بالإضافة إلى الرد الحازم بكل الوسائل والطرق المتاحة على سياسات الطغم الحاكمة الشوفينية- الفاشية، التي تتنكّر بطبيعتها العدوانية لأبسط البدهيات والحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية... وهنا نستهدي بما يقوله المفكر المناضل فرانتز فانون ماسّاً جوهر موضوعنا المطروح : " إن التحرر القومي لايبتعد بنا عن الأمم الأخرى، بل انه هو الذي يجعل الأمّة حاضرة على مسرح التاريخ؛ ففي قلب الوعي القومي إنّما ينهض الوعي العالمي ويحيا، وليس هذا البزوغ المزدوج ، في آخر الأمر‘ إلاّ بؤرة كل ثقافة" أجل، يجب علينا نحن الكرد أن نتقصّى على هذا المسار وننشد حقنا المشروع بالثقافة المستقلة، وهو الحق الموازي والملازم بالضرورة حقنا في الإستقلال السياسي... وهذا يعني تأصيل هويتنا الثقافية الخاصة كمطلب ديموقراطي في حدّه الأدنى ؛ فقد بات هذا الحق في حكم البدهيات في العالم قاطبة.

 أمّا الثقافة الكردية المتوخاة؛ فهي تلك الثقافة الديناميكية الأصيلة والجادة المرتبطة مصيرياً بحركة التحرر من جميع الإستلابات القومية والطبقية؛ بغية تجاوز وضع كردستان المزري، الذي يسوده : التخلف، الركود والإنمساخ! وإذْ ننشد هويتنا الثقافية المستقلة؛ لابدّ أن نستهل الأشواط بانتشال ثقافتنا من وضعها الراهن البائس؛ بما يتيسّر لنا من الإبداع ( الأدبي، الفني والبحثي) الذي سيحرر مثقفينا و جمهورنا المتلقي من عقدة الشعور بالدونية إزاء العالم عموماً و(الأوروبيزم/ سيادة المركزية الأوروبية) خصوصاً. وعبر تجسيد هويتنا الثقافية ينبغي أن يقترن وعينا، بصفتنا مثقفين، بالممارسة الدائبة؛ بغية تغيير الأوضاع السيئة، وتستوجب الممارسة المعنية الترابط والتآلف بين الطلائع الثقافية والجماهير المتلقية؛ حتى تغدو ثقافتنا جماهيرية حد الممكن، فلا تظل نخبوية، أو تزيينية أو تلفيقية. وتبعاً لهذا الطموح يحدونا الأمل والثقة بقدرات سواد شعبنا الظاميء إلى الثقافة الحقيقية، بأنها ستستوعب وتتمثّل أفضل الثمرات الإبداعية. ونحن إذ ننشد استقلالنا الثقافي وتجسيد هويتنا القومية، نقف في الوقت نفسه بحزم ضد شتى نزعات السيطرة والتسلّط وأساطير وخرافات التفوّق المشحون بجنون العظمة القومانية، رافضين ومدينين أيّما تمييز حسب أيّة عقيدة دينية أو طائفية أو سياسية أو فلسفة تفوّق عرقي، وأيّة ذريعة أخرى مهما كانت..وهذا يعني أيضاً كوننا ضد التحيّز القوماني والنزعات الإنعزالية؛ لأننا منطلقنا هو الشعور القومي الإنساني، لا الشعور الشوفيني المريض؛ لكي تصبح ثقافتنا المقبلة ثقافة الحوار المفتوح والتعايش السلمي، وهي الثقافة المتجاوزة بطبيعتها لمطبّات ومزالق الثقافات المأزومة.

   إن أولى المهام الستراتيجية، التي يجب على المثقفين والساسة الكرد أن يولوها الإهتمام الأكبر ويكافحوا في سبيل تحقيقها هي (اللغة الأدبية الموحّدة) التي تمثل الأساس الجوهري لتوحيد الثقافة الكردية؛ فهي موئل تكويننا الثقافي القومي من قبل ومن بعد.

  ودرءاً لأيّ اشكال أو إلتباس يلازم مثل هذا الموضوع الحسّاس؛ نؤكّد على ان تحقيق هويتنا الثقافية بمضمونها القومي التحرري والديموقراطي، إنّما هو تطلّع إنساني مشروع يتمثّـل في الإستقلال الثقافي الرافض لأيّة وصاية، ويؤازره الكفاح من أجل الوحدة الثقافية لعموم كردستان الكبرى، والتي ستكون بمثابة النقلة الكبرى إلى الوحدة السياسية، وإلاّ فإن شعبنا لن يرتقي كشعوب العالم المتقدمة مدارج الحضارة؛ ليساهم من ثم في رفد الحضارة البشرية بعطاءاته الإبداعية...ومن هذا المنظور ينبغي أن تنحاز ثقافتنا البديلة المنشودة إلى تأمين وضمان حرية الإنسان وكرامته؛ حيث نطمح أن يحطّم مارد الإبداع الكردي قمقمه البغيض العتيد؛ فيتناسب عطاؤه طرديّاً مع مابذله شهداؤنا الأبرار من دماء زكيّة وما قدمه أبناء شعبنا الأبيّ من تضحيات جسيمة طوال قرون. ولعلّ عنفوان الإبداع يتجسّد في مستقبل أمتنا الكرديّة؛ لأنها مازالت أمّة فتيّة لم تستهلك طاقاتها الكامنة بعد، بل وتمتلك المزيد من القوى الحيوية لإمتلاك مستقبلها وصياغته إبداعياً، وسيشهد المستقبل كمْ  ألحقَ حجب عبقريّة شعبنا الثقافية من ضرر حتى بثقافات أشقائنا: الفرس والعرب والترك..مثلما شهد التاريخ دوماً كردستان(العنقاء) وشعبها(السمندر) حقاً وحقيقة برغم شتى صنوف القهر والويلات والكوارث والمحن! **

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ولاعجب في حماس البعض من التركمان والآشوريين الشوفينيين(جلّهم من المستعربين العفلقزادات، الذين كانوا زبانية الأجهزة الإستخباراتية والقمعية الدكتاتورية حتى الأمس القريب) أن يفبركوا خرائط فنتازية باسم (تركمان إيلي) و(آشورستان) ملتهمة لثلاثة أرباع مساحة كردستان العراق، حتى دون ذكر كردستان عليها كجارة ولو! وهي لعمري تذكّر المرء بقصّة(الضفدعة والبقرة) وبالقول المأثور عن حدوة الحصان والسلحفاة!

** فصل من مشروعي الثقافي Peyamy ayinde ) رسالة المستقبل) المنجز في صيف1991 نشرته جريدة (خبات) في عددها (652 ) الصادر في (23/12/1992) بالعنوان نفسه، ولكن بصورة مشوّهة؛ حيث حذف منه أحد أبرز عملاء العفالقة  بضع جمل وفقرات مهمّة...وماخفي كان أعظم!     

 

 

 

 

مساهمة

في استقصاء معضلات الثقافة الكردية

 

" أُنظرْ إلى الأمس؛ حتى ترى الغد "

هاكوب بارونيان

 

   لم يقم الكُرد طوال تاريخهم المديد بعمل سياسي قومي موحّد؛ من شأنه توحيد أجزاء كردستان في إطار دولة واحدة؛ ممّا أدّى ذلك إلى تشرذمهم سياسياً، وغياب كيانهم الموحّد الإقتصادي والثقافي إلى حدّ بعيد.  وممّا زاد الطين بلّة هو دوام الهيمنات والإحتلالات الأجنبية المتعاقبة...أجل، لم تقم للكرد دولة بالمفهوم السياسي المتكامل ماعدا الدولة الدوستكية/ المروانية(982-1086م) والمحاولتين المجهضتين في النصف الأول من القرن العشرين: حكمدارية الشيخ محمود و جمهورية مهاباد، على مساحتين صغيرتين من كردستان، التي تزيد مساحتها عن نصف مليون كيلومتر مربع.

  إذنْ فالمسألة الكردية الراهنة ليست وليدة أحداث التاريخ الحديث والمعاصر، بل تتوغّل جذورها في غابر الأزمنة، ويمكننا اختزال أسباب تجزئة كردستان كما يلي:

1- موقع كردستان الجيوبوليتيكي الستراتيجي؛ حيث أصبحت مسرحاً دائميّاً لصراعات الإمبراطوريات والدول الكبرى المحتربة فيما بينها، والمتنافسة على ضمها إليها كمجال حيوي عسكري واقتصادي، بل كدرع حماية، منذ عهود: الآشوريين والميديين والفرس الأخمينيين واليونانيين والرومان حتى عصرنا الراهن مروراً بالدولتين العثمانية والصفوية، والدول الكولونيالية الأوربية، ناهيكم عن الدول الاقليمية، المستحدثة عقب الحرب العالمية الأولى بمؤازرة قوى الإمبريالية العالمية،أي ( تركيا، سوريا، إيران والعراق) المتقاسمة لكعكة كردستان الكبرى اللذيذة والمجبولة بالبترول!

2- التأثيرات السلبية لتضاريسها الجغرافية، لاسيما الجبلية، على المواصلات والتواصل بين الكرد، في عهود وسائط النقل القديمة ، أيّ عزلة الكرد وكردستان داخلياً وخارجيّاً في غيتو بيئي إلى حدّ ملحوظ.

3- النزاعات والإحترابات الدموية بين الإمارات الكردية شبه العسكرية ذات التشكيلات الإقطاعية الإقتصا-اجتماعية، وخصوصاً تلك المنشطرة والمتضادة الولاء لكلتا الدولة الصفوية والسلطنة العثمانية... ومازلنا نشهد صورتها المعاصرة في احترابات الحزبين الكبيرين(الديموقراطي الكردستاني) و(الإتحاد الوطني الكردستاني) بل وكانت النزاعات والإحترابات سارية بين أمراء وشيوخ الإمارة الواحدة والقبيلة الواحدة، حتى المشيخة الواحدة، ناهيكم عن شيوع شتى صنوف العمالة للأجانب والخيانة الناشئة عن الإنحرافات والإنسلاخات القومية، أو الطبقية، وكذلك تفضيل المصالح الأنانية والأهواء الفردية المرضية، ومنها آفة الزعامة.

4- هجرة واستنزاف العقول والكفاءات، وهي ظاهرة مستديمة منذ غابر العهود، عانى ومازال يعاني الشعب الكردي من عواقبها الوخيمة، إذ خسر مواهب وطاقات وقدرات المئات من عباقرته الأفذاذ على شتى الصعد: السياسية، الثقافية والإجتماعية؛ لأسباب ذاتية وموضوعية، أو متواشجة . وطالما تضاعفت الخسارة ؛ مادام أولئك قد خدموا بكل مؤهلاتهم وكفاءاتهم محتلي كردستان ومضطهدي شعبها، وكانوا لهم سنداً وعوناً كبيرين في أحرج الظروف التاريخية، لاعبين دور المنقذين للأعداء بالضد من مصالح أمتهم الكردية المستضعفة المغدورة في أغلب الأحيان! وتدخل ظاهرة(الجحشية الكردية) الخطيرة جداً على حاضر ومستقبل الأمة الكردية، ضمن هذا المجال، وهي تتطلّب أبحاثاً شاملة ومعمّقة.

ولذا فقد ظلت ومازالت كردستان الممزقة مستعمرة حلوب قيد النهب والسلب حتى في العصر الراهن، تحت نيور الغلاة من الأوتوقراطيات الشوفينية- الفاشية (التركية، العربية والإيرانية)؛ فلاعجب إن ظلت ظروفها وأوضاعها إستثنائية ، ولم تنعم بنظام سياسي طبيعي ولم تشهد استقراراً ذا أمد ملحوظ ، إذ ماانفكّت الحروب والإضطرابات والقلاقل ذات العواقب الوخيمة تلحق الكوارث والويلات والإبادات الجماعية، ومنها أفدح الأضرار بالبيئتين الطبيعية والبشرية، بما فيها من قوى الإنتاج ووسائله، ناهيكم عن البنى الثقافية؛ بحيث أدى ذلك كله إلى تخلخل وتيرة سير وتطوّر تاريخ كردستان، فتخلّفت عن جاراتها على جميع الصّـعد، أمّا أيّ استثناء، إن وجد؛ فهو يؤكّد القاعدة بالضرورة، كظهور معظم الشعراء الكرد الكبار في كنف الإمارات: اللرستانية، الأردلانية، البوتانية، البهدينانية، السورانية والبابانية..والتي تمتعت بما يشبه الحكم الذاتي في إطار الدول والسلطنات كالدولة الصفوية والسلطنة العثمانية.   

   يبدو أن الدكتور جمال أتاسي لم ير غير جانب واحد من واقع القضية الكردية؛ حين أكّد على إن " قضية الشعب الكردي محاصرة بواقعه، كشعب شاءت الظروف التاريخية والتحالفات الدولية أن تضعه هكذا موزعاً بين عدد من من أقطار الدنيا، التي تطغى على علاقاتها، التحديات القومية والإقليمية، بل تؤثر فيها الترتيبات الدولية؛ لتظل القضية الكردية أسيرة للتوازنات والنزاعات الإقليمية" حقاً لايخلو هذا الطرح من قسط من الصواب، لكنه يفتقر إلى فهم جدلية حركة التاريخ؛ مادام يرسم للكرد(قدراً مؤبداً لافكاك منه!) جاهلاً أو متجاهلاً قوانين تحوّلات الأضداد، ناهيكم عن عدم وجود ثوابت أبديّة مقدسة في خضم المتغيرات التاريخية ؛ فمثلاً أفرزت السنوات القليلة الماضية، العجب العجاب في سوح السياسة العالمية، حيث ظهرت (21 دولة جديدة) على صفحات الأطلس السياسي العالمي، خلال (18 شهراً) فقط ( من منتصف 1991 حتى نهاية 1992) لكنما الكرد قوم يفتقرون دوماً إلى إرادة المبادرة في استغلال واستثمار المتغيرات والمعطيات التاريخية على الوجه الصحيح والأكمل، وطالما تنطبق عليهم المقولة البليغة للمربي والمفكر الأمريكولاتيني الكبير باولو فرايري: " إن الذي لايستطيع أن يحرر نفسه بنفسه؛ لن يستطيع سواه أن يحرره" علماً بأن المسألة الكردية، شأنها شأن نظيراتها، لم تعد من أعقد المسائل في العالم، في القرن العشرين، كما كان يشاع! فمن المؤكد أن الدول الضامة لأجزاء كردستان والقوى الإمبريالية المساندة لها دائماً، غالباً ما تروّج، بصورة ساطعة المفارقة، لعدم وجود هذه المسألة، أو لوجودها مع استحالة حلّها! ماحية من قواميسها كل ما يتعلق بحق تقرير الشعوب لمصيرها وما شابه ذلك! ولقد تفاقمت ظاهرة الكيل بأكثر من مكيال إقليميّاً ودوليّاً في التعامل مع الأمة الكردية وقضيتها العادلة!

  لقد بات جليّاً كيف تداخل وتقاطع تاريخنا القديم والحديث مع تواريخ اخوتنا: الفرس، العرب، الآثوريين، التركمان، الترك، الأرمن، الأفغان والبلوج...واليوم لم يعد الأمس، وسيختلف الغد عن أمسه بالتأكيد، ولئن استحال كوكب الأرض قرية كبيرة فعلاً؛ إثر التطورات التكنولوجية الهائلة؛ فلامناص من تماس مصيرنا مع مصاير شعوب وأقوام قد تكون في أقصى الأقاصي، وقد لمسنا ذلك خلال الهجرة المليونية، التي أعقبت الإنتفاضة الربيعية العظمى في1991

   تزامناً مع اضمحلال الكيان العثماني (الإقطاعي/ العسكري) وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر، شهدت كردستان، رغم سقوط آخر إماراتها شبه الأوتونومية، نهوض حركة تحررها الوطني؛ إثر انبعاث ونمو وتبلور الوعي الثقافي/ السياسي، حيث راحت الأفكار القومية الديموقراطية تشيع هنا وهناك؛ والتي ابتغى دعاتها معالجة وتجاوز الأوضاع المزرية والراكدة. وطبعاً حفزهم هبوب رياح الثورات والحركات القومية والوطنية النهضوية والإصلاحية من الغرب والشرق، ولقد أوشك الكرد على تحقيق وحدتهم السياسية الكاملة؛ لولا العلل المنوّه عنها سالفاً، فما أحوجنا الآن أيضاً إلى استذكار الدروس والعبر من تاريخنا الزاخر بها؛ بقراءة موضوعيّة؛ مادام " الشعب الذي لايعرف التاريخ؛ سيكتب له أن يعيده بنفسه!" على حد قول الفيلسوف جورج سانتيانا. فلنلتفت إذنْ إلى الماضي ولو إلتفاتة خاطفة، لعلّنا نرى غدنا، حسب التعبير الحكيم لهاكوب بارونيان.

   ظل الكرد طوال عصور ومازالوا يعانون من شتى صنوف الغزو والقهر والإستلاب الثقافي والقومي والطبقي والإحتواء والتذويب، ورغم كل ذلك ظل كيانهم الإثني صامداً يقاوم الغزاة والمحتلين، حتى في أحلك حالات التعرض للإبادات الجماعية، رغم الإمتثال السياسي الصوري/ الظاهري لحكم الإمبراطوريات و حكومات-الدول-المتعاقبة، وما أكثر الشواهد الساطعة في تاريخنا الحافل بالنضالات المريرة، التي لم يخمد أوارها طوال قرون، وأمجادنا البطولية.

  بما أن كردستان كانت منذ عصور ومازالت تشكّل (المجال الحيوي) للأغيار الغزاة والمحتلين؛ فقد حاولوا وسعوا إلى تسخير الكرد في سبيل تحقيق مآربهم ومراميهم العنصرية؛ ولذا أصبح شأن الثقافة الكردية شأن أيّة ثقافة مغزوة ومنهوبة في كنف ثقافات الغزاة. ولئن استهدف الغزاة والمحتلون بغزوهم  الثقافي الكينونةَ الكردية بالتدمير والتدجين والتشويه والتلويث والإستلاب؛ فقد قصدوا بطبيعتهم العدوانية فرض الوعي الزائف على الكرد بنماذجهم الغازية وممارساتهم التشويهية، بالإضافة إلى قمع تحركات المغزو الثقافية الناهضة باغتيال وتعويق وتعطيل المواهب والقدرات الإبداعية الكردية، أو تحريفها لخدمة مقاصدهم الدنيئة؛ تكريساً لطمس وتضييع أصالة الكرد المغزووين؛ ليظلوا مجرد أدوات لتحقيق مآربهم وديمومة هيمناتهم ومصالحهم على الصّعد كلّها؛ وعليه فقد ذاق الكرد الأمرّين دوماً من أفانين: التفريس والتعريب والتتريك، على أيدي الحكام الشوفينيين من (الإيرانيين والعرب والترك) الذين مابرحوا يسعون إلى اقتلاع هويتهم القومية الأصيلة العريقة من الجذور ومسخها ومحو وطمس ماضيهم الثقاحضاري، إلاّ أن شعبنا الأبيّ ، رغم غياب السبل الموحدة: السياسية والإقتصادية والثقافية، ورغم شتى صنوف القهر والعسف والعقبات والعراقيل وحواجز التجزئة الطبيعية والمصطنعة، ظل يقاوم معبّراً عبر فولكلوره( على وجه الخصوص) عن عراقة وأصالة ثقافته القومية ووحدته الإثنية..وهنا لايجوز غض النظر عن العجز الملحوظ  للمثقفين الكرد أنفسهم، شأنهم شأن الساسة الكرد، أمام حل المشكلات والمعضلات الثقافية المتراكمة منذ قرون؛ لعدم ارتقائهم إلى مستوى حركة التاريخ بادراك واستيعاب ضروراته الجوهرية ونبض ديناميكيته؛ لجملة من الأسباب الذاتية والموضوعية، بحيث نجد أنفسنا الآن شبه حيارى أمام موروث ثقيل من المشكلات والمعضلات ، لا بل مخاطر كبرى تحيق بثقافتنا مستقبلاً، ويتمثّل أبرزها في:

* غياب الوحدة الثقافية لكردستان:

وهو يتجلى جداً في الإفتقار إلى اللغة الأدبية الموحّدة( خمس لهجات رئيسة) وفي تعددية الأبجديات(وهي ثلاث: العربية المكرّدة/ اللاتينية المعدّلة/ و الكيريلية المحوّرة) لكن طالما تأججت الرغبة القومية لتوحيد اللغة الأدبية، وقد تجسّدت إرهاصاتها الملحوظة عقب الحرب العالمية الأولى، إلاّ أن المعوّقات والعراقيل والحواجز حالت دون تحقيقها؛ شأنها شأن غياب الكيان السياسي/ القومي الموحّد، المسبب الرئيس لديمومة الشتات اللهجوي، حيث تحول بضعة حيطان(برلينية) دون تواصل الثقافة الكردية المتوزعة لهجوياً وجيوبوليتيكياً في الوقت نفسه، تحت وطأة كوابيس الأنظمة الحاكمة للدول المتقاسمة لأشلاء كردستان، حيث يُمارَس حتى إنكار وجود الكرد القومي وتُحظر ثقافتهم (كما في تركيا وسوريا) أو لايُكترث بها(كما في إيران) وطبعاً تختلف الحالة في العراق إلى حد ملحوظ ، حيث قطع الكرد أشواطاً نضالية كبيرة؛ لأسباب ذاتية وموضوعية عدّة...

* التطوّر الثقافي اللامتكافيء في كردستان:

ونقصد في أجزائها الأربعة الرئيسة، وهو إفراز حتمي، وظاهرة متداخلة أصلاً مع غياب الوحدة الثقافية للأمة الكردية، التي مابرحت تمزقها الحدود المصطنعة قديماً وحديثاً.

  لقد أثّرت مستويات التطوّرات الخاصة للدول المتقاسمة لكردستان، بمواقفها المختلفة والمتباينة حيال الكرد وهويتهم الثقافية، وكذلك مستوى النضال الكردي في كل دولة من هذه الدول، أثرت في مسيرة وتطوّر الثقافة الكردية في كل جزء من أجزاء كردستان؛ بحيث يشهد المراقب اللاتكافؤ الملحوظ في التفاوت والتباين بين أوضاع الثقافة الكردية هنا وهناك،؛ عند المقارنة مع بعضها البعض، فثمة تقدم مشهود في كردستان العراق، وتخلّف ملحوظ  في كردستان إيران، وتغييب وشبه غياب في كردستان تركيا، و شيء ما من التطور عند كرد الإتحاد السوفياتي البائد( في أرمينيا بالأخص) أمّا كردستان سوريا، فهي بين بين، علماً بأن الرعيل الأول من المثقفين الكرد ( وجلّهم من النازحين من تركيا) قد لعبوا لأكثر من ربع قرن(منذ عشرينات القرن العشرين) دوراً طليعياً مشهوداً على الصعيد الثقافي، عقب إنتكاسات الثورات والإنتفاضات في شمال كردستان. وهنا تجدر الإشارة أيضاً إلى الثقافة الكردية المغتربة في المهاجر الأوربية خاصة، والتي تمتعت بأجواء الحرية وبتعضيد لابأس به خلال ثمانينات وتسعينات القرن العشرين؛ لتحقق رغم تبعثرها في الدياسبورا(الشتات) بعض النجاحات الملحوظة كالمعهد الكردي في باريس وإصدار بضع مجلات جيدة: ماموستاى كورد، وان، نودم و جرا...بالإضافة إلى عدد من الكتب باللغة الكردية واللغات الأخرى، فضلاً عن حضور الفنون التشكيلية.

* التطوّر الثقافي البطيء لعموم كردستان:

والأصح هو (التخلّف الثقافي) الذي يتجلّى حتى في الجزء المتطوّر والمتقدم من كردستان، حيث لايمكن نكران تخلف الثقافة الكردية في كردستان العراق مقارنة بشقيقتها الثقافة العربية. لقد استحال التخلف الثقافي الكردي بالمقارنة مع الثقافات الحاكمة: العربية، التركية والفارسية، ناهيكم عن الثقافات العالمية المتقدمة، إستحال معضلة تتوسّع أفقيّاً وتتعمّق جوهريّاً بمضيّ الوقت، وما أكثر شواهد التخلّف ومظاهره! فمثلاً: مارست المؤسسات والأجهزة على صعيد البنى والسياسة الثقافية دوراً بيروقراطيّاً مقيتاً، ورغم المزيد من اللافتات التقدمية والبهرجة الثورية الزائفة ، سادت أساليب (محاكم التفتيش) و(المكارثية) بحيت استحالت حرية الفكر والإبداع من أكبر الكبائر وأخطر الجرائم، ولايخفى على ذوي الألباب تكريس النظام الدكتاتوري لسياسته الثقافية الشوفينية الرامية إلى تمسيخ الثقافة الكردية وصهر الكرد حد الإمكان، معتمداً على الإرهاب المبطّن، الذي مارسه المثقفون الكرد المتعفلقون فضلاً عن شراء ذمم المثقفين المهزوزين، وما أكثرالنمطين من هؤلاء المرتزقة جحوش القلم، المدجنين حسب لعبة المقايضة والعرض والطلب؛ بحيث ساد نمط (المثقف الذيلي) الرافل بنعم (العبوديّة المقنّعة والمبطّنة) ليحتكر الواجهات والأضواء مستحوذاً على كل شيء حتى بعد انتفاضة 1991العظمى؛ فاستحفلت ظاهرة الإحتكار الثقافي حتى استحالت الساحة الثقافية مرتعاً للنزعات الإستبدادية والمشغلات الأنانية الوضيعة، وأفرزت الكثير من الدسائس والمكائد والإحترابات، بل مورس تزييف الوجدان الإجتماعي العام من قبل الأقزام المتعملقين والغوغاء المتثاقفين، المتسلّطين على مقدرات الثقافة ورقاب المثقفين المبدعين الأصلاء بإقصائهم وإلغائهم ، فتشوّه وجه الثقافة الحقيقية المكبوتة والمقموعة ، وتفاقم تكريس الثقافة كمطيّة للأهواء والمآرب الأنانية الضيقة، وممارسة حجب حقيقة الوضع الثقافي المزري والتعتيم الكثيف على المبدعين الحقيقيين.

  وهكذا لماتزل الثقافة الزائفة والملفقة هي السائدة عموماً وإلى حد ملحوظ، والتي تتمثل سماتها في: الإمتثال، الخنوع، التحذلق، الشعارات البراقة الجوفاء، العبارات الطنّانة، تغليب الصوري والشكلي على الجوهري والأساسي، تغليب الكم على الكيف والمطابقة القسرية على التنوع والإختلاف، شيوع الإستهلاك الإستسلامي والتزمت والجمود الفكري بدل الحوار المتكافيء الخلاق في التلقي....وكل ماسلف يعني غياب سلطة الثقافة الحقيقية، بل وسيادة ثقافة السلطة، التي تنزع بطبيعتها نحو التزيينية، وتمرير مصالح الطغمة الحاكمة؛ وبالطبع لاحول ولاقوّة لها في عملية التغيير الجذري للمجتمع ومجمل مناحي الحياة. أجل؛ كيف يمكن لمثقف كردي ( أو أيّ مثقف آخر) أن يبدع ويخدم قوميته فعلاً؛ إذا كان ممسوخ الوعي والضمير، بل ذيلاً ذليلاً لمحتلّي وطنه؟!

   لاشكّ في ان المشهد الثقافي الكردستاني العام يضل ناقصاً بدون الإشارة إلى (الثقافة الرافضة) أي ثقافة المقاومة، التي لم تتقهقر حتى خلال الصراع اللامتكافيء، حيث تباين جداً مستوى الأسلحة المتاحة لكلتا الكفتين (ثقافة المقاومة وثقافة السلطة) وقد مثّلت ثقافة المقاومة الكردستانية بصيصة الضوء في نفق الإنحطاط السائد؛ بصفتها ثقافة بديلة تواصلت مسيرتها عبر قناتين: (ثقافة المنفى الداخلي، بما فيها ثقافة الجبل/ الكفاح المسلّح) و(ثقافة المنفى الخارجي/ الشتات) والتي جسّدت إلى حد بعيد ثقافة المستضعفين المضطهدين(ثقافة المقهورين) الناهضة والمناوئة للثقافة التطبيعية. ولقد كانت هذه الثقافة المحجوبة قسراً في الظل (ثقافة الصمت المتفجّر) هي الإستثناء الإيجابي، بل إرهاصة لثقافة المستقبل المتحرر ضمن القاعدة السائدة في العصر الذهبي للإنحطاط.

  إن هذا الموضوع يتطلب المزيد من البحث والدراسة والحديث فيه ذوشجون، ولايمكننا الآن سوى القول الجازم بأن(الإغتراب الثقافي) هو الطاغي على أجزاء كردستان إلى حد كبير؛ ممّا يثير هذا التساؤل:

-هل يمكن إنقاذ ثقافتنا المستقبلية ، اومستقبلنا الثقافي؟

-أجل؛ يمكن ذلك؛ مادامت النتائج تزول بزوال الأسباب.

ولكن ما أسهل الجواب على الورق! بينما يواجهنا الواقع بأعقد معطى تاريخي ينطوي على ركام هائل موروث منذ قرون مديدة من الغزو والإحتلال والتخلّف...وحسب مثل هذه المساهمة الصغيرة المتواضعة أن تدق ناقوسيّ التشخيص والخطر؛ لعلّ بعض المثقفين الكرد الغيارى يهبّون هنا وهناك لتعميق وتوسيع ماطرحناه واقتراح الحلول الناجعة لإنقاذ ثقافتنا المستقبلية من العلل المزمنة، وحسبي " ان منيرفا لاتظهر إلاّ عند الغسق" * كما يقول الفيلسوف الكبير هيكَل **

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* منيرفا: إلاهة الحكمة عند اليونانيين، والتي تصوّروها وصوّروها في هيئة البومة.

** جريدة(خه بات) ع(671) الأربعاء 14/4/1993  وهو أصلاً مبحث مبلور من مشروعي (رسالة المستقبل) المنجز في صيف1991

الإغتراب الثقافي في كردستان

 

" في الأرض ذات المناخ المعاكس لـ (بابل)

سيُراق الكثير من الدماء

وستبدو السماء غير عادلة في البر والبحر والجو

طوائف، مجاعة، مهالك، أوبئة وإضطرابات"

 

   يبدو ان نوستر آداموس(1503- 1566) قد تنبّأ مستشرفاً مستقبل كردستان، في رباعيّته هذه التي وصفها شارح ومفسّر تنبؤاته بـ "غامضة جداً" حيث يلمس حتى الزائر الغريب منذ الوهلة الأولى ما أصاب كردستان من دمار بيئي( طبيعي وبشري) على مدى عقود من السنين؛ فقد بلغت الممارسات الشريرة المنظمة ضد كردستان حد التطهير العرقي بالإبادة الجماعية لأبناء شعبها، وسياسة الأرض المحروقة؛ بتدمير معظم البنى الإقتصادية ( الزراعية، الحيوانية والمعدنية) بالتزامن مع تدمير آلاف القرى والقصبات واقتلاع أغلب الفلاحين وترحيلهم إلى (المجمعات الإجبارية) الجرداء؛ بُغية شلّ الشعب الكردي وتعطيله عن الإنتاج؛ ليغدو لاحقاً مستهلكاً وتابعاً ذليلاً لحكّام بغداد وأذنابهم العملاء والخونة من الكرد، بل مرتزقاً ممسوخاً لاهثاً وراء لقمة العيش المرير، وفاقداً تماسكه الإجتماعي، مفتقراً إلى التجانس، ومشوّه التقاليد والأعراف والأخلاق...ليس لشبابه ورجاله إلاّ أن يصيروا تابعين وخدماً أذلاء، أمّا فتياته ونسوته فمصيرهنّ مآله الحضيض...ولولا الحماقة (الذهبيّة) لدكتاتور بغداد الأرعن باجتياح دولة الكويت وتبركن الرأي العام العالمي ضد النظام العفلقي وإلحاق الضربات شبه المميتة به، والتي حطّمت الحاجز النفسي الهائل، الذي طالما كبّل الجماهير...ومن ثم إندلاع إنتفاضة1991 العظمى، وتحرير قرابة ثلثي إقليم كردستان؛ لكانت عشر سنين أخرى من حكم العفالقة كافية لإلحاق المزيد من الطمس والتشويه بالهوية القومية للشعب الكردي واحتوائه وتذويبه؛ إن لم يفلح النظام الشوفيني الفاشي في إبادته وتحطيمه وتشتيته شذراً مذراً.

   لقد ساعد النظام العفلقي على تكوّن ونهوض شرائح اجتماعية من البرجوازية الطفيلية حديثة النعمة، ناهيكم عن أثرياء الحروب وتجّار الخيانة السياسية ، بينما تفاقم بؤس الجماهير المسحوقة؛ ولاعجب إن يهيمن في هكذا مناخ مبدأ " الغاية تبرر الوسيلة" ويشيع النمط الإستهلاكي في المعيشة رغم الغلاء المتصاعد يوماً تلو يوم ، وتسود السوق السوداء والقيم الإجتماعية والأخلاقية، التي ينتجها سلطان المال، ويتضاعف الشعور بالدونية إزاء الغرب، الذي شاعت أساطيره الخلّبيّة، وراحت انحرافات الوعي القومي والطبقي تتفشى مع كل ماينجم عنها من إنسلاخات على المستويات التربوية والأخلاقية والعلمية، ناهيكم عما يرافق ذلك من أمراض نفسية وعصبية، وشيوع ثقافة الجريمة.

   ومن ثم اندلعت الإنتفاضة المباركة في آذار1991 مصوّتة بالدماء الزكيّة ضد الطاعون العفلقي، في العراق عموماً وكردستان خصوصاً، وتكللت بظفر لم يشف الغليل، حيث بقي كابوس الإحتلال جاثماً على صدر أكثر من ثلث كردستان...وتلاها الإستفتاء العفوي الجماهيري، المتجسّد بالمسيرة المليونية الإضطرارية، ثم توالت الأحداث المتسارعة، واندلعت انتفاضات متممة هنا وهناك؛ حتى جهر شعب كردستان في ظل الحماية الدولية في 19 أيار1992 بقراره التاريخي ( نعم للديموقراطية) وخيار الفيدرالية في إطار عراق حر ومستقل...ثم تشكّل البرلمان وتأسست حكومة إقليم كردستان العراق، وأصبحت كردستان الملجأ والملاذ لشتى قوى المعارضة العراقية المناهضة والمناوئة للنظام العفلقي .

   لكنما الملحوظ في سلوك حكومة كردستان هو بطؤها السلحفاتي في معالجة أهم المشكلات الملحّة كإقرار الأمن وتوفير المواد الغذائية والوقود ورواتب الموظفين، ويمكن تبرير بعضها بالحصارين (الدولي والعفلقي) ناهيكم عن تهديدات الدكتاتور الرهيب على مدار الساعة.

  ولئن مهّدنا بما أسلفناه؛ لتقييم مسيرة كردستان الثقافية خلال سنتين من تحررنا من النير العفلقي؛ فقد وجب علينا تشخيص مايستوقفنا من مؤشرات بارزة في مشهدنا الثقافي الراهن، مع التأكيد على ان وجود أيّ استثناء يؤكّد قاعدة إطلاق أحكامنا بطبيعة الحال :

-    رغم تكاليف الطباعة الباهظة، بل شبه الأسطورية؛ تصدر العشرات (ربما أكثر) من الجرائد والمجلات والكراريس والكتب، أغلبها سياسي وحزبي، وبعضها لمنظمات وجمعيات مهنية وثقافية...ويلحظ فيها افتقارها إلى الثقافة النوعية الرصينة حتى في الثقافة السياسية الطاغية عليها!

-    رغم تعدد قنوات البث التلفزيوني ( و كلّها حزبي) فهي مخيّبة للآ مال المعقودة عليها؛ فمابرحت تبث المزيد من أفلام العنف والرعب والجريمة، والتي راحت تؤثر سلباً في أخلاق الشبيبة ومستوياتهم الدراسية، ناهيكم عن التخلف الفني السائد في عموم القنوات...

-    الندوات السياسية والثقافية ومعارض الفنون التشكيلية والعروض المسرحية تمثل أبهى وأفضل وجه ثقافي، رغم كونها دون مستوى الطموح بكثير.

-    من المنجزات الجديرة بالذكر إفتتاح جامعتيّ (السليمانية) و (دهوك) في حين تعاني جامعة (صلاح الدين) في أربيل، منذ مابعد الإنتفاضة، من نقص كبير في الكادر التدريسي والمستلزمات الضرورية لديمومة العملية التدريسية.

 

    هذا التقرير القصير يجلو لنا حقيقة كون مقدرتنا على التعبير عن كياننا القومي وتشييده؛ لابدّ أن تنبع وتقوم من/على تأصيل هويتنا الثقافية وتحديثها وعصرنتها إبداعياً، مع الحوارين الداخلي والخارجي، بلاوصايات فوقية قسرية؛ إذ بات من المحال أن تقوم قائمة لثقافة مستقبلية كردستانية أصيلة ومبدعة، في أجواء التخلف والغيتو داخلياً وخارجياً، والتي تحول دون التفاعل الثقافي الذي هو أساس التأثر والتأثير وتحطيم حواجز الغرابة بين الأمم والشعوب، وتبصيرها بالمصائر المشتركة على كوكب الأرض.

    فمن الواضح جداً ان (الإغتراب الثقافي) يسود واقعنا بكل مفرداته ومضامينه ومظاهره؛ ولاعجب في ذلك؛ فقد نشأت ثقافتنا الكردية ونمت وترعرعت في أوضاع وأجواء تاريخية غيرطبيعية، بل إستثنائية وشاذة، حيث تعرضت بسبب الإحتلالات المتعاقبة والمتواصلة(الفارسية، العربية والتركية) إلى المزيد من عمليات الغزو والقمع والتشويه والنهب والسلب، أقلها فرض الضوابط القسرية والقيود المتعسّفة غير المراعية لخصوصيات الكرد القومية وطموحاتهم المشروعة، بالإضافة إلى إنزال الكوارث بالبيئة الكردستانية وأهلها.

  لاشك في إن هذا يتعلق بجانب من المشهد التاريخي وديمومته؛ إذ يجب علينا ألاّنغض الطرف عن العجز التاريخي للمثقفين والساسة الكرد قديماً وحديثاً في إدراك وفهم مشكلاتنا ومعضلاتنا المزمنة الثقافية والسياسية المتواشجة؛ لأنهم لم يرتقوا، كما ينبغي، إلى مستوى حركة التاريخ واستيعاب ضروراته الجوهرية وديناميكية ميل مؤشراته؛ طبعاً لأسباب ذاتية أكثر ممّا لأسباب موضوعية ( ذرائعية!) و ها هو المثقف الكردي يجابه إرثاً هائلاً من المشكلات والمعضلات المزمنة، ناهيكم عن المخاطر الراهنة والمستقبلية المحدقة به خصوصاً و بثقافته القومية عموماً. وهنا لايسعنا إلاَ الإشارة إلى جلّ المشكلات والمعضلات المقصودة، والتي تتطلّب الحلول الناجعة:

* إنعدام الإستقلال الثقافي الكردستاني؛ كنتيجة لديمومة إحتلالات أجزاء كردستان من قبل الدول الإقليمية، فضلاً عن افتقار المثقفين الكرد أنفسهم إلى الإستقلالية؛ لإرتباطهم بالأحزاب السياسية، أو لتبعيّتهم الذليلة لمرامي ومآرب الساسة الشغوفين والولوعين بالمهمات والمكاسب الآنية!

* إنعدام الوحدة الثقافية بين أجزاء كردستان، والذي يتمثل بالأخص في غياب اللغة الأدبية الموحدة والحوار الثقافي(الكردي- الكردي) ولولا وعورة أكثر التضاريس في كردستان والإنسان الكردي وفولكلوره الصامدان والمقاومان لشتى قوى الغزو والإحتلال عبر القرون؛ لكانت الأمة الكردية ولغتها الآن شبه منقرضتين!

* التخلف الشديد المزمن، والتطوّر البطيء اللذان يعمّان سائر أجزاء كردستان،على صعيديّ التأليف والترجمة بالأخص.

* التطوّر الثقافي اللامتكافيء السائد في أجزاء كردستان؛ ويتجلّى ذلك في التقدم النسبي لكردستان العراق بالمقارنة مع كردستانات: تركيا، إيران وسوريا.

* غياب الحوار الثقافي الجاد مع الثقافات الأخرى، لاسيما المجاورة: العربية، التركية والإيرانية...فضلاً عن ضعف الحوار(الكردي- الكردي) حتى داخل هذا الجزء أو ذاك من أجزاء كردستان؛ فمثلاً هناك فصام بين ثقافات الكرد المتوزعين في إيران على أرجاء: كردستان، لرستان وخراسان ...

* غياب الحوار المعمق بين المعاصرة والتراث.

* الهجرة المتمادية للعقول والكفاءات الكردستانية داخلياً وخارجياً، أي داخل: العراق، إيران، تركيا وسوريا، وإلى البلدان الأوربية والغربية.

* حضور وسيادة (ثقافة السلطة) وغياب (سلطة الثقافة) فالمثقف الملتزم المعني بقضايا سواد الشعب المستلب مازال يشكّل الإستثناء ضمن القاعدة المتمثلة بـ (المثقف التقليدي الذيلي) وقرينه ( المثقف المتذبذب الإنتهازي) المتكالبين على تسنّم المناصب والإستحواذ على المزيد من الغنائم، وقد صدّق الكاتب الجزائري رشيد ميموني حين قال: " الإنسان السّليم لايبحث عن السّلطة" 

   ما أسلفناه يعني ان ثقافتنا الكردستانية تسير وتنمو أفقياً تراكمياً بصورة عفوية إن لم نقل عشوائية، مفتقرة إلى النهضة الإبداعية، المجسّدة للهوية القومية...؛ فما أحوجنا إلى المثقفين الحقيقيين (المستقبليين) الناهضين من صلب المعاناة التاريخية المديدة؛ لإستشراف آفاق المستقبل، بل واستباقه، على هدي سياسة ثقافية ديموقراطية ذات أفق وتوجه مستقبليين؛ لإنهاء كل مظاهر ظاهرة إغترابنا الثقافي ، و إنهاء غيابنا المديد بالإنخراط في ركب الثقافة البشرية. وفي سبيل هذا الهدف الإنساني النبيل؛ يجب أن يبذل مثقفونا التقدميون المخلصون - رغم قلتهم - جهوداً جبارة تضحيات جسيمة، في كفاحهم الثقافي؛ نشداناً لبلورة حركة ثقافية نهضوية نوعية لإرساء أسس ثقافة مستقبلية بديلة ذات بنى ومسارات قومية تقدمية ديموقراطية؛ حتى تلبي الطموح المشروع لأمتنا الكردية المستضعفة. ومثل هذه الحركة، إن وجدت وتلافت أخطاء الماضي ؛ ستغدو قوة فعالة لإستنهاض الهمم وتفجير سائر الطاقات والقدرات الكامنة والمعطلة والمقهورة ..وهذا يعني ان الإنعطافة التاريخية المصيرية، التي تشهدها حالياً كردستان العراق؛ تستوجب تعميق النضال الثقافي المختزل للمراحل ؛ بغية تجاوز التخلف المزمن، وتعويض مجمل الفرص التاريخية الضائعة.

  وهنا إعتزازاً بقدسية (الثقافة الحقيقية) ندين وبشدة (الثقافة التزينية والإرتزاقية) التي طالما تفشت كمطية لتمرير مآرب الغزاة والمحتلين وأذنابهم، ونتطلع إلى بزوغ الثقافة البديلة، التي ستؤدي حتماً دورها الريادي الفعال في التغيير الإجتماعي وبناء شخصية الإنسان، في خضم التحديات الحضارية الراهنة والمقبلة؛ لكون " العمل الثقافي كعمل تاريخي، هو وسيلة يتفوق بها الناس على ثقافة السيطرة، ومن هذا المفهوم فإن أيّ ثورة حقيقية هي في واقعها ثورة ثقافية" كما يؤكّد المفكر المناضل الأمريكولاتيني (باولو فرايري). *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ* هذه المقالة مزيدة ومنقحة، وأصلها منشور بعنوان(كردستان العراق في المشهد الثقافي) في مجلة(المدى)

 ع(1) آذار1993/ السنة الأولى.(صص181و182)

     

 

 

عن السياسة والتنمية الثقافيتين

 

   لعلّ إلتفاتة قصيرة إلى ماضينا القريب وواقعنا الراهن؛ ستكشف لنا ماهيّة السياسة ثقافية السائدة، والتي أقل مايقال عنها، إنها منحرفة عن الأهداف الإنسانية النبيلة، مع ممارستها بالتلازم مع تنمية عشوائية، إن لم تكن أصلاً مضادة لهويّتنا القومية! كيف لا؟! وقد سيّست الثقافة بمجمل تشعبّاتها بأساليب فاشية مبدعة بزّت سابقاتها الألمانية والإيطالية والإسبانية والطورانية ؛ لمقاصد معادية للإنسان...فبالعكس من شتّى الدعاوى والشعارات البراقة واللافتات الخداعة سخر النظام العفلقي منذ 1968 الآلاف من المهرجانات والإحتفالات والفعاليات الثقافية الأخرى - التي كلفت مليارات الدنانير من أموال الشعب المغلوب على أمره- لغايات وأهداف دعائية سياسية صرفة، بل ومعادية لشعبنا وللشعوب الجارة ولتغطية المزيد من الممارسات الجائرة في حق المواطنين العراقيين عموماً والقوى القومية والديمقراطية والتقدمية خصوصاً حتى أثناء تحالف بعضها معه! فمثلاً كرّس النظام الفاشي حتى الرياضة البريئة، لاسيما كرة القدم  والألعاب الفاشية كالجودو والكاراتيه؛ في سبيل مراميه ومآربه الديئة؛ ممّا يبرّر القول " الرياضة، لا الدين، أفيون الشعوب" مادامت محرّفة عن أهدافها السامية ومنها: تقوية أجسام الشبيبة وعقولها وغرس وتنمية روح المنافسة الشريفة في نفوسهم ،ومن ثمّ تقوية الحوار الثقافي والحضاري بينهم وبين الشبيبة العالمية. ناهيكم عن انها(الرياضة) عندنا راحت تفرز شريحة طريفة من البرجوازية الطفيلية!

   لقد شاعت مظاهر ( العسكريتاريا الثقافية ) المتجسّدة حتى في الزيّ العسكري الزيتوني، الذي كان يرتديه أعلام ثقافة السلطة البعثية والمنفذون للأدوار التضليلية والقمعية،حيث تكاتفت قوى الطغيان وقوى التخلف متكالبة ،مزدرية ومزدردة للثقافة الحقة وسلطتها، أمّا صنوف العسف والتنكيل بالمثقفين الرافضين؛ فثمة عشرات الشواهد والقرائن والأدلة الدامغة على ارتكابها من قبل جلاوزة العفالقة ، بينما كان مانحو(صكوك الغفران ) وحاملوها ومرتزقتهم  يصولون ويجولون على هواهم  متنعمّين بمكرمات مؤسسات وأجهزة الإرهاب الفكري للنظام الدكتاتوري الخانق أصلاً لأنفاس الديمقراطية، التي هي " أوكسجين العقل، وغيابها يعني إختناقه، أو دفعه الى الخداع الذاتي والتزييف" كما يقول المفكّر الكبير فؤاد زكريّا.

    ولأنّ " نظام الحزب الواحد هو الشكل الحديث للدكتاتوريّة البرجوازيّة التي لاتتقنّع ولاتتزيّن ولايزعها وازع ولايردعها حياء/ فرانز فانون " فإن السلطة العفلقيّة لم تتوان أبداً عن تسخير كلّ ماتسنّى لها من أجهزة استخبارية وتكنولوجية متطوّرة و مؤسسات ثقافية، يقودها أزلامها المدربون جيداً، والمشحونون بشعار " مَنْ ليس معنا؛ فهو ضدّنا" غيرالمعلن؛ مستهدفين المثقفين الرافضين؛ بغية قمعهم أو نفيهم أو إسقاطهم  أو شلّهم على الأقل، تساندهم في هجماتهم الشرسة مدفعيتهم الثقيلة (الداخلية والخارجية) المتمثلة بجوقات التطبيل والتزمير والتهريج والتضليل .. والتي إفتضح بعضها في بحبوحة (كوبونات النفط)

  ولقد استطالت قوائم (التابو) فشملت حتى أمّهات المراجع التراثية العربيّة (التي تعتز بها البشرية قاطبة!)؛ ليطغى التمجيد الأفضل والأمثل للسلطة العفلقية ولسلطانها ( القائد الضرورة، قمر العرب ..... ) على حساب الحقيقة والحق ، ولم يبق غيراستثناءات نادرة على الهامش، و كل إستثناء يؤكد القاعدة طبعاً. فكيف لاتتقهقر الثقافة الحقة ، ولايغيب دورها المؤثر في تهذيب وتغيير وتطوير الإنسان ومجمل مناحي الحياة؟ ثمّ كيف لايجوس شبح ( كَوبلز) السييء الصيت كلّ مكان ووقت ، مرعداً ، مزبداً يردد جملته الأثيرة المستقاة من مسرحية (شلاغيتير) لهانس بوهست :"عندما أسمع كلمة ثقافة؛ ألتقط مسدسي " ؟!

