Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

قصص

فالس مع ماتيلدا

القاص والروائي نجم والي

البرتغالي الحزين

قصة قصيرة: نجم والي

 

لويس كارفالو، " البرتغالي الحزين ". هكذا يسمونه، أو هكذا نسميه نحن على الأقل ـ أطفال حي السِيف ومحلة الباشا ونظران والبلوش ـ ، وحتى عندما أصبحنا صبياناً وبعدها شباناً، ولكن قبل أن نصبح رجالاً، لأن الحرب داهمتنا ولم تتركنا نكمل سنيننا معاً، فقد أخذت معظمنا إلى مقبرتها وهم لم يعيشوا ربع حياتهم بعد. هي الحرب ذاتها التي جعلت لويس كارفالو، الرجل القصير، "البرتغالي الحزين" يصبح أكثر حزناً وإنزواءاً وأكثر إلتصاقاً بقيثارته، منذ أن جلست قريباً منه فوق باخرة تركها لسنين طويلة جاثمة عند منطقة الخورة، بل حتى عندما زرته في لشبونة في بيت عتيق، في "الحي العالي"، قبل أن أنزل معه إلى بار صدحت به موسيقى "الفادو" الحزينة، وإزدحم بالزبائن، حيث كنا نحاول إستعادة ما جرى في البصرة وسط الدخان وضحكات وصياح السكارى. أبالغ من القول إذا قلت أننا كنا نروي القصص، لأننا في الحقيقة لم نحك أية قصة بصوت عال، إنما كنا نكرع كؤوس الروم والبورتو ـ ظل هو أميناً أكثر مني لمشروبات البرتغاليين التقليدية ـ نتحاور بضربات كؤوسنا، بعيوننا وبمنلوجنا الداخلي الذي كان كل واحد منا مشغول به، كأننا كنا مرميين هنا، مثلما كنا في البصرة، قبل أن تشلعنا الحرب من هناك. سوى أن الأمر مختلف هذه المرة، في لشبونة فقد كنت أنا المنفي هناك في هذا المكان البعيد الآن، أما في البصرة فقد كان هو المنفي هنا فيها في ذلك المكان البعيد الآن. ولاحاجة لنا الإثنان ـ هو الذي دخل السبعين الآن، وأنا الذي لم أصل إلى نصف عمره حتى الآن ـ أن نقول لبعضنا "هل تذكر ذلك اليوم؟"، لأن الناس عادة تسأل عن البديهيات فقط، أما ما أصبح إستثنائياً في حياتنا، فهو من يُلقي بنفسه أمامنا دون أن يترك لنا الخيار. هكذا كان الأمر ذلك المساء الشتوي، لم نكن في ماكوندو كما قال لي هو في ذلك اليوم الإستثنائي في البصرة، أمام كنيسة الأرمن، بين محلة الباشا وحي السِيف، بل كنا في لشبونة، في الحي العالي، في بار منزوٍ ملئ بالدخان، حيث كان جليسنا هو يوم الـ 22 أيلول 1980 دون أن نخطط لذلك.

ما أزال أتذكر، يوم إندلاع الحرب، حيث كان هو ـ كعادته ـ، يجلس أمام باب الكنيسة، كنيسة الأرمن، عند دكانة العم سواريز، محتضناً قيثارته الصغيرة، عندما يخلو الشارع من البشر مساءاً ربما ينتبه له أحد من المارين متأخراً ولكن الجميع يعرفون أنه يغني واحدة من تلك الأغاني التي إعتدنا سماعها دائماً منه، والتي فهمتها بعدما سمعتها لاحقاً في منفاي ـ بعد تعلمي للغات عديدة ومنها اللغة البرتغالية ـ وفي بار عند ميناء بورتو البرتغالي " كيريدا سوليداد " ـ حينها عرفت لماذا كان يغني تلك الإغنية بلوعة: كان وحيداً إذن ـ لم أعرف أيضاً أن سوليداد لا تعني " الوحدة " فقط، إنما ممكن أن تكون إسم لبنت أيضاً، وإسم لبنت العم سواريز بالذات.

كعادته لم يجلس ذلك اليوم لوحده، إنما جلس عند أقدام الكرسي ـ الذي كان يجلس العم سواريز بزهو مثل ملك مخلوع والذي لا يتنازل عنه إلا للويس ـ ملهم، ( ملهم الذي ستأخذه الحرب مني ـ ليس كجثة ـ إنما كأسير أبدي ـ مازال ـ)، والذي واظب على أن يجلس تلك الجلسة لأنها تساعده لرؤية سراب، البنت الأرمنية ذات الشعر الأحمر القصير والعينان الشهلاوان الكبيرتان والأنف الصغير المدور ـ الأقجم ـ، والتي كانت وقتها تفتح شباك غرفتها في عليَّة الدار، وتتصنع قراءتها لكتاب ـ في الحقيقة كنت أنا أحبها أيضاً، ولكني ظليت محتفظاً بسري، عكس ملهم الذي أباح لنا بولهه بها " أنت مجنون" قال لويس له " والله يحب المجانين" كان ملهم يجيب ( لا يهم ما كان يدعيه ملهم، فكلنا كان يعرف إستحالة إرتباط بين شيعي وأرمنية ) ـ.

في ذلك اليوم كان لويس يغني، فيما جلس ملهم فوق التراب ببنطلونه الجنز الذي كان يفتخر به مع ملابسه الباقية التي تجلبها له أخته من الكويت، وبفانيلة البحارة التي أعارها له لويس والتي كُتب فوقها باللغة البرتغالية " المجد للبحار العالية ". لم ينتبه لي أحد منهما عندما أصبحت قريباً لأقف خلف ملهم. في الحقيقة لم آت هذه المرة لأستمع إلى صوت لويس الحزين، إنما كنت أريد أن أقول لهما أن الحرب قد إندلعت، وأنها ـ ربما ـ مجرد دقائق ـ إن لم تكن ثوانٍ ـ، وسنرى الطائرات الحربية محلقةً فوقنا. ولا حاجة لي أن إنبههما إلى ذلك، ففي اللحظة التي وقفت فيها هناك، كان فيها صوت لويس الحزين يردد ببحته " كيريدا سوليداد "، وفي اللحظة التي كان فيها ملهم يغيب كعادته وقد تقرفص مثل مالك الحزين بيننا، فيما سمرت عيناه بعيداً، بإتجاه شباك سراب، في تلك اللحظة بالذات، كانت أكثر من ستين طائرة تُحلق فوقنا، مرت بنا مروراً عابراً، أو لنقل خطفت بصورة سريعة وإختفت بإتجاه الميناء، لم تخلف وراءها غير دخان أسود وصوت صدى إبتلع صوت صدى جملة لويس كارفالو؛ التي لم أنسها حتى اليوم وأنا أجلس في بار في لشبونة:

ـ لا باركا، لا باركا، لا باركا، كيريدوس.

قطع غناءه ـ لم أره قط يقطع الغناء مهما حدث ـ، رمى القيثارة بإتجاه ملهم، ودخل الكنيسة، كنيسة الأرمن.

"لا باركا، لا باركا، لا باركا، كيريدوس". الآن فقط أعرف أنه بـ "لا باركا" كان يعني " الباخرة "، وبـ " الكيريدوس " كان يعني " أحبائي ". ربما ـ لا ابالغ في القول أبداً ـ بالرغم من عدم معرفتي ـ عدا الإنكليزية ـ للغات أجنبية كنت أحدس بصورة ما ما تعنيه كلمة "كيريدوس"، لأننا كنا بالفعل أحبته ـ فقد واظبنا كل هذه السنين على مصاحبته في جلسته تلك ـ، ولكن بما يخص الباخرة لم أعرف حقاً بأمرها حتى ذلك اليوم. ولكن قبل المجئ على تفاصيل حكاية الباخرة، أود الإشارة إلى أمور أخرى أعتقد أنها ضرورية لسياق القصة.

فلقول الحقيقة كان ذلك اليوم هو اليوم الأول أيضاً الذي دخلتُ فيه كنيسة الأرمن. والآن عندما أحاول إسترجاع ما جرى يوم إندلاع الحرب، أفكر بتلك البديهيات التي تقلبها الحرب، أية حرب. وأقصد بتلك البديهيات هي كل ما لم ننتبه له يومياً، كل ما يطلقوون عليه روتيناً، أو كل ما نمارسه بصورة أوتوماتيكية دون أن نحسب له حساباً، لأنه دائماً موجود، لم يحدث ما يستدعي حملنا إن لم يكن إجبارنا على التفكير به.

لا أقول ذلك إعتباطاً، ففي ذلك اليوم في 22 ايلول 1980 كفت بعض الأمور أن تكون روتينية بالنسبة للبعض ـ ربما لم يحدث ذلك للكل ـ أو إذا ما إستدعت الدقة تبدلت نظرتي أنا للكثير من الأمور أو ـ إذا عصرت ذاكرتي جيداً هذه المرة ـ إنتبهت إلى ما لم أكن إنتبه له قبلاً، أو على أحسن تقدير، كنت أمر به حتى تلك اللحظة مروراً لأنه موجود وحسب، ملقى منذ القِدم، ولا يعني هذا الأمر، الأشياء، أو الأماكن فقط، إنما البشر أيضاً. هكذا عرفت ذلك اليوم أمور عديدة، أو أكتشف أموراً أخرى عديدة من خلال القصتين اللتين رواهما لي لويس: الأولى مجيئه إلى البصرة أما الثانية فهي قصة تلك الفتاة ذات الشعر الأحمر القصير والعينان الشهلاوان الكبيرتان والأنف الصغير المدور ـ الأقجم ـ كما في كل الأحوال ففي النهاية مثلما لا تعيش الناس منفصلة عن بعضها ـ حتى وإن دخلت بحرب ضد بعضها ـ لا تتواجد الأشياء إلا ولها علاقة ببعضها. بعض الأحيان أفكر فيما إذا كان من الضروري أن تحدث الحرب لكي نكتشف ما كان  يخبئه يومياً بإيقاع روتينه؟ ( ألا نكتشف ثقافات شعوب هذه الأيام فقط في حالة نشوب حرب؟ ). لا أدري..لكن ما أريد قوله، أنني مثلاً لسنين طويلة وحتى ذلك اليوم كنت أمر بكنيسة الأرمن دون أن أفكر في الدخول إليها. ربما لم أفكر بذلك لو لم يبح لي لويس بذات الهاجس:

"كيريدوس، لسنين طويلة كنت أمر بكنيسة الأرمن دون أن أفكر بالدخول إليها!". حدث ذلك ربما بسبب تربيته الكاثوليكية التي لم تسمح له بدخول كنيسة غير كاثولوكية.

كان وجهه على عكس وجهي  ـ أو حتى وجه ملهم ـ يزداد حزناً. بالتأكيد لم يرتسم على وجهينا الحزن إنما الخوف، لأنه هو الذي قال:

"كيريدوس، لا تخافوا. لا تأكل الحرب نفسها وحسب، لأنها بلا حلم، بل هي تسحق كل حياة وكل حلم!"

لم نفهم ـ أو لم أفهم أنا نفسي ـ، إذ من الأفضل أن أتحدث عن نفسي منذ الآن واترك ملهم لبعض الوقت خارج القصة، فهو الذي خرج بعد دقائق محتضناً القيثارة ـ. وأنا صنعت لوجهي تعبيراً، موحياً أنه أنني أفهم ما أراد أن يقوله، حتى أنني رحت أتحرك معه في الكنيسة.

كانت الكنيسة فارغة إلا منا ومن قس لم نره إلا بعد وصولنا المحراب. وقبلها عند لحاقي به رأيته يقف عند طاولة الشموع، يأخذ شمعة طويلة ويرسم شارة الأب والإبن والروح القدس، هو لويس كارفالو الحزين يفعل ذلك، والذي كان يلقبه مواطنوه البرتغاليون بلويس الروخو ( عرفت بعد زمن أنها تعني " الأحمر " )، إشارة إلى ماضٍ له شيوعي نجهله. أخذت شمعة كبيرة، أشعلتها مثله. سرت خلفه. حتى وصلنا بمحاذاة القمطار. وهناك واجهنا القس الذي إقترب منا مبتسماً، كأنه يود منحنا العزم على تحمل فعل كان هو مسؤولاً عنه (هل كان يعني الحرب؟). كنا متلاصقين لويس وأنا، خاشعين، وفي يد كل منا الشمعة. وقف القس في الوسط ووضع فوق رأس كل واحد منا شمعة واحدة من يديه التي يحملها، وبدأ يتمتم بعبارات لم أفهمها أنا ( كنت أعتقد أن لويس يفهمها أحسن مني ) ولكنه ـ كما عرفت منه تباعاً ـ كان ينطق بالسريانية. ثم سمعته يسأل:

"بوركتما ولداي، لأنكما تزوران القداس رغم الحرب!".

لم نسأل أي قداس يعنيه، فقد كانت الكنيسة فارغة. في تلك اللحظة رأيت القس يرتعش عند سماع صوت قصف قريب. تطلعت بلويس، فرأيت شفتيه تحاولان النطق بشيئ. لكن عبثا، لم تنفتحا إلا بما يوحي بمجرد تمتمة. هل فهم رعب القس الذي بدا من خلال حجمه يشكل تضاريساً على وجهه، والذي بدأت حركاته تظهر مرتبكة وسريعة؟ لم يمنحني لويس الوقت الطويل للتفكير بما أراد قوله للقس، إذ سمعته هذه المرة يقول له:

"أبانا إذهب إلى غرفتك، لا عليك بنا!" ذهب القس بالفعل وكأنه كان ينتظر منا قول تلك الجملة، أو كأن اصوات القصف التي إزدادت حدة قد أتعبته، وإكتشف هو وليس لويس ضرورة أن يستريح.

لبرهة رأيت لويس ينهض من مكانه. نهضت وراءه. سرت خلفه. وصلنا إلى زاوية قريبة من المحراب. كان هناك قمطاراً مغلقاً. وضع لويس الشمعة التي لم تغادر يديه طوال الوقت فوق أحد المصاطب. وقفنا مواجهين بعضنا بعضاً، يفصل بيننا القمطار إلى حد ما. لم أدر أن للقمطار باب خلفي يلتصق بجدار الكنيسة، إلا عندما رأيت لويس يدفع باباً صغيراً ليفتحه وليقل لي مشيراً إليه:

"إدخل إلى القمطار من هذه الجهة وإصغ إلى ما أقوله لك!"

دخلت ودخل هو من جهة القمطار الأمامية، وجلس على مسند خشبي، فيما كنت أنظر إليه بصعوبة من خلال الثقوب الصغيرة للشباك الذي كان الوسيلة الوحيدة التي تسمح لي برؤية وجهة. كنت أراه بصعوبة فقد رمت تلك الثقوب ظلالاً كبيرة فوق وجهه حيث جلس، تباعاً عرفت عندما دخلت كنائس في منفاي، أنه مكان الإعتراف والتكفير عن الذنوب، ـ من أين لي أن أعرف ذلك تلك الأيام، أنا الذي تربى تربية شيعية!

ـ. لم أسأله لماذا وكيف، أنما أصغيت لقصته التي حكاها لي ذلك اليوم، هو لويس كارفالو البرتغالي الحزين كما كنا نطلق عليه نحن أطفال حي السِيف ومحلة الباشا ونظران والبلوش، ولويس الروخو ( الأحمر ) كما يسميه مواطنوه. كان للرجل قصة أباح لي بها في ذلك اليوم، يوم إندلعت الحرب، لا أقول ذلك تبجحاً ولا لضرورة أدبية، بل لأن لهذا الرجل قصة غير عادية بالفعل، والتي ربما لم تكن غير عادية بالنسبة لي حتى ذلك اليوم لأنني كنت ألتقيه وأراه واسمع أغانيه ضمن الروتين اليومي. الآن أحاول إستعادة القصة، رغم الإدعاء بأن الحرب توقفت منذ زمن طويل!. أعرف صعوبة ما أقوم به لأنه ليس هناك أكثر من صعوبة رواية القصص الحقيقية، فلا عجب إذن من تلكؤي في إعادة سرد القصة، وتشوش تذكري لما جرى ذلك اليوم بالضبط.

"لا باركا، لا باركا، لا باركا، كيريدو". قال تلك الجملة وصمت قليلاً. ثم ردّد:

"الباخرة بادرة، أيها الأب" صمت مرة أخرى، بعد أن قال لي تلك الجملة بجدية. ثم بدأ يقدم إعترافه. لم يكن في الحقيقة إعترافاً بإثم، فلم يرتكب لويس إثماً يطلب عنه الغفران. كان يروي لي قصته. نعم قصته التي ربما ظلت حتى ذلك اليوم مخبئة تحت إيقاع الروتين اليومي ولم أسمعه وهو يرويها لي، قبل أن نغادر العراق حتى إلتقينا مرة أخرى بعد سنين في هذه الحانة القديمة، جالسين لصق زجاج نافذتها الكبيرة، ونشاهد من مكاننا الجسر العالي الذي ينتصب عالياً فوق نهر التيجو، وعند نهايته من الجهة الأخرى، من جهة مدينة أستروبيل السياحية الصغيرة أنتصب تمثال كبير للمسيح مصلوباً على صليب من المرمر الأبيض، يبدو مثل قيدوم سفينة ضخمة.

في ذلك اليوم الذي إندلعت فيه الحرب، كانت قد مرت أربع وعشرين سنة على مجئ لويس إلى مدينتنا أو بالتحديد إلى حينا حيث سبقه مواطنوه في المجئ منذ قرون. لقد منحناه نحن بعد زمن من مجيئه لقب الحزين ـ كان أبناء جاليته يُطلقون عليه في البداية إسم لويس الأحمرـ. لم يفكر لويس ـ على الإطلاق ـ ذات يوم أن أقدامه ستطأ أرض العراق، وأرض البصرة بالذات، بالرغم من معرفته في أيام دراسته الأولى للرحالة البرتغالي فاسكو دي غاما الذي رست سفنه عند البصرة . " كل الأمور تحدث صدفة. الصدفة هي التي تشكل حياتنا، وهي القدر الوحيد الذي يصير مصائرنا"، قال لي لويس. فحتى ذلك اليوم ـ الذي بدأ فيه خرابه ـ ، يوم 22 أيلول 1950 لم يكن يدر انه لويس كارفالو، الجندي المتطوع بحماس حتى ذلك اليوم، المرقم 2276809، لويس كارفالو، التابع لوحدة المظليين المسماة  "السماوات العالية" ( ـ " أي إسم شاعري "، يعلق لويس الحزين والشاعري هو أيضاً )، البطرية الأولى للكتيبة التي أطلق عليها حينها " فدائيو سالازار " ـ بإسم الرجل الذي كان مدنياً أصلاً ثم منح نفسه ذات يوم رتبة الجنرال ليحكم البرتغال ما يقارب نصف قرن ـ بأن قصة جفائه مع العسكرية ستبدأ منذ ذلك اليوم ـ بالرغم من أنه لم يهرب حينها ـ، وأن ثمة ما تبدل في داخله.

قد يبدو ما كان يرويه قصصاً في تلك اللحظة، ربما بدت ـ حتى ذلك اليوم ـ مجرد معلومات منسية أو معلومات تدخل ضمن ما نطلق عليه الإعتياد الذي يحمله يومنا، لكنها ـ وهو يؤكد على ذلك ـ تفرض عليه ( وعلينا أيضاً ) ان يستعيدها، كلها بتفاصيلها دفعة واحدة، شاء أم أبى. ففي اللحظة التي مرت فيها الطائرة فوق رأسه، لم يخترق ضجيجها جدار الصوت فقط، إنما فتح برزخاً في الذاكرة، وجعله يندفع جارياً دفعة واحدة.

قبل ثلاثين سنة من مرور طائرة الفانتوم ـ التي مرت ذلك النهار فوقنا بالفعل مثل شبح، فهي مثلما يعني إسمها ـ، في 22 ايلول 1950، لم تمر به طائرة شبيهة، إنما كان يجلس في طائرة شبيهة، تحلق وقتها فوق ميناء بَيرا الموزمبقي. حينها لم يكن قد مضى على خدمته في وحدة المظليين أكثر من ست سنوات ("كنت في مثل سنك الآن" قال لي). كان هو في الطائرة مع مجموعة من زملائه. كانوا جميعهم قادمين من مدينة بورتو ـ ميناء البرتغال ـ، شباب في بداية أعمارهم. ربما كان عددهم يقارب الخمسين. كانت الطائرة تضج بأصواتهم وهم أغانيهم التي إختلط فيها حماس الحرب في بعضها بنفس قوة تعبير ألم بعضها الآخر عن فقدانهم لحبيباتهم. ولكن لويس الحزين أو لويس الروخو إنتبه فجأة وسط إشتعال وجد الأغاني إلى واحد من تلك المجموعة: خوزية ألفونسو. نعم خوزية أفونسو، كيف له، هو لويس الحزين، ولويس الأحمر، أن ينسى هذا الإسم. فلولاه لما عرف أنهم كانوا يحلقون فوق ميناء بَيرا. كان خوزية يجلس قبالته مباشرة، ( في 22 أيلول 1980 تذكر الصورة بصورة دقيقة )عندما شعر بتغيير الطائرة لعلوها، وتطلع إلى أمامه، حيث الشباك الدائري الصغير ـ خلف ظهر خوزية ألفونسو ـ، وحيث لمحت عيناه في الأول قيدوم بواخر مائل. حينها هتف: " وصلنا، أنه ميناء بَيرا!". بعد أن نطق بتلك الجملة تطلع به خوزية ألفونسو وقال بسخرية: "ميناء بَيرا حتى اليوم، ولكنه لن يبقى على حاله، فنحن من سيُغير الخارطة!".

