Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

 مجموعة شعرية

 في ضوء السنبلة المعدة للقربان

نصيف الناصري

 

4 _ أعلى من قمم الجبال

 

1

أعلى من قمم الجبال كنا ندعو الموت إلى الاحتفال لنمجده في النار

القوية / لكن الموت لم يكن نهاية العالم / كان الموت في جوف الجبال /

وكانت الجبال في جوف الموت /

هل كنت أنا مع الموتى الذين يغنون المراثي تحت القناديل المخفية ؟

فوق أسوار قلعة آلامي / كان القمر يجلس مصابا بالجدري /

كانت البراغيث تزحف صوب جدران البيوت / في الوسائد الطينية /

في الخزائن / في صناديق الحلي / في أعشاش الطيور / في الثياب / في

الشفاه الناشفة / .

 

2

تحت الشمس العراقية

فوق أعمدة بعلبك

في فحم جنائن بابل

في ينابيع أرض جاسان

عبر غناء ودبكات الفرات

رأيت مجد الإنسان يصعد صوب الفضاءات

إلى الغابات العذراء والأصقاع القصية حيث ظلال الله

وحب الإنسان لأخيه الإنسان

وأنت يا قلعة آلامي / يا مدخنة / يا حديقة زفت / أسلاك شائكة /

حيوانات نافقة / أمراض / نفايات / موت يتثاءب في أصص الزهور .

 

3

أيها العمر / ليس ثمة وقت لأرثيك

أو أرمم أيامك المحطمة الفقيرة

أو أنظر إلى ماضيك

ولا أدغالك التي لطخها الرماد

ليس ثمة وقت يا شبابي الدامي

يا فحما يحترق /

فوق أسوار قلعة آلامي قلت للموت :

ارفع مكرك

ارفع نذالاتك

ارفع خياناتك

ارفع اللامبالاة

ابتعد عني / ابتعدي أيتها الدودة / يا لزوجة وعفونات /

فوق سفوح جبل [ حصار وست ]

فوق جثث ورسائل الجنود الذين يسهرون

على أشجار البلوط المحترقة في [ جومان ]

على آمالنا التي تهدمت

على شيخوختنا المبكرة

تربض القشعريرات بانتظار موتنا القسري .

 

4

وحدنا عبر الجروح التي تقرحت

عبر البكاء الوحشي / السهاد الدائم

وحدنا نصرخ فوق الجبال / تحت القصف الكثيف :

كرده مند / بقدميه الكسيحتين والميت منذ عام 1983

كرده كو  / الجاثي أمام الكتل النارية والذي يقيء كل ليلة قتلى وجرحى

كوردي / الميت وفروته المحترقة

زرار / وحافاته الغربية التي تتضور جوعا ولا تشبع من القتل

كردي هلكان / المتشظي بسبب تغريد بلابل المدافع المستمر منذ سنوات .

 

5

دم يصرخ في ليل حروب غادرة /

تمزقات عميقة يصعب تضميدها

الخديعة / الابتزازات  /  الاعدامات التي تتجدد في كل لحظة /

لهاث الشمس المحتضرة فوق دخان العراق /

نقالات إخلاء القتلى الدبقة /

مجازر مرئية وغير مرئية / يسكت عنها الصديق والجار وبن العم وبن

الكلب / أولاد القحبة /

مجازر / جراثيم حروب /

تتكاثر في النار الدائمة السواد / لتحرق أرض الذهب / السواد .

 

13 / 5 / 1986 أربيل قصري

 

5 _  موت يحلم بحرارة شمس الصيف

 

1

قذائف ثقيلة / صليات رصاص / خنادق مقصوفة / دخان /غبار ملاجئ

تحترق وتتناثر في الهواء / قمل يعشش في الأجساد / ثلوج / ثلوج /

حنينات متجمدة / موت متيقظ يتربص بنا ويطلق قذائفه باتجاهنا دائما /

خطوة / خطوة تتعثر حياتك فوق الجبال الكافرة /

أيها الصعلوك

الشاعر الغجري

هاهي أحلامك تذبل من شدة الدوي / الأشجار الكثيفة الظلال

والصقور الأنيسة  والطبيعة بثرواتها التي لا تنتهي

والآمال / ربيعها الأبدي  يحطم القشعريرة .