  بما ان " العمل الثقافي، كعمل تاريخي، هو وسيلة يتفوّق بها الناس على ثقافة السيطرة؛ فمن هذا المفهوم إن أيّ ثورة حقيقيّة هي في واقعها ثورة ثقافيّة " حسب استقصاء باولو فرايري، وبما اننا نتنعّم بهامش ديموقراطي لابأس به ؛ إثر انتفاضة 1991 وقيام برلمان وحكومة اقليم كردستان؛ يمكننا القول ان رسم طريق مستقبلنا الثقافي، ونحن على مشارف الألفيّة الثالثة، هو من مهام مثقفينا الراديكاليين أصلاً بالتكافل والتوافق مع القادة السياسيين المتنوّرين، وهذه المهمة  بطبيعتها شاقة ،شائكة ،ومتشعبة بسبب تراكم التخلف والغزو الثقافيين، ومع كلّ ذلك يجب ألاّيغلب اليأس المثقفين الكرد، وإنّما أن يقدموا على الكفاح فيقدّموا إسهاماتهم الجادة لرسم السياسات الثقافية المقبلة، ولابدّ من التأكيد على ان أيّ سياسة ثقافية تكون باطلة بدون الحوار الديمقراطي الجريء والشفّاف ، ثم إن المتغيرات هي التي تفرض عليهم اليقظة والنهضة الثقافية؛ خصوصاً وإن التحولات الثقافية في عالمنا اليوم جارية تحت تأثير العلم والتقنية، ومن ثمّ ينبغي عليهم الإنتباه إلى كون السياسة الثقافية الصائبة مترابطة جدلياً مع السياسات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية نفسها من قبل ومن بعد، في خطط التنمية الشاملة (المستقبلية)

   وعليه تقتضي الضرورة منح الثقافة دورها المستحق في التنمية؛ فهي بمثابة( الروح ) في علاقاتها بـ (الجسم) الذي يجسّده البعدان الإقتصادي والسياسي. ولذلك فإن التوازن ضروريّ جداً بين أبعاد المجتمع: الإقتصادية،السياسة والثقافية؛ وهو الأمرالذي يستوجب الإستثمار العقلاني الأفضل للموارد المادية والبشرية المتوافرة، بتحاشي الإهدار اللامسؤول الذي بدت بوادره جليّة للعيان! فمن أجل الإنعاش الثقافي؛ يجب أن يؤخذ التمويل الثقافي في مرتبة مساوية لتمويل التنمية الإقتصادية والإجتماعية؛ مادامت التنمية تمثل الغاية في علاقتها بالتنميات الأخرى. وينبغي أن تستجيب البرمجة الثقافية للحاجات والمتطلبات الضرورية، وتبعاً للقيم والأهداف والإختيارات القومية، وأن تأخذ البعد التربوي بعين الإعتبار، وكذلك إرتباط الأنشطة الثقافية- الجماهيرية بالأخص-  بالتنمية الإقتصادية والإجتماعية، وبتأصيل الهوية الثقافية القومية من قبل ومن بعد.

   من المؤكّد ان إنتهاج سياسة ثقافية صائبة؛ يعني تشخيص المشكلات والمعضلات وإيجاد الحلول الناجعة لها؛ ممّا يتطلّب التصوّر المتكامل لماهيّاتها وتمظهراتها، بل وكل العراقيل والعوائق والصعاب، التي تعترض سبيل التنمية الثقافية، ومن ثمّ إيجاد سبل وطرق حلّها  حلاً جذرياً شاملاً ؛ كلّ ذلك يستوجب التخطيط والبرمجة المدروسين، طبعاً في مناخ من الحرية يخلو من النزعات السائدة: الإستبدادية، الإستعبادية والوصائيّة. أيّ في مناخ ديمقراطي، وإن " المقصود بالديمقراطية(...) هو نظام مثاليّ، النظام الذي يحكم فيه الشعب نفسه بنفسه" كما وضّح بول كلافال؛ حيث " انّ المبدأ الديمقراطي يهدف إلى مساواة معيّنة في الميثاق الإجتماعي " حسب قول جان جاك روسو.

   وكل هذا يعني، من بين مايعني، ان التنمية الثقافية القومية الحقة؛ تستوجب الإلتزام بطرائق التطبيق المتمثلة بإستئصال الأمّيَة ( حتى أمّيّة أكثر المتعلّمين أشباه الجهلة!) بمحوٍ حقيقيّ غيرصوريّ و غيرحزبيّ ! ثم تعميم التعليم الجاد،والتربية الشاملة المستمرة، ناهيكم عن تأهيل الإداريين والإختصاصيين، ثم مؤازرة المبدعين بكل الأساليب والوسائل المتاحة. ومن ثمّ يجيء دور عمليات التقويم والتقييم .

   ومن البداهة اننا بأمسّ الحاجة راهناً و لاحقاً إلى أن يكون كلّ مثقف ديمقراطيّاً وكلّ ديمقراطي مثقفاً؛ وإلاّ لن يتسنّى لنا إنجاز المهام التاريخيّة الملقاة على عواتقنا على كلّ الصّعد وعلى الوجه المرجو؛ فـ " لابدّ لكلّ جيل أن يكتشف رسالته وسط الظلام، فإمّا أن يحقّقها و إمّا أن يخونها!" كما يقول المفكّر والمناضل فرانز فانون، ومن هنا أيضاً؛ فإن نشر الثقافة بصورة ديمقراطيّة، بل ومشاعيّة للجميع(قدر المستطاع)؛ لابدّ أن تتبنّاه بُنى ثقافيّة ووسائل تثقيفيّة، إجمالها في: وسائل التثقيف الجماهيري (المذياع ،التلفاز)، الصحافة، السينما، الأشرطة الغنائية، والفديو كاسيت )/المكتبات والمعارض المختلفة / المدارس والمعاهد والجامعات/المعاهد والمراكز الحرفية/ الفنون التشكيلية/ محافل الشعر/ الهندسة المعمارية/ الأعياد والمناسبات القومية والوطنية والدينية/ الرياضة والكشافة والألعاب الذهنية/ السفر والسياحة/ المراكز والدور والنوادي والجمعيات الثقافية/ المتاحف والأراشيف/ و مراكز الأبحاث وغيرها... ولكي لاتبقى الجماهير غائبة ثقافياً، في العمليّة الثقافيّة؛ لابدّ من بث روحيّة الحوار والتشاور والمشاركة؛ حتى تغدو الثقافة جماهيرية وشعبية؛ مادامت الجماهير أصلاً هي الشرط الأساس لكينونتها وديمومتها وصيرورتها؛ وبالطبع يتطلّب استحضارها القيام بتثقيفها عبر كل الوسائل السمعية والبصرية والمقروءة المتاحة، وإشاعة روح ( جماهيرية الثقافة) كضرورة حضارية، لا كترف أو كماليات باذخة؛ وهذا الهدف يستلزم بدوره التوظيف الأمثل لوسائل التثقيف الشعبي، مع وجوب الحذر من الأنزلاق والزلل ، مع الإنتباه إلى التأثير الضار للثقافة الشعبية التجارية والمتسيّبة على نمو شخصيّة الشبيبة خاصة! وهنا ينبغي التأكيد على ان بلورة الوعي الثقافي العام، الذي تتجلى فيه قوة التماسك الإجتماعي وقوة التحرير من القهر؛ تتحقّق بردم الهوة والجفوة بين الصفوة المثقفة والجماهير الغفيرة، أي بمحو (الشيزوفرينا الثقافية) ؛ حتى لاتبقى النخبة مغتربة، أو حبيسة الأبراج العاجية، بل وهامشيّة أو غائبة عن عمليّة التغيير والتطوير الأجتماعي.

   وهذا يعني أيضاً، ضرورة إناطة شــــؤون الثقافة بذوي المؤهّلات والخبرة والحكمة والبصيرة، بل واستبعاد غيرالمختصين، وغيرالأكفاء من تسنم المناصب الثقافية حتى الصغيرة منها؛ لأنّ ( الكادر اللامناسب في المكان المناسب) هو(كعب أخيل) على جميع الصّعُد، وليس الثقافي حصراً، ثمّ إنّ من ألد أعداء التنمية والمسيرة الثقافيتين : الإدارة غيرالحكيمة، التخطيط السييء، والإستجابة البطيئة للمتغيرات والمستجدات على كل الصّعُد، بالإضافة إلى الإحتكارات والإستحواذات والمحسوبية والمنسوبية والمحاباة، ومنح الإمتيازات المجانيّة في المرافق الثقافية. ولعلّ الإلتزام بالضوابط الموضوعية في التخطيط ، ومتابعة ومراقبة التنفيذ، والتنسيق بين المثقفين والمراجع ذات الصلة؛ سيكفل تفادي مزالق الإرتجال والعفوية، بل والعشوائيّة ، في بناء الهياكل والبنى والأنشطة الثقافية. ومن الجليّ جداً انه بدون التخطيط الجذري الحاسم والإهتداء بالعقول النيّرة المنفتحة، المشفوعة بالشجاعة الأصيلة والجرأء والإقدام؛ من المحال أن نواجه تحديات المستقبل، الذي نطمح إلى صياغته إراديّاً، ونمتلكه بلااغتراب، متمتعين كباقي البشر بحقوقنا الإنسانية والقومية...وفي هذا المنحى؛ ينبغي أن نأخذ العبر والدروس من تجارب الشعوب والأمم الأخرى في الحسبان؛ لكي نستهدي بإيجابيّاتها ولانكرر أخطاءها.

   وقبيل اختتام هذا الفصل، نردّد مع أمانويل بوشباداس:  " لعل إنشاء مجتمع إنساني حق، هو الهدف النهائي لكل تنمية ثقافية" ثمّ إنّ غداً  لناظره لقريب؛ إذْ سيقع اللوم على المثقفين الكرد أولاً؛ إذا ما حصل أيّ قصور وإنحراف في أداء المهام الثقافية؛ طبعاً إذا لم يخوضوا معاركهم المصيرية، متحملين مسؤولياتهم القومية؛ فذلك موقف جبان بل وخياني بحقّ المباديء والقيم الثقافية القومية والإنسانية النبيلة؛ فيقيناً سوف لن يغفر المستقبل ولن يعفو عن أيّما فارّ من جبهة المعركة المفروضة عليه، وعن أيّ متقاعس في أداء رسالته المطلوبة في سبيل شعبه أولاً، ثمّ الإنسانيّة جمعاء. أمّا المجد فلمن سيبلو في المعركة الثقافية بلاءه الحسن...وبالطبع سينبري الرواد الشجعان الحقيقيّون للمبادرة بالتنظير والتنفيذ الحثيث، ناشدين الإبداع  وهاتفين كغاليلو:

- " إنها تدور " وليكنْ مايكون!" *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ* فصل من مشروع ثقافي بعنوان (Peyamy ayinde / رسالة المستقبل) وهو منجز مخطوط ، نشرت صحف كردستانية بضعة فصول منه منذ أواخر 1992   

 

 

 

 

سمات المثقف المستقبلي

 

 

  في هذا المنعطف التاريخي الخطير جداً؛ لابدّ من الإرتكاز على الكفاح الثقافي وتفعيل دوره المؤثر في مصير كردستان بشتى تشكيلاتها الإجتما- اقتصادية، التي مابرحت تعاني عموماً من التخلف الثقا- حضاري؛ وهنا تكمن أهمية فاعليّة المثقف المستقبلي ذي الرؤية والرؤيا الشاملتين، الواضحتين والنافذتين، في تناوله المشكلات والمعضلات على الصّعد كافة؛ بحثاً عن الحلول الناجعة لها...وهذا يعني أن تينك الرؤية والرؤيا المتواشجتين شرط جوهري لكيان المثقف المستقبلي مشفوع بالممارسة الإبداعية؛ ليكون الطليعة الثورية في الكفاح الثقا-إجتماعي؛ في سبيل مستقبل بشري أفضل...وطبعاً من المحتم أن يتطلب الزخم الإبداعي مستقبلاً قدرة المثقف الفذة على الإستبصار المستقبلي عبر استيعاب معطيات الماضي والحاضر، ومثل هذه القدرة الفذة تتتوّج بالممارسة الإبداعية المنشودة، الوليدة من سعة الأفق الفكري والصدق التاريخي النابع من المواقف الجريئة.

  يتسم المثقف المستقبلي بـ : الموهبة الفذة بما فيها المخيلة المتوقدة، المعاناة الخلاقة، الثقافة الموسوعية، الصدق، الشجاعة، روح التضحية والممارسة الإبداعية، ولكونه مبدعاً حقيقياً أصيلاً، لاخوف على حضوره المتألق ولا على خلوده الذي يستحقه؛ فهو لايمارس الإستبداد البطريركي، ولايقمع ولايكبت الآخرين، وليس أنانياً يقف حجر عثرة أمام إبداع سواه، أو يعيق ويعرقل صعود الأجيال الجديدة، وإنما يؤمن بقانون( نفي النفي) المتجلّي في عالم الإبداع؛ فيسارع إلى احتضان كل موهبة تتبرعم ولسان حاله المثل الصيني الرائع " دعْ مائة زهرة تتفتّحْ..."

  بما ان المثقف المستقبلي مبدع بالضرورة التاريخية؛ فإن موقفه يتجسّد في مسايرته لحركة التاريخ الصاعدة، ولكي يكون في مستوى التصدّي للمشكلات والقضايا الراهنة والمستجدة باستمرار؛ فلابدّ أن ينشد الموسوعية ليمكنه التعمق والتوسع في تخصصه؛ فقد غدا النزوع الموسوعي مطلباً حضارياً من متطلبات العصر الراهن، إذْ يعجز المثقف المتقوقع في قمقم إختصاصه عن إستيعاب معطيات عصره واستشراف المستقبل؛ مادامت رؤيته أحادية الزاوية، بل قاصرة. إن الثقافة الموسوعية الرصينة هي التي تمنح المثقف الوعي العميق بمصير البشرية، والذي يجعله حريصاً على احترام شتى الشعوب والأمم والديانات والثقافات كافة، في الوقت الذي يتفاني في سبيل شعبه وعقيدته، وويبجّل ويجلّل تراثه باستيعابه ويمحصّه نقديّاً بلاتقديس مطلق ولاوجل. ومن المؤكد ان وعيه الديموقراطي الراديكالي يعبئه للنضال ضد شتى صنوف التمييز الجهيرة والمقنّعة، سواء أكان التمييز عنصرياً أو دينياً أو طائفياً أو طبقياً..وعندها سيكون بمثابة لسان حال – شعبه- الحقيقي، بل ضميره الحيّ في الحوار مع البشرية. ويظل التواضع الجم من أهم سمات المثقف الموسوعي ذي النزعة المستقبلية، فهو كلّما يزدد إطلاعاً؛ لايقول: " ما أكثر ما أعرف...!" إنما يقول: " كمْ أجهل....!" ولايستكين ولا يهدأ باله؛ مهما أبدع وأنجز، فقلق الإبداع المتواصل يشدد خناقه عليه، ويتحسس بخله؛ مهما يتفان في العطاء.

   ومن البداهة أن يؤمن المثقف المستقبلي بجدليّة العلاقة بين الوعي والممارسة، وفاعليتها عند انخراطه في صفوف الجماهير، بالإضافة إلى التكاتف مع أقرانه المثقفين والتضامن معهم ؛ حتى يكون حاضراً ذا حراك فعال في خضم التاريخ ، بل في قلبه الديناميكي ؛ وهذا يتطلّب منه التمسّك بحقه المشروع في المساهمة في مناحي الحياة الثقافية، وأن يؤمن بشفافية المكاشفة الديموقراطية والنقد الذاتي والنقد البنّاء؛ فالنقد الذاتي الصادق يطوّر المثقف تطويراً خلاقاً؛ إذ ان " الذهب المصفى لاتزيده النار إلاّ صفاءاً" كما يقال، ومن المؤكد ان نقد الآخرين لايعني البتة تزكية الذات. و لعلّ القيمة المستقبلية لهكذا مثقف تكمن وتتجلى في مقدرته على التأثير الإيجابي في الراهن الثقافي بمشاركته النوعية في تغيير الواقع وتطويره وترقيته.

   حسناً...كيف يظهر مثل هذا المثقف في بيئة ثقا- حضارية متخلفة أصلاً؟!

وهنا تستوجب الإجابة شيئاً من الإسترسال، إنطلاقاً من رأي العالم النفساني يونغ(1875-1961) بإعتبار الإنسان هو" مستقبل الإنسان" وإرتكازاً على مقولة الفيلسوف سارتر: " كلّ إنسان(...) هو مشروع؛ فهو خلاّق لأنّه يبتكر ويخترع ماهو كائن أصلاً، بدءاً ممّا ليس بكائن بعد" وهذا يعني أنّ الإنسان مشروع صيرورة ثقا- اجتماعيّة، بل هو الكائن الوحيد الفريد، الذي يتسم بهذا الإمتياز، وبالطبع ينسحب هذا على  الإنسان المثقف ، الذي في مقدوره التطوّر إلى مثقف مستقبلي، وهذا يعني، من ثمّ، ظهور المثقف المستقبلي من بين صفوف المثقفين المبدعين الأصلاء الرافضين، الذين عرّكتهم مكابداتهم المتواشجة مع تباريح الجماهير المستضعفة المقهورة، ومن أوساط الشبيبة الناهضة المتحدّيّة للظروف الإستثنائية القاهرة؛ وعليه يكون أغلبهم بالضرورة عصاميّ النشأة، وسيحتدم أوار الصراع حتماً (جهراً وسرّاً) بينهم وبين المثقفين الإنتهازيين/ الذيليين والحثالات الدخلاء على عالم الثقافة والإبداع، والذين يمارسون بطبيعتهم شتى الأساليب الدوغمائية والديماغوغية للهيمنة على عقول ساستنا( أكثرهم غير ملمّ في شؤون الأدب والفن..) ولكن لامفر من منطق حتمية التاريخ، إذ سترجح كفة المثقف المستقبلي آجلاّ ، إن لم يتحقق الرجحان عاجلاً؛ لأنه كما قال الشاعر الكبير إيميه سيزار " آثرت أنْ أفتح عينيّ على شمسٍ أخرى" *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* غير منشور، وهو فصل من مشروعي الثقافي Peyamy ayinde ) رسالة المستقبل) المنجز في صيف1991    

       

 

 

 

 

 

ثقافتنا المستقبلية

 سمات و مهام

 

   لقد أثبتت الوقائع، بما لايقبل الشك والجدل، أن الرسالة الثقافية للعفالقة الفاشست الشوفينيين وعملائهم جحوش القلم قد إستهدفت الإنسان الكردي بمسخه وخنقه في ديمومة الأوضاع القاهرة، إن لم تفلح في إبادته في أتون الحروب الجائرة الداخلية والخارجية، ناهيكم عن تدمير البيئة الكردستانية الثرية والخلابة بممارسة سياسة الأرض المحروقة؛ ومن حسن الصدف أن يشهد شاهد من أهلها من حيث لايدري، ألا وهو المنظر العفلقي عزيز السيد جاسم الذي كتب وأصاب ذات مرة : " لم يعد خافياً على الإطلاق أن الفاشية السياسية تستند إلى شوفينية ثقافية"

   ولئن تصديت من قبل لتحليل الثقافة السائدة وأنماط المثقفين، ونجد الآن أنفسنا وجهاً لوجه أمام واقع جديد مختلف بمعطياته الداخلية والخارجية؛ فـ " لابدّ أن يخلق ثقافة جديدة له" على حد تشخيص أنتونيو بوزوليني. لكن من يخلق الثقافة الجديدة المنشودة؟!

   سيقع خلق هذه الثقافة التي سمّيناها بـ (المستقبلية) على عاتق ( المثقفين المستقبليين) الطالعين من صفوف المثقفين الرافضين والشبيبة الواعية لحقها المشروع في حياة كريمة ولدورها التاريخي المصيري الذي يجب أن تؤديه على الوجه المطلوب، طبعاً بعد أن يهدم دعاة الثقافة المستقبلية الباستيل الثقافي الكردستاني، بل والعراقي أيضاً، ممهدين الأجواء الثورية؛ لكي تنقض (الإنتفاضة الثقافية) على قلاع الإمبراطورية الثقافية ذات المداميك الدوكَمائية والديماكَوكَية، وتنجلي الحقائق الدامغة؛ فتدرك الجماهير المستضعفة لماذا تشامخت رؤوس الكثير من السنابل وانحنى القليل منها! ثمّ لامفرّ بعد اليوم لمثقفي الشبيبة المستقبليين إلاّ الإنخراط في  صراع مصيري عنيف مع قوى التخلف والطغيان قد يقصر أو يطول، فتشهد حلبته تفتت المومياءات المتعرضة لهواء الحقيقة، وتهافت الدمى الهشة! وكلّما أفلح المثقفون المستقبليون في إنجاز أقساط من المهام التاريخية الشاقة؛ سيمكنهم تحرير حتى بعض(القاهرين) من (لاإنسانيّتهم)، بالكشف عن حقائق ماضيهم العفن، ثمّ إعادة تربيتهم وتثقيفهم ..ولأن المثقف المستقبلي يجسّد روحيّ الحرية والمستقبل؛ فهو لن يقهر أحداً، وإنّما سيحقق ماهيته الإنسانية وإنسانية شعبه المستضعف ، الذي خاض عباب الجحيم، واجتاز المطهر متطلعاً إلى الفردوس- الحلم...فبعدما تتجاوز ثقافتنا جبروت القهر إلى ملكوت الحرية " عندئذ تصبح(....) حريةَ البحث عن الحقيقة" كما يرى بوزوليني، وهذا رغم حتميته التاريخية لن يتحقق تلقائياً؛ بل يتطلّب فعلاً تعجيلياً يمنح الثورة الثقافية زخماً حاسماً يمتح نسغه من المباديء الآتية:

    الفكر الأصيل: يقتضي تحقيق الإنبعاث الثقافي المنشود، قبل كلّ شيء، وجود فكر قومي أصيل لضبط وتوجيه مساره؛ لكي يجيء الفعل الثقافي خلاّقاً مؤثّراً عند طرح ومعالجة أيّة مشكلة أو مسألة أو قضيّة، طرحاً ميدانيّاً ملموساً، ونابعاً من رؤية علميّة تستند إلى تقاطع وتداخل وتلازم كلا الوعيين(القومي و الوطني) جدليّاً، دون تقديم أو تأخير أيّ منهما قسراً. ومن المؤكّد ان التحرّك على هدي مثل هذا الفكر؛ سيضمن سلامة المسيرة الثقافية وتكاملها؛ بشرط ديموقراطية خطابها وتعددية وجهات النظر والإجتهادات،لالتي تكفل التنوّع والثراء الإبداعيين، ومن ثمّ هيمنة سلطة الثقافة الديموقراطية.

التسيير الذاتي:(Auto gestation)  يتعذر قيام  المثقفين المستقبليين بدورهم المرجو حاضراً ولاحقاً؛ إلاّ كـ (مجموعة ضاغطة) بالمفهوم السوسيولوجي، أي كسلطة رابعة مستقلّة عن السلطات التقليدية ووصاياتها القسرية، ومتماسكة في هيكل تنظيمي ذي تسيير ذاتي، ومعترف بها بصفتها (سلطة الثقافة) ذات التأثير المنشود في مضامير: السياسة الثقافية، التنمية الثقافية والبرمجة الإجتماعية، بل في التأثير الفعّال على صانعيّ القرارات السياسية والإجتماعية والإقتصادية، ناهيكم عن الرأي العام... ولن يتحقق هذا الطموح بدون تكاتف وتضامن المثقفين وتوحّدهم؛ ليتبوّؤا منزلة الضمير الحي النابض للشعب ولسان حاله الحقيقيّ، وهذا يعني (نهوض الإجماع) الذي إفتقر ويفتقر إليه المثقفون الكرد، الذين استحالوا بؤرة لشتى العلل السياسية والأخلاقية، وخاصة الذيلية والإنتهازية والحسد والنفاق؛ فتفاقمت بين الكثيرين منهم الإحترابات المكشوفة وغير المكشوفة حدّ التشكيك في إبداع هذا، وتخوين ذاك...كما لو انهم طليعة مبدعة في الجهل والمرض والتخلّف، لا في التهذيب والتحضّر!

  وهنا حتماً يحقّ التساؤل:- وكيف يتحقق (التسيير الذاتي) السالف ذكره؟!

- يمكن ذلك، ولو على نطاق محدود، إنّما لابأس به؛ بتأسيس وتفعيل (مصرف ثقافي) إقتداءاً بتجربة مثقفي بعض البلدان، حيث يمكنه أن يحقّق تمويلاً ذاتيّاً إلى حدّ لابأس به، إستناداً إلى موارده الماليّة الآتية عن طريق: بدلات اشتراكات المثقفين السنويّة والإستقطاعات التقاعديّة/ الضرائب على جميع المرافق الثقافية ذات الواردات المالية: المرافق السياحيّة، المسارح ودورالسينما و العروض الفنية، الملاعب الرياضيّة، المكتبات الأهليّة، المطابع ودور النشر الأهليّة، محلاّت الطباعة والترجمة الأهليّة، محلاّت التصوير والتسجيل والفيديو كاسيت...ثمّ إنّ في مقدور مثل هذا المصرف أن يصدر بطاقات اليانصيب والتهنئة والباجات...ويقوم بشراء وتسويق الأعمال الفنية ومنتوجات الحرف التراثية كما يمكن للمثقفين أن يرفدوه بالودائع المالية كإدخار أسوة بالمصارف الأخرى... وذلك كله بشرط وجود إدارة نزيهة وحكيمة ؛ وحينئذ سيكون في مقدورالبنك المنشود تمويل جوانب مهمة من التنمية الثقافية، وتقديم السِلَف والقروض للمثقفين والإعانات عند الحاجة، وحتى رواتب تقاعدية مناسبة؛ حسب ضوابط وشروط ضامنة لديمومتها وديمومة المصرف أيضاً.

  وهنا أيضاً يتبادر التساؤل الآتي إلى الأذهان :- هل يمكن تأسيس مثل هذا البنك في كردستان، التي تهيمن على مقاديرها ودفّة تسييرها الأحزاب السياسية المتصارعة، ناهيكم عن هيمنة العنعنات العشائرية؟!         

التثقيف الحواري: لايمكن أن تتكوّن الثقافة المستقبلية (المغايرة للثقافة الإستهلاكية) بتلقّف التحصيلات الجاهزة والمناقلة الإنتقائية؛ فهذا منهل(التثقيف المعلّب الجاهز) بالعكس من (التثقيف الحواري) الذي يجعل الحوار بين المثقفين أنفسهم، ثمّ بينهم وبين المتلقين أمضى حيوية وديموقراطية وتكاملاً. وفي هكذا ميدان لايشفع التدرّع بالألقاب العلميّة مهما كانت كبيرة، ولا المزاعم والإدعاءات الخلّبيّة اللامسؤولة، إنّما الشفاعة الحقيقية؛ فهي للمنجزات الإبداعية والممارسات السلوكيّة القويمة.

الموازنة الزمنية: وتعني أن نوازن بين الماضي والحاضر والمستقبل بحكمة على الصّعد كافة، آخذين في الحسبان أن التصوّر المستقبلي السليم يستوجب قراءة الماضي والحاضر وإعادة النظر في كليهما، وأن التصوّر المستشرف للمستقبل نفسه؛ يعيننا على فهم الحاضر والماضي كليهما. ولكي لاننزلق في التصوّرات الزائفة؛ يجب تفادي الإنغلاق اليقيني لكونه نكراناً لمبدأ الحرية، بل وانزلاقاً في المنظور الطوباوي، الذي هو صنو الجمود الفكري، وحسبنا دائماً إستيعاب المعطى التاريخي، ثم الكفاح في سبيل المستقبل المنشود بممارسة الفعل التاريخي، حيث تصبح ممارسة الحرية بصفتها غاية يسعى إلى تحقيقها المقهورون.

  القيم الثقافية:  إن طرح قيم ثقافية مطلقة هي الوجه الآخر لفرض البدائل الزائفة، ومن ثمّ الوقوع في فخ الدوكَمائية القامعة، التي لاتشفع لها أيّة ديماكَوكَية تبريريّة، لكنّما القيم التحررية المغايرة والمنشودة ستولد وتنشأ وتتطوّر في سياق التطوّر التاريخي الطبيعي الذي يسرّعه زخم الفعل الإبداعي الإنساني؛ بالإستجابة لضرورات التطوّر الإجتماعي ، ومن ثمّ ستتجلّى المصداقيّة التاريخية لثقافتنا المستقبلية؛ مادامت تتواصل وتتفاعل مع معطياتنا التاريخية بكلَ أبعادها، طبعاً بعدما نرتفع إلى مستوى الطرح الثوري العميق والشامل لقضايانا على الصُّعُد كافة؛ فيغدو دورنا الثقافي فعّالاً وحاسماً، ولكن هل يتحقق هذا الطموح بدون تثوير ثقافي – علمي، وهو أصلاً  تثوير للمجتمع ؛ ليلحق بركب التقدم.

الكشف عن المسكوت عنه: إذا ما توخّينا بلوغ إبداعنا مصاف ابداعات الشعوب والأمم المتقدمة ثقا-حضارياً؛ فينبغي تفادي التفاؤل السطحي الخادع المضلل، والمفتقر إلى المصداقية التاريخية، وأن يغوص أدباؤنا وفنّانونا ومفكّرونا في حضيض واقعنا وأوحاله؛ لإقتناص اللآليء الحقيقيّة و العظيمة، بدلاً عن المهادنة والمساومة والتزييف ؛ بدغدغة ومداعبة قشور الواقع وتجميل قبحه! إذْ ما أحوجنا نحن الكرد إلى أقسى وأمهر الأدباء والفنانين والمفكّرين لشقّ دماملنا المزمنة بلارحمة؛ لتطهير كياننا الإجتماعي من الأمراض...دون الإلتفات إلى المغمّزين والملمّزين حتى من المثقفين المتخلّفين، الذين طالما يسقطون تخلّفهم على الوضع السوسيو- ثقافي متذرّعين بشتّى الحجج:

-    هذا الأدب والفن سوداويان تشاؤميان!

-    هذا......... فوق مستوى شعبنا ولايخدم واقعنا!

-    هذا........هدّام.

-    هذا.......من البرج العاجي.

-    هذا سابق لأوانه.

-    .................................

   يمكن إجمال سمات و مهام المثقف المستقبلي وثقافتنا المستقبلية في قول المفكّر المناضل باولو فرايري: "..فإمّا أنْ يخدم العمل الثقافي أهداف السيطرة، وإمّا أن يخدم أهداف التحرير" وهذا يعني الإبداع الخلاّق الأصيل الماحي للإغتراب الثقافي بكلّ ماهيّته ومظاهره؛ بصفته جامعاً بين إنجاز بضع مهام متآصرة ومتواشجة جدليّاً: نشدان الحداثة والأصالة/ تأصيل الهويّة القومية/ تحقيق الحوار الثقا- حضاري/ والنقد الذاتي البنّاء....وإلاّ ستظلّ الثقافة الديماكَوكَيّة هي السائدة في مشهد الثقافة مستقبلاً بشعاراتها البرّاقة المضلّلة ومضامينها الخلّبيّة! وهنا أردّد ماكتبه الروائي الألباني إسماعيل كاداره في روايته (العرس): " ألبانيا تنهض، لكن الجبال تتربّع على أكتافها! أتدرك ما أعنيه؟ الجبال هي التقاليد والأعراف البالية بما فيها من عيوب سابقة (...) وللتخلّص من هذه العيوب؛ لابدّ من جهود كبيرة؛ فإن تركتنا ثقيلة وقديمة جداً كهذه الجبال" ولذا نرى المثقف المستقبلي حتى وإنْ لمْ يسُدْ نمطه سيظلّ الإستثناء المكافح غير المستسلم مهما يكن مصيره؛ فـ " الأفضل أنْ تتقدّم وتموت منْ أنْ تتوقّف وتموت" حسب حكمة الزولو الأفارقة. *         

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* غير منشور، وهو فصل من مشروعي الثقافي Peyamy ayinde ) رسالة المستقبل) المنجز في صيف1991    

 

 

 

 

 

 

(القافلة) تقرع أجراس الخطر!

 

   رهن العديد من الحصارات الغاشمة، التي تتحلّق كردستاننا المحررة، وفي وضع لابشري مزرٍ وعصيب، تُستثنى فيه الحرّية العزلاء! يخوض شعبنا الذي انعتق منذ سنتين من نير الكابوس الدكتاتوري البغيض، باستماتة تجربته الديموقراطية الفتيّة، ملتفاً حول برلمانه المنتخب ديموقراطياً، وحول حكومته الإقليمية الناهضة، التي أضحت محط أنظار كل الكرد المتطلعين إلى نيل حقوقهم القومية المشروعة...وهكذا أصبحت كلمة(الديموقراطية) منذ عامين ونيّف ملكة قاموس مجتمعنا الكردستاني بكل شرائحه، التي طالما كابدت الظمأ التاريخي إليها؛ مادامت بمثابة الدواء السحري لكل داء! لكنّما ما أشقى هذه (اللفظة) التي تكاد أن تفقد جوهر دلالاتها الثرية؛ من فرط تداولها الببغائي والمجاني..! إذ ان الديموقراطية على كل الصّعد تعني:

-    قوّة الحق، لا حق القوّة.

-    سيادة القانون والنظام.

-    عدم التمييز عنصرياً، دينياً وطائفيّا...

-    الإحتكام إلى إرادة جماهير الشعب.

-    ضمان إحترام كرامة الإنسان وحرياته الأساسية ومنها: العقيدة، التعبير، التنظيم والإنتخاب ...

-    تعايش التعددية: السياسية، الدينية والثقافية.

-    حرية الصحافة.

-    ضمان إحترام الأغلبية لحقوق الأقلية، وفي أولويتها: حقها في المعارضة؛ حيث يكون حق الأكثرية في الحكم مشروعاً ومتواصلاً على قدر اعترافها الفعلي بحق - الأقلية- الأصيل في ممارسة المعارضة بالأساليب والطرق المنصوص عليها قانونياً.

-    تكافؤ الفرص؛ حيث تتحاور العقول، تتعانق القلوب، تتسامح الضمائر، وتنتج وتبدع الأيدي والعقول، في بوتقة التعايش، بلاإكراه ولاتعسّف..

-    مناهضة البيروقراطية بشتى مظاهر فخفختها وأبهتها الجوفاء الزائفة.

ثم إن الديموقراطية تعني من قبل ومن بعد:

حضور العدالة الإجتماعية، التي طالما دمّر حجبها أقوى الإمبراطوريات ومنها ما لم تكن الشمس تغيب عنها! أجل؛ إن الحريّة بلاعدالة تسودها الفوضى، بل لاحريّة بلا خبزنا كفافنا أصلاً!

وهنا أعني نفراً من خالطي الأوراق(جهلاً أو تجاهلاً) هنا وهناك، يحشر عنوةً أيّ نقد (حتى البنّاء) لسلبيات مسيرتنا الديموقراطية، في خانة دسائس( الطابور الخامس) !

كان لابدّ من تسطير المديح السالف لمعشوقتنا (الديموقراطية) المنشودة قبيل تقديم لمحة خاطفة مونتيفية عن مشهدنا الثقافي الراهن، لاسيما تسليط الضوء على محنة المثقف في إطار المشهد الحياتي العام؛ ففي المشهد الثقافي الراهن:

   يهيمن الخطاب الإعلامي/ الدعائي على الخطاب الثقافي/ الإبداعي، رغم مضيّ أكثر من عامين على انتصار الإنتفاضة الربيعية العظمى، التي كان من المفروض أن تعقبها إنتفاضة ثقافية، بل ثورة ثقافية جذرية ترتكز على سياسة ثقافية قومية وديموقراطية راديكالية؛ بغية تنمية ثقافية مستقبلية الآفاق...لكن وا ثقافتاه وأسفاه؛ فمازال السائد هو:

-         التخلف

-    غياب الوحدة الثقافية

-    غياب الحوار الثقافي

-    غياب سلطة الثقافة

-    ديمومة الغزو الثقافي

-    تفاقم هجرة العقول وذوي الكفاءات

-    بطالة عشرات الألوف من خريجي الجامعات والمعاهد...

-    و..........

وكلها مشكلات ومعضلات خطيرة، لايجوز غض النظر عنها والإستهانة بها ...

فبدلاً عن نشدان الوحدة الثقافية القومية، تخطياً للحدود المصطنعة والغيتوات اللهجوية والإقليمية، أخذت إرهاصات (غيتوات الحزبنة) بالنشوء، والتي ربما ستفضي إلى الشيزوفرينيا الثقافية والإحتراب السياسي من بعد!

وبدلاً عن نشدان الهوية القومية الأصيلة؛ أمست أكثرية فقرات برامج قنواتنا التلفزيونية بؤرة متطوعة للغزو الثقافي الأجنبي وغير ذلك؛ ممّا يشكّل خطراً جدياً على مستقبلنا الثقافي.

ثم إن الإهدار الملحوظ في المال والجهد والوقت على الصعيد الإعلامي بالأخص ذو أثر ضئيل جداً في المنحى الثقافي/ الإبداعي، وهو أضأل من أن ينقذ مستقبلنا الثقافي...

ولذا فإن المسألة الثقافية تتطلّب من كل المعنيين والمختصين فتح حوار شامل وعميق، جاد وبنّاء للشروع العاجل بدراسة وبحث المشكلات والمعضلات السائدة( الآنية والمزمنة)، والتعجيل باختيار الحلول الناجعة لها قبل فوات الأوان بإقران الأقوال بالأفعال والشعارات بالأفعال الخلاّقة؛ فالأجدى(مثلاً) للأحزاب السياسية المناضلة، وهي ذات إمكانيات مادية هائلة تفتقر إليها حكومتنا (الرضيعة!) أن تبادر باستقدام المطابع، وتنسّق بعدها مع وزارتيّ الثقافة والتربية وسائر الإتحادات والجمعيات والمنظمات: الأدبية،الفنية، العلمية، الفكرية والمهنية(شبه المشلولة حالياً) بغية تفجير أعظم إنتفاضة ثقافية ممكنة...وعندها سيكون الحصان أمام العربة بالتأكيد.

   فحذار، إذنْ، من تفويت هذه الفرصة التاريخية الذهبية، التي قد لاتتكرر حتى قرن آخر! إن وضعنا الراهن معقد وإستثنائي على الصّعد كافة؛ وعليه يستوجب منّا حلولاً وأفعالاً إبداعية/ إستثنائية، لا بالأساليب التقليدية المتخلفة عن استيعاب هذه الإنعطافة التاريخية الحاسمة في حياة شعبنا التوّاق إلى مستقبله المشروع، وإن أيّ تذرّع ببقاء النظام الدكتاتوري لايعدو سوى التلويح بـ (قميص عثمان)!

 وهنا أيضاً حسبنا أن نستنهض همم الغيارى والمخلصين إزاء محنة المثقف الكردستاني، وما أدراك ما محنته!!!

   يقيناً إن أمتنا الكردية المعطاء لم ولن تفتقر، ذات يوم، إلى المبدعين شأنها شأن سواها من الأمم، لاسيما المجاورة، التي استفادت أيّما استفادة من مبدعينا المنسلخين قومياً! لكن مبدعينا الآن (مستضعفون) بكل معنى الكلمة، وينطبق عليهم ما قاله أحد المتصوفة:

" ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له: إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء!"

ففي وضع، يزداد الأغنياء(أثرياء السياسة والفرهود..) فيه غنىً والفقراء فقراً؛

مَنْ لايقاسِ ضائقة السكنى والزمهرير والقيظ،

منْ لايشترِ الدقيق بالكيلوغرامات، الكيروسين باللترات وأسمال اللنكَه،

منْ لايلسعه ولايلدغه يومياً أثرياء النهب والسلب والسوق السوداء،

منْ لايهرسه إكتظاظ الباصات المترنحة،

منْ لايشقَ ولايهدر جلّ وقته قلقاً في الصراع من أجل البقاء فحسب

 ...وهلمّ بنا جرّاً؛ لايمكنه أبداً أن يدرك ما يعانيه سواد هذا الشعب الأبيّ الحليم؛ فكيف يتحسس محنة المثقف الحقيقي النزيه، الذي نذر نفسه لقداسة الكلمة الحقة الصادقة المتجذرة في صلب الموقف المبدئي الراسخ، لا في الدينار والدولار والدعة والأضواء مثل (أثرياء الأقلام المتجحشة المخضرمين)؟!

   يا ترى هل يعرف اخوتنا الساسة المترفون المتخمون أن سوء التغذية يؤذي (الجملة العصبيّة) فيحدّ من قدرة الإنسان على إنجاز مايزيد عمّا هو ضروري لأجل البقاء؟!

ثمّ ألم يتناهَ إلى أسماعهم قول الزعيم الإنكَليزي الشهير تشرشل: " إن بريطانيا لمستعدّة للتنازل عن كلّ مستعمراتها، لكنها غيرمستعدّة للتنازل عن أدب شيكسبير"؟!

وهل يدركون أن الجوع الكافر يمكن أن يدفع الناس إلى أفظع الإنحرافات والأمراض : الأخلاقية، الأجتماعية والسياسية؟!

وهنا إذْ نذكر ماقاله شيخنا الجليل أبو الحيّان التوحيدي: " ...وأغرب الغرباء منْ صار غريباً في وطنه....!" ننحني إجلالاً لكلّ مبدع كردستاني مابرح يكابد ويجاهد لرفد المسيرة الثقافية بحمية الزهّاد واستماتتهم...وفي الوقت نفسه نجهر:

-    لايظننّ ولايتوهمن ذومال وجاه أن يوتوبيا أنانيّته ستظلّ مأمونة بمعزل عن مستقبل جماهيرنا المسحوقة ومصيرها؛ حيث ان شحّاذاً في وطنه لايضاهيه إمبراطور في المنفى!

أجل: إسمعوا معي الشاعر جون دُن(1572-1631):

" ليس الإنسان جزيرة قائمة بذاتها

  إنه قطعة من القارة، جزء من البرّ الأصلي

  والبحر ينقص من أوربا كلّها؛

 حين يجرف كومة من ترابها،

 أو نتوءاً من صخورها

 ولن يختلف الأمر

  ان يجرف مزرعة يمتلكها أصدقاؤك،

 أو تمتلكها أنت!

 إن موت أيّ إنسان يُنقصني أنا؛

لأنني داخل الجنس البشري؛

لذا لاترسل منْ يستطلع(لمنْ تُقرع الأجراس؟)

إنها تُقرع لك أنت" *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* (القافلة تقرع الأجراس) إفتتاحية العدد الثاني من مجلة(القافلة) الفصلية الصادرة عن وزارة ثقافة إقليم كردستان، في صيف1993ويتجلّى فيها جهيراً إستشراف الإحتراب الكردستاني البغيض قبل قرابة السنة! ولقد تعرّضت بسببها لمساءلة الشاعر الكبير شيركو بيكس، وزير الثقافة و(رئيس تحرير المجلة!) آنذاك، حيث إستعداه عليّ نفر من أعضاء برلمان الإقليم وفلول العفالقة! لكنه سرعان ما سبقني ، في خريف السنة نفسها، باستقالته؛ قبل أن يقيلوه من منصبه لأدائه الفاشل! أمّا أنا فقد تركت المجلة مستقيلاً من سكرتارية تحريرها، بعد صدور عددها المزدوج (3و4) خريف وشتاء1993 وهنا يحضرني ردّي على صديقي الشاعر بيكس: " أنا أديب ومثقف مستقل مستميت معتز جداً بمواقفي وآرائي، لست عرضحالجياً. لماذا لاتكتب أنت أو وكيلك من الحزب الحليف إفتتاحيات المجلة بالكردية لأترجمها ، فتنشروها؟  ثمّ أليس من الأفضل أن تصبغوا بالفيفتي- فيفتي صفحات المجلة باللونين الأخضر والأصفر؟!"

 

معضلات الثقافة الكردية

في محاضرة لجلال زنكَابادي*

 

   بتقديم الأديب المعروف حسن سليفاني، وضمن موسمه الثقافي الحالي؛ إستضاف (إتحاد الأدباء الكرد في دهوك) بالتسيق مع جريدة( بيمان) و(مديرية الثقافة الكردية في دهوك) إستضاف الأديب جلال زنكَابادي (محرر خبات الثقافي) لإلقاء محاضرته الموسومة بـ (معضلات الثقافة الكردية ودور المثقف...) في الساعة الرابعة والنصف من عصر يوم الأربعاء(12/10/1994) بحضور جمهرة طيبة من مثقفي مدينة دهوك وما جاورها...والذي إستلفت الأنظار، منذ الوهلة الأولى، ان المحاضر لم يستند إلى نص مدوّن لموضوعه، وإنّما إنطلق متحدثاً إلى الجمهور إعتماداً على ذاكرته المشفوعة ببضع قصاصات بمثابة (رؤوس أقلام) ولأهمية وخطورة الطروحات الواردة في محاضرته، حيث أورد آراء جريئة ورائدة، تتطلّب المزيد من النقاشات والسجالات المعمّقة؛ سنحاول إختزال المحاضرة( إستناداً إلى الشريط المسجّل) مركزين على القضايا الجوهرية فيها، تاركين التفاصيل الثانوية جانباً، مفضلين إستحضار خطابه باختزال، مع فسح المجال لضميريّ ( المتكلم والغائب) اللذين سيتيحان لنا ضبط المشهد المنشود:

"...أيها الحضور الكرام! ما يؤسفني هو انني سأتحدث إليكم بالعربية اضطراراً؛ لأنني لاأتقن التكلم بالكرمانجية الشمالية، التي حالت الظروف القاهرة بيني وبينها، ولم أتمكن تلافي قصوري هذا لحد الآن!

   سأتناول هنا معضلات ثقافتنا الكردية، التي تراكمت وتفاقمت منذ قرون، متداخلة ومتقاطعة في ما بينها آخذة أحياناً حالات الإرتباط  بين الأسباب والنتائج وتبادل الأدوار؛ لذا فإن التقديم والتأخير في تناول هذه المعضلة أو تلك لايعني شيئاً جوهرياً ذادلالة..ثمّ إن آرائي لن تكون الحكم الفصل فيها؛ فهي نابعة من محاولات استقرائية، أو بالأحرى من مقاربات اجتهادية قد تصيب أو تخطأ.... "

  وبعدها تناول المحاضر بصورة مركزة تعددية تعريف الثقافة والمثقف، وعرّج على دور الثقافة وأهميتها الإجتماعية ومنزلة المثقف لدى الشعوب والأمم، مؤكّداً ذلك بإيراد وذكر العديد من الأمثلة والشواهد، منها: كيف ان الأدباء والمفكرين مهّدوا الجو العام بشكل فعّال للثورة الفرنسية،

وموجة إنتحارات الشبان والشابات إثر نشر رواية (آلام فارتر) للأديب الألماني الكبير غوته، والتأثير الحاسم لرواية(كوخ العم توم) في التعبئة لإلغاء العبودية في الولايات المتحدة الأمريكية، وكيف استمات جنود سوفيات لإسترداد رواية (الأرض البكر حرثناها) لشولوخوف، كانت قد وقعت أسيرة بأيدي النازيين! ثم ضرب مثلاً معاصراً بهذا الصدد:

{...بضعة أدباء وفنانين مبدعين من أمريكا اللاتينية استطاعوا إيصال أصوات شعوبهم إلى أسماع البشرية في أرجاء المعمورة أفضل من مئات الأحزاب والمنظمات المختلفة، التي لم تستطع أن تجاريهم في ذلك ! ولذا لم يقل تشرشل اعتباطاً: "إن بريطانيا لمستعدة للتنازل عن كل مستعمراتها، لكنها غيرمستعدة للتنازل عن أدب شيكسبير"!}

 واستكمالاً لمكانة الثقافة والمثقف، تناول زنكَابادي أنماط المثقفين:

 " سأستهدي أساساً بتخريجات المناضل والمفكر الإيطالي الكبير كَرامشي في فرز أنماط المثقفين عندنا، وتجلّيات سلوكهم الثقا- إجتماعي، وقبل ذا ينبغي عليّ إيراد قول الفيلسوف سارتر: " إنّ المثقّف هو الشّاهد (...) على المجتمعات الممزّقة التي تنتجه؛ لأنّه بستبطن تمزّقها بالذات؛ فهو إذنْ ناتج تاريخي" :

1-  المثقف التقليدي- الذيلي، القائل(نعم) وهو ضالة الساسة المنشودة، والمهيمن دوماً!

2-  المثقف الإنتهازي- المتذبذب( الثعلبيّ)

3-  المثقف العضوي- الثوري ( النادر كالكبريت الأحمر) والمهمّش دوماً حتى لو كان منتظماً في حزب سياسي "

وبعد شرح مقتضب استوجبه الزمن المتاح للمحاضرة، طرح الأديب جلال زنكَابادي إجتهاده الداعي إلى نمط بديل؛ يحتاجه المنعطف التاريخي الراهن والمستقبل، ألا وهو ( المثقف المستقبلي) حسب تسميته:

{ هذا النمط المنشود هو (المثقف العضوي) نفسه، لكنه مطوّر بالإرتكاز على (النزعة الموسوعية) و (الإستقلالية عن الساسة)..إنه نمط جديد؛ تحتّم وجودَه الضرورتان المتواشجتان(التاريخية والمستقبلية) ولذا يمكننا نعته بـ (المثقف المستقبلي) وهنالك العديد من الأمثلة، التي يزخر بها تاريخ البشرية، لاسيما أولئك الذين سبقوا حتى عصورهم بعطاءاتهم الإبداعية الهائلة، التي حظيت بديمومة الخلود...ومن سماته البارزة: إنه ينطلق من منظور مستقبلي مبرمج وشبه حلمي، لاماضوي، وغير قدري؛ لكونه يدرك بعمق وشمولية رسالته الستراتيجية شبه الرسالية(النبويّة) ومن أهم مقاصده وطموحاته هو إرساء (سلطة الثقافة) والإبداع الأصيل، مقابل(سلطة السياسة)! ولابدّ أن يكون بالضرورة مواظباً مثابراً على الموسوعية المعرفية، ويلهج دوماً بـ " كمْ أجهل.......!" وليس بـ " كمْ أعرف!" مقتفياً خطى غوركي القائل: " تعلّم؛ ثمّ علّم الآخرين" أي يكون (كوجيتوه) :- " أنا أتعلّم باستمرار؛ إذنْ سأوجد " وإلاّ فإنه سيعجز عن مسايرة حركة التاريخ المتصاعدة، وفي هكذا منعطف شائك وخطير من تاريخنا القومي }  

 ثم إنتقل زنكَابادي إلى صلب موضوع محاضرته:

{ إن أبرز المعضلات، أي المشكلات التي تفاقمت بتراكمها التاريخي، وباتت عسيرة الحلول، وهي تسود الواقع الثقافي في سائر أجزاء كردستان، وتشكّل إرثاً هائلاً من المعطى التاريخي الإستثنائي والمعقد جداً، وهي متعددة ومتشابكة عويصة، لاتجدي معها الحلول التقليدية المألوفة؛ إذ هل يمكن علاج المصاب بالسرطان أو الايدز بأقراص ضد الصداع والإسهال؟!