ربما حتى ذلك الوقت لم يعرف لويس تلك الحقيقة : الجنود وحدهم من يغير الخارطة وأسماء الأماكن والأشياء، بل أسماء الأشخاص. إذا ما تذكر خوزية ألفونسو فلأن ذلك الشاب لم يمر مرور العابرين في حياته. فبغض النظر عن تغير ميناء بَيرا بالفعل بعد أيام، بعد إبادتهم له مع البواخر التي كانت فيه، وُجد خوزية الفونسو وقد علق نفسه على قيدوم حطام أحد البواخر ( بعد أن ساوى الجيش البرتغالي الميناء كنيسة مع الارض، لم يبق في الميناء غير حطام باخرة، ما تبقى منها غير قيدوم محترق فقط ).

ـ "علق خوزية ألفونسو نفسه مثلما صُلب المسيح."

لم تغادر تلك الصورة مخيلة لويس، فقد صاحبته في كل جولاته، حيث تنقل مع تنقل وحدته، في أنغولا، في غينيا بيساو، في جزر الراس الأخضر، في جزر تيمور، وأخيراً في غوّا، غّوا الهندية ـ كم أتقزز عندما أرى هذه الأيام عروض الرحلات السياحية إلى هذه الجزيرة ـ. هل يحتاج بالفعل كل واحد منا إلى إبرة ما لكي يثقب بها الدملة المليئة بالقيح عنده والتي ربما أصبحت عادة إعتاد عليها في أيامه؟ الآن وأنا ألقي هذا السؤال أمامكم، لا أستفز به أحد منكم، إنما أريد الإشارة إلى حدود التغيرات التي طرأت على لويس الحزين، أو لويس الأحمر، وعليِّ أنا ( الذي يجلس امامكم )، مثلما جلس لويس أمامي في القمطار ذلك اليوم، رغم أنه ـ بعكسي ـ جلس وفي يده شمعة أشعلها ـ لست متأكداً تماماً ـ حباً بتلك الـ "لا باركا " الباخرة، أكثر منه بسبب المسيح، مسيح أرمن حي السِيف ومحلة الباشا ونظران والبلوش. بلا شك عرفنا ـ وحتى بعد سنين طويلة عندما كنا نجلس في الحانة اللشبونية ـ أنه مثلما كان 22 أيلول يوم إندلاع الحرب، هو الإبرة التي فجرت تلك الذكريات عند لويس، كانت غّوا الهندية هي الإبرة التي فتحت عيني لويس على عالم جديد.

كان الـ 22 من ايلول  1956 ( قبل ولادتي بثمانية وعشرين يوماً ) وكان المساء قد حل للتو، عندما توجهت طائرة صغيرة تحمل لويس مع زملائه إلى جزيرة غّوا. لم يقدر لويس في الوهلة الأولى تصديق الأمر أنهم متوجهون لإبادة الجزيرة، رغم أن عدة ونوع الأسلحة التي حملوها معهم توضح ذلك. قد يكون حدس الأمر، لكنه رغم ذلك لم يرد تصديقه. كان في ذلك الوقت قد ملّ الحرب، ولكنه ـ لقول الحقيقة ـ لم يجرأ على إتخاذ القرار برفض الحرب والفرار من الجيش ( " إلى أين، كانت لي أم وأخت تنتظران إستلام راتبي كل شهر!)". عندما شعر بالطائرة تنزلق فوق غّوا شعر بعينيه تنزلق، وتنظران من خلال النافذة. هذه المرة كانت نظراته أكثر حرية. لم يجلس اي شخص أمامه. وبدل الضجيج الذي أحدثته الطائرة في رحلتهم فوق كنيسة، لم يسمع هذه المرة غير أنفاس زملائه. كان كل واحد منهم مشغول بمنلوجه الداخلي. ولكن مثلما مرت الطائرة من فوقهم عندما كانوا جالسين أمام كنيسة الأرمن، مرت تلك اللحظات فوق وتحت سماء غّوا، سريعة وخاطفة مثل سقوط نيزك. فللحظة وجد لويس نفسه فجأة في باخرة صغيرة تسير فوق مياه مجهولة بالنسبة له. ما زال يتذكر كيف أنه فزّ مذعوراً للوهلة الاولى. ربما كان ظل على حاله لوقت طويل، لو لم ير رجل أشيب نصف عارٍ يحادثه بلغته البرتغالية، وبجانبه رجل يعاونه بدا من لباسه ولهجته أنه هندي:

"ما الذي حصل؟"، سأل حينها.

وقتها وضح له الرجل كيف أنهم وجدوه طائفاً فوق الماء ببدلة العسكر البرتغالية. وأنه برتغالي مثله، هرب من حروب سالازار منذ سنين طويلة، وهو يعيش في البصرة ( هل سمعت بالبصرة وبسوق الهنود؟،  بتلك الجملة سأله الرجل ) وسط الجالية البرتغالية، وأنه ( لويس ) محظوظ لعثوره عليه لأنها رحلته الأخيرة إلى الهند، فهو حتى وقت قريب كان يمارس التجارة بين الهند والبصرة، وأن كل شئ كان على مايرام حتى مجئ الجيش البرتغالي إلى غّوا. وأنهم بالأمس فقط أبادوا كل القرى المحيطة بالمدن بحجة إيوائهم للمقاومين.

طبعاً لم يعرف لويس حتى ذلك اليوم بأن هناك بالفعل جالية برتغالية في البصرة، بالرغم من أنه سمع عن البصرة وعرفها من قصص رحلات السندباد والشاطر حسن، مثلي أنا أيضاً إذ إنتبهت ذلك اليوم للمرة الأولى أن هناك برتغاليون عراقيون أو عراقيون من أصل برتغالي يعيشون على أطراف حي السِيف ومحلة الباشا ونظران والبلوش، قريباً من كنيسة الأرمن، وأنهم يسمون أطفالهم جون ولويس وادور وغيرها من الأسماء التي لم تثر إنتباهنا تلك الأيام لأنها كانت جزء من روتين إعتدناه من أيامنا وجزء من روتين بلد خليط ربما سُمي بالعراق تصغيراً بصورة تحببية لكلمة "الأعراق"، لا أدري، رغم أنني أعرف لماذا أُطلقت على لويس تلك التسميات: لويس الأحمر أولويس الحزين.

الأحمر: لأنه سار على خطى الرجل الذي حمله معه في الباخرة في 22 أيلول 1956 والذي تبين ـ تباعاً ـ انه كان احد الشيوعيين البرتغاليين الاوائل الذين ساهموا في تأسيس خلايا الحركات الماركسية الأولى في العراق وكان واحداً من أولئك الذين كانوا يوزعون منشورات غريبة تدعو إلى "طرد الإستعمار" وتحطيم "النظام البورجوازي" والدعوة للبروليتاريا ـ التي لم تكن موجودة بل لم توجد في العراق أبداً ـ إلى إستلام السلطة (أول ما ظهرت تلك المنشورات بين أطراف الجالية الصغيرة العدد وفي البصرة فقط حيث سكنت أنا).

الحزين: لأن ذكرى موت مواطنه البرتغالي الذي حمله معه ذات يوم على سفينته من غوّا الهندية إلى البصرة، تُشعره دائماً بالذنب والحزن، أكثر من تأثره وحزنه عندما رأى الجندي خوزية ألفونسو ـ رفيق سلاحه في الهجوم على ميناء بَيرا ـ وقد علق نفسه مثل مسيح مجهول على قيدوم الباخرة الاخيرة ـ من مجموعة بواخر كانت ترسو في الميناء ( أعتقد أنها كانت قبل الحطام عبارة عن مرقص لمواطني المدينة ) ـ والذي كان الجزء الوحيد الباقي منها. في ذلك اليوم سمع الخبر من مساعده الهندي، الذي رجع لوحده فجأة إلى البصرة مع السفينة وحيداً، معلناً أن الرجل مات بعد دخوله بسبب معركة دخلها " متعمداً " مع حوت ضخم.

كان الرجل قد حدثه عن خطيبته "سوليداد " إبنة التاجر البرتغالي سواريز ( اليهودي الأصل الذي كان تاجراً وقتذاك، ثم أفلس ـ بالذات ـ بعد ترحيل اليهود وسرقة ممتلكاتهم، ولم تبق عنده غير دكانة صغيرة في بين السِيف ومحلة الباشا، لنجاحه بإصرارعلى البقاء في البصرة )، صاحبة الصوت الغنائي الجميل، المتمردة والتي كانت تخرج سافرة من العباءة والحجاب، في الوقت الذي كما كانت هي أول فتاة تغني وتمثل بصورة علنية. "فهي حلم كل رجل " قال له الرجل آنذاك وهو يتذكرها بوجد وهما يمخران مياه الخليج. إندهش لويس فعلاً عندما رآها للمرة الأولى بضحكتها الجميلة وبسلاسة حديثها. لم تجد صعوبة في الحديث معه بالبرتغالية ( علمها الرجل اللغة). قالت له بأنها تجيد الإنكليزية إضافة للعراقية والعبرية. فرحت سوليداد عندما عرفت بأن لويس يعزف على القيثارة، وأبدت إستعدادها لمصاحبته في الغناء. هكذا قضى لويس زمناً طويلاً معها يغنيان سويةً أغاني الفادو البرتغالية، بل أدى به حماسه أن يكتب لها أغنية " كيريدا سوليداد ". عندما سمعت تلك الإغنية بصوته، شعرت بتبدل غريب ومفاجئ في أحاسيسها. لم تخبر لويس في ذلك اليوم، إنما أخبرت خطيبها وقالت له بأنها بدأت تشعر بتغير مشاعرها إزاءه، ولا تعرف لذلك سبباً مباشراً. من الممكن إخفاء كل شئ في الحياة، إلا أمر الحب، لأن بريق العينين يفضحه. وهذا ما حدث بالضبط. إذ منذ تلك الأمسية شعرت سوليداد برعشة غريبة فضحت عواطفها التي احسها لويس، فعرف أنها تحبه مثلما يحبها، حينها بدأت أغانيهما تأخذ عمقاً آخر. هكذا مرت أيامه، ولم يجد الرجل ـ خطيبها، بالرغم من حزنه ـ غضاضة مما يفعله سوليداد ولويس الذي أستأجر غرفة قريبة من بيت العم سواريز ـ ربما لأنه فكر أنها الطريقة الأسلم لإستردادها من لويس الذي كان يكن له عاطفة أيضاً ـ. حتى حدث ما حدث عندما قال لها خطيبها بأنه مقبل هذه المرة على رحلة ربما ستطول زمناً. لم تدر سوليداد بأنه ـ ربما ـ قرر أن يرحل عن حياتها هذه المرة بلا عودة. لم تحتج لوقت طويل كي تبدأ بتعذيب نفسها لأنها ـ ربما ـ كانت هي السبب لدخوله بمعركة مع حوت ضخم، أولاً: لأنها كانت معركة غير متكافأة وثانياً: لأنها كانت معركة سببتها حالة من العبث كان يعيشها؛ أنه ـ كما تعرف ـ وعلى مر كل تلك السنين لم يفكر بالدخول في معركة مثل هذه.

وقتذاك أغلقت سوليداد باب غرفتها عليها وكرهت الغناء، بل كرهت كل شئ، ولم تننجح معها لا توسلات ابيها ولا أغان الفادو البرتغالية التي كان لويس يعزفهاعلى نفس القيثارة التي كانت ذات يوم قيثارة مواطنه البرتغالي الأحمر. بسبب ذلك سمح الشيخ سواريز للويس بالجلوس على كرسيه ليغني بصوته العالي والمبحوح، لكي تسمع سوليداد، وربما تعدل عن قرارها وتغادر غرفتها وتقبل به رجلاً من جديد. كلا لم يحدث شيئاً من هذا القبيل، بل حتى عندما حاول لويس  شخصياً معها، لم ترد عليه اصلاً وكأنه لم يكن بينهما شيئاً ذات يوم. وكلما إزدادت اغاني لويس وجداً، كلما إزداد إصرار سوليداد على تمردها في وحدتها. هل شعرت بالذنب؟ لا أحد يدري. وفجأة وُجدت هكذا معلقة فوق قيدوم السفينة التي ظلت راسية بالقرب من الخورة حتى اليوم. كم ندم لاحقاً لأنه رآها مصلوبة بذاك الشكل، دون أن يستطيع فعل شئ لرقبتها النحيفة الممطوطة ولسانها الخارج من مكانه ( ما قيمة الغناء والقيثارة بعد الآن ؟). بعدها بوقت قصير حاول أن يتذكر فيما إذا كانت لخوزية ألفونسو ذات النظرات الحزينة التي بدت على وجهها وهي مصلوبة. ومنذ ذلك اليوم إزدادت أغاني لويس حزناً، حتى لقبناه بلويس الحزين، رغم عدم معرفتنا ما تحمله أغان الفادو البرتغالية من معنى.

في ذلك اليوم وهو يجلس أمامي على كرسي الإعتراف في كنيسة الأرمن سألته دون أدري أو دون أن أقصد ما كان ممكن أن يحمل سؤالي من معنى:

"والآن ما الذي بقي من كل تلك السنين."

لا ينفع أن يقول لي بأنه لم يغادر البصرة، فقد كنت أعرف أن تعلقه بالمدينة كان سببه هو تعلقه بذكرى منسية أو بألم كان يعتقد انه طرفاً فيه، لأننا من الممكن أن ننسى بسرعة المدن التي عشنا فيها سعيدين ولكننا لا يمكن أن ننسى المدن التي قاسينا فيها. ألم تشكل بورتو عذاباً دائماً، تلك المدينة التي فقد فيها كل علاقة له في الحياة هناك: أمه وأخته وأخيراً خوزية ألفونسو؟

"كريدو، البصرة هي تعويض عن بورتو بالنسبة لي."

قال لي تلك الجملة ذاك اليوم، وهو يجلس في المحراب.

"سأبوح لك بسر صغير!". بلع ريقه قليلاً، ثم أعقب.

"ما زالت تلك السفينة ترقد هناك!". قال لي بصوت بلا ملامح، لم أميز فيه لا الفرح ولا الحزن، ثم أضاف مباشرة:

"كل هذه السنين وأنا أعتني بها، بالرغم من كل ما حدث. لم أشأ مغادرة البصرة حتى اليوم؟".

للمرة الأولى أعرف أنه مرّت أربع وعشرون عاماً على مجيئه إلى البصرة، وانني ربما كنت في السابعة أو الثامنة عندما سمعت صوت قيثارته وصوته الحزين للمرة الأولى أمام دكانة العم سواريز، بل عندما سمعت بإسم لويس الأحمر وبلويس الحزين.

"هل تعرف أنك جاهز للخدمة العسكرية الآن؟"، قال لي.

لم أنتبه حتى تلك اللحظة أن إحتمال دعوة مواليدي لخدمة الإحتياط هو مسألة وقت لاغير.

"السفينة مازالت هناك. هل تريد الرحيل معي؟

"وقبل أن اسأله إلى أين؟ سمعته يقول لي:

"إلى ماكوندو، هل سمعت بها؟"

عندما قال لي تلك الجملة نظرت إليه كمن صحا من غفوة عميقة. بالرغم من الظلام الذي احاط بنا، وبه خاصة، لأنه كان يجلس في الزاوية المظلمة من القمطار، رأيت عينيه تشعان ببريق لم أره فيهما من قبل قط، ربما لأنني لم أتطلع بهما بمثل هذا العمق، وربما أنهما بالفعل لم يكن لهما ذات البريق. من يدري. رأيته ينهض ويغادر مكانه تلك اللحظة. ربما ظليت جالساً لوقت طويل لو لم أشعر بأحدى يديه تلمس كتفي وبصوته يقول لي:

"قرر!"

لم يحتج أن يقول لي ذلك، فقد وجدتني أقف أتبعه. عندما أصبحت خارج الكنيسة، إنتبهت إلى أن ملهم كان يجلس عند كرسي لويس للمرة الأولى يحاول العزف على قيثارته، فيما كانت سراب ما زالت تقف عند شباك بيتها تفتعل التطلع في كتاب بين يديها، دون أن تلقي بنظراتها بين الفينة والأخرى بصورة سرية إلى تحت، حيث جلس ملهم.

فجأة رأيت لويس يبتسم بوجه ملهم، لم يقل له أية جملة وكأنه يعرف قراراته كلها:

"لن أسألك أنت، فلن تغادر!"

هزّ ملهم رأسه، وكأنه لم يفهم ما يقصده لويس. في تلك اللحظة عرفت لماذا كان ملهم يجلس هناك ولم يبد حماساً للحاق بنا، فقد تذكرت أنه هو الآخر يُطلقون عليه " ملهم الحزين " لتعلقه الوله بالبنت الأرمنية التي كان إسمها سراب. غادرنا أنا ولويس المكان.

"لا باركا، لا باركا، لا باركا، كيريدو!"، قال لويس لي. ورأيته يتجه صوب الميناء فمشت وراءه.

كان المساء قد حل، وكانت تُسمع أصوات قصف من أماكن قريبة، تزداد مع خطواتنا إقتراباً، ومع خطوات مضطربة لآخرين هنا أو هناك، بالتأكيد باغتهم خبر إندلاع الحرب. فجأة رأيت لويس يبطئ في مشيته وكأنه يخاف من الوصول إلى باخرة قد يجدها محطمة، أو لا أدري لماذا فكرت حينها أنه يخاف أن نجدها بعد كل هذه السنين بلا قيدوم...ولكن لتوخي السؤال الدقيق: من يريد صلب نفسه الآن فوق ذلك القيدوم؟ ألم نقرر أنا وهو مغادرة الميناء، البصرة؟ على عكس ملهم، الذي تخيلته فجأة بصورة مرعبة مع قيثارته مصلوباً على قيدوم لا علاقة له بالباخرة التي سنغادر بها، كلا، إنما على قيدوم باخرة بعيدة لم تصل أي شاطئ أبداً وتلوح مثل منار بعيد ...بعيد..بعيد لا تراه إلا عيون البحارة المتمرسين، البحارة الحزينين.

 

 

هامبورغ فبراير 1997

 

 

 

 

2

حروب فوق أراضٍ بعيدة

أو

إلى تيريزا مع أطيب التحيات

قصة قصيرة: نجم والي

عندما أخرجت البطاقة البريدية التي بعثتها تيريزا، من صندوق البريد، كانت الساعة الثالثة ظهراً. لم أقرأها بصورة دقيقة في البداية، إنما ألقيت عليها نظرة عابرة ودخلت البيت وهي لازالت في يدي الفارغة. رميت الحقيبة الصغيرة التي كنت أحملها فوق المائدة التي توسطت الصالون، ودخلت الحمام مباشرة. كان يوماً حاراً بصورة غير معتادة. فتحت ماء الصنبور ـ كما هي عادتي في كل الأيام الحارة ـ وتركت الماء البارد يملأ حوض البانيو. نزعت ملابسي بسرعة، ودخلت إلى الماء، قبل أن يمتلئ الحوض، وبعد أن وضعت ساعة يدي والبطاقة إلى جانب المجلات والرسائل التي تكدست فوق كرسي صغير كنت أتركه تحت متناول يدي بجانب الحوض مباشرة.

لبرهة غطست رأسي في الماء ثم نفضته، حتى تناثر الماء فوق الأوراق. سحبت منشفة قريبة ونشفت يدي المبللة، ثم تناولت البطاقة بيد مرتعشة. تطلعت بالصورة. لأرى حانة قديمة، بخشب عتيق وكراسي وموائد زرقاء، فيما وقف رجل اسود ذو ملامح جميلة، عند طاولة الخدمة، أضاف الشعر الأبيض سحراً على خصلات شعره. "حانة همنغواي في الـ لاهافانا"، كُتب بالإسبانية خلف البطاقة. ولكن تيريزا لم تكتب الكثير. اكتفت بتدبيج جملاً قصيرة خاطفة، تشبه أسلوب همنغواي في الكتابة: "جوال الآفاق والكلمات....أيها البحار الأرضي..لا تندهش من بطاقتي هذه..كان علي أن أرسلها إليك من الـ لاهافانا ولكني سافرت إلى مدريد فجأة.. وها أنا أرسل هذه البطاقة من مدريد.. انتظرني يوم 16 يونيو الساعة السابعة عند المحطة في مقهى "إياب"..البس البدلة الكاريبية البيضاء والقبعة البَنَمِيّة والحذاء الأبيض..مازال بيتك قلبي"، ثم كتبت ملاحظة تحت: آمل أن تكون قد نسيت الحرب!..ولكن أنت على حق، أي حرب؟!". لم تنس أن تلحق نكتة قديمة على البطاقة "أكيد ستصلك البطاقة في نفس يوم وصولي"، وهي تعرف أن حياتي مجموعة مصادفات لا غير.