 

2

بين قبر وآخر / تنوب النملة عن الفراشة

ينوب الغاز عن الهواء

ينوب الميت عن الحي

ينوب الليل عن النهار

ينوب النشيج عن الغناء

تنوب العقرب عن القبلة

ينوب الثعلب عن الأسد

تنوب طقطقة العظام عن الموسيقى

ينوب الخفاش عن العندليب

تنوب الصفعة عن الحلم

ينوب العظم عن الشجرة .

3

 

وحشة الجبال المهيأة للموت / والراجمات / والمدافع / والصواريخ /

وقصف الطائرات الذي لا ينقطع / ومدافع الهاون الرجيمة /

والميتات التي تموتها عدة مرات في اليوم / والخوف الذي لا يوصف

وشماتات الشعراء / الأبواق الذين يتوسدون أذرع أبقارهم

في أسرتهم الوثيرة تحت أضواء بغداد التي تنسانا في صراعنا

ضد الموت / الموت الذي أعده مغول القرى المنسية  /

القمل يأكل جلدة رأسك في الملاجئ التي تقصف دائما .

 

4

هنا أصابع بلا خواتم

سيقان من خشب

هنا برد يحفر العظم

والقبور جائعة /

المخاوف والثلوج رابضة على أعناقنا / على احساساتنا والأصابع

والحناجر والعيون  / هنا موت يؤجل موته /

موت يحلم بحرارة شمس الصيف وأنين الجذور/

هنا القلب الأكثر رقة هو الأسبق لاستقبال الموت /

هنا نهر الموت الكبير يجرف الضوء والحديقة  / يجرف الغصن والإيماءة .

 

5

يا ثلج / ابن الظلمة

يا دم / ابن الرماد

يا رماد / ابن الحرب

من يعيد لحياتنا عافيتها القديمة ؟

من يعيد للحب ربيعه وللميت حنينه ؟

 

كم ميتة أخطأتنا ونحن ننتحب حول جثة الشمس ؟

يا ليل / خذ الظلمة .

 

22 / 3 / 1987 أربيل سيده كان

 

6 _ صور من معارك جبل { كرده مند }

 

1

لا الليالي الثلجية الكافرة

لا الكلاب الجائعة الشريدة

لا الكروم النائمة التي يقتلها الزمهرير

لا الجزمات العسكرية القديمة / وقود النار

لا الأكف العارية التي تلتهب بردا

لا دوي القذائف

لا رائحة البارود

لا صور النساء المعلقة على جدران الملاجئ المتآكلة

لا الإجازات الدورية المؤجلة

لم يبق أي شيء

كل الصور انمحت يا كرده مند /

ما جئتك لأصطاف أو ألمس النجوم فوق قمتك التي تقصف ليلا ونهارا /

صخورك الكافرة تسلقتها صخرة / صخرة /

وفي سفوحك الحاضنة قبور الأكراد / رأيت موتي بقوا دمه ال 26

رأيت أحلامي تنطحها الأوامر العسكرية /

الآن _ لم أعد أنتظر القصيدة / دفاتري ومصطلحاتي نثرتها القذائف /

فيما مضى كنت أكتب عن ليل رومنتيكي وأحلام /

أو أتنزه قرب شواطئ محملة بتغريد البلابل / وأتكلم مع أصدقاء في مقهى

أو بار /  ما العمل الآن ؟

تحت هذا القصف المدفعي الرهيب  /

لم يعد الموت غولا شعريا /

ولم يعد الشعر مانعا طبيعيا /

هنا في هذه الملاجئ المقصوفة بصواريخ الراجمات والطائرات والدبابات /

يرقد آلاف الجنود القتلى / بأعمار لا متجانسة ومن مدن لا يعرفها حتى الله /

2

ليلة البارحة / تحت قصف مدفعي كثيف /

حاولنا إخلاء جثة آمر الفوج الرائد الكردي سردار أحمد هادي /

منذ عشرة أيام وجثته ملقاة فوق الصخور /

{ الأوامر تنص على عدم إخلاء الجرحى والشهداء أثناء الصولة } .

 

3

رياض كريم ،/ستار جبار / قاسم حمودي / إبراهيم عباس /

منير غريب / علي وهاب /

{ لم تخل جثثهم لقربها من مواضع العدو } .

