Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

 مجموعة شعرية

 في ضوء السنبلة المعدة للقربان

نصيف الناصري

 

الوعود التي نسيناها معلقة في ثمرة السراب

 

1 _ موعظة في مقبرة سويدية

 

ظلال أشجار السرو الكثيفة تنشر صمتها بين القبور

ومرايا العالم موحشة في النهار ، والبراكين خامدة ،

في هذا العراء  الذي يتربع على المشهد كله ، وحدها الحشرات

المضيئة ترتشف السديم وتطارد النبضات القليلة التي تتعذب بين الزهور ،

أقبور هذه أم بيوت موشاة بخيوط العشب الكثيرة اللهب ، تتنفس ضجرة

فيها التنهدات ؟ البراكين خامدة ، وأصوات العطور تسمع فوق سياج

المقبرة متجاوبة مع طنين الحشرات اللاهثة ،

أحاول الآن ـ وأنا أتمشى بين هذه القبور ، متأملا شواهدها القديمة

والنظيفة ، أن [ أعلم الكلمات أسرارها ، لكن هواء اللغة عسير على

التنفس ] ، أحاول ، ماذا أحاول أنا الغريب وسط هؤلاء الأموات ؟

هل أستطيع أن أمنحهم السلوان ، أنا المؤمن بقول ييتس :

[ لا عزاء في القبر ولا راحة ] ؟ ضجرنا من أكاذيب الرياضيات

ومن ثمار الفلسفة المرة ، ومن الوعود بجنة ما

ومن أحلامنا القديمة بأرض أكثر نعمة ، نريد الهذيانات ، نريد الهلوسات

والنشوة المترعة بالدموع والغيوم الموسيقية ،[ تعددت الألعاب والسيرك واحد ]

أنظر في شواهد القبور حيث ظلال الصمت تتمطى وحدها وأرثي  لمصائرنا :

[ الكاهن انغمار سيمونسون مات في يوتوبوري على أيدي العصابات

النازية في 3 /8 / 1942 ،

ايريك اوسبرنك مات في مالمو في 14 / 5 / 1953 منتحرا لأسباب نفسية ،

ايفلا ياكوبسون ماتت بداء السرطان في 18 / 3 / 1982 ،

ليف اندرسون مات في 16 / 3 / 1993 على أثر سماع نكتة تخدش الحياء ،

بيا يوهانسون ماتت في 15 / 7 / 1971 في حادث سير ،

يان نيلسون مات غرقا أثناء رحلة إلى الفليبين في 2 / 9 / 1994 ]

من يستطيع أن يمنحنا العزاء وسبينوزا يقول : [ الله لا يحب أحدا ]؟

هل نعكر [ مياه الحياة الصافية بخشيتنا من الموت ] ؟ ولكن أنت أيها المعزي

هل تستطيع أن تمنحنا ، نحنا الذين نعيش في ضفاف مهدمة وصحارى

لا تعرف إلا الصبار ، وأكواخ قديمة متربة في أقصى المدن ، تعبث

فيها الجرذان ، أيا كنت :

البابا

أو الملك

أو الطبيب

أو الجنرال

أو زعيم قبيلة من قبائل الهنود الحمر ، أو أمين مكتبة مجلس اللوردات

أو المتأمل الذي يرى الملائكة دائما [ يرى جنود المظلات ويحسبهم

ملائكة ] ، طعم السلوى والسهر ؟ لا نريد موعظة أيها المعزي

نريد أن نسفه الكلائش الأكاديمية التي تملأ كتب الدراسة ،

لا نريد موعظة

لا نريد سلوى

لا نريد عزاء ،

ماذا نفعل الآن بعد أن طردنا الملك اللا مرئي الذي توجناه منذ بدء

الخليقة ؟ أين ولت تلك الأزمنة المليئة بسعاة البريد السماوي

والأحلام والرجال الذين يسيرون على الماء ؟

لا سلوى .

 

11 / 2 / 2000 مالمو السويد

 

2 _ موتى المنفى يحرسون البحر عند الظهيرة

                                      الى محمد النصار

 

1

 

عادوا إلى البيت مجتازين ممر أشجار طويلة ، ترفرف فوق رؤوسهم

طيور جائعة ، نباتات الفطر السام المنتصبة في سأمها الموحش ذابلة

وغريبة مثلهم ، كيف السبيل إلى إيقاد شعلتهم التي تذوي وهذه

الأشجار تطفئ قناديلها ، حانية على الجذور ؟

في ممر الأشجار ريش نسور تهزهزه الريح وسط الأوراق المتساقطة

ريش حيواتهم التي تنزف بلا انقطاع ،

في قفزتهم الكبيرة إلى العلو ، كانوا يترنحون في ليل الهاوية الساكن .

 

2

 

ظلال قبورهم التي ترتعش في نيران الفجر ، ترفع الفهود من وحشتها

المعششة ، من أجل الزرقة المتحصنة في الهاوية ،

من أجل العليقة المشتعلة في الرغيف ، تاريخ الطبيعة ،

أين يذهب الموتى في الفجر ؟ أين يتركون أشجارهم المحملة بالطرائد

الكبيرة ؟ كم من الأسرار في أحلامهم العميقة ؟

الموتى ينصتون لعري كلماتنا اللاهثة ، لا تهمهم أعياد حصادنا ،

لا مجازر حروبنا ،لا الطوفانات .

 

3

 

ثمة أشياء نجهلها وتعرفنا :

غضب الصقر في عطشه ، سهرات زيز الحصاد في الصيف الماضي ،

ناي الراعي الذي يحدق في أبواب الكوكب ،

في كل يوم من أيامنا التي نقضيها على هذه الأرض المشئومة

ثمة ما يبعث على اليقين بأننا سنتعرف على غريمنا ـ النسيان ـ

أين نجد الآن بابا لموتنا الذي يستجمع شجاعته [ وحيدا وبلا

معين ] ؟ لن نرفع الرأس عاليا ، سنكظم غيظنا ونتقدم بخطى

متثاقلة صوب أرض النسيان .

 

 

4

 

قرب ضوء نجمة ، في التماعة عشب يخزن أسراره للصيف

ينهض حلم الإنسان ـ صخرة صلدة ـ ويتمطى في مروجه

ليل البرد البعيد ، الإنسان يجلس قرب الهاوية

حياته الفقيرة ـ سجن ـ يسند الشمس في نهوضها الهادئ ،

لمن هذه الدمعة المحفورة على رخام الفجر ؟

 

5

 

{  قفير } نحل في الغابة ، يعمل ليل نهار

من أجل الإنسان الساهر في اللوعة

من أجل العالم وخلاصه الموعود

{ قفير } نحل يخفي في أروقته الغريبة قناديل الأمل المضيئة كما

الأعماق ، لكن الرماد ، رماد الإنسان الصياد ومكائده في

الغابة ، أطفأت القناديل ورفعت { القفير } الى الهاوية ،

ليس للإنسان سوى مخالب طويلة تنهش بين فخذي خطيئته .

 

 

6

 

ناموا في منفاهم على شاطئ البحر بانتظار سفينة ما تحملهم

إلى أرض الوطن الذي حلموا برؤيته دائما ، وحدها البروق

المتلظية تعرف سر غيابهم وتعرف أين علقوا جدائلهم

ودموعهم المقيدة ، موتى المنفى يحرسون البحر عند الظهيرة

كما يحرس الضوء بوابات البكاء .

 

7

 

طائر النورس في الماء الذي يغلي ، يتبع ظلي وظلك

أظفاره الحمر صاعقة بين حقول القمح ، هل تحطمت أشرعتنا ؟

لماذا لم يبق من أيامنا سوى صفصافها الذاوي ؟

طائر النورس ـ الأسود ـ ألسنة اللهب .

8

 

هنا ، الصخور شاخصة ، والطبيعة بدلت ثيابها ،

الملك يستعرض فيالقه بأبهة وكبرياء ، يمد يده إلى

الشمس فيأسرها بكاملها ، في كل صيحة من صيحاته

غابة من الندوب الغليظة ، هذه الأرض ـ أرض الملك ـ

المترامية الأطراف ، حين تنشب حرب جديدة ، ستضيق

عليه حد اللعنة وستنقلب عليه أرض أخرى مزروعة  بآلاف الصلبان .

 

9

 

مضى زمن طويل وهم يتلذذون في جرائمهم

عيونهم محمرة من كثرة الاعدامات ، ظلالهم الكافرة

حجبت عنهم الهواء والساقية ، وصرخاتهم الثاقبة

اقتحمت علينا حلبات الليل ، دعهم ، دعهم يتقدمون بوحشيتهم

سنجعلهم يرسفون في الأصفاد ، سننزع جلودهم ونحشوها بالقش ،

وحوش تزحف صوب قداسة معابدنا ومنابع أ نهارنا العظيمة .

 27 / 6 / 1998 مالمو / السويد

 

 

 

3 _ ربيع النار في عظم الشجرة المرتعشة

 

 

 

ربيع النار في عظم الشجرة المرتعشة

لا الأنفاس

لا اللهاث ،

 

جوع الينبوع  وعطش الظبية في ليل الكنيسة ،

أين نجد شفافية الومضات التي تزيح لطخات العصور الأخيرة ؟

أين نجد أريج الألم الذي يؤنس الجرح السهران ؟

السأم العليل يتنهد في ستائرنا المشتعلة ، والساعات ذات الجدائل

المصرية تئن في حيرتها أمام زنزانة الشمس المنتظرة شهادة الثمرة

الأسيرة نضجها ، وأنت ، يا أثداء النار التي تنمو وتتمدد مثل

بحيرة تفتح أحضانها لصرخات التراب والأشجار

يا طحالب ينابيعنا الخائنة ، يا يأسنا المتعثر والملتصق في هياكل عباداتنا المتقوسة

أيتها المجدلية التي تبحث عن الظبية في القبر فلا تجدها

هل من جرح فاغر نستبطن في هاويته قلعة العدم ؟

بين الحلم واليقظة ، بين الإقامة والسفر

يتمدد الزمن في قبره المختلط بالحجارة الساكنة ،

الأنغام الموصدة في السنبلة التي تتعرى في الفجر ، صيحة الإنسان

الساهر في شواطئ الحيرة ، وبذرة شكوكه التي خرجت من كينونتها

لتستوطن في فضاء السديم ، ربيع النار في عظم الشجرة المرتعشة

لا الأنفاس ،لا اللهاث ،

العين ناقوس الحديقة ، العين سماء المكيدة الملبدة بالديون ،

والمبخرة تتململ في ضجرها العنيف ، والهواء يفرد أجنحته

لمجيء غبطتها العاصية ، هناك أيضا ـ الضباب والجليد لهما

محنة نيراننا الساهدة في الصحراء ،

أعشاب وشرارات فجرنا ترتمي ميتة فوق الصخور عارية

كالفكرة ، بيضاء في حلكتها كالسراب ،

لم تبق لنا سوى أغطية أحلامنا الرمادية الداكنة التي تترجرج

في وحشتها مثل زئبق يدل الليل في سيله على طريق الهاوية .