إذن مازالت أمامي أربع ساعات لحين ذهابي إلى المحطة لاستقبال تيريزا. لكن تلك الأربع ساعات التي تبدو في الأيام العادية قصيرة جداً، صارت لي تلك الظهيرة عذاباً لا يطاق، لم أكن أصدق مجيئها بعد هذه المدة الطويلة. كنت يقيناً أحتاج أكثر من أربع ساعات لاستيعاب أمر لقائنا من جديد. بالطبع كان بإمكاني تمزيق البطاقة، أو التصرف كما لو أنني لم أستلمها، ولكن كيف سأواجه نظراتها لي عندما تفتح باب الدار وتراني هنا؟

أعرف تيريزا منذ خمس سنوات، منذ زيارتي الأولى لمدريد وقبل انتقالنا أخيراً إلى لشبونة. أحببنا بعضنا بعنف وكرهنا بعضنا بنفس القدر من العنف. انفصلنا عن بعضنا ما يقارب خمس مرات على الأقل، ورجعنا إلى بعض بنفس الوجد السابق، لنبدأ شجاراتنا بعدها بحماس جديد. وعندما أقول انفصلنا عن بعضا، فأنا لا أعني تلك الانفصاليات التي تدوم لليلة أو ليليتين، والتي عشناها مئات المرات في قصص حبنا، بل أعني تلك الانفصاليات التي تستغرق وقتاً طويلاً، كما حدث في المرة الأخيرة. لم ألق بأشيائها بعيداً، إنما حرصت على الإبقاء عليها في مكانها، كما تركتها هي. في الغرفة مازال يقبع دولاب ملابسها، وفي الحمام مازالت أدوات زينتها هناك، مجموعة أيف سانت لاوريتنت، وعطر الكارتيير موست وجانيل كوكو وبالوما بيكاسو، وعند حافة البانيو توزعت قناني الشامبو "بودي شوب" الجوز البرازيلي وعسل النحل، قناني الصابون السائل من المسك الأبيض وسائل البرقوق، فيما استقر عند حافة شباك الحمام، بالضبط فوق الحوض، السائل الحليبي الأبيض الذي كانت تستخدمه لدهن جسمها والذي بعد كسري لعلبته الأصلية ذات مرة دون أن أدري، وضعته لها في علبة نسكافة فارغة! ما أزال أتذكر ضحكتها عندما رأت العلبة في اليوم الأخير قبل أن تذهب. رأيتها تتفحصها، مقلبة إياه بين يديها، وعندما رأتني أتطلع إليها، ضحكت وقالت لي أنها ستترك لي الدهن لكي أستخدمه.

كانت قد مرت سبعة أشهر وأسبوعان وثلاثة أيام على تلك الظهيرة، عندما نزلت من البيت مع حقيبة صغيرة، بعد سماعها صوت رنين الجرس. حينها مددت رأسي من الشباك، فرأيت رجلاً غريباً ينتظرها تحت. تبعتها حين خرجت، دون أن تدري أو ربما لاحظت ذلك، حتى وصلت إلى الميناء، ورأيتها تتجه متأبطة ذراعه إلى باخرة رست هناك، كان يرتفع فوقها العلم الكوبي. لم أحقد عليها، ولم أغضب لذهابها مع رجل آخر، بالرغم من تألمي لما حدث بيننا، لا لأني رجل "عصري وليبرالي"، بل لحبي لبحارة العالم. ولقد تصالحت مع نفسي بطريقة ما، قائلاً، ولم لا؟ أنت السبب، فبالرغم من تبجحك أمامها في أيام العلاقة الأولى بكونك "بحاراً على اليابسة"، لا ينافس حبه لها غير السفر، وأنها هي التي كانت مستعدة لترك عملها الصحفي، المسكونة بشغف الترحال، الكائنة التي كنت تبحث عنها من أجل التجوال والضياع معها على سطح هذه الكرة، ليكون وطنكما حيث تطأ أحذيتكم، إلا أنك منذ تعرفك عليها، وأنت باقٍ في مكانك. في مدريد كنت تتحجج قائلاً، آه لو كانت مدريد مفتوحة على البحر، لسافرت كل يوم، حينها سألت أين تريد أن تسكن، فقلت لها "في لشبونة". فسألتك لماذا، فقلت لها مستعيراً بيتاً من الشعر لرافائيل ألبرتي كان يقصد روما به "لشبونة خطر على الجوالين"، ثم أعقبت "أعشق الموانئ وأحبها بقدر حبي للبصرة". لم تعلق حينها، ولكنها بعد أربعة وعشرين يوماً، جاءت وطلبت منك أن تستعد لحزم الحقائب وللذهاب إلى لشبونة. كانت قد طلبت من الجريدة التي تشتغل بها الانتقال إلى هناك دون أن تعلمك بذلك. هكذا ذهبتما إلى لشبونة. بعد ثلاثة عشر شهراً وعشرة أيام، كشفت لك بأنك تكذب وبأنك لم تعد تتحرك كما كنت سابقاً. قالت "ربما هرمت". وإذا نفيت ذلك، متحججاً هذه المرة بـ"خراب البصرة"، فبعد البصرة من الصعب عليك محبة ميناء آخر، تعلق هي: "إذن هي الحرب التي مازالت تشلك!".

الحرب، الحرب. أي حرب؟ الأولى؟ الثانية؟ الثالثة التي قد تحدث؟ أم هي الحرب الأبدية المشتعلة أبداً هناك؟. ربما لم أفكر بما قالته بجدية، لولا ذهابها مع البحار الكوبي.

 سبعة أشهر وأسبوعان وثلاثة أيام وأنا أفكر بوضعي، أحاول ترتيب حياتي بدونها. طبعاً تألمت كثيراً، وبكيت رحيلها أكثر من مرة. كنت أعتقد أن رحيلها عني سيدوم إلى الأبد. فطوال علاقتنا لم تخف رغبتها بالذهاب إلى جهة الأطلسي الأخرى. مرات عديدة حدثتني عن أجدادها الذين كانوا يعيشون في مدينة قاديش الأندلسية قبل أن يرحلوا إلى كوبا. كانت صغيرة آنذاك، عندما كانت أمها تريها صور أهلها الذين رحلوا بعد الحرب الأهلية الإسبانية إلى الـ لا هافانا، قبل أن تلحق الأم بهم هي الأخرى وتترك الأب الذي لم يكره في حياته شيئاً مثل السفر. كانت قد مرت خمسة وعشرون عاماً على تلك الجملة التي قالها لها "لماذا أرحل وقاديش هي لاهافانا". منذ طفولتها وهي تحلم بالرحيل إلى كوبا. "وأنت؟"، تسألني. فأقول لها، نعم سنرحل سوية، ولكن تمهلي، لأنني ما أن أطير إلى الجزء الآخر من العالم حتى لن أرجع. فتسألني "ما الذي يربطك بهذا الجزء من الأرض؟". أصمت. فتقول "أعرف، ستقول البصرة. ولكنها لم تعد البصرة. لا شئ غير الحرب!".

الحرب، الحرب، ولكن أي حرب؟ ليست تيريزا الوحيدة التي تقول لي ذلك، إنما أنا أيضا أعتقد أنني مسكون بالحرب. أكثر من خمس سنوات وأنا لم اتعب من رواية أحداث الحرب لها. لا يهم ما تكون المناسبة. سيان إن كنا نجلس أمام التلفزيون، أو عندما نرى جنوداً في المدينة، أو حتى عند سماع أشرطة موسيقية. كل شئ يذكرني بالحرب.

لم تنس تيريزا من طرفها كل ذلك، ففي رسالة قديمة كتبتها لي قبل رحيلها، بالرغم من أننا كنا نسكن سوية، والتي استقرت مع حزمة مبعثرة تحوي رسائلها القديمة الأخرى وبعض رسائل أختي وأخي والأصدقاء، أضعها على عادتي القديمة قريبا مني أثناء استحمامي لأستل واحدة منها أو اكثر كلما غطست في البانيو (كانت تكره العادة هذه وتقول لي "لا عجب إذن إنك لم تنس الحرب فهل هناك رسالة منها لا تتحدث عن الحرب وشجونها) ـ لم تعرف أنني كنت أضع رسائلها هناك أيضاً، ربما لأنني كنت أدفع بها عمداً تحت كومة الرسائل ـ، أقول في تلك الرسالة والتي قرأتها للمرة العشرين، ذكرتني بكل تلك التفاصيل، بإصراري على سماع موسيقى بوني أم (السخيفة كما تسميها) وتوم ويتز بسبب حب صديقي ملهم لها والذي أُسر منذ أيام الحرب الأولى وما يزال ..ولكن أيةُ حرب منها؟ بل ذكرتني حتى بشكوى الأصدقاء " لا هم له غير الحرب، وكأنها لعنة ما برحت تُطارده." لم تنس قصة البدلة البيضاء والقبعة البَنَمِيّة والأحذية البيضاء، التي أهدتني إياها صاحبة الحانة ماتيلدا قبل مغادرتي البصرة. تلك الأيام عندما سمعت تيريزا أنني أضعتها، فاجأتني بشراء بدلة وقبعة بنمينية وأحذية بيضاء في إحدى رحلاتنا إلى فلورنسا. (ولكن ماذا أقول لها الآن إذ كما ترون ها أنني أجلس بينكم من دون الحذاء الأبيض الذي أضعته مرة أخرى؟). ذلك اليوم قالت لي عندما سلمتني البدلة" هل تعرف لماذا أهدتك ماتيلدا تلك البدلة؟"، فقلت لها متحدياً "هأ ماذا تعتقدين؟"، فقالت ضاحكة "إنك لا تفهم يا عزيزي، لكي تخرج من جحيم الحرب؟" فسألتها وماذا يعني ذلك بالنسبة لي الآن، فأجابت "كف عن هذه اللعنة التي تُطاردك".

الحرب. الحرب. أية حرب ؟ كم رغبت بالفكاك منها ونسيان كل ما جرى لي. بل أقول بصدق أنني حاولت بكل حماس نسيان يوم اندلاعها. ولكن يبدو أنها قدر يُطاردني، ابتداء من مغادرتي البلاد لحد الآن. فالرسائل التي تأتيني طوال هذه السنين مثقلة بكل ما جرى بسببها.

الحرب. الحرب. كم مر على اشتعالها؟ خمسة عشر عاماً وتسعة أشهر ويومان؟ أم خمس سنوات وإحدى عشر شهراً وثلاثة أسابيع وثلاثة أيام؟ أم خمس سنوات وسبعة أشهر وسبعة ايام؟ أم هي بطول حياتنا؟ ألم تنشب منذ مجيئي أو مجيئكم إلى هذا العالم، في تلك البلاد التي لا تبدو بعيدة جغرافياً الآن عنا وحسب، إنما هي بعيدة بسبب ما جرى لها وبسبب ما جرى لنا مئات السنين الضوئية. تلك البلاد التي لست الوحيد الذي نسيها، بل لست الوحيد الذي ما عاد يتذكر منها غير الحرب. تيريزا كانت تقول لي "كأن الحرب نشبت بينك وبين تلك البلاد!". ملاحظة ليست في غير محلها. لكنها لا تقدم لي الكثير من العزاء. والآن وأنا أجلس بينكم أحاول تذكر أشياء أخرى منها، مثلاً: الأصدقاء، أماكن الطفولة، الحب الأول، التجربة الإيروسية الأولى، الكأس الأول...عبثاً، لا تحضرني غير الحرب. حتى وإن أنجح في طردها بعض المرات، فإنها تنقض علي مثل طاعون مصر، أنها تقتحمني مثل لعنة يهوا، مثل أمطار الثأر التي بعثها ضد المدن المسحوقة في بداية العالم.....

تلك الظهيرة في لشبونة، وبعد أن انتهيت من حمامي، ومن وجع رأس استحوذ علي ساعات طويلة، قررت الانتهاء من الحرب تماماً، بل رميت شريط بوني أم وفالس مع ماتيلدا، ولبست البدلة الكاريبية البيضاء والقبعة البَنَمِيّة، للأسف مع حذاء أسود، (لعدم عثوري على الحذاء الأبيض في فوضى بيتي)، فعلت ما طلبته مني تيريزا.

تلك الظهيرة أيضا أيقنت أنني أحب هذه المرأة حد العبادة، ولا ينفعني لا كبريائي ولا تبجحي في الاستغناء عنها أو نسيانها. ولا يهم إن تركتني وذهبت مع من تشاء من الرجال، فأنا أحبها. أفعل ما تراه. من الغريب أننا ندور وندور ونلتقي بنساء كثيرات حتى نتعرف على واحدة، واحدة ستكون هي مركز العالم، لا يهم من تكون وماذا تفعل. لا يهم تلك الحروب المعلنة والغير معلنة بيننا. هي فقط. والسلام. هل قلت السلام؟ هل كانت تيريزا بديل الحرب؟ أهي السلام؟ لا أدري.

إضافة إلى ذلك السؤال، كانت تطن في رأسي أسئلة أخرى، عندما كنت أقود السيارة باتجاه محطة لشبونة، لدرجة أنني لم اشعر بالمسافة التي قطعتها من بيتي في شارع دوس دورادوريس وحتى الكراج التحتي التابع للمحطة. لم أنتبه للزمن إلا عندما أصبحت عند صحن المحطة وتواجهني الساعة الكبيرة: السادسة وعشر دقائق. إذن مازال أمامي الكثير من الوقت. توجهت إلى كشك الجرائد اشتريت جريدة الحياة والباييس الإسبانية والبوبليكو البرتغالية ولاريبوبليكا الإيطالية وزوددويتشه تزايتونغ الألمانية والغارديان البريطانية (عادة أفعلها كلما سافرت في القطار أو انتظرت في مقهى، لأستمتع بإثارة فضول الناس أنني أقرأ بلغات متعددة!)، وتوجهت إلى المقهى الكبيرة عند المحطة "إياب" حيث طلبت مني أن أنتظرها عند السابعة مساءاً.

كنت مبتهجاً بالفعل، وكنت متيقناً أنني سأفاجئ تيريزا بالبدلة البيضاء والقبعة البنَمِيّة وبقراري الذي انتهيت منه في البانيو هذه المرة. سأقول لها، أننا سننتقل إلى ريف إسبانيا أو إلى ريف التوسكانا، أو إذا شاءت سنذهب إلى الباراغواي ونربي البقر هناك، سنعيش سوية هذه المرة وللأبد، لن أسألها عن الرجل الكوبي ولا عن الرجال الآخرين، بل سأحبها أكثر، سأنسى الحرب تماماً، وسننجب أطفالا.

حدث ذلك ـ حسب ما أتذكر ـ يوم الأحد 16 حزيران 1996، كنت قد قطعت المحطة متوجهاً إلى مقهى "إياب" القريب، بعدما تصفحت الجرائد ثم ضممتها تحت ذراعي، لمّا سمعت صوتاً ينادي بالإسبانية من بعيد:

ـ كامبوس، كامبوس.

في الوهلة الأولى اعتقدت أن الشاب الذي كان يلبس ملابس الجنود البحرية يقصد شخصاً آخر، ولكن عندما رأيته يقترب مني، ويعانقني، لم يعد عندي أي شك بأنه يعنيني.

ـ كامبوس، أيها الرجل العنيد، كيف حالك يا شبيهي.

فقلت له، بعد أن تطلعت به ووجدت أنه يشبهني بالفعل:

ـ أرجوك تفحصني جيداً، ألا تعتقد أنك تبالغ، فأنا من مواليد البصرة.

ضحك وهو يضربني على كتفي:

ـ غريب، لم تترك أحلامك، كنت تحلم دائماً بالسندباد والبصرة.

سكت. ابتسمت، وهززت كتفي. في الحقيقة فكرت حينها، لم لا؟ فمازال لدي خمسين دقيقة من الوقت. وهي قصة جميلة. تذكرت أننا يجب أن نخترع القصة أثناء كتابتها، فلماذا لا نفعل ذات الشيء عند روايتها! وأنا الآن أخترع القصة أثناء سردي لمجرياتها. ولقول الحقيقة، فبطريقة ما، أحسست بحنين قديم لملابس البحرية التي لبستها على مدى ستة أشهر من 1 أكتوبر 1978 حتى 1 مارس 1979، عندما كنت في القاعدة البحرية في البصرة مترجماً لجنرالين ألمانيين شرقيين. كانت أيام خدمتي الذهبية. وكانت جارة بيت جدي المتزوجة تنتظرني بوجد وتصر على لبسي الملابس البحرية عند لقائي بها. وما أزال أتذكر أيضاً، عندما انتهى استخدامي في شعبة الرياضة التابعة للقوة البحرية، والتحاقي بمعسكر المحاويل في الحلة، كيف أن ضابط بطرية المدفعية التي نُقلت إليها صرخ بي :انزع ملابس النسوان هاي، قشمر". لم يكتف بذلك إنما عاقبني بالزحف على طول ساحة العرضات وعرضها قائلاَ "راح أراويك العسكرية شنو معناها، وشلون راح نحرر فلسطين".

ـ قل لي...

ـ آليخندرو.

أجابني عندما كنت أسأله ونحن نجلس في مقهى "إياب".

ـ آليخندرو، هل صنف البحرية عندكم مكروه أيضاً بين الأصناف العسكرية الأخرى؟

ضحك وسحب سيجارتين من علبة سجائره. قدم واحدة، فأخذتها رغم تركي التدخين منذ زمن طويل:

ـ "أومبرة"، سيجارتك الكوبية المفضلة.

قال لي ذلك وهو يشعلها.

ـ كامبوس، كيف نسيت ذلك.

أضاف وهو ينفث دخان سيجارته.

ـ ألا تتذكر الضابط المشاة زين العابدين، الذي جعلنا نقف في الشمس يومين في بوينس أيريس، عندما كنا عائدين للتو.

علق، وقد بدأت أسارير وجهه تتقلص.

ـ عائدين؟ آليخندرو، من أين كنا عائدين؟

سألته، فنظر إلي متفحصاً. صاح بالجرسون ليجلب لنا كوبين من الكابيتشينو، ثم فتح فمه:

ـ كنت دائماً ذكياً. تلعب أدواراً عديدة. مرة الأصم. مرة الأعمى. مرة الأبكم. أنني أحسدك.

توقف قليلاً ليرى رد فعلي، ثم استمر بالكلام هذه المرة دون أن ينظر إليّ، متفحصاً سيجارته التي أتى على أكثر من نصفها:

ـ أنت صاحب اللسان السليط المثقف، لم تقل كلمة للضابط الذي عاقبنا في ثكنة بوينس آيريس لا لشيء إلا لأننا تابعين للقطعات البحرية، وكان يعتقد ان كل القوات البحرية خانت الجيش في حرب الفولكلاند لان تربيتهم إنكليزية.

لم أعلق. جاء الجرسون بأكواب الكابيتشينو. أوقف آليخندرو الجرسون وهو يأتي على كوب الكابيتشينو كله ليطلب واحداً آخر. رمى ببقايا سيجارته على الأرض.

ـ كنت تقول أننا نستحق ذلك، لأننا كنا هناك، بالرغم من معرفتك أننا لم نقاتل.

دفعت له بكوبي الذي أشربه وقلت له سأنتظر الكوب الذي سيأتي. أخذ آليخندرو هذه المرة جرعة كبيرة أيضاً.

ـ كنت أسألك هل نحن على حق أم الإنكليز. وطبعاً كان جوابك الذكي دائماً.

توقف قليلاً، أخذ جرعة أخرى، وأشعل سيجارة جديدة، ثم أكمل محاولاً تقليد صوتي:

ـ اعرف إذا انهزم الإنكليز فأن حكم الجنرالات سيطول.

صمت، ثم أعقب

ـ بالرغم من انك لم تكن مع الإنكليز.

جاء الجرسون بكوب الكابيتشينو الثالث. رحت أرتشفه بهدوء. هكذا بقينا جالسين لمدة ما يقارب أربعين دقيقة، لا أدري كم سيجارة دخنا وكم كوباً من الكابيتشينو شربنا واحداً تلو الآخر. آليخندرو يروي القصة تلو القصة عن الحياة هناك، في الفولكلاند. وأنا لم أحاول مقاطعته أو تكذيبه. لماذا؟ كان الشاب يُلقي جمله بقناعة تامة، فيما كان الأمر يلتبس علي بسبب ما يقوله، لا يهم إن كنت مقتنعاً بما يرويه أم لا، إنما المهم بالنسبة لي كان رواية الحكاية. طبعاً، كان بإمكاني إيقافه وإشهار هويتي الشخصية أمامه، ولكن كيف أقنعه بجنسيتي الألمانية وقد قلت له في البداية أني من مواليد البصرة؟ وحديثي مع الجرسون باللغة البرتغالية! بل كيف أفسر له إجادتي الحديث معه بلغته الإسبانية ( بالرغم من أنه كان يعتبر عدم تحدثي معه بلهجته الأرجنتينية له علاقة بخروجي من الأرجنتين وهي محاولة ذكية مني تغيير هويتي). ولكن ما هو المنطق أمام شخص يروي القصص على طريقته. ألا يمكن أننا نخترع القصة أثناء روايتنا لها؟ فآليخندرو لم يتحدث عن ماضٍ بتفاصيله فقط ـ حتى أنني كنت أشعر أنني كنت معه بالفعل ـ إنما عن حاضر.

سألته ما الذي يفعله في لشبونة، فحدثني عن باخرتهم القادمة من الأرجنتين، هم في زيارة سريعة لتبادل الخبرات العسكرية.

ـ لم أذهب مع الآخرين، كان هناك نداء يناديني ويقول لي أن كامبوس، شبيهك الذي فقدته في بوينس أيريس، بعد الحرب، لم يقتلوه، إنما هرب ليلجأ إلى موانئ الله، فهو الوحيد الذي نجا من قدرنا، أنت تعرف أننا إما "مدفونون أو مسجونون أو مبعدون"

تُرى هل أفكر بصديقي ملهم، الأسير بنفس الطريقة. حينها فكرت بالفعل بحماقة الاعتراض على ما يرويه.