سنحاول هنا تقديم مشهد مكثف للمعضلات المقصودة، ماهياتها، مفاهيمها، أسبابها وسبل حلولها:

* التخلف العام: يحضرني آخر تعريف للأمّي من منظور ياباني، وهو: " كلّ من لايجيد إستخدام الكومبيوتر"! أأقول: يا للهول! أم : يا لها من نكتة طريفة؟! فأغلبنا أمّيون حسب هذا التعريف! واضح جداً ان تطوّرنا الثقافي بطيء جداً، وتتباين المستويات الثقافية بين هذا الجزء من كردستان الكبرى وذاك، والتخلف العام السائد رهيب الحجم حتى في كردستان العراق؛ بالمقارنة مع مستويات الثقافات المجاورة: العربية والإيرانية والتركية..فتصوّروا الحال بالمقارنة مع أوربا! وتجاوزاً لكلّ الطروحات التبريرية التقليدية يحق لنا التساؤل:- ألا يمكن لأديب كردي ذي تجربة ثريّة وثقافة موسوعية أن يبدع أعمالاً تضاهي الإبداعات الافريقية والأمريكولاتينية، مثلاً؟ لمَ لا؟ إذا ما سلمنا بحقيقة جلية، هي ان العملية الإبداعية فردية وإستثنائية إلى حد بعيد، تتجاوز معطيات البيئة القائمة؛ وإلاّ لما كان يظهر أيّ مبدع كبير، ناهيكم عن العمالقة، في الظروف اللامواتية(السياسية بالأخص)، أي لما كان يظهر أيّ مبدع عملاق في أمريكا اللاتينية، افريقيا، آسيا، وحتى بلدان غير متقدمة في أوربا...وما أكثر الأمثلة: كازانتزاكي من اليونان، أمريتا بريتام من الهند، نادين كّوردميير من جنوب افريقيا، نايبول من ترينيداد، كونديرا من جيكوسلوفاكيا، واسماعيل كاداره من ألبانيا...ثمّ ألمْ يبدع دانتي العظيم كوميدياه الإلهية رهن الملاحقة والتشريد والنفي والجوع، وهو أسطع نموذج لأديب يساهم في توحيد أمته لغوياً وأدبياً، قبل توحّدها سياسياً ببضعة قرون؟! وربّما يعرف بعضكم أن غويته العيقري الموسوعي قد أبدع روائعه الأدبية والفكرية، في حين كانت ألمانيا مبعثرة على(36 مملكة وإمارة...)!

   لقد تماديت في ضرب الأمثلة؛ للتأكيد على كون(العلّة العظمى) فينا نحن الأدباء والفنانين والمفكرين الكرد، وعسى أن يتخلص أغلبنا من عقدة الشعور بالدونيّة! وهنا أرد بحسم على الذرائعيين التبريريين الكثر عندنا بتساؤلي الآتي :- ألاتتحسسون نهوضاً ثقافياً عارماً لدى إخوتنا كرد سوريا، المفتقرين إلى أيّ تمويل ودعم ماليين، ناهيكم عن افتقارهم إلى أيّ كيان سياسي حتى الأوتونومي(الحكم الذاتي)؟! فقد راحت أعمالهم الأدبية والفنية والبحثية خلال السنوات الأخيرة تتجاوز الكثير من نظيراتها في(كردستان المحررة) بل وتذكّرنا إستماتتهم الثقافية والإبداعية بقول مأثور لدى قبائل(زولو) الافريقية: " الأفضل أن تتقدّم وتموت من أن تتوقف وتموت"

*غياب الوحدة الثقافية: تفتقر الثقافة الكردية منذ نشوئها إلى الوحدة والتوحد، حيث يتشعب الغياب ويطغى كمعضلة مزمنة على شتى المناحي الثقافية (باستثناء الفولكلور نوعمّا) وأبرز تجلياتها هو الإفتقار إلى اللغة الأدبية والأبجدية الموحدتين. وهنا سنحاول تلخيص الأسباب المشخصة من قبل عدد من باحثينا الأفاضل أمثال: الدكاترة عزالدين مصطفى رسول، جمال نبز وفؤاد حمه خورشيد، مع إضافة اجتهادي المتواضع المتعلّق بـ ( الإنغلاق اللهجوي):

1- إفتقار الكرد منذ القدم إلى كيان قومي سياسي موحّد ومستقل، رغم قيام بضع دويلات وإمارات ذات حكم ذاتي هنا وهناك ضمن الدول الإسلامية المتعاقبة(العباسية، السلجوقية، الصفوية والعثمانية..) في حين ظلت كردستان بمثابة(المجال الحيوي) لدول الإحتلال: العربية، الفارسية والتركية.

2- إفتقار الكرد إلى كتاب ديني مقدس ذائع باللغة الكردية كـ (القرآن العربي السقف الحامي لوحدة اللغة الأدبية العربية منذ ظهور الإسلام...) بل تأخرت حتى ترجمة معاني القرآن وتفسيره باللغة الكردية، في حين كان المفروض إنجازهما منذ قرون. أمّا النصوص الكردية المقدسة لدى الإيزدية و طائفة أهل الحق( ومنها الكاكائية) فقد ظلت غنوصيّة غيتوية كأصحابها، أي غيررائجة وغير موحّدة للغة الكردية، مع فضلها في الذود عن كيانها من الإنقراض!

3- التأثير السلبي للتضاريس الجغرافية(الجبليّة خاصة) في المواصلات والإتصالات، حتى الماضي القريب، ومع ذلك لولا التضاريس الجبليّة الوعرة والفولكلور الكردي والإنتفاضات والثورات هنا وهناك؛ لكانت الأمة الكردية الكردية قد إنقرضت منذ بكرة أبيها!

4- إنعدام وسائل التواصل الحضاري- الجماهيري ، الإعلامية بالأخص، حتى الماضي القريب ، بالإضافة إلى تأخر ورود المطابع إلى أجزاء كردستان.

5- غياب وحدة الإقتصاد الكردستاني، بما فيه من قوى الإنتاج ووسائله وأسواقه، وعلائقه بالخارج.

6- (الإنغلاق اللهجوي) الذي لم يفطن إليه حتى أيّ باحث مختص كردي أو غيركردي لحد الآن، وهو في رأيي بأهمية السبيين(الأول والثاني) وبالطبع لم ينتبه إليه ولم يتخطاه الأدباء(خاصة الشعراء) الكرد القدامي، بل حتى المحدثون والمعاصرون( من الشعراء وحتى مصنّفي القواميس) فقد كان في مقدورأولئك القدامى أن يلعبوا أدواراً مهمة في لم شتات اللهجات الكردية (التي كانت أقرب إلى بعضها البعض ماضيئذ) مثلما فعل دانتي العظيم قبل قرون من توحد إيطاليا سياسياً.

  ولابدّ من الإعتراف بأني ماكنت أنتبه لهذا السبب المهم جداً؛ لو لم أتعلّم اللغة الأدبية الكردية، في العشرين من عمري كتلميذ شبه أجنبي! ولئن فوجئت بشتات لهجوي مريع في تراثنا الأدبي المبعثر؛ رحت أتقصّاه في جميع لهجاتنا الرئيسة والثانوية، فبانت لي حقيقة مؤلمة جداً، ألا وهي سيادة الغيتوات اللهجوية وغياب الحوار اللهجوي، فضلاً عن القطيعة المكانية والزمانية بين تراثات اللهجات، حيث كانت الأواصر بينها والمواظبة التواصلية واهية جداً، وطبعاً يقع اللوم على شعرائنا القدامى (المقصّرين) حتى المتميّزين منهم بشعوره ووعيه القوميين أمثال: احمد خاني، نالي وحاجي قادر كويي! أجل؛ فللأسف الشديد، ويا لها من مفارقة مريرة جداً، كانوا منغلقين لهجوياً، مستمرئين الإنغلاق اللهجوي والشتات اللهجوي ، في الوقت الذي كانوا منفتحين بكل ما في وسعهم على اللغات المجاورة: الفارسية، العربية والتركية، بل ويبدعون بها كأبنائها الأفذاذ! وللتأكد من هذه الحقيقة؛ ما عليكم إلاّ بالعودة إلى الأقسام : الفارسية والتركية والعربية في دواوين شعرائنا البارزين باللهجات: الكرمانجية الجنوبية(اللرية)، الهورامية،الكرمانجيية الشمالية والكرمانجية الوسطى( والسورانية تسميتها المتداولة بالخطأ) فضلاً عن التأثر بتراثات اللغات المجاورة في أشعارهم الكردية، وانعدام التواصل اللهجوي ، أي غياب التأثر والتأثير المنشودين بين تراثات لهجتاهم الكردية!

 رغم كل ماسبق؛ ينبغي ألاّ نتشاءم بخصوص إرساء إرهاصة اللغة الأدبية الموحدة؛ بشرط تلافي الحل التقليدي، الذي يقدّم (الوحدة السياسية) على (الوحدة الثقافية، بما فيها اللغة الموحّدة) وبالطبع يفاجيء هذا التفاؤل الكثيرين ممن لايتلمّسون توافر الركائز القوية المتجذرة في أرض الواقع، وإن ما أطرحه هنا ليس وليد نزوة عابرة؛ فقد تبلورت قناعتي وترسخت على مدى ربع قرن من استقراء هذه المعضلة الأساسية من معضلات ثقافتنا القومية، وبالمقاربة والمقارنة مع مثيلاتها لدى الشعوب والأمم الأخرى...

   إذا كان الكرد في أجزاء كردستان (الموزعة قهراً وجبراً على الدول الأربع) يطمحون إلى التوحد في كيان سياسي موحد، على المدى القريب أو البعيد، وهو طموح مشروع ضمن حق الشعوب في تقرير مصيرها( و هنالك الآن بضع دول مستقلة لاتزيد مساحة وعدد نفوس الواحدة منها عن محافظة كردستانية واحدة!) فعليهم أن يعدّوا (اللهجة الأدبية الكرمانجية الشمالية) أساساً لتكوين اللغة الأدبية الكردية الموحدة، طبعاً بتطعيمها جوهرياً بقواعد اللهجات الأخرى(الكرمانجية الوسطى بالأخص) مع السعي الجاد إلى التقريب بين قواعد شتى اللهجات الكردية، إستناداً إلى العوامل والقواسم المشتركة المتواجدة بينها، أمّا الدمج المعجمي بينها فهو يسير جداً؛ فلابدّ من أن يحتضن القاموس الكردي الجامع كل مفردة كردية (أصيلة تسدّ ثغرة تعبيرية هنا وهناك) من أقصى اللهجة الجنوبية(اللرية بتشعباتها..) حتى أقصى لهجة كرد خراسان، مروراً باللهجتين المتقاربتين(الهورامية ذات التسميات المتعددة) و(الزازاكية/ الدملية)

  وبالطبع تظل لهجاتنا متداولة في التخاطب وحتى التدوين؛ شأنها شأن لهجات جميع الشعوب والأمم ذات اللغات الأدبية الموحّدة، ومنها أكثرها تطوراً وتقدماً...أمّا تعليل المفاضلة باختيار اللهجة الأدبية الكرمانجية الشمالية كحاضنة للغة الكردية الأدبية الموحدة ( مع قناعتي بتفوّق قواعد الكرمانجية الوسطى على قواعدها عموماً) فأوجزه كما يلي:

-    يتحدث بها أكثر من ثلثيّ الكرد في العالم، وتسود أكثر من ثلثي مساحة كردستان(المناهزة لنصف مليون كيلومتر مربع) وفي جميع أجزائها.

-    تضم تراثاً أدبياً عريقاً كبيراً، لم تنقطع ديمومته وصيرورته منذ خمسة قرون.

-    حل مشكلة التدوين؛ باختيار الأبجدية اللاتينية(المعدّلة) منذ أكثر من ستة عقود، وهي بالمقارنة مع الأبجديتين (العربية المعدّلة) و(الكيريلية، المسمّاة بالسلافية والروسية) تتفوّق في: إستيعابها الملائم للألفاظ الكردية بلا مشكلات تدوينية وقرائية؛ حيث تُكتب كما تُلفظ، وبالعكس/ سهولة تعلّم القراءة والكتابة بها؛ بالمقارنة مع الأبجديتين الأخريين، أي الإقتصاد في الوقت والجهد/ الإقتصاد في المساحة التدوينية، بالمقارنة مع الأبجديّة العربية المعدّلة، فلو دوّنا نصّاً كردياً ما بالأبجديتين (العربية واللاتينية) بنفس حجم فونت ما(12مثلاً) وطول السطر؛ لوجدنا مساحة التدوين اللاتيني أقل من التدوين العربي)/ تيسّر الأبجدية اللاتينية التواصل الثقافي(خاصة) بين الكرد وبين أكثر أرجاء العالم، كما تيسّر تعلّم الكرد للغات ذات أبجديات لاتينية، مثلما تيسّر تعلّم اللغة الكردية لأبناء تلك اللغات؛ فلاعجب ولاغرابة إذنْ؛ إن اختارت دولة آذربايجان ودول آسيا الوسطى (ماعدا تاجيكستان): تركمانستان، أوزبكستان، كازاخستان وقرغيزيا ....ناهيكم عن كرد الإتحاد السوفياتي البائد، إختارت الأبجدية اللاتينية بديلة للأبجدية الكيريلية، مع دوام التعايش فيما بينها، أمّا تاجيكستان فقد عادت إلى الأبجدية الفارسية(العربية المعدلة) مع دوام التعايش مع الأبجدية الكيريلية، التي لايمكن الإستغناء عنها؛ نظراً للعلائق الوطيدة مع الدولة الروسية وغيرها...

إن ما ذكرته بخصوص الأبجديات جملة حقائق علمية، ولايعني القطيعة الكاملة والنهائية مع اللغة العربية الحبيبة وحروفها الأجمل من أكثر حروف أبجديات الدنيا؛ فلابد لدوام التواصل والتعايش...وهنا لابد من الإشارة إلى وجود دعاة استبدال الأبجدية اللاتينية بالألفباء العربية  حتى بين العرب أنفسهم ( في لبنان مثلاً)...ثم لايجوز لأديب قومي ديموقراطي مثلي إتخاذ موقف أغلب الساسة والمثقفين الكرد، الحريصين على تعليق خارطة كردستان الكبرى، بينما يفكرون ويتصرفون بعقلية متخلفة وقاصرة( مشيخية وإماراتية)!

*الحوار الثقافي: حتى(الكردي- الكردي) ضعفه جليّ لكل ذي بصر وبصيرة! أمّا الحوار(الكردي- ؟!) ألم يشخص البارزاني الخالد بحرقة ومرارة أهم سبب من أسباب غيابه، ذات يوم من أيام  1974 : " إن النفط اللعين يحول دون وصول صوتنا إلى العالم!" ؟

  لقد إستشهدت بقول الزعيم البارزاني؛ لأن الحوارين الثقافي والساسي متلازمان. ولئن كانت كردستان وماتزال ضحية وفريسة للمآرب الجيوبوليتيكة الاقليمية والعالمية؛ فمن الواضح جداً أن حوارنا الخارجي مرهون دوماً بالمصالح والأوضاع الاقليمية والعالمية، وغالباًما يطغى عليه الغياب، بل يكون(طرشانياً) حتى لو وجد! إنْ لم يكن بصيغة فرامين من الطرف الآخر! ثم الأتعس والأنكى من ذلك هو غياب حوارنا الداخلي الصميمي الحميمي حتى داخل هذا الجزء أو ذاك من كردستان الممزقة؛ مادام قادتنا الساسة المنقذون يستهويهم حوار الإحتراب بمدافع الـ (106ملم) والمدفع (النمساوي)!

  ولأن الحوار يمثل السبب والنتجية في الوحدة الثقافية، وفي الوقت نفسه؛ فيجب علينا أن نضم صوتنا إلى صوت أستاذنا محمد بوز أرسلان، الذي إقترح عام 1995 عاماً دولياً للإحتفاء بشاعرنا القومي الكبير احمد خاني، الذي نادى بوحدة الكرد قبل أكثر من ثلاثة قرون! عسى ولعل أن يجد هذا المقترح الآذان الصاغية من لدن أولي الأمر وصناع القرار...               

*الغزو الثقافي: لطالما رافق الإحتلالات المتعاقبة لكردستان، التي تعرضت منذ قرون مديدة للتعريب والتتريك والتفريس..ومازال متواصلاً مستهدفاً هويتنا القومية بالتشويه والمحو...وها هي (الأحزاب الكردستانية) في كردستان المحررة تساهم عبر قنواتها التلفزيونية خاصة في تسريب هذا الغزو بصورة مشينة ومخجلة من حيث تدري أو لاتدري؛ للأسف الشديد، فما أكثر الشواهد والأمثلة من أفلام الرعب والجنس والعنف والجريمة والجاسوسية، التي تبثها القنوات المذكورة، والتي أمست تحرّف أخلاق الشبيبة الكردستانية...وإلاّ أين هي ثقافتنا القومية الأصيلة في هذه القنوات المروجة للغزو الثقافي؟ يا ترى هل تتجسّد في نهيق وزعيق المطربات التركيات (اللواتي أغلبهن خنثاوات)؟!

* سلطة الثقافة: وهي تعني سلطة الحكمة والعقول المبدعة والديموقراطية، وتقوم أصلاً على التسيير الذاتي، دونما وصايات قسرية، وهي تعني فعلاً(السلطة الرابعة) التي يكون لها التأثير الحاسم على صنّاع القرارات: السياسية، الإقتصادية والإجتماعية...والبرمجة والتنمية...ولكن أين دور هذه التنظيرات الحلوة الزاهية في وضعنا الذي تسوده العشوائية؟!

إن الفهم السياسي الضحل والمبتذل هو المتسلّط كسيف ديموقليس على رقبة ثقافتنا ومبدعينا، حيث يخال الساسة الواهمون بأن الدعاية هي الإعلام كله، ومثل هذا الإعلام هو الثقافة كلها؛ فتجدهم يفرضون الجزء على الكل بوصاية بطريركية مقرفة مسنودة ببهلوانية بروكروست! وتكمن هنا علّة الإهدار الهائل في الطاقات والجهود والأوقات الذهبية، في حين يطغى الخطاب الدعائي- الإعلامي الممزق، الذي يدبجه المثقفون الذيليون والإنتهازيون المتكسبون؛ فكيف يتبوّأ الكادر المناسب، المكان المناسب؟! وكيف لاتنشلّ الإتحادات، المنظمات والجمعيات الأدبية والفنية والعلمية والمهنية؟! يا ترى متى سيدرك قادتنا لسياسيون أن التابعين الأذلاء والدخلاء والأدعياء المرائين لايمكن أبداً أن يكونوا مبدعين جريئين، بل ويشكلون أشد الأخطار على ثقافتنا وقضيتنا القوميتين المتلازمتين؟!

وهنا يجب أن نرفع أصواتنا مجهرين:- دعوا شؤون الثقافة والإبداع لأهلها، لا للعفلقزادات المخضرمين والمنتحلين و(لصوص الطباعة) المهيمنين على الأجهزة والمؤسسات والمرافق الثقافية الحكومية والحزبية!

 لقد صدّق المناضل والمفكر باولو فرايري: " إمّا أن يخدم العمل الثقافي أهداف السيطرة، وإمّا أن يخدم أهداف التحرير"

* هجرة العقول والكفاءات: وهي آفة عريقة ومزمنة ابتلت بها الأمة الكردية، ويمكننا درج قوائم طويلة بأسما الأعلام المشاهير(من الأرومة الكردية) الذين إنسلخوا قومياً، وخدموا القوميات المجاورة؛ لأسباب ذاتية وموضوعية، لامجال للتفصيل فيها. وها هي الهجرة تتفاقم عقب الإنتفاضة بسبب الوضع المزري ، ثم اندلاع الإحتراب البغيض، فنرى هجرة الشبيبة وقد أضحت ظاهرة خطيرة جداً ؛ وطبعاً يقع اللوم على عاتق الأحزاب الكبيرة والصغيرة وحكومة الاقليم، وخاصة وزارتي التربية والتعليم العالي والثقافة...؛ فكم من مثقف أغتيل هنا وهناك! وكم من مثقف أهينت كرامته! وكم من مثقف إنهار من الجوع! في حين يسأم أكثر الساسة من التخمة والخواء!

  من المؤكّد ان أصل البلاء هو افتقارنا إلى قادة مثقفين يدركون افتقارنا إلى سياسة ثقافية قومية تحررية وديموقراطية؛ هو ما يعلل كل هذه الفوضى واللامبالاة البليدة!

وختاماً أقول: - لقد أصاب أمانوئيل بوشباداس كبد الحقيقة حين قال: " لعلّ بناء مجتمع إنساني سليم؛ هو الهدف لكلّ تنمية ثقافية" وعليه يمكن الجزم، و بمعاينة واقعنا بعد الإنتفاضة، أن الإستقلالين( الثقافي والإقتصادي) هما جذر وساق الإستقلال السياسي، وليس العكس قطعاً.

وشكراً جزيلاً لصبركم على الإصغاء إلى استرسالي واستطرادي المتشعّبين }

   وبعد الإنتهاء من إلقاء المحاضرة، إنبرى الأساتذة الأفاضل: محمد أمين عثمان، أنور محمد طاهر، رشيد فندي وعارف حيتو مستكملين ومثرين طروحات المحاضربعد الإشادة بأهميتها...وقد إستغرقت المحاضرة والمداخلات والمناقشات زهاء الساعتين. وفي الختام سلّم الأديب جلال زنكَابادي الديوان المخطوط للشاعر الدكتور مسعود كتاني آميدي إلى صهره، والذي كان قد أنقذه من التلف والضياع مع (25 كتاباً مخطوطاً آخر) في معمعة الإنتفاضة الشعبية العارمة في آذار 1991 حيث وجدها عرضة للتلف والضياع خلال فرهود مبنى الأمانة العامة للثقافة والشباب بأربيل!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

·   جريدة (خه بات) ع(747) الجمعة 21/10/1994

جلال زنكَابادي في محاضرة( معضلات الثقافة الكردية)، وهي منقحة بصورة طفيفة بزيادة بعض التفاصيل الملقاة فيها؛ حسب ما تستوجبها ضرورة الإفهام...وهي تعد موجزاً لابأس به لطروحات مشروعي الثقافي Peyamy ayinde  ) رسالة المستقبل) المنجز في صيف1991 (ج. ز)

 

 

 

الحوار الثقافي ضرورة،

 ولكن!

 

" النّفط اللعين يحول دون وصول صوتنا إلى العالم"

الزعيم الخالد مصطفى البارزاني

 

   منذ أواخر القرن التاسع عشر و( مجانين النفط) يناورون ويساومون على حساب الأمّة الكرديّة وكردستان؛ وراح النفط  يقرّر مصير كردستان سياسيّاً (حسب استقصاء المفكّر جرجيس فتح الله) حتى استحال (الذهب الأسود) السبب الأول لإستعباد شعبناً ومبعثاً لمآسيه الكبيرة المتمادية حدّ الجينوسايد؛ فلاعجب إن عانينا نحن الكُرد (كشعب مستضعف مقهور) ومانزال من وطأة(الغيتو)المفروض علينا خارجياً وداخلياً، منذ أكثر من قرن؛ بشتّى الطرق والأساليب الستراتيجية والتكتيكية ( المكشوفة والمقنّعًة) رغم أن كوكبنا صار بعد التطورات الهائلة لوسائل المواصلات والإتصالات قرية صغيرة؛ بحيث راحت المنجزات الثقافية تتنقّل على هواها عبر كل جهات المعمورة بلا جوازات سفر وتأشيرات دخول؛ بفضل الإنترنيت خاصة؛ فغدت شعوب العالم تدرك حقيقة ترابط مصائرها رهن دائرة المصير المشترك للبشرية جمعاء؛ وعليه فقد إنبثقت أهمية التبادل الثقافي، بما فيه التعاون،الذي عدّه المفكر الفرنسي لويس دوللو بمثابة " الثورة الثقافية الثالثة" مابعد الثورتين: الأولى(العلمية) والثانية (ظهور الأساليب الجديدة في الإنتاج الثقافي والنشر) حيث لم تعد كنوز الحضارة وملذات العقل وقفاً على النخبة، وإنما مشاعة للجماهير الغفيرة إلى حد كبير، لكنما الغيتو اللعين مازال يحرمنا من الحوار الثقافي المتكافيء،الذي يعد ضرورة مابعدها ضرورة؛ بغية إسقاط حاجز الغرابة السميك بيننا وبين الآخرين، كيما تقوم بيننا علائق وأواصر على أساس الفهم المشترك،الذي ينجم عنه التعايش الأخوي- السلمي في نهاية المطاف.ومع ذلك يظل لسان حالنا يلهج دوماً بـ (نعم) و(مرحباً) للحوار المتكافيء،الصميمي والحميمي،الذي يقرب وجهات نظر المثقفين بالأخص، ويوحدهم كطليعة؛ حتى يمكنهم تعبئة سواد البشر كمجاميع ضاغطة،للتأثير الإيجابي في مراكز القرار(السياسي بالأخص) بهدف الحد من المظالم والفجائع التي تتعرض لها شعوب المنطقة، بل سائر البشرية،التي يتهددها خطر الإبادة الشاملة؛ بأسلحة الدمار الشامل، تلوث البيئة، تلف طبقة الأوزون، شيوع المخدرات، الجريمة المنظمة، الأمراض الفتاكة كالسرطان والآيدز،الإستخدامات الشريرة للعلوم والتكنولوجيا كالهندسة الوراثية، وآفة الإرهاب الشوفيني والديني والطائفي من قبل ومن بعد...

   أجل؛ فالحوار الثقافي ينشد التفاهم، التسامح، إحلال السلام العادل، وإقرار العدالة الإجتماعية،التي تدعو إليها أكثرية مباديء الديانات والعقائد الإنسانية،بما فيها السياسية، ثم ماأكثر الدعوات إليه؛ لعل من أصدقها وأشملها هي (من أجل حوار بين الحضارات) للفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي،الذي شخص فيه بعمق ماهية الحوارالحقيقي الذي " يطلب من كل واحد إهتداءً عميقاً، داخل ثقافته الخاصة" بالتواشج مع "الإنفتاح على الآخر" حتى " يمكن أن يجري إخصاب متبادل" بشرط "أن يكون كل طرف مقتنعاً بأن ثمة شيئاً يتعلمه من الطرف الآخر" وهو الأمر الذي يفترض، قبل كل شيء، التواضع الفكري وتجنب النظرة الإستعلائية للآخر المختلف والمغاير- والناشئة أصلاً من صلب الآيديولوجيات العنصرية- مادام التعايش السلمي، في خاتمة المطاف، هو الأمل المنشود للبشرية قاطبة، والذي طالما دعا ويدعو دعاة كثيرون هنا وهناك في عصرنا، ومنهم المفكر الأمريكي سي رايت ميلر،في كتابه المهم (أسباب الحرب العالمية الثالثة) خصوصاً وأنه يخاطب المثقفين كافة، بما فيهم معشر الأدباء،الفنانين،المفكرين،العلماء،الروحانيين،الفقهاء ووزراء الثقافة، متسائلاً: "ماذا يجب أن نعمل؟"

  إن الحوار الحقيقيّ المنشود ينبع أصلاً من الإيمان العميق بتعدّدية الأصالات الثقافية ووحدتها، إنطلاقاً من كون التعدّدية هي الوجه الآخر للوحدة القائمة على الموازنة الرزينة؛ ولذا لابدّ أن يقوم على التكافؤ والندّيّة ويسوده الإعتراف والإحترام المتبادلان اللذان يفضيان إلى التضامن والتعاون. وهذا يعني أنه الغوث المعين لنا نحن الكرد لنبدّد من حواليّ ماهيّتنا الحقيقيّة ضبابَ التوجّس والغرابة بسبب جهل أو تجاهل الآخرين! لعلّنا نحطّم ونتخطّى الكثير من العراقيل والحواجز، متوخّين؛ إرتكازاً على إيماننا الراسخ بالتآخي بين سائر الشعوب والأمم : التفاهم ، التسامح، تعميق الإدراك بالإرتباط المصيري وتوثيق عُرى التضامن والصداقة؛ فهل يخفى على أحد سوى الشوفيني المتعصّب ماينجم عن هكذا حوار من ثراء معرفي هائل يحمي ديمومة الحضارة البشرية، ويسرّع بزخمه صيرورتها نحو الأفضل، ويساهم في إستشراف آفاق مصير النوع البشري، فضلاً عن انه ، بطبيعته الإحتكاكيّة؛ يفجّر الطاقات الإبداعيّة، ويرفدها بنُسغ النموّ والإزدهار من قبل ومن بعد؟! لقد بات من المحال أن تنمو الثقافة الكردية وتزدهر في غيتو التخلّف.

  والجدير بالإضافة هنا أن حقّنا (نحن الكرد) بالثقافة وإستقلاليّتنا في التبادل الثقافي، إنّما هو من حقوقنا المشروعة بمفهومها الفردي والقومي؛ إستناداً إلى (الإعلان العام لحقوق الإنسان)، ها نحن شعب شديد الإفتقار إلى الحوار الثقافي وعقد العلاقات الثقافية، ثمّ تنميتها على الأسس الوطيدة ( كأرضيّة وإطار للحوار) بحيث تتناسب مع غنى التراثات والمعطيات الثقافية لدى الشعوب والأمم الأخرى. ثمّ إن الحوار والتعاون المتلازمين والمتكافئين لايعنيان التسوّل ولا الإستحواذ، وإنّما يعنيان التضامن والإغناء المتبادل ثقافيّاً وحضاريّاً. ومن هذا المنظور؛ فإن الحوار الثقافي بطبيعته الديمقراطية نابذ ورافض وثائر على إستبدادية معادلات البعد الواحد والبطريركيّة بكل أشكالها: الأستاذ – التلميذ/ الحاكم – المحكوم/ القائد – المُقاد/ السيّد – المسود/ التابع – المتبوع/ الفاعل – المنفعل/ المانح – الآخذ..... ومن ثمّ يعني كلّ هذا تسييد سلطة الثقافة على ثقافة السلطة.

   ولكن مع كل ماأسلفناه، نرى الكثيرين من دعاة الحوار الثقافي مع الكرد يفتقرون أصلاً إلى شروط الحوار المتكافيء؛لأنهم بدءاً يمارسونه بطريركية إستعلائية، تلقينية، تدجينية وتطويعية قاهرة؛ كما لو أن طروحاتهم مسلّمات نازلة من السماء، في عصرنا الذي لم يبق فيه أقدس المقدسات فالتاً من المناقشة حتى الإنتقاد والمساءلة.  أما الآخرون في نظرهم فليسوا سوى تلاميذ سذج ومتخلفين أكثر من قرن أو قرنين...!وهذا هو(اللاحوار) بعينه؛ لأنّه "يخدم الغزو الثقافي أهداف الإستغلال،التي تخدم بدورها أهداف القهر والتسلط" على حدّ تعبير المفكر،المناضل البرازيلي باولو فرايري في كتابه المهم (تعليم المقهورين) *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* فصل من مشروعي الثقافي ( Peyamy ayinde / رسالة المستقبل) المنجز في صيف1991 بعد تزييده وتنقيحه.

 

 

 

 

 

عصرنة التراث؛

 تأصيلاً  للحداثة

 

        ماالتراث إن لم يكن مجمل الخبرات الثقا-حضارية،التي راكمتها الأجيال السالفة، والتي تجسد روح الأمّة المتوارثة عبر العصور؟وهل ثمة حياة دونما روح أو جسد؟!

لكي نبدع بحق وحقيقة؛ لابدّ من العودة إلى ينابيع الأصالة والإغتراف منها... أجل ينبغي أن نفيد بكلّ رويّة ممّا تركه أسلافنا من تراث غزير، لم يلملم ولم يسبرغوره بعد ؛اٍذا ما صبونا اٍلى تحقيق المعاصرة الحقيقية؛ لـ "أن روح التقدّم يحمي التراث من التحجّر، واحترام التراث يحمي التقدّم من المجازفة" كما يقول المفكر الفرنسي ميشال بريزان.

       فلاريب إذن في صواب هذه المعادلة المتوازنة مابين التراث والمعاصرة،لكنّما ينبغي الإنتباه إلى الإشكاليّة الآتية:ألا وهي من أجل تفادي أيّما خلل أو إختلال في المعادلة السابقة؛لابدّ من نبذ التمجيد العشوائي اوالمطلق للماضي بكلّيته،والذي غالباً ما ينبع من الميل الشوفيني الأعمى اوالنرجسي لدى البعض - وما أقلّهم بين الكرد!- ان النبذ المرجو هذا يعني بالضرورة،الموقف العلمي الموضوعي،الذي ينطوي على الروح التقدمية، في اٍستيعاب تراث ماضينا التليد،والمقصود به إحياء كل ماهوغال ونفيس فيه، وتمثّله من ثمّ، في ثقافتنا الكردية المعاصرة...

       ولئن إنطوى تراثنا الثقا- حضاري، شأنه شأن تراثات شعوب المعمورة،على السمين والغث،الإيجابي والسلبي،حتى الخالد والزائل- ناهيكم عن مجمل تاريخنا- فإنه يتطلب منّا قراءة تشريحية شاملة ومعمّقة،في ضوء المناهج العلمية الحديثة؛ بحيث تحقق إعادة-النظر- المنشودة، في تقويمه وتقييمه؛ مادام موئل إنطلاقتنا الجديدة وجذرها التاريخي الراسخ....وهكذا كلّما سقينا الجذور؛ بدت الأغصان،الأوراق، والثمار أكثر رواءاً ونضارةً. وهذا يعني بوضوح،أن الأغصان لا تترامى،الأوراق لا تخضر، والثمار لا تينع من دون جذور سليمة وغائرة في الثرى...

       ونحن الكرد لفي أمسّ الحاجة إلى استقراء السّمات الثورية في تراثنا العريق؛ لإقامة التحالف الإستراتيجي البنّاء بين قوى التراث الحيّة وقوى التقدم الناهضة؛بحيث تتواشج أواصرالأصالة والحداثة معاً في كينونة الإبداع الجديد،عبر جميع الأنشطة الرّامية إلى خلق قيم ثقافية جديدة... وعندها لانتقوقع داخل الأنماط المتحجّرة لصالح قوى التخلف والرجعية، ولا ننقطع عن تراثنا الأصيل الحيّ لصالح الكوزموبوليتية الإحتوائيّة والمصهّرة.

إن ما ننشده، يتمثّل في الإنطلاق من مداميك تراثنا التقدمي الحي،صوب الحداثة المؤ صّلة ذات الهوية القومية -الإنسانية؛بحيث ستنحل أيضاً ضمن التفاعل هذا مشكلة العلاقة بالذات،والصراع التناحري السائد بين مختلف الأجيال،أي سيسود التعايش الإبداعي،القائم على الحوار الثقافي تبعاً لقانون "نفي النفي" الديالكتيكي، ولن تبقى من ثمّ بطريركيّة قمعيّة، ولا ضلالة صبيانيّة.

      وهنا يطالعنا السؤال الآتي :هل من إبداع بلا حرية؟ لربّما يكون هنا وهنالك مثل هذا الإبداع ؛إنّما كإستثناء طبعاً؛ لأن المجال الحيوي للإبداع الحقيقي يعني "عملية النشاط الإنساني،التي تكسر القواعد المألوفة وجميع الكليشيهات المبتذلة التافهة والقوالب المتحجرة، وهي العملية التي تولّد نماذج جديدة،لم تعرف بعد .."حسب إستقصاء ليفي كَوكَان.

      لربّ سائل يسأل :- أيّ تراث ثقافي عندنا نحن الكُرد؟! وهو سؤال وجيه، لكن جوابه  لن يكون إلاّ مقتضباً جدّاً بطبيعة الفسحة المتاحة...

      إن تراثنا الثقا- حضاري لغزير جداً، وهوينطوي على روح المقاومة والصمود ضد شتى الممارسات الغيريّة الشوفينية الرامية إلى تشويه هويتنا القومية؛ بغية إحتواء شعبنا وتذويبه، بل حتّى إبادته؛ للإستحواذ من ثمّ على موارد كردستان قاطبة...فثمّة فولكلورنا الزاخر بالشعرالغنائي وملاحم البطولة والعشق والحكايات الشعبية وكذلك تراث شعرائنا الكبارأمثال : بابا طاهر الهمداني،ملا بريشان، الملاّ الجزيري، احمد خاني، خاناي قبادي، مولوي، نالي ، جعفر قلي زنكلي، حاجي قادر،شيخ رضا،ومحوي...وهنالك التراث الفني الميدي واللرستاني،ومنمنمات (مم وزين) وغيرها، وهنالك التراث الديني والأدبي والفني للطوائف الدينية كالإيزدية وأهل الحق ... فضلاً عن الميثولوجيا، ومكتشفات التنقيبات الاركيولوجية، ومجمل الموروثات الشعبية المتعلّقة بالعادات والتقاليد والأعراف الإجتماعية، والفنون الحرفية، والتراث المعماري والموسيقي والدبكات والرقصات والألعاب الشعبية والأحاجي...وجلّ ذلك مازال مهملاً يتهدده خطر الإندثار والضياع! بل وأن الكثير من تراث شعبنا الكردي وبسبب رزوحه تحت نير المستعمرين مابرح الأغيارغزاة كردستان وثقافتها وحضارتها يسلبونه، يختلسونه، ويشوّهونه في أبسط الأحوال! والكُرد في عمائهم واحتراباتهم ساهون...! ألمْ يحرق الأتاتوركيون الفاشست أكثر من (30000 كتاب ومخطوط كردي) ثمّ ألمْ يمنع العفالقة مئات الكتب الكرديّة، على سبيل المثال، لا الحصر؟!

      وهنا لايمكننا بالطبع نكران إفتقارنا الى التراث الروائي، النقديي، والترجمي، وهومظهر من مظاهر تخلفنا الثقافي طبعاً.

     يقيناً لم ينبثق ذات يوم أيّ إبداع من العدم أو الفراغ قطعاً، وربما ثمة مؤمنون بالقطيعة المعرفية؛ يحسبون رأينا مجرّد خطل أو قابلاً للنقاش، لكننا نرفض أصلاً وبصورة مبدئية جميع طروحات القطيعة المطلقة، في التواصل مع الماضي برمته، بل وتلك الداعية إلى نفيه القاطع،مهما تلبس أصحابها بلبوس الإخلاص لمصلحتنا القومية،وتبهرجوا بالشعارات البرّاقة والمانيفستوات الطنّانة الجوفاء، وجلهم من المتثاقفين المنتحلين للطروحات ألاوربية..! وهم يجهلون أو يتجاهلون أن القطيعة المعرفية الحقيقية الخلاّقة تتحقق بعد إستيعاب التراث وتمثّله،ومن ثمّ تجاوزه وفقاً لقانونيّ (النفي) و(نفي النفي)... كما نرفض في الوقت نفسه أيّ إنحياز وولاء مطلقين للماضي برمته، وإنّما ندعو إلى إعادة النظر الجذريّة في كلّ ماهو موروث وقائم،ولايجوز بتاتاً أن نلغي الذاكرة القومية وتاريخ شعبنا الأبي، رغم إيماننا الراسخ أن في التجديد الإبداعي، وعلى الدوام نوعاً من القفزات النوعية إلى الأمام، والقائمة أصلاً على كلا القانونين الجدليين (النفي) و(نفي النفي) ولايمكنها أن تلغي (الذاكرة والتاريخ) أي الماضي كلّيّاً.

   وعليه فإن عصرنة التراث بوعي هي تأصيل للحداثة؛ فلاخوف على تراثنا القوميّ الحي من العصرنة؛ مادامت الحداثة الحقيقية تستلهم أصالة شعبنا الروحية إنّما "القمامة هي التي تنجرف حين تعصف بها الرياح.!"- وهي هنا رياح التغييراللامفرّ منها- كما علّمنا شيخنا الجليل المبدع جلال الدين مولوي الرومي. *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* فصل من مشروعي الثقافي Peyamy ayinde ) رسالة المستقبل) المنجز في صيف1991

 

 

 

..ولذا ولدت مجلة (كَرمسير)*

 

  يقيناً، ليس لمجرد إضافة رقم جديد إلى قائمة أسماء الصحف والمجلات الكثيرة، الصادرة في كردستان المحررة؛ ولدت مجلتنا هذه؛ إنّما لتضيف شيئاً نوعياً جديداً...أجل؛ فقد ولدت من أجل الذود عن الهوية الكردستانية الأصيلة لمنطقة كَرمسير الفيلية (لرستان الغربية) التي ماانفكّت تتعرض على مدى التاريخ لرياح الغزو والقمع والتمسيخ، مثلما تعرض أبناؤها الطيبون لشتى صنوف الإستلابات المركبة : القومية، الطبقية والطائفية، وخصوصاً تحت وطأة كابوس النظام العفلقي الشوفيني الفاشي، حيث ذاقوا الأمرّين ومازالوا داخل الوطن والشتات...

  ومن أجل فتح الحوار المتكافيء الجاد : (الكردي- الكردي) أولاً، (الكردي- العربي) ثانياً، و(الكردي- الخارجي ثالثاً...حيث تتوخى الإبانة عن حجم حقائقنا الملموسة في مختلف الميادين الثقافية والإجتماعية؛ بُغية بلوغ تفاهم مشترك يمكن تكريسه لتعزيز مسيرة المصير المشترك؛ في سبيل صياغة مستقبل يخلو من الإستلابات كافة. ونحن نطمح، طبعاً وقبل كلّ شيء، إلى استقطاب المزيد من الأقلام الكَرمسيرية المبعثرة هنا وهناك، وما أثراها! فهي القادرة بالتأكيد على لم شمل أبناء المنطقة، على أساس قومي سليم؛ لتعزيز أواصر مؤاخاتنا التوحيدية مع أبناء شعبنا الكردي في سائر أجزاء كردستان والمهاجر والمنافي...فإن كان هنالك من ينكر علينا الحقائق الجلية لإنفتاحنا الديموقراطي: الفكري ، تسامحنا القومي والديني والطائفي، إخلاصنا الإجتماعي وكفاحنا السياسي؛ فحريّ به أن يدرس واقعنا بكل معطياته التاريخية والراهنة؛ وبعدها سيقف فعلاً إزاء مدى إسهاماتنا (الثقافية والسياسية والإجتماعية) المشهودة، بل وعلى حجم تضحياتنا الجسيمة على مذبح الحرية كردستانياً وعراقياً...أجل؛ أوَلَمْ تكن كَرمسير بموقعها الستراتيجي الخطير ومواردها الطبيعية الهائلة محط أطماع الأغيار طوال التاريخ، بل كانت مستهدفة بشتى المخططات الشوفينية الدنيئة؟ ثمّ ألمْ تكن كَرمسير منذ غابر القرون وحتى الآن تمثّل الخندق الكردستاني الأمامي في المجابهة والمقاومة ضد أعتى أنظمة الحكم الأوتوقراطية العنصرية؟

  و ها نحن أولاء...برغم كل الظروف القاهرة اللامواتية نصدر مجلتنا هذه؛ لننفض أغبرة(التشويهات والتعتيمات) المتراكمة على حقيقتنا الكردستانية الأصيلة وخصوصيتها، مؤمنين بالتعددية داخل الوحدة الثقافية الكردية.

  فلْتكن مجلتنا رافداً حيوياً آخر لإغناء الثقافة الكردستانية العريقة...ولاشكّ في ان تحقيق طموحنا المشروع لديمومة مسيرتها وصيرورة تطوّرها؛ يحتاج إلى تضامن ومؤازرة جميع المثقفين الطيبين الآخرين...

رئيس التحرير

أواخر حزيران1996/ اربيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    * إفتتاحية العدد اليتيم، المزدوج(1و2/ العربي والكردي) من مجلّة(كَرمسير) الفصلية (أواخر تموز1996) والتي وأدها الإحتراب المقيت وهي في المهد،ناهيكم عن تقارير العفلقزادات المخضرمين، الذين وصفوني (حيث كنت رئيس تحريرها) بـ (العميل لحزبيّ العمال الكردستاني والديموقراطي الكردستاني المحتربين آنذاك)! و ها نحن الآن في عام2009 ولم تصدر مجلة أخرى بديلة بمضامينها لحد الآن، رغم تواضعها؛ لأن الدخلاء والأراذل المحسوبين على الثقافة الكردية، كما تأكد لي وتيقّنت منه، عباقرة فقط  في شلّ وإقصاء وإلغاء المثقفين الأصلاء المبدعين؛ حسداً واستحواذاً على كلّ شيء!  

 

 

 

 

 

طاولة غيرمستديرة!

للإجابة عن الأسئلة الملحة *

 

   يقيناً ان أسبوع (المدى)الثقافي مهما تأوّج ويتأوّج هنا وهناك؛ يظل نموذجاً محدود الأثر لبديل يطمح إليه أغلب المثقفين العراقيين، بل خيرتهم من الفاو إلى زاخو، ناهيكم عن المهاجر، أي سيظل إسبوعاً إستثنائياً ضمن القاعدة المتمثلة بالأسابيع الثلاثة والخمسين الأُخَر للسنة، والرهينة لـ: نظام المحاصصات المقيتة(اللامناسب في المكان المناسب) واحتكارات واستحواذات البعض من ذوي النفوس الضعيفة في الإتحادات والمنظمات والنقابات وغالبية منابر النشر، ناهيكم عن الأجواء المفخخة بمعجزات أمراء الجحيم وفلول الفاشست، والتناحرات والإحترابات الإثنية والطائفية الجنونية، والإغتيالات المنظمة للعقول الكبيرة، وهجرة ونزف الأدمغة وجدران الخرسانة الأشنع من جدار برلين السييء الصيت، ثم (نضال محررينا المتحالفين!) الذين يبدو أنهم قد أقسموا ألاّ يتزحزحوا من العراق؛ إلاّ إذا وجدوا أنفسهم يسبحون في بترول بحر قزوين، من قبل ومن بعد!! وكل ماأسلفناه لايخفى على كل نبيه!

  ومن هنا جاء طرحنا لبضعة أسئلة (ثقاسياسية،أو سياثقافية) مصيرية وملحة، تؤرق بال المثقفين الجادين هنا وهناك؛ لعل أجوبتها تستجلي وتشخّص الوضع الراهن للثقافة العراقية، وتستشرف آفاقها المستقبلية...أما لماذا هذه التسمية (طاولة غير مستديرة) فلأن الطموح لم يتحقق- في بحبوحة أسبوع المدى -  بجمع نخبة من المثقفين (مختلفي الإختصاصات) حول طاولة مستديرة أو مستطيلة أو حتى مربعة؛ بغية الإستفاضة في طرح الأسئلة، وإجابة غير واحد على كل سؤال، فضلاً عن المداخلات المثرية للحوار؛ وهكذا فقد قنعنا بطاولة(سفرية!) لانتوخى منها سوى( دق الأجراس) تحذيراً للمخاطر المحدقة، و(المقبلة بالأخص) بالثقافة والمثقفين العراقيين، ع جزيل الشكر لكل من لبّى الإجابة عن أسئلتنا، أما الذين تنصّلوا عنها بأعذار واهية(خوفاً أو لعدم إكتراث أو لغياب التسجيل الصوتي...) فسامحهم الله، وحسبنا(القلّة الهائلة)على حد قول الشاعر أوكتافيو باث.   

* منذ 15عاماً وكردستان المضيافة تحتضن مؤتمرات ومهرجانات وأنشطة عراقية(سياسية وثقافية... تتعذر إقامتها في وسط العراق وجنوبه؛ فماهو مدى جدوى هذه الكرنفالات سياسياً وثقافياً للكرد وكردستان، بينما يستكثر علينا أغلب أشقائنا العرب الحد الأدنى من حقوقنا المشروعة، بل حتى التنصل من تنفيذ الوعود والمواثيق كالمادة  140 الواردة في الدستور العراقي؟!

  أجاب سامي شورش الصحافي والكاتب ووزير ثقافة سابق في إقليم كردستان :

- إن هذه الكرنفالات الثقافية والسياسية مفيدة، بل ومفيدة جداً؛ لأسباب بينها: تعميق حالة التفهم والتناغم والتفاعل الثقافي والسياسي بين المكونات العراقية،خصوصاً المكوّنين الكردي والعربي، وتسهيل عمليات إطلاع بقية العراقيين على مختلف جوانب الإعمار والتطوير الحاصلين في كردستان العراق؛ بفضل حكمة القيادة الكردية وحكومة إقليم كردستان.ثم إن الحالة مهمة ومفيدة لإثبات حقيقة أساسية، مفادها أن الكرد هم في العراق عنصر أساسي من عناصر الإستقرار والبناء الديمقراطي العراقي.

يعيش العراق منذ خلاصه من النظام السابق مرحلة مؤلمة من الفوضى والمشكلات الأمنية والإقتصادية والسياسية والثقافية؛ فإن فتح أبواب كردستان أمام فعاليات الآخرين؛ سيشكل توجهاً صحيحاً لجذبهم إلى إعتبار الموضوع الديمقراطي نموذجاً للإقتداء به، ومن ثم إقناعهم بأن السلم الأهلي والديمقراطية والإنفتاح يمكن أن يفيد الجميع.

