Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

 مجموعة شعرية

 في ضوء السنبلة المعدة للقربان

من أجل أن لا يتعفن الينبوع في حديقة العقيق

نصيف الناصري

من أجل أن لا يتعفن الينبوع في حديقة العقيق

 

1 _ عهد وثيق مع المجرات والملائكة

 

عطرها الميت في الحديقة ، تعبث به الريح

والقبر يطير فوق أجمات تطرد الأسرار ،

منذ عهود طويلة

والاسم يبحث عن هيكله العظمي ،

وجهها غير المرئي ، وأشجار نهديها العاريين التي تظلل

فصول السنة ، وسرتها المرسومة على شكل نهر و الشبيهة بعين تفاحة ،

جواهر تضيء وسط شقوق السأم ،

كلانا كان ميتا ، وفي تعاقب الأيام تذكرني تنهداتها بتنفس

القرون المنورة ، بالتقمصات والتيقظات المرفرفة عبر الدائم

والمتحول ، عبر الزائل واللانهائي ، بعري الإنسان الطويل

على شواطئ نومه المروعة ، وهو يخرج من جليد الكهف

والمغارة ، إلى بذور شمس البيت والسرير ،

سيدة الصلاة تمشط شعرها الايروتيكي تحت هالة النور

المنحدرة صوب البحر ،

ينبغي أن نرفع حلما مقدسا جديدا على فجر العالم

من أجل خلود القيمة المتحققة لوجودنا

من أجل عهد وثيق مع المجرات والملائكة الذين يحرسون

أغصاننا وأبواب هواجسنا ، ويروضون المادة المظلمة لمرآة

لحظتنا الفريدة ، من أجل تضرعاتنا المتقشفة لآلهتنا العنيدة

وصرخاتنا التي تتعدد وتتوحد في صراعنا ضد الحتميات ،

هل ننحدر ما بين انفصام الإرادة والرغبة صوب أرض النسيان ؟

ما هي الغاية التي تتحرك نحوها شرارة التاريخ ؟

لماذا نتأخر دائما عن رمي الجثث فوق الروث ؟

لا ثمرة

ولا برهان ،

هل لنا أفق آخر نملكه ولا يملكنا ، حين نتثاءب أمام جدران كهوفنا المتصدعة ؟

عصور كثيرة تقدمت ونحن نتسلق شجرة الدورة الأبدية للخليقة ،

من دون ان نفكر بثمرة ما ، والزمان سلم ننزل منه لنذوب في ظلمة الطبيعة

وننسج ثياب موتنا خيطا ، خيطا

أصوات زهور حبنا اللامورقة ، تهدد في انفصال الكلمة عن الفعل ، نوم الآلهة

تحت النجوم ، وكلما ارتفع غصن من أغصان التحنيط ونور الأرض كلها ،

نحمل قرابيننا ونتقدم باتجاه هاوية الموت والميلاد ،

من هؤلاء الذين يفتحون الأنهار على ظلام العالم ؟

لماذا يتمدد الكون في كل لحظة إلى ما لانهاية ؟

هل يتحول الإنسان إلى نجمة بعد الموت ؟

لماذا تعجز كلما اتقدت شرارة الفكر ، عن الإفصاح الكلمة ؟

إذا أردنا الهروب من العودة إلى الحياة 

ينبغي ان نترك { الموجود _ يوجد }

هل تخضر ماهية الأشياء في ليل السر الذي ينفتح على الرياح التي تبعثر قرابيننا ؟

يستربح في جبيني الطائر وشجرته ،

ليس للحب مركز ثابت ، والعاشق أسير يقظته ،

هل يضيء نبع الموت السهران دائما ، جروحنا المفتوحة على صيف الأبدية ؟

الدرب الغريب والسهر إلى الأعماق هما ما ينبغي أن يكونا قنديلا صلاتنا

وفجرها الذي يظلل ثمرة التاريخ ،

تولد من موتي كلما جفت الأنهار ، كلمة يتنفس تحت سنابلها العشاق ،

أنثى النحام التي تنعس تحت الشمس المليئة بالوديان ، هي بذرة الحب النامية

في أرض العين والمتنشقة صوت الرغبة ،

هل الحب الذي لا يرمش ، أشجار موسيقى مقطعة وسط الطريق  ؟

ورد مفرط في اللمعان يسيل بخفة على ليل سرتك الناعسة ، يسيل على شفتك

ذات الينابيع القرمزية ، ورنة جرسها شديدة العذوبة ، أغنيتك المضيق عليها دائما

هو ما يغرينا في العودة إلى الوطن ، وشواطئ الأيام تجف في كل لحظة ، لكن ساعات

انتظارنا التي تتمطى فوق الأشجار ، لا تستطيع أن تحولنا إلى أنغام تتلاشى في السراب ،

سيدة الصلاة تتنهد في حديقة الزنبق ، وتغمض عينيها  لمرور الأمطار ،

شفتاها لم تريا عطر الموسيقى منذ خريف السنة الماضية ، صوتي وجدائلها

الخضر ، عاشقان يسيران الليل كله تحت أنهار النجوم العليلة ، والهاوية في لآلائها

على امتداد القرون ، تحنو على وجودنا الهش والمنزلق صوب بواباتها المعلقة في سهر

الجرح ، طعم الغياب في شفتي ، والصوت الحلمي لنحلة موتها أسمعه يأتيني مرتعشا

من أغصان الماضي ويخترق ظلمة يأسي كالبرق ،

أرق الزوال

وومضات فراديس دموعنا التي تمحو الزمان ، يبعثران جميع العلامات التي رفعها الحب

في الطرقات المظلمة والمتعرجة .

 

5 / 8 / 2004/  السويد / مالمو

 

 

 

2 _ يكفي أن يدخل المرء بيته ليجد بانتظاره أجمل تابوت

 

{ إلى زاهر الغافري / أثمار }

 

لحظة نظن أن قصيدة ما

ممكن أن تحنو على غرائزنا وتوسع إنشقاقاتنا

يغلق نوافذنا ذلك الخشب الذي تصنع منه نايات تعزف الكذب .

+ + +

السياب . منحنا إمكانية أن نتسلق بخدر لذيذ ، الغصن المحموم

للحياة ، ليحتفظ هو بهذياناته التي لن يغفرها له التاريخ .

+ + +

مع جان دمو ، سمح لنا للمرة الأولى ، أن نتقدم وفق تخطيط

محكم صوب الكارثة ، كمن يفلح في الإمساك بطير من طيور

الفردوس .

+ + +

يغلب على أولئك الذين لهم القدرة على العيش في البلاهة

أن يصبحوا رؤساء وأمراء وجنرالات وأثرياء ،

ما يثيرنا دائما ، هو هذه الترددات ما بين الغش والنزاهة

لكننا ننسى في غمرة إنشغالاتنا ، أن الحمق هو الطريق الوحيد

الذي يوصل إلى العبقرية .

+ + +

عليكم التثاؤب باستمرار

إذا أردتم بلوغ القمة .

+ + +

في ذروة الرغبة ،كما في ذروة الغضب ، نعود إلى جذورنا وننحني

أمام النتانة الكبيرة لمصائرنا المتعففة .

+ + +

تقولين : يا لروعة هذه الغابة العذراء

وتخفين في نفسك مالا تخفيه الأسرار .

+ + +

تسلك الثمرة في إزهارها

سلوك الشرارة في اللا معنى .

+ + +

بحثا عن مضمون معقول لهذه الساعات الضئيلة الممنوحة لنا والمعلقة

فوق خيوط الفجر ، نضيع فطنة العيش في الدراسة عن العلل والغايات ،

تسوس

هذيانات

ما يحدث دائما يجردنا من كل ممارسة حقيقية ، كرامة الحب يجب أن

تصان بعيدا عن أولئك الذين يشحذون حواسهم مع كل زخة ضجر .

+ + +

أنصتوا إلى اليعاسيب والفراشات ، عصور المعجزات انتهت

لم يبق إلا التجسس والوشاية بالملائكة ، ثمة إنجازات ينبغي الحفاظ عليها :

النوم بين نهدين لشجرة تفاح

تضميد جروح القلق وتململات الرغبة باستمرار

إخجال الصيرورة وإحداث ندبات في فاعلية العقل .

+ + +

بوابة الجحيم التي لا نافذة لها ، هي ما يجب أن نمدحها ونطيعها للخلاص

من هذا السأم الذي يلف وجودنا .

+ + +

العيش في الحب ، يدمر صرامته .

+ + +

لإزاحة صخرة عن الطريق ، نحن بحاجة إلى سنوات من المران على الطغيان .

+ + +

في ذلك الحلم الذي يقودنا إلى ماضي الطبيعة  ، نمشي وتظللنا غيوم القرون،

تطير شرارات الذهب

وتبقى بيوت الثمار .

+ + +

أقول لكم : ينهض موتنا لا في الظلام ولا في الحديقة

الحرية ، الحرية

ينبغي أن نتعلم القفز من هذا العلو الشاهق :

الصدفة .

+ + +

لن أقول المزيد ، لقد رأيت أمراضنا العقلية تحافظ دائما وبإصرار على وظيفة الألوهية .

لا عزاء

الطيش والضعف هما ما ندخره لضغائننا وأوهامنا ، ونحن نتحدث عن حيلة الأبدية .

+ + +

لم تصالح العزلة ظلامها إلا لإحكام قبضتها علينا ، يظن الإنسان إنه خالد

لكن إنشغالاتنا  في الزمن تحددها ضرورات لا طائل من ورائها .

+ + +

الحب ، أو الحقد لا فرق ، الطمأنينة أفسدت ألفة الرعد

لو لا تعطل الحواس لظلت وردة الرجاء من دون أمل .

+ + +

إلهي مد لي غيمة أو سوطا ، لكي أنهض من هذا العبث المسمى : الوجود .

+ + +

بين الضمور والشهوة ، ثمة خط فاصل يوصلنا إلى حديقة بلا خاتمة .

+ + +

_ ما هذه اللطخات التي تلوث بهاء الآفاق ؟

_ زبل الإنسانية ، قالت الطبيعة باستياء بالغ .

+ + +

في حيوات أخرى أكثر جحيمية من هذه الحيوات ، ستكون لكم ظلال لا ينقصها

إلا لهب البراكين .

+ + +

هل بوسعكم الآن ، سن شرائع جديدة ؟

قلة النوم ، علامة عافية

وحدها البهائم تنام ساعات طويلة .

+ + +

إذا أمتلك المرء موهبة ما ، ضمن مأساته .

+ + +

مهما سهرنا تحت قناديل الرغبة ، لا يمكن لأسلحتنا أن تظهر فاعليتها ،

يفترض أن نفرط في المحافظة على توازن خيباتنا .

+ + +

كل الذين أصيبوا بداء العظمة  ، لا شك انهم كانوا أولاد زنا  .

+ + +

تنزف الشجرة أنهارا .

+ + +

إحساسنا بالعار يجردنا من كل امكانية للتقرب من الرذيلة .