 

4

أستطيع الآن أن أبتر يدي /

أصرع ضابطا في فرقة أعدا مات الفيلق /

أو أصعد إلى الله في خمس دقائق على دراجة شعرية /

لكنني لا أستطيع الآن أن أحضر مشهدا لقصيدتي الجديدة /

في بغداد يكتب السادة الطراطير /

قصائد عن حرب لا توجد إلا في موائد سكرهم /

وكتبهم القومية المصفرة .

 

5

أيتها المخيلة / المجاز والاستعارة /

هل لي أن أرى وجه صديقي اليزيدي خديدة رشو /

أو وجه أمي الباكي ؟

في الموضع الدفاعي المكشوف / لا أفكر بأحد ما ، لا أتذكر أي شيء /

ربما أشتم نظامين في بغداد لم يتنفسوا دخان الحرب /

هذه الصواريخ الرخيمة

قنا بر الهاون 120 ملم

أطلا قات ال BKC

أين تسقط { رماحها } يا مناويك الشعر العمودي ؟

تعالوا انظروا الموت فوق كرده مند .

 

6

أيتها القذارات

العفونة

قمل الحرب

يا فراقنا القسري عن الحياة الإنسانية

من الملوم ؟

يا إله / رب البول والبراز / خلصنا /

هل لنا حياة فوق كوكب آخر ؟

 

1986 / أربيل

 

7 _ 1988 ، الأنفالات ، بعض الهوامش

اترك الساعات

اترك الحديقة

اترك حبيبتك

اترك العطور

اترك الخزانة

اترك الأطفال في المحطات

تعال انظر إلى جثث الأكراد / إلى أنهار دماء الأكراد /

تعال انظر إلى الجثث المجهولة في القرى والوديان وفوق الجبال /

في جيشه كه

وجمباره وك

ورايات

وديره لوك

وميركه سور

وماوه ليان

وطق طق

وكوي سنجق

تعال انظر إلى أجساد الأطفال والنساء والشيوخ الموشومة بالشظايا /

ومنظر فأر يجرجر نفسه بعيدا عن جثة جندي قاتل وقتل فوق جبل

كرده مند / والفأر مكظوم مهضوم حتى إنه لا يستطيع أن يرفع كرشه

المنبعج عن الأرض /

الآن _ يوجد هذا الرماد / هذه الصرخات التي تصعد إلى السماء ونجوم

من الألم العميق تسطع فوق أغنيتي المتورمة / متعبا / جائعا / جريحا /

أجبرت على صعود جبال كافرة / نزفت دمي وأيام شبابي / ماذا جنيت

سوى هذا الشقاء الرهيب وهذه الجروح التي لا تلتئم ؟

في إجازتي الدورية السابقة بعت معطفي العسكري في سوق [ الهرج ]

بسبعة دنانير / كنت مفلسا وجائعا / كنت غائبا على الإجازة ثلاثة أيام

وأخشى الإعدام / لم آكل شيئا ولم أدخن سيكاره / صديقي الشاعر الذي

يعمل في [ مجلة حراس الوطن ] ببغداد / وينشر كل يوم قصائد تمجد الحرب

قال لي : [ اشتريت هذا اليوم

زبدة دانمركية وزجاجات ويسكي فاخرة ] وقال : [ عشيقتي اتصلت هاتفيا /

أخبرتني إنها ستجلب لي ربطة عنق وبدلة جديدة ] قلت له : [ أدخن روث

الحمير وأغنياتي نهاقية / أدخن روث البغال وحبيبتي سحاقية ] /

[ أنا لا أقول شيئا عن سجوني ولا عن ملايين الفقراء

أجلس أياما على حافة السماء وأحدق بلا انقطاع في دورة

المياه / و عندما أذهب إلى الجنة / أسكر ولا أهدأ أبدا /

يظن الله إنني على ما يرام /  أما آمر الفوج فيظن إنني مصاب

بالحساسية / والحقيقة إنها عقابيل داء الجرب الذي أصبت به

عندما كنت نزيل سجن الموقع في أربيل ] /

إنني متعب الآن وأحاول إراحة ضميري /

لكنني لا أستطيع  التخلي عن هاجسي /

أحلم بالحصول على خيمة

أو عربة قطار قديمة

أو زجاجة عرق أحتسي نصفها في المساء /

أحلم بالحصول على نصف متر من أرض الوطن

أقف فوقه كاللقلق في نومه /

مكتب المعلومات في مركز الشرطة يقول : [ حدد مكان إقامتك /

حدد مكان إقامتك ]