إننا أمام مستقبل يحمل شيئاً غيرقليل من المشكلات المستقبلية، وهنا أود الإشارة إلى موضوع كركوك.لهذا فإن نشاطات كهذه  ستسهم في حشد رأي عراقي ثقافي وسياسي وراء قضايانا العادلة.

  كما أجاب الأديب والصحافي عبدالله طاهر البرزنجي عن السؤال نفسه ً:

- لهذه المهرجانات والمناسبات الثقافية أهمية كبيرة في حياتنا الثقافية؛ لأنها وسيلة تجسير وإتصال وتقارب.وعليه فقد دأبت مؤسساتنا الثقافية الكردستانية على تنظيم ودعم مثل هذه الكرنفالات،التي يرتادها الأدباء والفنانون والساسة،وبعضهم من أصدقاء شعبنا المخضرمين،ثم إن للثقافة العربية والمبدعين العرب فضلاً كبيراً علينا في إطلاعنا الواسع على ثقافتهم العريقة والحديثة المتقدمة،بل على جوانب مهمة من مشهد المشهد الثقافي العالمي عن طريق مايترجم إلى لغتهم. ومع ذلك نلمس قصوراً يتجلى في ضآلة جدّيتهم على الإبداع الكردي المشحون بالآلام والآمال؛لربما السبب يكمن في النظرة الإستعلائية لبعضهم،وعدم إكتراث البعض الآخر،ثم لعدم إيلاء مؤسسات الكرد الثقافية بترجمة النتاجات الإبداعية الكردية إلى اللغة العربية بصورة مدروسة ومنظمة تتجاوز الجهود الفردية،التي تعجز عن توفير ترجمات ضرورية لأولئك الظمآنين للثقافة والإبداعات الكردية،التى يرقى بعضها إلى مصاف الآداب والفنون الراقية في سائر أرجاء المعمورة.

* جلي للقاصي والداني كيف تعرضت الثقافة العراقية الحقيقية للتزييف التاريخي المنظم من قبل أزلام النظام البائد،ولكن رغم سقوط الصنم ظهر تزييف أشد خطورة وهولاً؛حيث يعيد جلادو ومجرمو الثقافة ترتيب بيوتهم وفبركة تاريخ نضالي لهم،ساعين إلى محو ذاكرة أبناء الشعب العراقي،رغم تلال من الكتب واللوحات والأناشيد و....بل وعلى مرأى ومسمع من الشهود الأحياء، لاسيما الضحايا،فكيف تعللون هذه الظاهرة، وهل يمكن دحرها؟

 أجاب عنه الكاتب كامل شياع:

- حقاً تعرضت الثقافة العراقية الحقيقية للتزييف من قبل النظام الدكتاتوري المقبور، فماهي ماهية التزييف المقصود؟

  أعتقد أنه يعود إلى عاملين هما:الأيديولوجية والسلطة؛ فقد قدمت الأولى قراءة تعسفية لتاريخ الثقافة العراقية، حيث أودعتها في ما يمكن أن أسميه قفص المنظور القومي المغلق؛ فجرى التركيز على الخصوصية القائمة على االإسترابة والتشكيك بالآخر المختلف...وجرت إعادة قراءة تاريخ الثقافة العراقية من من زاوية إنتقائية طمست الحقائق وقلبت الذاكرة التاريخية رأساً على عقب، ومن ذلك أن أحد الشعراء المعروفين قرن ولادة الشعر الحديث بتأسيس حزب البعث،ومن ذلك أيضاً أعتبرت الحضارات الرافدينية عربية خالصة حتى قبل ورود العرب إلى العراق، بل وقبل أن تظهر اللغة العربية! ثم الظاهرة القومية، التي تعد ظاهرة حديثة.ومن ذلك أيضاً السعي المحموم لطرح نظرية علم جمال بعثي،طبّل لها نقاد وفنانون ضمن فضاءات وهمية..ومن ذلك أخيراً وليس آخراً إعادة تلقين الطلاب من خلال المناهج الدراسية بترهات وأكاذيب عن التاريخ وروح الأمة والعراق العظيم،الذي لايمتلك من العظمة سوى الشعارات البراقة!

أما العامل الثاني،الذي زيّف الثقافة وشوّهها؛ فنجده في السلطة العرية للدولة التي وظفت المؤسسات لغايات الحاكم ومغامراته،وطوّعت الخطاب الثقافي والصوت الثقافي لمهام تعبوية لم تنته:البعث المحمول في نفس كل عراقي، والحرب التي تندى لها النفوس بالجميلة،والدكتاتور المرفوع إلى مصاف القداسة!باختصار،صنعت القوة من مؤسسات الثقافة جهازاً لتزييف الضمير ومسخ الرأي وتسطيح المواقف..وهكذا فقد خمدت الثقافة العراقية في قبضة الدولة الشمولية....لكنها لم تمت؛فتحت رمادها ظل هناك من يقاوم بالفكر القويم والمنطق الحي...وفي معارك الثقافة كانت هنالك أكثر من هدنة.لكن الصراع ظل مستمراً ظاهراً إلى السطح حيناً،ومستتراً حيناً آخر.

نقول هذا، وندرك ان تحرير الثقافة من إرثها الثقيل أعلاه؛يتطلب عملية طويلة بدأت ملامحها الأولى بالتشكل حين رفض المثقفون الحقيقيون سلطة الدولة المستبدة،والخوف من مصادرة الرأي والإبداع...والصراع في هذا الميدان طويل.

* كلنا نعلم أن التغيير السياسي في العراق قد حدث فوقياُ؛إذ أسقطت قوات التحالف نظام البعث الفاشي-الدكتاتوري،الذي عجزت وفشلت قوى المعارضة لضعفها في إسقاطه، وإحلال البديل الوطني محله بدلاً عن خيمة الإحتلال، ومع ذلك نرى هذه القوى المقموعة سابقاً تعيد إنتاج القمع سياساً وثقافياً؛ مما يؤكد ذلك صواب طرح المفكر الأمريكولاتيني باولو فرايري في كتابه(تعليم المقهورين) فحتى م يدوم القمع بكل صنوفه وأشكاله في هذا البلد المبتلى بالمستبدين؟وهل يمكن أن يتحقق حلم المقموعين في التمتمع بالحرية المكرّسة للمعرفة والإبداع والتعايش السلمي الكريم؟

أجاب الكاتب والصحافي مصطفى صالح كريم:

- تعود بدايات هذه المسألة الحساسة إلى أيام المعارضة،حيث كانت القوى الوطنية تعمل بجد لإسقاط النظام الدكتاتوري الجائر،إلاّ أن العقبة الكأداء التي حالت دون ذلك،هي عجز المعارضة؛لذلك فقد لجأت إلى قوى التحالف الخارجية، وهنا أود الإشارة إلى مقال( لا للقصف العشوائي، نعم للتغيير الداخلي) للسيد جلال طالباني قائد الإتحاد الوطني الكردستاني، في صحيفة(الإتحاد) ودلالته جلية جداً.وهكذا لم يتحقق طموحنا للأسف.ثم إن قوات التحالف كانت تفتقر إلى أجندة لما بعد التحرير؛ فأخذت تمارس سلسلة من الأخطاء، التي أربكت العملية السياسية؛إذ كان المفروض أن تكون هنالك حكومة بديلة مشكلة ومهيأة لتبدأ بممارسة أعمالها،وتبدأ تدريجياً بتطهير الأجهزة والمؤسسات الحكزمية من العناصر المتورطة في إرتكاب الجرائم على جميع الصعد ومنها الصعيد الثقافي؛لكن غياب مثل تلك الحكومة البديلة فتح الأبواب على مصاريعها لتسلل تلك العناصر إلى صفوف القوى الوطنية المساهمة في العملية السياسية على الساحة العراقية،ومن بينها عناصر كثيرة سرعان ما شرعت في إعادة أنتاج القمع على الصعيدين السياسي والثقافي،وقد حاولت بشتى الوسائل ولماتزل لإبعاد المفكرين والمبدعين الحقيقيين...بل أن العديد من هذه الناصر مازالت تحلم بعودة السلطة الدكتاتورية،وهي جاهدة وساعية إلى تحقيق نواياها المبطنة.

وعليه فإن تحقيق حلم المبدعين المنشود؛ يتطلب المزيد من النضال؛حتى يفلحوا بسحب البساط من تحت أقدام ذوي الأقلام المأجورة وفلول المطبلين وجوقات المنشدين،وتطهير الوسط الثقافي منهم،حتى يتولى المبدعون الحقيقيون الصدارة في الأجهزة والمؤسسات الثقافية. وبرأيي يجب أن تبدأ عمليات التطهير من الوسط الصحفي والثقافي، ومن مؤسسات وزارة الثقافة، وكذلك ما يسمى بشبكات الإعلام والإتصالات.ولابد من ضمان حريات التعبير وارأي والفكر للمبدعين جميعاً،مع المل الجاد لتوفير الأمن والأمان؛لكي يعودوا من المنافي والمهاجر إلى عراق الجميع؛فتتحقق أحلام أولئك المبدعين الصامدين الذين لم تمجد أقلامهم وأصواتهم وفرشهم وألوانهم حروب وجرائم البعث والدكتاتور.

* يبدو أن العكس يحدث في تطبيق(قرار إجتثاث البعث) خصوصاً في المشهد الثقافي في داخل العراق وخارجه؛ حيث إستنهجت القوى السياسية الكسب العددي لضمان أكبر عدد من كراسي الحكم، يمكن الخلاص من هذه الحالة الشاذة، وكيف؟

أجاب عنه الكاتب كامل صالَي:

- لم يأت قرار إجتثاث البعث إعتباطاً،وإنما إستند إلى حقائق وأدلة موثقة عن مرحلة سوداء شهد العراقيون أحداثها الأليمة وعانوا منها بضعة عقود،واكتوى بنيرانها الملايين،وألحقت أضراراً بالغة بالقيم والمثل الإنسانية،وبكل مقومات الدولة العراقية من سيادة وإقتصاد،ناهيكم عن كل مكونات الشعب العراقي،لاسيما الشعب الكردي،الذي تعرض لشتى صنوف الإضطهاد،خصوصاً في عام1963ثم منذ1968إذ مابرح حزب البعث يمارس سياسة شوفينية وفاشية أشد شراسة من قبل،خصوصاًباهتدائه بتعاليم صدام؛مربياً جيلاً من البعثيين(رجالاً،نساءً وأطفالاً)مشحونين بالعنف،لايرفضون الآخر فحسب،بل ويسحقونه سحقاً،وسرعان ما إلتحقت فلوله،بعد إنهيار حكمه،بصفوف القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية الراهنة،وكذلك بالتكفيريين والمتشددين الساعين إلى تدمير بنى العراق التحتية وإبادة أبنائه دون تمييز؛ولذا ينشط المندسون هنا وهناك بوضع العصي في عجلات مركبة المسيرة العراقية الراهنة؛لعرقلة وتشويه العملية الديمقراطية على جميع الصعد:السياسية والثقافية والإجتماعية.

لقد جاء قرارالإجتثاث حفاظاً على سلامة المسيرة الديمقراطية في العراق،لكنه للأسف الشديد،وتحت ضغوط المرحلة الحالية الحساسة،وسعي البعض للصيد في الماء العكر،حيث تلهث هذه الكتلة أو تلك وراء كسب النفرات مهما كان ماضيها سيئاً،بحيث وصلت الحالة إلى حد تغيير القرار إلى المساءلة والعدالة!وهو تراجع مخجل ومذعن للوبي البعثي الضاغط داخل الكتل السياسية المتخمة به!مما يشكل خيبة كبيرة لدى الضحايا؛مادام البعث لايفلت من الإجتثاث فحسب،بل ويعود بأقنعة أخرى من جديد؛ثم الويل كل الويل لأبناء الشعب العراقي؛مادام البعث ينسل كالشعرة من العجين، ويمكنه بما يمتلك من أموال العراق المهربة،ومن كوادر متمرسة وخبيرة أن يعيد ترتيب بيته الحزبي، فيمسي العراقيون على موعد مع صفحة جديدة من الإضطهاد والإستغلال تحت يافطة العراق الموحّد، بل الأستقرار،الذي يضمنه الإستبداد!!

يقيناً أن البوادر قد أصبحت جلية في المشهد الثقافي العراقي التعيس؛مما يستوجب المزيد من الشجاعة لدى الأخيار؛ لفضح وتعرية الأشرار، والحيلولة دون عودة الجلادين، تحت أية شعارات وحجج، حيث من المستحيل أن يستحيل الذئب حملاً وديعاً؛مهما لفلف على جلده طنا من الصوف!

* بعد سقوط النظام البعثي، راحت ظاهرة(غسل الإنتماءات)على شاكلة(غسل الأموال) تبرز على الصعيدين السياسي والثقافي، خصوصاً وإن تكتلات المتحاصصة تستمرؤها؛من أجل الكسب العددي، أو قلة وهزال كوادرها(الثقافية خاصة)أو للسببين كليهما، مثلما حدث ذلك في كردستان عقب إنتفاضة 1991؛ فكيف يمكن تعرية وفضح فرسان هذه الظاهرة الوبيلة،التي ستفضي بكل القيم النبيلة إلى قبض الريح؟

أجاب عنه الروائي والباحث التاريخي د.زهدي الداوودي:

- إن ظاهرة غسل الإنتماءات ليست وليدة اليوم، بل هي قديمة،وتشكل جزءاً مكملاً للصراع الأيديولوجي والإجتماعي والثقافي؛من أجل الهيمنة عل المواقع الحساسة في سلم السلطة.وتبرز هذه الظاهرة بصورة خاصة في الأزمات الحادة التي يمر بها البلد المعني.وإن إلغاء إنتماء الآخر يعني الهيمنة عليه والتحكم فيه.ويأتي هذا عادة على شكل ديني أو مذهبي أو حزبي.ولقد مارس البعث هذه الوسيلة بشكل ؛بحيث ترك آثاراً عميقة في مجتمعنا.ولاشك في ان سقوط الدكتاتورية قد أدى إلى إصطفاف إجتماعي وسياسي وثقافي جديد؛جاء كنتيجة(فعل ورد فعل)للممارسات التي جرت منذ أربعة عقود من الزمن.ولذلك فإن بعض التنظيمات السياسية والثقافية قد تبنت هذه المسألة بصورة عفوية،تحوّلت لاحقاً إلى حالة واعية ومنظمة،وهي من حيث تريد أو لاتريد،وقعت في نفس الخطأ الذي كان يمارسه النظام البائد.ثم أن العملية بكاملها طعن في صميم الديمقراطية،التي تريد تحقيقها على أرض الواقع.والمشكلة لاتكمن في الكسب العددي فحسب،بل في الهيمنة التامة على السلطة والمجتمع والإنفراد بأيديولوجية معينة،يتم عبرها إلغاء الطرف الذي لايرضخ،وإحدى ظاهر هذه الممارسة هي العنف الطائفي،الذي علا قرنه في العراق بشكل درامي.وتكمن خطورة هذه الظاهرة لإي إنها لاتدمر الثقافة فحسب،بل وتؤدي إلى الإنحطاط التام والعودة إلى العصور المظلمة.أمّا كيف يمكن التصدي لها؛فمسألة معقدة تحتاج إلى نشر الوعي الديمقراطي،وإحترام رأي الآخر،وخلق مجتمع مدني متحرر.

* يبدو أن وضع الثقافة العراقية قد أمسى مزرياً في ظل نظام المحاصصات على جميع الصعد،والذي ينافي فضاء الحرية المنشودة؛من أجل الإبداع،فماذا تقولون بهذا الصدد؟

أجاب عنه الأستاذ الباحث مهدي النجار:

- بطبيعة الحال، ينتعش الإبداع الثقافي في فضاءات الحرية،فالحرية شرط أساسي للإزدهار.لكن في ظل نظام سياسي حاكم يتلبس لبوسات طائفية أو قومية، وفي ظل ماينتج عنه من محاصصات وتوازنات؛ تأخذ عملية الحياة، ليس فقط في المجال الثقافي، وإنما على كل الأصعدة، تأخذ مساراً رجوعياً، أي تسير إلى الوراء بدلاً عن الأمام،مثلما هي الحال في اللحظة التاريخية،التي يعيشها العراق،حيث تحدث ضعضعات هائلة في الخطاب الثقافي. ولذا على المشتغلين بالثقافة أن ينشطوا لترسيخ وترويج ثقافة التنوير، ثقافة العقل، ثقافة الحب والحرية، ثقافة الدعوة إلى نظام سياسي فوق الأديان والمذاهب.

* بالإضافة إلى التعتيم على رموز الثقافة العراقية الحقيقية وتهميشها، بل وتخوين بعضها، ثمة عقوق بحق شهدائها في العهد المقبور؛ إذ لاتستذكر الإحتفاءات والمهرجانات وغيرها أمثال: صلاح خالص، قتيبة الشيخ نوري، حياة شرارة، خالد الأمين، شمس الدين فارس، إبراهيم زاير وخليل المعاضيدي........في حين يُحتفى ببعض فرسان الأدب والفن المكرّسين لشرعنة وتمجيد كل موبقات وجرائم النظام الشوفيني-الدكتاتوري؛ فما هي العلة؟ ثم ألا يمحو هذا النزوع الذاكرة الثقافية لأجيالنا القادمة، بل وتغييب وإغتيال العقول الخلاقة مستقبلاً؟

أجاب عنه الفنان والصحافي فاروق صبري:

- طبعاً...إن الأسماء المبدعة التي ذكرتها وأخرى كثيرة موشومة في عقولنا تشكل أجمل وأرقى مافي ذاكرتنا المعرفية، وهي محطات مازلنا نتوقف عند أرصفتها الموزايكية، ونبلل أرواحنا بأريجها وشموخها وفعلها الخلاق، ومن المحال أن تغيّب وتهمّش؛ ولابد من الإحتفاء والإهتداء بها، ليس ضمن فقرات هذا المهرجان أو ذاك، وإنما عبر حياتنا الثقافية يومياً.

والأمر طبيعي أن تغيّب أو تذل سلطة إستبدادية الصوت الثقافي الحقيقي، ولكن مايثير التساؤل والقرف والغضب هو أن يدوم عفن السلطة الإستبدادية بعد سقوطها، بل ويستمر في غيابها مثل هذا التعتيم والتهميش والتهشيم،لا بل ويُقصى عن الحياة، وهذا مايحدث الآن!

ومع كل ذلك، أقولها للحقيقة أن مهرجان المدى يسعى ضد التغييب والتهميش، وهو يحاول بكل جهوده لإعادة الروح الأصيلة للمشهد الثقافي العراقي، رغم هذه الثغرة أو تلك العثرة، التي لاتخلو منها أية محاولة.

وأخيراً، وليس آخراً، فإن المثقف العراقي مطالب أيضاً ألاّ يستكين في خندق الشكوى والندب على الأطلال؛ فلابد أن ينهض ويشمّر عن ساعديه، ليخترق الحواجز السافلة، ويحطم التابوات بفعله الجريء والخلاّق.

* ماذا سيكون مصير الثقافة في العراق ومصير المثقفين والمبدعين الحقيقيين،تحت كابوس إستحواذ وإحتكار أعضاء الهيئات الإدارية للإتحادات والمنظمات والنقابات الأدبية والفنية والعلمية؟

أجاب عنه الكاتب والصحافي حسب الله يحيى:

- كل إستحواذ مؤقت.كل ماهو فردي أناني زائل، وكل ماهو إجتماعي فاعل وآت، وهو المستقبل الذي ننتظره ونعمل ونتفانى من أجله.كل المواقع الوظيفية الوجاهية ستنطفيء؛ لأنها ولدت أصلاً لأهداف وأغراض شخصية،ولا هم لها،ولا شاغل لوجودها،إلاّ العمل على بقائها أطول مدة؛ حتى تتمكن من الهيمنة على الآخرين، والحكم عليهم بالجهالة،في حين تضع فيه هذه (القيادات) نفسها في المكان الأفضل والأكثر نفعاً، مالاً وراحة وإطمئناناً! ولذ فأنا أنظر إلى الإتحادات والتنظيمات الثقافية الراهنة،لايقصد من وجودها سوى الوصول إلى نتائج تحقق الذات وتوفر المال.

إن الثقافة فعل حقيقي،وإرادة فكر، ومنطلق إبداع،وبعكس ذلك يتشوّه، بل يموت كل شيء إنساني وجميل...ومن هنا أدعو إلى فضح جميع العناصر الساعية للهيمنة دون أن تقدم للآخرين،الذين قدموها وجعلوها تتبوَأ المناصب،حتى تكون في قلب الحقيقة، وفي الصورة بكاملها.

 

        أعدها: ج. ز

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نيسان 2007

 

 

 

شهادة

 عمّا أسدته مجلة (الثقافة) للكُرد

 

 

" كلّ متفرّج: جبان أو خائن"

(فرانز فانون)

 

 

بمثابة استهلال:

 

   "...ليتني أستطيع أن أتحدث بتجرّد عن إنسان قدّم كلّ شيء للغير ولم يأخذ شيئاً...عن إنسان ضحّى بالكثير ممّا يتمسّك به ويتكالب عليه آخرون؛ من أجل شعبنا العراقي الكريم، ومن أجل مستقبل وآفاق ثقافة تقدّمية عراقية(.......) ليتني أستطيع أن أتحدث عن ذلك الإنسان، الذي ظل يدافع بعناد وصلابة عن خطّ إختطّه لنفسه، في مجالات نشاطه العام، ولم يبال في أيّة فترة من مراحل حياته الصعبة بما يلاقي من عدم فهم، أو من نكران وجحود. ولم يهتم كثيراً أن يعي البعض تلك المواقف، أو لايعيها؛ إيماناً منه بأن شمس الحقيقة تسطع رغم الغيوم، وانه في النهاية لايصح إلاّ الصحيح..." (1)

   لم أجد البتّة أنصف، أصدق وأبلغ من الفقرة السالفة ؛ لأستهل بها هذا المبحث، والتي إستذكرت بها المربية الفاضلة د. سعاد محمد خضر رفيق حياتها وكفاحها الفكري المديد والصديق الصدوق لشعبنا الكردي، فقيدنا الغالي د. صلاح خالص، صاحب إمتياز مجلة(الثقافة) ورئيس تحريرها.

  وهنا لابدّ من الإشارة إلى أنني استقيت أغلب المعلومات الواردة عن مجلة(الثقافة) ومسيرتها الظافرة طوال عقدين تقريباً؛ بصفتي قارئاً متتبعاً لها منذ صدورها في 1971، ثم مساهماً فيها منذ أوائل1973 ، ومن ثم محرراً متطوّعاً (بلا راتب) فيها خلال السنوات(1977-1988) حيث حصلت على عضوية نقابة الصحافيين العراقيين؛ لعملي فيها (وأُنهِيت عضويتي النقابية فور احتجاب المجلة *) وهو العمل الصحافي الوحيد، الذي مارسته منذ انخراطي في عالم الثقافة حتى انتفاضة1991 المجيدة. ولقد حظيت بعشرات اللقاءات والحوارات الحميمية الصميمية مع الأفاضل: د. صلاح خالص، د. سعاد و نجلهما الموهوب والنبيه سعد (الذي غدا كاتباً قديراً ناشطاً على صفحات الإنترنيت، والذي هبّ مشكوراً لتزويدي بسيرتيّ والديه...) بل أصبحت منذ تدشين التواصل معهم بمثابة ابن عزيز موثوق به لعائلتهم المثقفة الكريمة(**) ولقد أضطررت؛ لتعددية مساهماتي وتنوعها في بعض الأعداد، إلى النشر بهذه الأسماء المستعارة: ديوجينوس/ أبو أورفيوس/ أبو وضاح/ (الثقافة) / وحتى بلا إسم/ بالإضافة إلى أسمائي الإعتيادية : جلال حسين ورده/ جلال ورده/ وجلال زنكَابادي... وأرجو المعذرة لهذه الإشارة، التي أضطرّني إليها الإلتزام بالأمانة الأدبية والعلمية، وإلاّ فأنا لست ممن يستسيغون الحديث عن ذواتم بمناسبة وبدون مناسبة؛ فكلّي يقين راسخ من ان أعمال المرء تظل أقوى وأبلغ وأفصح لسان له؛ مهما تفاقم واستفحل الجحود ونكران كفاح جندي مجهول مثلي! ويكفيني الشرف أن بضعة أدباء مغاربة وجزائريين، ومنهم الأديب الكبير الراحل محمد زفزاف قد ذكروا لبعض الأدباء الكرد(خلال أحد مهرجانات المرابد) بأن مجمل اطلاعهم على الأدب الكردي يقتصرعلى مجلة(الثقافة) وخصوصاً ترجمات وكتابات جلال ورده ، في حين نرى هنا وهناك من يطلق نعت(سفير الثقافة الكردية إلى لغة الضاد) على نفر من كتبة (الفتافيت)!

 

(1)

 

   لايخفى على الدارس المتمعّن للمشهد البانورامي الثقافي الكردي المعاصر، أن المنجز الثقافي في كردستان العراق والعراق عموماً هو الأبرز حجماً ونوعاً وتقدماً، بالمقارنة مع سائر نظائره في الأجزاء الأخرى لكردستان، ويليه منجز كُرد الإتحاد السوفياتي(البائد) لاسيما كُرد أرمينيا. وطبعاً يعود سبب هذا الترتيب بالدرجة الأولى إلى تطوّر جناح الحركة التحررية الكردية في هذا الجزء من كردستان الكبرى وتقدمه الطليعي على أجنحته الأخرى؛ بحيث أثمر نضاله المتواصل: حكمدارية الشيخ محمود، وإتفاقية 11/آذار/1970، ثم حكومة إقليم كردستان الراهنة إثر الإنتفاضة العظمى في ربيع 1991،ناهيكم عن حجم الإنتلجنسيا( من الأرومة الكردية) المشهود على الساحة الثقافة العراقية عموماً، أمّا بالدرجة الثانية فيعود السبب عموماً إلى الزخم الملحوظ لحركة مجمل التيّار الوطنى، الديموقراطي والتقدمي على الساحة السياسية العراقية، خلال بعض فترات تاريخ العراق الحديث، والذي تتوّج بثورة 14تموز1958 المغدورة، والتي حرّفت لاحقاً عن أهدافها. ولقد إفتقرت تركيا وإيران وسوريا إلى هكذا وضع، ففي تركيا مازال (منذ أواسط عشرينات القرن العشرين) كابوس الأتاتُركية الطورانية جاثماً على صدور شعوبها بلا محطات إستراحة للتنفس الديموقراطي الحقيقيّ، غير(الصوري الوقائي) المكرّس لديمومة حكم السلطات العسكريتارية الفاشية.

   ولايقتصر المنجز المقصود طبعاً على ما في اللغة الكردية وإقليم كردستان حصراً، بل يتعداهما إلى الكرد في عموم العراق وإلى منجزهم باللغتين الكردية والعربية ذي العلاقة بالقضية والثقافة الكرديتين. ثمة ينسحب حكمنا السالف أيضاً على تقدم المنجز الثقافي للكرد بالعربية على نظائره للكرد باللغتين التركية والفارسية، في حين يليه منجز كُرد الإتحاد السوفياتي(البائد) باللغتين الروسية والأرمنية على وجه الخصوص. وهذا يعني من بين مايعنيه أن المثقفين الكرد العراقيين هم الأفضل استثماراً وتكريساً للعربية(لغة الحكّام) في سبيل قضيتهم القومية بكلّ أبعادها السياسية والثقافية والإجتماعية، بالمقارنة مع أشقائهم في تركيا وإيران ( في ما يتعلّق بمنجزاتهم باللغتين التركية والفارسية) وهنا تجدر الإشارة إلى المنجز الثقافي الملحوظ (باللغة العربية) للمثقفين الكُرد السوريين، والذي يجسّد نهوضهم العارم، خلال ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، والذي يُنتَظر منه الكثيرمستقبلاً. لربما يبدو حكمنا هذا غيرمفهوم أو مجحفاً لدى البعض، بل لدى الكثيرين غير المطلعين بدقة وشمولية على مشاهد الثقافة الكردية المجزأة؛ وهذا يتطلّب منّا مبحثاً آخر يستند إلى استقراء الأمثلة والأدلة والقرائن الكافية، أمّا هنا فقد اكتفينا بالإشارة الإستنتاجية.

   وثمة أيضاً نقطة مهمة جداً تستوجب ألا وهي، ليس هناك مثقفون ترك وإيرانيون(نقصد غير الكُرد) يبزون نظراءهم من أشقائنا العرب( العراقيين خاصة) في مواقفهم الإيجابية المحمودة وتناولهم لمواضيع الكرد وكردستان بموضوعية، إلاّ ماندر كالمفكر التركي الكبير إسماعيل بيشكجي، والروائي الإيراني الكبير محمود دولت آبادي. ففي العراق لم يعد " الجبل وحده صديق الكرد" حيث إنبرى أصدقاء غير قليلين من المثقفين والساسة العرب يناصرون القضية الكردية بأيّ شكل من الأشكال، ولأيّ مقصد من المقاصد، كلّ واحد منهم في مضماره وحسب قدراته وإجتهاداته، حتى أن بعضهم ألّف أو ترجم كتباً تتعلّق بالكرد وكردستان، ومنها تآليف قيّمة رفيعة المستوى لأمثال الأساتذة الكبار: د. شاكر خصباك، عباس العزاوي، صديق الدملوجي، عبدالرزاق الحسني، عزيز شريف، د. فوزي رشيد وزهير كاظم عبود.......ومنهم من أغدق أكبر الأفضال على الثقافة الكردية كالمربي الكبير الدكتور صلاح خالص، الذي كان وراء  إرسال كوكبة من الطلبة الكرد العراقيين إلى البلدان الأوربية (الإتحاد السوفياتي بالأخص) لإستكمال دراساتهم العليا في شتى الإختصاصات : الأدبية والعلمية والفنية، بعد ثورة 14تموز1958 حين كان مديراً للمعارف في العراق، ناهيكم عن فتح بوّابة مجلته( الثقافة) على مصراعيها ، منذ مطلع سبعينات القرن العشرين، للمثقفين الكرد؛ ليصولوا ويجولوا على صفحاتها، بكلّ ما في جعبهم وأحراراً من قبل ومن بعد.

   إن ما أسلفناه يُعَدّ علامة بارزة من علامات ثقل الشعب الكردي في مجمل مناحي الحياة الثقافية والسياسية على صعيد العراق كله. ولئن سيكشف مبحثا هذا عن حجم النشاط الثقافي للمثقفين الكرد في مجلة(الثقافة) فإنه سيصبح دليلاً وشاهداً على جانب مهم من جوانب كفاح المثقفين الكرد لإيصال صوت الكرد على صفحات مجلات وجرائد لم يصدرها الكرد أنفسهم، وبغير اللغة الكردية، وهو الذي لم يوله الباحثون والمختصون الكرد وغيرهم أيّ اهتمام يُذكر للأسف الشديد، في حين لم يزل جلّ اهتمامهم ينصبّ على الصحف الصادرة من قبل الكرد أنفسهم باللغة الكردية وغيرها...وهو موضوع يستحق رسالة ماجستير على أقل تقدير.

 

(2)

 

    كانت مجلة(الثقافة) ثقافية عامة، تصدر شهرياً " لاتقتصر على جانب واحد من جوانب المعرفة، وإنّما تهتم بقضايا الثقافة المعاصرة، التي يعنى بها المثقف عموماً، وقد قسمت أبوابها إلى ماتراه مهمّاً وحيوياً من هذه الثقافة" (2) وكانت ملتزمة بالإتجاهات العلمية التقدّمية في الفكر والمعرفة، كما انها تميّزت بديموقراطيتها؛ حيث كان مايُنشَر على صفحاتها " يعبّر في الأساس عن آراء الكتّاب ومواقفهم.." (3) إنطلاقاً من إيمان المجلة " بالديموقراطية وحرية الرأي والتعبير" (4) وهكذا ضمنت تعددية الأصوات، في ظلّ جناحيها المتجسّدين بالإتجاهين العلمي والديموقراطي، بل وأفلحت في إستقطاب " كوكبة من الأقلام النظيفة الشريفة، التي لاتنتظر جزاءً" (5) وبذلك قدّمت تجربتها " دروساً بليغة على إمكانية إستقلالية النظرة، وقهر الرعب والخوف، ومجابهة الواقع بالمبدئية" (6) " رافضةً كلّ وصاية فارغة المحتوى ممّن يقدّم نفسه صاحب الحق الوحيد في إبداء الرأي، والذي يرى ان الجميع على خطأ.." (7) ولقد واصلت المجلّة " نضالها ضد الأحادية الفكرية والوصائية على كلّ مايخصّ الفرد في أكثر خصوصيّاته حميميّة.." (8) و " ضد كلّ مصادرة لحرية الإجتهاد وإبداء الرأي؛ في سبيل الوصول إلى الحقيقة" (9)

   ولأن للكلمة الشريفة، الصادقة والنبيلة حضورها وتأثيرها الفعّال وسط بيادر النفاق والإبتذال؛ فإن ثمنها باهظ جداً؛ ولذا أصبحت (الثقافة) وغدت وظلت محفوفة بصعوبات جمّة، وطالما اعترضت العراقيل والعقبات المفتعلة مسيرتها الدائبة، بل وتعرّضت غير مرّة إلى المساءلة مباشرة من قبل أعلى أزلام السلطات الإعلامية العفلقية، كلطيف نصيف جاسم وزير الثقافة والإعلام ،الذي إستقبل الدكتور خالص وأسمعه كلاماً غير لائق بمربّ ومفكر مثله، وهاني وهيّب السكرتير الخاص للدكتاتور صدّام... وعليه فقد تعرّضت للتعتيم والتحجيب والإيقاف بصورة غير مباشرة، بحيث توقفت عن الصدور ثلاث سنوات كاملة(حزيران1984- حزيران1987) طبعاً لأسباب خارجة عن إرادة وطاقة أسرة تحريرها والكتاب المواظبين على النشر فيها. أجل؛ فقد كفّت وزارة الإعلام ( المهيمنة على كلّ شيء)عن تجهيزها بالورق اللازم الذي كانت تزوّد به المطبوعات بسعر مناسب، وقطعت مبلغ الـ (800 دينار) ثمن نشر إعلانات مطبوعات وزارة الثقافة على صفحاتها الأخيرة، وهو الدعم الوحيد، الذي كانت تتلقاه المجلة(حسب علمي) وكانت بدورها تحوّله إلى مطابع(دار الحرية) الحكومية مقابل طباعة المجلة، والتي كفّت أيضاً عن طباعتها، مثلما كفت ماتسمّى بـ (الدار الوطنية للنشر) عن توزيعها بإيعاز غوبلز العفلقي، وكان التوزيع يتم بمخطط خبيث لتحقيق غاية السلطة العفلقية، حيث كانوا يرسلون أكثر من ثلثيها إلى البلدان العربية(وخاصة شمال افريقيا) والبلدان الشيوعية والإشتراكية؛ لإعطاء صورة ديموقراطية وانفتاحية عن النظام العفلقي، في حين كان تداول المجلة ممنوعاً في القوات المسلحة، بل و في المعاهد والكليات، فضلاً عن ان رجال الأمن كانوا يبلغون أصحاب المكتبات والأكشاك بحجبها وعدم عرضها في الواجهات، وتزويدهم بأسماء متابعيها! أمّا بث الإشاعات المغرضة ضدها من قبل الكثيرين من (حشع) ومن الكرد المتعفلقين ، بل من العاملين في أجهزة النظام البعثي  ومؤسساته الثقافية وحتى الإستخبارية والقمعية ؛ فهي من العجب العجاب، ومنها ان جهاز المخابرات هو الذي يقف وراء إصدار مجلة (الثقافة)!! وذلك في محاولة لئيمة وخبيثة منهم لتشويه سمعتها في أوساط الإنتلجنسيا الجامعية والثقافية العراقية والعربية، في حين أراد أصحاب القرار الثقافي البعثي لها أن تكون بمثابة (مانعة صواعق) وعلامة دعائية دالّة على ديموقراطيتهم...وهنا يمكن تصوّر حجم المفارقة المخزية؛ حين سارعت جريدة(طريق الشعب) غير مرة إلى إعادة نشر مقالات الدكتور خالص الداعية الجسور إلى حرية الفكر والديموقراطية وإصلاح الأوضاع التربوية والجامعية والإقتصادية، في 1977-1978 أي بعد خفوت شموع سنيّ عسل (الجبهة الوطنية)! وبالطبع دسّ العفالقة بعض أزلامهم من الكتاب وحتى الأساتذة الجامعيين (من ذوي الماضي الشيوعي، ومن الألوان المغايرة للونهم ظاهرياً) ( ومنهم قاص وصحافي هصور بارز في جريدة (الثورة/ لسان حال البعث) لمايزل يصول ويجول بانتهازيته الحربائية المكشوفة للقاصي والداني) والباحث القدير الدكتور واثق الدايني؛ بغية إحتوائها وتحريفها عن مسارها الفكري المبدئي، ولكن هيهات هيهات؛ فقد إحتوتهم المجلة بحيث تعرضوا للمساءلة من قبل أربابهم إثر فشلهم في تحقيق المهمة المنوطة بهم! وهنا سأكشف أيضاً النقاب عن إحدى المؤامرات الخبيثة ضد المجلة ومصير رأسها المدبر( د. ج. ك) والذي كان من أبرز المساهمين فيها! فبعدما لم يمتثل المفكر الجليل خالص لتنفيذ مقاصد السلطة العفلقية الغاشمة؛ توقفت المجلة عن الصدور لثلاث سنوات؛ فسعى العفالقة إلى إيجاد البديل الممتثل؛ فوجدوه في (الدكتور ج. ك) وبضعة من أشباهه، منهم الشاعر المغمور(د. س/ شيوعي سابق) و الناقد والروائي (س. ب/ درويش عبدالرحمن الربيعي) ولقد أولمني (الدكتور ج.ك) مرتين؛ لجسّ نبضي متحججاً بالإطلاع على عدد من قصائدي، التي قيّمها قائلاً(بحضور صديقنا المشترك الوسيط  ع.ح.أ/ المقيم في هولندا):- " حسب إطلاعي الواسع على الشعر باللغات : العربية، الروسية، الفرنسية والإنكَليزية؛ إنك شاعر لاتشبه أحداً، ولايشبهك أحد" وبالطبع عرض عليّ موضوع إستئناف إصدار المجلة من جديد؛ بصفتها منبراً منحته الدولة للمثقفين التقدميين والديموقراطيين المستقلين، وليس لفلان من الناس حصراً، وعارضاً عليّ أن أكون سكرتير تحرير لها، لكنني شكرته واعتذرت في الوقت نفسه برويّة عن المشاركة بحجة مقنعة جداً، ألا وهي كوني جندياً إحتياطاً بالإضافة إلى سكناي في أربيل. ويبدو أن الدكتور(ج.ك) وصحبه الموالين كانوا قد وعدوا أيضاً بتأسيس (حشع كارتوني) خادم لتكتيكات البعث وستراتيجياته، ولمّا فشلوا كـ (مقاولين) في في تنفيذ المهمة ؛ تعرض قائدهم (ج.ك) فترة سنتين أو أكثر للسجن، الذي أثر في وضعه النفسي تأثيراً مدمراًً، وفي كتاباته التي راح يحشوها بالشعارات والطروحات العفلقية بمناسبة وبدون مناسبة، بل ولم يتوان عن تدبيج التقارير المؤذية(كما حصل للمترجمة والكاتبة الكبيرة المغدورة د. حياة شرارة، ولوالدها ) وان ما تعرض له الدكتور(ج.ك) يجلو ديدن البعث مع عملائه الراسبين في امتحان العمالة!    

 و " هكذا توقفت المجلة عن الصدور، وخسرت الصحافة في العراق والأدب والثقافة الأصيلة منبراً حرّاً رفيعاً نزيهاً بعيداً عن الإسفاف والتهريج، ودون أن تسير في خط لايليق بنهجها" كما يقول الأستاذ مثري العاني (10)  

   وهنا لابدّ من وقفة تجلو تفاصيل وملابسات إصدار هذه المجلة في مطلع سبعينات القرن العشرين، حتى احتجابها أو حجبها النهائي في1988 ، وهي بالتأكيد خافية على غيري وغير أمثالي القلائل، القريبين جداً من المربي الكبير خالص والمفكرة الفاضلة د. سعاد، حيث اطلعت على الحقائق التي طالما حاول وسعى البعض إلى تشويهها. وهاهي خلاصة قصتها بكل أمانة :

   كان الدكتور صلاح خالص، بعد نيله شهادة الدكتوراه من باريس، وعودته إلى العراق، واشتغاله بالتدريس الجامعي، وانخرط مع أبرز المثقفين المتحمسين أمثال: مهدي الرحيم، صفاء الحافظ، إبراهيم كبة، فيصل السامر، عبد الملك نوري ومحمود صبري..؛ لإصدار مجلة (الثقافة الجديدة) في 1953، والتي تكرّست بصورة غير مباشرة لخدمة(حشع) وقد صدر منها 3أعداد إبان العهد الملكي، وعددها الرابع بعد قيام ثورة14تموز 1958 وحينذاك أيضاً عيّن الدكتور خالص مديراً عاماً للمعارف في وزارة المعارف، ولكنه بعد انحراف قادة الثورة واستفحال الهجمة الرجعية الشرسة أُقيل في 1962 من منصبه، وعيّن ملحقاً ثقافياً في الإتحاد السوفياتي؛ فشد الرحال مع عقيلته الدكتورة سعاد إلى هناك، ولكن انقلاب 8شباط الأسود في1963حال دون استمراره في وظيفته؛ فبقيا هناك يمارسان التدريس الجامعي، حتى عودتهما إلى العراق في أواخر1968 أو أوائل 1969 لممارسة التدريس ومواصلة إصدار مجلة (الثقافة الجديدة) حين أخذ العفالقة بعد انقلابهم الثاني في 17تموز1968 يستبدلون تكتيكاتهم لتحقيق ستراتيجيتهم الشوفينية- الفاشية البميّتة،بطرق وأساليب ماكيفلية، إستمرأتها فصائل القوى الوطنية التقدمية؛ لنيل مكاسب آنية تافهة، مخدوعة بالعفالقة الذين كانوا يتقنّعون بشتى الأقنعة يغازلون (حشع/ جناح اللجنة المركزية، الموالي للسوفيات) ويضربون(حشع/ جناح القيادة المركزية/ الكفاح المسلح)، يقرّبون (جناح مام جلال الطالباني) ويضربون (حناح البارزاني) ثم يبرمون إتفاقية مع الجناح الأخير، ثم ينقلبون عليه بعد ابرام صفقة(الجبهة الوطنية) وخاصة مع(حشع/ ذي التبعية السوفياتية) ووووو....ينقلبون على حشع بعد تقوية شوكتهم ؛ إثر انتكاسة الحركة الكردية المسلحة في آذار1975 ؛ بفعل إتفاقية الجزائر المشؤومة، المباركة من قبل تحالف القوى الإمبريالية وغير الإمبريالية، كالإتحاد السوفياتي المشيد بخرافة (التطوّر اللارأسمالي!) في العراق وغيره.

  لنعد إلى قصة ميلاد(الثقافة) بعد ترك صاحبها لمجلة (الثقافة الجديدة) العائدة إلى الصدور في1969  وبعد سنة دبّ الخلاف بين الدكتور خالص والدكتورة سعاد، اللذين كانا يبتغيان تعريق الماركسية والشيوعية ومراعاة الخصوصيات العراقية، أسوة بالشيوعية الأوربية(الفرنسية والإسبانية والإيطالية..) وبين أغلب قادة حشع المتزمتين الذيليين للسوفيات، ممن كانوا يريدون لمجلة (الثقافة الجديدة) أن تكون نسخة كاربونية طبق الأصل لمجلتي (قضايا السلم والإشتراكية) و(الوقت) لاجمين أفواه المجتهدين...ولرجحان كفة الستالينيين المتصخرجين؛ أضطر الدكتور خالص وعقيلته الدكتورة إلى الإنسحاب من حومة الصراع اللامتكافيء....ولئن كان صدّام الشاب الظاميء إلى أعلى عليين السلطة بأيّ ثمن حسب " الغاية تبرر الوسيلة" و " فرّقْ؛ تسُدْ" فقد سارع إلى التقرّب من الدكتور خالص وراح يجامله أقصى مجاملة، بل زاره في منزله مغدقاً وعوده المعسولة؛ طمعاً في تكريس صيته الحسن ونشاطه الثقافي المشهود لمراميه الستراتيجية المبيّتة، ومنها فبركة (حشع كارتوني) بديلاً لحشع الحليف للبعث( في الوقت المناسب) على غرار (الأحزاب الكردية الكارتونية: الحزب الثوري...والحزب الديموقراطي..) وهو الأمر الذي رفضه الدكتور رفضاً قاطعاً، مكتفياً بإصدار مجلة(الثقافة) بشرط ستراتيجي(وافق عليه صدّام تكتيكياً) ألا وهو عدم خضوع المجلة لأية رقابة...وعليه ورد ذكر مجلة (الثقافة) في (التقرير السياسي) لحزب البعث عام 1974 كمنبر ممنوح للديموقراطيين المستقلين....وهكذا فقد " أريد لمجلة (الثقافة) أن تكون خطاً مغايراً لخط مجلة(الثقافة الجديدة)" (11) أي ان السماح بإصدار (الثقافة) " كان محاولة من سلطة البعث لدق إسفين بينها وبين مجلة(الثقافة الجديدة) إلاّ أن ذلك لم يحصل؛ فقد إلتزمت مجلة(الثقافة) خطّاً وطنياً تقدمياً لايتلاءم مع ما خطط لها الآخرون؛ لذا بدأت المجلة تتعرض لمحاولات الإحتواء، ووضع العراقيل في طريقها؛ لحرفها عن الخط الذي إختطته، خاصة بعد توقف مجلة (الثقافة الجديدة) عن الصدور" (12)

    برغم ما أسلفناه؛ ظلت مجلة(الثقافة) " نبراساً للفكر العلمي التقدمي، الذي إختارته شعاراً وهدفاً لها" (13) خصوصاً في أواخر سبعينات القرن العشرين وثمانيناته، حينما خلت الساحة الصحافية من نظيراتها. ولم تتوان عن تأدية رسالتها الأدبية- الفكرية بكل أمانة ، وطالما كانت تنتقد بجرأة نادرة الأجهزة والمؤسسات الثقافية والتربوية والإقتصادية، والظواهر السلبية على الصّعد كافة؛ فلاعجب إن طغى عليها التعتيم حتى في الصحف، التي كانت تتحاشى نشر أخبار صدور أعدادها، ناهيكم عن تقديم عروض أو قراءات لأعدادها، بالإضافة إلى سحب بعض أعدادها من المكتبات بعد توزيعها، وشحنها إلى معمل الورق في البصرة! وكانت كما أسلفنا محظورة التداول في أوساط القوات المسلحة، وشبه محظورة في الأوساط الأخرى التربوية والثقافية..وكذلك محاولات احتوائها والإلتفاف عليها لإصدارها من قبل أسرة تحريرأخرى(إنتهازية عميلة للسلطة العفلقية) وهي المحاولة التي باءت بالفشل وهي قيد التخطيط. أجل؛ ظلت (الثقافة) محافظة على استقلاليتها، و " استطاعت بمساعدة كتابها وقرائها المؤمنين برسالتها؛ أن تذلل العقبات التي اعترضت سبيلها، وأن تشق طريقها وتحقق تقدماً ملحوظاً ، في كل عدد من أعدادها، نحو الهدف، الذي وضعته نصب عينها، ألا وهو خدمة الفكر العلمي والثقافة التقدمية، والإلتصاق أكثر فأكثر بمشاكل العصر ومعالجتها بشكل علمي موضوعي.." (14) حتى غدا في مقدورها أن ترفد فعلاً " الثقافة العلمية الحقيقية، التي لاتزيّف الواقع، ولاتغيّر الحقيقة، ولاتجعل من الفكر مجرد وسيلة للإستغلال والإبتزاز.." (15)     

      إذنْ؛ كان لابدّ لمجلة(الثقافة) من أن تكافح كفاحاً مريراً؛ في سبيل برهنة مصداقية رسالتها الفكرية، وهي مدركة بعمق " ان الوصول إلى الحقيقة العلمية؛ لابدّ أن يمر عبر حرية الفكر والتعبير" (16) فليس صدفة أو اعتباطاً؛ إذ اجتمعت على صفحاتها أقلام خيرة الكتاب والمترجمين التقدميين- الديموقراطيين من العراقيين عرباً وكرداً وآشوريين وكلداناً...بل من الأشقاء العرب المصريين والجزائريين...بصورة نادرة المثيل؛ ممّا منحها هذا الإحتشاد مكانة مرموقة ومتميزة في أوساط قرائها العراقيين وغيرهم ، في شتى الأوساط : الأكاديمية، الإنتلجنسية والشعبية.

