Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

وجــــوه ضائعـــة

 قصص قصيرة

 كريم عباس زامل

 

جحا اخوان

 

في الدار القديمة التي سكناها سوية كان سيلان الزمن اصغر من حجم ذاكرتي التي استطالت وهي تتربع فوق مصاطب الشوارع المغلقة باللافتات التي قسمت تفاصيل الكتابة فوقها بفعل المدة الطويلة التي تركت بها معلقة على الجدران التي تبدو الان وكانها أنشأت قبل مئات السنين، قبل اربعين سنة كنا في "دار المعلمين العالية" وعبر برنامج طويل وضعته انا كانت فرقة المسرحية تدك خطواتها فوق الخشبة المربعة التي أنشئناها في الساحة المفتوحة للدار التي كانت عبارة عن بناية بطابقين تنتظم فيها الصفوف بشكل منتظم وتشكل اضلاعها المثلثة تداخلات مع صفوف اخرى متداخلة مع هذا البناية القديمة، عشرة طلاب وخمسة اساتذة كنا نشكل هذه الفرقة المسرحية ويوم قررنا ان نبتدأ خطواتنا الاولى، كان اختيارنا ان نسميها "حمار جحا" او "مسمار جحا" وكنا في وقتها نعتبر الفرح ليس مهنة لنا، وبالرغم من هذا كنت انا اعتبر نفسي بهلول هذه الفرقة، وكنت اضع النصوص فوق النصوص ليبدو هذا التراكم وكانه السحر الذي ابحث


عنه وانا ادون فيها قليلا من ذكرياتي التي هي كل ما املك في هذا العالم الواسع، في النص الاول الذي وضعته واسميته "سيرة الخاتون" حاولت ان الخص به سيرة امرأة عجوز كانت تسكن معي في نفس الدار، عاشت وماتت من دون ان اعرف صلة القرابة بيننا، الكومبارس الذين كانوا يرددون الاناشيد حاولوا ان يعطوا للنص جزء من حيويته التي شجعتني لكي اظهر امام الجمهور الذي غط بالنوم ونحن نعرض المشهد الاول، فذكرتهم ان هزة ارضية سوف تحدث وتكون بقوة عشرة درجات، لكن انا نفسي شعرت بالرعب حين ابتدأت فرقة الجاز التي وضعناها خلف الكواليس تعزف مقطوعة من"حكايات السندباد البحري" حيث الصخور الجارحة تهاجم البحارة الشجعان وهم في مدخل ميناء عدن قرب البحر الاحمر، الساحة التي خلف البقعة الضيقة للمسرح كانت تبتلع ضلالنا فنظهر وكأننا حليقو الرؤوس او ربما منتفخو الشفاه حيث تتضخم اقدامنا ونظهر كأننا عمالقة فتبدأ القاعة بالصراخ الكورالي حيث نسينا ان نضع في باب القاعة اعلان بعدم اصطحاب الاطفال لان العمل الدرامي المعروض هو للكبار فقط وذلك لوجود مشاهد رعب وقتل ومبارزة ومصارعة ثيران على الطرقة الاسبانية، المتوشحات اللواتي اختفين في الزوايا المظلمة يتقدمن نحو البطل المهزوم الذي لاذ بالصمت وهن يتركن فوق جبهته المنتخفة الوصايا الاخيرة لازاجهن الذين ضاعوا بعمق "الميلودراما" وفي النصوص الاخرى
["هاملت مجنونا"، "انكيدو يهرب من النافذة"، "القراصنة"، "سيرة رعاة البقر"].

كنا نذر الرماد في عيون المشاهدين فيهجمون علينا بالحجر ونحن نلوذ بالصراخ بعيداً عن القاعات التي اكتضت بالصمت وعبر السنين كانت الصور الملصقة في جدار البناية العالية تحكي قصة "عبد الوهاب محمود" الذي مات "بعمق النص" وهو يعبر خطوط الطول نحو مدن قد يجد بها "حلم ليلة امس" وهو العمل المسرحي الذي لم يكمله.