أحلم بماذا ؟

سر كوت عبد الله أعدمه رجال الاستخبارات في مقر الفيلق /

دلشاد كاميران اختطفته دورية الأمن العام في [ دهوك ] ومازال غائيا /

الشاعرة انخيدونا هجرتني وتزوجت عقيد متقاعد من دائرة الأمن /

جان دمو في حانة ولا أريده أن يصحو /

صعدت جبالا تحترق / وصعدت السفوح / جف الدم وجف الخوف /

وما جفت الجروح /

في [ كه لاله ] قبل العرض الصباحي للفوج كنت أمسح عيني وأمشط

شعري بالمطر / وألمع جزمتي العسكرية بزيت محركات السيارات وأتبول

في برميل النفاية الموضوع في الملجأ / لأنني أخشى الظلام في الخارج

وفي البيت / لا أنام تحت المروحة لئلا تسقط فوق رأسي / ولا أتعرى

في شلالات [ ديكه له ] / خسارات وأحزان العالم كلها في جيبي /

أصرخ أو أنهق وسط مقبرة مهجورة في [ قصره وك ] غبر مكترث

لاحتجاجات الموتى / مطرود من الحياة على يدي الحياة /

أرسم في صراخي صورة لحياتي / أو وجه امرأة أحببتها بعد خروجي

من السجن بسبب الهر وبات  المتكررة  من الخدمة العسكرية / كانت جميلة

وتتغنج في الشعر / تركتني بسبب حبها للمال والبحث عن الشهرة /

كانت تقول لي : [ أنت شاعر مفلس ومغمور / أنت صعلوك ، غجري

متسكع / حمار أحمر ومحمور ] كنت أقول لها : [ أنا أبحث عن ذهب الأزمنة ] /

لا مقدسات

لا غفران

يقول الجنرالات [ الموتى حيوانات انقرضت وتعفنت تحت التراب ]

أنت مدنس : [ يقول الجنرالات ] / عظام محطمة تحترق في أحلامي /

لمعان موت يخطف البصر / وليل جرائم الطاغية / أنفاق لا أبواب لها /

أعمى تقودني العفونات من هاوية إلى هاوية /

لا نبع لي

لا سراج

أحمل جثتي منذ عشرة أعوام في بدلة عسكرية / أحمل الخراب ويدي تقطر

دما / أحمل الترهات / طموحي أن أكون رأس عر فاء سرية / على الرغم

من إنني شاعر /

إنني متعب الآن وأحاول إراحة ضميري /

عام 1988 في الأنفالات المشؤومة / كان الطاغية يطارد الأكراد ومواشيهم

في الطائرات والمدافع الروسية / وكان الجنود يدخنون تبغ [راوندوز ]  ملفوف

بمنشورات الحزب الشيوعي المحظورة /

هل تغفر له القبور التي هدمها في وادي [ شه لغه ]  ؟

هل تغفر له الأكواخ التي هدمها في [ قصره وك ] ؟

هل تغفر له الأشجار التي أجتثها في [ كاني ماسي ] ؟

جرائم دبقة تسطع فوق شمس البلاد الجريحة

جرائم عفنة

نيرانها تميت النهر والحديقة .

25 / 12 / 1990

13 / 1 / 1991 أربيل ديكه له

 

8 _ حلم في الزواج

 

1

فتاة مغربية تبلغ من العمر 29 عاما ، حسنة الأخلاق ، مقبولة الشكل ، تعمل خياطة في إحدى

الشركات ، تقدس الحياة الزوجية وترغب في الزواج من شاب عربي ، يتراوح عمره بين 26 و30

سنة ، وضعه المادي متوسط ، حسن الأخلاق ويقدس الحياة الزوجية ، مستعدة للإقامة معه في أي

بلد .

2

فتاة عراقية تبلغ من العمر 31 عاما ، من عائلة تهتم بالفنون الجميلة ، شقراء طويلة ، معقدة شوية

تقدس الحياة الزوجية ، أنهت السنة الثانية من الدراسة في كلية الفنون الجميلة وتركتها ، ترغب في

الزواج من شاب عراقي مثقف يحترم الحياة الزوجية .