+ + +

لا قبر لمن يخشى الموت ، للتخفيف من شدة هزائمنا يلزمنا أن نستنفد كل

فعل ممكن للتعايش مع الأرق .

+ + +

وحدهم عبدة الرعب ، من يكمن لمصائبنا ويخفف عنا الألم .

+ + +

في يقيني ندبة تسمم حياتي ، لم أعد أسمع أين أضع شكوكي ذات المخالب الحادة .

+ + +

ما جدوى امتلاك المرء شجاعة عالية ، إذا كان ذلك يبطل خوف الآخرين ؟

+ + +

ثمة دائما نجار نكن له احتراما كبيرا ، يكفي أن يدخل المرء بيته ليجد بانتظاره

أجمل تابوت .

+ + +

سعاة البريد مطالبون الآن أكثر من أي وقت مضى ، في الإدلاء بشهاداتهم ،

خلف هذا الفم الأدرد ، توجد أرض تفيض أشجارها أسرارا ووشايات .

+ + +

لا يمكن لنا أن نصالح بين الرمل والصحراء ، ما فائدة زواج العسل والسم

إذا كانت شهقاتنا هي الوسيلة الوحيدة للانفصال عن الكلام ؟

+ + +

 

 

26 / 3 / 2004 مالمو / السويد

 

 

 

 

3 _ اللحظة التي يتوارى فيها الغمام

هنا قبر للزمن / الشجرة

الزمن الشمس

الزمن الصيف

الزمن الجناح

الزمن الخطوة ،

هل لي أن أصالح اللحظة ، هل لي أن أصالحها ؟

هل لي أن أصالح المخلب ؟

هل لي أن أتمدد في الديمومة مثل كلمة تزن الروح وتقشر اللحاء ؟

الخمود الأجوف يأسر الظهيرة ، هنا وهناك تحتضر النمور والعقبان

في الأقفاص ،

يسوع المتكئ على خشبة الدرج في بهو الفندق ،

الصيف الماضي

كانت شجرة ،

يسوع يفتح عينيه على ناطحات السحاب التي يغطيها الدخان ، وما بين اللحظة

واللحظة يضمد جروحه التي تلتئم ولا تلتئم ،

هل هي القيود التي يأوي إليها الخفاش ؟

أين محطم عظام الموتى الذي يقف متجليا بين الماهية والحركة ؟

أين كر يشنا الذي يعود من الكهف بشذرات من رؤى محطمة ؟

أين اللبؤة التي تلد في برميل النفاية ثم تلعق موتها ؟

أين الملك الهرم بوجهه المتغضن الذي يعشش فيه البوم ؟

على حطام الزمن / شيوخ أطفال يرضعون

الزمن يتقدم / والريح تعصف قبل الميلاد وبعده ضجرة في كهفها العميق ،

اللحظة والظلام

اللحظة التي يتوارى خلفها الغمام

هل تسترجع اللحظة نفسها عند الشروق ؟

هل يصارع النور الظلمة ليظل حيا في ما هو حي ؟

هل يوصلنا اختراق السر ، إذا عبرنا هذه المتاهة الوعرة والمظلمة ، إلى شرارة اللا متناهي ؟

أشرعة الصيرورة تتأرجح معلقة ما بين الديمومة والهاوية ،

ينبغي أن نظل أطفالا ونحيا في الماضي ، من أجل أن تظل الشمس تسطع على السنبلة

من أجل أن لا يذبل قرنفل  النجمة بسرعة

من أجل أن لا يتعفن الينبوع في حديقة العقيق ،

كلما ماتت حشرة ، غصن ، ابتسامة ، أو كلما سقطت دقيقة من لبلاب الوقت

انتحرت الطبيعة وتكشفت هشاشة الإنسان ، نبتة المستقبل السامة تكبر كلما تقدمنا صوبها ،

لا نصر ولا وعد .

 

13/5/  2002 مالمو / السويد

 

 

 

 

4 _ النور الذي وعدتنا به التنانين والعظايات

يطفئ الإنسان شعلة ابيقور

ويعيد بناء السجون التي هدمها الفيلسوف ،

 

زقزقة عصافير

وطنين ذباب

ومتاهة واسعة نسميها الحياة ، ترتفع فيها رايات العبث والسأم منذ الأزل ،

أرض النجوم المهجورة والقريبة من حافة العدم ، تجتث أشجارها صرخات الآلهة

وينغلق الليل فيها على ذاته ، النجمة روح الإنسان التي تتسلل بلا حراك من القبر

إلى سماء الفجر المتوثبة لإنارة البركان ، والروح في كهفها الوسنان والمتحرك في

طحلب العالم ، موسيقى أسرار ترفع الرماد صوب نيران تتضوع أنفاسها بالتغير

والغبطة الوفية لشفافيتها المهلكة ،

هذه الحضورات والعلامات المستريحة في برق البرثن ، مياه للزمن الذي يكتسح شدو

الطيور وتضرعاتنا في ليل لهفتنا ولحظات أزهارنا ،

كلما تخلص الإنسان من أفق سجن ، اخترع سجونا أخرى أعمق هاوية من عبوديته

وذله ويمضي حياته اليائسة مهانا يردد كالببغاوات أكاذيب رعاة الغنم ،

ابيقور ، ابيقور يا ذهب الأدلاء الذي يضيء لنا ليل الهاوية ، يا من حررتنا من جلادينا

الطغاة ، ومع إنك مشيت طويلا تحت نداء النجوم وفي صمتك أسرار الموت والحياة

ها إننا الآن _ أحرقنا مفاتيحك وأضعنا الرماد ، ما بين وحشتنا ورعبنا اللا مبرر ،

أين هي الآن جمرتك ، ابيقور ؟

الدهاليز التي أضأتها والآبار التي أخرجتنا منها ، أعدنا تأثيثها من جديد وملأناها بتنانين

وعظايات غريبة أشد غرابة من غربتنا في ليل التيه ، لم يبق لنا الآن _ إلا هذه الصخور

المتعرجة والمرصوفة بالعظام ، لا ضحى فراديس

لا أحلام ترفع أشجارها على الأنهار ، لا أدراج تتصارع فوق قشها شرارات الصاعقة ،

هل ينبغي أن نحلم الآن بذلك النور الذي وعدتنا به التنانين والعظايات ؟

 

 

19 / 3 / 2002 مالمو / السويد

 

 

5 _ ما بين الشدو المهلك والرقصة المنعطفة

 

شواهد قبورنا الأكثر لمعانا من السر

أدغال متعفنة في سراديب تستوطنها الحشرات والخفافيش ،

هل الغبار/ الحلم الآمن لانفتاح صرخاتنا على ضباب الأبدية ؟ لا أحد يسقط أو يتقدم

الماضي والحاضر مرآة واحدة للأمس والغد

وحياة الإنسان تمر مرور الشهاب ،  هل حقا يضيئها الينبوع الإلهي ويغلفها بشفافيته الرحيمة ؟

انهيارات / تصدعات

من الميلاد إلى الموت

ومن الموت إلى الميلاد

لكن الإنسان يقول إنه يمتلك بذرة ذهب ، هل يمتلك الإنسان الدودة ، بذرة ذهب ؟

أهذه بنفسجة وجوده التي تتهدج أمام أسيجة الجليد ؟

هل تعرف القلق الذي كتبته القرون نشيدا وفيروزا ونجوما ؟ إرثنا الباقي

نار الغابة المتأرجحة ما بين الشدو المهلك والرقصة المنعطفة للنهر السريع الطافح بندوبه

الطويلة التثاؤب ، إرثنا ليل اللهفة

ونبوءة الماسة المسنونة التي تخضر فيها لطخات العصور المذهبة والمفتوحة على الفجر تحت

ثقل بساتينه وضجيجها الشبيه برعود تختزن في اندفاعاتها ثمار العقيق المنعكسة علاماتها على

مسلاتنا التي تتدثر في أغطية مخاوفنا وقناديلنا المختنقة تحت أيام الحصاد المصطفة والمتشابكة

أمام نيران الفجر الأسيان .

 

 

2 / 3 / 2002 مالمو / السويد

 

6 _ الشعلة التي لها هذيان حيوات كثيرة

 

ميتة تطيرين في لازورد الليل وجرحك لا يمكن تضميده

شمس جبينك مجروحة من قرنفل الأعماق ، وروحك المرتعشة صومعة الكلمة في ملح

سهراتنا التي بلا غفران

يا غابة بقناديل يحاصرها الموت والنشور

يا أزهار الكبريت في أرض العظم

يا شعلة ترطن في أروقة الهاوية

يا هجرة الدم وتشعباته في نسيم الغروب

يا كتابة خاطئة فوق رأس النحلة

يا وميض النجوم الممحو وسط أدغال القرون

ليل ألمك يتضرع لأشجار الزمن ، وفجرك يشتبك ويتجذر مع الشعلة التي لها هذيان

حيوات كثيرة ،فجر الموسيقى أنت فجر الباب المنزلق على حد الأبدية

تضرعت إليك طويلا وكانت صلاتي تمحوها عدالة زئيرك المستعدة لاقتلاع الجذور

وصيف النسمة المنقلبة ،

في الأرض التي كنا نموت فيها ميتة حيوان ،كانت مصائرنا ونذورنا تتشكل بالوراثة ،

وكانت دموعنا تتلهف لزمرد دموع أخرى متسمرة ومضيئة ، أين قمح حيواتنا الذي

اكتمل في الدهاليز المضطرمة ؟ هل مازالت أعيادنا تنتظر في الظهيرة التي لا تعقد ميثاقا

مع الشمس ؟ صوتك المدهون مثل شجرة وفية لأنقاضها المترنحة ، حديقة فيروز بلا أضواء ،

تتمطى فيها أوراق الساعات المثقلة بشهبها المنحوتة والمنطلقة ، في صراخنا إليك يتمدد الزمن

ويختلس النظرة التي ترفرف في انعطافات الشمس ، ظلال حيرتنا تنثر بذورها في أرض الأيام

والسنوات التي عشناها مخبأة وساهرة تحت ينابيع تقهر النور وإيماءاته المرفرفة في الهاوية ما بين

الرماد والحرير، دمعتك المسترخية والمشحوذة في الغياب ، أغنية ينبثق من رمادها فجرنا الخشن

الضرعين ، نداوة الأحلام وعواصمها الوهاجة كما مراكب كحلها الإبحار .