ـ ها أنت ترى يا صديقي، السندباد لا يموت.

قال لي وافتر ثغره عن ابتسامة عريضة:

ـ ها أنا أراك مثلما كنت تقول دائماً بحاراً على اليابسة.

بعد تلك الجملة التي خرجت من فمه بصوت فيه نغمة لاتينية جميلة، أضاف وهو يؤشر إلى ملابسي الكاريبية.

ـ أنت رجل كاريبي، لا تعوزك إلا أنثى الدلفين!

فسألته ماذا يعني، فأجاب:

ـ ألا تذكر القصة التي روتها لك صاحبة الحانة عن رجال الأمازون في مدينة ماكوندو؟

وعندما رآني صامتاً، أكمل:

ـ  عندما يرى هناك نفر من الرجال إناث الدلفين تلعب، يحملوهن إلى اليابسة، يلعبون معهن ثم ينامون معهن الليلة كلها.

ضحك وغمز في عينيه:

ــ أنت تعرف أنها تمنح القوة.

لم تتوقف يده من مداعبة أطراف قبعته البحرية، فيما لم تفارق الابتسامة شفتيه:

ـ وأنت أين دلفينك؟

فقلت له:

ـ رحلت مع بحار كوبي. هل تعرف أنه يشبهك؟

ضحك وسألني:

ـ لم تنسها طبعاً.

هززت رأسي بالنفي.

فقال:

ـ عجيب، في حديثك الكثير من الصحة، فنحن ندور وندور وفي النهاية نستقر عند واحدة، لا يهم من تكون وماذا تفعل بنا.

فقلت متأففاً:

ـ وما هو العلاج برأيك.

تطلع بي لوقت غير قصير، حتى شعرت بتوقف كل شئ :دقات قلبي، لغط رواد المقهى، حركة الدخان .

ـ فقط هو الموت الذي سيحررك منها.

فقلت له:

ـ ولكني لا أريد أن أموت.

فأجابني وهو يسحق السيجارة العاشرة، ربما، تحت قدميه:

ـ أعرف لذلك هربت من الحرب.

لبرهة سكت، ثم سألني فجأة:

ـ هل عندك دهن الدلافين؟

فتساءلت متعجباً:

ـ دهن ماذا؟

ـ كامبوس، أنك تنسى كثيراً في السنوات الأخيرة، ألم تقص علي أنت حكاية رحلتك إلى مدينة ماكوندو؟

وعندما لا حظ صمتي، أضاف بحماس:

ـ من غيرك كان يطوف على المواقع العسكرية عندما كنا مدفونين في جحورنا هناك، وكان يروي لنا القصة تلو الأخرى. كانت قصصك نعيماً وسط ذلك الجحيم.

في تلك اللحظة وكأن الإلهام هبط علي مرة واحدة، وجدتني أقول له:

ـ تقصد عندما وصلت ذلك المساء أطراف مدينة ماكوندو؟

فأجاب بحماس، وكأنه لم يصدق:

ـ نعم، نعم.

قبل أن أفتح فمي، أتيت على بقايا الكابوتشينو التي استقرت في قعر الكوب باردة كثيفة قليلاً:

ـ عند المساء وقبل أن تغيب الشمس بقليل، كنت أتجول عند أطراف ماكوندو، تحت عند النهر. طاولات المهربين الممتدة كانت مليئة بكل البضائع النادرة من كل الكرة الأرضية ـ  مسك أيل الهملايا، أبسطه من سمرقند، عطور الفيتشي من باريس، رويال لافانديل من لندن، زبد رائب من دبلن، جلد حيوان متوحش من مراكش، زجاجات التكيلا بالأفاعي الصغيرة من المكسيك، طيور الأمازون النادرة، فول زنوج السودان، دفوف خشابة البصرة، وزهرة سوق الشيوخ. وهناك عند أحد زوايا السوق  التقيت بامرأة تبيع الأعشاب التي تطيب الدمل الجلدية، وجذور الأشجار التي تنظف الجسد. خلف أهرامات الأوراق اصطفت سلسلة من زجاجات الجوني ووكر المملوءة بسائل حليبي أبيض. سألتها ما هذا، فأجابتني أنه دهن دموع إناث الدلفين. إذا أخذت بعض القطرات ودهنت جفن عيونك، وجهك، يديك فإن الإنسان الذي يحبك سوف لن ينفصل عنك!!

هذه المرة سألني آليخندرو، فيما إذا كنت قد اشتريت زجاجة من هذا السائل، بعد أن نسى أنه قال لي قبل قليل أنه يعرف القصة، ولكننا نعرف أننا كلما روينا القصص كلما تبدل مجراها؟!

ـ طبعاً. استعملته. كان زمناً جميلاً، لم تبق امرأة ولم أجذبها مثل المغناطيس، حتى وجدت تيريزا المرأة التي كنت أبحث عنها منذ زمن طويل لم أشأ أن أقضي معها وقتاً عابراً فقط. هكذا أردت البقاء معها إلى الأبد.

سكت للحظة، كنت أنتظره يسألني ولكني رأيته مخدراً بقصتي، فتابعت ببطء:

ـ لسوء الحظ بدأت هي أثناء غيابي بدهن نفسها، بالرغم من أنني أخفيت الدهن بعلبة من نسكافة فارغة. في اليوم الثاني، ظهر عند باب البيت رجل غريب. لم يمض وقت طويل حتى ظهر آخر وآخر، إلى أن قَدِمَ رجل ضرب على جرس البيت. ناداها باسمها، فنزلت مسرعة بحقيبتها دون أن تودعني. تبعتها فرأيتهما عند الميناء. كان بحاراً كوبياً!..

أشعل سيجارة جديدة، قدم لي واحدة فرفضت.

ـ وما هي مشاريعك الآن؟

فأجبته:

ـ أحاول استرجاعها والذهاب للعيش معها في الريف، لأنني تعبت من المدينة وثانياً لأنني أريد إنجاب الأطفال منها، وهناك أحسن لنا وللأطفال

ضحك وقال:

ـ لا داعي للانتقال إلى الريف من أجل الأطفال، فهم يولدون مثل نبات الفطر أينما كنت، حتى في المزابل. ثم كيف تستطيع إرجاعها؟

لم أجب. بل سكت هو أيضاً وكأننا كنا متفقين على نهاية القصة. فكما تعرفون كل قصة يجب أن تنتهي بشكل ما، أن تنتهي ربما بنفس الشكل الذي بدأت فيه، حلقة مفرغة تدور حول نفسها، لنجلس بعدها هناك، ولا نعرف من كان يروي القصة، نحن؟ أم صوت في داخلنا؟ أم هي القصة التي تروينا؟ تبادل أدوار لا يعرف فيه، من ينصب شرك القصة لمن؟ وللحقيقة فأننا، آاليخندرو وأنا نسينا أمرنا نحن الاثنين لبعض الوقت. نسيت أنا هكذا مرة واحدة أمر الجرائد، أمر الساعة ودخلت معه في الحديث وكأننا بالفعل نخترع القصة لأنفسنا ونعيشها بأنفسنا. فسألته أنا هذه المرة:

ـ ولكن ماذا عنك أليخندرو ألم تفكر بالهروب من الجيش أنت أيضاً.

انفتحت أساريره وكأنه ينتظر هذا السؤال مني.

ـ طبعاً. بسبب ذلك الكتاب الذي كنت أحدثك عنه دائماً.

نظر لي. لم يقنعه هز رأسي له وتصنعي فهم ما يعنيه، فأكمل.

ـ بودي تأليف كتاب عن الوجودية والعسكرية ولكن اللعنة على الجيش..لا أستطيع الهرب، عندي أربعة أطفال، مثل نبات الفطر.

لقد أحزنني بالفعل. ولم أعرف ما أقوله بعدها. سكتنا لبرهة وسرحت طويلاً. ارتسمت أمامي صورتي وأنا في ملابس البحرية. هل هو قدري الذي بعث لي بآليخندرو ليعيد لي ذلك الحنين لتلك الملابس؟ ليست كل السنين التي فاتت على حرب عشتها بكل لهيبها ولا الزمن الذي مرّ عليّ وأنا في هذه المدن الجديدة التي عشت فيها ولا كل النساء التي عرفتهنّ، بل حتى عودة تيريزا يبدو أنها لم تستطع تغيير ما هيأه لي قدري ما عدا ظهور هذا الرجل الأرجنتيني القادم من حروب فوق أراضٍ بعيدة؟!! أسئلة كثيرة انهالت فوق رأسي. كنت غائباً بالفعل، لولا صوته الذي أيقظني:

ـ وماذا تريد أن تفعل الآن؟

نظرت له بارتباك، كمن صحي من غفوة طويلة. تطلعت بالساعة الكبيرة المعلقة وسط صحن المحطة والتي كنت أراها من مكاني. رأيته يبتسم متطلعاً إليّ. فجأة وجدتني أسأله:

ـ آليخندرو، أنت تعرف محبتي لملابس البحرية.

هز رأسه مؤكداً:

ـ وأنتَ تحب الكاريبيين، وتريد الهروب من الجيش، مثلما أعرف.

لم يكن هناك شك بأنه يوافقني على ما أقول:

ـ ما هو رأيك أن نستبدل ملابسنا.

فسألني وقد استحوذت عليه الدهشة:

ـ الآن؟

فقلت له وأنا أنهض:

ـ الآن.

نهض هو الآخر. أراد أن يُخرج محفظة نقوده ليدفع، فقلت له ألا يفعل لأننا سنرجع.

كنت أعرف مكان التواليت. توجهت إلى هناك فتبعني. دخلنا توالتين متجاورين. سلمنا الملابس واحد للآخر من فوق الحاجز الكونكريتي الواطئ. عندما انتهينا قلت له:

ـ أخرج أنت قبلي، سألحق بك.

فقال:

ـ كامبوس فيك من العبقرية ما يُخرس.

سمعته وهو يصفق الباب خلفه ويصعد السلم المؤدي إلى المقهى.

غادرت التواليت بعده بدقيقتين. وعندما أصبحت فوق، تذكرت أنني تركت هويتي الشخصية والنقود في جيوب بدلتي. لم أتجه إليه حيث جلسنا، إنما سرت صوب الباب الخلفي المواجه لباب الحمام حريصاً على ألا يراني، وأنا أخرج من هناك. لم يستغرق الأمر غير ثوانٍ قليلة عندما أصبحت في صحن المحطة. عاينت ساعة المحطة الكبيرة، كانت السابعة بالضبط. ولكن لا حاجة لمعاينتها أصلاً، لأن صوت فرامل قطار تيريزا الذي انتهى إلى رصيفه المعد له وصل سمعي، بالرغم من أنني كنت أدرت له ظهري وأنا أتجه إلى باب المحطة الآن.

 

فلورنسا يونيو | حزيران يونيو 1996

  

 

 3

الحكواتي الأسود

قصة قصيرة: نجم والي

 

إذا صدقت حكاية جدتي، فأنه لا بد أن كان لأمها ـ جدتي الأولى " بستان الورد " ـ خمسون عاماً من العمر عندما انتهت إلى اتخاذ قرارها بالعيش مع أنيس الأسود تحت سقف واحد. ووفق الحكايات ـ حكايات الآخرين التي سمعتها عندما كبرت ـ كان لابد أن تكون بستان الورد جميلة بالإضافة إلى أنها ظلت شخصية غريبة ومبهمة لنساء حي الساعي ـ أستغني الحديث عن الرجال ـ، فأن صيتها قد ذاع حتى وصل المناطق المتاخمة لبيوتنا ـ أقصد إلى مناطق الصبخة ومحلة الباشا والسِّيف ونظران والبلوش ـ، بل حتى منطقة "المحكمة". لكن ناس هذه المنطقة الأخيرة ـ بالذات ـ هم أول من عرف الخبر، قبل أن يشيع ويصل إلى المناطق المجاورة، لأنهم الوحيدون الذين تكهنوا به منذ زمن طويل قبل حدوثه، بل ذهب الأمر عند بعضهم إلى أن يتساءلوا: ما الذي جعل الاثنين " العاشقين " يتأخران كل هذا الوقت حتى يقررا العيش معاً على " سنة الله ورسوله". على أية حال ـ يقيناً ـ ولخيبة ظني أهالي الحي لم يعيشا مع بعض على سنة الله ورسوله كما تمنى المرء لهما، لأن علاقة امرأة بيضاء ـ كانت جدتي الأولى سمراء ولكن لا يهم فالسمراء تعتبر من صنف البيض لكن الأسود أسود! ـ مع رجل أسود لا تُقبل بسهولة إن لم تُرفض تماماً، فكيف هو الحال مع امرأة كانت بمركز جدتي الأولى الاجتماعي؟

و معظم سكان الحي ـ إن لم يكونوا كلهم ـ كانوا يعرفون أن جدتي الأولى " بستان الورد " لم تقطع كل تلك المسافة من بيتها في العشار ـ قبل انتقالنا إلى المِشراج ـ حتى تصل شارع الكتّاب ـ العرضحالجية ـ من أجل كتابة عريضة ما. كلا. وكان الجميع يُعلنون عن شكهم بذلك ليس نكاية بها أو طعناً بشرف العائلة، إنما لأنهم كانوا على حق!

لكن في بداية الأمر لم يعرف أحد أن " بستان الورد " كانت تتحمل عناء كل ذلك الطريق لسبب آخر. لأنه إذا ما قلب المرء الأمر فلن ينتهي إلا إلى هزَ الرأس لعدم الفهم. فجدتي الأولى، زوجة ذلك الرجل ذي المقام العالي عند السلطات ـ كانت سلطات إنكليزية في حينها ـ والذي كانت بينه وبين منصب حاكم البصرة مسألة وقت فقط ـ قبل أن يخسر كل شئ ضمن ظروف غامضة ربما ساهم هو بالنتيجة تلك التي انتهت إليها بشكل فعال ـ، كان من الطبيعي أن تُثير مواظبتها في التردد على شارع الكتّاب تساؤلات البعض. صحيح أن الناس لم تجرؤ في أول الأمر على إعلان شكوكها وبصوت عالٍ، أولاً لخوفها من عواقب تقولاتها وثانياً من تفسيرها الأمر بالصورة التالية التي بدت لهم منطقية إلى حد ما: ربما كانت السيدة تأتي إلى شارع الكتّاب بالفعل من أجل الاستنجاد بأحد الكتّاب الجيدين الخبرة لكتابة عريضة التماس لها عند السلطات من أجل إطلاق سراح زوجها الذي شاعت حينها حوله الشبهات بأنه كان مشتركاً في أول محاولة انقلاب عسكرية في البلاد تحت قيادة أحد الجنرالات المغمورين والعصابيّن ـ كان عليه أن ينتظر سنيناً أخرى حتى يعم العصّاب البلاد كلها ويخرج متعصّبون يشبهونه به ليطلقوا اسمه على أحد ساحات بغداد القبيحة ـ . لكن سببين جعلا الناس تذهب في ظنونها إلى حد بعيد، أولاً: عندما استطاع الزوج لاحقاً وبطريقة ما إثبات أنه كان أحد المدسوسين ضمن مجموعة الضباط التي أحاطت بالجنرال الكردي الذي أراد أن يؤسس دولة عربية، من أجل الكشف والإبلاغ عنهم، وثانياً لأنها إذا كانت في الأيام الأولى تأتي من اجل أحد الكتّاب المهرة، فأنها غيّرته مع كتاّب آخر  ـ قبل إطلاق سراح زوجها بيومين ـ ، ويُقال إنها كانت تعرف بأمر إطلاق سراح زوجها عندما ذهبت إلى الكتّاب الجديد الذي ظهر فجأة أمام المحكمة، بل ذهب البعض في قولهم أن الرجل أصبح كتّاباً من أجلها فقط، ولم يروه يكتب العرائض لغيرها، بالرغم من ازدحام الناس على الكتّاب وشيوع صيته هو بالذات، بسبب لجوء جدتي الأولى  إليه، إذ كان يكفي أن يُقال " انظروا أنه أحسن الكتّاب، وإلا لماّ ذهبت إليه زوجة العقيد!".

ولكن لا يهم ما كان يجري آنذاك فلو تمعنت جيداً بالصور الموجودة الآن أمامي على الطاولة ـ التي حصلت عليها قبل مغادرتي البلاد بفترة قصيرة أولاً والتي أُخذت لها وهي شابة ـ، أعرف أن جدتي الأولى كانت بالفعل امرأة جميلة بصورة استثنائية، وأن كل الصور التي أملكها في ذهني عنها هي مجرد فانتازيا لا علاقة لها بما أراه الآن أمامي.

"الحقيقة هي الخيال الوحيد"، كما قال لي أنيس الأسود ذات مرة.

والآن عندما أستذكر هذه الجملة في منفاي البعيد، أعرف بالفعل سر ما قاله. فهو بالتالي الذي قررت بستان الورد العيش معه بدون زواج رسمي ـ يُمكن تخيل حجم الكارثة ليس قياساً لذلك الزمن، بل لزماننا الحالي ـ، تلك المرأة التي ربما حسدتها كل نساء الحي على زوجها ومنصبه العالي ـ قبل أن يختفي بعد إطلاق سراحه بظروف غامضة ـ؛ هي تلك المرأة بالذات التي ستصبح جاحدة ـ كما بدأوا بالتقول عليها ـ وتذهب للعيش مع رجل أسود"عبد" كما يُطلق الناس في البلاد على رجل مثل أنيس الأسود، الرجل الوحيد الذي سحّر جدتي الأولى، التي كان يدور حولها الوزراء وموظفون الدولة الكبار ـ بعد اختفاء زوجها الذي التحق بصورة سريّة بجيوش موسيليني بعد إطلاق سراحه ـ.

أتذكر ـ في تلك الأيام ـ، عندما كنت طفلاً ـ في عام 1967 ـ حيث كان لي من العمر خمس سنوات فقط، بُحت لها بخوفي ـ أمر غريب لا أعرف من أين جاءني ـ. الآن استذكر الجملة وأنا جالس في قرية كاريبيّة بعد زواجي من امرأة  سوداء ـ أليس غريباً أنني أحاول الالتفاف والزوغان ـ أصارحكم القول ـ ، بل والكذب حتى في صياغتي للجملة التي قبلها وقولي أنني " جالس في قرية كاريبيّة بعد زواجي من امرأة سوداء " من أجل التفاخر ـ ربما الزائف ـ أمامكم وإقناعكم بأنني لست عنصرياً وبأن لون الجلد لا يهم بالنسبة لي، ربما ستصدقونني! ـ؛ آخ كدت أنسى الجملة. أعتقد أنه بوقتٍ كان مساءً وكانت هي تُطرز جورباً من الصوف لرجلها الجديد، عندما توقفتُ عن اللعب وبحتُ لها بالجملة التي خطرت على بالي في تلك اللحظة:

"أخاف أن يأخذ في يوم زوجتي واحد أسود !"

تلك الأيام لم ألف وأدور عند صياغتي للجملة التي ربما قلتها متأثراً بعدما سمعت تعليقات الكثيرين من جيراننا على ما فعلته. لم تتوقف عن مواصلتها تطريز البلوزة بالرغم من دهشتها الغير خافية ـ التي لاحظتها في نبرة صوتها ـ من عفويتي المباشرة فقالت لي:

ـ" في النهاية كل النساء عبيد سود!".

لم أفهم جملتها ساعتئذ. ولكن ثقتي بها حملتني على تصديق كل ما تقوله. وعندما رأت تساؤلي واضحاً في عينيّ قالت وهي تقرصني من خدي:

ـ " أنت تحبني، أنت أسود أيضاً".

لا أبالغ في القول عندما أدعي، أن بقدر فرحي بجملتها، بقدر ما شعرت بالضيق لفترة طويلة لأنني فعلاً مثلما تقول: "رجل أسود"، وبقيت لفترة طويلة أكره كل ما هو أسود ـ بالرغم من تعلقي بأنيس الذي كان أسوداً ـ حتى سمعته وهو يخاطبني وقد أكملت للتو الثامنة عشرة من عمري، وكانت مواليدي قد طُلبت للتو للخدمة، قائلاً " أنه يوم الأبيض!". وكان يقصد يوم الاثنين من 22 أيلول 1980. لم تكن تلك المرة الأولى التي يقلب فيها الألوان، فقد سمعته أكثر من مرة يتحدث عن "اللون الأبيض الشرير". من أجل قول الحقيقة لم يكن هو الوحيد الذي اعتاد استخدام اللونين على عكس باقي البشر، إنما مع الوقت لاحظت أن جدتي الأولى هي الأخرى بدأت تفعل ذلك. لذلك قالت لي ذات يوم:

"أنا العبدة السودة وهو الأبيض مثل قلبي!".

لم تقل تلك الجملة مزاحاً، فلم يقلب أنيس الأسود الألوان فقط، إنما قلب عالمي أيضاً، مثلما قلب قبلها عالم بستان الورد. وإذا ما تساءلت في ذلك الوقت ـ مثل باقي الناس ـ عن سر علاقتها به، فأنني أعرف الآن لماذا كانت هي مستعدة للتضحية بمركزها الاجتماعي، بزواجها، بسمعتها من أجله:

"كان رجلاً يروي القصص! نعم، فبالإضافة إلى أنه رجل ذو خصال عديدة تعجب به أية امرأة، فهو رجل يروي القصص، ولا يهم لون جلده أو دينه".