 

7 / 5 / 1999 مالمو / السويد

 

4 _ أنغام الليل التي تثقب النوافذ وستائرها

 

أنغام الليل التي تثقب النوافذ وستائرها ،

رماد الماضي المحفور في شواطئنا حيث نسهر في قلاع المنفى

منتظرين البرد الأشد وخزا من الشعلة ،

ماذا في أكمام أشجارنا العابسة سوى براكين حيوات لا يمكن

القبض على نيرانها المتنهدة ، شموسنا تنطفئ مثل فراشات عبر

أدغال ، وجروحنا بلا ثمر ولا أيام خطرة ،

الأعشاب المزدحمة في ليل حاضرنا البعيد عن المراكب

تمنح الصقور شفافية النظرة ، ونحن أسرى عاداتنا التي تترنح ،

 

في شظايا صرخاتنا ، يتقدم موتنا ويسند صخوره على حافات

الطرق القصية ، بانتظار أن تغرز الصاعقة سيفها في أرض

تنهداتنا أو تحفر في جلد صمتنا وتجتاز غابة النجوم ،

أين ذهبت أحلامنا بجزر خضر تمتحن قناديل الأسرار ولحاء الكلمة ؟

بصرخات تتقطع ، تتلوى ، تتلعثم ، نصعد السلم المتهدم

الذي فيه موتنا ونرتجف تحت الثلج طالبين كسرة من حياة

عقيمة ، من غير أن نخطف حنان الجمرة أو نقتلع الجذور

حيث جباهنا الممهورة بالرماد الشجي ، تسكنها طحالب  آهاتنا المتقوسة ،

هل نستطيع رسم الفضاء القديم ، أو ننعش في جروحنا

ظلال الوعود التي نسيناها معلقة في ثمرة السراب ؟

أنغام الليل التي تثقب النوافذ وستائرها ، تترأس كل

صاعقة تهبط على الينابيع النابضة ، حيث يمتد نومنا  في أرض الشمعة / القوس .

 

 

11 / 5 / 1999 مالمو / السويد

 

 

5 _ نريد النوم في خميرة ينابيعك

 

أسمع تنهداتك ـ ارض

تصعد منها أ نهاري

أرض كثيرة العذوبة ، يرقد الحمل فيها إلى جانب الذئب ،

في العروق الضخمة السود للأحلام التي سئمت عطشها

الكبير ، تعلو ذخيرة النار وتكشف الكنوز التي خلفتها

أمواجك المتنهدة ، أرضك الآبنوس وأختام الشتاء

أرضك النجوم والأمطار الخائنة ، أرضك الناي والحجارة الكريمة

أرضك رايات الفاتحين والسر وات التي تظلل المراثي

أرضك الينابيع ذات الأثداء الكبيرة والرؤوس المظفورة

أرضك القبلات والأخطبوطات ، يا معادن مشتعلة رغم برودتها

يا عروقا مصعوقة في ليل الشجرة ، يا أقفاصا معادة إلى السجن

يا جسد الكوكب النائم في ذاكرة الأنهار

هل تصعد شراراتنا في المنفى الذي يستريح في صحراء الغابة ؟

أيتها الشفيعة ، نريد النوم في خميرة ينابيعك

في زمردات صرختك المكتومة ، في سنبلتك المنذورة لامتحان النار .

 

17 / 5 / 1999 مالمو / السويد

 

 

حجارة اليد المتنفسة

 

1 _ جسد / نرجس

 

جسد / نرجس

تتباعد بينه المسافات / والموت لا يعرف سوى الأقنعة /

في العتمة التي تنهب ذهب الأرض / نرفع عظامنا علامات  لأعياد الأبدية /

هذا هو الشاطئ القبري للإنسان / شاطئ في غير مكانه

يغرق سنابل كلماتنا ، شاطئ ـ ليل

يشدني إليه فأدير وجهي صوب لمعانات يمر صيفها فوق

أمواج وسطوح معشوشبة ورحيمة / أيها الصيف /

أيها الصيف / بطشك الجبار مغمور بالتراب والرماد /

هنا شجرة الإنسان تنتحب لدى مشهد غروب الشمس

هنا شبح الإنسان يحوم في الليل / فوق حشد من أشباح

أخرى كئيبة تخشخش وسط أكوام من أوراق الأشجار

المتساقطة / الموت / الموت الحاقد / البشع / يطارد دائما فرائس جديدة /

هنا ليل الأرض تنبعث منه رائحة الموت من غير ميتين

والموت خديعتنا التي لا تفلت منها إلا قناديل الشعراء /

هنا العدم المرئي والخفي الذي يخترق صخور العالم /

هنا شعلة الموت الغامضة / تدجن جميع الأشياء في هذا الكوكب البارد /

آه / أيتها الأبدية / ينبغي أن تسطع السنبلة / ينبغي أن نسترد الخيال /

هل أمتلك القوة الكافية لأدفع عن حياتي هذا الرعب الكبير ؟

الزمن يتكسر /  والموت على مبعدة ، وموكب عرس جديد /

موتي ورقة شجرة / لهبها يشتعل دائما /

ماذا تعني طقطقة العظام للإنسان في ليل العالم ؟

الشعير ـ عريس

الحنطة ـ عروسه

هل الموت عريس

والحياة عروسه ؟

يا موت ، يا عيدنا المرئي والمحمول فوق الأكتاف

لماذا نمشي في طرقاتك التي تبتلع ظلال حيواتنا ؟

حيواتنا أكثر من انتظار / أكثر من ليل لا ينقسم

أكثر من مياه مظلمة وعدوة / حيث يلتقي شعاع فقير بالرغوة العميقة للرماد /

أتقدم إليك يا موتا لافح الحرارة وأسمع ضجيج انهداماتك

تحت الأنقاض المبعثرة في مرآة الوردة /

هنا خرائب الإنسان العالية يرفع فيها الرعد استراحا ته  وأشعته

الزرقاء / هنا وجه  الإنسان المدهون بليل الموت

هنا الأيدي / أيدي الموتى المرفوعة في الصحراء / علامات مذاق

مر للنجوم المهمومة بزوالها / الدودة لامعة  والعظام ساكنة

هل هذه جمجمة إنسان أم خريف النجمة ؟

الموتى يذهبون بعيدا في ليل العدم / لا أحد يرافقهم سوى عواءات

الرماد / ومع ذلك يتركون لنا أغصانا مطفأة من ذكرياتهم لئلا ننسى

أعيادهم وجرائمهم  / وجوههم المعراة لرائحة الهاوية ، ممتقعة ومحروسة

تستريح في بياض دموعنا التي تزين أرض أحلامهم المسيجة /

بلا شعلة ولا عري ينغلق على الفضاء / يقف الكوكب المهزوم تحت

قدمي وموتي رايته / حيث يستسلم صيف النهار / حياتي تتفكك والهاوية

تفتح أبوابها للموتى الذين يتقدمون حشود ا حشود ا /

الهاوية بيضاء تحت سفح من الصقيع /

الدود الذي لا يقهر هو مديحنا الذي نرفعه للموتى والذي يشتعل

في سماء جريحة / مصابيحها أكثر تكسرا من عظامنا المأخوذة بزمهريرها

المكشوف لريش الضباب / آه / يا نفسي الجذلانة والمحتفلة بموتك العنيد

الموت وحيواناته الطليقة يرتع في حقول حياتي /

أيتها اللمعانات / إني أضمك إلي / أستعيدك وأحضنك

ضد التجمدات وأحضن وشيعة المياه الكثيرة السهر في شفاهنا

حيث نتعرى لهبوب الهاوية /

ينبغي للإنسان أن يموت في شمس أمينة نافضا عنه انهداماته

وليل البرد المتألق في طرق العالم حيث الضياء اللامحدود

لشواطئ المساء المليئة بالحشرات المشتهية عطوره / حيث العوسج

ينام حانيا على أرض عظمته الممسكة بالعدم /

موت خائن كثير العذوبة / ليست رؤوسنا فقط هي الناضجة أمام

السديم وليس الرعب المعرش من قبل في المروج الكئيبة / ولكن

النجوم / نجوم ليل الإنسان / تنحني كلها وتبتهل في التفسخات الهزيلة /

في الشمس العارية / الوديعة / ثمة ميتة للإنسان / حجرية / مهينة /

حاقدة / الليل الحر يدخل ويخرج من بوابات النهار / بروق عدوة

وملائكة متجهمون يجرجرون الإنسان عبر دروب موحشة وثمة

رائحة دم في الهاوية المحروسة لهذا الليل /

الموت خديعتنا التي لا تفلت منها إلا قناديل الشعراء .

 

4 / 10 / 1989 بغداد

 

2 _ ذبائح مضيئة لسهرات العالم

 