   ولإستكمال صورة(الثقافة) وتوضيح هويتها الصحافية؛ سندرج مواصفاتها أدناه:

مجلة ثقافية عامة، مقرها بغداد، حيث تطبع فيها. صاحب امتيازها ورئيس تحريرها: د.صلاح خالص. سكرتيرة تحريرها: د.سعاد محمد خضر، وقد تسنمت رئاسة التحرير بعد وفاة الأستاذ خالص، وصدرت في عهدها تسعة أعداد. كانت المجلة تصدر شهرياً بصورة منتظمة في بداية كل شهر، حيث كان عددها الأول في كل سنة يصدر في شهر كانون الثاني، وغالباً ما يصدر في كل تشرين الثاني عدد مزدوج حامل لرقم(11-12) أمّا شهر كانون الأول من كل سنة فكان بمثابة عطلتها السنوية. ولم يقتصر الإزدواج العددي على شهر تشرين الثاني من كل سنة، وإنما تعداه أحياناً إلى أعدادها الأخرى؛ لأسباب ذاتية وموضوعية. ولم يكن عدد صفحاتها ثابتاً، بل متفاوتاً يتراوح بين(140-256صفحة) من (القطع المتوسط: 14×21سم تقريباً) وكان عدد نسخها المطبوعة يتراوح بين(5000- 6000 نسخة). كان تصميم غلافها الأول ثابتاً على مدار كل سنة، ولكل شهر لونه الخاص: الأحمر للعد الأول، الأصفر للثاني، الأخضر للثالث....والرصاصي للعدد الأخير، لكن هذه الوتيرة لم تكن ثابتة دائماً. أمّا غلافها الأخير فكان يحمل في أكثر الأحيان لوحة فنية أو تخطيطاً لفنان عراقي، بالإضافة إلى إسم المجلة باللغة الفرنسية، ورقم عددها وتاريخ صدورها بالشهر والسنة. بدأ ثمنها بـ (100فلس) ثم زيد إلى (150فلساً) ثم إلى (250 فلساً) ومن ثم إلى(750فلساً) ولقد صدر أول عدد لها في شهر كانون الثاني سنة1971 وآخر عدد لها في شباط 1988وتخللت سنوات صدورها فترة التوقف التي دامت ثلاث سنوات كما ذكرنا سالفاً؛ وبذلك يكون المجموع المجازي لأعدادها الصادرة (180عدداً) وعليه تعد (حسب اطلاعي) أطول المجلات الأهلية(غير الحكومية) عمراً في العراق خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وأكبرها في مجموع صفحات أعدادها، وأكثرها تنويعاً ثقافياً(14)

   وهنا علينا أن نأخذ في الحسبان بأن المجلّة قد توقفت عن الصدور ثلاث سنوات بالتمام (حزيران1984- حزيران1987) ولم يصدر منها غير(5 أعداد) في 1984 و(7أعداد) في 1987 و (عددين) في 1988 واحتوى عددها الصادر في ايار1983 (السنة الثالثة عشر) ستة أعداد ضمنياً(6-12)

 

 

 

(3)

 

   جليّ ان اهتمام مجلة(الثقافة) - بصفتها منبراً مستقلاً، ديموقراطيا وتقدمياً- بالكرد شعباً و قضيةً وثقافةً، نبع أصلاً من موقفها المبدئي، الملتزم بقضية حقوق الإنسان والديموقراطية المترابطة جدلياً مع القضية القومية. ومن هذا المنطلق كانت تنفرد بين سواها من الصحف العربية- العراقية بتهنئة شعبنا الكردي بمناسبة أعياد نوروز وذكرى اتفاقية آذار 1970كل عام، وفي مايلي مقتطف من إحدى تلك التهاني:

" تنتهز(الثقافة) فرص قدوم المناسبات السعيدة في شهر آذار، شهر المحبة والإخاء والسلام؛ لتقدم لشعبنا الكردي أعمق التهاني وأطيب التمنيات، راجية له المزيد من التقدم والإزدهار وتحقيق مطامحه القومية، في إطار عراق ديموقراطي متقدم مزدهر، ووحدة صلبة متينة مع الشعب العربي في العراق وجميع الأقليات القومية..إن مجلة (الثقافة) تكرر بهذه المناسبة تصميمها وعهدها بأن تكون أداةً لتعميق الأخوّة العربية الكردية..." (17)

   وهنا لايهمنا الخطاب السياسي الوارد في افتتاحيات المجلة، التي شبهها الفقيد العظيم د. خالص نفسه ذات مناقشة بيننا، في فترة (الجبهة الوطنية)؛ بخصوص مديحه الطفيف للحكومة، شبهها بحدوة الحصان التي تعلق على الأبواب درءً لخطر العيون الحاسدة، بل وقال مفحماً إيّاي : " دعك من الإفتتاحيات التي لاتتجاوز الواحدة منها ثلاث صفحات؛ فهي باسمي وعلى مسؤوليتي، وهي بمثابة صمام أمان وتمرير ويقع وزرها عليّ ، أمّا أنتم الشباب إذا فيكم خير؛ هاتوا مافي جعبكم ، وصولوا وجولوا على ماتبقى من صفحات أعداد المجلة "

  حقاً لاتعدو الكتابة السياسية غالباً أكثر من معالجات آنية تكتيكية ؛ مقارنة بالطروحات الثقافية ذات البمدى الستراتيجي، وهو ماتحقق في احتضان (الثقافة) لثقافتنا الكردية كمّاً وكيفاً، لايدانيه أيّما احتضان لمجلة عربية أخرى، حتى (الثقافة الجديدة) لحشع طوال تاريخها، بل ولايضاهيه في المستوى المرموق حتى الأقسام العربية الملحقة بالمجلات والجرائد الكردية، خلال تلك الفترة؛ فقد استطاعت(الثقافة) تغطية أكبر مساحة ممكنة من مشهد الحياة الثقافية الكردية: المشكلات، الندوات، المناقشات، المؤتمرات، الحوارات، اللقاءات، المهرجانات الأدبية والفنية، المعارض الفنية، العروض المسرحية، الإصدارات الجديدة، المقالات والدراسات النقدية،بالإضافة إلى ترجمات النصوص: الشعرية، القصصية والمقالية والبحثية، بل ثمة مذكرات رفعها اتحاد الأدباء الكُرد لم تستطع الوصول إلى مرأى ومسمع الرأي العام؛ لولا صفحات(الثقافة) مثلما حصل في أوائل سبعينات القرن العشرين وأوائل ثمانيناته(18)

   وتكمن الأهمية الكبرى للمساهمة الكردية في مجلة(الثقافة):

1-  لأن المجلة لم تخضع للرقابة المباشرة، بموافقة الحكومة، وهو الشرط العظيم، الذي إشترطه الدكتور خالص على صدام (دكتاتور المستقبل) منذ البداية، بل حسب حزب البعث ونظامه المجلة من العطايا الديموقراطية، لتكون لسان حال المستقلين الوطنيين من الديموقراطيين والتقدميين، ثم ان الدكتور خالص لم يلزم أحداً باتباع طروحاته المتناثرة في مقالاته الإفتتاحية. ولقد توافرت الحرية للمثقفين الجريئين لنشر ماتحسبه الصحف الأخرى محظوراً، أو شبه محظور، ثمة عشرات الشواهد والقرائن، لعل أسطعها: مذكرتا إتحاد الأدباء الكرد، مقالة للأستاذ عبدالمجيد لطفي، فصول كتاب (كردستان في عهد السلام/ للدكتور احمد عثمان ابي بكر)، قصائد وقصص لأدباء كرد مغادرين العراق أو ملتحقين بالكفاح المسلح، وعشرات المقالات والدراسات الناقدة والمنتقدة للأوضاع الثقافية والإجتماعية من نقد الجامعات حتى المسلسلات التلفزيونية مروراً بالظواهر السلبية كافة، وكذلك العديد من مقالات ودراسات وترجمات وقصائد كاتب هذه السطور(ج. زنكَابادي) ومنها مقالة( طوبى لمن؟!) المنشورة في خاتمة هذا المبحث.

2-  لكون خط (الثقافة)الفكري مغايراً لخط النظام الحاكم وأذياله؛ فقد حظيت المجلة بحضور جيد، وكانت مقروءة في الوسط الجامعي ووسط النخبة الأدبية والفنية، فضلاً عن وصولها إلى غالبية مدن العراق وقصباته، بما فيها من مكتبات وأكشاك بيع الصحف ومكتباتها العامة....وكذلك إلى نخبة من قراء ومثقفي مصر وبلدان الشمال الإقريقي، والعديد من المستشرقين السوفيات والفرنسيين والطليان والإسبان...وقد افتقرت غالبية الصحف العراقية الأخرى إلى هذه الميزة.

3-  كانت (الثقافة) من المجلات القليلة المعترف بها في الجامعات العراقية؛ والتعويل عليها في الترقيات العلمية الأكاديمية.

 

حصاد الثقافة الكردية في(الثقافة)

 

   والآن حان تقديم تفاصيل حصيلة جردي التمشيطي لأعداد المجلة كافة من أولها حتى آخرها خلال (كانون الثاني1971- شباط1987) على الوجه الآتي:

 

الشعر:

  قيّض لأكثر من (60 شاعراً) كردياً، قديماً وحديثاً، كلا التعريف بهم والترجمة لهم، أو التعريف بلاترجمة، أو الترجمة بلاتعريف، ومنهم:

الملا الجزيري/ علي الحريري/ فقي طيران/ عبدالرحيم مولوي/ نالي/ حاجي قادر كويي/ مهري/ قانع/ دلدار/ كامران موكري/ محمد صالح ديلان/ علي فتاح دزيي/ حسيب قرداغي/ عزيز سليم/ ع.ح.ب/ احسان فؤاد/ شيركو بيكَس/ محمد حمه باقي/ انور قادر الجاف/ فرهاد (انور)شاكلي / لطيف هلمت/ احمد تاقانه/ عبدالله بشيو/ محمد البدري/ صلاح شوان/ سامي شورش/ مدحت بيخو/ جلال البرزنجي/ مارف كَول/ نوزاد رفعت/ عبدالرحمن مزوري/ حسن سليفاني/ خليل دهوكي/ محسن قوجان/ احمد قرني/ تيلي امين/ بهجت هروري/ بدل رفو المزوري/ جوهر كرمانج/ هاشم سراج/ دلشاد مريواني/ محمد امين بنجويني/ دلشاد عبدالله/ كريم دشتي/ عباس عبدالله يوسف/ محمد باوه كر/ نجيب بالايي/ سعدالله بروش/ انور مصيفي، عالية عبدالكريم وجلال ورده زنكَابادي. ولقد بلغ عدد القصائد والقطع الشعرية(199 قصيدة وقطعة) ترجم (ج. ورده زنكَابادي) أكثر من(70) منها، وكان بعض الشعراء منهم ملتحقاً بالحركة التحررية المسلحة، أو خارج العراق! ويتجلى من قائمة أسماء الشعراء مدى الإحاطة بالمشهد الشعري الكردي( العراقي خاصة) والديموقراطية السائدة في التعددية الجيلية والمشارب السياسية والفكرية والمذاهب الأدبية..

   وهنا تجدر الإشارة إلى ملف ( هذه بعض الأصوات وهذا بعض رنينها) الذي أعده ترجم قصائده: آزاد مولود، والذي راجعه ونقحه(ج. زنكَابادي) وكان وراء نشره(دون أن يذكر اسمه) والمنشور على الصفحات (210-238) في العدد السادس (ت2سنة 1987) والذي ضم اصوات النخبة الطليعية من الشعراء الشباب آنذاك، فلولا مجلة(الثقافة)؛ لما رأى النور في تلك الفترة الحالكة من تاريخ كردستان العراق، وقد برز أولئك الشعراء لاحقاً، متصدرين المشهد الشعري، بعد إنتفاضة آذار1991 ومازالوا...

   ولو قيّض جمع وتحرير هذه القصائد والقطع لإصدارها في كتاب بعنوان(ديوان الشعر الكردي / في الثقافة)؛ لكان أكبر وأفضل بانوراما(في 500صفحة من القطع المتوسط، على الأقل) للشعر الكردي خلال عقديّ السبعينات والثمانينات من القرن العشرين،ناهيكم عن القدامى، لاتنقصها سوى بضع قصائد لبضعة شعراء آخرين مهمين.

 

القصة القصيرة:

 نشرت(الثقافة) (25 قصة قصيرة) لخمسة عشر كاتباً، من شتى الأجيال والمذاهب الأدبية، وقد ترجم منها (ج.ز) (12 قصة) ويمكن جمع وتحرير واصدارها في كتاب كبير:

 د.معروف خزندار/ حسين عارف/ محرم محمد امين/ د. كاوس قفطان/ محمد موكري/ رؤوف بيكَرد/ احمد محمد اسماعيل/ احلام منصور/ سلام منمي/ مصطفى زنكَنه/ صدرالدين عارف و عبدالله طاهر البرزنجي....

وهنا تجدر الإشارة إلى نشر ترجمتي لقصة( الأرجوحة) للكاتب القدير محمد موكري، قبل نشرمتنها بالكردية؛ والذي أضطر القائمون على مجلة (بيان) أو (روشنبيريي نوي) نشرها بعدما أسقط في أيديهم؛ إثر نشرها بالعربية!

 

المقالات والدراسات:

   بلغ عدد المقالات والدراسات المؤلفة والمترجمة، والمتابعات(التقارير الخبرية) المنشورة على صفحات(الثقافة) (132....) وأبرز المساهمين في هذا المجال هم:

د. احمد عثمان ابو بكر: (31حلقة) من كتابه الوثائقي المهم (كُردستان في عهد السلام، بعد الحرب العظى الأولى) والذي رفضت المجلات الأخرى نشره، بالإضافة إلى العديد من المقالات والدراسات...

جلال وردة زنكَابادي: (13) مقالة ودراسة مترجمة ومؤلفة، في شؤون الثقافة الكردية،بالإضافة إلى العشرات من المقالات والترجمات في شؤون الثقافية العالمية.

الأستاذ زبير بلال اسماعيل: (10) مقالات ودراسات.

الكاتب عبدالغني علي يحيى: (32) تقريراً (رسالة كردستان الثقافية) مع بضع ترجمات لنصوص شعرية وقصصية.

وهنا تجدر الإشارة إلى أسماء آخرين رفدوا المجلة بمساهماتهم رغم قلة عددها: د. كمال مظهر احمد/ دز معروف خزندار/ د. عبدالستار شريف/ د. فؤاد حمه خورشيد/ د.نافع عقراوي/ شكور مصطفى/عبدالله قادر كَوران/عبدالرقيب يوسف/ عبدالمجيد لطفي/ اسماعيل رسول/ محمد الملا كريم/ نورالدين محمد سعيد/ فاضل كريم احمد/ ابراهيم باجلان/ آزاد مولود/ عادل كَرمياني/فيصل دباغ/ رمزي الحاج عقراوي / د. عبدالله حداد/ كمال غمبار/ محمود زامدار/ وعبدالله قرداغي....

 

  اللقاءات والحوارات:

نشرت (الثقافة) الكثير من اللقاءات والحوارات مع أبرز الوجوه الأدبية والفنية الكردية، ومنهم:

د. معروف خزندار/ احمد سالار/ حسيب قرداغي/ كريم شارزا/ طلعت سامان/ عبدالرقيب يوسف/ محمد صالح ديلان/ عزيز كَردي/ بيربال محمود/ محمد توفيق وردي/ عبدالعزيز خانقاه/ خورشيدة بابان، مصطفى صالح كريم و كَزيزة...

 

اللوحات والتخطيطات:

 نشرت (الثقافة) على الأغلفة الأخيرة لبضعة أعداد بضع لوحات وتخطيطات للفنانين الكرد: محمد عارف/ عزيز سليم/ دارا محمد علي/ و اسماعيل خياط...وآخرين، والتي زوّد كاتب هذه السطور، المجلة بها. 

 

مساهمات الكتاب العرب وغيرهم في الشأن الكردي:

  ساهم بعض الكتاب العرب والآشوريين في تناول الشأن الكردي الثقافي خاصة وفي مقدمتهم المغفور له الدكتور صلاح خالص في العديد من الإفتتاحيات، والأساتذة : علي منهل، جليل كمال الدين، ابو دعد، ناظم متي ، وناصر يوسف.... 

     

مساهمات الكرد في شؤون الثقافة العربية والعالمية:

   ساهم الأدباء والباحثون والمترجمون(من الأرومة الكردية) ممن يكتبون بالعربية ويترجمون إليها عن اللغات الأخرى، ساهموا أكبر مساهمة (خارج إطار الشأن الكردي) في رفد المجلة بالكثير من: النصوص الشعرية والقصصية والمسرحية والمقالات والدراسات ذات المستوى الرفيع، ومنهم: د. حسين قاسم العزيز(الفيلي)/ د. احمد عثمان أبو بكر/ نورالدين محمد سعيد(الراحل المأسوف على شبابه)/ الشاعر عبدالستار نور علي(الفيلي)/ عبدالمجيد لطفي/ جودت بلال اسماعيل/ يوسف الحيدري/ ابراهيم باجلان/ هيرو كَوران/ ابراهيم سعيد الجاف/ فائز محسن/ عبد الرزاق الخالدي(الكلهري)/ جلال جميل الخالدي(الكلهري)/ ريدار انور محمود/ محمد احمد العلي(المندلاوي)/ عبدالرحمن عبدالقادر/ محيي الدين زنكَنه/ ومدوّن هذه السطور(ج.زنكَابادي) ولقد ناهزمجموع صفحات مساهماتهم أكثر من ألف صفحة.

   لقد برهنت (الثقافة) بإحتضانها الحميم لشتى جوانب الثقافة الكردية، وبهذا الحجم والنوعية؛ ان ثمة تفهماً جيداً محموداً للقضية الكردية من قبل شخصيات ثقافية وطنية كبيرة، لها وزنها وصيتها المشهودان داخل العراق وخارجه؛ ممّا يُعد مكسباً كبيراً وخطوة جريئة وواسعة على درب الحوار الثقافي وتدشين التآخي المنشود، محطمة لقماقم غيتوات الشكوك والظنون المتبادلة!

  ورغم ان المساهمة الكردية في (الثقافة) لم تبلغ مستوى الطموح المرجو؛ لكنها كانت ومازالت هي المتميزة عددياً ونوعياً وسط نظيراتها في سائر الصحف العربية(العراقية) منذ ولادة الصحافة في العراق حتى الآن، بل وتعد من أسطع الأدلة على ثقل الكرد وحضورهم في شتى محاور الحياة الثقافية في العراق. ولعلها تعد أيضاً من أهم المصادر والمراجع للباحثين العرب وحتى الكرد أنفسهم لدراسة جوانب مهمة من حركة الثقافة الكردية المعاصرة، خلال أحرج الحقب!

  أمّا لماذا لم تبلغ المساهمة الكردية مستوى الطموح؛ فلغياب التنسيق نهائياً حتى بين المثقفين الكرد المساهمين فيها، فلم يتم استغلال تلك الفسحة الكبيرة الحرة المتاحة بصورة مبرمجة، حيث ظل نشرهم فيها إنفرادياً، متذبذباً، متفاوتاً ومتبايناً في عدد المساهمات ومستواها النوعي، ثم إن القاريء اللبيب الحصيف سيدرك حتماً علل وأسباب قصور المثقفين الكرد، بل حتى قصور زملائهم العراقيين الآخرين في استغلال منبر(الثقافة)، وذلك عبر مجمل مبحثنا، والتي شخصناها بذيلية بعض المثقفين الكرد للحزب (القائد!) وجبن بعضهم الآخر، و بالنسبة لبعض آخر إنعدام الرواتب والمكافآت والأضواء المنشودة ، المبذولة ببذخ في صحافة الدولة والحزب؛ مادام حتى حاملو الهوية الصحافية للعاملين في (الثقافة)، وأنا منهم، لم يحظوا بأي مكسب يُذكر من النقابة، بل حتى لم يشملهم تخفيض أثمان مطبوعات وزارة الثقافة والإعلام بنسبة 50%  حسب التقليد المتبع في  مكتبات(الدار الوطنية) المتناثرة في بغداد ومراكز المحافظات! وأعتقد بأن الكاتب الوحيد الذي إستفاد استفادة هائلة من تلك الهوية الصحفية(الخلّبيّة) هو الزميل شاكر نوري، الذي ساعدته،الهوية التي دبّرت الحصول عليها وأرسلتها إليه بالبريد المسجّل، في أواخر 1977 أو أوائل 1978 ساعدته في الحصول على إقامة عمل في باريس، ريثما حصل على إقامة دراسة، حتى نيله شهادة الدكتوراه! أمّا أنا فقد سبب لي لونها الأحمر غير مرة وجع رأس في (سيطرات الإنضباطية)! لكوني عضوا ًمشاركا، حيث كان لون هوية العضو العامل المتفرغ للصحافة أخضر، ولمّا علم زميلي الشاعر اللطيف المعشر صلاح شوان بمحنتي (حين كنت مساقاً لخدمة الإحتياط وبأمس الحاجة إلى هوية مجدية أعبر بها السيطرات) قال:

-    أعطني فقط صورتين؛ سأدبّر لك هوية تجديك حتى لو كنت هارباً!

-    أخشى أن تدبر لي هوية(جحش)!

(أي هوية الأفواج الخفيفة التي إنخرط فيها مئات الألوف من الفارين الكرد وغيرهم، بينهم الكثير من المثقفين، وكانت تسمي بأفواج الدفاع الوطني!)

-    لا ياعزيزي ، سأدبّر لك هوية جحشية أخرى أفضل، خلال يومين أو ثلاثة.

( وإذا به يجلب لي مشكوراً هوية إتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، والتي كانت مجدية فعلاً في اجتياز السيطرات...علماً بأني لم أحبّذ البتة الإنتساب لذلك الإتحاد، ولا لنقابة الصـحفيين إلاّ اضطراراً وعلى مضض...حيث أجبرتني السيطرات اللعينة على حمل تينك الهويتين ، بل ولاحقتني مفارقة منغصة بفعل هوية الإتحاد؛ إذ طالما أدرجوا اسمي في قائمة أعضاء الإتحاد، طبعاً مع أغلب الأدباء العراقيين المدعويين (دعوة خلّبيّة بمعنى العبارة) إلى مهرجانات المرابد ، و " الذي يدري؛ يدري. والذي لايدري؛ قبضة عدس" !

     

 لقد كانت (الثقافة) بإلتزامها المبدئي برسالتها التقدمية الديموقراطية، وجديتها المشهودة رئة سليمة وقوية نادرة لتنفس الثقافة الكردية الحقيقية؛ فلاغرو إن صارت مصدراً ومرجعاً وسجلاً حافلاً لحركتنا الثقافية إبان سبعينات وثمانينات القرن العشرين، مهما غدرها التعتيم والتجاهل ، بل بات مصيرها مصير كل جندي مجهول جريء مستبسل ومستميت، يطوي الطمس والجحود والنكران دوره وذكره وذكراه!

  أجل؛ إن مسيرة (الثقافة) الظافرة ونهايتها المؤسية ستظلان من أهم الدروس والعبر المأثورة، لا في تاريخ الصحافة والثقافة العراقيتين فحسب، بل وفي حياتنا الثقافية الكردية؛ حيث هدمت المجلة أسوار الغيتو الثقافي بجرأة ، مدشنة الحوار الثقافي بكل مافي وسعها بين إنتلجنسيا القوميتين الرئيستين في العراق، و ساعية بكل حرص وصميمية إلى تعزيز وترسيخ أواصر ومداميك التآخي بين إثنيات وأطياف العراق كافة.

 

عراقيل ومعوّقات :

  لإفتقار مجلة(الثقافة) إلى التمويل المناسب والدعم الكافي؛ لم يكن في مقدورها صرف الرواتب والمكافآت لمحرريها والمساهمين فيها(إلاّ ماندر) وللسبب نفسه؛ كان إخراجها الفني متواضعاً جداً، حيث لم يكن في المقدور نشر الصور والخرائط والرسومات التوضيحية فيها إلاّ ماندر. وكانت الأخطاء المطبعية تشوب صفحاتها بصورة ملحوظة؛ حيث لم يعمل فيها مصححون ومدققون لغويون، بالمفهوم المتعارف عليه في العمل الصحافي، علماً بأن المغفور له الدكتور خالص والدكتورة سعاد وأولادهما والقلائل من المتطوعين(أحياناً) يقومون بالعمل الروتيني المجهد آنذاك. 

   يمكننا القول الجازم : لم ولن توجد لحد الآن مجلة أخرى صادرة من قبل العرب العراقيين وغيرهم، قد أسدت مثل هذه الخدمة الكبيرة التي أسدتها مجلة(الثقافة) للثقافة الكردية المحاصرة، في أحلك الفترات( ثمانينات القرن العشرين بالأخص) حيث أتاحت الفرصة لإطلاع قراء ومثقفين حتى في مصر والشمال الافريقي والعديد من المستشرقين الفرنسيين والروس وغيرهم، على مشهد الثقافةالكردية عبر قرابة ألفي(2000 صفحة) : 199قصيدة وقطعة شعرية، 25قصة قصيرة، أكثر من 150 مقالة ودراسة ومقابلة وحوار وبضع لوحات وتخطيطات فنية، فضلاً عن قرابة ألف(1000) صفحة أخرى في شؤون الثقافة العربية والعالمية لأدباء وباحثين ومترجمين من الأرومة الكردية، أي مايمكن نشره في ثلاثين كتاباً من القطع المتوسط، على الأقل.

   بعد أستقرائنا لعطاء(الثقافة) الفريد على ساحة الصحافة العربية، ومن أجل استكمال المشهد عبر المقارنة؛ لابد من ذكر المجلات الآتية، المجايلة لـ (الثفافة) إذ شهد عقد سبعينات القرن العشرين بالأخص إزدهاراً صحافياً عددياً ونوعياً نوعمّا ، بصدور مجلات تعنى بالثقافة الكردية، وأكثرها مزدوجة اللغة، أي بالكردية والعربية:

1-  روزي كوردستان= شمس كردستان: بداية السبعينات- أواخر الثمانينات.

2-  كَوفاري كوري زانياري كورد= مجلة المجمع العلمي الكردي، مجلة الهيئة الكردية لاحقاً: 1973- بداية التسعينات.

3-  ئوتونومي= الحكم الذاتي: منتصف السبعينات- بداية التسعينات.

4-  كاروان= المسيرة(الصواب: القافلة، لكن السلطة العفلقية فرضت مفردة تناسب ايديولوجيتها): 1982- 1991، وقد إستأنفت وزارة ثقافة إقليم كردستان إصدارها منذ مطلع 1993 باللغتين الكردية والعربية(على حدة) حيث أنيطت سكرتارية تحرير(القافلة/العربية) بـ (ج. زنكَابادي) وسرعان ما اغتالها الإحتراب الأخوي  المقيت، وعمرها سنة واحدة (4 أعداد) أمّا عددها الخامس فقد تمسخ على أيدي نفر من العفلقزادات، بحيث خجلوا حتى من توزيعها في المكتبات! طبعاً إثر استقالتي منها؛ لكوني مستقلاً ورافضاً لإحتراب الحزبين الكبيرين.

5-  باشكوي نووسري كورد= ملحق الأديب الكردي: بضعة أعداد(1986- منتصف التسعينات)

6-  الثقافة الجديدة(1969- حتى الآن)

   يعد عطاء( الثقافة) العددي والنوعي نداً لأفضل ما في أية مجلة من هاتيك المجلات، بل يتجاوز أكثرها؛ بالرغم من توافر الدعم الكبيرالمادي والمعنوي والفني لهاتيك المجلات، بالقياس إلى الإمكانات المتواضعة جداً لـ (الثقافة) فضلاً عن محاربتها بشتى الأساليب الجهنمية!

  إذنْ؛ أليس ظلماً وإجحافاً لايغتفران أن يتجاهل الباحثون الكرد (الذين يكتبون في هذا المجال) عطاء(الثقافة) الهائل والفريد؟ ثم أليس تناسي أهل(الثقافة) جحوداً ونكران جميل، لاسيما من لدن العديد من الدكاترة الكرد ، الذين حصلوا على شهاداتهم بفضل الدكتور صلاح خالص؟

  لكي تتأكدوا من فحوى تساؤلاتي المشروعة؛ إقرؤوا معي ماكتبه الأديب المعروف حسين عارف وآخرون مشيدين بجميل بعض المجلات والمطبوعات لإيلائها الإهتمام بالثقافة الكردية:

-    " ...لنتمعّن في المبادرة الفريدة ( و أقولها فريدة، لأنها الأولى من نوعها حسب علمي) التي أقدمت عليها مجلة(الأقلام) الغراء بعددها(2،3 شباط و آذار 1984) بتخصيص ملف للقصة الكردية" (19)

إن (المبادرة الفريدة) التي أشادها وهوّلها الأستاذ حسين عارف وتناسى فيض فضل(الثقافة) لم تتعد 10قصص قصيرة مع مقالتين ودراستين، بغض النظر عن مستواها الترجمي! ولقد عاود الأستاذ نفسه الكرة مبهوراً بإنجازات أخرى قائلاً:

- " ....وخلاصة القول اننا بكتابنا الثالث هذا، إلى جانب كتابينا (عشرون قصة كردية مترجمة) و (الذئاب) نكون قد أنجزنا حتى الآن فخورين بمهمة تعريفكم بنماذج من نتاجات 21 شاعراً و 30 قاصاً و 10 كتاب من إخوتكم الأدباء الكرد" (20) والكتاب الثالث المقصود يضم 67 قطعة شعرية لواحد وعشرين شاعراً، 14 قصة قصيرة لأربعة عشر قاصاً و 11مقالة لعشرة كتاب. وكل ماذكره هو مجمل المنجزات (باللغة العربية) لـ (الأمانة العامة للثقافة والشباب) آنذاك على مدى عشر سنين!

والأنكى من هذا الموقف هو تجاهل ذكر مجلة(الثقافة) تجاهلاً لايُغتفر من قبل السيد عبدالكريم فندي الدوسكي في دراسته (مسارات تطور الثقافة الكردية) (21) علماً بأنه تجشم عناء تمشيط سائر الصحف، وتوقف مشيداً حتى بأفضال مجلات: وعي العمال/ التبغ/ المرأة/ الثورة الزراعية...والتي لم تخصص أفضلها أكثر من بضع صفحات، ناهيكم عن مضمونها الدعائي ومستواها الهزيل!

   ولعل مايحز في النفس أكثر أن الباحث المؤرشف الدؤوب المعروف مصطفى نريمان، لم يتطرق ولو بجملة واحدة إلى دور وفضل مجلة(الثقافة) في خدمة الثقافة الكردية! 

وعليه مابرحت التساؤلات الآتية تأخذ بخناقي:

-    هل يجهل هؤلاء وغيرهم من الأدباء والباحثين الكرد وجود مجلة(الثقافة) وقد ساهم بعضهم فيها، أو نشرت فيها ترجمات لبعض نتاجاته أو كُتب عنه فيها؟!

-    هل تناسوا(الثقافة) وتجاهلوها عمداً، ولماذا؟!

-    هل كانت (الثقافة) في قائمة التابوات و(المسكوت عنه)؟!

وهنا لابدّ أن أسترسل في أحد تساؤلاتي:

- لقد كانت(الثقافة) غير خاضعة لرقابة الدولة ومشرعة الأبواب دائماً لإستقبال ثمرات كل قلم خيّر، وقد أكّد الراعي الكبير د. خالص لأكثر المثقفين الكرد الذين إلتقوه وإلتقاهم ولي بالذات غير مرة بأنه مستعد لتخصيص ملف( 60 صفحة) للثقافة الكردية، يحرره مثقفون كرد بلا أيّ تدخل منه؛ إذنْ لماذا كان المثقفون الكرد القادرون على المشاركة الدائبة فيها قلائل، أو مقلين في مساهماتهم، أو حتى مقاطعين لها، وخاصة قبيل وبعد انهيار الجبهة الوطنية واعتلاء صدام الدكتاتور العرش العفلقي؟! أهو التقاعس، وكان أكثرهم ناشطاً جداً في النشر على صفحات الصحف الحكومية؟! أهو الخوف؛ لكون(الثقافة) شبه ممنوعة، وكان مثل النظام العفلقي معها مثل(بلاّع الموسى)؟! أهو فقر(الثقافة) المالي، حيث كان يتعذر عليها أن تدفع أيّة مكافآت ولو رمزية، بالمقارنة مع سخاء صحف الدولة و(الحزب القائد!)؟!   

  أعتقد يمكن استنتاج الأجوبة من التساؤلات نفسها، ناهيكم عمّا في المبحث عموماً؛ فقد تيقنت فعلاَ ان الجبن كان له الدور الكبير؛ فقد كان أكثر المثقفين يخشون شراءها واقتناءها! يليه انعدام المكافآت؛ فمثلاً كف كاتب مسرحي بارزعن النشر فيها بعد مساهمة واحدة؛ لإنعدام المكافآت، كما بيّن لي شخصياً، في حين واصل الأستاذ حسين الجليلي النشر فيها حتى الرمق الأخير، وكذا الحال مع الأديب(المأسوف على شبابه) نورالدين محمد سعيد، والأساتذة:عبدالمجيد لطفي، حسين العزاوي، قاسم عبدالأمير عجام ، خليل الطيّار، كفاح محمود، عادل كامل، جمال جمعة، رسمية محيبس، رشيد مجيد، د. خالد العزي، د. جليل كمال الدين، مثري العاني وآخرين لاتكفي هذه الفسحة لدرج أسمائهم، راجياً منهم المعذرة؛ لأن مبحثي يتعلق بالثقافة الكردية حصراً. والمفروض أن ينبري باحثون عراقيون (من العرب خاصة) لدراسة المنجز الثقافي العربي في مجلة (الثقافة) خصوصاً في العهد الدكتاتوري الذي إشتد سواده يوماً تلو يوم؛ فسيستنتجون ما يتجاوز بكثير أستقراءات واستنتاجات الباحث القدير سلام عبود في كتابه المهم (ثقافة العنف في العراق)

وهنا يكفي أن أقدم شهادة الفنان الكارياتيريست المبدع كفاح محمود، الوفي (في زمن عزّ فيه الوفاء والإعتراف بالجميل) لإلقاء الضوء على شخصية الإنسان والمفكر د. خالص راعي (الثقافة) المنيرة:

   " كنت في المرحلة الثانية من دراستي في اكاديمية الفنون الجميلة ، يوم توجهت بصحبة صديقي المسرحي خليل الطيار الى مكتب مجلة الثقافة في الباب الشرقي، والتي كان يصدرها الراحل الدكتور صلاح خالص، الذي كان يجلس وحيداً في البناية، ذلك الرجل الذي اسعده قدومنا عليه، وكانت سعادتنا بذلك الشيخ الرائع اكثر واكثر حيث منحنا الحب والتقدير وسلمنا المجلة كلّها.

   وكان خليل الطيار يحرر المجلة من الالف الى الياء، وكنت اصمم واخط العناويين الرئيسة مع رسوم للسكيتشات الداخلية وارسم لوحة المجلة في الغلاف الاخير.

   الدكتور صلاح خالص انسان بكل ما تزخر به هذه الكلمة من المعاني وهو يجسدها سلوكاً فكرياً وحياةً احسسّناها لحظة ادخلنا الى بيته واحتضننا حداً نحسد عليه في زمن كان الحديث والصحبة مع مفكر مثله اشبه بالحلم لشباب في بدء الطريق. انه معلم كبير اتذكره واقول في حقه ماقاله احد الحكماء "ابي جاء بي الى الارض، ومعلمي ارتقى بي الى السماء"  المعلم صلاح خالص الذي فتح بيته وقلبه لي والذي تعلمت من سلوكه، العلمية والدقّة الصحفية والامانة، اقول في حقه ماقالة افلاطون، الذي شكر ربه على خلقه في زمن سقراط " (22)

 

  ولأعد إلى الجحود الكردي بحق أصدقاء خلص عظماء للشعب الكردي وقضيته العادلة وثقافته المجسّدة لهويته القومية، المتعرضة دوماً للغزو والطمس والتشويه. فقد إستعدى المتعفلقون من الكرد العاملين في : مديرية الثقافة الكردية، جريدة(العراق) و الأمانة العامة للثقافة والشباب في منطقة كردستان للحكم الذاتي ، والأوساط الجامعية إستعدوا بضع مرات بتقاريرهم الخبيثة واللئيمة أعلى أصحاب القرار الثقافي والإعلامي البعثيين على مجلة (الثقافة) على انها وكر للمخربين والحاقدين على (الحزب القائد!) و(الثورة العربية!) و( القائد الضرورة!) ناهيكم عن تعتيمهم الدائم على صدور أعداد المجلة ونشر الإشاعات الخبيثة ضدها...وهكذا صب أعداء الفكر الطيب والإبداع الحقيقي جام ضغينة حسدهم على (الثقافة) مثيرين حفيظة السلطات الفاشية- الشوفينية؛ حتى اغتالوها. 

 ومابرح (مثقفو) فلول العفالقة والستالينيين والطائفيين المخضرمين المتحاصصين يفبركون لهم تواريخ نضالية زاهية(زائفة) ويعتمون في الوقت نفسه ماشاء لهم التعتيم على كل نور أو بصيص حق في العهد العفلقي المباد، كمجلة(الثقافة) المقاومة ذات الدور الفريد في حقبة الطاعون الفاشي وفي ظل الكابوس العفلقي متناسين ، متجاهلين ولاغين لدورها الشريف.

 

لعلّ في التذكير بالجحود ونكران الجميل دروساً وعبراً:

  إنني لأتحدى إن كانت جريدة (التآخي) في دورتها الجديدة بعد سقوط النظام العفلقي ولحدّ الآن، وفي أجواء الحرية والديموقراطية، قد قدّمت مايضاهي ربع ماقدمته مجلة الثقافة عدداً ونوعاً، في أجواء الكبت والقمع والإستبداد قبل عقود، حتى مع استغلال رئيس تحريرها(التآخي) بإعادة نشر أحد كتبه المنشورة من جديد في حلقات؛ ويا له من إفلاس شنيع!

  و لعلّ ما يحزّ في النفس أكثر ما نشهد هنا وهناك من تمجيد لهذه الجريدة أو تلك المجلّة؛ لأياديها البيضاء في احتضان الثقافة الكردستانية، وهي لاتستحقه! فمثلاً، يقول الشاعر والكاتب حسن سليفاني عن جريدة (الأديب) البغدادية، بمناسبة تدشين السنة السادسة من مشوارها الذي نتمنى دوامه : " بلاشك، الأديب الآن هي أنموذج يٌقتدى بها في المجال الصحفي الثقافي بلامنازع في العراق لجديتها وانحيازها التام للإبداع الثقافي أيّاً كان شكله ولونه ومصدره، و بخاصة انها فتحت صفحاتها لنصوص الأدب الكردي برحابة صدر وصدق، وساهمت بالتعريف لحد ما بأسماء ثقافية من الوسط الكردستاني"(23) وهنا أيضاً أتحدى إن كانت (الأديب) وعبر ست سنوات في أجواء الحرية والديمقراطية، قد قدّمت للثقافة الكردية مايضاهي عطاء سنة واحدة من سنيّ عطاءات (الثقافة) ناهيكم عن ان (الأديب) وأمثالها(حسب ستراتيجيّلتها الخفيّة، لكن المتجلّيّة فعليّاً) لاتحتضن وبرحابة صدر وصدق إبداعات - المثقفين الكردستانيين – ذات المستوى المرموق(الند أو المتخطّي لمستوى نظيره العربي) إنّما تكتفي تكتيكيّاً بالنزر اليسير من المستويات غير المهددة لمنزلات نجومها وخطف الأضواء منها

( حتى في لغتها العربية نفسها) كقطع في إكسسواراتها، وتحت وصاياتها، ليس إلاّ، ناهيكم عن نزعاتها الشوفينية الإستعلائيةّ! وأغلبيتها ترحّب، وعلى مضض حتى، بالأدباء الكرد وغيرهم من المندمجين، المنسلخين عن قضاياهم القومية، أي أولئك الذين يتماهون مع قضايا(الأمة العربية) ولي مع بعضها تجارب مريرة، سأكشف عن تفاصيلها في مناسبات أخرى مناسِبة!        

   وهنا ينبغي على الأدباء والمثقفين الكرد عموماً، بما فيهم الساسة الوطنيون الشرفاء؛ أن يدركوا جيداً حقيقة حجم المساهمة الكردية النوعية البارزة والمؤثرة على صفحات (الثقافة) الغراء، وإنها ما كان يُقيّض لها أن تتجسّد بذلك الحجم والنوع والحضور؛ لولا تفاني إخوتهم الكتاب والمترجمين والباحثين الكرد والعرب والآشوريين....والذين طالما ظل أكثرهم ومازالوا جنوداً مجهولين لايحظون بغير الجحود والنكران والتجهيل والإقصاء والتهميش، ويمثل كاتب هذه السطور أبرز وأسطع الأمثلة. ليس هذا فحسب، بل عليهم أن يدركوا، من قبل ومن بعد، انه لولا وجود مفكر متنور تقدمي ديموقراطي كبير مثل الدكتور صلاح خالص ومفكرة تقدمية متحمسة كعقيلته الدكتورة سعاد محمد خضر؛ لما كان ثمة لهذا المنجز الثقافي وجود أصلاً!

فمتى سيحتفي المثقفون الكرد بأصدقائهم الخلّص أمثال: شاكر خصباك، عزيز شريف وصلاح خالص وآخرين قدّم كلّ واحد منهم من العطاء الثقافي والموقف المساند ما لم يقدّم عشره الشاعر الجواهري صاحب التمثالين المنصوبين في أربيل والسليمانية، والذي إمتدح الحكام العفالقة بما فيهم: البكر وإبنه محمد وصدّام الدكتاتور الأرعن..بمئات الأبيات!       

 

 

 

 

طوبى لمن؟!

(في ذكرى د.صلاح خالص)

 

جلال زنكَابادي

 

   لم أحظ بالتتلمذ على الدكتور صلاح خالص، لكنني حظيت بالتعرف إليه، منذ منتصف السبعينات، ثم كانت لنا العشرات من اللقاءات الحميمة والحوارات العميقة، التي تجلى عبرها عراقياً أصيلاً وبصراوياً صميمياً، تتجسّد فيه دماثة الخلق والطيبة والصدر الرحب والرؤية الموضوعية والبصيرة الثاقبة والصبر الأيّوبي...أجل؛ فقد شهدت عن كثب صراعه البطولي مع المرض والعمى وبتر ساقيه، ناهيكم عن اللاإكتراث الصقيعي من قبل ناكري الجميل والجاحدين وقوى الظلام ؛ ممّا جعلني أصدّق فحوى رواية " والفولاذ سقيناه" لإستروفسكي ، وأدركها إبداعياً، بعد سنين طويلة من قراءتها!

   يقيناً ان مسار هذا المثقف الوطني الغيور قد تواشج مع تاريخ حركة التحرر الوطني في أنصع صفحاته، لاسيما قبل ثورة 14 تموز 1958 ومابعدها...فمن يجرؤ أن ينكر دوره المؤثر في المحافل الثقافية والوطنية، منذ أوائل الخمسينات حتى رحيله المأساوي قبل سنة؟ أوَلَم يكن من أصدق وأخلص دعاة تحرر العراق واستقلاله ووحدته الوطنية وتآخي قومياته؟ أوَلَم يكن من أشد المناهضين لكل أنماط الثقافة المعادية لطموحات الشعوب المشروعة؟ أوَلَم يكن مدافعاً مستميتاً عن الكرامة الإنسانية والعدالة الإجتماعية والثقافة التقدمية؟ أوَلَم يكن ضد كل أشكال التمييز العنصري؟ وأخيراً وليس آخراً، ألَم يكن صديقاً مبدئياً لشعبنا الكردي ومناصراً لحقوقه وطموحاته المشروعة؟!

   هكذا علمنا هذا المربي الفذ أعظم الدروس: ان الإنسان موقف، المثقف موقف، الكلمة موقف والفعل موقف ، في موقف شمولي هو الإيمان بعدالة المبدأ وعزة الذات الإنسانية الخلاقة...ولذا أشهد الآن روحه الطاهرة مع كوكبة من الأرواح المنيرة : حسين مروّة، جكَر خوين، فيض احمد فيض، معين بسيسو، يلماز كَوناي، سعيد سلطانبور، نجيب سرور، عبدالخالق معروف، فكتور كَارا، هيمن كردستاني، حسين الجليلي، بنيامين مولويز وغيرهم من أولئك الأحياء بيننا، بل ومابعدنا حتماً؛ ماداموا قد اختاروا دحرَ الموت مع سبق الإصرار! **

   ومع ذلك.. ماأقسى غياب أجساد أولئك الحاضرين في ضمير التاريخ والمستقبل! آه ! ليس في وسع المرء إلاّ أن ينحني اعترافاً بالجميل أمام ثراكم الطاهر وذكراكم الملهمة...

  وأخيراً، لابدّ من أن أسأل:

- أليس الشعب الكردي مديناً لهذا الصديق المتفاني ؟ ألَم يكن لع الحق علينا في: نعي، أو تأبين، أو أربعينية، أو رثاء.....وهذا كله ليس سوى بعض وفاء؟!

 لكنْ واأسفاه!

واخجلتاه!

حقاً يظل المرء في حيرة:

-    أ هو نكران للجميل؟!

-    أ هو التعتيم البليد؟!

-    أ هو الجبن وأزمة الشجاعة؟!

-    أم ماذا؟!!!    

إنّما يظلّ عزاؤنا ان مربياً ومفكراً كبيراً كصلاح خالص يظلّ أكبر من أن يحتاج إلى كلمات أشباه الأحياء، الذين هم الأحوج إلى ...والرثاء! ناهيكم عن كلمات من يسفحون الأحبار الغزيرة من أجل التكسّب الوضيع!

   ثم يظلّ عزاؤنا الأكبر في ما تركه من تراث ثقافي كبير ورسالة سامية مقتفاة، ولعل ثمة بعض العزاء أيضاً في عودة ابنته الكريمة (الثقافة) إلى استئناف مسيرتها الظافرة، حيث ترعاها وتحدب عليها المفكّرة والأم الواعية، المستميتة والدؤوبة د. سعاد محمد خضر...

فطوبى لكل من ينتصر على موته يا أباسعد!*** (24)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدكتور صلاح عبدالرحمن خالص

 

-    من مواليد البصرة 1925

-    خريج دار المعلمين العالية، وحاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب الأندلسي من جامعة السوربون بباريس.

-    كان عضواً في الجبهة الوطنية (1957) عن اليسار المستقل، قبيل سقوط الحكم الملكي. وقد شهدت خمسينات القرن الماضي نشاطاً سياسيا وإعلامياً مشهوداً له.

-    عمل مديراً عاماً للمعارف بعد ثورة 14 تموز 1958 ثم انتقل إلى التدريس في جامعة موسكو منذ مطلع الستينات حتى عودته الى العراق في أوائل عام 1968، حيث عمل أستاذاً في جامعة بغداد حتى احالته على التقاعد عام 1984  بقرار من مجلس قيادة الثورة "لمقتضيات المصلحة العامة"! وقد  تجاوزت خدمته الجامعية على الاربعين عاما، أشرف خلالها على العشرات من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه.

-    ترأسٍ تحرير مجلّة (الثقافة الجديدة) منذ عام 1954، ثم مجلة (الثقافة ) خلال الفترة (1971-1987)، حيث نشر عشرات الإفتتاحيات والبحوث في مجلّتيّ (الثقافة الجديدة) و(الثقافة) كما نشرت له العديد من المطبوعات العربية اقتباساً منهما...

-    عضو مؤسس في نقابة الصحفيين العراقيين واتحاد الأدباء العراقيين واتحاد الصحفيين العرب وعضو جمعية المعلمين العراقية

-    أهم مؤلفاته المتخصصة: اشبيلية في القرن الخامس الهجري/ المعتمد بن عباد/ محمد بن عمار الأندلسي/ وكتاب عن جان جينيه.

-    قضى المرحوم حياته عاملاً بصمت ودأب وعناد؛ من أجل نشر الفكر العلمي التقدمي. وكان عاشقاً لشتّى الثقافات ، وخصوصاً للثقافتين العربية والكردية، إذ كان يحلم أن تتآخى تينك الثقافتان وتتآزرا لبناء عراق حر وديمقراطي، ومن هذا المنطلق عمل على تكوين جبهة ثقافية تقدمية تروّج لمفاهيم السلم والعدالة الإجتماعية، ضمّت الكثيرين من المثقفين العراقيين عرباً وكرداً وآخرين...

*******

الدكتورة سعاد محمد خضر

 

-    من مواليد الاسكندرية، مصر عام 1928

-    حاصلة على شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة موسكو، وقد حصلت على اللليسانس من جامعة الإسكندرية عام 1953.

-    درست في جامعة بغداد/ كلية الادآب – قسم اللغة الفرنسية  وفي المعهد الفرنسي ببغداد خلال السنوات (1953 - 1958) وساهمت في تأسيس القسم الفرنسي باذاعة بغداد والاشراف على تحرير المادة الاخبارية حتى السفر إلى موسكو حيث عملت استاذا مساعدا في معهد اللغات الشرقية وجامعة موسكو، ثم عادت إلى التدريس في جامعة بغداد خلال السنوات ( 1968 -1971) حيث أُحيلت على التقاعد بقرار من مجلس قيادة الثورة "لمقتضيات المصلحة العامة"!

-    عملت سكرتيرة لتحرير مجلة (الثقافة الجديدة) حتى عام 1970 ثم سكرتيرة لمجلّة (الثقافة) خلال الأعوام (1971-1984 ) ورئيسة لتحريرها حتى اغلاقها عام 1987.

-     كانت عضوة في نقابة الصحفيين و اتحاد الادباء ونقابة المعلمين

-    شدّت رحالها إلى اليمن عام 2000 حيث تعمل أستاذة بجامعة صنعاء/كلية الآداب لحد الآن.

-    نشرت العشرات من من الأبحاث والمقالات والكتب المؤلفة(بالعربية) والمترجمة عن اللغات: الفرنسية، الروسية، الإنكَليزية والإسبانية ، والتي تضيق هذه الفسحة بتعدادها، ومنها: الأدب الجزائري المعاصر/ الواقعية الإشتراكية كما يراها الواقعيون الإشتراكيون/ موجز نظرية الدولة والقانون/ القاموس الروسي- العربي بالإشتراك مع شرباتوف/ الأوروشيوعية والدولة/ المرئي واللامرئي لميرلوبونتي/ الأكراد ومستقبل تركيا...