هذا ما قالته لي بالحرف الواحد، لا يهم أنها كانت تبالغ أو أنها قالت ذلك تحت تأثير حبها القوي لأنيس، ولكن كان عليّ أن أصدقها، فبالتالي ـ وهذا ما تعلمته لاحقاً ـ أننا نذهب إلى المسرح ونسمع القصص بنفس الشغف الذي نسمع به أغاني الراديو، لأنها تُنسينا من نكون! وجدتي الأولى أرادت أن تنسى من تكون، مثلما أحاول أنا عن طريق روايتي هذه القصة أن أنسى من أكون. ( عندما سألت أمي عن صحة ذلك، أجابتني، " ربما، عندها الحق، ألا ترى كيف تستعجل النساء ولادة الأطفال أكثر من الرجال"، وعندما استفسرت عن علاقة ذلك بحكاية القصص؟، قالت "الطفل يُنسينا نحن الأمهات من نكون، فعندما يأتي للدنيا نمتلك به كل الدنيا).

ربما ليس هناك أكثر رعباً من أن نكون فعلاً كما نحن عليه في الواقع. هل عرف ذلك أنيس الأسود؟ لا أدري. لأنني لم أعرف القصة منه إلا على دفعات ـ يبدو أن جدتي الأولى وجدتي الأخيرة وأمي تعلموا منه ذلك ( لأن الرجال من عائلتي لم يرغبوا في الحديث عنه، وإذا ما تحدثوا عنه فإنهم لم ينسوا إلحاق صفة " العبد " به، متعمدين الانتقاص منه بتركيزهم على إلحاق كل جملة يقولونها بـ " هذا ما قاله" أو " هذا ما فعله " أو " هذا ما ادعاه " العبد الأسود) ـ.

لا يهم سأحاول هنا تجميع كل النُتف وإعادة صياغتها بشكل لائق، رغم أنني لست متأكداً من الجهة التي قَدِمَ منها الرجل، لأن الكل كان متفقاً ـ حتى جدتي  ـ أنه قدم من الهند إلى شارع الكتّاب، بجوار بناية المحكمة في بدايات عام 1939 ـ بشهر بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية ـ.

في ذلك الوقت جاء إلى البصرة للمرة الأولى سيرك من الهند. فتحوا خيامهم في المكان الذي يُطلق عليه اليوم شارع بشار. وكان شغل أنيس في السيرك هو رواية القصص. لكنه لم يكتف بذلك الدور فقط، ويبدو أنه كان شغوفاً بتجريب كل ما هو جديد لم يكتف بشغله في السيرك، إنما كان في النهار حيث لا شغل له ـ لأن السيرك كان يُفتح في المساء ـ يدفع عربة وضع فيها أرنباً وقطة وكلباً محتضنين بعضهم، بجانبهم صندوق موسيقى. يسير الرجل وراء تلك العربة كل يوم حتى بوابة المحكمة، وهناك حيث جلس الكتّاب يبدأ بتدوير عتلة صندوق الموسيقي فتصدح حينها ألحاناً تجعل حتى غِلاظ القلوب يتوقفون هناك، ليس بسبب الألحان فقط، إنما لمنظر الحيوانات الثلاثة التي كانت ترقص وتلعب مع الموسيقى، حتى تنتهي محتضنة بعضها فوق بطانية مطرزة بالورود وُضعت فوق سلة كبيرة من السعف، تناثرت فوقها حبيبات أزهار غريبة كانت تسقط من يد تمثال خشبي، يُجسد شخصية غريبة تبين بعدها أنه يُسمى " Hussey ، " أنه حُسينكم " كما قال لي أنيس بعد سنين، عندما سألته عن أمر التمثال.

وربما كانت إحدى تلك النهارات التي مرت بها جدتي الأولى مع زوجها الأول مروراً عابراً. بالتأكيد لم يخططا للتوقف هناك لولا ليس الموسيقى فقط التي أثارت فضولهما إنما الرجل الذي وقف يُدوِّر العتلة في عربة جمع فيها ثلاثة حيوانات جلست مع بعضها بصداقة: كلب وقطة وأرنب. لقد بدا منظره غريباً لما لبسه من زي يثير الكثير من الفضول، زي لم تره البصرة سابقاً: كان يلبس سروالاً وقميصاً من الحرير بألوان مختلفة وقلنسوة ملونة هي الأخرى، فيما ركّب فوق أنفه الكبير أنفاً أحمراً من البلاستيك كبيراً هو الآخر. في الحقيقة ـ تروي لي جدتي نقلاً عن أمها ـ لم يشأ الزوج التوقف، إنما هي " بستان الورد " التي أصرت على سماع موسيقى صندوق العربة العجيب. خمسة عشر دقيقة وقفت المرأة مسّمرة أمام هذا الرجل الغريب.

ـ هندي مضحك.

قال الزوج وسحبها من ذراعها، ولم ير النظرات التي تبادلتها زوجته مع الرجل الذي وقف وصندوقه هناك وكأن الاثنين اتفقا على رؤية بعضهما ثانيةً وقريباً. وللحظة رأت بستان الورد يده تطلب منها الاقتراب، وعندما اقتربت منه رأت الأرنب على ساعده يُمسده برقة ويطلب منها أن تفعل ذات الحركة، فتفعل. " لم تمسد وبر الحيوان الناعم حينها، إنما كانت تشعر بيدها تمس بمسة كهربائية. "، قالت لي جدتي وهي تحكي لي ما حدث ذلك النهار. قالت: " منذ ذلك اليوم سحر الرجل أمي". هكذا غادرت المكان، وقد استحوذ عليها شعور شفاف، بأنها ستلتقي بالرجل مرة أخرى، بل يجب أن تلتقي به!

لكنها لم تعرف أن زوجها قد فهم نظراتها التي تبادلتها مع نظرات الرجل، وأنه سيُحرض السلطات على إبعاد الرجل مع عربته من المكان، لأنه بـ "موسيقاه التي لا تليق ولا تتناسب وعادات المواطنين يستفز مشاعر الناس"، كما كتب في تقريره المُقدم إلى السلطات البريطانية. أمر مضحك لأنه بمكان ليس بعيد كانت بيوت دعارة البصرة القديمة ( بصرة داخل كما كنا نسميها ).

هكذا اختفى أنيس أو عازف الموسيقى لزمن طويل. فبالإضافة إلى إبعاد الشرطة العسكرية إياه عن المكان فقد قرر السيرك الذي كان يشتغل فيه الرحيل إلى مكان آخر. لم يذهب أنيس معهم هذه المرة، إنما تسلل من مجموعته ذات ليلة في الطريق بصمت ورجع إلى البصرة بدون عربة هذه المرة ليسكن في فندق عتيق في البصرة القديمة ـ ويا لها من مفاجأة حين اكتشف أنه كان بورديلاً ـ، يأتي إليه زوج بستان الورد بصورة دورية.

في اليوم التالي وقف هذه المرة دون قلنسوة ودون أنف المهرج ولكن بالملابس ذاتها التي ظهر بها في اليوم الذي رأته فيه بستان الورد. لم يرها تمر. ليس ليوم أو يومين، لأسبوع أو أسبوعين، لشهر أو شهرين، بل أكثر. وعندما لاحظ أحد الكتّاب تردده على المكان عرفه، وسأله عما يريده. لم يعرف أنيس الأسود اللف والدوران مثلي، فقال له مباشرة:

"تلك المرأة!"

وأشار باتجاه أنثى أنيقة جلست أمام طاولة أحد الكتّاب الذي واظبت على زيارته كل يوم.

"بستان الورد؟" سأل الكاتب مندهشاً.

فأشار له أنيس بنعم. حينها اقترح الرجل ـ الذي أظهر تعاطفاً مباشراً معه، لأنه ـ كما قال له ـ ، أُعجب بطريقته في رواية القصص في السيرك، مثلما أدهشه جمعه لثلاثة حيوانات متضادة مع بعضها. ـ أعطاه طاولة وكرسي قديمين واقترح عليه أن يصبح واحداً من الكتّاب. في ذلك اليوم قال أنيس الأسود للكتّاب الآخر بصراحة، بأنه يجيد القراءة والكتابة صحيح، لكنه لا يجيد كتابة عرائض الالتماس. وعندما سأله الكتّاب عما يجيده، أجاب بصوت واثق ولكن شبه يائس:

"كتابة رسائل الحب فقط!"

هكذا جلس أنيس هناك، الكتّاب الأول الذي لا يكتب عرائض الالتماس إنما رسائل الحب فقط.

لم تعرف جدتي الأولى في البداية أنه رجل السيرك نفسه، عازف الموسيقى الذي سحرها هو الرجل ذاته الأسود الجديد الذي صاح بها في ذلك اليوم ـ وبلغة عربية فصيحة جداً لم تعتد سماعها ـ عندما جاءت كعادتها إلى شارع الكتّاب : " ليس غيري من يكتب لك ما تريدين." ربما تكون قد تجاهلته، لو أنها لم تسمع في صوته لحناً ذكّرها بموسيقى افتقدتها منذ أيام. شعرت حينها بقلبها يخفق، وبرأسها يتجه ناحيته حتى وإن لم تكن شاءت ذلك. حينها لم تصدق أنها تراه من جديد جالساً بين الكتّاب. لم تقدها خطاها، إنما قادها إليه وعيها، وسألته قبل أن تجلس على الكرسي الموضوع أمام طاولته:

"هل تستطيع كتابة رسائل الحب؟".

فأجابها: " فقط الرسائل المكتوبة إلى ما وراء البحار!".

فقالت له: " إذن، اكتب لي من فضلك، لرجل جميل بشرته داكنة، يحكي القصص، رحل مع موسيقاه وحيواناته منذ زمن، وتركني مع ذكريات لمسة وبر الأرنب الرقيقة!"

فصلّح لها جملتها: " أرنبة، من فضلك!"

فقالت نصف مندهشة: " أرنبة؟ وما اسمها؟"

فأجابها بصوت لم يخل من لحن: " لا يهم اسمها القديم، لكنها منذ تلك اللمسة وأسمها بستان الورد".

ما لم يعرفه سكان حي المحكمة والأحياء المجاورة، أن جدتي الأولى ـ وقبل أن تغير رأيها وتطلب منه أن يكتب رسالة غرام لذلك الرجل الذي وصفته له ـ لم تذهب ذلك اليوم من أجل كتابة عريضة التماس كما هو المعتاد ـ بالفعل كانت تعرف أن زوجها سيُطلق سراحه بعد يومين ـ ، إنما ذهبت من أجل كتابة رسالة غرام لجدتي ( ابنتها ) التي كانت متيمة بمؤذن وشيخ المعسكر القريب والذي كانت تتواجد فيه الوحدات العسكرية الهندية المنضوية تحت قوات الجيش الإنكليزي. " كان من يقول الله وأكبر تذوب روحي"، قالت لي جدتي وهي تصفه. لم يخل الرجل هو أيضاً من ملامح رجل أسود لكنه كان " أسمراً قادماً من مصر، ومصر هي بلد عربي " ـ كانت تعلق جدتي ( وكأن السود ليسوا بعرب !) ـ.

إذا صدقت كل قصص عائلتي، فإن جدتي الأولى لم تلجأ إلى شارع الكتّاب إلا بعد يأسها من محاولاتها كلها. فكما جاء إلى علمها ـ بل تأكدت جدتي من الأمر نفسه ـ فأن الشيخ المصري كان مبهوراً أكثر بابنة الجنرال الإنكليزي الذي كان قائداً للجيش المرابض في البصرة آنذاك. كان هناك من قال لها أن هناك بين الكتّاب واحد متخصص برسائل الحب، يجعل القلوب تتغير. لكنها كانت قصة تخلو من الصحة، لأنه وحتى ذلك النهار لم يكن أي من الكتّاب قد تخصص برسائل الغرام فعلاً، ناهيك عن أنه لم يجرب أحد أنيس من قبل، ولكن يبدو أنه هو الذي أشاع ذلك بين أعضاء السيرك أولاً، ثم بين الكتّاب ثانياً، اقصد في تلك الأيام التي كان يقف فيها هناك، قبل أن يعرض عليه أحد الكتّاب العمل هناك.

هكذا جلست جدتي الأولى أمامه ذلك النهار. لكنها لم تحتج وقتاً طويلاً لتُثبت لنفسها أن الرجل له سحره الخاص حقاً. كان يسألها ـ لكن ليس بوجلْ! ـ بعد انتهائه من كتابة الرسالة، فيما إذا كان عندها بقية من الوقت لتسمع منه قصة أو قصتين. ربما وافقت في المرة الأولى أو في المرة الثانية ـ على مضض ـ، لكنها في المرات القادمة، كانت هي من بدأت تُصر على سماع القصص، فبزمن قليل سمعت جدتي الأولى " بستان الورد" القصص التالية:

قصة البنات الخمس" نِعمة، رحمة، شَفَقة، رأفة ورِفقة" اللواتي طلبت كل واحدةٍ منهن على التوالي من أبيهن البحث عن: زهرة النرجس الأصفر، زهرة زنبق البحر، زهرة قرنفل الألم، زهرة الأقحوان الحيران، وزهرة عين الطاووس....وقصة البرتغالي الحزين الذي لم ينتبه سكان البصرة القديمة إليه، والذي كان يغني بوجد البنت سوليداد، ابنة اليهودي العجوز " العم سواريز"، ومحنة الشاب ملهم وحبه للأرمنية ذات الأنف الأقجم سراب....وقصة صاحب المكتبة الصغيرة ادوارد وقيامه برحلات ألف ليلة وليلة مع الصبي الصغير من خلال قراءتهم كتب الرحلات، وعشق الرجل المسيحي لتيريزا الساكنة في بحار الكاريبي البعيدة...وقصة الجندي كامبوس الذي كان ينتظر تيريزا القادمة من الـ "لا هافانا" ورفيقه الأرجينتيني أليخيندرو واللذان يعشقان التمثيل والمسرح حتى أنها يلعبان لعبة مسرحية وسط محطة قطار لشبونة الرئيسية، وينتهيان إلى استبدلال ملابسهما أمام الناس مباشرة...وقصة البنت الغجرية التي تحب الرمان والفتاة ذات الضحكة الساحرة التي تأتي مع ضابط غليظ الوجه: فقط لرهانها معه، بأنه لن يستطيع فضّ بكارتها، ثم إهدائها كتاب " يوميات موت معلن " للصبي الذي كان هناك في البيت، يراقب المشهد، ويبيع بصيلات زهرات القرنفل (الصبي هذا هو أنا الذي رحل بعدها إلى الكاريبي)...وقصة ذلك الرجل الذي يرحل إلى ماكوندو ليزور تلك التي كانت تتحدث له دائماً عن ماكوندو والتي يجدها قد ماتت....وقصة صاحبة الحانة ماتيلدا، وعزمها على إغلاق الحانة ومساعدتها للجندي في الرحيل مع أول باخرة إلى الكاريبي...ثم تلك القصة الغريبة عن الصبي الذي يقود السكارى ويصاحبهم في سيرهم، ويقودهم إلى البيت كل ليلة فوق حمارة، والذي ينتهي ذات ليلة مع كلب وسكران معوق وحيد عند كورنيش العشار...وكأنهم لم يكونوا وحيدين هناك، إنما انتشر الملايين منهم في كل مكان...وأخيراً قصة الحكواتي الأسود ( الذي هو، أنيس الأسود )، القادم من الكاريبي، مع ثلاثة حيوانات أليفة: القطة والكلب والأرنب، حيث كان ينام أحدهم بعد الآخر بالتناوب على ذراعه، وبجوارهم وُضع تمثال خشبي لشخص بملامح كاريبية اسمه " Hussey "...

هكذا عرفت بستان الورد منه القصص الكثيرة، لا يهم لم يكن لتلك القصص علاقة مباشرة بها ـ لكن لا يهم ـ أو مثل تلك التي رواها بحماس أو التي لها علاقة بها شخصياً أو بابنتها ـ جدتي ـ التي تزوجت الموظف الشيخ المصري فعلاً ولكن لشهرين فقط ـ لحسن الحظ لم تنجب منه ـ ( جدتي تقول أنها لم تكن بالغة السن حينها ـ )، وحتى عندما أرادت جدتي الأولى " بستان الورد " أن تُطلِّق ابنتها ذهبت إلى أنيس الأسود، سألته:

"كيف نستطيع التأثير على الشيخ المصري؟"

أجابها: " برواية القصص!"

لم تفهم في الأول. ربما كانت تحتاج بعض الوقت حتى تعرف أن القصص التي يرويها جعلتها هي بالذات تترك المركز الاجتماعي الذي كانت فيه، وتتحمل مسؤولية كل ما يقولُه الناس عنها ـ لم يخل معظمه من الصحة ـ من أجل أنيس الأسود، لا شئ، فقط لأنه كان يروي القصص، والذي مع كل قصة كان يُثير الغموض عن نفسه ويجعلها تتعلق به أكثر. كان يفعل ذلك بوعي وبثقة ـ لم يجد غضاضة من كتابة رسالة الانفصال لها عن زوجها ( ابنته الوحيدة أنيسة أرتني إياها قبل مغادرتي البصرة بأسبوع) ـ وكأنه عارف أنه في النهاية لا تنتصر غير القصص. لم يقل تلك الجملة ذات يوم، ولكن أمي قالت لي في 28 أكتوبر ـ ليلة مغادرتي البلاد ـ  1980 جملة شبيهة:

"لم أفكر ذات يوم أنك ستصبح قصة بالنسبة لي وأنت حي!".

لا أحد يعرف بالضبط كيف ومن أين جاء أنيس الأسود. وإذا صدقت كل الحكايات فأنني أنتهي إلى الأمر الوحيد، أنه هو من أشاع كل تلك القصص عنه لكي يبدو غريباً ومبهماً لبلد يُفترض به أنه طبيعي. لكنها جدتي ـ الوحيدة التي أحاول الوثوق بها في بلد لم يعد الوثوق فيه بأحدٍ أمر سهل ـ هي الوحيدة من نجح بإقناعي في رواية الحكايات وحفظ التواريخ بالضبط، ولا ينفع شكي بذلك لأنني لا أملك الحجج الدامغة التي تدحض ما تدعيه. هكذا عن طريقها هي، وليس عن طريق أي شخص أخر ـ حتى ذكرياتي أنا التي وجدت أن الكثير منها فيه تضاد مما ترويه فتنازلت عنها ـ عرفت أن للرجل بالفعل قصة تختلف عن كل ما يقولُه الناس عنه وينسجوه.

قيل أنه هندي الأصل يتكلم العربية الفصحى لأنه تعلم في المدارس القرآنية وهو في بلاده. وقيل أنه لم يكن هندياً، إنما اندونيسيا هاجر إلى الهند من أجل العمل بالسيرك الهندي الذي كان ذائع الصيت في آسيا آنذاك. لقد قيلت القصص الكثيرة بشأنه ولكن تبقى أغربها تلك القصة التي اخترعها مثقفون المدينة والتي تقول بأنه من سلالة علي بن محمد قائد ثورة الزنج والذي فرت عائلته بعد هزيمتها إلى الهند وأنه عاد إلى البصرة للانتقام مما جرى لأهله، لذلك ووفق هذه القصة ليس من الغريب عليه أن يقيم علاقة حب مع زوجة عسكري مهم، بل يذهب البعض في خيالاته بالتكهن بأنه وراء اختفاء العقيد زوج بستان الورد.

ولكن لا يهم ما كانت ترويه القصص فما يبقى لي لكي أستطيع رواية القصة بشكل يقربها أكثر من المنطق ـ بالرغم من كره العراقيين للمنطق ـ هو أنني إذا صدقت قول جدتي ـ بمقارنة بعض ما تقوله من القصص التي سمعتها ـ صحيح أنه جاء بصحبة السيرك الهندي، إلا أنه في الأصل كان حفيداً لعائلة من سوق الشيوخ قديمة تتاجر بالبهارات، هربت من بطش الأتراك إلى الهند، وبالذات إلى الجزء الذي يُسمى اليوم " الباكستان "، ثم لتنتقل بعدها إلى جنوب أفريقيا، ثم لتهاجر مع أول قوافل شركة الفواكه المتحدة ـ شركة الموز بالذات ـ إلى جزيرة ترينيداد، ومنها إلى قرطاجة الهنديات حيث ستعيش العائلة مع عائلات من سوق الشيوخ أخرى في مستعمرة " ماكوندو ". ولأنهم غريبون عن الأميركيين الشماليين الذين أسسوا تلك المستعمرات الأولى، فقد وجد واحدهم أن من الأفضل العمل في حكاية السيرك، على الأقل كي لا يقوموا بأعمال الخدمة التي كان يقوم بها " عبيد أفريقيا"، كما قال لي أنيس الأسود بمرارة ذات ليلة. هكذا عمل جده وأبوه في السيرك الذي قدم إلى ماكوندو، قبل أن تزول، وأنه بعد وفاة جده ومقتل أمه في حشد الناس الذين اكتضت بهم محطة قطار ماكوندو بعد إضراب عمال الموز في عام 1928، هرّبه أبوه مع أول تجار مخدرات الكوكائين. لم تنس العائلة الحديث كل هذه السنين باللغة العربية، وأنه هو بالذات ـ الرجل الذي كان في التاسعة والثلاثين من عمره عندما تعرف على الجدة الأولى وكتب لها بطلب منها رسائل الغرام ـ هو من تفاهم مع بستان الورد وقبل ذلك مع الكتّاب المتكلمين باللغة العربية بطلاقة. ( ربما لم أصدق أنه كان بالفعل في التاسعة والثلاثين من عمره عندما تعرف على بستان الورد ولكن عندما ودعنا بعضنا في 22 أيلول 1980 قال لي الجملة التالية التي لم أنسها والتي تؤكد لي صحة الرواية التي روتها لي جدتي بما يخص حقيقة عدد سنين عمره:ـ " لم أعرف أنهم سيحتفلون ببلوغي الثمانين عند إعلان الحرب!" ).