لا شمس حرة تسطع في يدي / لا نار حصاد

لا ذهب يمد أعناقه صوب الضفاف الأخرى /

واقف بين عشب رماد ، يسورني برد آلام متعفنة ومذهولة /

عيناي مرمدتان يستظل بهما نعيق غربان يطاردها صيف صمغي

لي مظلة من دخان ولي ذكريات شرسة أنبشها وأضمدها في

المساءات المغمورة بالمستنقعات القديمة للحروب /

موتي يتبعني ولا يتبعني / آخيته / اصطفيته / حضنته / حنوت عليه

بين أقنعة من فجر منبوش وفي السهاد / اللهب / فتحت له الأبواب /

الأسلحة المعراة للقصف ملكي وملكي الخزائن المطمورة في رمال الصمت /

السهاد تحت السهاد تجرني قلاعه كما شجرة مرتجفة / السهاد ليل

الخرائب / ليل الوحدة المقوسة مع قناع المشاعل الهاذية في نارها اللامعة والمطفأة /

تآكلات / حياتي نهر بلا جسور وظلمة يمر من تحت فراغها ربيع ميت يستقر

فوق أجفان تتجمد بين العشب وبين الغبار /

فجر بارد على العشب المجنون يلمع مثل مصابيح لا تضيء /

هنا في هذا العشب المتألم / في عذوبة المياه المبسوطة واللينة

مثل قبور أطفال جديدة / يكفيني صيفك / صيف الغبطة القليلة

والنوم المحموم بمذاقاته المزدوجة / يكفيني حضورك البهي والمستعاد

ثانية ، يكفيني ذهبك الجريح واللافح في صمت الريش /

تقدمي أو لا تتقدمي يا فجرنا الواقف بين الأكتاف وبين القنديل

النائم ، هانحن نرقبك يا ضوءا مميتا كما نرقب رغوة العدم الذي

يصارع في استراحا ته العنيدة / أين شرارتك التي تبحث عن ليل الينابيع ؟

هذه الدمعة المتروكة لوحدها والتي تتسلل بلا حراك / هي دمعتي

التي تنهض فوق ملح الليالي المخربة حيث سطوع الأسلحة التي

تحالفت معها في الماضي والتي تتحرك الآن ببطء فوق ظلال يدي

المغروسة في ريش الشاهين /

الآن ـ أسمع عواء ابن آوى بين أشجار السرخس ، أسمع صرخات

القرابين المنحدرة صوب أدغال العليق المستهزئة بفحولتنا ومدائحنا

أسمع ذوبان الثلوج في لهب التحننات المسيجة والمحروسة وأرى الآن

في هذه المتاهة / العواء / أحلامنا المرعبة والمفككة تتقافز أكثر من

نجوم مختلطة بشفاه يدثرها الصقيع بصوته المرتعش فوق الشعلة الجذلانة /

في ساعات النار وفي ساعات المياه الساكنة ، أتدثر تحت أعمدة ربيع تتأرجح

بين مرايا وتماثيل مهجورة ، هل ثمة حياة تشبه تلك التي عشناها في الأنهار

التي بلا ضفاف ؟ حياتنا الآن هاوية متروكة لسديم يعقد مواثيقه مع

الرماد وتنقصها الظهيرة المتمددة بين النجوم وبين الحنطة الزرقاء /

متى أسترد وجهك المنحوت في الغياب ؟ هل  أنحني عليك وأنت ترسلين

خطواتك مع بروق الموت التي تنقسم بين الرغبة وبين الصخر العاري

المحروس ؟ العشب تحت شمس الألم يبحث عن أرض مرفوعة في فضاء

يومض بترائكه / هذا عشبك / عشب كلماتك الذي ينقع طرقك الهرمة

والمنزلقة صوب جرح النجمة الأشد تألما من خزائن مهمومة بأسرارها /

لماذا طرقك مثل طرقي / مظلمة وغير منفرجة ؟

آه ، أيتها الأخت المباركة والمضيئة مثل سيف ملاك يحطم الصدمة

اللامرئية / سرورك في الشمس العليلة وهي تحمل صوفها المختلط

بالهاوية القريبة من أرض المياه /

طحلب وانتحار بطيء وانعكاسات ظلال خائنة وقبائل نمل تتقهقر فوق

رمال طرق حياتي السود / لكن هناك سهادات ، ومدائح من أمواس تصعد

في النهار وغيومه التي لا تنام ، الأعشاب المطفأة خضر ومركومة فوق الصخور

الداكنة ، هل الشعلة ندبة سوداء فوق مياه الليالي المتبخرة ؟

د موع وتشردات وجنونات وشفا عات تلتقي بخيانات من ليل الألفاظ المكسوة

بالريش / ببغاوات تفاجئ برطاناتها صمت العاشق / سرب كبير من الخيانات

المنقسمة على نفسها في جنون الألم /  لماذا يستعجلني الموت ؟

هل أتخلى عن هذه الحياة المليئة بشرارات الألم وشواطئ الصيف والذبائح

المضيئة لسهرات العالم ؟ في الروح المنعزلة ، في القبور وظلالها

في شكوى الموسيقى النقية / في عناق الليل الذي تصعد منه غابات من الأنفاس

ينمو الطحلب أكثر فأكثر في فم الشاعر /

عميقا في كلمة بلا ماء ، أشعل اللامتناهي في أشجار مصنوعة من

قيثارات حمر وتظللني أرض الغيوم مثل قبور مغمورة حتى أعناقها

في الفضة / كنت ذبيحة وصعدت / كنت محاطا بهجومات ومذابح /

قلاع من نعاس ، قلاع من وساوس / قلاع شاهقة في حصاراتها

ونذورها / ريش نحام فوق ضفاف العالم ، أصوات صامتة تعكس

حروبا وتحالفات شمس مخفية في كهوفها ثمار ظلام يتهجى فضاء

الغيوم الأسيرة /

لتكن هذه الكلمات هي الراية التي أرفعها أمام الضباب وتكسرا ته

في نار العدم المتأهب للحصاد الأخير ولتكن هي اللعثمة الجريحة

والساهدة في انقسامات الصراخ / صراخ الإنسان النائم بجنب الفراغ /

ليل من الأعشاب المطحونة ، مكتوبة على مراثيه تنهدات النهار

ليل يتحالف مع اللامرئي ويتحرك في الضجيج المحموم للصحراء

التي تلامس شفاهنا ، هو ليل الغيوم المرتجفة والمكتظة بأوراق البرد

التي ترتعش فوق الظلال الجافة والمتنهدة لكلماتنا التي لا تتقدم إليها الشمس /

أبواق بعيدة وجهشات / وفي العالم الكئيب ،كائنات غامضة تسرق الشعلة .

 

15 / 7 / 1991 بغداد

 

3 _ سماء محيرة بنرجسها الدائم

 

الحياة رواية سريالية /

رقابنا المحنية يرفعها الموت ويغطسها في الظلمة الداكنة للهاوية /

أية رغبة غريبة تدفعنا إلى التعاطف مع موسيقى الموت ؟

أية ظلال وحشية تتقدم للتضحية بمصائرنا ؟

هل نحن ذبائح للحجارة الحصينة في الطبيعة ؟

شجرة الإنسان الإلهية تتكئ على ظلالها وتنزف بعيون مقوسة

في ليل الموت / كان ثمة سراج منطفئ وأحلام محترقة يترقبنا خلفها

الموت ببوصلته الكبيرة ونظراته التي تهرس الصخور / هنا الشعلة المحطمة /

شعلة الإنسان المحطم وعطوره الصموتة في اللهب المتكوم فوق

الفناء / هنا العدم في طرقاته المشيدة من أوهامنا / يتتبعنا / يرفعنا /

يصهرنا / يهوي بمطرقته الثقيلة فوق رؤوسنا ونحن نغزل في صمت

الحجر موتنا / وموتنا يتسكع حرا في هاويته المتشابهة والمتحالفة مع

صراخنا المتلاشي / ماذا نكتب على التراب ؟ هل نتوسد الصخور

في عزلتها وترملها ؟ هزائم / هزائم كبيرة ودائمة / هزائم الإنسان

المحفورة في لوعته الراسخة والشبيهة بساحل كبير / هزائم المحارب

الذي يغلق عرينه ويطفئ أغنيته الأخيرة /

أيها الموت/ تبقى سلطاننا الوحيد بمجدك / بغطرستك / بعظمتك /

بطغيانك / بزحفك الجبار إلينا ونحن لا نملك إلا مصافحات استعارية

نستقبل فيها جيوشك المتجاهلة لتضرعاتنا / سنبقى عاجزين عن الوقوف

أمام جزرك ومدك الذي يكتسح سدودنا وتحصيناتنا /

حيواتنا التي ننفقها على الأرض بلا طائل في التفكك والخواء ،ونظراتنا

التفاؤلية ، تنطرح صارخة على ظلمتك المتغطرسة /

هنا / هذه الجيفة المتعفنة / هي التجسيد الأعمق لثمرة عمل الإنسان /

هي الرؤيا العنيفة للخليقة في صراعها ضد الموت / الفوضى المؤتلقة

والمتألمة لتناقضاتنا الغريبة / الموت / الغربال الذي يغربل عمل الإنسان

وأحلامه التي تتصحر / الموت / يتقدم بافتتانه النيزكي صوبنا مصحوبا

بأصواته المتسلقة والتي تستحضر ضخامتها للإطباق على أعناقنا/

سماواته المحيرة ونرجسها الدائم / سماوات لغته التي تهجر العقل والتهكمات

الطفولية / الموت الرؤيوي الذي يتخطى بمجيئه شمسنا الحارسة /

أي معنى يخفيه الموت ؟  أية قوة ترفع عظامنا في سقف الهاوية ؟

لماذا تعجز نيراننا اللامنهزمة عن الرؤيا الطليقة ؟ نتأمل الموت

ونتأمل الانغلاق والهزائم الشمولية والمتلاشية أمام اللا أمل /

خطواتنا المنقادة والمنعطفة باتجاه الشاطئ المهدم للسقطات

المندفعة والمتوجة بالبرد الذي يستسلم لفجائعنا / كلها تتقهقر / اللاهوت /

السياسة / الجمال / الصروح العظيمة / الإنسان وصخره الهش الذي

يصارع ضد البروق الشرسة للعدم / ينبغي أن نقتسم النوم مع الحجر /

القنديل مع الضريح / الاستراحة مع الكوكب /

وأنت يا عتبة الفراغ المستغيثة عبر الضوء المجهول للنبع اللامحدود

في وضوحه / أم الأمل الأخير ورغوته العميقة / وزعي نفسك

يا رغوة النار ويا حجارة اليد المتنفسة / الغياب يسطع في الجمرة

العارية والوحيدة في طرقاتها النازلة / تقدمي / تقد مي يا عطور

الرغبات / يا أشجار اللازورد التي تبيض بين ظلالها أحلامنا المنكسة /

الخديعة ولا مبالاتها / خديعة العين المنقلبة / خديعة الموت في تفرجاته /

خديعة الموت في خموله وألفته الحميمة للأوهام الكسولة  / حيث الظلمة /

السطوة تتقدم بتفجعاتها المشوشة / ظلمة السرور المحظور واحتراقاتها

الدائمة في الصدمة الجحيمية / ظلمة التحرر المتجسد على هيئة نغمات

منفرجة / الظلمة التي تقوض أدراج اللاهوت ووحوشه الغريبة /

الخطيئة والهرطقة تتكافآن /

هنا يموت العشب العتيق لملائكة الغبار / يموت الفلز وصراخه الأخضر

وتنطفئ نظرات الإنسان الشكوكية في تحليقاتها الشريرة والمنهزمة /

تموت دمعته وشعلة عظمته التي تضيء الدروب المؤدية إلى فجر الأبدية /

دمعة الكلمة وروحها الساكنة والمتيقظة في موجودات الطبيعة /

ما الذي سيبقى سوى العواصف والثلوج وثمرة الموت التي تنضج في

الظلمة المتواطئة مع أرضنا الخائنة ؟

الثمرة العابسة التي ترتطم بقوة في أذرعنا المرفوعة للرطوبة/

الموت أم الزمن وريثنا الوحيد لأعمالنا البطولية ؟ .

 

 

4 / 6 / 1991 بغداد

 

 

كلمات / أمثال

 

في يوم بليتي صافحت الغش .

***    ***        ***

الماضي

من أيامي الذهبية ، يجرح نفسي بكآبات ضخمة وطويلة

ويخنقني بحبل دموع .

***    ***        ***

الزواج المبكر يرعب الملك .

***    ***        ***

خاتم الشيطان للذين يتزوجون سرا .

***    ***        ***

في فص خاتم كاهن من الأزتيك

رأيت قطرات من دمعك تتململ في سجنها

منابع أ نهارنا .

***    ***        ***

تقبلي يا روح السياب المستمرة ، تقدمات محاصيلنا

كلمة من الشاعر ، كلمة لامعة كاللهب فوق الذهب

تمزق الصمت المظلم للبوق الذي يرفض العزاء .

***    ***        ***

يدي التي لم تدشن قبرك

ولم تضع فوقه الزهور

ستبقى تومئ إليك حتى نهاية العالم .

***    ***        ***

يدي اليمنى أطول من اليسرى .

***    ***        ***

أهل القتيل يبغضون المهندسات .

***    ***        ***

الملك والشحاذ يلتقيان في المقبرة .

***    ***        ***

أنت صرة النهار والطعام في فمك .

***    ***        ***

عكاز السياب رابية .

***    ***        ***

ينبح الكلب عندما يفلس اللص .

***    ***        ***

الحكيم يلاقيه أسد والأحمق يلاقيه حمار .

***    ***        ***

يد الرجل في الحقل ويد المرأة في القفاز .

***    ***        ***

القصيدة ذبيحة .

***    ***        ***

اسمعي كلمة الله يا نيويورك .

***    ***        ***

الخروف منجل إبراهيم .

***    ***        ***

الماضي إعلان الحرب على الحاضر .

***    ***        ***

اعتصموا بالشاعر .

***    ***        ***

طعام الملك في صحن الجريدة

جواد الملك في اصطبل الجريدة

حذاء الملك في خزانة الجريدة

سجائر الملك في قمامة الجريدة

جوارب الملك فوق حبل الجريدة

ـ أين الملك ؟

ـ في المتحف .

***    ***        ***

مهيب في قبره غير ملتفت للإضاءات .

***    ***        ***

في المسرح كان السيد يذرع الخشبة جيئة وذهابا

كان السافل يخطط لاحتلال إمبراطوريات زائلة

ويحلم بنهب خزائن كبيرة

لكنه حين امتلأت القاعة بالجمهور

ارتدى قناعا معطوبا وأخاف نفسه .

***    ***        ***

يسرق النار من الآلهة ليحرق العالم .