 

هوامش وإشارات:

* كنت أتتبع مجلة (الثقافة) باحتراز(بتأثير إشاعات الشيوعيين وغيرهم ضدها) فلم أنشر على صفحاتها شيئاً حتى 1973 ثمّ قاطعت النشر عموماً حتى أواخر 1976 كموقف من حرب 1974- 1975على كردستان، ثمّ التهجير والتبعيد اللذين تعرضت أنا وعشيرتي إليهما...أمّا تواصلي الحميم مع المجلّة فيعود إلى الدعوات المتكررة من أستاذيّ الأجيال الدكتور صلاح خالص والدكتورة سعاد محمد خضر، اللذين تعرّفا إليّ عن طريق مواضيع صديقي وقريبي الكاتب والمترجم والروائي شاكر نوري، والتي كانت أغلبيّتها تصل المجلّة ليس فقط  بعد مراجعتي وتنقيحي لها، بل حتى بخطّي الحسن! منذ أوّل موضوع له منشور فيها حتى خريف1977 ومنها مايتعلّق بالأدب السوفياتي والفكر الماركسي.

** تأكيداً لزعمي هذا؛ في 1987 إعتمدت الأمّ المفكرة الكبيرة د. سعاد على تزكيتي لمليونير شاب (ع. ب،أبو ر/ كان يدّعي كونه شاعراً شعبياً وتقدميّاً) بغية إبرام صفقة لشراء مطبعة بإسم مجلة(الثقافة) من أوربا، على أن تؤول ملكيتها إليه مقابل (100ألف دينار) وطبع المجلّة بالمجان لثلاث سنوات، لكنني لمْ أزكّه خشية العواقب الوخيمة المحدقة بالعائلة المثقفة الكريمة؛ بعد معايشتي  ومراقبتي الدقيقتين خلال بضع لقاءات وحوارات وحتى سهرات في بيته ومزرعته….علماً بأنه عرض عليّ منحي دار مشتمل وسيّارة، فضلاً عن (10آلاف دينار) بالحلال من العائلة الكريمة حسب وعدها؛ بمجرّد توقيع طرفيهما على العقود القانونية. ولقد لامني أقرب الأصدقاء والأقرباء على تفويت تلك الفرصة الأسطورية، التي كانت ستحوّلني إلى شبه مليونير بين ليلة وضحاها، قياساً بالوضع الإقتصادي آنذاك، دون التعرّض إلى أيّة تبعات أو مساءلات قانونية في أسوأ الأحوال؛ إذ كان ن مثلي مثل الشعرة المنسلّة من العجين؛ لكوني مجرد مزكّ بجملة أو جملتين حتى غير مدوّنتين، ولكن هيهات أن يخون الأمانة من هو مثلي….وعليه فقد قاطعني المليونير الشاعر نهائيّاً بعد أن أسقط في يده، رغم إنه كان يبدي لي أقصى الإعجاب بي، بل التقديس! وهذه القصة واحدة من بضع أخرى من قبل ومن بعد!

*** منشورة على (صص11و12) من مجلة (الثقافة) العدد الثاني /شباط/ 1988 وهو العدد الأخير، الذي سحبت السلطات الأمنية نسخه من المكتبات، على حد علمي، وكفت بعده عن الصدور نهائياً. وقد تقصّدت حينها ألاّ أوضّح أيّاً من الأسماء المختارة بدقة ؛ كتكتيك لتمرير غايتي الجلية لذوي الألباب والحصافة والفراسة، أمّا الآن فيمكنني ذلك وأراه ضرورياً:

-     حسين مروّة: المفكر اللبناني المعروف وشهيد الفكر التقدمي .

-     جكَر خوين: الشاعر والمناضل الكردي السوري، الذي قضى نحبه في منفاه بالسويد.

-     فيض احمد فيض: الشاعر والمناضل الباكستاني المعروف.

-     معين بسيسو: الشاعر والمناضل الفلسطيني المعروف.

-     يلماز كَوناي: الفنان السينمائي الشهير والأديب المناضل، الكردي الأصل من تركيا، والذي قضى نحبه في منفاه في باريس.

-     سعيد سلطانبور: الشاعر والفنان المسرحي المناضل، الإيراني الذي أعدمته سلطات آيات الله!

-     نجيب سرور: الفنان المسرحي والشاعر والمفكر المصري المناضل المعروف.

-     عبدالخالق معروف: الكاتب المناضل والعالم الكردي القدير، الذي إغتالته المخابرات العراقية.

-     فكتور كَارا: المغني المناضل الشيلاني الشهير، الذي أعدمته سلطات بينوشيت الفاشية.

-     هيمن كردستاني: الشاعر والمناضل الكردي الإيراني المعروف.

-     حسين الجليلي: الكاتب والباحث الشيوعي، المناضل، الذي تمسّك بفكره حتى الرمق الأخير، وقد عاش في بعقوبة، وهو من أهل (الشطرة) أصلاً.

-     بنيامين مولويز: الشاعر والمناضل ، الذي أعدمته سلطات جنوب افريقيا الشوفينية. 

#######

1-   الثقافة/ ع1/ حزيران 1987/ السنة15(ص10)

      تعود (الثقافة) ويرحل صلاح..../ بقلم: د. سعاد محمد خضر.

2-   الثقافة/ ع2/ تموز1987/  السنة 15(ص159) إيضاحات.

3-   م.س، والصفحة نفسها.

4-   م.س، والصفحة نفسها.

5-   الثقافة/ ع7/ كانون الأول1987/ السنة15/ (ص6)

(الثقافة) وحصاد السنين/ د. سعاد محمد خضر.

6-   م.س والصفحة نفسها.

7-   م  .س والصفحة نفسها

8-   م  .س ( صص 7-8)

9-   م  .س (ص7)

10- مجلة الصوت الآخر/ ع/113 في 13أيلول2006)

       أيام مع صلاح خالص/ مثري العاني.

11-  م.س/ مثري العاني

12-  م.س/ مثري العاني

13-    الثقافة/ع1/ السنة15(ص10) تعود.......

14-  الثقافة/ع1/ كانون الثاني1974/ السنة الرابعة(ص3)

الإفتتاحية/ د.صلاح خالص.

15-  م.س، والصفحة نفسها.

16-  م.س، والصفحة نفسها.

17-    الثقافة/ع3/ آذار1977/ السنة السابعة (ص16)

       اعمق التهاني واطيب التمنيات لشعبنا الكردي/ د.صلاح خالص

18-  الثقافة/ع2/ شباط 1983/ السنة13

19-   عشرون قصة كردية مترجمة/ ترجمة: جلال زنكَابادي وآخرين/

       منشورات مجلة كاروان/ اربيل 1985/ تقديم: حسين عارف/(ص4)

20-  مختارات من الأدب الكردي/ نخبة من المترجمين والكتاب/

       منشورات مجلة كاروان/ اربيل1986/ تقديم: حسين عارف/(ص6)

21-  مجلة( الأديب الكردي/ باللغة العربية) ع2/ 1986 بغداد/

       مسارات تطور الثقافة الكردية/ عبدالكريم فندي الدوسكي.

22- الإنترنيت/ الفنان كفاح محمود.

23-  جريدة الأديب/ ع(179) 17/ ك1/ 2008 بغداد

24-    الثقافة/ع2/ شباط1988/ السنة16/ (صص11و12)

              في الذكرى الأولى لرحيل د.صلاح خالص، طوبى لمن؟!/ جلال زنكَابادي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صحوة الضمير البشري

في (مؤتمر باريس/ 1989) *

(مسرد بانورامي)

 

"لاتنسوهم؛إنّ الصمت يقتلهم!"

دانييل ميتران

 

     "لاتنسوهم؛إنّ الصمت يقتلهم!" يهذه العبارة البليغة،المشحونة بالأسى،التضامن، والتعاضد، إختتمت السيدةالنبيلة دانييل ميتران (الصديقة العظيمة لشعبنا المظلوم والمناصرة لقضيته القومية العادلة) شهادتها التاريخية المؤثرة أمام الكونغرس الأمريكي، في (23/10/1989) مستلفتة بذلك أنظار العالم والآذان- التي فيها وقر- إلى تراجيديا شعبنا المنسي، المغمور بأدخنة الغازات السّامة، وأغبرة نفاق سياسات المصالح المتبادلة بين الدول الغربية (بالأخص) وأنظمة الدول الفاشية – الشوفينية المتقاسمة لكردستان!          

وجلي أن بحث وضع شعبنا الكردي،أمام الكونغرس الأمريكي،والنقاش الذي دار في تلك الجلسة الإستثنائية،على شرف السيدة ميتران،والتي تحدثت فيها عشر شخصيات أخرى،إضافة إلى السيدين توم لانتوس وجون بورتر رئيسيّ لجنة حقوق الإنسان التابعة للكونغرس،والمشرفين على إنعقاد الجلسة الخاصة بالمأساة الكردية جاء كلا البحث والنقاش إستكمالاً- بعد مضي إسبوع بالتحديد- للمؤتمر الدولي،المنعقد يومي 14-15/ت1/1989 والذي نظمه المعهد الكردي في باريس،بمساعدة مؤسسة (فرنسا - الحريات )تحت شعار(الكرد: حقوق الإنسان والهوية الثقافية)-المهددة بالتشويه والإنقراض طبعاً! - وذلك في مركز المؤتمرات الدولية في باريس .

يمكن القول إن (مؤتمر باريس ) يعتبر أهم وأكبر وأبرز أحداث عقد الثمانينات من القرن الماضي - الذي شهد تدمير كردستان وجينوسايد شعبها- فيما يتعلق بمصير الشعب الكردي إنسانياً، سياسيا ًوثقافياً؛ فقد شارك فيه 245 شخصية عالمية وكردية و85 صحفياً، من 32 بلداً من بلدان :أوربا،آسيا،أمريكا،أفريقيا،وأستراليا(أنظر اللائحةالمرفقة (1) والذين" تدارسوا طوال يومين مصير الشعب الكردي والوسائل الكفيلة بتوعية الرأي العام العالمي حول هذه القضية على نحو أفضل .." (2) خصوصاً وقد ساهم العديد من الشخصيات غير الكردية في الموءتمر بمداخلات صميمية وحميمة التضامن والمؤازرة والتعاضد، وقيمة جداً؛ لكونها نابعة من إدراك وفهم صائبين وعميقين للقضية المطروحة(3) فضلاً عن كون معظمهم من الشخصيات البارزة،اللامعةوالمؤثرة على الصعيد العالمي ثقافياً،سياسياًوإجتماعياً؛وعليه فقد مثّلوا بحق صحوة الضمير البشري إزاء قضيتنا القومية،لاسيما وقد وقفوا وقفتهم التاريخية المشرفة المشهودة،في أحلك الأوقات العصيبة،التي أخذت بخناق شعبنا الكردي،وخاصة في جنوبي كردستان،يوم تفاقم الصمت المتواطيء والنفاق الدوليان،بل إستحالا كابوساً هائلاً رهيباً يجثم على صدورنا، منذ مؤامرةالجزائر المخزية والشنعاء (في آذار 1975) ضد ثورة أيلول التحررية، وحتى  سنيّ الثمانينات الأخيرة،التي حفلت بالمجازرالكيمياوية في حلبجة وكَرميان وبهدينان،ناهيكم عن أنفلة وسيي زهاء مائتي ألف من البريئات والأبرياء،وتدمير أكثر من 4500 قرية وقصبة، وكذلك التهجيرات القسرية، وشتى الجرائم العفلقية الوحشية- التي لاتعد ولا تحصى- المرتكبة من قبل زبانية الدكتاتور الأرعن، بحق سائر المواطنين العراقيين من عرب،تركمان،وكلدوآشوريين...

     هكذا  إذن ذاب جليد (اللامبالاة العمديّة) المزمن القاسي،الذي طالما خنق الصوت الكردي؛ وذلك بحضور ذلك العدد النوعي الغفير من الشخصيات الفذة(4) في مؤتمر رجَّ مستنقع الصمت الشنيع،الذي ظل لعقود طويلة يمتص صرخات التراجيديا الكردية،الطويلة الأمد، والتي كاد النسيان يقبّرها من فرط مارزحت تحت وطأة كابوس القمع ، فـ " علاوة على صداه الإعلامي الواسع ....كانت للمؤتمر إنعكاسات سياسية هامة،على مدى شهور عديدة، في بلدان مثل تركيا والعراق، ويمثل هذا المؤتمر، كذلك خطوة كبرى على طريق تدويل القضية الكردية؛ حيث قاد إلى نقاش داخل الكونغرس الأمريكي ..وإلى مؤتمر في موسكو، ومبادرات عديدة أخرى" (5)

  ونحن إذ نستذكرهذا المؤتمر العظيم، ونشهد التحوّلات الديمقراطية رغم كل الصعاب وهستيريا الإرهاب، لايسعنا إلا أن نهمس في آذان الكتاب والصحفيين والمذيعين المتخرّصين المأجورين:

- ترى أين هو المطرب المسلكي (نزار القباني) مايسترو جوقة شعارير الكدية، المرتزقة مدّاحي الدكتاتور مهندس جينوسايد الكرد والأمجاد الملحمية الزائفة، من موقف أولئك الذين وقفوا وقفتهم الإنسانية الجريئة لمساندة ودعم شعبنا المستضعف، الذي سيظل أبد الدهر مديناً لهم؟! ونتساءل في الوقت نفسه:- إلى متى ولماذا لايفرز أبناء شعبنا أنصار قضيته من أعدائها وأصدقاء أولئك الاعداء ؟!

   ولئن نستذكر الدروس  والعبر من مؤتمر باريس؛ لابدّ لنا من التأكيد على حقيقة ساطعة يجب أن تظل نصب أعيننا دائماً وأبداً، يمكن إختزالها بعبارة:-"ماأحوجنا نحن الكرد أن نكون دائماً عند حسن ظن أصدقائنا والمناصرين لحقوقنا القومية المشروعة حد تقرير المصير،بدلاً من همجية الإنتحار الذاتي المجاني والإحترابات الباردة المشينة،التي شهدتها كردستان منذ ستينات القرن الماضي، ولنا في مؤتمر باريس  أسطع مصداقية تاريخية، لمّا تجلت آنذاك وتجسدت وحدة الكلمة الكردية التي شيّد عليها صرح المؤتمر" ففي الذاكرة الكردية لم يحصل أن إجتمعت قيادات سياسية ومثقفين من جميع أنحاء كردستان لبحث مسألة ما،ويعتقد كثير من المراقبين أن الإنجاز الأهم هو إجتماع هذا العدد من السياسيين والمثقفين الكرد على تباينهم وإختلافاتهم،لدراسة قضية تخصهم جميعاً، ألا وهي الدفاع عن حقوق ألإنسان الكردي وهويته الثقافية المهددة " (6) وهو ماتمثل أيضاً في المداخلات القيمة لـ (رئيس المعهد الكردي كندال نزان،النائب في البرلمان التركي إبراهيم أكسوي،السياسي الكردي المعروف محمود عثمان،الحقوقي والباحث الكبير عصمت شريف وانلي،البروفيسورنادروف ممثل الكرد السوفيت،المحامي والسياسي والكاتب محمد علي أسلان،أمين عام الحزب الاشتراكي لكردستان تركيا كمال بورقاي، المحامي علي أكبابا، وعضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي لكردستان إيران حسن شرفي)

  وهنا تجدر الإشارة إلى أن النظام العفلقي قد بعث الصحافي والكاتب الكردي عبدالوهاب الطالباني( المقيم حاليّاً في أستراليا) كمندوب إلى المؤتمر؛ لعلّه يفنّد بمداخلاته شهادات الحضور! لكنّه

( حسبما روى لي بأسلوبه الظريف) حيل حتى دون دخوله إلى قاعة المؤتمر، وأعتقد أن رفاقه الأشاوس قد حسبوا فشله في المهمّة تعاطفاً أو تقاعساً أو تخاذلاً، وربّما حاسبوه على ذلك؛ ممّا دفعه ذلك إلى ترك صفوفهم في أوّل فرصة متاحة( مطلع 1993) للعودة إلى أربيل، حيث راحت دعوات الولائم الدسمة تنهال عليه من الأدباء والمثقفين الكرد ذوي الملفات السوداء؛ سدّاً لفمه؛ لكونه ارشيفاً للكنوز النفيسة (ملفات العفلقزادات) ( والعهدة على شقيقه حسين، الذي روى لي ذلك مشكوراً) ثم دبّر له البعض من المتنفذين الخروج السريع إلى دمشق، ومنها طار إلى أستراليا، ومن ثمّ راحت تتقاطر مقالاته اللاهبة التي تغيّرت مضامينها بزاوية 180 درجة عن نظائرها في ثمانينات القرن الماضي!

   

    لقد جاء مؤتمر باريس بمثاية أول وأكبر تظاهرة عالمية ناجحة مكرّسة للحوار الثقافي، الذي يستوجبه تحطيم جدران الكَيتو المفروض على الكرد، ولقد أتت أُكُلها لاحقاً؛ وعليه فإن حاضرنا مدين لذلك الماضي الحيّ، فلنعمل بالحسنى؛ حتّى يصبح مستقبلنا مديناً لحاضرنا المشرّف...ولأنّ الإحتراب الضاري البغيض دمّر سمعة الأحزاب الكردية المتناحرة، ولأن أكثر ساستنا مابرحوا يخلطون بين السياسة والبزنس متناسين سواد الشعب المحروم ، متكالبين على بناء العمائر، وتخريب الضمائر! ولأن الفساد الإداري والمالي والأخلاقي راح يضرب أطنابه في إقليم كردستان العراق؛ يُخشى  أن نفقد مستقبلاً تعاطف وتضامن مثل هذه الكوكبة المثقفة العظيمة، حتى لو تعرّض شعبنا لما هو أسوأ ممّا في الماضي القريب!

 

(شهادات)

     فيما يلي مقتطفات مهمة منتقاة من شهادات الحضور، وخاصّة ما يتعلّق بالهويّة الثقافيّة الكرديّة المعرّضة للتشويه والتمسيخ، بل والإبادة تلازماً مع التطهير العرقي، وتسلسها الحالي مقصود، ناهيكم عن إعادة تحرير طفيفة لبعض الكلمات والعبارات والجمل؛ توخّياً للدقة والإفهام. (ج.ز)

 

(1)

  " أودّ أن أعبّر عن مدى افتخاري أولاً. إنني فخورة؛ لأن مؤسسة (فرنسا- الحريّات) لاتجد أفضل من هذه الفرصة؛ لكي تؤكّد مبرّر وجودها وعن استجابتها للغاية التي وضعتها لنفسها. وأقول فخورة؛ لأنه ليس من باب الصدفة أننا وقفنا منذ عدة سنوات إلى جانب أصدقائنا الأكراد وهم يدافعون عن هويّتهم ويتمسّكون بتراثهم الثقافي. وفخورة، كذلك؛ لأن مؤسسة (فرنسا- الحريّات) أوفت بالتزامها في تنظيم هذا اللقاء(.......) دون توقّف ولاهدنة، سأدافع عن الحق في التعبير، والحق في التوحّد، والحق في الإقتراح. إنني أكره السلاح والعنف؛ لقناعتي بأن قوة الإنسان المستقيم تكمن في قدرته على الكلام، والشهادة، والإقناع، والتضامن في مواجهة القمع"

" إن هدف مؤسسة(فرنسا- الحريات) يتمثل في (المساهمة والعمل على تنمية وتعزيز الحريات الفردية والجماعية في هذا العالم) و ( مد يد العون لكل من يناضل من أجل تحقيق هذا الهدف) وتجد المادة الأولى من من ميثلق مؤسستنا صداها في شعارنا الرئيسي ( الإنسان الحر هو ذلك الذي يساعد الآخر؛ ليتحرر) أي اننا نسعى لإرضاء هاجسين أساسيين، الأول تقليدي يكمن في مساعدة الأفراد الآخرين، أمّا الثاني فيعتمد على أنشطة ملموسة نهدف من ورائها إلى فضح القهر والظلم أينما كان. وسواء مورس ضد الأفراد أو الجماعات أو الشعوب(.......)

   ...لقد ذكرت هذه الأنشطة على سبيل المثال، لا الحصر، لكنني إخترت الإشارة إليها؛ لأنها تجسّد معنى ومغزى نضالنا في مؤسسة( فرنسا- الحريات) ولذا فقد شغل الأكراد منذ البدايةحيّزاً كبيراً من إهتماننا ؛ فهم يعانون فردياً وجماعياً من مأساة مرعبة، كما يتعرض شعبهم لخطر الإبادة الجماعية والتصفية الشاملة. إنهم يكوّنون في هذه المنطقة شخصية متميّزة، فلغتهم من أصل هندو- أوربي، كما ينمّون عن تعددية دينية بارزة رغم هيمنة العنصر الإسلامي السنّي، ثمّ إن طباعهم وأسلوب حياتهم وعلاقاتهم تتيح وتحمي حرية المرأة، وهذا نادر لدى شعب تدين غالبيته بالإسلام.

  ربّما مازلتم تتذكّرون انه بناءاً على اقتراح من الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في سنة 1920 أكّدت معاهدة سيفر على حق الأكراد في تأسيس دولتهم القومية، لكن معاهدة لوزان في 1923 أقرّت العكس من ذلك تماماً؛ فتمّ تقسيم أرض كردستان وشعبها بين أربع دول، هي: (إيران، العراق، تركيا وسوريا) ومنذئذ والأكراد يعانون داخل هذه الدول من القهروالظلم، ويكافحون كفاحاً مستميتاً؛ من أجل الحفاظ على وجودهم وعلى أصالتهم، فقد بلغت السياسات المضادّة لثقافتهم وذاكرتهم التاريخية أبعاداً لايمكن تصوّرها. وقد جعلتني الشهادات، التي وصلتني من مختلف المصادر أتأثر شديد التأثر، وأن أتألّم للمصيرالفجيع الذي يتعرّض إليه هذا الشعب في كلّ البلدان التي يقع تحت سيادتها"

دانييل ميتران

(التضامن مع الأكراد)

 

(2)

" إني أتعجب من جهل المجتمع الدولي بمأساة الشعب الكردي، فمثلاً: لو أجرينا إستطلاعاً لآراء الناس في بلادنا، وفي شوارع موسكو بالذات؛ لوجدنا ان واحداً فقط من كلّ مائة شخص يعلم بمشكلات الأكراد وبمايجري في كردستان! إنني أشعر بأننا جميعاً مذنبون(.......) إن هذا الأمر يعنينا جميعاً، الفرنسيين والروس والانجليز وشعوب العالم أجمع. وينسب للرئيس الأمريكي جيفرسن قوله: " مادام هناك ظلم في زاوية من زوايا العالم؛ فإن العدل مهدد في العالم بأسره" فإن لم نتحرك لحل مشاكل العالم بأسره، لمشاكل كل شعب، لاسيما مشكلة الشعب الكردي؛ فسنصبح جميعاً عاجلاً أم آجلاً عرضة لتحمّل مشاكل الظلم في بلداننا أيضاً"

إيلينا بونير/ زوجة الأكاديمي زاخاروف

(مأساة الشعب الكردي)

 

 

(3)

   " وإذْ أتمنّى مرّة أخرى، بصفة شخصيّة، النجاح لأعمال هذا المؤتمر، أي النجاح للشعب الكردي؛ تردني جملتان لعبدالرحمن قاسملو، الأولى متداولة كثيراً و هي: " لمْ يحظ الأكراد بالإهتمام الكافي؛ لأنهم لمْ يلجأوا إلى الإرهاب ولمْ يخطفوا الطائرات ولمْ يحتجزوا رهائن" لكن هذا لمْ يكن يعبّر لديه عن ندم، بل عن إعتزاز بسلوك الأكراد؛ لأنه كان يؤمن مثلكم جميعاً، كما أتمنّى، بالديمقراطية. ولأنّه كان من كبار المناضلين في سبيل الديمقراطية، ولأن هذه الطريقة هي التي إختارها لتوجيه الشعب الكردي. وقد إعتاد أن يقول:- الأمّة الكردية لا أصدقاء لها غير جبالها!"

برنارد كوشنر/ وزير الدولة الفرنسي للشؤون الإنسانية

(اللقاء الذي طال انتظاره)

 

 (4)

   "...ونظراً لخطورة المشكلة؛ لابدّ أن يُدرج الأكراد في أعلى وليس في آخر جدول أعمال حقوق الإنسان.إن من الأسباب التي جعلت الأكراد لايحظون بالأولويّة التي يستحقونها؛ هو عدم الإنتباه بما فيه الكفاية لوضعيّتهم، وسبب آخر هو أن العديد من الحكومات إنغمست في نهب البلدان الغنيّة بالنفط أو المؤثرة سياسياً، والتي يتواجد فيها الأكراد"

كليبورن بيل/ سيناتور، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي

(يجب إدراج مصير الأكراد في أولويّات حقوق الإنسان)

 

(5)

" إن الأكراد هم وريثو إحدى أعرق وأثرى الثقافات الإنسانية. وهذه الثقافة التي يرجع أصلها إلى الميديين أنجبت كتاباً وفلاسفة وموسيقيين كباراً وشعراء أثروا ثقافة العديد من الأمم على وجه الأرض، لكن هذه الثقافة النفيسة هددتها مرات عديدة قوى أخرى أكثر ضراوة. أستعمل الأكراد غالباً كبيادق في الصراعات الإقليمية، وتعرضوا عبر التاريخ للإضطهاد، وكانت ثقافتهم دائماً هدفاً للقمع. (.......) لقد عانى الشعب الكردي كثيراً وخلال وقت طويل؛ فعلينا أن نوطّد العزم من أجل وضع حد للمعناة التي طالته، وضمان احترام حقوق الإنسان الكردي، واستنهاض الهمم بشأنه. يجب أن لاننسى الأكراد"

ادوار كينيدي/ سيناتور أمريكي

( لنضع حداً لمعاناة الأكراد)

 

(6)

" إن نضال الشعب الكردي المأساوي، الذي طال كثيراً، يتجذر في مبدأ حق تقرير المصير للشعوب؛ وهذا مايجعله عادلاً. إني أدعو حكومات العالم لتأخذ بعين الإعتبار، في معاملاتها مع البلدان التي يعيش فيها الأكراد، السياسة الحقيقية التي ينتهجها قادة هذه البلدان إزاء الأكراد، فأيّ مظهر للقسوة وأيّ ظلم قومي أو إجتماعي وأيّ انتهاك لحقوق الإنسان وأيّ تقتيل جماعي يتعرضون له؛ يجب أن ينتبه له الناس وأن لايمرّ دون عقوبات للبلدان التي مارسته، وبالأخص لايمكن أن ننسى إستعمال الأسلحة الكيمياوية، وماحصل من إغتيالات وتعذيب للأطفال والنساء والشيوخ. يجب، في رأيي، أن يتوجّه المؤتمر إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة مقترحاً عليها أن تطرح هي ولجانها، المشكلة الكردية للنقاش الذي لابدّ في رأيي أن ينتهي بقرار صادر عن الجمعية العمومية يفرض على الدول التي يعيش الأكراد على أراضيها، إنشاء مناطق قومية كردية مستقلة، وإعطاء الشعب الكردي الإستقلال الذي يستحقه في الميادين السياسية والإقتصادية والدينية والثقافية. إن أعمال التنكيل وكل الممارسات اللاشرعية التي أقترفت في السابق بحق الأكراد؛ لابدّ أن تُدان، ولابدّ أن تتخذ تدابير تحول دون حدوثها مرة أخرى في المستقبل"

أندريه زاخاروف/ الأكاديمي الروسي الحائز على جائزة نوبل

(نحو تدويل القضيّة الكردية)  

(7)

   " الهوية الثقافيّة وحقوق الإنسان هما موضوعا هذا المؤتمر، لكن الوضع السياسي هو الذي يحدّد الهوية الثقافية لشعب ما. وكل حقوق الإنسان الأخرى تفترض حق تقرير المصير، فبدون حق تقرير المصير؛ لايحرم الشعب من الحريّة الثقافيّة فحسب، بل ويتحمّل إنتهاكاً صارخاً لكلّ الحقوق التي أقرّتها مواثيق الأمم المتحدة بخصوص الحقوق المدنيّة والسياسيّة. إنّ بلدان البلطيق التي ضمّها الإتحاد السوفييتي هي مثال على هذه الحقيقة، وتماماً كأرتيريا(.......) وإنّ الصحراء الغربيّة و بابوازيا الغربيّة كذلك مثالان على انتهاك الأمم المتحدة للتوصيات التي وضعتها بنفسها حول تحرير المستعمرات، وهو ماتفعله أيضاً وبإجحاف أكبر، في كردستان.

  لقد عرض الرئيس ويلسن، منذ أكثر من سبعين سنة، مقاصده فيما يتعلّق بحق تقرير المصير، في النقاط الأربع عشرة المشهورة. وتشير النقطة الثانية عشرة منها إلى الأمم التي كانت تعيش تحت الهيمنة العثمانية تحديداً؛ وكان من المتوقّع قيام دولة كردية مستقلة بموجب معاهدة سيفر. إنّ الدول الغربية التي وضعت هذه الخطط إهتمّت بتفكيك الإمبراطوريّة العثمانية أكثر من الإهتمام بدعم حق تقرير المصير للأكراد والأرمن، إلاّ أن الحقيقة تظلّ قائمة، وهي ان هذه الدول أعطت وعوداً، ثمّ أخلفتها؛ الأمر الذي يلقي مسؤولية أخلاقية عظيمة على عاتق الحكّام الحاليين في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا(.......) إنّ من الضروري توسيع نصوص القرارين المرقمين (1514 و1541) اللذين إتخذتهما الجمعية العمومية سنة1960 واللذان يحدّدان قواعد تقرير المصير. من المؤكّد أنه جائر حقاً حرمان شعب، له مقوّمات لغويّة وثقافية وعرقية ودينية تميّزه، من هذا الحق؛ لمجرّد انه لم يتشكّل قط في وحدة سيلسية قائمة بذاتها. وبالنسبة للأكراد، فالإمارات الكردية كانت من القرن الرابع عشر حتى القرن التاسع عشر تملك هذه المقوّمات، لكنها لم تتحوّل إلى دولة قوميّة بسبب علاقاتها الإقطاعية مع العثمانيين، وهي علاقة لم تكن أفضل أو أسوأ من الإستعمار الأوربي أو علاقة التشو- يون بين المغول والتبتيين. فكل هذه العلاقات بنيت على السيطرة السياسية لشعب على آخر، وهي كلّها مرفوضة وبنفس الدرجة في عصر المساواة، لكن الشعب الكردي لايستطيع أن ينتظر طويلاً؛ نظراً لبطء آليّة الإصلاحات الدوليّة، وفي عموم الشرق الأوسط يعيش الشعب الكردي أحوالاً كارثيّة(.......) ومادمنا سنبحث في حقوق الإنسان والهويّة الثقافيّة الكرديّة، خلال اليومين القادمين؛ فإنّي آمل بحرارة أن نقرّ جميعاً بأنّ بقاء الأكراد كشعب، هو الآن مهدّد بذاته! إنها ليست بضع حالات معزولة تحتاج إلى توثيق دقيق؛ كي تشكّل موضوعاً يمكن عرضه أمام اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في جينيف، بل هي مؤامرة رهيبة بين قادة عدة بلدان تهدف إلى إبادة شعب؛ لمجرّد أن هذا الشعب يطمح إلى الإستقلال الذي عرضناه عليه، ثمّ انتزعناه منه!"

اللورد أيفبري/ رئيس المجموعة البرلمانية البريطانية لحقوق الأنسان

 (حماية وجود الأكراد)

 

(8)

" جئت لحضور هذا المؤتمر؛ بغية التعبير عن تعاطفي وتضامني مع الشعب الكردي ومع حقه في تقرير مصيره. أؤكد كذلك أنني أتيت إلى هنا كبربري يريد أن يُعترف له بحقه في الإختلاف. ماكنت أتطرق لهذا الموضوع؛ لو لم يذكر أحد الخطباء أمس أن أصل الأكراد يعود إلى الميديين؛ ذلك ان أحد ملوك المغرب (جوبا الثاني) أعاد أصل البربر، الذين يُدعون الأمازيغيون، إلى الميديين؛ أتيت إذن بصفتي مستكرداً(Kurdo – ite)  لكن صدّقوني أتيت إلى هنا بصفتي جزائرياً ديموقراطياً يرغب أن تكون الجزائر وكل بلدان المغرب مرتعاً للديموقراطية والتسامح؛ فالعالم في أشدّ الحاجة إلى ذلك (.......)

  أعتقد انه قد تبيّن لكم أن القوى العظمى لعبت في هذا المضمار دوراً مخرّباً في منطقة الشرق الأوسط؛ فهؤلاء لم يكن لهم إهتمام بسوى النفط والمواقع الستراتيجية، لكنني أقول، انه بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، قبل المجتمع الدولي التعامل مع فرانكو في إسبانيا وسلازار في البرتغال باسم (الواقعيّة السياسية) وكان لذلك إنعكاسات خطيرة نشهد آثارها اليوم. (.......)

  أعتقد ان كل الديانات تهتم بمصير المظلوم والمضطهد والأرملة والغريب أكثر من إهتمامها بالعالم الآخر، و ها هم الناس يتناسون أن الرسول محمد(ص) ذكر في أحد أحاديثه ان " أفضل الجهاد: كلمة حق تقال عند سلطان جائر" وكذلك " أطلبوا العلم ولو كان في الصين" لكنّما المرء غير محتاج إلى الصين؛ فالأكراد هنا أقرب إلينا من الصين، وثقافتهم غنية بشكل لايتصوّر. فبدلاً من أن نستوحي من تراثنا الروحي ( من العروبة ومن الإسلام) أفضل مافيه؛ لكي نتقدّم إلى الأمام، تنحو بعض البلدان، للأسف الشديد، نحو ماذكره القرآن الكريم بأنهم " يدمّرون بيوتهم بأيديهم" وهذا ما فعلته الأنظمة الدكتاتورية ببلدانها وشعوبها"

حسين آيت احمد/ أحد القادة التاريخيين للثورة الجزائرية،

 ووزير في حكومة الإستقلال.

(الدعوة إلى جلسة إستثنائية للأمم المتحدة)

 

(9)

 " إن مأساة الشعب الكردي هزتني بشكل عميق؛ فلائحة الخروقات لحقوق الإنسان الولردة ضمن الشهادات، التي إستمعنا إليها أمس: (توقيف، تعذيب، تقتيل جماعي وفردي، تسمسيم جماعي، حرب كيمياوية، تهجير جماعي، طرد، ظروف لاإنسانية في السجون ومخيمات اللاجئين، رفض الحكومات الغربية منح اللجوء السياسي للناجين، منع شعب كامل من التحدث بلغته ومن ممارسته أدبه وعاداته وتقاليده وموسيقاه وثقافته، ثم تدمير القرى والمدن والمناطق التاريخية...إلخ) يثير أشدّ الإستنكار(.......) وقد تأثرت كثيراً لإنعقاد هذا المؤتمر؛ فشخصياً لم أشهد قبل اليوم هذا العدد الهائل من الأكراد القادمين من مختلف البلدان، مجتمعين تحت سقف واحد(...) وأعتقد ان كل هذا يبعث على الأمل، ويشير إلى ان محاولة القضاء على الأكراد غدت اليوم مفضوحة ومعروفة لدى الجميع (...) أعتقد ان هناك عدة أسباب وراء هذا الواقع، وأظن ان مسألة تقرير المصير صارت اليوم من أهم القضايا المطروحة على جدول أعمال المجتمع الدولي. أعتقد كذلك ان وجود عدد كبير من الأكراد خارج البلاد، حيث يستطيعون التعريف بمشكلتهم؛ قد ساهم جميعها، إلى حد كبير، في التعريف بهذه القضية لدى أناس لاينتمون إلى دائرة البلدان المعنية مباشرة بهذه المشكلة(.......)

  أعتقد أن من الأهمية بمكان؛ التعريف بمايحدث، وشد إنتباه العالم؛ حتى نتمكن من تجاوز النسيان والطمس المتعمد لمصير الشعب الكردي، وحتى لانترك أيّة فرصة لتهرّب حكومات وشعوب العالم؛ بدعوى عدم علمها بمايحدث مبررة بذلك موقفها السلبي تجاه هذه القضية"

جيري لايبر/ مديرة منظمة Helsinki Watch الأمريكية لحقوق الإنسان

( من أجل الدفاع عن الأكراد)

 

 

(10)

" مرّة أخرى يمرّ الأكراد بفترة مأساوية من تاريخهم الدامي؛ فقد تعرّضوا للقمع بين الحربين خلال الســــــــنوات ( 1925، 1930 و 1936) من جانب الأتراك الذين ارتكبوا في حقهم المذابح والتهجير الجماعي. وفي العراق دأبت السلطات دوماً على قمع ثوراتهم بشكل همجيّ. وغداة الحرب العالمية الثانية تعرّض الأكراد في إيران لسحق جمهوريتهم الفتيّة (مهاباد) وفي تركيا مازالت المحافظات الشرقية، التي يقطنها ( أتراك الجبال) – كما تسمّي السلطات التركية الأكراد!_ تُدار طبقاً لحالة الإستثناء والطواريء معتبرة إيّاها منطقة محرّمة. وعلى الجانب الآخر، وبعد نضال مرير دام أكثر من 15 سنة؛ من أجل الحصول على الحكم الذاتي، تعرّضت حركة مصطفى البارزاني للإندحار؛ نتيجة التقارب بين إيران والعراق. واليوم، وبعد انتهاء حالة العداء بين هاتين الدولتين يتعرّض الشعب الكردي لنفس العواقب الوخيمة في العراق بشكل خاص، حيث يقترن الإقرار بالحقوق الثقافية والحكم الذاتي للأكراد بتجميعهم وتهجيرهم، بالإضافة إلى استعمال الأسلحة الكيمياوية ضدّهم.

  لقد ثبت غير مرّة اننا نحيا في عالم ، وحدها الدول القائمة لها الحق في امتلاك الحقوق وممارستها، لا الأقلّيّات؛ حيث لاتستطيع أيّة منظمة دولية بما فيها الأمم المتحدة، التدخل من أجل حماية أقلية مهضومة الحقوق؛ وذلك تحت غطاء مبدأ (عدم التدخل في الشؤون الداخلية) حتى لو كان الأمر يتعلّق بخرق واضح لمباديء الأمم المتحدة! في هذه الحالة يمكن أن يلعب الرأي العام العالمي ووسائل الإعلام دوراً هامّاً؛ وهذا يلقي مسؤولية هائلة على عاتق من يتحملون أعباء تنوير الرأي العام. فوحده الضغط غير المباشر، الذي يمارسه الرأي العام كفيل أحياناً بإرغام الدول اللاديمقراطية على عدم التمادي والإفراط في سياستها القمعية تجاه الأفراد والأقليات، وإحترام الحقوق التي أقرتها المواثيق الدولية ووقعتها الدول المذكورة. فليس هناك أصعب من فرض إحترام حقوق الإنسان وحقوق الأقليات داخل الدول اللاديمقراطية! وهذا ينطبق تماماً على كل الدول التي يعيش الأكراد في ظل سيادتها. لقد حان الوقت لكي تندّد البلدان الديمقراطية بوضوح بالدول التي تخرق حقوق الإنسان(.......)   

  إن التنديد الأخلاقي الذي صدر عن المجلس الأوربي سنة 1986 إزاء تركيا؛ فيما يتعلّق بارتكاب مذبحة الأرمن ووضعية الأكراد، لم يكن بحاجة لعقوبات إقتصادية؛ فمهما ضعف التنديد الأخلاقي في رأي الضحايا، إلاّ انه يؤثر بشكل أو بآخر على صورة البلد المعني في الداخل والخارج. في عصر الإستفتاء الشعبي وهيمنة وسائل الإعلام؛ تكون لهذا التنديد الأخلاقي عواقبه وإنعكاساته الملموسة، وهو يعبّر في كل الأحوال عن الحد الأدنى من التضامن تجاه من تتعرض حقوقهم للسلب والإنتهاك بشكل دائم"

 

جيرار شاليان/ مفكر فرنسي تقدمي معروف

(القضية الكردية ووسائل الإعلام)

 

(11)

" لايخفى على أحد، اننا نحن عرب فلسطين، بشكل خاص، نكنّ مشاعر الحب والإحترام والتقدير للشعب الكردي، الذي أعطى للعرب والمسلمين أحد أبرز قادتهم التاريخيين، صلاح الدين الأيوبي؛ فهو بطل تاريخي عظيم عزيز على قلب شعبنا (....) إن الشعب الكردي ضحّى دائماً بالغالي والنفيس؛ من أجل الدفاع عن البلدان العربية والإسلامية، وساهم كثيراً في إغناء ثقافتها وتراثها الحضاري العربي الإسلامي، بأشكال متعددة تنمّ عن إبداع ونضج.

  نحن نعي جيّداً المأساة التي تعرّض لها الشعب الكردي وكل شعوب المنطقة. نحن العرب الفلسطينيون نعاني من نفس المأساة؛ لذلك يجب علينا التأكيد أننا لن نعرف طعم السعادة أبداً؛ ما لم تنل كل شعوب المنطقة، بما فيها شعبكم العزيز، حريتها وكرامتها على أرضها العزيزة"

حبيب بولص/ كاتب فلسطيني

(قلب الفلسطينيين مع الأكراد)

 

(12)

   " إننا نتحدث عن الحرية، بينما لايمتلك الشعب الكردي أيّة حرية من أيّ نوع كان. نحن نتحدث عن المساواة، والأكراد لايمتلكون أيّة حقوق مقارنة بالسكّان الآخرين، الذين يتعايشون معهم. نحن نتكلم عن الأخوّة، والأكراد لاتتاح لهم فسحة العيش في ظل التآخي(.......) إن المشكلة الأكثر حداثة، والتي تطرح نفسها علينا اليوم في إطار هذا المؤتمر، هي مسألة تقرير المصير واستقلال الشعب الكردي؛ فهي مسألة مهمة من الناحية السياسية(.......) إننا نشعر في بلدنا أن هناك تعاطفاً واسعاً مع الشعب الكردي ومع مصيره، كما نتابع قرب، الويلات التي يتعرّض لها، ونسعى إلى مساعدته في حدود إمكاناتنا؛ من أجل تحقيق الإعتراف بحقوقه القومية"

 

ميخائيل لازاريف/ بروفيسور، مدير القسم الكردي لمعهد الإستشراق في موسكو

(من سيفر و لوزان إلى باريس)

 

(13)

 

" إن تهجير الأكراد من منطقة إلى أخرى ليس بالأمر الجديد؛ فقد قام شاه إيران في القرن السادس عشر بتهجير الأكراد إلى الحدود الشرقية من مملكته. ومازالوا هناك بالقرب من قوجان يتكلّمون الكردية، مثلما يعيش البروفيسور نادروف حالياً في الشرق ومازال يتكلم الكردية، وقد أعطانا درساً ثميناً في الصمود الثقافي؛ فالأكراد قوم يجيدون التأقلم والمقاومة"

ويليام ايغلتن/ مؤلف وسفير (سابق) لأمريكا بدمشق وبغداد

(خمسة وثلاثون عاماً من عمر الصداقة مع الأكراد)

 

(14)

"... ضمّت كردستان (17 إمارة أو حكومة) كانت تتمتّع بدرجة عالية من الإستقلالية، بل كان بعضها يمتلك مقوّمات الإستقلال؛ فتضرب السكّة(النقود) وتلقي (خطبة الجمعة) باسم أميرها. ولقد حال هذا الوضع الخاص دون حدوث أيّة أزمة كبيرة تُذكَر حتى بداية القرن التاسع عشر؛ بتوافق الأكراد والعثمانيين على حدّ سواء، فالعثمانيون باحتمائهم وراء الحاجز الكردي في وجه إيران؛ كان باستطاعتهم التركيز على جبهات أخرى. أمّا الأكراد فكانت لهم السلطة الكاملة على شؤونهم الخاصة. لقد كانوا يعيشون معزولين عن بعضهم البعض وبلادهم منقسمة بين مجموعة من الإمارات، لكن تجدر الإشارة إلى ان ألمانيا في ذلك الوقت كانت مكوّنة من(350 دويلة مستقلة) وكانت إيطاليا، بدورها، أكثر تفتتاً من كردستان. وكان كل بلاط كردي مقرّاً لحياة أدبية وفنية مزدهرة. ورغم الإنقسام السياسي؛ فهذه الفترة تمثّل إجمالاً، العصر الذهبيّ للإنتاج الأدبي والموسيقي والبحث التاريخي والفلسفي عند الأكراد. ففي 1596 أنهى الأمير شرف خان كتابه الضخم (شرف نامه) حول تاريخ الأمّة الكردية، وكان للمدارس الدينية في الجزيرة و زاخو صيت كبير في سائر العالم الإسلامي. ومدينة أخلات ذات المرصد الفلكي كانت معروفة بتدريس العلوم الطبيعيّة والمشيخات الصوفية، الذين كانوا محل تقدير وإجلال لإشعاعهم الروحي ونبوغهم الموسيقي. وكان بعض الشعراء الأكراد أمثال: نبي ونافع يؤلفون بالتركية تزلّفاً للسلطان (العثماني/ ج.ز) (.......)

 وعملت السلطة التركية، بعد أن نجحت في ضم الإمارات الكردية الواحدة تلو الأخرى، على صهر واستيعاب الأرستقراطية الكردية؛ بمنحها وظائف ورواتب، وكذلك بإنشاء مدارس لتلقين أبناء الأسياد الإقطاعيين الأكراد مفهوم الولاء للسلطان. وتجربة الدمج هذه التي قامت على طريقة لويس الرابع عشر، تكللت نسبيّاً بالنجاح، لكنها ساعدت، في نفس الوقت، على ظهور نخبة كردية عصرية، إرتسمت على يدها في القسطنطينية معالم مرحلة جديدة للحركة السياسية؛ حيث ازدهرت المنظمات والجمعيات الخيرية والوطنية، التي سعت إلى إدخال مفهوم التنظيم وتشكيل حركة منظمة في صفوف الأكراد. ولابدّ من الإشارة إلى أن الدولة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر أصبحت مهدّدة باضطرابات قوميّة عنيفة؛ فكل شعب كان يطمح إلى إقامة دولته القومية الخاصة به. وبعد أن عملت النخبة التركية على المحافظة على ذلك الإندماج بالدعوة إلى(الوحدة العثمانيّة) أصبحت تدعو هي نفسها إلى (الوحدة التركية) وتعمل من أجل إقامة إمبراطوريّة تركية تمتد من البلقان إلى آسيا الوسطى!(.......)

...الإمبراطوريّات والغزاة كانوا يكتفون في الماضي ببعض الفوائد والإمتيازات الإقتصاديّة والسياسية والعسكرية، ولم يقدم أحد منهم على منع السكّان من التعبير عن هويّتهم الثقافيّة، ولا على الحدّ من حريّتهم في ممارسة حياتهم الروحيّة، ولم يسبق أن وضع أحد مشروعاً لتحطيم الشخصيّة الكرديّة، لتغييب شعب بأسره عن شخصيّته؛ بقطعه عن جذوره الثقافيّة التي تعود إلى آلاف السنين.  