 

 

2 / 11 / 2002 مالمو / السويد

 

 

الأمل، أضداده ،خياط الموت، نار الأبدية

إلى مؤيد عبد الستار

 

1 ـ ………

 

تمنحنا الطبيعة القلق والذعر من الموت في كل آن ، لكن هل يمكننا أن نعيش من دون كره الموت؟

هل نستطيع أن نمزج الموت بتجارب حيواتنا ؟ هل فكرنا في الخلود ونحن نعايش موتنا بلا كرامة؟

نريد الحكمة لا الخلاص

الرفق لا الغفران،

يا أخوتي ، احكموا إغلاق البرق على وجوهكم ، شدوا الشمس وأنهار السماء والأبواب السرية

للشموع حول خطواتكم المتعثرة بشراسة ، ورثتنا بين صحراء نيران انتظارهم يهزون قبضاتهم مجتازين

أدغال الأيام، حيث وثبات نعاسهم التي تتوسد نفسها عند انعكاس بروقنا المتيقظة،

الأمل عطية عباد الشمس وأضداده التي قدستها شعوب الكلمة ، عطية الصيف وهدناته ،

براهيننا وصرخاتنا المترنحة في أعراس ليل العالم المهشمة، موسيقى رهينة

تكابد عبر الأروقة الذهبية لدهاليزنا القديمة والمتناثرة ونحن نزيح الستائر

عن ينابيع الوجود لنتعذب في غبطة صلواتنا الخشنة،

أين خياط الموت الذي خاط لحيواتنا أكفانها المرتجفة في قيلولتنا الأولى وسط

ظلال رغباتنا التي جمدتها صاعقة الفناء في الظهيرة المنتوفة الريش ،

بين شجرات رماد الإنسان

نار الأبدية.

 

2      ـ  الطبيعة ميراثنا الذي يتعارض

 

الطبيعة ميراثنا الذي يتعارض مع التاريخ

ميثولوجيا ثابتة تنفض الغبار عن رياضياتها وتنفخ النار في أهداب النجوم

الثقيلة، في شفرة الأيام،في الإشارة المحمومة المنطلقة من الموسيقى،

معرفة متجددة عن الذهب لانتزاع الرحلات وخطوط القتال التي تنعطف وتراوغ لحروبنا القديمة،

تنام الطبيعة مع زوجها الموت في جميع الفصول وتجدد القرابة بين الحيوان والمطر،

بين قطعة الخشب والصاعقة، بين الوردة العصية النظيفة ومخلب الصقر ،

نغم متقطع لم تحدثه لغة ، بل نبع موت تتقافز فيه الصخور الحادة والأشنات،

تشحذ الطبيعة نفسها الأسيانة بنفسها وتمزق أحلامنا المعلقة في أروقة القنديل.

الموت.

 

3 ـ  درس الطبيعة

 

تستعر جمرة الفناء في ليل صيفنا المتدلي بلا فضة

الكائنات تتحلل وتتخذ أشكالا هلامية

شفاهنا المبللة بأمطار السهاد ، ترتعش بلا أمل أو وصية في صحراء العالم

وقناديل آمالنا تطفئها ثلوج السراب، ما هي القيمة الكلية لحياتنا الفانية ؟

ليست الساعات الممنوحة لنا إلا قطرات في محيطات الزمان ، نفتح باب الأبدية ،

يسحبنا الظل المعتم لوجودنا ونسأل:هل يدمر الموت الحياة أم الوجود ؟

أيتها الطبيعة :{يا من تحررينا من الحب والألم والميلاد والموت}

أحقا إن هذا الإنسان ـ الكرستال الذي يمتلئ جمالا وقداسة كلما صعد

درجة صوب الهاوية،وهذه النمور التي تعضد الصاعقة، والطيور المنعمة

التي تمطر فوق الأشجار،والأسماك والبذور والفراشات التي تتنفس هواء

المروج،والدغل والحشرات الهائجة والمختفية في لغاتها الوحشية والأصوات

والعطور المتأرجحة بين أعناقنا ،ستختفي كلها بعد وقت قصير جدا،

ويسهر عليها الموت بثلوجه الأثيرة؟

الحافات المجدبة،

التحلل .

 

 

4 ـ باب الوجود المترنح من شدة الوحشة

 

انتصار بلا هدف

نسيج لا مرئي

حين تطلب ميتة جميلة تشبه مفاتيح سنة جديدة ، البذرة التي تتعفن في داخلك

جرثومة ربيتها وسهرت من أجلها طوال حياتك، وسط سأمك العظيم في الوجود

ورعبك من اللاوجود ، سأحدثك عن هيام أمك الطبيعة في الموت ،

أنت، يا من تبحث عن الخلود تحت ركام من الأوهام:

ولادة ورقة

موت شجرة

ولادة شرارة

انطفاء بركان

ولادة ريشة

موت غيمة طيور

وأنت تصعد السلم المفتوح على الهاوية

تذكر، ليس موتك كارثة، بل بذرة تتعفن في كل حين،

هل نستطيع السير في طرقات العالم من دون أحلام تقود خطانا المتعثرة؟

هل تضيء القصيدة ظلمات الوجود أو تضفي تأليها وكمالا على حيواتنا؟

لا أمل سوى نحيب يائس:

يا موت، تقدم بمحراثك الرحيم وأزح صخرتك الجاثمة فوق أعناقنا المتدلية ،

يالها من هاوية واسعة ، هاوية العدم واللازمان ، لا نافذة تنكشف منها ظلال الطبيعة

ولا اختراق للصمت

في فضاء الغموض

ولا أصداء للكلمة

لاشيء يوقظنا أو يدلنا على باب الوجود المترنح

من شدة الوحشة.

 

 

5 ـ هاوية مصائرنا المتعثرة

 

حياتنا القصيرة تحت نارك الأبدية يا الله ، فكاهة بلا معنى

مأساة يغلفها العبث ، لماذا يفنى كل ما في العالم؟

ما جدوى العالم إذا كان زائلا؟

أبحث دائما في الكتب المقدسة وهياكل الطبيعة عن كلمة ـ شجرة

يتوارى خلفها النور الذي صنعته أوهامنا وخيباتنا بانتظار موتنا الذي

نجهله تماما ، وأنت يا الله ، تنام بسلام في {قانونك الخفي}وتتركنا نتيه

في صحراء مليئة بأوهام ورموز تتنفس فيها مصائرنا المتعثرة ،

نومنا الذي تغمره أعشاب الشواطئ السعيدة بانقطاعاتها عن الجذور

ينكتب طهره في ارتعاشة ظلمات الهاوية،

ليس ثمة ثمار قناديل في وجوهنا التي تصوب نظراتها إلى الأعالي ،

يا إله هدناتنا المنخفضة

إله الكلمة المتقنعة

إله الصرخة المنزوعة الأحشاء في تعاقب براهيننا الكلية

انصرنا يا وهم الأسرى  وصالحنا مع الموت

نجنا وامسح دماء عبيدك المسفوكة على الطرقات

ضعنا في المزالق ، وفي المهالك تاهت خطواتنا

اظهر يا إله عطفك ، يبتهج الكائن

يفرح العالم .

 

6 ـ المادة ، الاحساسات، الفكرة، الذرات

 

في الحجر، الأنهار ، العشب، الفضاء، الجبال  ، الكواكب ،

عين الحيوان ، المعابد، ريش الزمن ، يد السنبلة الممدودة ،

تنفس الغصن تحت الثلج ، لا وجود للروح ولا للذهن

كيف تصل الروح حتى تتحرر من المادة ، إلى العليقة المشتعلة

في ما وراء الخليقة ؟ هل الغبطة في اللامتناهي

أم على التراب والطبيعة ـ الخديعة ؟

في شوقنا وعطشنا إلى اللامرئي ، نخترع الآلهة من أجل المحتوى

الرمزي للوصول إلى ينابيع الأبدية ،

موت في الموت

وحب في الموت

تدور الذرات

وتتفاعل الذبذبات

والعقيق الأزرق للروح يتلظى في ماهية عذاباتنا الأزلية ،

آلهتنا صور وأساطير

المسيح لا يقبل التناسخ الهندوسي

وبوذا يرفض التثليث المسيحي

هل للعالم غاية ؟

هل له علة أو مغزى ؟

في هذه الزهرة النحيلة المرتعشة في ليل الصيف:

البتلة ، التويج ، الساق ، النسغ ، المدقة ،  الأوراق ،

وحده الجمال ـ قنديل الروح

يشع ويمطر من سماء المادة التي تحتضن الأزل .

 

7 ـ ضجر الإنسان الذي يرحل من دون أمل

 

تماثيل منحوتة من ينابيع عتيقة ، تماثيل ضجر وتململ

تماثيل ظلام وحجارة كريمة ، ضجر في الشهوة   ـ الصقيع

في أنفاسنا التي تتضور من الجوع ، في الحشرجات العميقة لوعودنا المندفعة أمام تعفناتها ،

في وجوهنا المعلقة والخبيئة في حافات الظلال والمفتوحة على أرض القبلة

في مخالب النار المتسلحة بشهقات الأنهار

في صمت الصيف الذي يهدم باندفاعاته السدود والأعمدة العالية لضجرنا الشائخ

في سهاد المرجان والاخطبوطات الذي يتألق في انعطاف الموجة

المزدوجة ، كيف أنزع القناع عنك يا كلمة مبددة ، لا صوتها يسهر ولا ثمرتها تجرح البركان ؟

شواطئ انتظارنا مليئة بالطحالب والريش والأصداف والغبار

بأي حجر نلوذ حين يتقدم خر يفنا، دافعا أمامه أثدائه المترجرجة والمتشابكة ؟

تهبط البذرة من سلم الليل ـ المرآة ، وتتوسد خشخشاتها التي ادخرتها لأحلام الصيف ؟

محراث الضجر يحفر تربة عظامنا الشائهة في دهاليز تململها ، ضجر الفضاء

ضجر الأمكنة والعصور كلها ، ضجر النظرة المملحة للفهد الذي يكمن للطريدة

ضجر الإبرة أمام أجنحتها الخضر التي لها عيون منبطحة

ضجر المياه فوق الأرض الصخرية المختنقة في عطشها

ضجر الإنسان الذي يرحل من دون أمل أو ظل متحفز

على أبواب العالم المتصدعة ، الكينونة ، الإرادة ، ،الفعل

ضجر الولادة المتشابهة من دون أغنية ولا كلمة مؤرقة

ضجر الوسادة المنكسة للحظة الموت المعتمرة رائحة الهاوية ،

يا إله ضجرنا ، ترتد صلواتنا إليك مرتطمة برماد تضرعاتنا الشائكة

امنحنا صاعقة نحيي فيها تمزقاتك وأهدابك المظفورة ليأسها وتعفناتها

امنحنا مرآة نهدئ فيها جنوناتك التي تختزل وتحلج حيواتنا النهمة

لامتحان ضجرها وتفاهاته القديمة ، نيران سهادنا مرصعة بالصرخات والرياح الثقيلة ،

لماذا لا توقظنا البراكين ولا هفهفة السنبلة ؟

هل نحن نسور توجعها أعشاشها المأهولة بالقبور المتألمة والمتأوهة ؟

حيواتنا طرق بلا علامات ، لن نصل إلى فجر العتبة الهادية

ولن نجد بذور المعادن المتأججة التي تفيض في ترملها ، حيث تمتد ظلال الأبدية إلى ما لانهاية ،

شعلة الضجر تبحث عن جهة متنفسة للعالم المزدحم بالأنقاض

وأجنحة الساعات الهرمة ،

ليل العشبة .