***    ***        ***

التوبيخ يحرض على الجريمة .

***    ***        ***

مبغض الصمت تطول رقبته .

***    ***        ***

يدي مشلولة

ورأسي دائخ

وكآبتي أعمق من بئر

منك جئت أطلب العزاء أيتها الشفيعة

ارفعيني من الهاوية

من سديمها الدامي والشراسات

سنوات شبابي اضمحلت

والذين أحبهم ماتوا

والدرب وعر وضيقة مسالكه

لا أهل

لا أحباب

لا غيمة رحيمة تؤويني .

***    ***        ***

المتمسك بعزلته مغبوط .

***    ***        ***

لامعة وسط الخراب شاهدة قبري .

***    ***        ***

الشاعر أعرج وعكازه الشعر .

***    ***        ***

أعمارنا المكتوبة على عجل ، غرانيق مذبوحة .

***    ***        ***

حياتي وأنا حر أيها الملك .

***    ***        ***

معصيتي مختوم عليها في صرة .

***    ***        ***

لا غيمة في النعش

لا عطر في السيدة

لا درج في الكنيسة

لا طيور في السماء

لا عشب على الهضبة

لا رقص في الشارع

لا حليب للقطط

لا أصباغ

لا أعراس لا قهقهة .

***    ***        ***

هنا ، تحت ظلال رعب كثيفة ، تهب صوبي رياح كونية كبيرة

هل أقبض على حلم الجوهر ؟

في ذهني فلسفات ولغات

رموز من حضارات الريح ،

التجار الأحباش لكي يرصدوا ملاك الصيف ، عبروا البحر

مستصحبين معهم خرائط ومراصد لاهوتية ،

أيتها الصدفة

كهف الحشرات

أهذه جواهر أم أسلحة ؟

موسيقى ذهنية أم دوي عاصف ؟

***    ***        ***

موت لذيذ العناق .

***    ***        ***

كزار حنتوش

أيها الصعلوك

أحبك كأسد جائع

أنت آكل اللحوم

أنا الغجري ناقر الدف

عاشت أيامنا بين البارات والمعسكرات

أنت أشقر كعنترة بن شداد

شعرك شجرة ليف

وقلبك كمثرى

أيها اللص

أحبك كأسد جائع .

***    ***        ***

ينام الشبعان واللص يحرسه .

***    ***        ***

حديقة المعلم قمامة .

***    ***        ***

معرى من الألقاب ويسمي نفسه السيد .

***    ***        ***

بأبواق وطبول يستقبلون صمتنا .

***    ***        ***

الساهر في الريح ، ابن الظلمة .

***    ***        ***

يموت الملك على شرا شف بيض

والجندي في الطين .

***    ***        ***

أيامهم صخرية في الصيف .

***    ***        ***

شمس خضراء في أغصان الليل .

***    ***        ***

الانتظار وليمة دائمة .

***    ***        ***

يد الصديق عقرب

ويد العدو شمعة .

***    ***        ***

لا تقلدني يا مقلد .

***    ***        ***

ليتذكر المتسلط أيام الظلمة .

***    ***        ***

صمت المياه سمعته كبوق .

***    ***        ***

التذ عيشا مع القصيدة التي تنتظرها .

***    ***        ***

الظلمة تفتح ولا أحد يغلق .

***    ***        ***

زوجة الشاعر تكسر آنية من كلمات .

***    ***        ***

هذا قبرك فادخل بهدوء .

***    ***        ***

أكتب إليك من قمة البرج

وقلبي شعلة

يدي التي لم تشم عطر عودتك

تجز صوف الكواكب

تبقين في مرمرك البارد

دمية أسيرة

لا نار توقظك

لا ربيع ينير نهديك

لا هواء ينعش روحك القش .

***    ***        ***

هنا زمن فقاعات

زمن قرود وبول قرود

الكل هنا فقاعة

كل الأشياء  فقاعات ، الماء فقاعة

الهواء فقاعة

السطوة

اليد

الكلام

القبلة .

***    ***        ***

كلام الفقيد لا أحد يفك ختمه .

***    ***        ***

النوم تحت القافية كسيف ذي حدين .

***    ***        ***

بالخمر عطرت سريري وانتظرت الهلال .

***    ***        ***

ليت سروري وزن كآبتي .

***    ***        ***

صوب القبر يتجه هذا العواء

هاهي عظام ارتفعت في السديم .

***    ***        ***

شيء واحد لن يحترق تحت نيران المدفعية : ليل الشاعر .

***    ***        ***

عند قبرك الأخضر أيها الصديق

يستريح صيف القناديل في الفجر

ويزرع يقطينة .

***    ***        ***

زرني ، لهبوبك مذاق نبع بلا ماء .

***    ***        ***

ليل العاشق : مقاطعات مفتوحة على النجوم .

***    ***        ***

تدلهم السماء فتمطر علينا ديونا .

***    ***        ***

يستمني الإطفائي عندما تشرق الشمس .

***    ***        ***

الخال أخ الأب .

***    ***        ***

تصفعني ، أصفعك .

***    ***        ***

تحارب المرأة الرجل من أجل قشرة بيض .

***    ***        ***

عطيل يغار من عطيل .

***    ***

خيانة الزوجة سجن مفتوح .

***    ***        ***

زوجة المختار لا تطحن القمح إلا في العيد .

***    ***        ***

أعيش في هذه القلعة الرومانية منذ أكثر من عامين

ذكرياتي التي تركتها في بغداد ، تئن وتتألم بشدة ،

في سنوات خدمتي العسكرية الطويلة ، كانت الدولة

تزرب فوق رأسي كل يوم ،

قلت أجيء إلى عمان لعلها تعيد إلي ما انقطع من ماضي خرابي

المهدم ، كافافي الذي كان يتسكع مثلي في جحيم عمان

حياني وقرأ لي قصيدته [ المدينة ]

قلت : في كل المدن يسطع الخراب

القديم للإنسان .

***    ***        ***

موجتان تسافران برفقة غيمة : حبك وموتي .

***    ***        ***

تمتع أيها التراب ، تمتع بهذه الملذات قبل وصول الغربان

والضباع : الحياة ريشة

والموت صخرة .

***    ***        ***

الجرح بين السنابل العاشقة يفتح بواباته لليعاسيب

التي ترضع أطفالها تحت الأمطار .

***    ***        ***

غرباء نمد أصابعنا في النبع من أجل الذهب المعذب ،

القوة الاستثنائية التي نمتلكها : التخاذل الدائم

أمام السطوات .

***    ***        ***

أدخل في الظلمة ، جمرة صوتك ترفعني من قبر لا يكف عن الصراخ .

***    ***        ***

يا للأسف

حدث ذلك في أحد أيام خريف السنة الماضية

كنت أصغي لكلماتها الغريبة / لن تعثر علي بعد الآن /قالت /

عطرها الشيطاني وقبعتها الحمراء وبنطا لها الجينز الضيق المزين بأعشاب وزهور /

وجواهرها الكثيرة اللهب / جعلتني أرطن كمهندس في صيدلية / طوقتها حانقا

وبشراهة / اضطجعت فوق قبرها / تنهدت كبرميل ورفعت أعمدتها الأثرية /

لا العطور

لا الأصباغ

ترمم برج بابل ،

كان يجب إسكات الصرخات الرنانة وعدم إدامة النظر الى هذه الجثة /

دائما كنت أبحث عن متعة مناسبة / تصادفني في الدروب الموحشة

نساء قبيحات / فتتكسر أسلحتي :

العزلة / حريقة .

***    ***        ***

حشرجة إنسان

أم طنين حشرات في ليل الشجرة ؟

اللوعة التي انحفرت في أرض الروح

لوعة اليأس الذي يعلو في كل آن ، هي نحيبنا المتكسر في

المدن الغريبة .

***    ***        ***

خرجنا من ليل يمد أذرعه فيحضنه ليل أشد لوعة منه للقاء

تنهداتنا ونحن في الظلمة التي تحنو علينا حنو سنبلة ، نتثاءب ،

نتمطى في بيوت العناكب ، موتى من دون موت أو عصف

صديق ، نترقب ضوء الصاعقة ونحلم بالريح الجديدة .

***    ***        ***

الشعراء أخمدوا نيرانهم وغادروا البلاد

أغلقوا أبواب الحدائق والنوافذ وتركوا أحلامهم وتراب قصائدهم ،

البلاد / الجنة

تهدمت وعصفت فوق أنقاضها رياح الوحشة

ماذا تفعل البلاد حين يغادرها الشعراء ؟

ماذا يفعل الشعراء حين يغادرون البلاد ؟

ـ يحفرون أرضا جديدة ويبنون المدن / اللهب

لا تأوي إليها الحروب / ولا الصرخات المكممة

تباركت مدن جديدة يبنيها الشعراء

وتباركت جنة هدمها القتلة .

***    ***        ***

دم /وفي ضفافه المترنحة تتهدم نظرة النسر للفريسة المعلقة

ما بين السقف والهاوية ،

دم الشجرة

الرقبة المقطوعة .

***    ***        ***

لرياح الليل وهي تعصف خارج بيتي

لأغنية شجية أسمعها تأتيني من سماء العراق ، أمد حبلا يوصلني

بدموعك ، وزهرة تمشي فوق نورها سنوات فراقنا القسري ،

وأنصت لطنين اليعاسيب في قصيدتك التي تحترق بصمتها المعذب .

***    ***        ***

رجل وامرأة

في الظل يعتنقان

رجل وامرأ ة

في السرير يحتطبان

رجل وامرأة

في الباب ينتظران

رجل وامرأة

في الوحدة  يموتان .

***    ***        ***

الضيف الثقيل يسرق السراج .

***    ***        ***

اشرب خمرك في بيتك ، يتجلى لك المسيح .

***    ***        ***

شتاء العام الماضي كتبت في ملجأ قصيدة ولم أتممها ،

اليوم هربت من موتي / صارعت وانتصرت على قتلة ومشانق /

في حانة بكركوك حدثني رجل تركماني عن رجال استخبارات

ينتظرون قدومي / فتذكرت امرأة شيعية أودعت لديها حقيبة

مليئة برعب ثقيل/ الآن كل شيء يوحي بحدوث مجزرة/

فوق جبل [ تاتان ] أثناء خدمتي العسكرية / ربيت في قصائدي

دببة ودمامل / مرة رأيت برودسكي يبول على حائط سجن /

كان يحمل كتبه وعصاه ويتعثر في الثلج / غربته الكبيرة ذكرتني

بغيمة سرقها مني سركون بولص ، النهار جنرال / الصيف

يفتح النوافذ ويدل النمور على ملجأ الشاعر / يكسر همزات فوق طاولة

وفي دولاب يعبث بممتلكات فقيرة /

الآن ـ أحتاج صاعقة لأسترد عافيتي / أحتاج جهشات مدوية

لأسترد صور أصدقائي القتلى / يداي وقد سقط منهما الوشم /

سأبترهما بمصافحة سرقة / سأغش اللاهوت / أستعير استغاثة

لص يغرق / وعبر حشد / سأصفر لحصان يعبر السكك الحديد .

***    ***        ***

نصيف الناصري

يقاسم  آلن غينسبيرغ

الخبز والجنون

والأحلام

والمرض

في العلية التي دمرتها القذائف .

***    ***        ***

لباس الميت ماضيه / لباس الحي مستقبله ،

***    ***        ***

السنبلة في الحقل والمال في الخزانة .

***    ***        ***

مجيء الموت ذهب خالص .

***    ***        ***

معصية الحكيم ، ميتة مختارة .