 

 

 

 

بيت الشمخاني

 

الساحات المفتوحة للريح وبقايا الاباريز فوق الاعمدة المهدمة تعكس ذكرى الرجل الذي رأيته واقفا بين الجموع التي شيعت ابي قبل خمسين سنة، السيارة السوداء بلمعانها الصارخ والوجوه الغائرة بحزنها والنظرات التي تعكس لمعان الحدقات وهي تنغرز بذاكرتي الملوثة التي توارثتها عبر الحكايات الطويلة التي سمعتها من امي، كنت مستوحداً بمخيلتي العجيبة تاركاً لها ان ترسم تقاسيم ذلك الوجه الدائري الابيض الذي ضاعت تفاصيله في براثن الزمن، عبر الازقة الضيقة كنت اترك خطواتي تبحث في المجاهيل لكي تسلبني الى الدار القديمة التي ظل لغزها في نفسي، عبر الشوارع الاسفلتية اخطو نحو عتبة الدار فتبدو ضيقة اصغر من هذه الروح التي
احملها بين اضلعي.

الدار القديمة بفنائها الواسع تبدو وكانها اصغر من حجم ذاكرتي التي اختزنت مئات السنين ودهاليزها وكانها تعكس نبض الوجوه الباقية فوق حيطانها المتسخة بالدخان وعبر الباب كنت اخطو


بصمت نحو غرف الدار التي تهدمت، في غرفة الاستقبال وقفت امام الصورة الكبيرة وكاني امام اعلان سينمائي كبير، اطار لهبي لماع وتفاصيل بالاسود والابيض توحي وكأن روح هذا الرجل قد توقفت فوق هذه الصفحة البيضاء، الحكايات الكبيرة التي طرزت صفحة مخليتي من بقايا السهرات الليلية حيث كان اجدادي يقصون حكاياتهم عن ايام الماضي القديم يوم كانوا يأخذون السفن باتجاه الخليج ويغيبون لسنة او اكثر، في بدايات هذا القرن ولد "عبد الكاظم ملا خلف الشمخاني" في منطقة العشار وفي ربعه الاول استطاع ان يدخل في خضمها هذه الحياة التي تركته واقفاً منتصباً وفي منتصف الخمسينات من هذا القرن كان الناس في منطقة "شط العرب - الصالحية - البوارين - ابو الخصيب - الشافي - ….." ينظرون له بعين مفتوحه وهو يخطو وئيداً ويتعكز على عكازة ذات رأس ذهبي عبارة عن افعى كبيرة الرأس وبفم مفتوح وكان يدعى انذاك "جلبي عبد الكاظم".

رفعت الصورة وحملتها فوق ظهري وركضت بها نحو سوق الهنود متخطياً المارة بازدحامهم الكثيف واتجهت الى شط العرب وضعت الصورة قرب تمثال "السياب" وبدأت انظر بين هذا الوجه وذاك الوجه الذي مات ولا يملك غير مخطوطات كتاباته، رفعت الصورة ورميت بها في شط العرب وتركت السمك يبيض فوقها.

 

  

 

سور سليمان

 

الابواب المغلقة والظلام الشديد يعكس سحر المكان عبر الفتحة التي تخرج منها الاشعة باتجاه الشاشة البيضاء التي ابتدأت الحياة تنبض بها الان، بعد اطفاء المصابيح الملونة تصاعدت من اعماقي رغبة شديدة لان استعيد طفولتي وانا امام هذا الوجه العبوس وعبر شريط الصور كانت "الام الشجاعة" تحمل ولدها الوحيد عبر خطوط النار نحو الجبهة الغربية التي تبدو هادئة الان، الثلج يتساقط بغزارة، انفجارات وسط القاعة التي سادها الصمت وعربات مدرعة تخترق سور المدينة الحجري، دموع ساخنة كانت اكبر من حجم الكاميرا وهي تبدو خلف الشاشة، كنت اجهش بالبكاء وانا الاحق صاحبة الشعر الاسود التي هربت قبل قليل باتجاه بوابة المدينة التي اراها ممزقة بفعل الدوي الحاد وعبر الحقول كانت تحمل طفلها خائفة لكي تضعه في حفرة صغيرة، كانت ترسم دوائر بيضوية احدى عشر وربما هو عمر طفلها الذي حاصرته القذائف، كانت تقرأ التعاويذ وترسم شارة الصليب ثم تصرخ نحو السماء بصوت عالي وكانها