 

8 ـ شعلة الماضي

 

يا موت: امنحنا شمعة أخيرة ، لم تبق لنا العاصفة ريشة نجمة ولا غصنا

نلوذ برحابه ، في أعالي منابع أ نهارنا تنبت حشائش أحزاننا العالية وتنشر

أريجها فوق هضبات ليل العالم ، لنا تحت سماء العراق المشققة منازل أطبقت فوقها الهاوية

ولنا في شجر النخيل المهدم ضوء شفيف ، الذكرى شعلة ـ الماضي

والبرق يترك أسلحته العارية فوق التراب بانتظار فجر جديد يعيد

للأرض شفافيتها ، نعمة الديمومة والغفران ،

قلنا : هذه الأحلام الأسيرة، لهب السيف الذي يدفئ أسرارنا الكبيرة

وقلنا : هل نتلهف إلى أيامنا التي دفناها هناك معلقة بين السفح والهاوية ؟

أين نجد الآن خزائن الطفولة التي  تحنو على رماد مصائرنا المتأرجحة

بين الينابيع والحجارة ؟

هذه الجروح العميقة التي تئن وتتنهد في كهوف حاضرنا المنزلق صوب

الهاوية، وعود آمال تغزل لنا السعف الدفين وتدلنا على طريق الرابية ،

أيتها الذكرى ـ يا شعلة الماضي

اصعدي

وليكن  لهبك العاصف دليلنا إلى الأدراج .

 

9 ـ في حديقة سعدي يوسف

 

اكتشفت هذه الكلمة

عندما كنت أتأمل شجيرة الحبق الوحيدة في حديقة سعدي يوسف

في عمان ، اكتشفتها في اللحظة التي تذكرت فيها ذلك الكوخ المنعزل

في { راوندوز } الذي قصفته مدفعية ميدان الفرقة 23 عام 1987

وقتل فيه شاعر كردي ، هذه الكلمة التي اكتشفتها

فككت لي المعنى الغامض لهذه الجبال التي عبرتها عدة مرات ، حاملا فوق

رأسي نذر النسور، أي لهب كانت تخفيه هذه الكلمة ؟

أحيانا كانت تغطسني في بئر من الدماء وتعلمني المعصية ، وأحيانا أخرى

كنت أخونها فتهرب مني لائذة  بصمتها الذي يعذب صرخات العالم :

ليل الأبدية يضيء مقبض القصيدة

ويزيح الموت عن طريق الشاعر .

 

10 ـ البقاء لكلمته العميقة الخالدة

 

البقاء لكلمته العميقة الخالدة

هو اليعسوب الرائي ، غواص الأعماق اللانهائية

راصد النهنهات في الأعالي ، وارث الأرض والسماء ومقاليدهما

الشرارة المضيئة دائما في الهاوية ، الذي يكشف القناع عن أساس الوجود

والذي يلقي على الليل النهار ويقوي عزائمكم ويديم صمودكم

ضد التفسخات والذي يحرركم من سجن هذا العالم المشؤوم

ويخلصكم من عدوانية الطغاة المتوحشين ذوي العقول الشيطانية ،

البقاء لكلمته العميقة ، النار الكبيرة التي نضجت للتو في جنائن الحدس

لا يطلب منكم المثول خاشعين ليعظكم

بل ليمنحكم الشعلة ويفك رهائنكم ويطرد عنكم الخمول

والانهزامات ويعلمكم التبختر والمواجهة أمام الفناء

البقاء لكلمته

هو الشاعر ـ اليعسوب .

 

11 ـ الإله والملك في أخطاء أدونيس النحوية

 

في قصيدة مليئة بالأخطاء النحوية لأدونيس مكتوبة عام 1981

اكتشفت كيف يتحول الإنسان إلى إله والموت إلى ملك ،

أجمل ما فينا يختطفه الموت وتنهشه مخالب الزمن الحادة

لكن هذه القصيدة المتنفسة والأكثر سطوعا من الهاوية

هي إرثنا الباقي ، نحن الشعراء سدنة العالم

سنرفع الراية فوق خرائب فجر الإنسان ،

هذه الشجرة التي تخرج منها الغابة ، وتخرج من الغابة الإوزة الجميلة

في طيرانها المنير ، هي مغامرتنا في الصراع ضد الصرخات والأصفاد

التي تكبل الإنسان ، أكفنا المرتعشة مع موسيقى القنديل

عارية إلا من الجمرة الدائمة .

 

12 ـ الديمومة تتنفس في ليل الشجرة

 

شفافية كينونات ، انعكاسات بواسطة الكلمة النحلة ،

الوردة المتيقظة والعاشقة لانفجارات العالم التي نلمسها في تلاحم

هاويته وصيرورته ، في تنفساتها ، في تنهداتها  ، تكبر وتزداد جمالا كلما تصلبت

أغصانها واقتربت من الموت ، نشوة مضادة ، توهجات مكبوتة لسماء ترفع

أدراجها وتنحني لمرور الغيوم  ، الديمومة تتنفس في ليل الشجرة وتحطم الأحلام ،

جروح أشواقنا السرمدية انفتحت فيها عيوننا على أنهار تسيل فيها الفراشات والمدن القديمة ،

صيحة الثمرة المحفورة في غبار الروح ،تلمسها إشعاعات الوجود

كم تلمس شظية تسقط من هندسة الزمن .

 

13 ـ عطش الشهداء

 

كنت أحلم بانفجارات الذهب والنوم في المروج التي تعطرها الصاعقة

بالحرية توقظ كرستالات الكائن ، بالمحاصيل الضائعة التي يتقنع فيها طائر أبو الحناء

بالصحراء رقيقة الجاذبية ، بالمرأة ـ الإعصار

بالغبطة تتقهقر في تنفس المفاتيح ، بالينابيع تطرد الصيف وتهدي الرماد الى القبلة

بالزمن ـ الشراع ، بالأفعى تغفو على ركبتي المنحوتة في سهر الشفق ،

لا أحلام الآن ، أريد النوم فقط لأغني عطش الشهداء .

 

14 ـ نصبوا الشراك بين الأدغال

 

جاءوا عبر الوادي المظلم يتقدمهم رتل بغالهم المكتظة بالحشرات و قناديل

خصوما تهم التي تطلق حمولتها من بعيد ، أسلحتهم المزيتة حجبت عنا

قيلولة النجوم العتيقة ، وسجونهم أيقظت ذخائرنا من نومها الهادئ ،

من أين جاء رجال المكائد هؤلاء ؟ من دلهم على طرقاتنا وأعشاشنا اللامرئية ؟

في الوادي كانت لنا ضباء ترعى نباتات الشمرة ، كانت لنا الثعالب المستأنسة لخبثها ،

الغزاة انهمكوا في هندسة أعمالهم الدافئة ، نصبوا الشراك بين الأدغال والثمار السهرانة

أخذوا النيازك ـ الغنائم / وكلابهم تعوي خلف النهر الأكثر جمودا من صرخاتنا المستسلمة .

 

 

15 ـ صيدلية الأبدية

 

ظلال أيامنا المنتصبة ، أعمدة  رومانية لا يوقظها العطش ولا أنفاسنا

المتقطعة والمطبوعة في كتب الصيف ،

[ الماضي ـ الذهب

أنت دعوته بالأب الجميل

مات من دون أن تراه

هل كان لديك الوقت لتحضر جنازته ؟

كنت منشغلا بقص وتشذيب حشائش موتك

تهدمت أسوار الوطن ودخل الأعداء بأشجارهم  المغلقة من جديد ]

والآن ـ لا جرح يغفو ولا صرخة تزيح الغبار عن عشب حيواتنا المشققة

ظلال أيامنا المنتصبة والمحترسة في كل الأزمنة ، مستترة في حشائش أوثانها

ولا تومئ للعاصفة ، والظلام العذب يسند أجراسه بحذر خشية الكوكب

الذي يرطن محملا بأسلحته الكبيرة ويمهد الطريق للقادمين إلى صيدلية الأبدية ،

وحدها الدمعة الجليلة جلال الحجر ، الدمعة التي نأسرها ونكسرها ولا تتألم

برق سماء أخرى تحضن تحت قصدير تأملاتها المرتعشة لغات وحروب الماضي ،

ما الذي يجعلنا نتعذب في غبطة الظلال العصية والممتنعة ؟

القرابين المعلقة .

 

16 ـ الهاوية القنديل

 

حياتي مترنحة ، مرتعشة تهزهزها العادات مثل وعود تمطت وتهرأت

في جغرافيتها ، ظلامي الذي بستنته يعريني كما برق يأسر البحر

ويضيء الحافات في الهاوية المحطمة ، في أسرار الطحالب ، في خيانة اليد وعشبها الطويل

في ضوء السنبلة المعدة للقربان ، في الأرض المحفورة حيث امتحان الجذور والأثداء

في الشفاه الممتدة على الشواطئ ـ الأبواب ، في دوران الأفلاك ، في البذور التي ينعشها صوت الصيف

سأذهب إلى حيث لا تدركني حياتي ، الحلم قناعي الحاضر القديم ، عشب صرخة يختر قني ، يكو نني ،

مياه القنديل في تماسكها ، في تقاطعها ، في توافقها ، رغبات مختومة في الظلمات ،

هل الوجود والعدم يتعارضان دائما ؟ هل يذوبان معا في شكل [ ما فوق ـ الوجود ] ؟

هل الثمرة التي تطلب وجودها هي التي تدمره ؟ هل سكن المنفى فينا نحن الذين نحيا في اللاوجود ؟

المتأمل يرى كل شيء إلا نفسه حين يهدم الدرج بعد أن يصعد إلى الهاوية ،

عين الشاعر المنقلبة ، وميض هاوية لا قعر لها ،  الهاوية للنشور ، الصيف الليل في تعطفه وتحنناته على الغرباء

الهاوية قبر القوس ، الكلمة ثدي القنديل ، الهاوية النمور ضد العدالة وتوحشها ، الدمعة للتدنيس

الهاوية تقودك إلى الآلهة ، نيران الموتى حدائق تنفتح على الضفاف

الهاوية تتمطى بي ، هل يحارب الملوك من الضجر ؟ الهاوية راية يعجز الجبل عن تركيزها ، الجبل الريش

الهاوية تتفكك في تململها ، قمح الأدلاء في أرض التيه

سأخرج من حياتي ، أدخل في الهاوية ، تستقبلني بحنو صاعقة الحلم وتريني العالم خارج أسواره الحصينة ،

هل يذهب المنفي إلى الحقول الموقدة

حين تبكي الشموع ؟

 

17 ـ الباب الوردي الأكثر سهرا من الثلج المرتعش في المرآة الجانبية

 

ستموت هنا وحيدا حيث نفيت

ستنسى هنا كما لو عشت حياتك ، نحلة ضجرة في أشجار لا يملكها

أحد ، ستحمل صليبك من دون مشيعين أو رخامة يكتب فيها اسمك

عبوديتك الهادئة واللصيقة لشقوق القصيدة ، أحلام تنغلق على نفسها

في مواجهة البحر ومطرقته الأكثر ضخامة من ليالي المنفى الثقيلة ،

دائما في النيران المربوطة بجروح القتلى ، مع صيحات الطيور

مع الجراد الذي يحدق في مرآة الأشجار المحروثة

مع الفراغ ونوافذ دهاليزه المغلقة

ستبقى من دون ضوء أو نسيم أجنحة يدفع الأسلاك عن جروحك

المفتوحة ، سينسونك ، ستكون ثمة دمعة وحيدة ويابسة وراء

شعلتك التي خلعتها بإهمال على الرصيف ، الحياة العاصفة التي عشت ،

الحروب التي حطمتك ،

الوطن الذي خذلك ،

الخراب في أعالي الأنهار ، والظلام ينطبق على الأرض النبية

حيث لا ثمرة تستيقظ ولا مطر يحنو في صراخه على سياج الحديقة ،

كم وددت أن تكون جمرة تدل الطريق إلى الغريب

أو قافلة تدل المدينة المتنهدة إلى الحرب ؟

آه ، أيها القصب النقيض الشديد الصمت

أيها الباب الوردي الأكثر سهرا من الثلج المرتعش في المرآة الجانبية

قارعو طبول الهزيمة يخرجون إلى العيد ولا يمسحون دموعهم ،

زمن الدهليز ـ الخيانة

للذين يعلقون صور الأجداد على الجدران الرمادية الخضر .