***    ***        ***

لا تتكلم بكلام غلط ، الله قادم .

***    ***        ***

اتركوا أوهامكم وثرثراتكم عن الأيام الرومنتيكية / سنحضنكم

عراة ونعلمكم القفز فوق مصطلحات جديدة / أين حماساتكم

القديمة  التي كسرتها فضة الأسلحة ؟ / هاهي قناديلكم مطفأة /

ثم هذا اللغو والموت الذي يغلي في خوذات الفولاذ /

هل تريدون إنجاب المزيد من الأطفال ؟ / سنرسل لكم

برقيات تعزية / نحن الذين نرسم مصائركم ونحافظ على الشموس /

اتركوا بهجاتكم الزائفة / النزوحات ستدلكم على جواهر جديدة /

المباني الفخمة والإيقاعات المضبوطة / ستمنحكم مشاعر تبرهن على

كراهيتكم الكبيرة لنا /لا نأسف عليكم بصراحة / ستبقون أكثر حبا

للدحرجات / لا قشعريرتكم / لا إيماءاتكم ستطرد دخان المدافع

وتذكاراته القديمة .

***    ***        ***

عبر الشعلة المتكسرة / عبر الصخور المقصوفة والغيوم الجامحة /

حيث الشمس العمياء / سيبدأ الطنين في إخلاد البهائم /

في ليلنا / ليلنا الغائب من فعل القصف الجهنمي / حيث الحشرات

هي الآمنة فقط / نكتب خطابات لن تصل الى أمهاتنا /

لا أكمام

لا شر وقات

حتى الرعاة الذين يغنون فوق السفوح ، لم يتركوا أثرا لأقدامهم الموسيقية /

يموت الغنج دائما  بفعل الخمودات .

***    ***        ***

الشاعر الغجري فر إلى الصحراء / رأى ما يكفي من شموع تزيينية

ومذابح / رأى في الرمال صرخات تفك التعاويذ الغريبة / رأى نقوشا

من العطش / وبلهفة مارس سجودات في هياكل دفينة / وارتعشت

حياته في نسمة عاصفة كما شجرة لاهوتية / أحاطته همهمات ملائكة

الرعد/ هاهو الآن ـ أكثر انطلاقا من ضباب يأسر العالم /

في يده مقاليد الأبدية ،

الشاعر الغجري ينبح أمام بيت العاطفة .

***    ***        ***

الخصي طاووس الملك .

***    ***        ***

لماذا أقدار الشعراء رهيبة يا الله ؟

***    ***        ***

هذه علامة الموت : الرعاة يعلقون مواشيهم فوق الغيوم /

في سنوات الحرب كنت أمشي فوق حصى موت يصلصل

وألبد فوق أدغال آلامي / من ذكريات عزيزة ثكلى وطفولة يضمدها السراب /

حفرت قبرا وانثنيت /علقت شاهدة على بابي / جاءت آلاف العصافير

مكسوة بالدم / هل أصعد هاوية تحضن مصيري ؟ يا موتي البستان متى تنضج ثمارك ؟

***    ***        **

أمي حبلت بي وولدتني الطرقات .

***    ***        ***

في هذه الغرفة الشبيهة بجريمة / أترقب كتيبة من الخيل/

تتجمع حولي العطور والألوان / يأتي ملاك مسلح / يفترس

ذاكرتي ويطلق النار علي / يحرض ضدي الكوارث والأوبئة /

الفم الذي يمجد العنف / يحضن الفاقة / الرعب شيطان أسود

يعلم الرياضيات / أيها الرعب في الصيف / لماذا تكشف مشاعلك

حيرتي ؟ / أيتها البروق / أين أجد الكوكب الذي يمشط لحيته في

الظلام ؟ / في الشمس العدوة / سأعض الصخور ولا أجوع .

***    ***        ***

جاءوا في الليل / جلبوا دبابات / قتلة / أضرحة / البروق اصطفت

فوق نخيل العراق بانتظار المذبحة / الدسائس ، الاغتيالات ، المشانق

الأكاذيب

جعلت الشمس تقضي على نباتات الهند باء / أحرقوا النخيل /

جعلوا الظلام يسقط في هيامنا /

ـ سيتحول وحشا /

وقف الطاغية أمام شعوب مغلوبة / أكتافه المزينة بالجماجم ستغريه

بارتكاب جرائم كثيرة / سيسلخ المزيد من الجلود / سيقتل النساء

والأطفال والأشجار / سيسرق النار ليحرق الوطن / سيمضي عبر

دروب مجرمة ويخنق الطيور / سيحرك قلاقل ويشعل خمودات /

أيها الطاغية

لا تشبهك العقرب / والأفعى لا تشبهك

ستفتش عن شمس ميتة

والنكبات ترهقك

شعوبك المنفية

تشعل النيران التي تحرقك .

***    ***        ***

أرى رؤى وأهذي .

***    ***        ***

أعمق من ذهب منفوش تحت الخزانة

أحس بالقشعريرة تصعد إلى إليتي

أنا الراكض

أرتدي المشي .

***    ***        ***

صباح جميل كالمرأة

طقس جميل كالمرأة ،

في الشارع رأيت المرأة ، فعطست من فزع

ووليت الأدبار .

***    ***        ***

أنت بلهاء

لا تطفئي أعقاب السجائر

ليست هذه منفضة

إنها قبعتي .

*** ý *

 

للأدراج والجبال المعلقة كغسيل النوتي

للإسطبلات ،

للإسطرلابات ،

أقوس هذا الرماد والصليل المعرش على الدول

وأرسم في ناموسية المساء مملكة وثيرة

وكوكبا من مارج ، مداراته الأقفاص .

***    ***        ***

 

1986 / أربيل / ديانا

 

سهادات / تكسرات

 

 

1 _ الأضرحة / فضاءات سديم

 

لا واهب إلا الضريح

لهب

وما أكثر سطوع النيران على البيوت المهدمة في أقاليمنا /

نناديك أيها اللهب / يا لهب الأسلحة نناديك /

فضاءاتك فضة أضرحتنا/

هنا الموت العطري الأكثر حرارة من الرمل العاري / الذي له سفوح

شبيهة بجهشاتنا والذي يدركنا في الظلام / نناديك يا لهب الأمجاد

العالية علو آلامنا /

يا لأضرحتنا غير المفطومة / يا لموتنا الذي يثمر في كل حين /

الموت / الموت ولياليه المعطرة بشمس العراق / أين نهرب من موتنا العطري ؟

هل نتوسد هذه الأسلحة الشيطانية / نعمتنا ؟

الأضرحة / سديم حي وفضاءات سديم  /

فوق جبالنا المقصوفة يلمع القمر كما المرايا المتشظية /

أتحدث إليك أيتها الفرائس المعلقة فوق رماد أهدابنا / الذهب في

النعوش والموت / نفاش في الأقاليم والدم فوق السفوح ينشر

التماعاته المنعشة وسط السديم /

هنا بصاق الملك المسلول في شفتي الوردة / هنا أيام مسننة / أيام

سهادات كما صيف بلا قناديل /

من موت الى موت من أجل الموت / اتسعي يا أضرحتنا وليكن

سديمك ناموسية تغطي انشاداتنا الشجية / اتسعي يا أضرحة اتسعي /

بلاطاتك نهاية أحلامنا الذهبية /

رأسي يشتعل  وفي القلب الأسود تنصهر الأحقاد /

تمهل / تمهل يا وقت القشعريرات / يا مناخ النداوة الهائم

ستعود الأيام القديمة ويرفع ذهبها الصليل /

هل للموتى تاريخ مغلق تحرسه الكتابة ؟

والظلمة /

الظلمة التي تواري النهار

من يفتح باب الظلمة ؟

مبنية بلحم وحطامات أسلحة متلألئة في هبوبها المساءات / والشوارع

مر مدة وذهب السياجات تحرسه المروج / ومطر الرماد المقذوف

بشراهة يبلل الأضرحة ويبلل المشاعل والعيون / وتهبط فضة الضباب /

تهبط من هديل الأضرحة وعظامها المبعثرة في الرمال / رابطا بالأصفاد

رقاب البغال والبهائم الفضائية أعود / أهتف في أقاليم الفجيعة / أنا القائم

في الترائك / أطبقت علي الأنوال والقوائم / وانشدت علي أصابع الياقوت /

ومحاريث الكوكب العائم /  هذا ياقوت الدم يزيح الأعمدة والمقابض /

سهادات / الآمال مطمورة تحت تراب البرد والقشعريرة /

الأضرحة / سديم حي وفضاءات سديم /

أذعني لمغلوبك يا أسلحة / الأضرحة أذعنت لانهطال السديم /

وها الأرض حشدت غبارها واستجمعت نفسها السماء كوكبا كوكبا /

من الآتي في أسمال أحرقتها القذيفة ؟

عيون / أقواس نار

نباح / ليل عاصف وأرتال من القتل والاستلابات

ثغاء / سهرات في أقاليم الورد

عواء / كنوز حرائق وهجاء شعوب ذليلة

غناء / جروح أحدثتها الحروب القديمة

نهيق / عروش ـ شعوب منقرضة تصعد إلى الهاوية

نعيق / ودائع ملوك في رياضيات أمينة

جعير / أقطان تحلج في مدائن مقدسة

فحيح / مشانق ـ نهارات شتائية كوشايات الأمراء

زئير / مواكب بمشاعل ودروع تبغية

هل انتهت الحشرجات                بين البلاط والبلاط ؟

هنا ظلمة آختها السلاسل                 هنا في الرماد الحي

والظلمة الأرجوانية                         تطقطق العظام

هنا كلمات الحكماء                        يمحوها حجر البازلت

[ فكرت بأنني قادر لا محالة على إقامة سلام وأن الروس متلهفون له

لكنهم خدعوني وخدعت نفسي /

نابليون

 

[ رأس بصل

غسل توا

يرتجف من البرد /

باشو

[يلعن آباؤنا الزمن الفاسد

ويمضون إلى قبورهم في النهاية /

ايدرين سسيل ريتش

 

النهار مغزل                الظلمة في كل مكان تسحل ذيلها والحشرات

ونحن خيوط                 تسمع من بعيد / لمن هذه الأسماء التي يشطبها

الصوف /                   الدود ؟

ـ من الغازل ؟             سقطت

تقدمي                       غبت

تقدمي                       تدحرجت

يا سلاحف                  ورأيت الأضرحة غابات تسورها النيران والأحقاد

يا أضرحتنا                   الجميلة / بلاد من مخمل وحرير / فضاءاتها ذهب

الكبيرة /                      وأقاليمها رماد / الأضرحة تذبح أولادها / تطرد

دم الإنسان حبر الله          العصافير / تنفي الشعراء والعشاق وترسخ الليل /

هنا شمس تتسلح بشمس / ولحى حديدية /

غزالة جريحة                  لهب شموع للأرض القتيلة

أحملك في حلي                طائر التم يحلق بعيدا

وترحالي / وأخشى            تاركا عشه

عليك من وحوش              وصغاره العليلة /

تفترس المقدس                 هنا زمن الأضرحة تمثال محطم تتدلى من حنكه

والقصيدة /                    المخدد لحية خشنة مرت عليها قرون /

مدي لي يدا                    عبر سراب ورماد مهدم تنتصب خيمة حياتي

مدي رباطا وعهدا             مقنعة بموت متماسك / ربيع مظلم

ليباركنا القتل                   ربيع مظلم

بصخبه وجنونه                 ربيع مظلم /

هل تفضح النار الغيرة ؟

الليل العادل وسفوحه                    السماء اللازوردية

وسبوراتها / المراثي                      ومساطرها كلها تستظل

تحت بروق ضريحك                      اللامع / ليلك الأزرق

الطويل / ليلك جنان                    يسهر فيها الجمر

يسهر قمر الرماد                        والذهب البهي / يسهر

كوكب الحليب                          وصقر العيد

انقتلي / انقتلي يا شرارات الموت / أيتها النايات المكممة شقيقة

السخام / ها أنني أرفع إنشادي وأمزج النهار بالنهار والفرائس

بالفرائس / هنا الصفصاف في الغروب وارى الشمس / في

أقاليمنا الأسيرة / في أقاليمنا الأسيرة في الأوهام / تنهض

الانتقامات وتصعد / تصعد الشمس من رطانات الظلام / ماحية

عن جسد البلاد كل ندبة من الظلمة الوثيرة/

الصفصاف في باحات الأضرحة / ميسم

احتضار واستلا بات تحرق

رمل التاريخ والأوهام .