تريد ان توصله اليها بعد ان اكتظت بالغيوم الشتائية، وعبر السور التي احاطت به ولدها كانت الكلاب تهجم بشراسة عليه وتقطعه وفي المشهد الاخير كانت الشاشة تصطبغ بلون الدم الاحمر التي سالت قطراته من بين افواه الكلاب الجائعة، كانت الاسنان ينعكس لمعانها فوق الشاشة والكاميرا تلاحقها بالصمت "والام الشجاعة" تهرول نحو دارها التي اصبحت بعيدة الان حيث الشمس تجر ذيولها بكسل والعيون غلبها اليأس وهي تلاحق الخطوات الضائعة في سلم الزمن بدرجاته المهدمة، وعندما بدأت الانوار بالسينما تغمر القاعة بأشعتها كنت اتمنى ان الاحق الكلاب بقرني ثور لكي ابقر بطنها.

 

 

 

 

النوخذة خلف السعّيد

 

امام البناية الشاهقة بطوابقها العشرة وقفت لاسأل الرجل البدين ذو البدلة الرمادية عن "مديرية رعاية القصرين" فاشار باتجاه السلم الذي امامي فاتجهت نحو اعلى البناية لاجد نفسي امام طاولة الموظف المسؤول عن الاضابير الشخصية:

-    انا خضر عباس فضل احد ورثة النوخذة خلف السعّيد

-    اهلاً وسهلاً

بعد ان رحب بي بحرارة تركني واقفاً امامه وكانني متهم ثم اكمل كتابة الورقة التي امامه ومن دون ان يرفع نظره من فوق الصفحة كان ينظر لي باشمئزاز احياناً.

-    مديرية المساحة والطابو حولت معاملتكم الى العاصمة فاذهب هناك وابحث عنها

-    شكراً

 

كانت نظرات هذا الرجل المريبة تجعلني اتناسى بعضاً من ولعي بشعر راسي، غادرت المكان واتجهت الى العاصمة بعد ان عرفت من اخي ان قضيتنا خاسرة ونحن نبحث عن طابو البناية المسجلة باسم جدي "نوخذة خلف".

بين بنايات شارع الرشيد انتصبت البناية الكبيرة فدخلت بها غير اني لم اجد غير غرفة صغيرة وموظف كبير السن يتوسط الفسحة الضيقة المحصورة بين غرف مغلقة كثيرة متناثرة على جوانب المبنى وامامه  منضدة خشبية قديمة:

-    مرحبا

-    اهلاً وسهلاً

قدمت رزمة اوراقي له فتفحصها غير انه لم يرفع رأسه ولم ينطق باي كلمة، عبر خزانة قديمة موضوعة بالقرب منه كان يستل اوراق صفر متهرئة فوضعها امامه وتفحصها، كلما عرفته منه ان ابي باع هذه البناية في الثلاثينات من هذا القرن بمئتي دينار الى تاجر اخشاب من سكنة منطقة العشار اسمه "عبود الشريف" تركت الرجل وشكرته وعدت مرة اخرى من العاصمة الى بيتنا القديم وانا احمل خيبتي وحين سألت امي اجهشت بالبكاء وكانها تخفي سر عظيم عني

-    نعم يا ولدي انها الذكرى المريرة التي تركتنا في الشارع وجعلتنا ننتقل من هذه البناية التي باعها ابوك بمئتي دينار الى ارض "عبد النبي الشمخاني" في منطقة ام التفاح. وعندما سالتني لاول مرة  كنت اخفي عنكم السر لاني اخاف ان تعرفونه.

وعبر ازقة العشار الضيقة تسللت وانا احمل اوراقي نحو منطقة "الداكير" ودخلت الى الدار القديمة وبعد ان عرفت ان الرجل قد توفى التقيت باحفاده وشرحوا لي "السر الكبير" الذي ظل مجهولا الى اليوم وحين سألت ابنه الاكبر قال لي:

-    "كاظم ملا بريج" هو الوكيل عن هذه البناية وهو رجل ضرير يعيش في "منطقة المسفن"  الان في دار صغيرة عبارة عن سياج وغرفة متهدمة ومعه امرأة كبيرة السن تعنتي به منذ عشرة سنوات.

وعبر الطريق الضيق المؤدي الى بيته كنت اشم رائحة الماضي عبر شجرة السدر التي توسطت باحة الدار

-    مرحبا

-    اهلا وسهلاً

-    هل تخبرني ايها العم العزيز عن "النوخذة خلف السعّيد"

-    ……………………….