 

 

18 ـ دليلنا الذي كفناه باستقامة

الكلمة عيادتي

أيقظتني ، أنهكتني ، طاردتني وفي زعفرانها نمت وتدثرت وتواضعت

حين انقضت على آمالي صقور السجن ذات المخالب اللينة السخونة ،

غسلت في نيرانها السهرانة خطيئتي ونسجت كفني وضوء الأبدية

أكلت من خبز قربانها وفي ظلال تماثيلها اللامرئية تطهرت ،

هجرات في المجاهل ، في الشقوق ، في الأنهار ، السفوح ، الهاوية ، الخزائن ،

الكلمة ـ السحاب على الكتف

ضوء في سقف اليد

وفوق الرأس طعم النجوم التي مضغتها الشجرة ،

هل تعود إلى أبوابك المغلقة وتناقضاتك الدائمة ؟

النبع الذي ينزف من الصخرة العارية المغطاة بذهب الأحلام الرقيق

أكان دمعتك التي ربيتها في حقول القمح منذ سنوات ؟

في الظلال الموحشة ، في أظفارها الشاذة الجميلة

في أنقاض المهد ـ الضريح

في صيحة الريح الوحشية لسلالم أ نهارنا العتيقة

كانت حشرجاتنا التي تجمدت هناك تصعد دائما من دون جمرة

رفيقة ، وحيدة فوق النوافذ الصدئة ، في العتمة المنقلبة

الآن ـ امتدت سنوات النفي وما عاد المهد ـ الحلم هو ما تأمل في رؤيته

أو صيانة عهوده ، صعدت الأشواك في مرآة ليلك الكهل ،

في الكلمة عثرت على تعزية ، وفي التعزية

على حصان لا يجرح موتك في الريح التي تدفع أشرعته ،

هذا الغصن المقطوع الذي يظلل الغريق العاشق

هو الحصان الذي يحمحم عند بوابة الليل ، الغرباء وضعوه هناك ،

الكلمة هنا من أجل تضميد جروح العالم

من أجل الوعود التي لم يف بها أخوتنا الحكماء ، أصهار المكيدة

والنجوم المتأرجحة المختفية والخائنة ،

في المجاهل ، في خشخشات أوراق أشجارها الخفيفة

يصعد هناك دليلنا الذي كفناه باستقامة ويحرث

الأرض الخطرة للذين يحملون صلبانهم ،

الكلمة ـ الحرية .

 

 

19 ـ ميراث شيوخنا الذي نحافظ عليه ونصونه من الصدأ والنسيان

 

من أية تخوم هبت علينا رياح الوطن العنيفة ونحن في هذه الأصقاع الغريبة

ندشن قبور شيوخنا وأحلامهم الخلابة ؟

[ تساور الرغبة الشاعر في الموت طوال حياته ]

دفنا الشيوخ تحت حائط سور مظلم ودفنا ريشهم وساعاتهم ومحفوظا تهم

لم نكتب الأسماء ولا تواريخ الميلاد والموت ، لأنهم لم يهبوا للدفاع عنا

حين اجتاحنا طوفان القتل في بيوت وجبال وبراري الوطن ،

استعذبوا الخروج وناموا في العراء يتوسدون خطب مؤتمراتهم

وسكاكين انشقاقا تهم ،  صقور هرمة تنتحب في أقفاص صنعتها بنفسها ، تمشط أجنحتها

رياح المنفى ويضيئها الحنين ، هكذا اعتبرنا شيوخنا حين ألقينا عليهم

النظرة الأخيرة ، أولئك الذين لم يحطموا الأبواب بالأسلحة ولم يوقظوا براكيننا ،

رياح ، رياح تتشابه وتتماثل مع القبور التي أعدت لنا في ليل المنفى ،

ميراث شيوخنا الذي نحافظ عليه ونصونه من الصدأ والنسيان .

 

20 ـ أداعب موتي وأهزهز مرآته في دهليز البجعة

 

في هذا الدهليز

عشيقة خائنة تدس السم في طعام البجعة ، لسانها العفيف يقطر

غلظة وسفالة ، أوثقتها عند منتصف الليل في سلم مهدم

نادت على محاربين من العصور الوسطى ، جعلوني أنظف حدائق

في كوكب آخر ، أغرز سكاكين في ليمون موضوع على طاولات

غير موجودة

سال دمي

وسقطت مبعثرا

تعلقت أنفاسي بمسامير مكسورة

نهضت وضمدت جروحي لاهثا تحت أشجار نجمة تقلب صفحات

غيمة مستعجلة ، المحاربون الغلاظ بأسلحتهم المشحوذة وجزما تهم

الضخمة ، راحوا يثبتون كلمات محروقة فوق جبيني وتحت قدمي

خلعوا ثيابي

وسلبوني شبابي

لملمت نفسي وتظاهرت بالموت ، تركوني معرى أداعب موتي وأهزهز

مرآته في الدهليز مع البجعة .

 

21 ـ أرض التيجان المزروعة على الأحلام الجريحة

 

أرض التيجان المزروعة على الأحلام الجريحة

الأرض التي شردت أبنائها وهدمت جسورهم المترنحة

متذمرة حتى من حقولها التي تحترق وتنزف ، ومن جبالها التي تنعطف في طرق لا مرئية

أرض ـ سبخة

بكينا عليها وصلينا من أجل أن يعود إليها ورثتها القتلى

لكنها ألقت بصلواتنا إلى الهاوية ، وبلا ندم أو حكمة

ظلت نائمة في خمودها المفتوح على مصراعيه .

 

 

22 ـ مصابيح صيفنا العليلة ـ أشجار فوق الطيور

 

يا بلاد الهاوية

في عوائك المستمر منذ قرون ، في رقادك المجرم الطويل ، في أوهامك المتجددة دائما

في شواطئك الذهب التي بلا زنا بق أو أجراس ، تصعد الرقصة القصيرة

لحشراتنا التي تستوطن ليل القتل ، أين سطوات صقرك الإمبراطوري الرث الآن ؟

أعشاب ، أصوات ظلام قبور، جلود كوبرات ، أصابع ربيع مسلوخة ، ليل مدافع ،

والرغبات المرمية في براميل القمامة ، والجنرالات فوق التل ، والأعداء الذين توهمنا هم ،

من عوائك تصنعين أوركسترا تمتد حتى تخوم الأبدية

ومن أيامك المبعثرة على طرقات العالم ، تشتلين دمعة حادة

الحافة ، ومن حبك المجنون ، معبرا لتهريب شهقات الماضي ،

يدك التي رملتنا ، أغلقت خلفنا الباب وتدثرت في رائحة الأنقاض ،

نسمة يابسة تجهل جروح السر وات ، يا بلاد الهاوية

أشجار فوق الطيور ، حيث تتأرجح مصابيح صيفنا العليلة ،

أشجار خمول ، ضجر ، دوائر ، شمس اللا عقل التي تلهث وراء كلابنا وهي تطوي الرايات ،

يا بلاد الهاوية ، يا ليلا ينجرف تحت الأمواج حيث استراحت أحلامنا

مياهك المليئة بالأسرار ، مياه سجونك وبطشك ، مياه الغبطة العدوة ،

مياه معصيتك ، مياه الاعدامات ، المليئة بالنسيان ، الملتوية .

 

23 ـ فراشات تخطف الجزادين وتعض الأطفال في الشوارع

 

في أحلامي الأخيرة التقيت بوجوه صدئت تحت ظلال القضبان

التقيت بطيور مليئة بسماوات وبمدن تدل الطوفانات الى البيوت ،

هل كانت حياتي التعيسة من صنع يدي ؟

ثمة أدلاء بخرائطهم وكاميرا تهم يدلون العاصفة على أشجار أيامي ،

ليل عدو ، ليل طاغية ، آه ، يا أرض الذهب اللهب والنخل القتل

تحية لضروعك التي خلقت جناتنا المسيجة بالحراب ، تحية لترملك والخراب

تحية لرياحك الحانية على الموتى والتراب ، تحية لنا نحن ملحك الذي تبعثر في السراب ،

أصدقائي الذين ضيعتهم المنافي ووحدتهم القصيدة ، ليست لي عطورهم

وليست لهم صرخاتي ، في الطريق إليهم كانت حمولتي صورة السياب ونخلة وشظايا قذيفة ،

ألقيت عني مذلتي واستلابي وصرخت : وداعا لأرض عشقناها ودمرتنا

وداعا لأرض ابتلعت مصائرنا ، وداعا لأرض سلطت القتل علينا

كانت أياما ظالمة يا إلهي ، كانت جحيمات

كان القمر العراقي الجميل يصب زيتا حارقا وكانت الفراشات

في الشوارع تخطف الجزادين وتعض الأطفال في الشوارع ،

كانت كل ندبة في الشمس مقبرة لأحبتنا ، وكل غصن ينكسر ، فجرنا الذي يموت ،

جمجمة هنا وأخرى هناك وما بينهما تتنزه الاطلاقات ، الشمس فوق العراق عربة إسعاف

والأمطار سجن .

 

24 ـ هلاكات ـ وساوس

 

كلما حدقت في المرآة ، لمست موتي وتمددت  تحت ليل زئيره اللطيف

هل لي قبر سوى المرآة   ؟ هذه الحياة التي عشتها ، شظف ، قلق ، تعب ، رعب ،

هلاكات ، وساوس ، فجيعة إثر أخرى تلد وتنمو وتشيخ ،

هل للإنسان مزية على الحيوان ؟ كلاهما يموت ميتة عادلة ،

العشبة ، العشبة تكمن للصاعقة في الحقل الضباب .