 

18 / 7 / 1990 بغداد

 

2 _ نشيد لممالك الإنسان

 

1

 

أحلم بالفهود والنمور والبوابات البابلية

بالقوارب والآلهة والقيثارات السومرية

بالنايات الغاديسية ، جنديا كنت في فيالق [ صن تزو ]

وعرافا في المعابد الأزتيكية ، تهت في الصحراء أربعين عاما / وفي بئر

وجدني تجار رومان / وقايضوني في تدمر

بحفنة زبيب [ ظللت كشاة ضالة ] غير أنني اهتديت إلى هيروشيما

وعدت منفيا بعربة حرب آشورية .

 

2

 

يا شمس الله / يا نجومه الزعفرانية /

ليهب ضوءك على حنانات الموتى / على قبورهم والحصاد /

قبور الأحلام خادعة الصيف / ليهب على الأرض /

أرض الإمبراطوريات ومزارع العظام /

أنني أحيي الأدوار كلها / المحتفلة والخائنة وأحتفي

بهجرات السلالات الغامضة وذهب النعوش /

حيث مجد الإنسان يصعد من الينابيع العميقة لليل /

أغني شغف الأرض وشهوتها تحت الصاعقة /

أغني جمال الأقحوانة العارية / وطقطقة العظام

تحت الصخر / وأغني دموع القتلى في الليالي .

 

3

 

يا أرض الأحلام والمراسيم المختومة بالدم

يا أرض سهرات السيسبان

لي الجبال

لي الأنهار

الجبال قبري

والمياه عرشي /

على الأقاليم كلها سأطرح إنشادي :

يا ايثاكا

يا قرطبة

يا بابل

يا صيدا

يا بخارى

من يدلني على مشاعل لوط وسدوم ؟

من يقودني إلى ثكنات إسبرطة ؟

سأغني مجد الإنسان على الشواطئ الايجية /

أغني لهب الأرض وشراسة الأدوار  .

 

4

 

يا أرض الطوفانات والأهرامات

أرض الأعراس والأرامل

أرض [ يوبا ] و [ طوبيا ]

أرض الغفران والمذابح

أرض الأديان والعلامات المضيئة

يا أحلاما أطول من لدغة /

يا كركما ينحدر من المسالك الغريبة للمياه البيزنطية /

احضنينا تحت أثدائك وعلقي عظامنا فوق الجبال /

يا أرض النحام

يا أرض الرمال السود

يا أرض الرماد والغيوم والزمرد والكمأة والعاج .

 

5

 

انخيدونا / يا أخت اورفيوس / إلى متى تبكين تحت فسيفساء الصيف ؟

هاهم تجار الإسكندرية جلبوا لك شجرة عر عر من جنائن الإمبراطور

[ ثيوفلوس ] سترقدين تحتها وتغنين نار حبي اللافحة / ستغنين هجرات

الطيور والعشاق والفرسان / وستسطع المشاعل أمامك على الدغل

والمرجان / على القلاع والزيزفون / على الشبوط والاسقمري /

ستغنين نار الحب الضائع في أرض المنفى :

[ على أنهار أوروبا هناك جلسنا وعلقنا قبلاتنا على الدر دار ]

انخيدونا / أيتها المهجورة كمعبد

هل نستطيع أن نرنم  [ ترنيمة الحب في أرض غريبة ] ؟

طوبى لمن يسمع جهشاتك ويضرب فيها ليل الحدائق البابلية .

 

6

 

منفيين جئنا أرض عامورة /: قال رفيقي :

ـ [ سأفجر نبعا في هذه البطاح الموحشة / سأشعل نارا في

صمت حلباتها ] لكن أمراء عراة يحملون صقورا وأسلحة /

اقتادونا إلى كهوف مؤنسة ونصبوا لنا المشانق ،

قالوا ـ [ من أين جئتما ؟]

ـ [ من عهود الدم واللغات المتشظية المجنونة ]

منفيين جئنا من أرض الهجرات المركونة في النار /

صعدت صوبنا الحروب والأوبئة وأحاطت مشانقنا / صيحات

آلهة الريح / قال رفيقي : [ آه ، يا للعذاب ، عد أنت إلى أرض

الوطن / عد أنت ودعني اقتل هنا ] لكن صقور الأمراء شقت

الصخر ورفعتنا من ليل الهاوية /

منفيين جئنا ارض عامورة ومنفيين خرجنا .

 

7

 

عم صباحا يا اغاممنون

عم صباحا أيها البطل

تعال إلى بغداد الثكلى / إلى شوارعها وخرابها وأنهارها الباكية /

عم صباحا يا اغاممنون / عم صباحا /

بغداد لم تعد تضحي بأبنائها جراء غيظ عاطفي /

إنها الآن ـ منهمكة بتضميد جروحها /

تعال أيها البطل

سيصعد القمح في الحقول

وتسطع حنينات العائلة .

8

 

تايريسياس / أنت شمس مصائرنا العمياء /

أيها القابض على جوهر هواجسنا المزدحمة /

عد إلينا / إلى أقاليمنا المحترقة /

أعمارنا مفتوحة لهبوب الدم والخراب /

هجرتنا الآلهة

والقيثارة

والغيمة

دمرتنا غزوات الغوط والسلت والهون /

رهيبة اللعنة التي حلت علينا /

هل نوقظ الآلهة التي هجرتنا ؟

آه / ما أبشع الظلمة /

ما أبشع النساء العائدات من المقابر /

آه / ما أبشع الدود /

ما أبشع الأرامل العائدات من هاوية النحيب .

 

9

 

 

لك الجلال أيها إلا له العظيم

لك الشكر أيها القدوس

لك المجد أيها الباقي

جئت إليك يا إلهنا / جئت لأرى مخلصنا /

ليقف إلهي على يميني / ليقف إلهي على يساري /

أيها الرب السلطان / العالم يغرق في الهاوية

ارفع العالم يا إله ولتشرق شموسك الخضر فوق حموضة روابينا /

لتصدح مزاميرك في أعياد جديدة / نحن رعاياك في هذه

الهاوية يا رب / ضعنا وضاعت خطواتنا في ليل المنافي /

افتح لنل دروبا توصلنا للطوفان .

 

10

 

أيها الهندي الأحمر في مكسيكو ستي

أيها التاجر الهندوسي في كلكتا

أيها النحات البوذي في كهوف الهمالايا

أيتها العرافة الغجرية في غر ناطة

أيها الفيلسوف في باريس

أيها الصياد في غابات مدغشقر

أيتها العاهرة الابيقورية

أيتها الراقصة الرواقية

أيهما العلماء والقضاة والجنرالات واللصوص والملوك والباباوات

لنوفق بين الواحد والكل / بين الموت والحياة

بين الجحيم والفردوس

بين العقل والملاك

بين الماء والنار

بين الشوك والإسفنج

بين العش والموجة

بين الغصن والعرين

لنتوحد بالجوهر / صيادنا الكبير

ستارته في الجفاف

وطعمه في العدم .

 

11

 

أيها المحاربون البافاريون والكرواتيون / إنني ألعنكم

العن نابليون وصقره الإمبراطوري

العن راياتكم البيض والحمر

الثلج الروسي مفتاح مصائركم

العن صقوركم ومدافعكم وأحيي أرض الثلوج التي ابتلعتكم

ورفعت جرائمكم

الثلج الروسي مفتاح مصائركم .

12

 

انكسري أيتها القوة الغاشمة انكسري /

ستأتي عهود جديدة وتدمر في هبوبها العظيم هذه الجيف /

الأسلحة / النفايات / الطبول / الأمراض / القشعريرات /

ستعيد الزرقة لسهو بنا الناشفة وتبدد الزمهرير والظلمة المجنونة /

ستتكسر المدافع وتسقط الأقنعة وتموت اللغات العفنة /

وتنطفئ الجرائم / انكسري أيتها القوة الغاشمة انكسري .

 

13

 

الإمبراطور جنكيز خان / بعد عودته الأخيرة

من فتوحاته الكبرى/ أعطى ابنته الجميلة [ كاساني ]

عقدا من اللؤلؤ

والجنرال وساما

والأمير إقطاعية

والجندي رتبة

والبناء حجرا

والخباز قمحا

والبيطري حصانا

والأعمى عصا

والصائغ ذهبا

والموسيقي بوقا

والشاعر صفعة قوية

والفلكي مرصدا

والشرطي لصا

وحين وزع جميع الغنائم / التفت إلى زوجته

وقبلها منتحبا .

 

 

14

 

عريانا أرقص في نور الله وتحت الأفلاك /

أهذي مجنونا في نار الياقوت الشعشاع /

أقول لأوراد الليل ارتفعي / وللأرض اتسعي /

محترقا بالنار وبالنور أطارد فراشات الإنسان /

أخرج من قلبي سنبلة سوداء / أصرخ في برد

الأضرحة وتحت ضباب الفجر العاري / اقتربي أيتها الشمس

ولتزأر فوق الأرض الأبواق / اشتعلي يا نار الحب في ليل

الأحزان / وكوني في صحراء المنفى /

دليلا للإنسان .