ذلكهو مشروع القوميين الأتراك الذين أرادوا أن يجعلوا من تركيا، وهي عبارة عن مجتمع متعدّد الثقافات والأجناس والقوميّات أساساً، أن يجعلوها أمّة واحدة ومتجانسة. وتنّى العراق وإيران، فيما بعد، نفس المشروع؛ ويمكن أن نتعجّب مع نهرو " كيف تتحوّل قوميّة دفاعيّة إلى قوميّة هجوميّة؟! وكيف يصبح صراع من أجل الحريّة صراعاً من أجل السيطرة على الآخرين؟!" إن الايديولوجيات القوميّة فتكت، منذ أن كتب نهرو هذه الأسطر من داخل سجنه، فتكاً ذريعاً بشعوب عديدة في أماكن أخرى؛ عادة باسم التقدم والحداثة والرسالة الحضاريّة، أو حتى رسالة الحريّة. والشعب الكردي ضحيّة وضعه الجغرافي والتاريخي، وكذلك بدون شك، ضحيّة قصر نظر قادته؛ فدفع الثمن باهظاً، وعانى أكثر من غيره من تغيير خريطة الشرق الأوسط. وأقول مستعيراً صيغة قيلت في الماضي بشأن بولونيا، إن الشرق الأوسط ، منذ تقسيم كردستان،؛ مذنب في حق نفسه، وهذا الذنب مازال يسمّم علاقاته"

كندال نزال/ من كردستان تركيا، رئيس المعهد الكردي في باريس

(لمحة عن تاريخ الأكراد)

 

(15)

" إن الشعب الكردي، الذي تعرّض وطنه للإقتسام بين عدة دول، هو شعب واحد موحّد؛ والدليل على ذلك هو وجودكم وحضوركم اليوم هذا المحفل قادمين من مختلف أجزاء كردستان. إن الشعور القومي عند الشعب الكردي يقوم على أساس التاريخ المشترك ووحدة اللغة والوطن والمصير؛ لغة هندو- أوربية، ووطن تمتدّ مساحته على أكثر من (500000كلم مربع) قُسّم بين أربع دول: ( تركيا، العراق، إيران وسوريا) دون إستشارة الشعب الكردي، هذا بالإضافة إلى إخواننا الآخرين من أكراد الإتحاد السوفييتي وأكراد الشتات. إن هذا الشعب، وعلى عكس الإدعاءات الكاذبة التي يتشدّق بها جلاّدوه؛ يمتلك مثل باقي الشعوب، ثقافة ولغة وفنوناً وأدباً وتراثاً يجب الحفاظ عليه، وتاريخاً يحاول البعض نكرانه أو سرقته! قيل ان الأكراد شعب من قبائل رحّل لاثقافة لها، شعب عاش طوال حياته منعزلاً في الجبال، بعيداً عن كلّ مظاهر الحضارة، في حالة شبه همجيّة! إن هذا التشويه وهذه الأكاذيب تتوازى مع الظلم القومي الذي يتعرّض له الشعب الكردي...فجنباً إلى جنب الشعوب المجاورة ساهم الشعب الكردي في إثراء الحضارة وتقدّمها في غرب القارّة الأسيوية، وذلك قبل حلول الأتراك في المنطقة، خلال القرنين العاشر والحادي عشر تشكّلت أربع دول كردية- مسلمة عُرِفَت بأسماء سلالاتها الحاكمة ( مثل الكارولينجيين والميروفينجيين في فرنسا)؛ فكان هناك آل حسنويه في كردستان إيران اليوم، والمروانيون في كردستان تركيا الحالية، ولم يكن الأتراك قد حلّوا في المنطقة بعد، كما ذكر كندال هذا الصباح، والشدّاديون في القوقاز والراونديون في أذربايجان. فيجب ألاّيقال أن الأكراد لم يمتلكوا دولة قط؛ ذلك ان الدول المذكورة أعلاه كانت تتوفر فيها كل مواصفات الدولة ذات السيادة الكاملة حسب أعراف ذلك العصر، مثل الدولة البويهية في فارس، أو الدولة الحمدانية في حلب، أو الدولة الزنكَية في الموصل. وطبعاً كانت كل واحدة من العائلات الكردية المذكورة تحكم جزءاً محدّداً من كردستان، حيث لم تكن كردستان قد توحّدت بعد. لكن هل كانت فرنسا وبريطانيا دولاً موحّدة على مرّ التاريخ؟! وهل البلدان العربية ذاتها موحدة اليوم؟! ولمَ لمْ تتحد كل من ألمانيا وإيطاليا إلاّ في القرن التاسع عشر؟! وقد حدث خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر أن وجد الشعب الكردي نفسه على مسرح التاريخ الوسيط ؛ بفضل الدولة الأيّوبيّة وسلاطينها وجيوشها، دون إهمال العلماء الذين كانوا على على رأس الشرق الإسلامي في مواجهة أوربا الصليبيّة. وبين القرنين الرابع عشر والثامن عشر وحتى التاسع عشر، كان الشعب الكردي يتشكّل من أكثر من (30- 40 إمارة مستقلّة، أو شبه مستقلّة) حيث كانت قصور الأسر الحاكمة تزدهر بالفنون والعلوم والآداب المتنوعة مثلما في أردلان وبتليس. كما كانت هناك طبقة من النبلاء يعيشون في قصور محصّنة مازالت أطلالها موجودة إلى اليوم، وطبقة برجوازية متمدنة وفاعلة في التجارة والإدارة والصناعة التقليدية والحرف، إلى جانب هذه، كانت هناك فئات فلاحية مستقرة في القرى، بالإضافة إلى القبائل شبه المتنقلة التي كانت تمارس الرعي وتربية الحيوانات. إن هذا المجتمع تعرّض للتدمير من طرف الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية. وعلى عتبة القرن العشرين وجد الشعب الكردي نفسه محروماً من طبقته الأرستقراطية الحاكمة، منهكاً بالحروب الدائرة بين الفرس والعثمانيين، والتي كانت تدور رحاها على أرض كردستان. كما تعرّض فلاّحوه إلى التحجيم والإفقار. أمّا البرجوازية المدينية فبدلاً من متابعة الإزدهار والتقدم وتطوير الطبقة العمالية الحديثة، إستمرت في التدهور والإندحار حتى الإنحلال نهائيّاً.(.......) إسمحوا لي أن أضيف كلمة أخرى أجدها من الأهمية بمكان، فمثلما الحق في الحياة لكل إنسان؛ فإن للشعوب نفس الحقوق في تقرير مصيرها، والشعب الكردي يمتلك وسيظل يمتلك هذا الحق حتى لو لمْ يستطع ممارسته؛ فهو حق قائم بذاته غير قابل للسلخ، وتقره المواثيق والمعاهدات والأعراف الدولية، ولايمكن لأيذ سلطة أو قانون أو منظمة محلية أو دولية أن تلغي حق الشعب الكردي في تقرير مصيره بحرية"

عصمت شريف وانلي/ من أكراد سوريا، حقوقي وباحث

(الأكراد في سوريا ولبنان)

 

(16)

"... إن السلطات التركية الرسمية طبقت على الأكراد سياسة ذات وجهين؛ وذلك بنكران وجودهم على المستوى الرسمي، والإقرار به على المستوى العملي! لقد أُعتبر الأكراد دائماً بمثابة خصوم الكيان القومي التركي؛ ولذا فقد عوملوا بارتياب على طول الخط! ولقد طبع هذا الموقف كل السياسات الإقتصادية والعسكرية والثقافية والتعليمية والأمنية، التي مورست في المنطقة الكردية. وهناك أمثلة عديدة على هذه السياسات؛ فطالما يتم تأويل كل القوانين، بمافيها دستور الدولة التركية، وتطبيقها في المناطق الكردية بشكل مختلف عن باقي البلاد!

  فيما يخص الأكراد، وحدهم الرجال الإقطاع والآغوات كانوا ومازالوا يستفيدون من حقوق المواطنة والحقوق المدنية، بينما تنحرم جماهير الفلاحين من كل حق. وليس من حق الإنسان الكردي أن يسمّي إبنه بالإسم الذي يريده، وليس من حقه التمتّع بالحريات العامة. ورغم وفرة الثروات الطبيعية في المناطق الكردية؛ فإنها تعاني من إهمال الحكومة والتخلف. وأخيراً ليس من حق الأكراد أن يتحدثوا أو يكتبوا أو ينشروا أيّ شيء بلغتهم القومية! باختصار: لايحصل الأكراد على الحقوق الأساسية، المعترف بها لكل إنسان، ولا على الحقوق الديمقراطية العامة. وهكذا تعرّضت ومازالت تتعرّض هويّة شعب بأكمله للإنتهاك بشكل خطير! وإنطلاقاً من هذه الملاحظات؛ أرى أن الأكراد لم يكونوا وليسوا الإنفصاليين الحقيقيين في تركيا، وإنّما الطغمة الحاكمة والسلطة الرسمية، التي تتعامل معهم بمفاهيم وممارسات إنفصالية! وهي التي تمارس سياسة منافقة، ثم تلقي بكل تبعاتها وإفرازاتها الخطيرة على الأكراد المساكين! (......) ولقد كانت وماتزال المشكلة الكردية بمثابة (سيف ديموقليس) الذي تستعمله الطبقة السائدة عدوّة الديمقراطية؛ فمن أجل فرض هيمنتها وأسلوبها الدمويّ العنيف؛ لجأت البرجوازية التركية إلى وسيلتين هما: معاداة الشيوعية ومعاداة الأكراد؛ حيث تمّ لجم المطالب الإقتصادية والسياسية والإجتماعية بحجّة مناهضة النزعة الإنفصالية، ولكي تقطع الطريق على الطبقة العمالية؛ كانت الطبقة الحاكمة وماتزال تستعمل السلاحين في وقت واحد، ومن الطبيعي؛ كان الشعب الكردي ومثقفوه، والشعب التركي ونخبته المفكرة أيضاً ضحايا هذه السياسة (.......) بعد هذه الملاحظة أستخلص أن حركة الطبقة العمالية السياسية والحركة الكردية القومية صارتا حليفتيّ (الديمقراطية) في تركيا، والتي ليست في حقيقتها إلاّ نتيجة لهذا التحالف. وكانت تلك هي الحقيقة التي يتفق بصددها كل الديمقراطيين الأكراد والأتراك معاً (.......)

  أندّد في كتابي ( أيّةَ ديمقراطية نريد) بالموقف المزدوج الغامض، الذي يلعبه( الإشتراكيون الديمقراطيون) وأنتقد الهجوم على الأكراد (...) إنني ضد الهجوم المنهجي المبرمج ضد الهوية القومية وحقوق الشعب الكردي الديمقراطية، هذا الشعب الذي تربطنا به أواصر عديدة مشتركة. وسأظل أناضل؛ حتى يوضع حد لهذه الهجمات. وموقفي هنا هو بجانب الشعب الكردي وبجانب مثقفيه، وضد السلطات التركية الرجعية.

  أودّ أن أشير إلى نقطة هامة، ألا وهي أن الرأسمال الإحتكاري يمارس دوره المؤثر، والمسنود من قبل النظام الحاكم، الراغب في الإبقاء على الوضع المجحف للأكراد؛ حيث يقوم  بصورة إستثنائية بمضاعفة معاناة المواطنين بالإغتيالات والإعتقالات والنفي والقضاء على كل إمكانات عيش الشعب العامل في سلام؛ لأن النظام الأتاتوركي الطوراني الذي تسنده الطغمة الأوليغاركية وبساطيل العسكر المنتفعين جداً من نهب وسلب كردستان تركيا، مازال يرفض الإعتراف بأخطاء الماضي، ويدوس على الديمقراطية وحقوق الإنسان قائلاً:- إنني أخوض كفاحاً ضد الإرهابيين! (.......)

  إن التعريف بحقوق الأكراد الديمقراطية والقومية ليس من مسؤولية المثقفين الأكراد فحسب، وإنّما من مسؤولية المثقفين الأتراك أيضاً. ويجب ألاّ ننسَ بأنه إذا ما قامت ثمّة وحدة بين الشعبين الكردي والتركي، وهي ممكنة، وأتمنى تحققها من سويداء قلبي؛ فيجب أن تقوم بإرادة كلا الشعبين، وعلى أساس الإحترام المتبادل والتآخي والمساواة.

  إن إرهاب الدولة التركية لن يثمر أيّة نتيجة إيجابيّة؛ فهو لم يثمر من قبل، ولن يثمر لاحقاً إلاّ الخراب والدمار"

سرفر تنيلي/ بروفيسور تركي يدرس في جامعة ستراسبورغ في فرنسا

(القضيّة الكردية والديمقراطية في تركيا)    

      

(17)

" إن السياسة المتبعة في تركيا تجاه الأكراد تؤثر كثيراً في النظام القانوني التركي. وهذه السياسة لاتتطابق مع العلم، ولا مع الواقع، ولا مع أيّ مبدأ من مباديء القانون العامة؛ فهي سياسة إرعاب وإرهاب وإضطهاد مستمر.

  قبل قيام الدولة التركية المعاصرة، كانت الإمبراطورية العثمانية تتكوّن من عدة قوميّات؛ لذلك تتكوّن الدولة التركية الحالية، التي قامت على أنقاضها، من عدة شعوب أيضاً. ومنذ البداية قامت الجمهورية التركية على أساس مباديء قوميّة ضيّقة متعصّبة؛ وهكذا تمّ بجرّة قلم إبعاد المفاهيم السليمة لإرساء العلاقات بين الشعوب على أسس عادلة وديمقراطية وديمقراطية؛ فإدارياً تمّ إعتبار كل المواطنين أتراكاً؛ وبذلك حُرِمت الشعوب الأخرى من حقوقها الثقافية والقومية، فقد تعرّض الأرمن، منذ سنوات الحرب العالمية الأولى، للتهجير والتصفية الجماعية، ثمّ تبع ذلك تهجير اليونانيين، كما تمّ إستيعاب الشركس والألبانيين وصهرهم في بوتقة القومية التركية عبر سياسة منهجية، إلاّ ان هذه السياسة التي كانت تهدف إلى تركنة (تتريك) سكّان هضبة الأناضول لم تنجح مع الأكراد، رغم كل المحاولات التي قامت بها السلطات التركية في هذا الإتجاه (من تهجير وتصفية...إلخ) لم تنجح الدولة التركية، إذن، في تغيير التكوين الديموغرافي لسكّان كردستان كما كانت تريد؛ ويمكن تفسير هذا الفشل بكون كردستان تشكّل جزءاً كبيراً من تركيا، وكذلك لكون الشعب الكردي قد قاوم هذه السياسة بكلّ ما أوتي من قوّة.

  كانت معاهدة سيفر (10 آب 1920) تنص على قيام دولة كردية، رغم انها لم تكن تضم جميع بقاع كردستان، لكن نصوص تلك المعاهدة لم تنطبق إطلاقاً. ثمّ تمّت مناقشة القضيّة الكردية بشكل مطول خلال مؤتمر لوزان، حيث لم يحاول الطرف التركي الدفاع عن موقفه اللامعقول المبني على إنكار وجود الشعب الكردي خوفاً من أن لايُحمّل كلامه على محمل الجد؛ خصوصاً في الظروف الحرجة التي ميّزت تلك المرحلة؛ ولذلك إدّعى الطرف التركي أن ليست هناك حاجة لقيام دولة كردية، وإن المجلس الوطني التركي يمثل الأتراك والأكراد على السواء، وان هذين الشعبين إختارا العيش معاً. ولقد ذكر عصمت إينونو( وهو كردي مستترك/ ج. ز) رئيس الوفد التركي ان حتى الحكم الذاتي لايشبع رغبة الشعب الكردي، وادّعى أن للأكراد نفس الحقوق التي للأتراك في ظل الدولة التركية الحالية؛ لكن الولقع يقول أن الأكراد لم يحرموا من الحكم الذاتي فحسب، وإنّما مُنِعَت وأُلغيت كلمتي (أكراد) و (كردستان) من القاموس التركي، بل وسُحِق ردّ الفعل الطبيعي للشعب الكردي مقابل هذه الساسة؛ بممارسة إرهاب الدولة والإبادة الجماعية على مستوى واسع(.......)

  إن دستور الجمهورية التركية يعترف نظريّاً ببعض الحقوق والحريّات الأساسية، لكنه خضع لعدة تعديلات جعلت من هذه الحقوق والحريّات مجرّد حبر على ورق! حيث ان المستفيدين الفعليين منها لايشكّلون سوى فئة ضئيلة، أمّا التعديلات الدستورية فإنها باعدت كثيراً بين غالبيّة السكان وبين التمتّع بتلك الحقوق؛ (فمثلاً/ ج.ز) تنص (المادة 14) من الدستور التركي على مايلي: " لايمكن ممارسة أيّ حق من الحقوق الواردة في الدستور؛ بهدف المساس بوحدة الدولة والأمّة (...) وخلق فروقات لغوية وعنصرية ومذهبية..." لكنما الجميع يعلمون بأن الدستور والدولة هما اللذان يعملان على خلق هذا النوع من الفروقات اللغوية والعنصرية؛ حيث ان الدولة تنكر وجود القومية الكردية (أكثر من 15 مليون نسمة) في تركيا، وتحرمها من التكلم بلغتها وممارسة ثقافتها، ومجرّد ذكر ذلك؛ يُعَد مساساً بوحدة الدولة والأمّة؛ فمن المؤول إذن عن التمييز اللغوي والعرقي؟! إن المادتين(141 و 142) من قانون العقوبات الجزائية التركية إكتسبتا صيتاً ذائعاً عبر العالم، فهما منتقيتان من القانون الجنائي الإيطالي في عهد موسوليني، ثمّ تمّ تعديلهما عدة مرات؛ تُمكّنا سلطات الدولة من قمع اليسار والشعب الكردي (.......) وقد قضى باحث تركي، هو اسماعيل بيشكجي قرابة 10 سنوات في السجون والمعتقلات؛ بسبب أبحاثه عن الأكراد، وكذلك حوكم الكاتب الساخر الشهير عزيز نسين (رئيس إتحاد الكتّاب في تركيا) بتهمة التحدث عن وجود الأكراد ( في كتابه: أتراك بلغاريا و أكراد تركيا/ ج.ز) وقد رُمي، خلال السنة الماضية، أعضاء الفرقة الموسيقية Yorum في السجن؛ لأنهم غنّوا أغنيات تركية، وبنهم مطربون مشهورون أمثال: رحمي سالتوك وفرهاد تونج. ومنذ سنتين قام المطرب ابراهيم تاتليسز بجولة في أنحاء أوربا، وعند عودته أُلقي عليه القبض؛ لأنه كان قد إستجاب لرغبة الجمهور وغنّى بضع أغان كردية خلال حفلة في باريس! وتُلاحق أيضاً المنشورات التي تنتقد سياسة الحكومة بهذا الخصوص (.......) ينصّ القانون التركي على تحريم التعذيب، لكن مخافر البوليس والسجون والمعتقلات تشهد يوميّاً شتى ألوان فنون التعذيب! (...)

  لقد دأبت الدولة التركية على ملء بعض ( الثغرات القانونية) بُغية المناورة الإتجاهات، التي أخذت تفرض نفسها شيئاً فشيئاً، والتي تعمل لصالح الديمقراطية وحقوق الإنسان. فرغم القمع والتهديد مازال المثقفون الكرد يواصلون حراكهم الفكري؛ لتطوير طروحاتهم دفاعاً عن القضية الكردية، وضمان ديمومة لغتهم وثقافتهم، عبر مختلف مسارب النشر والأنشطة الثقافية؛ ولذاك تمّ تعديل الدستور التركي! فقد إبتدع دستور 1982 مفهوم (اللغة المحرّمة) وهو ما لم يشهد التاريخ له مثيلاً، ولا الحاضر! إذ تنصّ (المادّة 26) : " يُمنَع إستخدام أيّة لغة؛ إذا كانت محرّمة قانونيّاً" ؛ " فالكتابات والمطبوعات والإسطوانات والتسجيلات الصوتية والمتلفزة وكل وسائل التعبير الأخرى، التي لاتلتزم بأحكام هذه المادّة تقع تحت طائلة القانون؛ فتتم مصادرتها بأمر القاضي أو بأمر السلطات المختصّة" وتشمل هذه المادة (حريّة الصحافة) أيضاً بنصّها : " يًمنع منعاً باتّاً إصدار أيّة منشورات بلغة محرّمة قانونيّاً"! وجليّ جداً ان المواد الواردة أعلاه موجهة كلها ضد اللغة الكردية؛ ولهذا الغرض؛ تمّت صياغة القانون (رقم 2932) بعد صدور الدستور؛ حيث ينص على ان كلّ لغة لاتشكّل اللغة الرسمية الأولى في الدول التي تعترف بها أنقرة؛ تُعَد لغة محرّمة في تركيا!(.......)

  إن الدستور التركي مليء بالفخاخ المعدّة بإحكام ضد الشعب الكردي، وهناك مواد أخرى أكثر خطورة؛ فالمادّتان (19 و 121) من الدستور، واللتان تحددان أحكام الطواريء تتيحان تعليق الحقوق والحريات الأساسية، أمذا المادة (23) فتجيز تهجير الأفراد والجماعات. وجميع هذه المواد تُطبّق حالياً بصفة دائمية في كردستان(...) وغالباً ما يتعرّض السكّان للتهجير، وفي حالات أخرى يضطرّ السكّان إلى الهجرة الطوعيّة؛ ليفلتوا بجلودهم من بطش السلطات الغاشمة.

  كما يُلاحَظ؛ تلعب سياسة الإرهاب المتبعة ضد الشعب الكردي دوراً مؤثراً وحاسماً في تثبيت الطابع اللاديمقراطي المميّز للنظام القانوني التركي؛ وذلك يساهم القمع المسلّط على الشعب الكردي في خنق الحياة الثقافية، ويعرقل أيّ تقدّم نحو الديمقراطية؛ وعليه طالما تسببت القضية الكردية في حدوث الإنقلابات العسكرية واستحواذ العسكر على مقاليد السلطة في البلاد.

إن هذه السياسة الإرهابية تضع تركيا في مجابهة دائمة مع مباديء القانون الدولي؛ لأن الدولة التركية، بسياستها القمعية تجاه الشعب الكردي؛  تضرب عرض الحائط بمباديء حقوق الإنسان الواردة في( الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) وتنتهك، كذلك، معاهدة روما ومعاهدة المجلس الأوربي وعاهدة هلسنكي وغيرها... وعليه يمكن القول ان الدولة التركية تخرق باستمرار مباديء القانون الدولي.

  على الدولة التركية، إذن، أن تنبذ سياستها المعادية لحقوق الشعب الكردي، وأن تتبنّى ممارسات غنسانية وأكثر إنصافاً وعدالة وديمقراطية، وأن تنتهج سياسة عامة أكثر إحتراماً لحقوق الإنسان والحريّات؛ وإلاّ فإن سياستها الحالية ستؤدّي إلى الخراب الكامل؛ حيث لاحلّ آخر سوى الإعتراف بوجود الشعب الكردي وبحقوقه المشروعة؛ مادامت السياسة الحالية تصطدم بمصالح الشعبين، وتعرقل تطوّر تركيا بمختلف مكوّناتها إقتصادياً وإجتماعياً. وهنا لايتعلّق الأمر بتاتاً بوضعيّة أقلّيّة ما، بل بأمّة يبلغ تعدادها أكثر من 25 مليون نسمة(...) فمن حق الشعب الكردي أن يعيش حرّاً مكرّماً و مستقلاً على أرضه وفي وطنه، حاله حال سائر شعوب العالم؛ وهو الأمر الذي تبتغيه مباديء القانون الدولي.  

 

كمال بورقاي/ محامي، أمين عام الحزب الإشتراكي لكردستان تركيا

(النظام القانوني التركي والأكراد)

 

  (18)

" الشعب الكردي يحتاج إلى مساعدة قوى السلم والإنسانية والمدافعين عن حقوق الإنسان في العالم قاطبة؛ لتلافي معاناة وتهديدات وتهجيرات جديدة. لايكفي اليوم مجرد الإعتراف بوجود المشكلة، آن الأوان لإيجاد حل إنساني لها، والسير قدماً نحو الديمقراطية. على الأمم المتحدة والمجلس الأوربي والدول الأعضاء في السوق الأوربية المشتركة، التي ترغب تركيا في الإنضمام إلى عضويتها، وعلى محبّي السلم والديمقراطية، التحرك ضمن هذا الإتجاه بدون إضاعة وقت؛ عليهم إقناع تركيا بالإلتزام بتعهّداتها، التي إرتبطت بها بتوقيعها على المعاهدات الدولية. ويجب المباشرة بفرض العقوبات ضد تركيا ووقف جميع المساعدات العسكرية والإقتصادية المقررة لها حالاً. وأدعو الجميع، جميع المؤسسات إلى القيام بواجباتها الإنسانية والديمقراطية، قبل حدوث كوارث أكثر جسامة لأحد أعرق الشعوب في الشرق الأوسط"

 

ابراهيم أكسوي/ نائب عن ملاطيا في البرلمان التركي

(الأكراد في تركيا)

 

  (19)

" كما أو ربّما تعلمون، يوجد في تركيا (635 سجناً) نصفها في كردستان! (.......) فقد حوّلت الدولة التركية البلاد كلها إلى سجن كبير، والشعب الكردي هو أول ضحايا هذه السياسة القمعية؛ حيث تعتقل السلطات التركية عشرات الآلاف من الوطنيين الأكراد. إن أغلب هؤلاء المعتقلين أعضاء في حزب المال الكردستاني(pkk) الذي يدافع عن قضية الشعب الكردي وحقه المشروع في الإستقلال، وهو لايعتبر قضيّة الشعب الكردي مجرّد قضية سجناء سياسيين أو قضيّة حقوق الإنسان، وإنّما هي قضية شعب يبلغ تعداده 25 مليون نسمة يكافحون جميعاً من أجل إثبات هويّتهم القوميّة والثقافيّة؛ لذلك يجب وضع القضيذة الكردية ضمن جدول اعمال وميثاق المم المتحدة، والذي يضمن حق تقرير المصير للشعوب. ومن هذا النطلق، نرى الشعب الكردي، رغم إعتقال عشرات الآلاف من أبنائه، يسعى إلى نيل إستقلاله وحريّته؛ ولذا فهو يتعرّض كأمّة للتطهير العرقي، ومن العبث إذن المطالبة بمنحه حقوقه الثقافية بدون الإعتراف بوجوده القومي والجغرافي؛ ولذلك كلّه من الضروري أن يعمل أصدقاء الشعب الكرديعلى مساندة مطلبه في تقرير مصيره، بدلاً عن الإكتفاء بالإستقلال الثقافي(المغلوط)!"

علي أكبابا/ محامي، مشرف على(اللجان الكردية) في تركيا

(الوضعيّة في السجون التركية)

 

  (20)

" إن الأكراد، كما قيل مراراً، هم أمّة بدون دولة، وبعدد يتراوح بين 15 و20 مليون نسمة يكوّنون أكبر شعب لايمتلك دولته الخاصة، رغم أكثر من قرن من النضال القومي. ويرى في ذلك بعض المراقبين  وكذلك العديد من الأكراد، جذور المشكلة الكردية ذاتها، إلاّ أن هذا التصور يغفل ان الأكراد عاشوا طوال عدة قرون بشكل طبيعي بدون دولة خاصة بهم، لكن شيئاً هامّاً، نجم عن تأثير الحركات القومية الأوربية، تغيّر في بداية القرن العشرين، وهو ان الطموحات القوميّة شاعت بين الأكراد وكذلك بين أقوام الشرق الأوسط الأخرى، وعلاوة على ذلك؛ فإن النخب السياسية في البلدان، التي تقتسم كردستان، وحّدت منذ الحرب العالمية الأولى جهودها في سبيل تحويل بلدانها إلى دول قومية، وفي كل واحدة منها توجد مجموعة عرقية غالبة – إمّا الأتراك وإمّا العرب وإمّا الفرس – وانتهجت الحكومات سياسات تروم دمج بقية الأعراق في المجموعة الغالبة لخلق (الوحدة القومية) ونتج عن ذلك إقصاء الثقافات وأنماط العيش التقليدية، وتعويضها تدريجياً بثقافة(قومية) فالأكراد الذين يمثلون إمّا أعظم أقلية، وإما المجموعة العرقية الثانية من حيث العدد؛ تحمّلوا عبء هذه السياسات؛ فوجود هويّة كردية يُعتبر في كل هذه الأقطار تهديداً خطيراً، وهي لاتعتبر تهديداً أمنياً فحسب، بل يتعدّاه ليشمل الهويّة التي حددتها هذه الدول نفسها. وكانت تركيا أكثر هذه الدول مغالاة في سعيها إلى بناء (الأمّة الطورانيّة) فحاولت تحطيم الهويّة القومية الكردية بجد وعنف؛ فكلمة (كردي) ذاتها أصبحت محرّمة، وبقيت كذلك مدة طويلة. ويعتبر الحديث عن الأكراد كأمّة إلى اليوم عملاً تخريبيّاً، بل ويثير ردود فعل عاطفيّة حتى في أوساط النخبة المثقفة التركية! (.......) والعراق هو البلد الوحيد، الذي يعطي للأكراد شيئاً من الإستقلالية، لكنه يعتبر نفسه في ذاته جزءاً لايتجزّأ من الأمة العربية الكبرى. وقد تمّ (تعريب) المناطق الكردية الحيوية من الناحية الإقتصادية؛ بترحيل الأكراد وإسكان العرب، الذين جيء بهم من جنوب العراق. ومن مظاهر تعريب البلاد، الزيجات بين رجال عرب ونساء كرديات، وهي من الأشياء التي حظيت بتشجيع رسمي كبير. وفي السنوات الأخيرة شُرِع في تحويل الريف الكردي تحويلاً جذرياً، وواضح أن الغاية من ورائه هي القضاء نهائياً على القرى التقليدية، التي هي أعمدة الثقافة الكردية(.......)

...وفي عهد السلطان الرجعي عبدالحميد الثاني، الذي حكم في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، والذي صمد بقوة في وجه الضغوطات الأوربية لفرض بعض الإصلاحات، دخل هذا السلوك ضمن طرائق الحكم الرسمية. وبدل تقوية إدارته وجيشه المساندين للإصلاح؛ عمد هذا السلطان إلى تسليح القبائل الكردية لتكوّن

الميليشيات الحميدية الشهيرة( نسبة إلى السلطان عبدالحميد) التي إعتمد عليها لفرض سلطته في المقاطعات الشرقية. وكانت للحميدية سمعة سيئة بسبب مشاركتها العلنية في مجازر القرى الأرمنية سنة1895 وكانت تعامل بقية الأكراد بنفس القدر من الشدة والقسوة كغيرهم سواء بسواء. وكان السلطان بدعمه الشيوخ الذين يختارهم؛ يمكّنهم من بسط نفوذهم على حساب منافسيهم الأقل حظوة ومن إنتزاع الغنائم ما أمكنهم من الأهالي! وتعد هذه الخاصّيّة من العناصر المميّزة لتاريخ الأكراد ( وأيضاً لأقوام أخرى استوطنت مناطق مماثلة تحيط بها) فحتى لو لم تكن الدولة قادرة على ممارسة تأثيرها المباشر على كردستان، فإن دعمها لبعض الشيوخ ضد غيرهم؛ قد غيّر كثيراً من التوازن بين القوى المحليّة، وفي العديد من الحالات إنتهت الأمور إلى قمع شديد للأهالي الواقعين تحت سلطة الشيوخ المعيّنين وعصاباتهم. ولقد إتبعت الحكومات اللاحقة، عن قصد أو غيرقصد، تنظيم الحميديّة. والانكَليز، في فترة احتلالهم وانتدابهم للعراق، أعطوا سلطات إدارية لبعض الشيوخ وحوّلوا عصاباتهم إلى شرطة محليّة؛ ونتيجة لذلك وقع الأهالي أكثر من مرة ضحية جسدية للقمع والنهب اللذين لايملكون حق الردّ عليها! ووجد شيوخ تقليديون، كانوا في صراع مع الشيوخ المحميين، أنفسهم في وضع المتمردين على أمن الدولة. ومؤخراً قامت تركيا بتأسيس ميليشيات مماثلة باسم( حرّاس القرى) وسلّحتها للتصدّي لثوّار حرب العصابات التي يتزعّمها حزب العمال الكردستاني. ومن جديد، تشير عدة تقارير إلى استخدام (حراس القرى) كعصابات مرتزقة تجبر القرويين على الطاعة، كما ترهب منافسيها والذين هم تحت سطوتها. إن العنف، الذي تدل عليه هذه الأمثلة، يعكس، بشكل ما، مظهراً من مظاهر المجتمع التقليدي الكردي، له صلة بطبيعته القبلية، لكن الدولة هي التي تثير هذا العنف.(.......) والحركة الكردية لم تنجح هي نفسها أكثر من غيرها في القضاء على القبليّة، وذلك خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، بل وجدت نفسها أمام عواقب وخيمة؛ نتيجة جهودها للحصول على دعم القبائل، فالصراعات والخصومات متجذرة في المجتمع القبلي، وكل شيخ من شيوخ القبائل له منافسوه وأعداؤه، وكلّما إلتحق أحد هؤلاء الشيوخ بالحركة الكردية، أصبح منافسوه الرئيسيون في وضع لايسمح لهم بتعقبه، فكان لهم الخيار بين الحياد أو إبداء المعارضة. وفي غالب الأحيان لم تترك لهم الحكومة أيّ اختيار. وإلى جانب ذلك، فمقابل كل قبيلة تتعاون مع السلطة المركزية ثمة قبائل منافسة تلتحق بالحركة الكردية، لا عن قناعة سياسية، ولكن بسبب الصراعات القبلية. ويكره معظم السياسيين والمثقفين الأكراد المتمدنين، القبليّة وسياسة القبائل، لكن الحركة الكردية، إلى حد الآن، لم تستطع الإستغناء عن القبائل. فالأكراد القبليون الأصليون أقلية، لكن عند المقاومة تجد رجال القبائل الشجعان، الذين يعرفون الجبال أكثر من غيرهم، يأخذون بزمام الأمور، ولهم تأثير عميق في الحركة.(.......)

إن النزوح المكثف للأكراد من الريف إلى المدن الكبرى الجامعة لأجناس مختلفة تنبيء بفقدانهم لكرديّتهم المميّزة لهم تدريجياً في غمارها. وفي الواقع ليس هذا كل ماحدث رغم الإستمرار في إدماج الأكراد في إقتصاد البلدان التي يعيشون فيها؛ فإن تعدد الإتصالات بينهم وبين الجماعات العرقيّة الأخرى جعلتهم يشعرون أكثر من أيّ وقت مضى بخصوصيّة هويّتهم العرقيّة، وكردّ فعل على التمييز الذي عاني منه الكثير في المدرسة، أو الحصول على عمل(...) إتجه الكثير منهم إلى التاريخ الكردي والثقافة الكردية للبحث عن دواعي الإفتخار، وأُنشئت جمعيات ثقافية كردية قصداً في المدن الكبرى خارج كردستان، وصدرت فيها كذلك عدة مجلات ثقافيّة.(.......) وإنه بفضل الهجرة من كردستان في اتجاه المدن الكبرى الخارجية؛ تعمّم الوعي القومي والنخوة القومية على أساس الثقافة عند الأكراد، وأصبح ظاهرة جماهيرية. والإحتمال ضعيف في أن يعكس القمع هذا الإتجاه ولو كان جماعيّاً؛ فأكراد إيران والعراق عانوا، أكثر من أيّ وقت مضى خلال العقد الأخير، من القمع الجسدي العنيف، لكن هذا لم يزدهم إلاّ تشبّثاً بقوميّتهم. ولعل المثال البارز هو تركيا؛ فالقمع الحكومي لكل أشكال التعبير عن الثقافة الكردية هو أشدّ فيها من أيّ وقت مضى، لكن هذه الوضعية دفعت العديد من الفنانين والمثقفين الأكراد إلى التغرّب في أوربا الغربية، حيث أصبحوا ناشطين بشكل مدهش، ويقومون فيها بنشر أنواع مختلفة من الكتب والمجلات المكتوبة بالكردية، ووجدوا لها جمهوراً جاهزاً من بين مئات الآلاف من العمال المهاجرين الأكراد، وعن طريقهم بلغت أصواتهم تركيا. وهكذا ازدهرت الثقافة الكردية من جديد بغربتهم، وهي تزيد الهويّة القومية الكردية ثباتاً"

 

مارتن فان برونسن/ باحث انثروبولوجي هولندي وأستاذ جامعي

(المجتمع الكردي التقليدي والدولة) 

 

 

(21)

" أنا إنسان عربي. أنا عربي قومي ديمقراطي أؤمن بإقامة ولايات عربية متحدة، وأتمنى من كل قلبي أن تقوم هذه الدولة العربية المتحدة؛ يوم تتوفر للشعوب العربية حكومات ديمقراطية مسؤولة، تجسّد فعلاً إرادة ومصالح شعوبها؛ ولهذا السبب بالضبط أساند طموحات أكراد العراق القومية، وكذلك أكراد البلدان الأخرى، كما أعتقد أن الأكراد مهيّؤون وقادرون على ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم مثلما هو مُقرّ به في ميثاق الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. أظن كذلك فيما يتعلق بالمستقبل القريب، وبالنظر لإعتبارات سياسية عملية؛ ان من مصلحة العرب والأكراد سوية أن يتحدوا مع بعضهم البعض ضمن نظام ديمقراطي فيدرالي يمنح الأكراد تمثيلاً منصفاً داخل الأجهزة الحكومية، وسلطات واسعة ضمن المجالس الإقليمية المحلية المنتخبة؛ وهكذا يتم الحفاظ على وجود الأكراد فوق أراضيهم.

  إن الدواعي التي تدفعن نفسي للنضال من أجل الديمقراطية وتقرير مصير ووحدة العرب أينما وجدوا، خصوصاً عرب فلسطين الواقعين تحت نير الإحتلال الإسرائيلي؛ ولذلك أعتقد انه من عدم النزاهة رفض الإعتراف بذات الحقوق للأكراد وهم أقرب الشعوب إلى قلبي، ثمّ إذا ما أٌنكِرت هذه الحقوق المشروعة؛ فإن المنطقة ستشهد صراعات خطيرة قد تعصف بالعرب والأكراد على حد سواء(.......) أمّا العرب من جانبهم؛ فيجب عليهم الإهتمام بقضايا الأكراد؛ حتى يستطيعوا فهمهم . يجب على الديمقراطيين العرب في مجمل العالم العربي أن يهتموا أكثر بطموحات الأكراد القومية؛ حيث ينبغي إستيعابهم للحقوق الوطنية الكردية، وجعلها جزءاً لايتجزّأ من أسس الديمقراطية في العالم العربي؛ فذلك هو المسلك الوحيد لكسر حاجز الشك بيننا، و كذلك بالنسبة لنا نحن العرب؛ لإكتساب حليف شجاع طالما ساندنا في أحلك الظروف وأسوأ الفترات التي ميّزت تاريخنا"

 

سليم فخري/ شخصية وطنية عراقية معروفة

( العالم العربي والقضيّة الكردية)

 

(22)

" إن هذا الهجوم الكاسح بالأسلحة الكيمياوية كان يشكّل جزءاً لايتجزّأ من مخطط عسكري عراقي كامل يهدف إلى إفراغ أجزاء واسعة من كردستان من سكّانها. وكانت الخطة تقوم على:

1-   تدمير مجمل مدن وقرى كردستان العراق.

2-   تجميع السكّان الأكراد في مناطق معيّنة يسهل معها تشديد المراقبة والحصار عليهم.

3-   تهجير الأكراد إلى مناطق بعيدة عن كردستان.

4-   إستخدام ستراتيجية الترغيب والترهيب، بما فيها إستعمال الأسلحة الكيمياوية الفتاكة من أجل إرغام السكّان الأكراد على هجر أراضيهم.

وكانت النتيجة المنشودة من وراء هذا المخطط ، القضاءَ الكامل على الهوية الكردية والثقافة الكردية، وعلى نمط تاريخي متأصّل يعود إلى عدة قرون خلت. إن هذه السياسة طُبّقت بشكل دموي عنيف، وبإحتقار كامل للرأي العام العالمي، وبتجاهل لكل أعراف القانون الدولي (.......) رغم ان القانون الدولي لايسمح باستعمال الأسلحة الكيمياوية بدعوى الحاجة أو الضرورة القصوى؛ فإن العراق يدّعي أن إسستعمال تلك الأسلحة كان مردّه لطبيعة الصراع بين العراق وإيران، والذي كان صراعاً من أجل البقاء، أو الفناء. لكن هذا لاينطبق بتاتاً على الأكراد؛ إذ كان بالإمكان القضاء على التمرّد الكردي باستعمال القوات العسكرية العادية، دونما أيّة حاجة لإستعمال الأسلحة الكيمياوية الفتاكة ضد شعب أعزل بريء! فلماذا، إذنْ، إختار العراق إستعمال الأسلحة الكيمياوية ضد السكّان الأكراد؟! الجواب هو ان حكومة صدام حسين تصوّرت انه من السهل تمرير مأساة من هذا النوع، واعتقدت أن العالم لايهتم بموضوع استعمال هذا النوع من الأسلحة، ولايهمّه مصير الأكراد في شيء!(.......)

   

 

إن عملاً تؤدّيه الولايات المتحدة لوحدها لن تكون له نفس الفعالية مثلما لو اشتركت فيه الأمم الغربية كلها؛ ولذا أتمنى أن يؤخذ مفهومنا بعين الإعتبار من جانب القوى الإقتصادية الغربية الرئيسية. فإذا كانت هناك جبهة موحدة من جانبنا؛ فإن ذلك سيفشل كل محاولة من طرف أيّة دولة قويّة إقتصادياً تهدف إلى عدم الرضوخ للعقوبات(.......) نحن لانتوقع أن تدرج مسألة الأكراد في جوهرالعلاقات بين العراق والأمم الغربية في المستقبل، لكن يجب أن تعمل الأمم الغربية على الدفاع عن القيم واالأخلاقيات التي تقوم عليها أنظمتها السياسية"

بيتر غالبريث/ موظف في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي

(مأساة كردستان العراق، تدمير شعب وثقافة)

 

(23)

"..فيما يخص حقوق الإنسان وكل البؤس الذي يشهده العالم؛ لانجد غير الصمت!(...) كل هذا يعني أن النفاق مازال مستمراً، وان الأمم المتحدة لاتفعل شيئاً؛ لماذا؟! لأن الأقليّات لاصوت لها في الأمم المتحدة. لكن منظمة فرنسية مثل (فرنسا- الحريات) كانت لها الشجاعة للعمل على تنظيم هذا المؤتمر. أوجّه تحياتي كذلك إلى (منظمة أطباء العالم) حيث يعمل هؤلاء على إسعاف وإنقاذ الأكراد، الذين تعرضوا للتسمّم من جرّاء استعمال الأسلحة الكيمياوية. لقد إستقبلت عندي في المختبر الدكتور برنارد كوشنر، الذي كان يملك العيّنات الضرورية، وتفحّصناها معاً. ثمّ اتصلت بالسفير التركي في بلجيكا؛ فأجابني: (ليس عندنا لاجئون أكراد متسممون بالغازات الكيمياوية؛ فكل ما قيل ليس إلاّ كذباً وتزييفاً للواقع والحقيقة)! كل هذا لأبيّن لكم في أيّ إطار نعمل، وكيف تجري الأمور!

من أين تأتي هذه المواد السامّة؟! إنها، وللأسف الشديد، تأتي في أغلبيّتها من التكنولوجيا الغربية، وبينها عدد كبير من المواد الكيمياوية من بلدي (بلجيكا) ! تمّ تصديرها عبر مينائيّ أنفير و زيبروج. ونعلم ان هذه المواد مخزونة حالياً إمّا في العراق أو في ليبيا. معنى هذا انه بمئات الأطنان من المواد الكيمياوية، التي تمّ شحنها من عندنا؛ يمكن ضرب سائر الشرق الأوسط! (.......) إن العراق إستعمل هذه الغازات منذ سنة 1984 ولقد عالجنا بعض المصابين في مستشفى غانز الجامعي في بلجيكا، حيث كان هناك بين المصابين أطفال وأمهات. وقد تمّ إنقاذ بعضهم، بينما هلك البعض الآخر؛ معنى ذلك ان البرهان على استعمال العراق، السلاحَ الكيمياوي برهان قاطع(.......) لم يكن في متناول أيدينا آنذاك أيّ دواء حتى نوقف التسمّم؛ حيث كان هناك (10000) عشرة آلاف مصاب على أقل تقدير، ولم يكن بإمكان أيّة منظمة القيام بذلك؛ لأن علاج هذا النوع من الإصابات عسير جداً ويتطلّب إمكانات هائلة كانت تنقصنا هناك؛ معنى ذلك ان شعبكم الكردي قُتِل قتلاً إجراميّاً دونما أيّ تمييز بين المقاتلين والمدنيين؛ فحوالي 65% من الذين فحصناهم كانوا نسوة وأطفالاً كما ذكرت.

خلاصة القول : ان هذه الكارثة تدل على روح النفاق، التي تطبع المجتمع الدولي، وكذلك جبن عدد كبير من الحكومات؛ ولهذا السبب بالضبط تمّت بعد الحرب العالمية الثانية، محاكمة نورمبرغ الشهيرة، حيث أدان العالم أجمع هتلر والنازية على الجرائم الجماعية، التي أرتكبت بحق الغجر واليهود..إلخ، وكان ذلك أمراً ضرورياً. لكن الآن لم يعد أحد يتكلّم عن هذه الجرائم؛ حيث يتم القتل والتقتيل والتسميم الجماعي، ولاأحد يدين مرتكبي هذه الجرائم! إن هذه لمأساة كبيرة، فأود أن أضيف انه من الواجب علينا الدفاع عن حق جميع الشعوب في الحياة، وعدم التعرض التعرض للأسلحة الكيمياوية؛ لأن ذلك يحدث الآن في أنغولا ضد أعضاء حركة(يونيتا) المساكين(.......) إنني أؤمن بالدور الذي تلعبه المنظمات الإنسانية غيرالحكومية، والتي مكنتنا من التعبير عن هذه المأساة، وفضح المسؤولين عنها. ولكن، للأسف الشديد، ليس هناك أيّ نوع من المساعدة الحكومية؛ فقدت طلبت تأشيرات من بعض البلدان الغربية مثل: بلجيكا، بريطانيا وأمريكا؛ بغية إستقدام الأطفال والأمهات، الذين تعرضوا لهذه الغازات في أنغولا؛ فووجهت بالرفض التام بدعوى أن هناك مشكلة سياسية بين أمريكا وروسيا وأنغولا وكوبا وحركة(يونيتا)! معنى هذا أن من حق الحكومات أن تقتل وتستعمل الغازات السامة؛ مادامت هناك مصالح إقتصادية وماليّة في الميزان، وهذا عار كبير!"

اوبان هيندريكس/ بروفيسور بلجيكي متخصص في المواد السّلمّة

(كارثة حلبجه)

 

(24)

" إن تاريخ الأكراد يتميّز بالصّمت الذي يحيط بقضيّتهم، وهو الشيء الذي لم تعرفه ولاتعرفه الأمم والقوميّات الأخرى. وقد بدأ هذا الصمت يُختَرَق منذ بضع سنوات؛ وذلك بفضل النشاط الذي تقوم به مختلف الفصائل الكردية داخل دولها، وكذلك بفضل النضال الذي خاضه عبدالرحمن قاسملو على رأس الحزب الديمقراطي الكردستاني لكردستان إيران، وأخيراً بفضل العمل الدؤوب والجهود الجبّارة التي يقوم بها المعهد الكردي في باريس، وكذلك وللأسف الشديد؛ بسبب السياسة اللاإنسانية، التي تمارسها حكومات البلدان التي تحيا القومية الكردية تحت سيادتها، وقد شهدت هذه السياسة أخطر مظاهرها في استعمال الأسلحة الكيمياوية ضد الأطفال والنساء والعجزة والأبرياء العزّل؛ وهكذا بدأ القدر الكردي ينعتق من أسر دهليز الصمت القاتل!(.......)

  إن الشعب الكرديّ الذي يُعَد من من بين الشعوب الأكثر قدماً، يبلغ تعداد نفوسه اليوم أكثر من(25 مليون نسمة) ويعيش محروماً من أدنى حقوق الإنسان وأكثرها بداهة؛ فالأكراد محتاجون لشدّ اهتمام الرأي العام العالمي إزاء وضعهم المجحف، وكذلك وسائل الإعلام، والحصول على مساندة البرلمانيين والمنظمات والشخصيّات. إنهم في حاجة ماسّة لهذه المساعدة؛ لإجبار حكومات البلدان، التي يعيشون في ظلّ سيادتها على الإعتراف بوجودهم واحترام حقوقهم القومية والإنسانية. إذا كان نضالهم داخل بلدانهم يشكّل العامل الأساسي؛ من أجل بلوغ هذا الهدف؛ فإن العامل الدولي ليس أقل أهميّة. إن الدفاع عن حقوق الإنسان الكردي لايحتمل المماطلة ولا التأجيل؛ فالمنطقة واقعة تحت أخطار حروب قد تدوم إلى مالانهاية وتهدّد المنطقة كلّها؛ إذا لم يتوفر حل لقضيتهم. ولايتعلّق الأمر فقط بمسألة بقاء الشعب الكردي، بل كذلك بالسلم في الشرق الأوسط والعالم أجمع"

هيلين قاسملو/ أرملة الشهيد قاسملو(فرنسا)

(الأكراد في إيران)

 

(25)

" آمل أن تساند الشخصيات الحاضرة في هذا المؤتمر، المواقف المسالمة ومطالب الشعب الكردي المشروعة، وأن يرفعوا أصواتهم عالياً ضد ممارسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تنتهك حقوق الإنسان وتمارس سياسة عدوانية في حق الشعب الكردي. وكذلك يجب التنديد بالموقف النمساوي، الذي يُغلب االمصالح الإقتصادية والحسابات السياسية الآنيّة على مباديء العدالة والديمقراطية، وخصوصاً؛ حين يتعلّق الأمر بنظام عات يمارس الإرهاب والإغتيال حول طاولة المفاوضات!"

حسن شرفي/ عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي لكردستان إيران

(سلميّة الشعب الكردي في إيران وعدوانيّة الحكومة المركزيّة)

 

(26)

" يقل الحديث عن أكراد سوريا ولبنان مقارنة بأكراد العراق وتركيا وإيران، مع ان أكراد سوريا يتجاوزون المليون نسمة، أي عُشر سكان الجمهورية السورية، بالإضافة إلى أنهم يشكلون الأقلية القومية- العرقية الوحيدة المتواجدة على وحدة جغرافية داخل سوريا؛ حيث توجد ثلاث مناطق كردية في شمال سوريا مفصولة عن بعضها البعض، لكنها متجاورة كلها مع كردستان تاركيا؛ حيث تشكّل امتداداً لهذه الأخيرة باتجاه الجنوب. لقد حُدّدت الحدود السورية- التركية طبقاً لإتفاقية 21مارس1921 حين كانت فرنسا آنذاك الدولة المنتدبة على سوريا؛ ولذلك فإن الحدود المذكورة لم تتماش مع خط الإنفصال العربي- التركي، وأبقت على سكان أكراد جنوب الحدود وسكان عرب شمال الحدود، مثل حرّان وجرابلس ولواء الإسكندرونه، الذي تسكنه أغلبية عربيّة، عندما ألحقته تركيا قسراً بترابها سنة1938! (.......)

عندما أعلنت الثورة لأجل الحكم الذاتي من طرف المرحوم ملا مصطفى البرزاني والحزب الديمقراطي الكردي في العراق سنة 1961 تضامن أكراد سوريا مع هذه الحركة؛ فليس من قبيل الصدفة أن يبدأ قمع الأكراد في سوريا سنة 1961 لمعاقبتهم ربّما على تضامنهم مع إخوانهم في العراق. وفي سنة 1962 قامت الحكومة السورية بإحصاء للسكّان في مجمل البلاد، لكن هذه العملية لم تشمل أكراد الجزيرة؛ ومن ثمّ أصبح (120000 كردي) مجرّد أناس دخلوا سوريا سرّاً وبطرق غيرمشروعة! وهكذا فقدوا كل حقوق المواطنة! وطلب منهم تسليم هويّاتهم لإستبدالها بهويّات أخرى، غير أنهم لم يستلموا أبداً هويّاتهم الجديدة! وهكذا وجد هؤلاء الأكراد أنفسهم غرباء ولاجئين في بلدهم وعلى أرض وطنهم! وفي سنة 1963 تمّ خلق ماسمّي بـ (الحزام العربي) والذي تضمّن إفراغ منطقة الجزيرة على طول الحدود التركية( حوالي 280كلم طولاً و 15 كلم عرضاً ويشمل 332 قرية) من مجمل سكّانها، وإحلال مزارع حكومية تُمنَح ملكيّتها للعرب، محلّها؛ حتى يستطيع هؤلاء الحلول محل الأكراد وتعريب المنطقة. وقد نجم عن هذه السياسة حرمان هؤلاء الأكراد من أراضيهم التي كانوا يمتلكونها وكذلك تلك التي قاموا باستصلاحها من أجل خدمة الصالح السوري العام. وبدأ الإضطهاد القومي إنطلاقاً من هذه الفترة. وكما في تركيا، فقد بدأت سياسة تعريب المناطق الكردية(.......)