حتى ذلك المساء الذي جاءت فيه جدتي الأولى لم يكن يعتقد أن قراره بالجلوس أمام طاولة الكتابة بين الكتّاب سيجلب له المرأة التي لم تفارق صورتها ذهنه يوماً، وأن جلوسه ـ بغض النظر عن ذلك ـ يُثمر ويجلب له زبائن أيضاً. لم يدرك أنه كان قد اختار أكثر اللحظات موءاتية: يوم إعلان الحرب. ففي ذلك اليوم بالذات كانت طاولته الوحيدة التي اكتظت بالزبائن والذين كانوا من صنفين من الناس، أولاً الرجال الذين اُستدعيت مواليدهم للتو، ذلك النفر الذي كان في غالبيته أُميّ، لا يعرف كتابة الرسائل حتى البسيطة منها ورسائل الغرام بصورة خاصة؛ وثانياً النساء اللواتي كن يعرفن أن الحرب قدمت من أجل حصاد من أحببنّ وجعلهم يختفون من الحياة، أو  على الأقل لم تسمح لهن الحرب بوداعهم بصورة إنسانية أو أنها أخذت منهن أولئك الرجال الذين كانوا على الأقل يتركون أثراً لحس بشري في المكان.

لم يكن أنيس الأسود الوحيد، الذي لم يحلم بأن الوظيفة التي اختارها جيداً ستُثمر، فكتّاب شارع الكتّاب لم يحلموا يوماً أنهم سيصبحون كتاباً، يستنسخون مشاعر العشاق إنما كانوا يكتفون بتدبيج كلمات من لُحق بهم الحيف. كان أغلبهم يعتقد أنهم هناك من أجل كتابة هذه العريضة أو تلك. حتى أنيس نفسه الذي كانوا يُلقبونه بـ " الأسود " ـ لأن الزملاء ذاتهم الذين جلسوا معه أمام المحكمة سخروا من قراره وعلقوا ضاحكين:

"أسود يكتب رسائل غرام!"

لم يعلق. فقد كان منتشياً في داخله لأنه أحب هذا العمل، مثلما أحب رواية القصص. وبغض النظر عن ذلك، ربما بدا أنيس الأسود بالنسبة للسكان مثل تلك الشخصيات التي تظهر وتختفي في السينما، لكنهم لم يدركوا أن للرجل بالفعل قصة، قصة قد تبدو غريبة مثل باقي القصص التي أرويها أنا.

تقول أمي أنها الوحيدة التي لاحظت أن أنيس لا يملك ملامح زنجية مائة بالمائة:ـ

ـ عنده شئ بشكله يشبه ملامحنا!"

جملة غريبة سمعتها منها في أكثر من مرة. بالرغم من أنها لم تُفصح عن ماهية تلك الـ " ملامحنا " تكهنت بأنها بالتأكيد كانت تقصد عينيه الزرقاوين. ولكن ذلك اللون ليس من " ملامحنا "!. قد أكون قد شغلت نفسي بالبحث عن الجواب زمناً طويلاً لو لم يقل لي هو ذلك:" هل تعرف سوق الشيوخ؟".

فأجبته بشكل متعمد بسؤال: "لا أعرف أين تقع؟!"

فقال: "لا يهم، هل تعرف أنه قديماً كانت تلتقي في أطراف السوق حيوانات وبشر من كل الأصناف!"

فسألته عما يعني بالأمر، فقال:

"ـ ماذا تعتقد أنهم يفعلون في ذلك اليوم؟ يسكرون ويتزاوجون؛ يطلقون على ذلك اليوم يوم القيامة!"

فاسأله فيما إذا كان ما يرويه هو قصة مثل باقي قصصه؟ فيجيب:

"كيف هي قصة، ألم يكن آدم رجلاً أسوداً وحواء امرأة شقراء؟"

كان عمري ثمانية عشر عاماً عندما أجبته بأن ما يقوله لا يهمني كثيراً، وبأننا كلنا في النهاية أولاد لربٍ هجين لا نعرف من هو والده أو من هي أمه. حينها كان يعلق بتعليق لم أفهم معناه إلا بعد سنوات طويلة:

ـ لماذا تهمك هذه القصص؟!

وقتذاك لم أكن أعرف بأني أنا الآخر سأُشغف برواية القصص، فقد كنت أكتفي بصمتي ولا أبحث عن جواب. لا أدري لماذا كنت أفعل ذلك. ربما لتيقني من وجوده أمامي، وأنه أصبح جزءاً من روتين أيامي، حتى حدث ما حدث في 22 أيلول 1980.

كان يوم الاثنين عندما سمعت خبر اندلاع الحرب في الساعة السادسة عصراً. لم أكترث. ولكن في الساعة السابعة عندما سمعت من المذياع نفسه خبر استدعاء مواليدي، فكرت ـ ربما كنت على خطأ ـ أنها لحظات حياتي الأخيرة، وأن عليّ كتابة رسالة وداع إلى حبيبتي، البنت ذات الشعر الأحمر القصير والأنف الأفنص ـ الأقجم ـ التي كانت ممثلة في إحدى فرق البلاد المسرحية. طبعاً لم أجد تلك اللحظة أحداً أكثر قرباً منه، من أنيس الأسود لكي يصيغ لي رسالة الوداع ويبيح لها بحبي الذي لم أعترف لها به كل ذلك الوقت، أولاً لأنني كنت شاباً خجولاً وثانياً لأن كل من حدثتهم عنها ( أهلي أو أصدقائي مثلاً ) كانوا ضد علاقتي بها ـ اقرب الأصدقاء قال لي بالنص:

ـ" أن ممثلة في فرقة مسرحية لا تعدو أن تكون أكثر من قحبة!

كان الجميع يعرف بحبي لها باستثنائها هي. لذلك لم أجد مناسبة أبوح فيها بحبي لها أحسن من يوم إعلان الحرب ويوم إعلان استدعاء مواليدي. لذلك ذهبت ذلك اليوم إلى أنيس الأسود.

كان يوماً غريباً لنا جميعاً. إذ غادر أنيس وجدتي الأولى البيت الذي سكنا فيه منذ ثمانية عشرة عاماً ـ منذ إعلان الفضيحة ـ. في ذلك اليوم رحلا: هو حاملاً للطاولة ذاتها التي بدأ بالكتابة عليها في المرة الأخيرة ـ قبل أن تحملها جدتي الأولى إلى بيتها ـ قبل واحد وأربعين عاماً، أما هي فقد حملت عدة الحبر والورق. وهناك عند شارع الكتّاب وجدتهما جالسين ـ وحدهما ـ جنب بعض، وعندما رآني أقترب، سمعتهما يقولان بوقت واحد:

"لا شئ غير رسائل الحب منذ اليوم!"

فأجبتهما، قبل أن اقتعد الرصيف إلى جنبهما:

"بالفعل لا شئ غير رسائل الحب منذ اليوم!".

ولكني اليوم وأنا اكتب أو وأنا أروي هذه القصة أقول: لماذا فاتهما، هما اللذان التاعا من قصص الحب، بأن لا شئ غير رسائل الحب ـ ليس اليوم فقط إنما أبداً ـ ولا يهم في أي مكان.

 

  4

 

تلك الإغنية وأحزان أخرى

قصة قصيرة: نجم والي

                                                                     

ـ "أعود إلى الجنوب..مثلما يعود الحب دائماً...على الطريق، طريق الجنوب تزهر بصيلات القرنفل.."

لا أتذكر الآن تلك الإغنية كاملة ولا من غناها، هل غنتها تلك البنت التي أتخيل الآن ملامحها جيداً. هي التي إصطحبت رجلاً له ملامح غليظة، منحته هيئة الضابط ـ كما هو بالفعل ـ، أم غناها الشاب الغجري الذي إستلم مني بصيلات القرنفل التي كانت تجمعها جدتي، لأبيعها أنا بدوري على العجوز الغجرية أمه، والتي كانت تزرعها بدورها بجوار الجملونات التي سكنوا فيها، ولتصبح بعدها ملكاً للإبن ـ الشاب المغني ـ، الذي تعتمر رأسه قبعة من القسطور الأسود ولأخته الصغيرة، ريم التي أنهكني جمالها تلك الأيام؛ كلا لا أدري، ربما أنا فقط من يعتقد بوجود تلك الإغنية، يتخيل كلماتها ويستذكر كل ماحدث من ذلك اليوم الربيعي الجميل، وهو يجلس في مقهى في قرطاجة الهنديات، ينتظر أن تغادر باخرته الميناء، وفي يوم خريفي بارد على غير عادته.

ولكني أتذكر أنني سمعت أيضاً صوتاً ناعماً يهمس في أذني:

ـ أنت مثل نورس تعبان.

هل كان هو صوت البنت؟ لا أدري. من الغريب أنني أتذكر هذه التفاصيل، حتى الصغيرة منها، لكن بصورة ضبابية، وأنا أجلس في هذا المقهى الكئيب، حيث تغرق المدينة بضياء الخريف الذي ينسل إلى داخل المقهى رغم ضجيج الأطفال الذين كانوا يلعبون في الساحة المواجهة للمقهى، الممتدة أمام كاتدرائية فخمة. وكنت أرى من مكان جلوسي، البحر الذي أرى جزءاً من شاطئه عند نهاية الزقاق رغم تعرجه الحلزوني. لم يكن هناك سواي في المقهى، عندما جلست، أمامي كأس من المارتيني، على القرب منه كتاب "يوميات موت معلن" لماركيز. حتى تلك اللحظة، لم أعرف سبب جلبي هذا الكتاب بالذات. لم أرغب في الحقيقة بإلقاء السؤال على نفسي، لأنني أعرف أن إثارة سؤال جديد، يعني تكاثر الأسئلة مثل كرات الثلج، سؤال يولد سؤالاً. لم أكن مهيئاً تلك اللحظة لهذه الكرة. فعموماً لم أفكر بشئ خارق، إنما رغبت بالفعل أن اسلم نفسي للساعات الهاربة مع تلك الريح التي كانت تكتسح أوراق الأشجار عند الساحة. يبدو أن عواصف الخريف مهما بدت سريعة وشديدة، فإنها لا تستطيع طرد ذكريات حتى لو كانت باقية فقط في أحد زوايا القلب المعتمة أو في مكان سري من الذاكرة. ففي لحظة ما يكفي أن نشعر بوخزة ما تشبه وخزة الإبرة، تُفجر بالون الذكريات المنفوخ، التي تخرج محدثة صفيراً خارقاً يفوق قوة الريح ويكسر كبرياءها.

هناك، عند الجانب الآخر من المقهى، وقبل أن ينتهي الزقاق المتعرج المواجه لي إلى شاطئ البحر، كان المساء ينسل بهدوء، كأنه يغافل صخب الأطفال وحركة الريح وحفيف الأوراق. وانا؟ كنت بعيداً، بعيداً، حد القرب من نفسي، غارقاً مثل غواص مطمئن ـ لمعرفته ـ، أن لديه من الهواء ما يكفي. لم أشأ التفكير بشئ. حتى الكتاب الذي قبع أمامي، لم أفكر في تصفحه تلك اللحظة. رفعت راسي لأنظر من خلال الزجاج إلى السماء. كانت الغيوم تنتشر تُطيِّرها أنفاس الريح، بيضاء مؤطرة بلون ملامح النهار الخريفي الأخيرة. أتابعها حتى أنتهي عند البحر الذي أراه محاطاً بزرقة السماء المتقطعة، ثم يغيب عني بعيداً، كأنه لا يريدني أن أنظر إليه، فجأة تحولت نظرتي هذه المرة مع طيران نورس، رأيته يحلق وحيداً، يقطع الشارع المتعرج، يدور حول الساحة، ثم يستقر فوق برج الكاتدرائية. لا أدري لماذا تساءلت مع نفسي: هل يشعر النورس بالوحدة، وأنه مبعد عن العالم، على الأخص، أسفل البرج الذي حط عليه، حيث صخب الناس؟ أعرف أنه لم ينظر إلى تحت، ولكن ألا يشعر بذات الوحدة عندما يرى الغيوم مستباحة تنتشر على هوى رياح الخريف؟

من مكاني لم أستطع تمييز الوجوه، فما كنت أرى غير تقاطيع وجوه تعبة، وملامح تتشابه، في تلك اللحظة رأيت شاباً غجرياً بقبعة من القسطور الأسود، على يساره سارت صبية مليحة، وعلى يمينه هرولت إمرأة سمينة، كما لو أنها بدت أمه. توقف الثلاثة في الساحة لبرهة، ليتجهوا بعدها إلى داخل المقهى. لو كنت شربت الكثير لإعتقدت أنها هلوسة من هلوساتي، إذ بعد ظهورهم مباشرة وبالتوازي مع توجههم إلى المقهى لمحت بنتاً تحمل ملامح تلك البنت التي أعتقد أنها هي التي همست لي " أنت نورس تعبان!"، تدخل المقهى بصحبة رجل غليظ الملامح منحته هيئة الضابط.

قبل دخولهم، لم نكن الذكريات والماضي سبباً لجلوسي في هذا المقهى أو ما يشدني إليه، سوى أنه كان مقهى صغيراً منعزلاً، فهو مثل جزيرة صغيرة نائية وسط بحر من الناس، وكنت أجلس أمام منضدة صغيرة، أراقب من خلف الزجاج أمامي المارة القليلين وهم يحاذون واجهته، والأطفال الذين كانوا يتدفقون مع أمهاتهم نحو الساحة التي ضجت بصخبهم.

ـ أنت نورس تعبان!

كنت أفكر وأنا ألمح النورس فوق برج الكاتدرائية، هاهو الآخر طير تعب، مثلها ( ليتني كنت أكبر سناً آنذاك، لقلت لها أنها هي الأخرى بَجعة لم يرهقها الطيران، أرهقتها بنادق الصيادين)، يبدو أنه لم يرحل مع النوارس الأخرى. هل تخلف عنها لوحده، أم أنه ينتظر بَجعة ستأتي حتماً؟ فعلى حد علمي أنه مع إقتراب الخريف تغادر النوارس المدينة وترحل مع البَجعات إلى سواحل البحار الجنوبية، تلك المناطق التي نشأت فيها، وأحمل حتى الآن بعضاً من دفء سواحلها، وأغنية من أجمل أغانيها، وجملة من أحلى ما سمعته أذناي أعتقد، بل أتمنى أن تكون هي التي همست بها في إذنيَّ ذلك المساء:

ـ أنت نورس تعبان!

تذكرت تلك الجملة في ذلك اليوم الربيعي البعيد. فشعرت بخيبة ووحدة لا يفهمها غير ذلك النورس المرتاح عند برج الكاتدرائية، هناك، فأصفن مع نفسي..كم سنة مرت على ذلك اليوم الذي بدا لي وأنا جالس في المقهى بعيداً، بعيداً إلى حد قريب...

هناك بعض الذكريات لا يُمكن الإنتهاء منها ابدأً، فحتى لو غابت عنا لسنين طويلة، لا يهم طول السنين، فإنها تظهر فجأة، ومن دون أن نعلم، تحل علينا مثل ضيف طارئ، ولكن جميل.

هي الأخرى، البنت التي أريد حكاية قصتها الآن،، حلت بصورة مفاجأة ذلك النهار. لم يدر اي من أصحاب البيت أن ضيفتهم ستكون شابة سمراء في منتصف العشرينات من عمرها، بأنف عريض يمنح وجهها الأسمر الدائري جمالية أكثر، ويشكل مع الشفتين، اللتين حافظتا على إبتسامتهما طوال ذلك النهار بالرغم من كل ما جرى لها، وشعرها الأسود المحمر بعض الشئ صورة ممثلة رأيتها في التلفزيون وأحببتها من أول نظرة، لا لأنها جميلة فقط، إنما لأنها تنتمي إلى تلك النساء اللاتي يكفي حضورهن أمامك وهن صامتات، ليمنحك الإنطباع أن تكف عن الشك بقدرتهن على لي عنق الحكاية، أية حكاية ممكنة الحدوث. هكذا كانت البنت ذلك النهار، وحتى المساء حيث غادرت بيت الغجر، لتترك ليس إضطرابي فقط، إنما رائحة ستبقى عالقة في خياشمي حتى ذلك المساء، الذي جلست فيه في المقهى الكئيبة في قرطاجة الهنديات أو كارتيخينا دي لاس إندياس.      

كان النهار لطيفاً ذلك اليوم، ولم يكن الصيف قد حل بعد. ربما كان ذلك النهار الوحيد الذي لم يعرف الملل، كما هو حال نهارات الصيف الزاحفة، بل لا يهم زحف حرارة ذلك الفصل المقيت، الحار جداً، الذي لم ينقذنا منه غير النوم فوق السطوح. ولكني، وبالذات في ذلك الفصل، لم أعد أملك سطحاً أنام عليه، فلقد أُجبرت على مغادرة دارنا، كان علي مراقبة السماء من ساحة الدار العريضة التي تركتها لنا أم جدتي ماتنراد قبل أن تموت.

كنت في صباح كل يوم جمعة أتوجه إلى بيوت الغجر في المِشراج، على أطراف بيوت الساعي، حيث سكنت مع جدتي التي هربتني معها. كنت في الرابعة عشرة من عمري، وكان قد أُلقي القبض على أبي لعدم ذهابه إلى جبهة الحرب، وعلى أمي لإيوائها جنديين هاربين في إستوديو التصوير الذي كانت تملكه ( ما زلت أذكر إسمي الجنديين الغريبين كغرابة أسمائهما: نوري أبو رغيف وفلاح الصوفي اللذان سيهربان بعد سنين إلى جيوش من سيسمونهم الحلفاء)، في نفس الوقت تم تسفير أخواتي الثلاثة مع أزواجهن إلى إيران، أما أخي الكبير ملهم فقد إنتهى إلى الأسر (مايزال أسيراً في إيران). ذات فجر أمرتني جدتي بجمع ملابسي والرحيل معها، فهذه المرة قررت الدولة إعتقالي تنكيلاً بأهلي. ولكن لقول الحقيقة لولا جدتي، لبقيت، ولما همني إعتقالهم لي، فبالتالي سمعت بإعتقال السلطة لأطفال كثيرين. لكنها جدتي التي قالت، إن لم يكن بسبب الرحمة على أهلي، فعلى الأقل بسببها، فهي لم تعرف من في مقدوره إعالتها غيري في النهاية. هكذا، هربتني بسرعة إلى المِشراج، إلى بيت أمها الذي ظل لسنتين فارغاً ( في آخر أيامها سكنت الأم مع رجل أسود، تلك قصة سأرويها في مناسبة أخرى ). لا أدري، إذا ما كان إعتقال والدي، أم هي الحرب بصورة عامة، من سمح لجدتي بالقيام بما قامت به أمها وهو بيع بصيلات القرنفل على الغجر المجاورين، لتصبح زهوراً لعازفي الربابات والأكورديونات الذين لبسوا قبعات القسطور الأسود، أو لتلك العجائز اللواتي جلسن عند تقاطعات دروب الحي المزدحمة بغبار أحذية الزبائن، مفترشات تلك الزهور التي يعرف الله وحده فقط كيف أنهن يقرأن قدر الناس من خلال أوراقها، حيث يعزف أصحاب الربابات بصحبة أنغام الأكورديونات بمكان ليس بعيد عنهن كاشفين عن أسنانهم الصفراء، وجذر وردة القرنفل يتحرك مثل ورقة تبغ بين اسنانهم. أنها ذات البصيلات التي تصبح وردات القرنفل تلك التي تضعها البنات الغجريات عند أطراف شعرهن الأسود الطويل، وهن يقفن عند مداخل شوارع المِشراج، يسألن الزبائن فيما إذا كانوا يريدون "دق ورقص" أو "نيك".

كان الطقس جميلاً ذلك النهار، لم يكن الصيف قد بدأ بعد، عندما وصلت بيت الغجر لأعطيهم بصيلات القرنفل. كالعادة لم أغادر البيت مباشرة، فعلى الغالب، في ذلك اليوم كنت أنتظر خروج ريم من فراشها، البنت الغجرية ذات العينين الزرقاوين الكبيرتين والشعر الأسود المجعد عند أطرافه والشفتين الغليظتين، البنت التي لم تلخبط بنت أخرى غيرها عقلي، حتى ذلك اليوم، الذي كان على ما أعتقد آخر أيام الربيع.