 

11 / 12 / 1989 أربيل / دار السلام

 

3_ أروقة من الدموع مشتعلة

 

حتى الآن ـ ليس لي دمامل

هيأت لي فراشا من التبن ولجميعهم قلت : [ الموت المبعثر يدركنا

في الشتات ]  / سماء العالم مكفهرة وفي الأفق أسلحة تتقدم

وصيحات نار / خوذات ترفعها رؤوس / رؤوس ترفعها شر اشف /

وبنات الفولاذ يضفرن عويلهن وسط أنها ونخيل وبيوت السيدة

الوحيدة / أخشى على سقفي من لهب الفولاذ / أخشى على حياتي

وكتبها المهدمة/

: ـ أعطوني واحدا آخر / سأقتل كل نبتة في الوطن / قال الجنرال /

سلام عليك يا قتل / يا استلا بات / في ليل من الجنون لا ينتهي / أشملك

بحبي وأعطر وجهك بالدم / قال الرماد /

ترفقوا / اسمعوا / الجنرال يئن : لا أريد الموت ها ها / لا أريد الموت ها ها /

ليغتسل الآن من معصيته ليغتسل /

سيدي / القبر العتيد بانتظارك حيث لا كفارة ولا استغفار /

مد الكنغر يده في جيبه بعصبية وأخرج ميتته / قضى عليه الهم

بثقله الغلاب / الجنرال نفسه / الجنرال حضر جنازته وعندما أنزل

تابوته إلى القبر / أطلق الجنود النار تحية له / كانوا يريدون إخافتنا

فقط لأن بنادقهم محشوة بعبارات فارغة /

لكن كيف ننسى تلك التنكيلات التي ألحقها بنا الجنرال ؟

في تلك الليلة الثقيلة زحف كل سكان الثكنات صوب بيت السيدة

الوحيدة / لست أدري كيف يمكن للنهدين أن يسعا كل تلك الأسراب

المغيرة من الطائرات القاصفة ؟ /  سيدي / الحصان معد لساعة الهزيمة /

هل تنحني مرغما أمام روعة الذبح ؟

ثلاث سنوات مضت كان الإله رحيما بي فلم يعيدونني الى جبهة

الحرب في الشمال ثانية بل بقيت في زريبة العجول في مزرعة

الألبان حيث أساعد العمة الأرملة /

صرخات / صرخات في الشوارع / أمل أذنك واسمع / من صافقي

الكف هذه العواءات / ضاقت يدك يا سيدي / عيناك تنظران المصيبة

ولا تنهدم / سهادات / سهادات لحماية أنقاضك والفخفخات /

الأيام

أيام شبابي

تتقاطر قبورها التي من غير حجارة الآن صوب تويجات الليل /

متصلب وقبوري زمن العظام هذا / ينفث الدم ووجهي ماكث

في الخواتيم / ماتوا والزمان في أول شبابه /

يا أخت الشتاء / أكلما تغضنت البراثن / نشفت روح الشعر المجيدة ؟

أقول مرحى / مرحى أيتها العزلة الجميلة / مرحى أيتها اللوعة /

تكسرات في لمعان الأحجار الكريمة /

تعفنات وهزائم في يد جنرالنا المزيف / أيتها الجمالات /

أدعوك نفايات / الصقور الجاثمة على السطوح وهي آلامي تئن كما الساعات /

حصان الطاغية يصهل في مستنقع الهزيمة /

أيها الموت / يا موتي / أشجارك أصابعي / وأنت تتضرع لكي

تقبلني / لا تنس السكين الحمراء / اربط / اربط إلى عنقي السكين

الجميلة / اربط إلى قلبي السكين حتى أتبعك منتشيا بدمي المنذور /

أيها الدافئ يا موتي / يا موت اسطع / اسطع مثل ذهب القرابين /

صرخاتي أبواق مكممة  والظلام لم يكن نهاية الظلام /

من يقودني إلى الأضرحة وجمالاتها ؟ من يعظني في المعصية ؟

عبرت جحيمات الحروب وفي حقيبتي قنديل الله وشعلة القصيدة /

تغضنت روحي ولمعت من الموت كقبلة العاشقة /

ألف سرور وسرور وهذه الطبول والأبواق تراقص شقائي /

أين قمح سنواتي الذي يترقب أمطار المدفعية ؟

اسكب كخمور ضوءك  أيها الموت الصديق /

أيامي الماضية نساء مؤتزرات بقذائف ثقيلة وحياتي الآن مهشمة ككسر

هواء يتنفسها الرماد / الآن صرت كغمامات الحديد / كلوعات الصفصاف /

لا نسمة

لا سنبلة

هذا الجسد المثخن بالنواح / خرائب نفخت عليه الحروب سخا مها /

أ قفالك أيها الرعب على فمي وقمحي / العلف لكهوفك السود /

أمشي بين أروقة من الدموع مشتعلة /

كانت هناك أيام تدمي / والمجازر تحصد الجميع / كانت هناك انتهاكات

واعدا مات تحيط بنا / كانت هناك مشانق وأعراس دموية شرسة ومظفورة

تنتظرنا / نعاسات نووية / واستلا بات في الوسائد / كان الموت رائعا على

الطراز القديم / طعام مشتهى ومقصلة في حديقة الوطن / وكانت الديون

تأتي إلينا ثا غية كأسرى الحروب /

لي نيران الوصية

الآن ابدأ مديحي :

الناصري : يجلس في التابوت / وهناك فوق التابوت ثلاثة أنهار للوعة .

الناصري : يحصد / الموت في [ الرفاعي ] ؟

.الناصري : يشم عفونات في نهر الفرات .

الناصري : يزرع القصائد إلى جانب أحد الأضرحة .

الناصري : يقدم قربانا من سمك الشبوط الى [ الناصرية ].

انظر إلى الفضاءات / وتنال الليالي قناديل أحلامك /

عظمة ساق قصيدتك / جبل في [ ديره لوك ]

أقفال على الفم

أقفال على الفم

والرطانات ينشرها الهواء في كل آن /

أحييك أنت يا نفسي المبجلة / يا سيدة الهدوء والعاصفة

لا أنام في بيت عمودي / كي لا أرى بعيرا أجرب :

ا ـ له عرف ديك .

ل ـ يلبس تاج الأرض وتاج السماء .

ن ـ النظير الأنثوي للآلهة .

ا ـ شقيق الرخام وناياته السمر .

ص ـ أخت أوزوريس وزوجته .

ر ـ العصافير / السهاد ـ تظللها شمس السهاد .

ي ـ دعني أعض زندك الشبيه ببطيخة حمراء / ليجعلني الظلام صانع أدوية /

نبي ومعصية / العيد والأم قتيلة / [ أقول لك انه ذكر / وتقول لي احلبه ]

قيلولة أكثر وحشية / لا أحد يجهش جهشات طويلة مثل جهشاتي /

جديلة العيد / والعيد عوسجان / كم قتلوك في الحرب وكم سحلوك

ما الذي أفادهم ؟ أين الرايات التي غنموها في حروبهم المجيدة ؟

كومة خراء  هو كل ما يبقى من مجد الجنرالات /

وأنت / ماذا تفعلين بهذه الخيانات / يا ابنة نذوري ؟

عرسك معروف في ليل الأسرار / عرس إخفاء الجريمة /

كنا ندق حدوة للحصان / رفع زوجك قائمته وقال : لا تنسوني /

كل فتيات الوطن / الثكنة / لك ولكنك عنين أيها الطاغية /

وبقيت واقفا عند القبر الأخير / والى هناك قادتني الطعنة الشجية

آه / يا حبيبتي ويا شبابي الدامي / ثم بصقت على صورة الجنرال

وكل حياتي العسكرية / أشعر بطعم الزفت والزبيب في فمي /

ثور معلوف بخسارات / دم أسود / قناع رعد / وإخلاد بلا حصاد .

 

 

12 / 1991 بغداد

 

أحلام تذبل من شدة الدوي

إلى كمال سبتي

 

عزيزي كمال : إنني أعرف بالدقة ما أنا مدين به إليك وأعرف أن المبادئ التي تعلمتها

منك خلال سنوات صداقتنا الطويلة ، هي التي مكنتني من أن أهدي إليك هذه القصائد

وآمل أن تؤمن بحق أن تتلمذي على يديك ، كان قضية جدية في حياتي .

 

كما في قصيدة لأحمد شوقي

[ إلى سماء عيسى ]

 

جنرالات الحرب وضعوا أسلحتهم وخرائطهم فوق المرحاض وذهبوا إلى النوم /

خطط الحرب تدور حول نصيف الناصري / الشاعر السكران في حانة سويدية /

على الجانب الآخر من العالم / أعياد كبيرة بوسعها أن تجعل الظهيرة المضطرمة

أكثر نعومة من القطن / إنه الحرب تحاول تدمير رغبتك وصحوك /

فوق مآذن بغداد

تطير حمامة

شقراء جدا

سوداء جدا

بيضاء جدا /

أيتها الحرب

أيتها الحرب

قلبي انصدع

قلبي انصدع

حبيبتي الحمامة

حبيبتي الحمامة .

كما في قصيدة لأحمد شوقي : [ شيعت أحلامي بقلب باك ]

ذهبت إلى الحانة مفلسا / سكرت وعربدت وحين أمروني بدفع الحساب /

انسللت كالصل من الشباك / كانت الحانة مكتظة بالبحارة والأرامل وحيوانات

السيرك / وفي الخارج يتعثر القمر في الثلوج / وفوق أمواج البحر القريب تطفو

ساعات الذين عبروا ولم يخلفوا ندوبا / هل يمكننا إعطاء فكرة ولو غامضة عن

كوننا سنرحل نحن أيضا ؟ العالم صامت في ظلمة الصقيع / ونحن أنفسنا نلتحف

الصمت ولا نرغب في أن نفتح جرحا / حتى بعد لقاء في حلم مع طاغية /

حتى بعد تذكر أطفالنا الذين قتلوا ؟

بعد سنوات /

التقيتك بمحاذاة شجرة  الحناء في أرض الحلم / كلماتك الغريبة التي اقتلعتها

أنهار القرون التي ذهبت لتنام / تحطمت بلا ضوضاء / وأغنيتك ذات الأحراش

الزمر دية / يبست في الينبوع / بين ذراعي ناره الزرقاوين / قلت لك سأموت

تحت أعلى نجمة في جبينك / وبكيت طوال الصيف في [ الناصرية ]

بكت معي الأشجار والأحلام حتى تبللت أهدابها / وها إنني الآن _ أتقدم حافي

القدمين صوب سهرات حدائقك المتألمة / لا ينعس حبي في النسيم ولا في الحجر /

الآن _ انتهى كل شيء والطيور رحلت وأضواء حبك أخفاها الغياب وأحاطت

بي سياجات الوحشة / هذا القنديل المضمد والمعلق فوق الأسلاك الشائكة هو كل

ما تبقى من شفاعتك / يسهر ويتململ في سرير المنفى /  العاشق وضعه هناك /

تائها بين عقيق الأيام ووميض أعمدتها المتصدعة /

راكضا صوب السهاد / يخضر السأم ويعين السطوة علي / أختبئ في ساق نبتة وأعد

براكين حياتي المشدودة إلى الطمأنينة ،/في الحرب أطلقت النار على طوابع البريد وأسرار

الناس وملح الأغاني وكر كرات الأطفال وقبلة العاشقة ومستشفيات الشمس /

وفي الحب / كنت أغار إذا انحرفت الأنهار باتجاه الصحراء / ولا أبكي إذا الأرض المزدوجة

للألم صعدت صوب اليد أو الرقبة /  وفي الموت الذي يحفر في ليل العظم /  أضعت إلهي بين

أغصان المدافع الرشاشة / قمت برحلات تتحرك معي السنابل والعصافير / شعوب كثيرة

أيضا عبرت الجبال والبحار باتجاه المنفى /  طبعت أسلحتها غبطة وحيرتها مشاعل /

في حرير الفجر /  بمحاذاة عظاية تنحني متمتمة أمام رمل أسرارها / ونمور حياتي الماضية

تقتسم صمت الليل وطرائد الحقد والضغينة / سأترقب الملاك / القذيفة

ثم أموت لأراه في انعكاسات اللاوعي المفعمة في تمددها /  الأدغال الكثيفة

لشاهدة الحب / الحرب ، منحوتة في شقوق الزمان ومغطاة بغبار الذكرى /

هل نموت بالقرب من كوكب الأغلال أم نحيا في فضاءات اللاعدالة ؟

كلما ماتت امرأة أحببتها / تفتش عنها كل كهوف العالم / لكنك في ذروة

لا يقينك / تعود ومعك دولة / وكصياد متهرئ الأسمال / تعبر النهر وتنسى

الغنيمة / لا شيء يطفئ رغبتك ويأسك / ستظل منبطحا في صبار الليل تنتظر

شرارة الهاوية /  تدفن الرغبة باندفاعاتها العظيمة نفسها في شوك نعاسك /

وتتنهد كشجرة محملة بالصخور / في حديقة النجمة وإغماضة البركان /

ريح السموم فوق شفتيك تترقب انغلاق الأنغام ؟

 