 

25  ـ فاتح أسبانيا

 

تحت عشب النجوم المكسيكية ، نجوم الهنود الحمر التي حاولنا دائما

الإمساك بسكاكين وقائعها المأساوية ، رأينا الجندي الأسباني الأكثر

انتظارا للصاعقة من شجرة ، يمضغ التعاليم الشيطانية التي أعطتها له

الملكة إيزابيل وربما الملك فردينا ند المنتشي بتطهيره الشامل لشبه

الجزيرة الايبيرية من آخر عدو موري ، هذا الجندي محترف القتل

جواب الآفاق بملابسه الرثة وسيفه الأشد لهبا من الجحيم

الذي كان يجلس تحت الأهرامات  الازتيكية ويتذكر سنوات شبابه

في معسكرات الأسر عند الموريين في طنجة والقيروان ،

ماذا فعل يا اوكتافيو باث بمناجمك ورهبانك وآلهتك التي خلقها

هنديك الأحمر ؟ ما الذي تفعله المكسيك بعذراء غواديلوب

وأوهام المسيحية المتحضرة ومصارعة الثيران ؟

قمح صخري في فم القديس الهندي ، دنس في [ حجر الشمس ]

وأسبانيا العليلة منذ قرون ، كلها قبر لقصيدتك التي هي ضمادها وعطرها ،

باث ـ القديس

فاتح أسبانيا .

 

26 ـ شقة على الطراز السويدي

 

أعيش هنا منذ شهور في شقة على الطراز السويدي

تهتز حياتي فيها متأرجحة بين الألم والضجر

أين أهرب من رماد الماضي الذي يسيجني بسياجات طويلة ؟

أين ألبد من عواء جروحي ؟

كل القبور التي شيدتها تهدمت ، والحياة في هذه الشقة  لا تشبه

تلك التي عشتها في كوخ القصب في [ الناصرية ]ولا ذلك البيت

القبر في بغداد ولا ذلك القسم الداخلي في [ الباب المعظم ] الذي

كنت ألبد فيه في هروباتي المتكررة من الخدمة العسكرية ،

ولا ذلك الملجأ المقصوف فوق جبل [ نواخين ]ولا تلك الغرفة

المظلمة والرطبة في [ عمان ] ، ضع يدك فوق رأسي المتألم

قذائف ثقيلة ستنهض من سباتها ، ليل حياتي هنا ، دمعة كبيرة

ما أوحش الحياة في شقة على الطراز السويدي ،

ـ ما الذي تريده أيها الغجري ، يا جواب الطرقات الهرمة ومغني العذابات

واللوعة الشجية ؟ ـ [ الجدران بأهلها ] أريد ظل نخلة في هجير العراق

أريد ليل العراق

أريد قبرا بالعراق

أريد ضيم العراق .

 

27  ـ حديث صاحبة الحانة الأسبانية

 

جئت حانة [ مالقا ] الأسبانية ] في [ مالمو ] تثقلني الهموم والأوجاع

أبحث عن انكيدو آخر يمنحني إنسانية السلوى

عن كأس يدفع لي بالمجان أفرغ فيه بعض أحزاني ، قالت لي صاحبة الحانة :

ـ [ إلى أين تسعى يا نصيف الناصري

أن الحياة التي تريدها لن تجدها

حين خلقت السلطة المنفى ، قدرت الموت على المنفيين واستأثرت

هي وشرطتها بجنات الوطن

أما أنت يا نصيف الناصري فليكن كرشك فارغا دائما

وكن حزينا متحسرا طوال الوقت

وأقم النواح في كل يوم من أيامك

والطم واصرخ صباح مساء

واجعل أسمالك نظيفة وزاهية

واغسل رأسك واستحم بالديون

ومارس العادة العلنية

وافرح الوسادة التي في حضنك

وهذا هو نصيب الشعراء في المنفى .

 

28 ـ انخيدونا

 

انخيدونا

بعد سنوات ، عندما عرفت إنك تعيشين في ذلك الدير الصغير

بأرض البافاريين ، توقعتها أن تصل لأرى بروق الموسيقى

التي منحتني إياها عزلتك المسقية بمياه البراكين

توقعتها أن تصل ، توقعتها أن تصل ، لحظتك الأبدية ،

كم من الجبال والأرخبيلات عبرت وفي داخلي يتململ سر انقطاعك

عن المجيء إلى الينابيع ، ينابيعنا التي نشفت من الشظف والضغينة ؟

مازلت بانتظار لحظتك تلك ، لحظة الديمومة ،

الصاعقة .

 

29 ـ إلى كمال سبتي  بإسبانيا و بالجحيم

 

 

1

مات الزمان والأزل

غطى الشوك جسد الطبيعة ، غطى الشوك جسد الطبيعة ،

أعشاش الطيور منفتحة على النيران الجريحة ،

لا يليق بسلطان الموت يا كمال ، لا يليق بسلطان الموت

أن يحجب حرير وجهك الحلو عن نظراتنا المشدوهة

قصيدتك قنديل الطريق الذي يقود الأدلاء إلى مروج الأبدية ،

نريد الآن أن ننزل الصاعقة على ليل المنفيين

كا كا سا سا حا حا كي كي ما

قتلنا السياب عام 1980 ولم نعد نرغب الآن في كتابة قصيدة ة حسب طريقته الجليلة ،

الشهرة حلبة صراع بين المتشاعرين ،

ـ 1989

ـ بغداد ، ساحة الميدان ، فندق الصياد

ـ كمال سبتي يحلق في فضاء المنفى ، يحرر أرض حياته المغتصبة ،

يضمد أحلامه ، لا الصوت اللازوردي لضروع قصيدته في ليل

العراق عاد مسموعا ، ولا الصلوات المرفوعة للحكيم في كنائس

الكلدانيين ، ولا خطوات الغرباء على طرقات [ الناصرية ]

 

مضيئة في دهاليز ومنعطفات شوارع أسبانيا [ وردته البحرية ] ،

هربت من قتل السلطة والحروب ، لكن الكوابيس تطاردك أينما حللت

هاوية تستقبلك وهاوية تحنو عليك وتوسدك أسرارها والجروح

هل حقا انتهت الحروب ، أم أن نيرانها التي تستعر في الأحشاء

لها بداية في كل يوم جديد ؟

أرى الآن شاحنة عسكرية تكدست فيها جثث تنزف منها

الإبر والساعات ، تلك الجثة المثقبة والمنتفخة ، جثتك يا كمال

أطرافك تنهشها الأسماك في نهر تسيل فيه جدائل المدفعية ،

رأسك المضمد ، شجرة تتقافز فوقها قرود بأجنحة حمر ،

تنتهي الحروب في زمانها ومكانها

تبقى الحروب مشتعلة في كل أزمنتك وأمكنتك ،

بعد 11 عاما من العطش القاتل بللتني أمطار صيفك في صمت السويد

تذكر يا كمال إننا لا نتسلق جبلا في تعظيمك وتمجيدك

عطر اخوتك يشع فوق جبال محبتنا التي تحتضن دمعتك وموتك

الشبيه بقلعة بلا حامية .

 

2

 

يذهب الحكيم إلى المنفى بحثا عن برق يضيء سنابله ويحنو

على قصيدته ، يفترسنا غيابه في البيوت ، في المقاهي ، في السجون ،

في الثكنات ، في المقابر ، في الجنون ،

يذهب الحكيم مليئا بالألم ، مليئا بالند بات

هو ذا نهر من الأمراض المزمنة يصب في نومه الخفيف

لا ذهبا يريد

لا تعظيمات

قصيدته سديم حياته المنكسة

قصيدته مدنه التي تذبل كلما سقطت قذيفة جديدة ،

الحكيم الجميل يبحث عن المنفى الجميل

الحرية

الشمس

الانطلاقات بعيدا عن الليالي الظالمة ،

في هذه المدينة التي أريقت فوق ترابها  في العصور الوسطى دماء آلاف

من العرب والبربر ، حيث الثلج يغطي كل شيء ، جاء الحكيم إلى غابة

أخرج فأسا ، كان يريد إيقاد النار ليوقف سيول حنينه ، تقدمت الأشجار

مزمجرة وصرخت : [ أيها الحكيم المنفي ، اذهب إلى الجحيم

لا تقتلنا بفأسك ، فأس الطاغية ] غادر الحكيم الغابة وغنى بأسى :

ـ بغداد الآن حمامة زرقاء جريحة

لا شجر

لا أمواج

لاسمك يسهر في الساقية

شاخ العراق

وشاخ الموت

والمنافي هي الباقية .

 

30 ـ النافاجو [ عن أصل النار ]

 

النافاجو

[ قبيلة هندية في المكسيك ]

كانوا يعتقدون أن الحيوانات أكثر حظا من البشر

لأنها تمتلك النار ،

النمر

والوطواط

والسنجاب

كانوا أصدقاء للنافاجو

حيث منحوهم أجمل ما في الوجود .

 

31 ـ رسالة إلى حسب الشيخ جعفر

 

أين تصوب نظراتك يا حسب والأفق مظلم وبهيم ؟

هل مازلت تعيش في [بيت الصفيح ] المعلق في سفح مهدم

بجبل [ اللويبدة ] وتصحوا في الفجر مهموما مع صياح أول ديك ؟

أين ولى أضيافك الذين كنت تولم لهم كل مساء ؟

انقضى يا حسب زمن الطيبة والكرم والأصدقاء الذين يأكلون زادك

ينفضون عنك من دون أن يتذكرك أحد منهم بكلمة طيبة

هاأنت الآن وحيد ، لا عمل ، لا مستقبل إلا ما تبعث به إلى صحف

قد توصد أبوابها بوجهك بين ساعة وأخرى ، لا ترى أحدا ، لا تفكر بلقاء أحد

الانتحار ليس حلا ، والعودة إلى بغداد مستحيلة .

 

32 ـ مرايا صدئة

 

الأطفال الذين يطاردون الفراشات في الحديقة

والآباء الذين يضطجعون تحت شمس الصيف في الحديقة

والذين ينزهون كلابهم ، والذين يغنون ويرقصون ، كلهم في سرور ونعمة

إلا أنت الجالس في البعيد على مصطبة متهرئة

نظراتك تكسرات أغصان وأيامك رمل وصبار تسمع ما بينهما

تنفسات الطبيعة المتقطعة ، الأشجار في الشفق البعيد مرايا

صدئة تعكس ظلال حياتك على هذه الأرض المتعبة .