عادة كنت أجلس بعد تسليمي البصيلات عند غرفة الضيوف، لكن الأم طلبت مني هذه المرة البقاء في المطبخ. وجدت الأمر طبيعياً في البداية، ورحت ذلك النهار أراقب من مكاني الناس وهم يتحركون وسط الشارع. في السماء، أمامي إمتدت زرقة حزينة، وغيوم صغيرة كُحليّة تشبه تلك الغيوم التي وصفتها جدتي بنفانيف شهرزاد ( للمرة الأولى بدات في الإعتقاد أن شهرزاد لم تلبس غير نفانيف بيضاء، أثناء روايتها الحكاية ). لم اشعر بغبطة ذلك النهار، لا اعرف بالضبط لماذا. كان ضوء النهار، في الخارج، يغمر الشارع، وأنا منذ وقت طويل، بعد تسليمي البصيلات، اجلس عند كرسي في المطبخ، قريباً من النافذة، والأم مستمرة في تقطيع البصل والبطاطا والبقدونس والطماطم، وريم مازالت نائمة، بإمكاني شم رائحة جسدها النعسان عند الغرفة المجاورة، غرفة الضيوف. لبرهة إقتربت الرائحة حتى رأيتها تقف عند باب غرفة نوم أهلها وليس عند باب غرفة الضيوف كما ظننت، بثوب البازة المخطط بخطوط حمراء طغت على باقي الخطوط، وجهها شاحب، وغطت خصلات شعرها جانب وجهها الأيسر.

ـ يمة حلمت بالرمان!

قالت ريم بصوت نعسان. رايت الأم تسارع إليها، تحضنها، تقبلها عند وجنتها. ثم ترسم بيدها شكل دائرة حول رأسها، وتقول:

ـ  إسم الله عليك!

توقف عملها، وتترك البصل والطماطة والبطاطة والبقدونس في طشت كبير. تلبس ثوب يوم الجمعة وخفين من القش، وقبل أن تخرج، تقول لإبنتها عند عتبة الباب:

ـ إنتظريني سأجلب لك الرمان!

من أين ستأتي بالرمان، في آخر أيام الربيع ذاك؟ حينها لم أسأل نفسي ذلك السؤال، أنا إبن الرابعة عشر من العمر، مثلما لم تسأل هي الأخرى، ريم، إبنة الرابعة عشرة من عمرها، فهي حلمت وألقت حلمها علينا مثل تحية لاغير. (ولكن تلك قصة أخرى أيضاً سأرويها في مناسبة أخرى، أقصد قصة البنت الغجرية والرمان).

الآن تذكرت، وأنا أجلس في هذا المقهى، أن خدراً بسيطاً هجم على رجلي ذلك النهار، ودوار بسيط عصف برأسي، مثله، مثل الذي يستحوذ علي الآن، وأنا أجلس في مقهى منعزل، عند شارع متعرج، يؤدي إلى البحر، في مدينة كاريبية، وأمامي النورس الذي إستقر فوق برج الكاتدرائية العتيقة. ولكن على عكس هذه اللحظة الخدرة التي أجلس فيها الآن، رأيت ريم ساعتها، وبعد أن خرجت أمها لتجلب لها الرمان تدور بلامبالاة في المطبخ مثل بَجعة مرهقة، مثل ذلك النورس الذي دار حول الساحة، ثم تجلس قبالتي. واجهتني نظراتها التي لم أعرف كنهها، فإبتعدت عيناي لتنظر من خلف زجاج المطبخ (مثلما أنظر من خلف زجاج المقهى الآن). لاحظت أشجار الشارع حينها. كانت خالية من الطيور. لم تكن هناك لا نوارس ولا بَجعات كما هي العادة في فصل الربيع. وبهدوء شعرت بأصابعها تداعب يدي التي إستقرت فوق طاولة المطبخ، بجانب البصل والبطاطا والطماطة والبقدونس المقطعة...كنا في الرابعة عشر من عمرنا، وربما كانت ريم أكبر أو أصغر مني بسنة، لا يهم؛ صمتنا، يقيناً لوقت طويل، قبل أن تحل هي عقدة الصمت وتنهض لتفتح حنفية المطبخ وتشرب من الصنبور مباشرة وتقول:

ـ أنهم في غرفة الضيوف.

لم أعرف في البداية ماذا قصدت بتلك الجملة، بل لم ابد أي فضول، إنما رحت أراقب حركاتها.لم تتوقف عن شرب الماء، وكأنها لم تشرب منذ قرون، حتى أنني صرت أسمع جريان الماء كل مرة أكثر قوة..ربما كان ذلك في ساعة متأخرة من النهار..أنها تلك الساعات التي تقترب من آذان المساء، حيث تكف الرغبة عندي في الرجوع إلى البيت الذي يأويني مع جدتي.

لا أعرف متى إنقطع صوت الماء، ولكني أتذكر انني تخيلت ساعتها ريم بين ذراعي عارية من كل شئ، مؤخرتها في حضني. أليس ذلك هو الحب بعينه؟ وإلا كيف لي تصور إفراغ ما تكدس وبدأ يضغط أكثر من البول على مثانتي تلك اللحظة؟ ماذا يعني إذن الحب؟ لا أدري، بل لم أفكر بهذا الأمر في تلك اللحظة، كان اي تساؤل عن الحب، مثل تلك الجملة الإعتراضية التي نضعها بين فاصلتين أو بين قوسين. بالرغم من صغر سني، لم اشأ أن اخدع نفسي، فقد ظلت حدود الرومانتيك تتحرك بين حنيني للقيام برحلات مع ريم وزيارة بلدان لم أفكر لا بصورتها ولا بانني بالفعل سأراها يوماً، وبين رؤيتها في حضني دون لباس داخلي، عارية تتحرك وظهرها لي، فلأنني كنت أحبها لم يُمكنني تخيل أن أفض بكارتها أنا، ناهيك عن أنني لم أعرف بأمر البكارة تلك الأيام، فالحلم معها في أوضاع أخرى كان أمراً طبيعياً لا أكثر ولا أقل. ربما كنت إستمريت بحلمي ذاك لولا نهوضها هي من مكانها في المطبخ، وأزاحتها ستائر النافذة تماماً، ليملأ المكان ضوء الربيع وضوضاء الزقاق، ولألمح من مكاني هذه المرة وبوضوح أكثر شجرة الآكاسيا التي توسطت الساحة، حيث حطت قبل اسابيع بَجعة بنت لها عشاً، وكأنها قررت أن تحفر مصيرها هناك، بعد قطعها آلاف الكيلوميترات؛ لكن الطيور تنسى، أنها تحفر أرضها التي تريد الإقامة بها، في الهواء دائماً، وليس في المِشراج، حيث لا هم للجدات غير جمع بصيلات القرنفل، وحيث لا يسير الشبان دون بدلات الجنود الكاكية، وإن كانوا في إجازاتهم.

ربما كان أحد ايام الربيع الأخيرة، عندما جلسنا أنا وريم هناك، بعد أن خرجت الأم للبحث عن الرمان. كان الربيع يغادر نسغ الأشجار، ينسل من الأغصان والبراعم. كنت أحدق بريم بِوَلَه، ربما إستمر ذلك قروناً، لو لم تكن هي التي نهضت وطلبت مني مرافقتها حتى غرفة الضيوف. الآن أتذكر ذلك تماماً:

ها أنذا أنهض من مكاني في المطبخ، رغم وهن بسيط إستحوذ علي مع خدر طفيف في الرجلين ودوار بسيط، نهضت إذ إستحوذت عليّ يناها (عينا ريم) بقوة أكبر أنستني خدر رجلي. آنذاك كانت لعيني ريم وضحكتها سلطة ما عليَّ قبل أن أعرف عيني تلك البنت التي جننتني ضحكتها أيضاً ـ لم أر عيني أي بنت بعدها، تشع جمالاً وحلاوة مثلها عندما تضحك ـ والتي أعتقد أنها هي التي من التي قالت لي تلك الجملة التي لم أنسَها بالرغم من كل ما مر بي من إضطراب:

"ـ أنت مثل نورس تعبان".

لم تصمت ريم طويلاً. ثم أدارت ظهرها. نهضت. دارت في البيت بسرعة وهي تزيح كل الستائر. لبرهة وقفت قبالتي. لم يستمر ذلك طويلاً. مدت ذراعها بإتجاهي، وإقترحت بصوت حنون وكأنها تتكلم وهي نائمة:

ـ لنر ماذا يفعلون؟

وعندما لاحظت عدم فهمي لما كانت تعنيه، ضحكت وكأنها متجاهلة وجودي..إنعكس وجهها على زجاج المطبخ المزاحة عنه الستائر الآن والذي بدأت تخترقه شمس المساء. كان وجهي ينعكس أيضاً على الزجاج، ولكن لقول الحقيقة، بالرغم من صغر سننا، إلا أن وجهينا كانا مثل سفن خربانة أو قوارب تساقط دهانها، صور لم أجد لها مثيلاً، إلا بعد رؤيتي الأولى والأخيرة لمقبرة السفن في الفاو، بلحظات قبل مغادرتي البلاد على متن سفينة بنمينية. بالرغم من ذلك وافقت على إقتراح ريم في التحرك بإتجاه غرفة الضيوف.

كانت الغرفة موصدة. وقفنا، أنا وهي عند بابها. وفي داخل الغرفة، ـ كما عرفت تباعاً ـ كان آخرون: البنت التي أعتقد أنها هي التي قالت "أنت تشبه نورس تعبان"، والتي ذكرتني بممثلة مسرحية وتلفزيونية أحببتها منذ أول نظرة، والرجل ذو الملامح الغليظة الذي ـ إتضح لنا لاحقاً ـ انه ضابط يحمل مسدساً، بالرغم مما همس به من حب لتلك البنت.

كان أكثر النهارات إحراجاً في حياتي، رغم معرفتي تباعاً أن ريم لم تعش ماعشته ذلك النهار للمرة الأولى:

ـ تخيلتك دائماً في مثل هذه الأوضاع!

صحيح أنها قالت لي ذات الجملة في مناسبات متفرقة، ولكن في ذلك النهار كفت عن ترديد تلك الجمل وراحت تتحدث عن البنت والرجل ذي الملامح الغليظة، كما لو أنهما فُرضا على عائلتها فرضاً.

كنا نتطلع إلى بعضنا ونلقي أحياناً نظرة خاطفة عليهما، عندما وقفنا عند عتبة باب الضيوف، وقبل أن تطلب مني ريم لا الصمت فقط، إنما ضغطت بيدها اليسرى بعنف على راسي، وجعلته يتجه إلى الشق الذي أحدثته ستائر الشباك والذي إنفتح على المطبخ، لأرى ما يجري هناك.

ـ هذه المرة الثالثة التي يؤجر الغرفة ويجلبها إلى هنا.

قالت لي ريم، ثم أكملت:

ـ وهي المرة الثالثة التي يحاولان فيها فعل الشئ نفسه.

كانت هناك قطة في الغرفة، تمددت فوق الفراش، رنت إليهما وهي نعسى. في الحقيقة صوبت نظراتها وهي تلعق وبرها الطويل، بإتجاه البنت أكثر. ثمة ضوء ينسل إلى الغرفة، لا أعرف من أين، ربما من السقف، يهبط، قبل أن يتفلش ويتناثر فوق البنت، فيغمر ليس وجهها فقط، إنما يضيف ألقاً مدهشاً على عينيها البنيتين، يجعلهما مثل نهري عسل. يالله، كم أحببت تلك العينين ( تباعاً عرفت أن البنت التي دخلت المقهى بعثت عيناها ذات الألق ). بالرغم من ذلك، ظلت عيناها غريبتين بالنسبة لي، حتى عندما خرجت وتحدثت معي بعدها في المطبخ. فثمة هاجس ما أزال أُصر عليه أن البنت كانت غارقة في التفكير، حتى وهي مستلقية فوق السرير، مفتوحة الساقين، ولم تكن تتطلع لا به، ذي الملامح الغليظة، لا بالقطة، لا بالسقف ولا بإشياء الغرفة الأخرى. نظرات غريبة، لم أستطع تفسيرها. الآن بإمكاني القول، أنها كانت تتطلع في داخلها المعكوس بالضوء الذي يهبط من سقف الغرفة، غائبة بعيداً عن الرجل ذي الملامح الغليظة، عن الغرفة، عن الغجر، عن المِشراج، عن المدينة، عن البلاد، عن صوتها الداخلي الذي يقيناً ود الصراخ حينها.

بعدها، عندما قلت للبنت ونحن نجلس في المطبخ، بعد أن ذهب الجميع، بأني رأيتها في الغرفة. داعبت شعري، بأصابعها السمراء النحيلة، غرزت أظافرها الحمراء الطويلة. سحبت رأسي نحو صدرها برفق، وغمغمت وهي تطبع قبلات خجولة فوق شعري:

ـ ستكبر، وتعرف أننا لسنا غير أجساد مرتحلة في العالم. الحب وحده ما يجعلنا نحط. وبالأحرى نحن نسقط في فخ لا يختلف عن بئر عميق.

وضعت يدها فوق رأسي، وأكملت:

ـ عليك أن ترى فلم الفخ عندما تكبر.

كانت راحة يدها مبللة بالعرق، فتذكرت كل ما مر بي من حمى. وثمة هاجس إستحوذ علي بأن الحمى لن تغادرني، منذ أن لمست أصابعها النحيلة شعري.

في تلك اللحظة نسيت ما رأيناه في الغرفة، أنا وريم. لم نرهما فقط، إنما سمعنا ما دار بين الإثنين.

ـ الا يُثيرك الوضع؟

سألتني ريم حينه. إمتعضت في الحقيقة، وكان بودي الهروب، لولا ذراعها التي طوقتني، وجعلتني ألتصق بها. كنا نمد رأسينا معاً. ودون ان نتكلم، كنا بين اللحظة والأخرى، نتحاور بعيوننا. كانت البنت تتمدد على السرير، قفز ضوء الغرفة المتسرب من خلف الستائر فوقها، وإندلق أكثر فوق نهديها البارزين. كانت تتمدد عارية. لم ينزع الرجل ذو الملامح الغليظ ملابسه تماماً. ظل بسرواله الداخلي. وقف مثل تمثال، لولا إرتعاشه، لظهر بلا حياة. بالرغم من إنحسار الضوء عند فخذيها اللذين كانا يتمايلان ذات اليمين وذات اليسار، إلا أنني لا حظت كبر فخذيها الأملسين بالمقارنة مع نهديها الصغيرين الذين إستقرا مثل قُبَرَتَين يتلاعب بهما الضوء فوق صدرها. شعرت برغبة قوية لملامستها، بدل ذلك رحت أضغط على ريم، في الوقت الذي أشارت فيه البنت للرجل ذي الملامح الغليظة أن يتقدم. قالت له بصوت حازم:

ـ إذاليوم هي فرصتك الأخيرة للتأكد من عدم بكارتي.

ألقت تلك الجملة، مثل صرخة. فتحت له فخذيها مثل قوس قزح ـ بشكل خاطف وقوي ـ .

ـ إنظر كيف عرق الجبان، مثل كل مرة!

غمغمت ريم، ولم أفهم تعليقها. فأنا من طرفي كنت فرحاً لأنه لم يهجم عليها. وكلما فكرت بأنه ينتهي معها حيث جثمت فوق السرير، تكف الرغبة عندي، فأنفصل أكثر عن مؤخرة ريم. كانت رغباتي تشتد كلما ركزت نظرتي هناك، ليس عند إنفتاح الفخذين، إنما مع إنغلاقهما أكثر. إن رؤيتي لجسد تلك البنت العاري في ذلك اليوم الربيعي الجميل، لخبطني وخربني لسنين طويلة قادمة. لا أبالغ، لانني لم أر بنتاً مثلها، بالرغم من تطوافي على موانئ العالم. هذا هو التفسير الوحيد للحدس الذي سيطر علي تلك اللحظات، كنت أشعر، انني أعرف عينيها جيداً، وأنها كانت ترنو إلي أنا، لكي أستلقي بقربها، وليس لذلك الرجل ذي الملامح الغليظة، الذي نجح مرة واحدة في الإقتراب منها، ليعانقها بصورة عنيفة. حتى القطة راحت تموء، لتغادر مكانها الذي ركنت إليه لفترة طويلة. رأيت البنت تحاول إنتزاع إبتسامة بالقوة، أو القيام بأية حركة تعبر عن نشوة ما، عبثاً، دونما نجاح. فأدارت رأسها عنه، وتركته يشتغل لوحده، حول عنقها، عند حلمة صدرها، بطنها، صرتها. رأيت يدها تدفعه إلى تحت، لكنه يرفع راسه فجأة إلى فوق. يخيب ظنها وتهدأ مثل موجة، كانت للتو هائجة. كم وددت كسر الزجاج، والدخول لسحب ذلك الرجل ذي الملامح الشريرة من هناك. تابعت التطلع من الشق. رأيت البنت تمد يدها إلى سرواله الداخلي، تريد إخراج حيوانه من جحره. لاشئ يتحرك. تحاول التخلص منه، فيشد عليها أكثر، ويأخذ باللهاث مثل حصان، يصعد مرتفعات جسدها. عبثاً، تغلق فخذيها. أخذها من كتفها بكلتا يديه. شدها إلى صدره بحرارة وبحماس، دافناً راسه العرقان بين نهديها المبللين هما الآخرين بالعرق. كانا مستسلمين لإلتماع العرق. أما هو فقد استسلم إلى إرتعاشات وشهقات لم أفهمها ذلك اليوم.

ـ الآن يصبح رجل بصدق.

تعلق ريم. ابتعد عنها أكثر، وبي رغبة بالبكاء. رنت نظراتي إلى البنت. رايتها ممدة جامدة، عيناها مسمرتان بالسقف. يداها ملتويتان تحت ثقل جسمه الذي هدأ بعد أن إرتعش لمرة واحدة وبقوة. إنحل الرجل ذو الملامح الغليظة عنها. تباعد فخذاها الناعمان. رأيت القطة التي نسيت أين ذهبت، تنهض من مكانها عند زاوية الغرفة. تقفز بخفة فوق السرير وتبدأ بمطاردة تلك الذبابة التي أزت قبل ثوانٍ فوق فخذي البنت اللذين إلتمع فوقهما سائل حليبي اللون كثيف. ركضت القطة. دارت في الغرفة أكثر من دورة، حتى رأيتها تبدأ في خرمشة الزجاج بمواجهتنا، أنا وريم بالضبط؛ ولكن دون جدوى، فلقد خرجت الذبابة، بعد أن غادرت فخذي البنت المبللين بالعرق، لتحط فوق وجنتي. إنتفضت بإنزعاج، ويبدو أن حركتي السريعة، عندما طردتها بيدي، وصوت ريم الذي خرج منها بردة فعل من حركتي، هما ما جعلا البنت تراني. نهضت من سريرها، قائلة:

ـ سأطلب من الصبي في البيت أن يفض ينام معي!

أشارت بيدها بإتجاه النافذة، حيث كنا في اللحظة الأخيرة. ثم أكملت:

ـ الآن عليك أن تكف من القول أنني لست باكراَ. منحتك آخر فرصة، لتنام معي ولتعرف بنفسك أنني لست بباكر عكس صديقتي وصديقتك.

سكتت لبرهة ثم أكملت بسخرية:

ـ ماذا فعلت؟ وسخت أفخاذي.

عندما خرجت البنت من الغرفة مبعثرة الشعر بعض الشئ، حيث إلتصقت بعض من شعراتها فوق الجبهة بالعرض، مثل تجعيدة رقيقة جاءت من المستقبل، لكي تغيضها للحظة فقط. كنا قد جلسنا أنا وريم مثل طالبين مجتهدين، لكن ضائعين. كنا نجلس طبعاً في المطبخ، حيث رائحة البصل والبطاطا والطماطة والبقدونس المقطع الذي تركته أمها، ولكننا كنا في الحقيقة في عالم آخر. كأن كل ما يدور حولنا في تلك اللحظة جزء من وهم يلاحقنا سنيناً، حتى تلك الرائحة العفنة التي إنبعثت من الغرفة، والتي عرفتها ريم وليس أنا "رائحة المني"، قالت، وهي تكز، على أسنانها، وتقول "أفيش". بالرغم من ذلك، عندما إقتربت البنت منا، شعرت بقلبها ينبض، كأنني كنت أمسكه براحتي. لم تجلس مباشرة، إنما دارت دقائق معدودة. تخيلتها عارية كما رأيتها منذ قليل، ورغم إرتدائها ثوباً كان على شكل قصة الرئتين. نظرت إلى ريم وسألتها:

ـ تعرفين أين تترك أمك السجائر؟

إبتسمت ريم، وإتجهت صوب رف البهارات، وجلبت علبة من سجائر اللوكس وضعتها أمام البنت. ضحكت البنت:

ـ كأن قرون طويلة مرت ولم أشرب هذه الماركة من السيجائر.

سحبت واحدة من الباكيت وأشعلتها. نفثت الدخان. لم تتوقف عن الدوران. حتى وهي تتطلع بنا، رأيت، بالرغم من الدخان، ألقاً غريباً في لون عينيها، تلك العينين اللتين أحببتهما جداً، واللتين لم أستطع سبر أغوارهما. لقد ظلتا ببساطة غريبتين عني. فهي وحتى لمّا كانت تتكلم معنا، كانت غائبة، مسافرة، بعيدة..عن المِشراج، بيوت الغجر، البصرة، وقبل كل شئ عن ذلك الرجل ذي الملامح الغليظة الذي جاءت معه، أو ربما هي التي جاءت به. أقول ذلك، لأنني ما أزال أتذكر، أنه لم يكن الرجل الذي تحب، فهي مازالت تنظر الرجل الذي سيتحرك في داخلها حتى يقع ويترك صرخاته فيها مثل ذلك الذي يقع في الفخ. حتى أنها طلبت مني أن أرى فلم الفخ. ثم قالت لي ( أو هكذا يُخيل إلي الآن وأنا أجلس في هذه المقهى الكئيبة):

ـ أما هذا الرجل فهو صديق صديقتي، يستفزني دائماً ويعتقد أنني لست باكراً، جلبته إلى هنا لأمنحه فرصه أن يفضني هو، فللأسف مازلت باكراً بالفعل.