16 / 7 / 2003 مالمو / السويد

 

2 _ أيقظيها أيتها الريح / أيقظها أيها العندليب

 

باركها يا إلهي

باركها يا صباح

وليباركها النجم والمطر والنيزك الكريم /

لا الأقمار

لا الشموس

أنت التي ترفعين الليل من عذوبة السقطة / فتفيض الأنهار وتمتلئ قلوب أولئك

الحزانى على تخوم الفجر / يدك أرق من السهر تحت الأشجار ونبع شفتيك

الوضاء ينجي الأموات من الموت / حياتي بين يديك سنبلة حرير تهتز وتتأرجح

في حقل الأحلام المشدود إلى الصخرة / أناديك يا موجدة كل التوهجات التي

تشع أمامي / أيتها الجميلة التي تدجن البركان / جسدك المتنهد والمثخن بالعطور

اللافحة يصطاد الفراشات بجرأة / تبقين في سطوع بمكرك الإلهي /

الذهب / هذا الذهب الحار / ذهب شفاعتك / سوف يضيء الدروب والمسالك

الغريبة للذين يتعثرون وسط سقوف الفراغ / أصغي إليك وأعرف إنك تحلقين

هنا عائشة في اللامرئي منذ دهور / هل لي أن أسمع أغنياتك ؟ أيتها السيدة الشفيعة /

السيدة الجريحة /  أيتها الأميرة الغريبة والأسيرة / يا عذراء الليل / يا أميرة الرجاء /

أميرة الحديقة / أميرة السلوان والإنشاد الذي يحطم الرخام /

هل تسمحين للغريب بالمكوث تحت نورك الوهاج ؟ ألقي إلي بنجمة لتضيء

ليلي في طرقات المنفى / عارية تقفين على قبري / شجرة ضنينة ، أنظر إليك

في ظلمة الريح تهبطين من سماء الأحلام في رداء نسجته القرون / جمر الفيروز

الذي يتوسد أنهار جبينك العالية / سهر كثيرا تحت ليل الكحل /

أيتها الشفيعة / يا من يطلب منها السلوان / لا تسألي عن أسمي /  امنحيني

إيماءة فقط لأصعد من بين هذه العظام / يلذ لي أن أتوسد أحد ذراعيك /

ذراعاك حديقتان / يلذ لي أن أعصر نهديك / شفتاك نحلتان /  من عينيك

يشرب ويغتسل العاشق ولا يرى لطخات في مرايا الزمن / نظرتك شرارة

من نيزك يعطر الأرض في زحفه المترنح صوب الهاوية /

أيتها السيدة الجريحة / سيدة الأحلام والرغبات المستحيلة / هل لي أن أرى

طيفك الأزرق / رداءك الأخضر الذهبي / جسدك المتثائب واللامع تحت أمطار

الخريف ؟ تنام في الخميلة / سيدة الرؤى واللاهوت /  السيدة المتألمة ، السيدة

الوحيدة /  أيقظيها أيتها الريح /  أيقظها أيها العندليب /

لو أنني أستطيع أن أصعد الفضاءات / لصعدت فضاء الشفيعة / حمامة فوق

رأسي وحربة في جبيني / لو إنني أستطيع أن أحفر قبرا / لأحييت الشفيعة /

في حنين الشجرة المكتوبة في قنديل العتبة / في ألم النسر المشدود إلى الأفق /

في عطر الأقحوان تحت برج الدلو / في الآماد التي تنغلق على سواحل نومنا

في الصيف /  نصغي من خلال شلالات أشواقنا إلى أنفاسك التي هي ثمر سنواتنا

وكشمش نذورنا / رداءك الجميل ملقى على رماد الحديقة / وعلى رخامة الضريح /

كتبت اسمك وبحت بالحقيقة / ملاك أزرق يحرس الينابيع البعيدة / يحرس الغمام

فوق سنابلنا العنيدة /

الغمام الذي أحرق اورفيوس / أيتها الظلمة بعد الغمام / كنت مع اورفيوس /

سمعت الطقطقة ورأيت العظام / في العالم الساكن رأيت العظام / رأيت العدم /

وسمعت الحشرجات / ذكريات بلا أجراس يهزهزها الرماد والظلام /

رأيتها الصيف الماضي وقبلتها حين جلسنا في الحديقة / لكنها بصقت في وجهي

ثم قالت : [ أين كنت كل هذه الفترة الطويلة ، لماذا لم تبحث عني /  لماذا لم تخرجني

من القبر ] ؟ قلت لها : [ كيف أخرجك وأنت ميتة ] ؟ فكشرت بحقد وقالت :

[ لست طيفك ]

تحت مطر تشرين / في الأرض التي خرجت للتو من الزبد / كانت رغباتنا تتنفس

مثل نبيذ الليل /

 

في الطريق إلى البيت حدثتني عن اغتصابها من قبل البدو / وعن مساكن أهلها في سدوم

وتماثيل الآلهة المبعثرة في الصحراء / من بعثرها ولماذا ؟ إنها لا تدري ، قالت :

[ هناك آلهة عظيمة في الصحراء ] كأني لا أدري / وقالت : [ حرس الملك يلبسون

دروعا تحت ثيابهم ] / قلت لها : [ هل رأيت حديقة الملكة التي تموت في الربيع ثم

تنهض في الشتاء صاعدة إلى الناصرية / أرض وطني ، هناك وددت أن أستحم في

الينابيع الصافية ] / ثم حدثتها عن صحرائي / وبعينين مرمدتين رأيت العظام تترنح

تحت الشمس .

 

23 / 9 / 1989 أربيل / ديبه كه

 

3 _ انخيدونا

 

العاشق الغجري مريض

يقف حزينا في بوابة الإفلاس وفي يده زهرة قرنفل /

شمس لم تشرق في يوم الاحتفال /

 

في الحديقة / اللص يدفن كنزا

محصل الضرائب

جاء ليقطف وردة /

 

هؤلاء عشاقك الكهول

هل احتفظت بأسمائهم ؟

هل حنطت جثثهم ؟

 

كل شوارع العالم تدلني عليك /

ولكي أنظر إليك أو أهمس في أذنك

ينبغي أن أقتل 13 كلبا مسعورا /

أنت النبع

أنا السمكة /

سجد لك سوادي

وآمن بك فؤادي /

أيتها الجميلة القبيحة انخيدونا

سيدة الشموس والغمام /

ها أنني أدفع حرابي علفا للأوهام

سأغادر مطعونا بعد أن تكون شجرة حبي قد اكتهلت

والمنافي التي أصل إليها حزينا ونازفا

ستهلكني هلاك جرذ /

هنا برد العزلة والنشيد الجنائزي

حين ساعة الموت تقترب /

طائر محكوم عليه بالقتل /

هنا انخيدونا كانت وعودا /

هنا كومة من آلامي النبيلة دفينة ومستترة في جحيم امرأة تنزف

جمالها بغزارة /

والرجاء / ذلك البخور الذي يشع على الأقاليم الجافة /

الرجاء الذي أنتظره / أملي الوحيد الباقي /

يفر من بين يدي ويتركني طريدة معراة في البراري /

كن شفقا أيها الجميل

هذا الغناء الذي يسمع في الريح

هذا العندليب الذي  تمتد وتتقلص رقبته طبيعيا من دون سلك /

إنه السلوان /

الآن كل شيء يترك نفسه في الوراء ليمنحني ميثاقا بأنني كنت مخدوعا وخاسرا /

أريد هذه الليلة أن أكون حرا طليقا كصقر /

يحلق في فضاء وجبال ويفتح القلاع التي شيدها أباطرة الرماد /

وأيضا لأسأل لماذا يحل بي مثل هذا الألم ؟

ثم أبحث في السديم عن ظل انخيدونا /

أبحث في الخرائب العميقة عن الشفيعة /

آه / أيتها الأميرة القابلة للإقناع /

أيتها المعبودة /

والسيدة الفانية /

المعشوقة والمكروهة /

بأي زمن سيجيئون بمن يماثلني ؟

وهل سيجيئون بملء إرادتهم ؟

وهل سيسيطرون على دموعهم ؟

وهل سيجيئون مبكرين ؟

ومن سيستطيع أن يعرف أسرار عنادهم ؟

1_ ليذهبوا إلى الجحيم أولئك الحشرات / سكان المستنقع /

إنني لا أخجل من أتعرى أمامهم /

إذا كان الله قد نفخ الحياة في التراب /

فأن نصيف الناصري يستطيع أن يعد هؤلاء الناس الأحياء

مجرد أملاك ترابية /

2_ أتعرفين / تبا لك ولأساليبك التسلقية

هل يتوجب علي أن أتعلم التهذيب منك /

التهذيب الدارج في إنكلترا مثلا ؟

أتظنين أن الشحرور المتقاعد من الخدمة / له رائحة أفضل مني ؟

لا أحد في العالم يجرؤ على تقديم شكوى ضد الأقوى /

والآن _ تستطيعين الهذيان عن العلاقات الإنسانية كيفما تشائين /

فذلك مجرد غبار على الجدران / إنك لن تغيري شيئا في هذا العالم /

أنا لا أنفي إنني كنت عاشقا ومجرما في بعض الأحيان /

مرحبا يا آنسة

لقد شحب وجهك

كيف أصل إليك من دون أن ألمس الخديعة ؟ /

3_ العشاق العجائز ذوو النظرات المشوهة إليك / تغنوا بشبابك

الذي كانوا يعتبرونه أسطورة فقط ممزوجة بالسكر والسحر لكنهم /

لا يستطيعون إدراك ذلك / فكلماتهم الناعمة الجائعة المفترسة الكاذبة /

ينقصها الإحساس والصراحة / وقد بقيت بعيدة وصعبة المنال لم تمسسك

المشاعر الحقيقية / وكنت كأنك أنثى طاووس من خشب الأبنوس مقنعة /

أو أنثى شبقة

أو شيء غريب

أو وعاء فارغ

أو جنون

أو إغواء

أو قسوة

أو وحشية

أو سحر وغيرها من الكلمات الجوفاء /

وحسب كلماتهم المائعة المشوهة /

كنت مجرد سلعة معروضة للمتعة /

وهذا جيد / فمن حسن الحظ إنهم بالنسبة لنا من نفس

اللحم والدم والإحساس ونفس الألم / وقد بقي لي نفس

الشرف العميق بأن أتغنى بك بكلمات حارة /

4 _ { لكن أين الماسة اللامعة في ليل المراثي ؟

هل غدت بخارا وعصفا ؟

هكذا كان الغجري يقول لنفسه  /

5 _ أعرف أنك كاهنة المعبد الكبير العظمى

وتنحدرين من سلالة سامية /

6 _ أيتها الريح

يا شمس الحب في صيف الوادي

يا طيور الليل

احملي إلى الشفيعة

سلام العاشق الأعزل /

7 _ آمل حين تسمعين زقزقة عصافير في المساء

أن تكتبي قصيدة عن فراق الصراصير

أو تفكرين برحلة إلى نفق مظلم /

سينتابك شوق جياش

لرؤية المستنقعات والضفادع /

8 _ أريحي نفسك قليلا فوق الهاوية /

عذبة نسمات ينابيعنا عذوبة أكاذيبك /

عشاقك الكهول

أصحاب المناصب والثروات

سيبقون أكثر حبا للدحرجات /

صقر في يدي

وفي يدي زوبعة .

7 / 1989 بغداد

 
<

>