 

33 ـ في الحانة الإيطالية

 

عبر في [ مالمو ] التي ذكرته بمدينة شاهدها في فيلم الصيف

الماضي جميع الأرصفة والميادين والمنعطفات ، كان يبحث عن

عناوين ووجوه أصدقاء موتى وأشياء غامضة تدمي القلب

وحين طال طوافه ، اختار ركنا منعزلا في الحانة الإيطالية الصغيرة

رائحة الماء في النهر المحاذي رفعت ذكرياته الثكلى من سراديبها

وطيور النورس التي حسبها أصدقاء قتلى ، كانت تقترب منه

بشدة حتى أن ريشها الذي تركته فوق رأسه كان رسائل من

جنود وشعراء غيبوا تحت التراب ، النادلة ذات الملامح

الفلبينية حيته ببلاهة ووضعت كأس الفودكا كمن يضع مكيدة

فوق الطاولة ، ظل ساعات يحتسي الفودكا اللاذعة ويتذكر

وجوه شعراء تركهم في عمان وبغداد وأمكنة أخرى

كان حزنه ينماع كما ينماع الملح في الماء

ظل يشرب ويتأمل

يشرب ويتأمل

وحين أسند رأسه  إلى الطاولة ذات الشمعدان البيزنطي

بدأ نشيجه المعذب يسمع من بعيد ، كان يبكي لوعة

ويرثي منفيين أمواتا وموتى أحياء في منافي وحروب

الوطن ـ القبر .

 

34 ـ سنبلة فارغة

ما من فجر ـ ما من أمل

الموت نجمتنا المضيئة في كل آن ،

السنبلة وحدها تعرف كلام الأنهار ، تعرف السر وعناده

نغوص عميقا في أذرع موتنا كما يغوص ألم في جمالات جرمه

موتنا الأليف يطير فوق مداخن ليل العالم وفي الكهوف ،

ذبلت آخر كلمة ، آخر قلعة شيدناها

الآن ـ نخلط صقورنا مع الظلمة الحانية من أجل الفناء الكامل

المدهون بحشائش موتنا ، جفت ضروع الصيف ، الأنفاس ،

ضوء الأحلام ، هذه الكآبة التي تتململ في يدي ، زهور لغات

تنتظر الحريق ، والبشر الذين ينامون ، الذين يموتون في عاداتهم

يكسرون آخر حلم قبل مجيء الفجر ،

ألمحها في الكأس ، القبلات العميقة المطوقة بالأنفاس المنمحية ،

الصرخة ، صرخة الموت في متاهته الأمينة ، حيث الحياة في قاع ليل الإنسان

سنبلة فارغة .

 

35 ـ وديعتنا من أجل إذلال الليل

 

هنا أشجار ممدودة باتجاه أعناقنا ، تفتح نوافذها الذهبية وتتوسل

رفعنا عن الأرض حيث الريح تكشف مناجم جديدة وساكنة

لملوك رحلوا العام الماضي إلى تخوم بعيدة   ،

لا سهر يصفو ولا كلمة تتقد في دموعنا الأسيرة ،

البرد وطينه المحمل بالألم يسكن مرآتنا ويهدم

أعمالنا القليلة التي يقتات منها النسيان ،

الجمرة  السهرانة ، وديعتنا من أجل إذلال الليل وانحناءات ظلاله

الخشنة ، خارج أسوار السنة  ندفن أيامنا المقطوعة ، نغطيها بكلمات

وساعات تركض محمومة صوب الشاطئ الغريب للظلام

لكن نار رغباتنا التي تضيء صمت القبور ، تفاجئ الماضي ودفأه

المرفوع والمعلق بين العيد والسجن ، لاشيء يصعد في الثلج

لا العظم

لا الحجر

لا الضوء

آه ، لماذا نحن بعيدون عن السراج ؟ لماذا تكرر عيوننا سهرها وتتجمد النظرة الحادة ؟

 

36 ـ أعمق من ليل الحجارة

 

انطفأت القناديل وتهدمت شواطئنا الحصينة والمحروسة

لم تبق الآن سوى الخطوط القاسية التي تركها العدم لحيواتنا

المليئة بالنحيب والأعشاب العالية المضمدة الرؤوس التي تنهض

في المرج الدافئ العميق للخراب وتبحث عن الجمرة التي تنبئنا

بالموت المزدحم في طرقه اللانهائية المفتوحة على حافة الأبدية

حيث عمل الإنسان يشبه لزوجة النملة ،

أعمق من ليل الحجارة يتقدم الموت الباسل

لا سقف للإنسان سوى النحيب الذي ينفرج ويظلم ،

الثلوج  ظلال موقظة  لهتافات الموتى .

 

37 ـ خونوا موتكم  ، خونوا شمعته العليلة

 

يموتون بلا ظل ولا شمس صديقة ، حيواتهم المشئومة جمدها الخوف والحصار

ليل المخلب يتمدد فوق أغطيتهم وكلماتهم لا تزأر ، البوم والعنكبوت والخفاش في الأهداب

في الكلام ، في الحدائق المظلمة والعاطلة ، يا من تموتون بلا ظل ولا دهشة

يا من تحولتم إلى حشرات ، لشموسكم طرق العالم وترتجفون وتقشعرون وتتعذبون وتنتحبون

خونوا موتكم ، خونوا شمعته العليلة ، لماذا أنتم بعيدون عن الظل والعنقود ؟

يا إلهي : ما هذه الحيوات المزروعة للرماد الثقيل تحت عيون تنظر إلى التماثيل المحطمة ؟

 

38 ـ حياتك التي تكسرت قناديلها هناك

 

هذه الحياة اللعينة التي تحمل ماضيها هنا وسط الرعب والجحيمات ،

الحياة التي تشققت سقوفها هناك ، والآمال الخائبة

دعها هي والماضي تغني الفردوس المفقود إلى ما لانهاية

لكن تذكر ، الآن ـ في هذه المدينة حيث ضوء الفجر يرفرف

فوق الصخور والمطر يتراقص بنفسجيا والسنابل تتنفس في الحقول

فإن كل شيء عدا هذه الأشياء ، أوهام وجهود ضائعة

قل لحياتك التي تكسرت قناديلها هناك : [ وداعا ، وداعا لتلك الأيام الميتة ] .

 

39 ـ برودسكي ، البحر الكريم

 

زاحفا تحت ليل المنفى الطويل ، يرتل صلواته التي تنكرها

آلهة الدولة ، ضوء كلمته يشع في كل مكان من العالم

برودسكي : البحر الكريم ، إله الشعراء المنفيين الذين علمونا أن لا نخون الضمير ،

من شعلته العصية ، عرفنا الأسرار ،

لماذا نرفع أبصارنا دائما صوب سماواتك الغريبة ؟

 

40 ـ شمس مستمرة كما الأبدية

 

تر وتسكي ،

قلعة عالية ذات جدران خضر ، مكتبة ، محابر ، سنوات نفي ،

سنوات حسرة ، سنوات المدن الغريبة ، ابن اغتيل غدرا ،

ابنة انتحرت في ظهيرة عدوة ، تاريخ الثورة الروسية ،

الثورة الدائمة ، الثورة المغدورة ، دسائس وطغيان ستالين ،

تر وتسكي ، شمس مستمرة كما الأبدية ، لحية رسول ونظرة صقر ،

فوق رخام القبر المفتوح على الفجر الوردي ، يقف ويضمد شجرة جروح الإنسان .

 

41  ـ لا أحد يصغي لكلماتك في الهاوية

 

لا أحد يصغي لكلماتك في الهاوية ، ولا سنبلة تطير في ظهيرتك المستسلمة للسهاد

أيامك المبعثرة والمشئومة ، بلا ضوء ة والأرض التي ملأتها دماء القتلى

تحرسها دموعك كما يحرس النهر ضفافه .

 

42 ـ استفزازات

 

ـ أين كنت حين تعرت مارلين مونرو في الشارع ؟

ـ كنت عائدا من الحرب لأدفن أمي في حديقة الظلام

ـ وحين انهمرت الشظايا فوق تمثال السياب ؟

ـ كنت منهمكا بكنس روث شعراء الدولة

ـ ما هذه التي في فمك ؟

ـ استفزازات

ـ أين كنت حين حدثت الجريمة واغتيل الشيطان ؟

ـ كنت أصلي على شاطئ نهر الهموم

ـ وحين مرضت سماء بغداد ؟

ـ كنت أرافق حبيبتي إلى جبال الكآبة

ـ هل تحب فرا نكو ؟

ـ أحب لوركا

ـ ماذا تفعل حين يطلق سراحك الآن ؟

ـ أكتب قصيدة مديح إلى نفسي .

 

43 ـ حاضري العاطل عن الفعل

 

النار تنطفئ ، وينطفئ ليل النهار

الذكريات ، أحجارنا الصلدة التي نتفيأ تحت نجومها المرتعشة ،

لماذا لا يكون الحب لامعا مثل الألم ؟

هل يستطيع الألم أن يرفع ظلاله من النار الدائمة ؟

أفكر في أيامي الميتة وأود أن أوقظها بصرخة وحشية

أو أوقظ نوارسها التي تحلق في اللامرئي ، والطحلب الذي يتوغل

صوب حاضري العاطل عن الفعل ، الذكريات أرض مظلمة

مطر أخرس تبكي عند قلاعه الضخمة صحراء دموعنا .

 

44 ـ حياة تستحق أن تعاش

 

آه ، رفائيل البرتي ، رفائيل البرتي

لماذا لا تبدو غابتك الضائعة شبيهة باخفاقاتنا ؟

قرأت حزنك الأسباني العميق ولن أطالب بسرور أكثر ،

سيأتي الموت ويحصد حقول الرمل التي زرعناها في أرض

هذا العالم  ، وأنت رفائيل ، هل تمنحني قيثارتك وليالي  حزنك وشهقاتك ؟

يسألني التاجر : كم ضيعت من سنوات من أجل الأحلام ؟

فأقول له : اصطدت حياة تستحق أن تعاش ،

أيها الأب رفائيل ، سنوات ، برفقة الألم ، سنوات برفقة

الحب ، سنوات برفقة الحلم قضيناها بعيدا عن الشفقة

والسخرية ، غدا سنخلف للآتين شعلة ضخمة تشتعل دائما ،

سعاداتنا ، كلمة تضحية .

 

45 ـ الجنرالات يعلقون الأخطاء على السلالم

 

الجنرالات علقوا مساطرهم فوق هذه الجدران المهدمة بانتظار

حروب أخرى أكثر ديمومة من مياه عميقة ،

هنا الأشجار ببيوتها التي تغني فيها اليعاسيب ، تمد أصابعها

المضيئة صوب ينابيعنا الناشفة منذ مجيء الجنرالات ، أين ندفن رغباتنا المحطمة في الصيف ؟

أين نزرع عظام قتلى حروبنا ؟ لنا هذه القناديل الفقيرة بضبابها الذي يتكئ على صخور

محطمة ، علامة حياة ملطخة بدم أسود يصعد من الهاوية

ولنا هذه الأحلام المتشظية التي تصعب ملامسة غيومها ،

الجنرالات يعلقون الأخطاء على السلالم ويتسللون بغدر

إلى نار المجد ، جرائمهم مشعة كما الخديعة وخرائطهم عشب يحترق .