فصمت الرجل طويلا قبل ان ينهي حيرته امامي

-    هل انت ولده ؟

-    كلا اني حفيده واحاول ان اعرف قصة الدار التي باعها ايام الثلاثينات

-    نعم انها قصة طويلة فهو قد باع الدار بمئتي دينار وخسرها في مقهى التجار وهو" يلعب البوكر" كانت موائد القمار تستهويه وهو بعد في الشباب

-    يعني انة كان يلعب القمار

-    نعم

       عدت الى البيت وانا احمل ذكرى جدي الذي زرتة في قبره قبل ثلاث شهور والالم يعتصرني، وعبر منطقة الداكير كنت ارى وجهة وكانه امامي الان بتجاعيدة وعصاه الغليظه وقرب باب البناية المهدم كنت اكتب بغضب وبخط كبير

       "كان يسكن هنا قبل مئة سنه "النوخذة خلف السعّيد" الذي مات دون ان يترك حتى ثمن جنازته.

 

 

 

  وجه دستوفسكي

 

الشوارع المتوشحة بالثلج السبيري الابيض تعكس دفئ النظرات الحزينة لذلك الوجه المتشنج برغباته الداخلية الغريبة، اللحن الابدي وكانه مأساة اخرى تتصاعد من دواخل الارض نحو صفحة السماء التي اكتظت بالغيوم، كنت وقتها متوحداً بذاتي وانا اتلو نشيد الفرح عبر ساحة "بطرسبورغ"، الشحاذون يحملون تعاويذهم وهم بالقرب من العربة التي تجرها الخيول والتي تحمل امتعتي وانا اتجه نحو سبيريا لابحث عن خطوات هذا الرجل التي ضاعت في "مستشفى ماري" وهو يبتدأ  خطواته الاولى، وحين قرأت في مقهى "منكاش" "ذكريات من بيت الموتى" فاحسست بالجنون واصبحت ملعونا تطاردني اشباح بافلوفيتش كرامازوف ووالدة "المراهق" كانت الصلوات امام الايقونة في دير "الثلاثة الاقانيم" تذكرني بوالد دستوفسكي ومستشفى المجانين والسور العالي الذي يتسلقه لكي يقرأ من خلاله في كتاب الحياة "لم اتعلم البؤس من الكتاب المقدس بل تعلمته من الحياة".

 

كنت امشي عبر الشوارع المكتظة بالمارة وذكر حرب القرم تمزق صفحة ذهني المجهدة، سائسوا الخيول وحاملوا السلاسل يسدون منافذ الطرق، وفي ساحة "سيمونويفسكي" تجلى امامي بوجهه المعذب وحيرته الابدية واحتقان وجهه بالدم وهو يسمع قرار العفو الذي امر به القيصر والذي اجل حياته لاربعين سنة اخرى او اكثر، كان مجرد شعور داخلي صوفي بحت ربما تذكرت ايضاً وجه الامير "ميشيكين" من رواية الابله وحالات شعوره بالالم الابدي وكانه يتذكر فرح الفردوس القديم، وفي المقاهي التي توشحت بالصمت كنت ارى "وجه دانتي" يتسلل ليلاً ليبحث عن "اليوشا" وعبر الطرقات كنت اسمع "سميردياكوف" يصيح [حسناً اقتلني فوراً، قال "سميردياكوف" وهو يحدج ايفان بنظرة غريبة، وهذا ايضاً لا تستطيع تنفيذه انت، انت الذي كنت في السابق متحمساً جداً].

كان وجه دانتي مكفهراً وهو يصرخ ان هذا ما اقدم عليه راسكولنيكوف، كان وقتها دستوفسكي غائبا في نوبة صرع حادة وغير مستعد مطلقاً للدفاع عن اطروحاته الفلسفية، كان غارقاً بالذهول امام معبد كنيسة القديس بطرس، "ستافروجين" كان بداخله بطل بلا بطولة او ربما بلا هوية لطيفاً حساساً سريع الدمع سيئ التربية دون شك. وعندما ركبت القطار اخرى باتجاه الشرق كنت احمل ذلك العطش الروحي وانا اغادر المحطات الواحدة بعد الاخرى دون ان ارتوي وكاني اتمزق بين احضان هذا المارد الجبار الذي يدفعني بعنف نحو رحلة المطلق المريرة.

 

 

محتويات المجموعة