إن مهندس سياسة الإضطهاد القومي هذه يُدعى محمد طالب جلال، حيث كان يمارس وظيفة ضابط البوليس السياسي السرّي في الجزيرة في بداية الستينات، وقد ألّف كتاباً باللغة العربيّة بعنوان( دراسة حول محافظة الجزيرة على المستوى العرقي والإجتماعي والسياسي) تناول فيه ماأسماه بالخطر الكردي، والكتاب، بكل بساطة، دعوة للتصفية الجماعية للشعب الكردي، على غرار كتاب(كفاحي) لأدولف هتلر. إن هذا الكتاب وثيقة سرّيّة أعدتها الدولة بنفسها، ولايوجد في المكتبات بسوريا، لكن نسخة واحدة وقعت بين أيدي الحزب الديمقراطي الكردي السوري(.......) إن النظام السوري الذي حرم أكراد الجزيرة من الجنسية السورية يُجبر هؤلاء الأكراد(غير السوريين) على أداء الخدمة العسكرية في الوقت نفسه! فهم مجبرون على أداء الخدمة العسكرية، لكنهم لايستطيعون الزواج بشكل قانوني، ولا الإستشفاء في المستشفيات الحكومية، ولايستطيعون دفن موتاهم طبقاً للقوانين السائدة؛ وذلك بسبب حرمانهم من بطاقة الهوية السورية، ورغم انهم يتجاوزون الـ (300000 نسمة) في الوقت الحاضر!

إن الشباب الكردي العاطل عن العمل يتم دمجه مع العلويين، ليس فقط في الجيش السوري، بل كذلك في القوات الخاصة المكلفة بحماية النظام الحاكم والدفاع عنه. وقد أستخدمت هذه الفرق الكردية- العلويّة الخاصة في قمع الحركة الإسلامية العربية في حلب سنة 1980 و حماة سنة 1982؛ ولذا فإن الأغلبية العربية السنّيّة تكنّ مشاعر الحقد والكراهيّة ليس ضد العلويين فحسب، بل والأكراد أيضاً. وهكذا يذهب الأكراد ضحيّة هذا التلاعب؛ حيث تستغل السلطات أوضاعهم القانونية والإجتماعية دون أن تعترف لهم بأدنى الحقوق، ثم إن هويّتهم القومية مهدّدة بالزوال على المدى المتوسّط والبعيد؛ لأنه لم يبق في المناطق الكردية سوى الأجيال المسنّة، أمّا الشباب فيهاجر إلى خارج البلاد"(.......)

"...لايمكن التحدث عن كردستان بالنسبة لأكراد لبنان؛ فقد كانت توجد في لبنان منذ العهد الأيّوبي بعض المؤسسات الكردية ذات الطابع الإقطاعي في جبال لبنان، وأشهرها الآن آل جنبلاط، حيث كانوا يُدعون جان بولات(التي تعني بالكردية صاحب القلب الصلب) وقد كان آل جنبلاط من الأسر السائدة والمسيطرة في كردستان الغربية، تمرّدوا على السلطان، ولجأوا إلى لبنان، وهم يتزعّمون اليوم الطائفة الدرزية في لبنان. 

لكن هناك طائفة كردية في لبنان تشكّلت ابتداءً من الثلاثينات من الأكراد الذين هاجروا من سوريا وتركيا خلال تلك الفترة، ويتجاوز عددهم الآن(100000 نسمة) يتمركز معظمهم في بيروت. وقد تعرضت هذه الطائفة لمشكلة الجنسية؛ فالسلطات اللبنانية، التي يهيمن عليها(العنصر الماروني) لم يكن من مصلحتها منح الجنسية اللبنانية لهؤلاء(الأكراد المسلمين السنّة) لكن هؤلاء الأكراد يتمتعون بكل الحريات السياسية التي يتيحها المجتمع اللبناني؛ وهكذا تمت إقامة تنظيم للحزب الديمقراطي الكردي في لبنان، وعدة نواد وجمعيات رياضية وثقافية وإجتماعية كردية، لكن للأسف الشديد؛ جاءت الحرب الأهلية وشارك فيها الأكراد اللبنانيون وأكراد بيروت بميليشياتهم إلى جانب الميليشيات الدرزية والسنّية، مع المعسكر المسلم؛ فتعرضت الطائفة الكردية من جرّاء ذلك إلى خسائر فادحة. إنّ مسألة أكراد لبنان معقدة؛ فهي جزء من المسألة اللبنانية ذاتها. يجب إعادة السلام بين اللبنانيين، بما فيهم الأكراد، ولكن هناك مشكلة خاصة بالأكراد؛ حيث يجب أن يحصلوا على الجنسية اللبنانية، مع الإحتفاظ بهويّتهم وثقافتهم ولغتهم الكردية، فربما استطاع لبنان، الذي طالما جمع بين الطوائف؛ أن ينجح في حلّ هذه المسألة "

عصمت شريف وانلي

(الأكراد في سوريا ولبنان)

 

(27)

" إن أوضاع أكراد الإتحاد السوفييتي تدهورت كثيراً بعد مجيء غورباتشوف. ورغم وعود السلطة المركزية بإيلاء اهتمام أكبرلمشكلة الشعوب المهجرة، لكنها لم تفعل في الواقع أيّ شيء بهذا الصدد. وقد زادت وضعية الأكراد تدهوراً بسبب الأزمات القائمة بين جمهوريات أذربايجان وأرمينيا، واضطرّ الأكراد إلى اللجوء إلى الجمهوريات الأخرى مخافة تعرضهم للقتل والتنكيل؛ فلجأوا إلى روسيا على سبيل المثال، حيث لايحق لهم حتى امتلاك مسكن وعمل. إن أكراد الإتحاد السوفييتي حُرِموا من حقوقهم الثقافية، وشُتّتوا في تسع جمهوريّات، وهم الآن ضحيّة الصراعات القومية الدائرة في القوقاز وآسيا الوسطى؛ ممّا يهدّد وجودهم هناك كقومية قائمة بذاتها"

نادر نادروف/ أمين عام سابق لأكاديمية العلوم في كازاخستان

(حياة كردي في الإتحاد السوفييتي)

 

(28)

" منذ 15 سنة، صارت القضية الكردية معروفة أكثر من السابق؛ وذلك بفضل هجرة اللاجئين الأكراد إلى مختلف البلدان، وأصبحت المسألة الكردية تحظى بعطف وتفهذم أكبر، فهناك معاهد كردية في أغلب البلدان الأوربية كما في فرنسا، كما هناك العديد من المنظمات والجمعيات الكردية، وذلك بغض النظر عن المنظمات السياسية، تعمل على الحفاظ وعلى تطوير الثقافة الكردية بشكل واسع. يمتلك الأكراد كذلك حق القيام بأنشطة سياسية ونضالية في بعض بلدان أوربا الغربية. وتشير كل الدلائل إلى أن الأكراد ينجحون في هذا المجال أكثر من القوميات الأخرى، خصوصاً فيما يتعلّق بالحفاظ على هويّتهم الثقافية وتطويرها؛ حيث يُعدّون إحدى الجماعات المهاجرة الأكثر فعالية في أوربا الغربية، ومن ثمّ فإنهم يساهمون فعلاً في قيام وتطوير مجتمعات متعددة الثقافة(.......)

..أعتقد أن وضعيّة الشعب الكردي تشبه إلى حد كبير وضعيّة الشعب الفلسطيني؛ فالإثنان محرومان من حقهما في وطنهما؛ ولذلك تدوم الحروب والعنف في هذه المنطقة إلى مالانهاية. وبالرغم من الجوانب الإيجابية التي ذكرتها، هناك العديد من المصالح الدولية تحول دون طرح القضية الكردية على نفس المستوى السياسي، الذي طُرِحت فيه القضيّة الفلسطينية! لقد ناضل أكراد الشتات كثيراً من أجل التعريف بالقضيّة الكرديّة، لكن الطريق مازال شاقّاً وطويلاً. وبالنظر لأعمال العنف، التي أُرتُكِبت في حق الشعب الكردي وزعمائه خلال السنوات الأخيرة، أعتقد أن على الحكومات الغربية أن تتعامل بجدية مع المسألة الكردية. أمّا فيما يخص الأكراد؛ فعليهم أن يستغلوا بشكل إيجابي وبنّاء، المواقع التي نجحوا في اكتسابها في هذه البلدان. وأخيراً، يجب على المنظمات الإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام، التعاون مع الأكراد؛ بغية القيام بالضغوطات اللازمة ونشر أخبار موضوعية، وبمتابعة دائبة؛ حتى تتمكن من تغيير الواقع الحالي"

لارس غونار إركسون/ مستشار في وزارة الهجرة السويدية

(الشتات الكردي في أوربا)

 

(29)

" ..عندما تكون هناك قضية، فإمّا تجد حلاً لها أو لاتجد؛ وهذا مايدعو لتقاعس العديد من الجهات المسؤولة، حيث يقال انه إذا كانت المسألة ستجد يقيناً حلاً لها؛ فلاداعي للنضال والعمل، لكنني أعتقد أن من دواعي فخر المنظمات الدولية لحقوق الإنسان؛ إنها لاتقع في هذا المطب، وهي تسعى دوماً للتدخل و لمد يد العون لمن هم في أمسّ الحاجة للمساعدة من ضحايا خروقات حقوق الإنسان. وهذا الأمر يخص بالتحديد وضعية الشعب الكردي؛ فالعمل في هذا الإتجاه يثير غضب أربع دول في نفس الوقت، وهي الدول التي تعيش على أرضها أقلية كردية: العراق وإيران وتركيا وسوريا. ولنقل ان ذلك يقلق أيضاً الرأي العام الغربي، الذي يكتفي بالصمت والنسيان، ولايرغب أن يُقلِق راحتَه أحد! ولذا فنحن سعداء اليوم؛ لإنعقاد هذا المؤتمر الذي جمع العديد من الشخصيات. وأريد أن أضيف كذلك انه بغض النظر عن النضال المشروع الذي يخوضه الأكراد، هذه الأقلية المظلومة، فإن المرء لايسعه إلاّ أن يُعجَب بتعلّق المناضلين الأكراد بالمباديء الديمقراطية؛ ولا أدلّ على ذلك من شخصية الدكتور عبدالرحمن قاسملو، الذي كان مناضلاً حيويّاً، وفي نفس الوقت إنساناً هادئاً ومعتدلاً، ونجح في خلق جزيرة أو مختبر ديمقراطي في منطقة اشتهرت بغياب الديمقراطية(.......) سأختتم كلامي قائلاً: ليطمئن الأكراد إلى عدم توقف مساعدة ومساندة منظمات حقوق الإنسان لنضالهم، ومن أجل الإعتراف بحقوقهم المشروعة عسيرة التحقيق للأسف الشديد! فلنتشجّعْ، وسيتوصّل الشعب الكردي لإقرار الإعتراف بحقوقه؛ لأنه يستحق ذلك"

باتريك بودوان/ محامي فرنسي، أمين عام الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان

(العمل لصالح الأكراد)

 

(30)

" إن الهدف من حقوق الإنسان هو أن يحقق الفرد إنسانيّته؛ وثمّة الآن الفرصة لتحقيقها عبر مدّ يد العون للآخرين؛ فالبشريّة مطالبة بعدم إهمال أو تجاهل أيّ شعب. يجب على الجميع أن يضعوا أنفسهم في خدمة الضحايا الذين تعرّضوا لتناسي التاريخ لمأساتهم. وهذا يعني أن يصير المرء إنساناً مسؤولاً، ملتزماً، متضامناً ومتعاطفاً مع هذه البشريّة، التي تتكلم عنها كل يوم أكثر فأكثر؛ فهناك من يتحدث اليوم عن أحجار المحيط الهادي على انها تشكّل جزءاً لايتجزّأ من تراث الإنسانية المشترك، لكن ألاتعتقدون أن حقوق الإنسان تمثل حجر الزاوية بالنسبة لهذا التراث المشترك؟! فالبشريّة كل لايقبل التجزئة؛ فيجب الحفاظ عليها بأجمعها دون إستثناء أيّ طرف من أطرافها"

رينيه جان دوبوي/ بروفيسور فرنسي في الكوليج دو فرانس بباريس.

(الأكراد والقانون الدولي)

 

(31)

"..أعتقد أن السؤال المطروح الآن هو: لماذا نجد من الصعب علينا طرح القضية الكردية على المستوى الدولي والرسمي؟ إن الطريقة التي سار عليها هذا المؤتمر تجسّد ذلك جيداً؛ إذ لم يحصل سلبقاً أن إتخذت أيّة حكومة موقفاً رسميّاً واضحاً تجاه المسألة الكردية والأمّة الكردية، لماذا؟ سأحاول شرحشرح هذا الأمر:

أوّلاً: تجب الإشارة إلى أن العالم السياسي يعرف جيداً هشاشة كيانات ودول المنطقة.

ثانياً: تعتبر منطقة الشرق الأوسط منطقة متفجّرة تهدّد بأخطارها السلام العالمي.

ثالثاً: تتفق الحكومات وأعضاء هيئة الأمم المتحدة على ضرورة تبنّي الحيطة والحذر فيما يتعلّق بالنزعات الإنفصالية؛ خشية اتساع وتطوّر هذه النزعة على مختلف المستويات(...) وكون كردستان تقع على أراضي دول متعددة؛ فإن ذلك يعقّد الأمر أكثر فأكثر، بالإضافة لذلك، فإن الصدمة النفطية، التي حدثت في بداية السبعينات؛ جعلت البلدان الغربية تتخوّف من ردّة فعل الدول النفطية الشرق أوسطية على مصالحها الإقتصادية، وبالأخص ان كلّ الدول تتخوّف من طرح مشكلة الأقليات الواقعة تحت سيادتها.

  غير انني أعتقد بوجود تفسير آخر، فالستراتيجية التي إتبعتها بعض المنظمات الكردية لم تكن ستراتيجية فعالة، فالمنظمات الكردية تبنّت موقفاً راديكالياً يكم في في المطالبة بالإستقلال الكلي الكامل (أي قيام دولة كردية) ومهما كانت تقييماتنا لهذا الموقف فإن العديد من الحكومات لم تقبله، وتخوّفت كثيراً من إنعكاساته. والذين كانوا يهتمون بجانب حقوق الإنسان في المسألة الكردية كانوا كذلك يتخوّفون من إنفصاليّة المنظمّات الكردية، وهذا أمر يتعلّق بالستراتيجية. أعتقد أن النقاش الآن يجب أن يتجه في إتجاهين رئيسيين، أوّلهما يخصّ تقرير المصير، وثانيهما يتعلّق بحقوق الإنسان. وتقرير المصير مسألة من الصعب طرحها حالياً؛ للأسباب التي ذكرتها سابقاً"

 

توماس هامربيرغ/ أمين عام منظمة العفو الدولية سابقاً

(نحو إستخدام المؤسسات الدولية بشكل أفضل)  

 

 

(32)

" إن الوقت يمكّن من الإحاطة بذات الكائنات، والذات في كردستان؛ معناها الإحاطة ببعد المعاناة والموت. إن الذات تعبّر عن نفسها من خلال المعارك اليومية، ومن خلال البيانات المرعبة، التي لاتنفكّ إذاعة الحزب الديمقراطي لكردستان إيران عن ترديدها يوميّاً، ومن خلال النظرة نحو أولئك الناس المقطّة أوصالهم، والتي لاينفع معها الطب في شيء! وتعبّر الذات عن معاناتها كذلك عبر الأسماء الشخصية التي تحمل كلّ معاني اليأس القاتل، مثلها مثل نظرة ذلك الطفل تتجاوز في عمقها كل ما يستطيع المرء قوله، ومثلها مثل كلّ الشهادات المسجّلة على تلك الأبواب المعبرة، حيث يتم تقديس الأموات خلال كل الأيام، لكن الذات هي كذلك الواقع اليومي للناس وطريقتهم في تأدية أعمال حياتهم اليومية، تلك الحياة أقوى دائماً من الموت، من اليأس، ومن كل أشكال الألم والمعاناة. إن هؤلاء الأطفال، الذين يجسّدون المستقبل ليبرهنون عبر الرقصات وأفراح الزفاف على ان كردستان بلد المستقبل رغم كل أشكال وأسباب المعاناة.

  إن الذات كذلك هي كيف يعيش الناس، وكيف يحترمون حقوق الإنسان، والأكراد الذين عايشناهم يحترمون حقوق الإنسان حتى في السجون والمعتقلات(.......) اننا أرضينا ضمائرنا بالإستجابة لكل المطالب الإنسانية، أو البعض منها على الأقل. وبغض النظر عن مئات العمليات الجراحية وآلاف الزيارات الطبية وعمليات التلقيح والتدريس؛ فقد شعرنا وكأننا حاولنا من جانبنا أن نساهم ولو قليلاً في أن نكون جزءاً لايتجزأ من الضمير الإنساني العالمي ومن تأنيب الضمير، الذي تعرفه وتشعر به القوى العظمى؛ من جرّاء إهمالها لوضعيّة الشعب الكردي ولمطالبه القومية العادلة: (الحكم الذاتي والحرية وعدم المساس بكرامته) فنحن الأطباء بمطالبتنا القوى العظمى أن تولي اهتمامها لهذه القضية؛ نعني ان هذه الحرية وهذا الإستقلال وهذه الكرامة جزء لايتجزّأ من حريتنا نحن، ومن إستقلالنا نحن، ومن كرامتنا نحن"

برنارد غرانجون/ نائب رئيس منظمة أطباء العالم

(الأطباء الفرنسيون في كردستان)

 

 

القرار الختامي لمؤتمر باريس الدولي

 

   قرّر المؤتمر الدولي المنعقد تحت عنوان ( الأكراد: حقوق الإنسان والهوية الثقافية) في باريس، خلال (14 و15 أُكتوبر1989) بمبادرة من مؤسسة (فرنسا- الحريات) و (المعهد الكردي) في باريس، قرّرر في ختام أعماله مايلي:

  لكون الأكراد شعباً موزّعاً بين عدة دول، ويتعرّض إلى مأساة مفجعة؛ بسبب تشبثه بهويته الثقافية والدفاع عن حقوقه السياسية والديمقراطية المشروعة داخل تلك الدول؛ يعلن المؤتمر انه:

  - يأمل في استمرار أعماله عبر تشكيل لجنة دائمة تكلّف بالدفاع عن حقوق الإنسان داخل البلدان التي يعش الأكراد ضمن سيادتها، وتنفتح هذه اللجنة على البرلمانيين في كل البلدان الديمقراطية، وتوصي مؤسسة (فرنسا- الحريات) بالعمل في هذا الإتجاه.

 - يأمل إستدعاء ممثلين عن الشعب الكردي؛ حتى يتمكّنوا من التوجّه إلى ومخاطبة البرلمان الأوربي ومجلس أوربا ومختلف المؤسسات الدولية.

 - يأمل سنّ تشريعات وطنيّة تمنع إنتاج الأسلحة الكيمياوية، كما يأمل أن تساند الحكومات عقد إتفاقية دولية؛ بغية فرض عقوبات إقتصادية ودبلوماسية على كل الدول التي تستعمل الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية منتهكة بذلك كل القوانين والأعراف الدولية المعمول بها في هذا الميدان.

 - يوصي بتأسيس منظمة تمثل مختلف فئات وأقسام الشعب الكردي؛ وذلك بهدف الحصول على صفة مراقب داخل الجمعية العموميّة لهيئة الأمم المتحدة، وفي مختلف المؤسسات الدولية الأخرى.

 - يطالب؛ بناءاً على توصية البروفيسور زاخاروف، الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، بصفتها ضامنة للسلم العالمي، بعقد جلسة خاصة للجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة بغية دراسة المسألة الكردية.

 - يشدّ الإنتباه نحو الوضعية المأساوية التي يعيشها الأكراد. ويشدد على ضرورة تنظيم محادثات مع المفوضيّة العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، في أقرب وقت، حول وضع هؤلاء اللاجئين؛ بغية تقديم المساعدات الإنسانية لهم. وكذلك عقد جلسة خاصة لمناقشة هذه المسألة من قبل المفوضيّة العليا للاجئين.

 

(1)لائحة الأسماء:

- أدونيس الشاعر العربي المعروف،وممثل الجامعة العربية في منظمة اليونسكو

 - حسين آيت أحمد:أحد القادة التاريخيين  للثورة الجزائرية

- أكسينتيجغي ميركا:أستاذ العلوم السياسية بجامعة بلغراد

- السيدة فائزة حسن عبيد (مصر)

- كامل الزهيري: كاتب مصري معروف ورئيس سابق لإتحاد الكتاب العرب

 - محمود أمين العالم: المفكر العربي التقدمي (مصر)

- اللورد ايفبري: رئيس المجموعة البرلمانية البريطانية لحقوق الأنسان

- بيداتي ماريو: عميد كلية الحقوق في جامعة باريس

- السيدة جويس بلو: أستاذة في المعهد الوطني للغات والحضارات بباريس

 - ميشيل بلوم: رئيس اللجنةالخاصةللمنظمات غيرالحكومية التابعة للأمم المتحدة

- بويف: مدير معهد الدراسات الشرقية بأكاديمية العلوم(بلغاريا)

- السيناتور بولديني: رئيس جمعية الأنصار(إيطاليا)

- ميشيل بونو: طبيب،مدير وحدة الإغاثة بوزارة الخارجية الفرنسية

- حبيب بولص : نقيب إتحاد الكتاب العرب (إسرائيل)

- السيدة آن برلي: ممثلة عن الأمانة الدولية لـمنظمة العفو الدولية

- السيدة شانتال كازابيانكا: الناطقة بإسم الفرع الفرنسي لمنظمة العفوالدولية

- آلان شينال: مسؤول الشرق الأوسط في الحزب الأشتراكي الفرنسي

- السيدةآن كلويد: نائبةبرلمانيةوعضوحكومةالظل التابعةلحزب العمال البريطاني

- السيدة جاين كونورز: أستاذة القانون في معهد الدراسات الشرقيةوالإفريقية (بريطانيا)

- جيريمي كورين: نائب برلماني بريطاني

- متين دفتري: رئيس الجبهة الوطنية الديمقراطية(إيران)

- فرانسوا دوبفر: رئيس المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين

- رافائيل دويب: الأمين العام لمؤسسة"فرنسا الحريات"

- السيدة جورجينا دوفوا: وزيرة الشؤون الإجتماعية سابقاً(فرنسا)

- جان رينيه دوبوي: أستاذ القانون الدولي في(الكوليج دوفرانس)

- السيدة ليدي دوبوي: المندوبة الفرنسية لحقوق الإنسان في المجلس الأوروبي

 - ويليام ايكَلتن: مؤلف وسفير (سابق) لأمريكا بدمشق وبغداد

- سليم فخري: شخصية وطنية عراقية ومدير سابق للإذاعة والتلفزيون العراقي

 - السيدة فرانسواز فوغيير: ممثلة عن مكتب رئاسة الجمهورية الفرنسية

- بيتر كَالبريث: موظف في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي

- السيدة ميريلا كَاليتي: مستشرقة متخصصة بقضايا الكرد(إيطاليا)

-هارتمان كاليتزر: رئيس حزب شعب جنوب ثريول (إيطاليا)

- السيدة سوزان جورج: كاتبة وباحثة في معهد الدراسات السياسية(أمريكا)

 - د.كَلبرت: نائب في البرلمان البريطاني

- حسرتيان: مديرسابق للقسم الكردي بمعهد الإستشراق(الإتحاد السوفيتي)

- السيدة هيلين قاسملو: أرملة الشهيد قاسملو(فرنسا)

- السيدة فاني كروب: مندوبة اللجنة الدنماركية للـ (هيلسنكي ووج)

- السيدة هيلكا كَراهام: صحافية بريطانية

- كينساي كورسوي: أستاذ جامعي (تركيا)

- السيدة فاتوش كَوناي: أرملة الفنان يلماز كَوناي (تركيا)

- توماس هامربيرك: مدير المنظمة السويدية لـ (صندوق إغاثةالأطفال)

- أوبان هيندركس: مدير مختبر المواد السامة بجامعة كرينت البلجيكية

- فيليب كراينبروك: حاضر بمعهد الدراسات الشرقية والإفريقية(لندن)

- السيدة جيري لايبر: مديرة الـ (هيلسنكي ووج)(أمريكا)

- السيدة شيري لايزر: كاتبة ( نيوزلاندا )

- ميخائيل لازاريف: مدير القسم الكردي بمعهد الأستشراق(أكاديمية العلوم السوفياتية)

- السيدة جانييت ليذربي: ممثلة عن(برنامج دراسة أوضاع اللاجئين)(بريطانيا)

- جيرار ليندبرك: برلماني،مسؤول عن حقوق الإنسان في الحزب الإشتراكي الفرنسي

- نك لدينكتون: صحفي (قبرص)

- ليوماتا راسو: رئيس العصبة الدولية لأجل حقوق وتحرر الشعوب (فرنسا)

- السيدة جولييت مانس: كاتبة(فرنسا)

- ألكسندر مينكوسكي: بروفيسور(فرنسا)

- السيدة ميتران: رئيسة (فرنسا-الحريات)

- رولاند مونخ: بروفيسور(ألمانيا)

- السيدة يافوس أونن: مندوبة منظمة حقوق الإنسان(تركيا)

- السيناتوركليبورن بيل: رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي

- جون فيلبي: عضو في البرلمان البريطاني

- بيتر بيلز: عضو في البرلمان النمساوي

- السيدة كارول برونهوبر: كاتبة وصحفية (فنـزويلا)

- رافائيل يونون: صحافي(إسبانيا)

- السيدة سوزان رسول: طبيبة،أرملة الشهيد فاضل رسول(النمسا)

- كوين روبرتس: صحافي (بريطانيا)

- مكسيم رودنسون: المفكر والمستشرق المعروف (فرنسا)

- لوران شوارتز: بروفيسور (فرنسا)

- أحمد  طاهري: كاتب (إيران)

- سيرفر تنيلي: بروفيسور(فرنسا)

- فواز طرابلسي: كاتب ومترجم معروف (لبنان)

- السيدة هينريت نافياني: رئيسة منظمة (فرنسا-أرض اللجوء)

- شارلوت تيوفر : بروفيسورة(النمسا)

- السيدة جلبيرت زازا: أرملة الشخصية الكردية نور الدين زازا(سويسرا)

- برنارد كوشنر: وزير الدولة للشؤون الإنسانية في الحكومة الفرنسية

* إدوارد كينيدي: سيناتور(أمريكا)لم يحضر،لكنه بعث رسالة تضامن مؤثرة

*أندرية زاخاروف: الأكاديمي الروسي الحائز على جائزة نوبل، وزوجته إيلينا بونير،لم  يستطيعا الحضور، وإنما بعثا برسالتين تضامنيتين

*مارتن فان برونسن : إنثر وبولوجي، باحث في المعهد الملكي الهولندي

*لارس كَونار أركسون: مستشار في وزارة الهجرة السويدية

*باتريك بودوان: محامي فرنسي،أمين عام الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان .

*جيرار شاليان: مفكر فرنسي تقدمي معروف

*السيدة فلورنس فيبر: الرئيسة الشرفية لمنظمة الإغاثة الطبية الدولية

* برنارد كرانجون: نائب رئيس منظمة(أطباء العالم).

(2) راجع مجلة ( دراسات كردية ) في عددها الخاص بالمؤتمر 4 (8) السنة التاسعة 1993.

(3) راجع المصدر نفسه بخصوص المداخلات والمساهمات.

(4) تجدر الإشارة إلى أن شخصيات كبيرة أخرى لم تستطع الحضور،وإنما بعثت برسائل وبرقيات تضامنية ومنهم : المستشار النمساوي ( السابق) برونو كرايسكي، والأكاديمي الروسي زاخاروف وزوجته والسيدة كاترين لالومير السكرتيرة العامة للمجلس الأوروبي، والسادة ويلي برانت ، و إدوارد كينيدي، وجيوفاني سيادوليني رئيس مجلس الشيوخ الإيطالي .......

(5) و(6) أنظر إلى المصدر نفسه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* بالعنوان نفسه(بدون المسرد الطويل) نشرت جريدة (خبات) مقالتي في عددها(745) الصادر يوم الجمعة 7/10/1994

 

 

  

 

 

يعظنا التاريخ مراراً؛

 فلماذا لانتّعظ؟!

 

   إن الإستقراء الموضوعي لمسار حركة تحررنا القومي التقدمي على صعيد كردستان عموماً؛ يجلو لنا عمّا حاق ويحيق بها من أخطار كبيرة؛ علتها الثالوث العتيد، في كل فترات تاريخنا منذ أكثر من قرن، والمتمثل في:

1- الإحترابات الأخوية!

2- سعي الأنظمة الحاكمة للبلدان المتقاسمة لكردستان إلى إحتواء أجنحة من الحركة الكردية التحررية؛ مكرّسة إيّاها لتحقيق مآربها التكتيكية والستراتيجية، في منازعاتها وصراعاتها الداخلية والأقليمية، ناهيكم عن السعي الدائم للقوى العالمية العظمى للعب بالورقة الكردية؛ من أجل تحقيق مصالحها على المديات التكتيكية والستراتيجية...

3- سعي حركات المعارضة(العراقية،الإيرانية،التركية والسورية،حتى الديمقراطية والتقدمية منها) إلى إستغلالها لتحقيق مآربها التكتيكية والستراتيجية، ومن ثم التنصل عن الوعود والعهود والمواثيق،بل وتهميشها والإنقلاب عليها ؛ ولنا في التجربة العراقية الراهنة أسطع دليل على هذا المسعى! فكلما استقوت شوكتها؛ طرحت أقنعتها كاشفة عن وجوهها القبيحة الشوفينية والفاشية.

   إن حركة التحرر القومي الكردي، التي تعود إرهاصاتها الفعلية إلى الربع الأخير من القرن التاسع عشر؛ تعد من أقدم حركات التحرر القومي والوطني، في العالم وخاصة في الشرق الأوسط،، حيث تحررت العشرات من الشعوب والقوميات والبلدان من النير الكولونيالي والأجنبي، بعد الحربين العالميتين العظميين وإنهيار المعسكر الشيوعي- الإشتراكي، وأسست كياناتها القومية والوطنية المستقلة، وظلت هنا وهناك إستثناءات قليلة، منها : الكرد، الباسك، البلوج، الأمازيغ والإرلنديون..ونحن الكرد يكاد تاريخنا المعاصر أن يكون إستثنائياً في مساره وتضاريسه على إمتداد الشرق، بل وحافلاً بالكثير من الإنتكاسات والإشراقات، وقد لايماثله سوى تاريخ الشعبين الأرمني والبلوجي...لكن ماأتعس حظ هذا التاريخ، الذي لم يحظ لحد الآن بالتوثيق الموضوعي الجريء، بل ماأندر المتصدين لمثل هذه المهمة الشاقة والخطرة! في سبيل إستقراء وإستنتاج الدروس والعبر، التي يمكن أن تنير طريق مستقبلنا...!!

      وها نحن في أوائل القرن الأول من الألفية الثالثة للميلاد، وكردستان لما تزل مستعمرة وشبه مستعمرة مجزأة وموزعة على العراق ودول الجوار، ومازال الشعب الكردي أشبه ما يكون بالرهينة المستضعفة هنا وهناك، برغم كل الرياح التاريخية التي مابرحت تعصف بخارطة العالم، لاسيما عواصف الحربين الكونيتين وانهيار المعسكر الشرقي، ثم (عاصفة الصحراء) وإنهيار النظام العفلقي...

   لاريب في ان العامل الموضوعي كان ومازال بالغ الأثر في ما آل إليه وضعنا الراهن، لكنما العامل الذاتي يبقى دوماً هو الأساس؛ إذ"ماحكّ جلدك مثل ظفرك" وحيث كانت (الإحترابات الأخوية!) بمثابة (كعب أخيل) للحركة التحررية الكردية، وليس في هذا التشخيص أيّ تجنّ؛ فثمة المزيد من الوقائع والوثائق والإفرازات كمعطيات ملموسة؛ فلم ولن تخدم التناحرات والإحترابات الحزبية والزعاماتية يوماً ما مسيرة حركة تحررنا القومي، بل كانت في صالح مضطهديّ شعبنا، في حين كانت ومازالت روح التفاني والتسامح والديمقراطية والوحدة، في سبيل قضيتنا العادلة؛ هي الكفيلة بإحراز التقدم على طريق الظفر، وإن دروس إنتفاضة آذار1991المجيدة، إنتخابات البرلمان في 1992 وإنتخابات مابعد سقوط النظام الدكتاتوري لها حضورها المؤثر...واليوم الدمج غير الكامل لإدارتي أربيل والسليمانية في إطار حكومة إقليمية واحدة، والإعلان عن توحيد مديرتيّ الأمن الداخلي؛ ننتظر خطوة ستراتيجية أجرأ لقطع دابر التشرذم، ألا وهي توحيد الحزبين:الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني؛ فالتوحد ضرورة تاريخية، لمواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية التي تشتد وتيرتها يوماً بعد يوم؛ وسينجم عن الإصطفاف الجديد ثقل وزخم وتعجيل على صعيد أجزاء كردستان كلّها؛ لتحقيق طموحات شعبنا المشروعة، في هذا المنعطف الحرج، المفضي إلى المستقبل المنشود. أجل " علينا العمل مجتمعين؛ وإلاّ لهلكنا منفردين، بالتأكيد" حسبما كان الأمريكيون يرددون في الرابع من تموز 1775 يوم توقيع وثيقة الإستقلال الأمريكي. 

 

   وهنا نؤكد على ان من أهم الدروس والعبر، التي يجب أن يستذكرها ويتعظ بها شعبنا وقادة حركته التحررية، التي تخطو الآن صوب تضاريس مستقبل مضبب نوعمّا، هو ماحدث لهذه الحركة من(تهميش) فعلي،إبتغته للأسف الشديد، حتى حركات المعارضة الديمقراطية والتقدمية والدينية(العراقية،التركية،الإيرانية والسورية) بحيث لم تغدُ في أفضل الأحوال غير جناح ضئيل غيرمؤثر في صفوفها، إلاّ بقدر ماتخدم تكتيكاتها وستراتيجياتها على المديات القريبة والبعيدة! ورهن هذا المدار، ولأسباب ذاتية وموضوعية أخرى؛ ليس من الغرابة إنْ تحوّرت أو تشوّهت الأهداف والمقاصد المشروعة لبعض أجنحة الحركة المؤثرة ربما إلى حد النضال المستميت؛ من أجل الديمقراطية لهذا البلد أو ذاك،ومن ثم الحكم الذاتي لكردستان بدلاً عن الحق المشروع في تقرير المصير، بل نشدان الفدرالية على الأقل! كما لو أن الكرد هم مجرد أقلية طارئة وافدة، إستضافتها هنا وهناك القوميات: العربية والتركية والفارسية! بالإضافة إلى الأنظمة الأوتوقراطية الحاكمة في العراق ودول الجوار، والدائبة على توظيف هذا الحزب أو ذاك، و"فرّقْ؛ تَسُدْ" تكريساً لتحقيق شتى مآربها..وهنا يجب ألاّ نتغافل عن حقيقة كون القوى العالمية الكبرى بالأخص لاتحبّذ ولاتريد الأصدقاء والحلفاء، بقدر ما تحبّذ وتريد العملاء والسماسرة ( مهما كانوا...) لتمشية مصالحها! وهنا يمكن أن ندرك جيداً بطلان حتى مقولة "عدو عدوّك صديقك" في معظم الأحيان، وصواب "ليس للكرد أصدقاء سوى الجبال" على مدى التاريخ، و " ماحكّ جلدَك مثل ظفرك" !           

تساؤلات

بمثابة خاتمة تصعيدية !

 

   مادمت قد تطرّقت سلفاً ، في التمهيد والمقالات والمباحث، لأنماط المثقفين؛ فلابدّ من التأكيد على طفيليّة النمطين التقليدي والتوفيقي في انتظار التحرر والتغيير المنشودين على أيدي الساسة، بينما يؤمن المثقف المستقبلي الداعي لسلطة الثقافة " أن الذي لايستطيع أن يحرّر نفسَه بنفسِه؛ لن يستطيع سواه أن يحرّره " على حدّ تعبير المناضل والمفكّر باولو فرايري، وبالطبع ينسحب هذا الأمر على الشعب الكردي المقهور نفسه. ثمّ إنّ المثقف المستقبلي لايمكن إلاّ أن يكون ديمقراطيّاً مؤمناً بتعدّديّة الثقافات ووحدتها في الوقت نفسه ، ولايمكن إلاّ أن يكون مبدعاً، وفي كلّ إبداع تكمن روح المقاومة الإنسانيّة. 

  للأسف الشديد؛ تبيّن لي أن أغلب المثقفين الكرد، لجهلهم بأدوار إستحالات الدول والإمبراطوريّات العظمى، ناهيكم عن تواريخ نهوض وسقوط القوى الفاشية في العالم، خلال القرن العشرين، بالإضافة إلى عدم إدراكهم لـ (الحتميّة التاريخية) ؛ ظلّوا مستسلمين للأمر الواقع، بل ماكانوا يتوقّعون المستجدّات والمتغيّرات السياسية، التي هبّت وراحت تعصف بالنظام العفلقي منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي؛ ولذلك فقد بوغتوا  بالأحداث المتسارعة، وخاصة إنتفاضة 1991 العظمى؛ فإذا بهم يفتقرون إلى أيّة مشاريع أو أجندة ثقافيّة عقب الإنتفاضة، بل سارعوا إلى تسليم مصيرهم بأيدي الساسة المتناحرين المتنازعين- على السلطة والمغانم والنعائم الدسمة-  والذين سارعوا إلى تجنيد الأقلام المطواعة لتأجيج أتون الإحتراب البغيض الذي دمّر المستقبل الرائع المتوقّع للكرد وكردستان، بل والعراق كلّه... وعليه؛ لاعجب إنْ ظلّت حركة الثقافية الكرديّة تسير سيراً أفقيّاً وبطيئاً، يسودها التكرار والإجترار عموماً، ناهيكم عن الفوضى والفساد والإهدارات الهائلة اللامسؤولة من أموال الشعب المستضعف! أجل؛ لم تظهر أيّة حركة ثقافيّة جذرية متماسكة تضمّ المثقفين كمجموعة ضاغطة مرسية لأسس (الثقافة البديلة) ذات البنى والمسارات القومية التقدمية، والكفيلة بالتعبير المنشود عن كياننا القومي في خضم التسارع الثقافي العالمي. و حيث يتفاقم الفساد الثقافي، أي فساد دماغ المجتمع؛ كيف سيكون الحال مع جوارحه الأخرى؟!

    "..إنّما يُثبت الإنسان وجوده الإنساني بالتساؤل" على حد قول الدكتور محمد خاتمي، وعليه يحقّ لنا توجيه المزيد من التساؤلات إلى ذوي الشأن والإختصاص:

- هل يحق للساسة إتباع شعار( الرجل اللامناسب في المكان المناسب) بتسليط عناصر هزيلة غير مؤهلة وغير كفوءة على رقبة الثقافة والمثقفين؛ لمجرّد إنتساب حزبي أو محاصصة مناطقيّة أو عشائريّة؟!

- هل يعني التسامح والمصالحة حتى بروحيّة (العفو عمّا سلف) تنصيب ضالعين في العمالة والخيانة على صروح ثقافيّة كبيرة وحسّاسة؟

- ماذا يعني الصرف الباذخ على العشرات، بل المئات من المراكز الثقافيّة(الخلّبيّة) التي لايرقى سراة بعضها إلى مستوى قرّاء عاديين ؟! وكذلك على المهرجانات الثقافيّة( وأغلبيّتها بائسة وتافهة) وعلى الصحف والمجلات ، التي لو غابت أغلبيّتها؛ لما خسر المشهد الثقافي شيئاً يُذكَر، ولما تأسّف عليها قاريء حقيقي!

- ماذا يعني إدخال الكثيرين من كبار مسؤوليّ الأحزاب الكردية والحكومة الإقليمية لبنيهم في (المدارس التركيّة/ ذات المناهج الطورانيّة/ بصفتها مدارس تركمانية للتركمان !) ؟! يا ترى هل أن هؤلاء المسؤولين دعاة الكُردايتي هم من الترك والتركمان أصلاً؟! أم أنهم يربّون بنيهم على أن يصيروا لاحقاً دعاة للغزو الثقافي الطوراني فضلاً عن السياسي؟!

- ماذا يعني تحجيم الدراسة باللغة العربيّة؛ بحيث سوف يفتقر كرد العراق بعد أقل من عقدين إلى بضعة مترجمين قديرين من الكردية إلى العربيّة وبالعكس! ناهيكم عن هبوط مستوى سائر المثقفين الكرد؛ في غياب قناة اللغة العربيّة؟ ثمّ ماذا يتصوّر أصحاب القرار بشأن لغة بديلة؟ أهي التركيّة؟ أم الفارسية؟ أم الإيديشيّة؟!

- ماذا تعني فوضى حركة الترجمة(غير المبرمجة) بل وهزالها عن اللغات الأخرى إلى الكرديّة، وبالعكس؟!

- هل في إقليم كردستان من المبدعين والمبدعات في المضمار الثقافي مايناهز عددهم/ عددهن خمسة آلاف ممّن تقاضوا/ تقاضين رواتب – تكريم - شهرية (60 ألف – 300 ألف دينار) على مدى بضع سنين، وما زال بعضهم/ بعضهنّ....... ؟! أهكذا يكون التكريم الحقيقيّ للمبدعين وهم إستثناءات نادرة في أيّ عصر؟!

- أين هي الشفّافية المزعومة؟ وأين أجهزة الرقابة الحقيقيّة النزيهة، التي يجب أن تّسائل المختلسين وأبطال الفضائح (كما في حصل في مجريات إنتاج أحد الأفلام السينمائيّة من قبل وزارة ثقافة الإقليم)؟!

- هل إنبثقت الهيئات الإدارية لـ (نقابة صحافيي كردستان) منذ تأسيسها وحتى اليوم؛ من صناديق الإقتراع فعلاً؟! أم من تنصيبات وتوريثات محاصصاتيّة ( حزبيّة، دينيّة ومناطقيّة)؟! ألف مرحى لصاحبة الجلالة الديمقراطية والسلطة الرابعة(النزيهة!)

- ماذا تعني ظاهرة (القبول الخاص)- على الطريقة العفلقية- في الجامعات والدراسات العليا؟!

- ماذا يعني السعي المحموم إلى خصخصة الدراسة الجامعية...؟!

- ماهي علّة ظاهرة الأخطاء الطباعية واللغوية والعلمية في كتب المناهج الدراسية في شتى المراحل الدراسية؟!

- ما هي أسباب تدنّي مستوى التلاميذ والطلاب في سائر المراحل الدراسية، بالإضافة إلى تدنّي مستويات المعلمين والمعلمات والمدرسين والمدرسات وحتى أكثر الأساتذة الجامعيين؟!

- حتى مَ لاتعالج ظاهرة بطالة خريجيّ المعاهد والجامعات؟ ولماذا تجري أكثرية التعيينات الوظيفية بصورة خفيّة وسريّة؟!

- ماذا يعني تفاقم ظاهرة السرقة والإنتحال في المجال الثقافي؟! ولماذا يتعرّض القلائل الناقدون لها، والكاشفون عن فرسانها للكبت والقمع؟!

- ماذا يعني تفشي ظاهرة البغضاء الرهيبة(الدفينة غالباً، والجهيرة أحياناً) في أوساط جلّ المثقفين؟!

- أليس من الحكمة ومن مصلحة المستقبل الثقافي للكرد وكردستان أن يختزل ويدمج كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني(بالأخص) مؤسساتهما وأجهزتهما الثقافية العديدة ( التي تضاهي كل واحدة منها وزارة ثقافة الإقليم!)  في مؤسسة إعلاميّة - ثقافيّة واحدة، كل على حده، وإيلاء الإهتمام أكثر فأكثر بوزارة ثقافة الإقليم، التي لاترقى حاليّاً إلى مستوى مؤسسة آراس(التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني) أو مؤسسة سردم (التابعة للإتحاد الوطني الكردستاني)؟! يبدو أن شعار الأحزاب الكردستانية الكبيرة هو القول الشعبي المأثور: " بيتي أولى من الجامع !" أيّ (حزبي أولى من الحكومة)! وإلاّ لماذا استحالت هذه الأحزاب حكومات فعليّة أقوى من الحكومة المشتركة، التي لايمكنها مجاراة أيّ منها على كلّ الصّعد، لاسيّما الثقافي؟!

- هل تّدار المؤسسات والأجهزة الثقافيّة الحزبيّة واللاحزبيّة من قبل قيادة جماعيّة(مجالس إداريّة منتخبة من أوساط المختصّين ذوي الكفاءة والخبرة) أم هي فرديّة إنفراديّة فعلاً، على الأكثر، حتى لو ضمّت بعض المثقفين؟!  

- كم خبيراً ومستشاراً ثقافيّاً في المؤسسات الحكومية وشبهها  بكردستان ينطبق إسمه على مسمّاه؟!

- هل قدّمت وزارة ثقافة الإقليم والعشرات من المؤسسات والمراكز والجمعيات الثقافية، منذ 1992 وحتى الآن مايرقى إلى مستوى قضية الشريحة الفيلية ومظلوميتها التاريخية؟ وهل أولت حكومة الإقليم والأحزاب الكردية(الكبيرة خاصة) الإهتمام بالفيليين ولو خمس اهتمامها بالتركمان والآشوريين؟! طبعاً لاأقصد البتة بهذا التساؤل تقليل الإهتمام بأشقائنا هؤلاء، إنّما لمجرد المقارنة.

- لماذا و حتّى مَ يُحجَب ويُقصى المثقفون الأكفاء المستقلون، كما لو انهم متقاعدون وعجزة هامشيّون؟!

     

   إنّ هذه التساؤلات وغيرها( ما أكثرها!) تستوجب الدراسة والبحث؛ لوضع النقاط على الحروف ، في أكثر من كتاب ومن قبل أكثر من باحث جاد وجريء؛ فهلاّ  شمّر باحثونا سواعدهم، ونزلوا إلى الميدان لمقارعة الفساد الثقافي؟! إذ ما أحوجنا إلى النقد والنقد الذاتي! إنّما النقد هو ملح الثقافة، فإذا غاب أو فسد الملح ؛..........................................!!!!!!!

 إلهي لكم أصاب الكاتب مارون عبود؛ حين كتب قبل عقود متسائلاً :

" يقولون لك:

- أكتبْ

- وماذا تريدون أن أكتب؟ ومن يقيم وزناً لما نكتب؟! (......) خصوصاً في هذا الزمن، الذي انهارت فيه المُثل العليا وقلّ الحياء! ألا يسمّون الكذّاب داهية، والدجّال سياسياً، والوصوليّ ألمعيّاً، والإنتهازيّ عبقريّاً، والأنوف الأبيّ حماراً لايعرف يعيش!" ؟! 

 

 

 

 

 

سيرة خاطفة

* جلال حسين محمد أمين بالاني/ لَُرستاني(1951) تخرّج في دار المعلمين الإبتدائية بكركوك عام1969

* أديب باللغتين الكردية والعربية(شاعر، مترجم وباحث) ويترجم إليهما عن: الفارسية،الإنكَليزية،الإسبانية والتركية الآذرية.......وينشر بإسميه (جلال وردة) و(جلال زنكَابادي) وبضعة أسماء أُخَرى مستعارة...وهو من دعاة سلطة الثقافة وحوار الثقافات...وقد إختار النضال الثقافي منذ فتوته كديمقراطي راديكالي مستقل...

* مارس التعليم في القرى البعيدة والنائية والموبوءة مبعداً وشبه مبعد قرابة عشرين سنة، ثم ترك سلك التعليم في 1992 منتقلاً إلى العمل الصحافي، الذي كان يمارسه منذ1977 محرراً في مجلة(الثقافة)البغدادية .

* بعد إغتيال والده في أواخر1960 لنشاطه الوطني؛ أضطر إلى الإنخراط في شتى الأعمال والحرف. وقد تعرض للترحيل والتبعيد وفقد دارين له حجزاً ونسفاً في العهد العفلقي البائد.

* لم يحظ  بأيّ  تحصيل دراسي تخصصي، إنما ركن إلى التثقيف الذاتي الموسوعي، وقد بدأ الكتابة منذ1963 والنشر منذ1967 فتناثرت المئات من مساهماته في الجرائد والمجلات في العراق وخارجه. و لم يصدر إلاّ القليل جداً من كتبه المؤلّفة والمترجمة وهي بالعشرات

* عمل في الجرائد والمجلات محرراً، مشرفاً ثقافياً ولغوياً، في الأقسام والملفات الأدبية والفنية والثقافية، وسكرتيراً للتحرير، ورئيساً ونائباً لرئيس التحرير لبضع مجلات في اقليم كردستان العراق...

*ساهم في الهيئات التأسيسية لـ(جمعية مترجمي كردستان1992)و(الحركة الشعبية الكردستانية1996)،(المركزالثقافي والإجتماعي لكركوك1998)و(مجلة نه وشه فه ق2003بكركوك)

*شارك بدور شاهد رئيس في الفيلم التسجيلي(الأراضي الضائعة)وهو عن تدمير البيئتين الطبيعية والبشرية في كردستان العراق/في2000

* راجع ونقّح الآلاف من النصوص الأدبية والبحثية والعشرات من الكتب المؤلفة والمترجمة للأدباء الكرد والعراقيين وبعضهم أساتذة جامعيون.

* له موقع خاص ضمن (الكاتب العراقي): www.iraqiwriter.com

وإسهامات متواترة في بضعة مواقع إنترنيتيّة أخرى...