 

46 ـ عبقري مثل نابليون

 

ـ أين العاشق الذي انطفأت جذوة حبه ؟

ـ يجلس في الحانة ويلصق أخطاءه بصمغ الأحقاد ،

ـ والشاعر المستلب حد اللعنة ؟

ـ يمزق نفسه بالرغبات السريالية ،

ـ هل أنت عبقري ؟

ـ أجل ،

ـ مثل نابليون ،

ـ مثل همنغوي ،

ـ درست في جامعة ؟

ـ تخرجت في ثلاث جامعات ، الحروب وبغداد والصعلكات ،

ـ تكتب مثله ؟

ـ أكتب بعناد على الرغم من أن طعامي يقتصر على الخبز والبصل والخمر ،

ـ هل تخاف ؟

ـ ليس من الإيدز أو الحرب الذرية ،

ـ هل تحب الحياة ؟

ـ كلها ، بكاملها ،

ـ وحالاتها التشاؤمية ؟

ـ أنا أ قرف من سعي الآخرين المحموم لامتلاك الهموم ،

ـ هل تحب سار تر ؟

ـ كلا ، لأنني لا أخشى الموت .

 

47 ـ أبواب السنبلة

 

فكرت في الزائل من أيامي وأحصيت أشجار حياتي التي تهدمت :

شجرة العائلة ، شجرة الطفولة ولطا فاتها الشيطانية ، شجرة الحروب

شجرة الصداقات ، شجرة النساء ، شجرة الصعلكات

شجرة الكآبة وأسرار شقوقها ،  جميع الأشجار التي تهدمت ، تتنفس مفتوحة على طرقات النهار

وكل ورقة سقطت من أيام حياتي ترقد مطمئنة في هدوء تام،

لا أريد لنفسي سوى هذه الجنونات الحميمة التي تلازمني منذ

الولادة ، سوى اللعثمة والدهشة أمام أبواب السنبلة وصراخ

الأشجار التي تتفكك وتتقطع وتزهر وتثمر ،

ذهب أشجار حياتي المهدمة يتدفق بغزارة ويصير سدا يفصلني عن رماد الحاضر وأنهاره الجافة .

 

48 ـ بكآبة أتمدد فوق حديقة المسامير

 

بكآبة أتمدد فوق حديقة المسامير ، نفسي مظلمة بلا نجمة ،

الليلة … ليس ثمة ملائكة يطرقون بابي ، لا كلام ، لا ضربات أجنحة

لا التماعة في العينين ،

بكآبة أتمدد فوق حديقة المسامير وأحلم بعاصفة

ترفعني إلى الهاوية ، لدي دمعة مجنونة تفتت الصخر وغطرسته

لدي صرخات تطفئ البركان ، ذكريات عملاقة  حاضرة

تهجم بعنف وتشقق سقف نومي الضئيل .

 

49 ـ الجمرة اللامرئية

 

تومض الجمرة اللامرئية في نظراتنا المصوبة باتجاه السر

تومض في الجذور وفي عشب الأرض السهرانة التي تترقب

صيحاتنا ، كلماتها في هواء الليل المثقل بالعطور الغريبة ،

تئن في ذكرياتها ، باكية كما الجذوع ، الجمرة العش  / الجمرة الثمرة

نحملها دائما وندثرها ونحميها من الطوفان

وحين نذهب إلى مروج القبر ، نتركها وحيدة بانتظار صديق جديد .

 

50 ـ أعد لنا أرض سهراتنا

 

أيها الغريب

خطواتك المضيئة في ليلنا الأسير ، شعوب كلمات تدفن موتاها

في أرض النجوم ، نمشي خلفك إلى ضفة النار عراة إلا من صرخاتنا

ودموعنا محبوسة في ضياء كوكبك الذي ينعس ، أعد لنا أرض سهراتنا

أعد لنا  أ نهارنا وقبورنا التي هجرتها الطيور .

 

51 ـ اخوة دمعتك ومكحلتها

 

تسهرين سهر الثمرة وهي تنتظر الجائع الغريب ،

شمس وجهك ترفع السر من ظلمته ، أنت أشعلت النار في الليل

فحطت فوق أشجارنا بروق نظراتك العاصفة كما ضياء نعمة ،

يجيء الغرباء إليك ، فراء دمعتك يدثرهم ، نار الليالي المعذبة ،

نار الحيرة ، تنام في عينيك الساهدتين ،

أنت النحلة الإلهية التي نخشى عليها من الطوفان

وأنت عسل كلماتنا اللا مكتوبة ، نتسلل إليك  مسحورين بنورك

الوحشي وتقوديننا كما تقودين الإعصار ،

لمن هذا البهاء العالي ؟ لمن هذه الخاتمة المضيئة في طرقات الهاوية ؟

يسيل الذهب من يديك ، يترصده الفقراء والأشجار والمطر ،

الغرباء اخوة ذاكرتك المدهونة بالعطور الحارة ،

اخوة دمعتك ومكحلتها التي تحرس البذرة ،تعبنا من جمالاتك

تعبنا من ودادك ، انتظرناك عند باب النار وكنت عارية في لهبك العميق ،

أمسكناك ، حضناك ، هززناك ، وكنت تتلوين في سطوعك ،

أيامك ذاكرتنا ، وذاكرتك أرضنا الجديدة ، هذه الشجرة التي تطير في محنتها ،

عطيتك لليل ، أنت العش ودفؤه .

 

52 _ اعترا ف إلى سعدي يوسف

 

طلبنا من السياب أشرعة

وطلبنا البركة

لا بويب في ليل العراق عرفناه

ولا أطفأت في صقيع المنافي

تنمل أقدامنا الحركة ،

أية مشاعل نرفعها عن السر ؟

أمام بيت الغيمة في جيكور أضعنا المفتاح ، فأضاء البنفسج سنوات الرغبة والحديقة ،

الساعات المعلقة في ليل المنفى تعبت من موتنا وتعبت أحلامنا في صيف الخشخاش ،

الضفاف تفك الأسرار عن البراعم وتدفع ظلالها ،

عبر الانخطافات المصفوفة للضوء والتي لا شكل لها ،

لماذا يفرغ الموت ذو الأهداب الخضر ، حمولته عند باب الهاوية ؟

تكسرت كل القناديل ، لا تنظر إلى صورة البلاد الميتة ،

في الشد والجذب ، عبر الطيران والهبوط

بين الانعكاسات الرخوة للنور الذي يحيط بالمستقبل

حيث الذاكرة تتململ في اللاشيء ، يتكلم الإنسان باتجاه جناح

يغطس في الأعماق ،

بعيدا عن [ جبهة النهر ] البيت خراب الآن ، والمدافع تهزه نوافذه اللامرئية

بيت الكلمة الخلابة ، بيت الفقدان ،

وأنت تستند على حافة الأفق في الظلام

حزينا ومعنى [ بعيدا عن السماء الأولى ]

إيماءتك الندية تطير مع الإوز العراقي ، انتظرناك في الأرض / البلقع

وكانت مشاعلنا تدخن طوال الشتاء ، وكان الفراغ يغطي قرنفل احساساتنا

الآن _ نتعرى إلا من غضبك وشموسك ونطوف في الآفاق

هل قلت لي [ لا تتكئ على قنديل مريض ] ؟

لكن تغيير الجلود والنوم تحت نسيم ومصارف الأمريكان ،

سهل يا سعدي في الآلة الكاتبة  ،

هذه العشبة المدوخة ، لقد ربيناها وكان بويب طفل الخسارات ،

سكبنا فوقها خمرة نذورنا ، والآن صعدت وصارت بحجم العالم ،

العشبة / المنفى ، هي ورقتنا الرابحة الوحيدة أمام الشمس الزرقاء

والهاوية سندير لها ظهورنا .

 

53 _ حرب الجنرال

 

الجنرال _ أيها الشاب ، تعال قاتل من أجل أرض الوطن المقدسة

الشاب _ [ مندهشا ] اللعنة ، هل قامت الحرب مرة أخرى سيدي الجنرال ؟

الجنرال _ أجل ، إنها حرب شاملة هذه المرة

الشاب _ هل إنها حرب عادلة سيدي الجنرال ؟

الجنرال _ لا يهم ، هذا لا يهم ، مكيا فيلي يقول : [ تكون الحرب عادلة

متى أصبحت ضرورية ]

الشاب _ من فضلك سيدي الجنرال ، صف لي حربك العادلة والضرورية هذه ؟

الجنرال _ الحرب ، آه ، نعم ، إنها وديان مجدرة ، بيوت مقصوفة ، جنود يحترقون ،

عربات محطمة ، حدائق محترقة ، مدن ومدارس تهدمها الطائرات ، جرحى ، أرامل ،

أيتام ، ومشهد حزين يغطي العالم كله

الشاب _ يا إلهي ، اللعنة عليك سيدي الجنرال ، لماذا تشعلها إذا كانت بهذه الوحشية ؟

الجنرال _ من أجل مجد الله والوطن

الشاب _ [ بامتعاض ] مجد الله والوطن ، وهل الله بحاجة إلى حربك القذرة ليبقى نظيفا ؟

الجنرال _ [ بثقة ] أنت لا تفهم أيها الشاب ، هذه الحرب يجب خوضها بكافة الوسائل

الشاب _ إنني أرفض حربك القذرة سيدي الجنرال

الجنرال _ لقد أصدرت أوامري بإعدام كل من يتخلف عن أداء الخدمة العسكرية .

 

54 _ أغنية الجندي المفلس

 

صديقتي

اعذريني

لقد سرقت المحفظة

كنت مفلسا وأردت الذهاب إلى الثكنة

كنت أنت خارج المكتب

كانت المحفظة منتفخة

لم يكن لدي وقت لأنتظر

لهذا سرقتها وخرجت ،

صديقتي

لا تغضبي

اعذريني

كنت مفلسا وأردت الذهاب إلى الثكنة

كانت المحفظة منتفخة

وكنت مفلسا تماما

لكنني لم أكن أعلم إنها كانت مليئة بورق التواليت .

 

55 _ ما أجمل عفونات ضراط حبك

 

القصاب عزرائيل

عزرائيل الذي يبكي تحت نافورة الخراء

قصاب العواء والقشعريرة

الذي كنت أظنه خنفساء طائرة

القصاب عزرائيل مات في العوعوة ،

سيدتي الجميلة : عوعو

ما أجمل عفونات ضراط حبك

بياض وجهك ممتلئ برائحة البول والعواء

نهدك الأيسر شجرة خراء

نهدك الأيمن قنبلة

عوعو : عوعو : عوعو :عوعو :

عوعو: عوعو : عوعو : عوعو :

معوعوة وعمودية سيارة الشاعر الكلاسيكي

عوعو : كتابات طباخة المسرح في الجريدة

عوعو : ترجمات الشعر التي تقوم بها النسوان

عوعو : مهبل المذيعة الذي يقذف بطاطا

عوعو : السماء

عوعو : الأرض

عوعو : الشياطين

عوعو : الملائكة

عوعو : العصافير

عوعو : الموسيقى

عوعو : أوروبا

عوعو : آسيا

عوعو : الدانوب

عوعو : الهبهوب

عوعو : نيويورك

عوعو : باريس

عوعو : نصيف .

 

 

1993 / 2004 بغداد / مالمو

 

  

<

>