سحبت نفساً طويلاً من سيجارة اللوكس، وقالت وهي تبتسم بإبتسامتها الجنونية:

ـ عندي صديق يدرس معي في الكلية، أحاول أن أحبه، لكني لا أتمنى لمن أحب ان يقوم بهذا الواجب الدموي.

لا أدري لماذا باحت لي بذلك، فعندما كانت تتكلم، لم تكن تنظر بإتجاه ريم، إنما بإتجاهي فقط. كانت حزينة وكان بودي معانقتها. كان دخان السجارة يندفع من فمها بقوة، ليتسارع عند أنفاسها الأخيرة قبل أن تطفأها.

في تلك اللحظة، دخلت أم ريم مع إبنها، المغني الغجري الذي لا يستطيع العزف دون وضع زهرة القرنفل بين اسنانه الصفراء، التي أتعبها الدخان والذهب. تأبط أكورديوناً جميلاً، نُقشت فوقه رسوم مختلفة.

ـ خلصتوا!

قالت الأم مباشرة، وألقت بكيس صغير من الرمان فوق الطاولة. نهضت ريم فرحة، وتناولت واحدة منها. عصرتها بسرعة، ثم ثقبتها بماشة أخرجتها من شعرها. أعادت الماشة إلى مكانها، وراحت تمص الرمانة مثلما تمص ثدي.

ـ أين حضرة الضابط؟

سألت الأم. فأجابتها إبنتها بإشارة من يدها ـ بإحتقار ـ صوب الغرفة.

ضحكت الأم بغنج. سحبت صندوقاً من البيرة إستقر بجانب الطباخ. وضعت خمسة زجاجات فوق الطاولة، وغمزت لي ضاحكة:

ـ إذا أردت شرب البيرة، إشرب من اي واحد، أنت ولد طيب، لكني لا أريد أن تعرف جدتك أنك تشرب!

أردت أن أقول إتركي جدتي الآن، فحياتي في تلك الأيام قد بدات في السير بإتجاه آخر، سواء أردت أم لا، وأن بضع أقداح من البيرة لن تضر حياتي، ولكن. لم أقل لها ذلك، إنما نظرت إلى البنت، وهي تُنهي زجاجتها الأولى. فإذا بالبيرة، وعلى الفور تمحو حزن وجهها، وتنثر خطوطاً جميلة تحت عينيها تصاحبها أثناء تطلعها بي، ذات الضحكة الجميلة وكأنها حُفرت فوق وجهها منذ الخليقة، بل قبل أن يجئ الله إلى العالم، ألله كم هي جميلة! كانت بعض الرئات تستقر فوق صدر ثوبها، مرسومة على شكل طائرات ورقية يُطلقها الأطفال تحت ظل اشجار لم أتبينها لحظتها، ربما حملت شكل اشجار الآكاسيا، لأنها كانت بلا عصافير، فكما عرفت سابقاً، أن العصافير أكثر ما تود هي أشجار الكستناء وأشجار الدلب الضخمة.

لا أدري كم من الوقت جلسنا. وكم قنينة شربوا: الأم والمغني، والبنت. يبدو أنه كان قد مر وقت غير قصير، عندما رأيت الرجل ذا الملامح الغليظة يخرج من الغرفة.

ـ ها، أيها الخصي!

قالت له البنت بإستفزاز. أما الأم فقد أعلنت له مباشرة، أن عليه دفع كلفة البيرة التي في الصندوق، أنه، كما عرفت أنه خسر الرهان. ولكن لم أعرف ما المقصود بذلك الرهان المُتفق عليه. الآن أعرف، فهو لم يكتف بتأجير الغرفة للمرة الثالثة عند عائلة الغجر تلك، بل إتفق معهم أيضاً، أنه في حالة عدم إنجازه المهمة!! سيدفع لهم كل ثمن صناديق البيرة هناك، وعلى مدى العشرة سنين القادمة!!

في تلك اللحظة بالذات، رأيت البنت تقف، وتعلن بكبرياء:

ـ كلا هذه المرة أنا أدفع البيرة.

أخرجت أوراق نقدية لا أعرف عددها، رمتها بإتجاه الأم. لم يعلق الرجل ذو الملامح الغليظة بشئ، فقد ظلت يده ماسكة على محفظة النقود التي أخرجها من جيبه، ثم أرجعها.

قالت الأم له بضحكة ماجنة:

ـ لماذا تصر على النوم مع ليلى، بَطِّل منها وحاول مع ريم؟

حينها عرفت أن إسمها ليلى، نعم هي الممثلة التلفزيونية ذاتها التي كانت تحبها أمي ليلى، وتقول أنها تختلف عن الباقيات. ولكن لماذا جاءت مع هذا الرجل ذي الملامح الغليظة. تطلعت بالرجل مرة أخرى. بدا ساهماً مهموماً، جبهته تنضح عرقاً، وكأنه يحاول إجبار نفسه ليس للمرة الأولى على سماع إستفزاز الأم له، التي لم تتركه بسلام، إنما قالت له ضاحكة، وهي ترفع ثوبها وتفتح فخذيها، واضعة يدها فوق لباسها الداخلي الذي إنحسر قليلاً:

ـ أو حاول معي مرة وراها تبقى تتذكر طعمه طول حياتك.

بدا الرجل مستفزاً. راح يفتح محفظة نقوده بعصبية. نثر ورقات عديدة فوق الطاولة، ثم سحب ريم وأمها معاً، ليختفوا بسرعة، حيث غرفة نوم الأم.

لا أدري كم من الوقت بقينا جالسين هناك نحن الثلاثة. الشاب بدأ في اللعب على الأوكورديون. فيما جلست البنت ـ ليلى ـ بمواجهتي، وراحت عيناها تتطلع من نافذة المطبخ الكبيرة. شعرت بنعاس خفيف فرغبت أن اسند رأسي إلى الطاولة. وبدل الطاولة، ربما كانت تلك يداها اللتان إستقرتا تحت رأسي الذي إستكان إليهما دون حراك بينما تناثرت ثلاث من السجائر. في تلك اللحظة، وبلمحة خاطفة رأيت خطاً ابيض رقيق وعميق عند رسغها الأيسر، بدا مثل أثر لجرح عميق وطويل. يبدو أنها لاحظت أنني كنت أنظر إليه، فقالت وهي تدس يدها في شعر راسي:

ـ عندما تكبر ستعرف الكثير من الأشياء، ولكن لماذا يحاول بعض الناس الإنتحار!؟

كنت أشعر بعرق يدها الناعمة ذات الأظافر الحمراء الطويلة في اعماق بصيلات رأسي:

ـ في هذه البلاد هناك من الأسباب الداعية للموت، ولكن لا سبب واحد للحياة.

ثم أكملت بصوت موسيقي:

ـ لكن لماذا أخرب عليك حياتك.

سكتت لبرهة،فيما كانت موسيقى الأكورديون تتسرب وتملأ فضاء الغرفة.

ـ أنت مثل نورس تعبان.

كان رأسي ـ بالفعل ـ يستقر بحضنها، قبل أن تُنحيني جانباً وبرقة بعد أن إستحوذ عليّ نعاس بسيط. بيد أني شعرت بها تنهض، وبصوت الأكورديون يصمت، وبهما، البنت ـ ليلى ـ والشاب الغجري، وهو يلوك زهرة القرنفل بين اسنانه الصفراء يغادران المكان، ويتجهان إلى غرفة الضيوف.

تطلعت حولي. لم يكن هناك أحد سواي، وكان المطبخ وكأنه أُفرغ من كل شئ، فيما بدت الأماكن التي جلسوا للحظات عندها مثل ظلال غادروها.

طبعاً الآن، وأنا أجلس في هذا المقهى الوحيد أتساءل، فيما إذا كان كل ما دار واقعي ومتشابه، أم انني أتخيل الأشياء حقاً، وربما لسببين أولاً : حبي وإدماني على رواية القصص منذ أن غادرت البصرة على متن أول سفينة سنحت لي الفرصة بالعمل فوقها. وثانياً، أنني بالفعل لا أملك اليقين أن كل شئ جرى بالضبط مثلما أرويه، ولكن ماذا يهم، فالحكاية تبقى في النهاية هي من يُدخلنا إلى نفق الحياة الطويل، لكنها في نفس الوقت ايضاً من يُخرجنا إلى النهار وهو ينزلق بإتجاه آخر، وهي من يرينا بالتالي النجمات النادرة، لا يهم إن كانت نجوم النهار أيضاً.

كان المساء يقترب، وكنت أتساءل مع نفسي عما كان يدور خلف الستائر المسدلة (طبعاً لم أتساءل عما كان يدور خارج البيت: كانت الحرب في مجد أيامها!). كان عليّ ربما الإستمرار، لو لم تُخرج الأم في بادئ الأمر ضاحكة وهي تجره من كمه قائلة:

ـ خلاص هيا، إدفع البيرة لمدة سنة.

أما ريم فقد خرجت في شبه غيبوبة، إتجهت لتأخذ إحدى الرمانات التي إستقرت فوق الطاولة، وتقول:

ـ اشعر بالصداع، دوختوني، سأخرج.

وتخرج، وكان عندي شعور أنني لن أراها مرة أخرى.

خرج الرجل ذو الملامح الغليظة هذه المرة أكثر إنشراحاً، لبس بدلة الضابط. إلتمعت ستة نجمات فوق كتفيه. وعلى جنبه الأيمن إستقر مسدس عيار ثمانية وثلاثون. توقف قليلاً في المطبخ. أخرج محفظته، وألقى ورقات مالية عديدة مرة أخرى، ثم صرخ قبل أن يخرج:

ـ أيتها العاهرة، إسألي الأم وإبنتها إذا شكّيت برجولتي!؟

في تلك اللحظة كانت ليلى تقف على حافة الطاولة التي جلست أنا عندها ونعاس لذيذ صاحبه تعب غريب إستحوذا علي. لم تعلق، إنما نظرت بإتجاهي. غادر الرجل ذو الملامح الغليظة المكان بسرعة، دون أن يطلب من البنت مرافقته، كما توقعت.

ـ لماذا تصرين أنك مازلت باكراً، فقد فتحك أكثر من واحد، إبق قحبة عند الكاولية أحسن لك!

قال لها، بصوت كريه، وهو يخرج.

لبرهة ظهر المغني الغجري يلبس قبعة من القسطور الأسود، يلوك زهرة القرنفل بين اسنانه الصفراء. طلب من أمه ان تأخذ طاسة جمع الفلوس وتنهض وتخرج معه للبدء في عملهما. كانا ثملين. خرجا هما الآخران دون أية كلمة.

هكذا أصبحنا لوحدنا في البيت، أنا والبنت، كأننا عُزلنا فجأة لنطفو فوق خدر إستسلم المكان له، وكأن روائياَ أو قاصاً ليس هو بعراقي إنما من أمريكا اللاتينية أو أفريقيا هئ لنا المشهد. أو هي وحدها جدتي القادرة على رواية حكاية تجمع قَدَرَين بمثل تلك السهولة. لا أعرف. بل لا أدري فيما إذا كنت الوحيد العاجز عن تفسير ما يجري، أم هي ايضاً. فجأة رأيت راحة يدها تتحرك أمام عيني، وهي تغمغم:

ـ يُفرحني أنك ما زلت تتنفس.

ثم مدت يديها نحوي. أخذتني من ذراعي. ضمتني إلى صدرها بحرارة، واسندت رأسي بين نهديها المبللين بالعرق، لاستسلم لإرتعاشات جسدها. ثم ابعدتني قليلاً دون أن تفصل يديها عن كتفي، إذ أبقتهما يشداني إليها، لتطلب مني الخروج من الدار معها.

أصبحنا عند الجادة العريضة، وكنا نرى رجالاً كثيرين يسيرون بملابسهم الخاكية، مسلحين برشاشاتهم. كان الهواء لطيفاً، وكان الربيع ينتشر فوق المدينة بصورة إستثنائية، فعادة ليس للبصرة ربيعاً. أعتقد أنني أنا من لمح فجأة من البعيد نورساً يأتي من جهة شط العرب، ويحط على شجرة الكستناء الضخمة التي غطى ظلها منفذ الشارع على طوله. تلك اللحظة، خطر في ذهني أنني لم أر النورس للمرة الأولى، فقد رأيته بصحبة بِجعة لم تخرج من عشها قبل اسابيع. طبعاً لم ألق السؤال على نفسي حينها، فيما إذا كان النورس قد قطع كل تلك المسافات الطويلة والسهوب، حتى يصل هنا، إلى هذه المدينة الكئيبة التي طغى عليها اللون الخاكي، والتي لا تلبس نساؤها غير ملابس الحداد، نساء لا تشرب البيرة أو العرق بالرغم من المرارة، إلا بالسر، وبناتها لا تسمح بفض بكاراتها إلا للمحتالين والسفلة، لا يهم إن كانوا عسكريين أم شرطة. هل جاء النورس من أجل لقاء البجعة التي لا أعرف من اين قدمت هي الأخرى. ليلى تقول الصدف هي مجموعة أقدار تقودنا إلى بعض، أو الأقدار هي مجموعة صدف تقودنا إلى بعض، وفي النهاية قالت: " لا ينتصر غيرُ الحب، ودم البكارات للإوغاد."

ولكن لماذا قالت لي تلك اللحظة وهي تتأبط ذراعي أنا إبن الرابعة عشرة من عمري، بأنني مثل ذلك النورس الذي أرهق تعب السهوب جناحيه:

ـ أنت مثل نورس تعبان!

لا أدري، فيما إذا بدأت هي بالغناء ذلك المساء، وبصوت إحتفالي. طبعاً لم أعرف سبب فرحتي ذلك المساء، كنت أعتقد أن كل شئ يسير بإتجاهي.

كنا نسير أنا وهي، ولم يكن هناك ناس كثيرون في شوارع المِشراج. فيما كانت أشجار الجادة خالية من العصافير والطيور. فقط فوق شجرة الكستناء الكبيرة إستقر النورس الغريب. أغلق جناحيه وبدا كأنه حكيم بوذي لا يفكر بشئ خارق بقدر تفكيره أن يستريح.

الآن أتذكر الأغنية التي سمعتها تغنيها عندما وصلنا منعطف الطريق كاملة، قبل أن تختفي عني تماماً، وتتحدث معي بعد إنتهائها من الغناء:

"ـ أعود إلى الجونب، مثلما يعود الحب دائماً

على الطريق، طريق الجنوب

تزهر بصيلات القرنفل

على الطريق ذاته تتفتح زهرات العسل

على الطريق، طريق الجنوب

لا تنام زهرات النعاس

على الطريق ذاته تتعطر البنت بزهرات القرفة

على الطريق، طريق الجنوب

فوق شجرة الكستناء يستريح النورس التعبان

على الطريق ذاته تصلي البنت لله

وتدفن رأسها الصغير في ريشاته

على الطريق، طريق الجنوب

تنسى البنت نفسها وتطير بَجعة تعبة

البنت ملاك عندما حاول الهبوط إلى الأرض

هلك،على الطريق، طريق الجنوب..."

هكذا عندما إنتهت من الغناء، قالت لي وهي تشير إلى النورس الذي إستقر على شجرة الكستناء:

ـ أعرف ماجرى لك ولعائلتك.

رات نظراتي إليها، فأردفت:

ـ أنا الأخرى أشتري من جدتك ، وقبلها من إمها، بصيلات القرنفل.

ضحكت:

ـ أحسد جداتك، لأنهن معروفات أكثر منا كممثلات في كل البصرة. يقرأن أقدار الناس من خلال أوراق القرنفل.

ثم شدتني من كتفي:

ـ لا تكتئب، كلنا في الهوا سواء!

لبرهة وقفت. فتحت حقيبتها وأخرجت كتاباً، مدته صوبي وقالت:

ـ إقرأه. أحسن درس عن نتائج فض البكارات!

ربما بدا لي ما قالته ملتبساً وغامضاً للوهلة الأولى، حتى سمعت تعقيبها:

ـ يوميات موت معلن. في الحقيقة هو إعلان عن موت البكارات في الكاريبي. سترى حتى ماكوندو، لم تخل من تلك المصيبة.

ربما رأت في عيني التساؤل عما قصدته بـ"ماكوندو"، فأجابت دونما أن تفارق حماسها وضحكتها:

ـ هي بالأحرى قرطاجة الهنديات، حيث قضى الكاتب الذي كتبها طفولته بين أجداده. عندي حدس قوي إنك ستزورها.

طبعت قبلة فوق شفتي وقالت لي:

ـ أديوس، أديوس..

وذهبت. لم تذهب حسب، كان عندي الهاجس أنها تختفي إلى الأبد.

وقفت عند تقاطع جادات ثلاثة، ومن مكاني الذي أصبح بعيداً لمحت النورس ضاماً جناحيه فوق شجرة الكستناء التي إنطرح ظلها على المنازل. ما زلت أتذكر نظراته إلى العالم ـ تحت ـ رغم الظلام، مثلما أتذكر نظراتها لي مع الإغنية. أتذكر كل ذلك الآن، والصدى الوحيد الذي تكرره تلك الصور التي تتراءى أمامي، هو تلك الأغنية ـ التي أعرف الآن ـ أنها هي التي غنتها في ذلك المساء الربيعي الجميل، والتي راحت تدندنها شفتاي رغماً عني ودون أن ألحظ ذلك وأنا أجلس في هذه المقهى الكئيبة.، ودون أن أنتبه إلى نفسي أثناء ترديدي لها، إلا عندما رأيت البنت التي دخلت المقهى مع رجل غليظ الملامح تسحب كرسياً وتجلس إلى جانبي وتقول بصوت رقيق فيه لكنة كوبية:

ـ لحن جميل.

وعندما رأتني أتطلع بها بشكل غريب، بنظرات تتلفت في المكان، عرفت أنني كنت أفتش عن الرجل نفسه الذي منذ لحظات يجلس بجانبها، أوضحت:

ـ إنفصلنا للتو، تعرف أنه كابرون ( قواد ) ضابط، كان يصر على الإلتحاق إلى وحدته.

من أين لي أن أعرف. لم أكن ضابطاً ذات يوم، وفي نفس الوقت أمقت الضباط، منذ أن رأيتهم يتبخترون ببدلاتهم. هززت راسي، كأني أعلن أن الأمر لا يهمني، في تلك اللحظة رأيت الغجري، المغني الشاب تأبطته أمرأة بدينة من ذراع وصبية مليحة من الذراع الآخر، يقترب منا، ويسألنا الإغنية التي نتمنى أن يغنيها، فتجيبه البنت التي جلست في زاوية من المقهى، أن عليه الإصغاء، ومصاحبته لي في الإغنية. إبتسم الشاب، اخرج وردة من جيبه، وضعها بين أسنانه الصفراء وراح يلوكها. لم أنسها كانت وردة القرنفل. اشار لي بالغناء وراح يفتح ويغلق اكورديونه، فيما توجهت نظرات المرأتين اللتين إصطحبتاه إلي، تنتظران مني البدء في الغناء.

بدأت فعلاً بالغناء، مردداً أغنية كاريبية تعلمتها في رحلاتي للكاريبي. فيما لمحت عيناي في البعيد بَجعة تدور حول الساحة لفترة غير قليلة، قبل أن ترى برج الكاتدرائية. كأنها غادرت تعبها كله دفعة واحدة، إتجهت بحماس حيث إسترخى النورس نعساً. في الحقيقة لم تكن فارغة اليدين، على العكس، حملت في منقارها عشاً فخماً. ربما أرهق تعب المسافات جناحيها. هكذا عندما إكتشفت النورس التعبان فوق برج الكاتدرائية وطارت لتحط بجنبه، بدت لي أنها لم تطر فقط، أنما إخترقت الهواء إختراقاً، وكأنها عادت بعد طيران وطيران في سهوب غريبة، قبل أن تأوي إلى عشها الأصلي، وتطوي جسمها وتنام. ولكنها قبل أن تنام تُطلق صوتاً حزيناً يحمل الكثير من الوجد، حتى يُخال أنها تُردد لحن أغنية ما، والتي يقيناً لن تكون الأخيرة. حينها سألتني البنت:

ـ هل ترحل.

في بادئ الأمر أنتفضت. نظرت إلي الساعة، فعرفت أن سفينتي غادرت. أصغيت إلى أغنية البجعة.

مدت البنت يدها من فوق الطاولة قائلة:

ـ أنت مثل نورس تعبان.

فقلت لها:

ـ أجمل جملة سمعتها.

حينها غالبني النعاس. لا اعتقد أنني الوحيد. هي الأخرى كانت نعسة أيضاً. رأيت ذلك في عينيها. ليست هي فقط، إنما حتى البجعة التي إستقرت فوق برج الكاتدرائية. لقد طوت قوائمها ونامت محتضنة النورس التعبان الذي بدا يقظاً أكثر منه نائماً، كأن لا عمل له في تلك اللحظة

غير دفن راسه بين ريشاتها أكثر..وأكثر...وبحماس.

 

هامبورغ أواخر نوفمبر 1996

 

 انتهت

<

>