3

فتاة مصرية تبلغ من العمر 28 عاما ، بيضاء البشرة ، جميلة ، مثقفة ، تعمل مدرسة في أحد المعاهد ،

تدرس الخياطة وتجيد الطبخ والأعمال المنزلية ، ترغب في الزواج من شاب عربي مثقف ، ميسور الحال

ويقدس الحياة الزوجية .

 

الآن _ سأحدثكم عن الأفعال السرية

عن رجال الدين الذين يهمسون بشهوات داعرة للفتيات المراهقات /

كم من زوجة متشوقة إلى أفعال الأرملة / منحت زوجها عند ميعاد

نومه / الشراب الذي أتاح له نومه النهائي على صدرها ؟

كم من شاب يافع استعجل ميراث والديه ؟

كم من شابة جميلة / لا تخجلن أيتها الجميلات / حفرت قبرا في الحديقة

داعية إياي أنا الضيف الوحيد / لحضور جنازة رضيع ؟

سأدلكم على أماكن الجرائم كلها / سواء كانت غرفة النوم أو المسجد

أو الشارع أو المصنع أو الحقل / وسوف تحزنون لمرأى الأرض كلها /

والآن _ ها إنني أعود في إجازة من جبهة القتال / محبطا ودائخا

أحلم في الزواج / لكنني لا أعرف أية امرأة

هل أتزوج من امرأة من دون أن أعرفها أو أعرف ماضيها ؟

من يدري ؟ ربما تكون عاهرة / وحتى لو كانت عذراء فمن المؤكد إنها

أجرت عملية جراحية لخياطة ثقب فرجها / هذا عدا مؤخرتها التي ولجت

فيها الأعضاء المصابة بالسيلان /

هل أهرب من الخندق وأذهب أفتش عن فتاة تصلح أن تكون زوجة ؟

ربما أجد فتاة جميلة تعمل بائعة في مخزن / لكن هل سأعجبها ؟

هل ستوافق أن تتزوجني ؟ ستوافق بلا شك ، ستوافق ، لأنها دائخ ومحبطة

مثلي والرجال في الحرب /

سنتفق على تهيئة مستلزمات الخطوبة وكل شيء / سأرتدي ملابس جديدة أرسلها

لي سليم بركات من قبرص / وسأذهب برفقة أصدقاء أجلاء :

حسن النواب بعد أن يستحم ويزيل القمل من فروة رأسه

وكزار حنتوش الذي سيصلح حذائه الأثري ويقص شعره الشبيه بعش اللقلق

وجان دمو الذي سيكون مخمورا كعادته ويحيي أهل الفتاة هكذا :

[ ها / أولاد المراحيض / ستزوجون بقرتكم لهذا الحمار ] ؟

سنتفق على حفل الزفاف وشهر العسل ودعوة الأقارب وبقية الصعاليك الأعزاء

سأشتريها مثلما أشتري أية سلعة من السوق / وستتغير حياتي بعد أن أصبح زوجا

لا خمر

لا صعلكة

لا تسول

سأجد في البداية صعوبات في البحث عن بيت للإيجار

وشراء الخبز والباذنجان

والحاجات المنزلية الأخرى

سأعود من جبهة الحرب يائسا ومنهكا / وأجد زوجتي عند النافذة تلقن الأولاد

الآداب الاجتماعية / ستنظر إلي وانظر إليها من دون أن أحييها

وستسألني عما إذا كنت قد نمت في غابة وحلمت بكابوس عن زواج السحرة /

هل كان أبي وثيق العلاقة بعائلته ؟

هل كانت أمي ترفع وجهها إلى السماء وتقول له : [ أيها الرجل ، تماسك ضد

الشيطان ] ؟ لكن أبي الشبيه بإعصار / كان يأتي كل مساء بحزمة حطب / وبعد

الصلاة يحرق الرب وستة من ملائكته /

هل أتخذ من رصيف بعيد مقعدا لي / رافضا العودة إلى البيت ؟

ربما أسمع هناك صوتا بعيدا / صوت زوجة شابة تعلن نواحها ولكن بحزن غير أكيد /

طالبة صدقة ما / لربما يحزنها أن تحصل عليها / في حين أن الجمع غير المرئي من ملائكة

وشياطين يدفعونها للتقدم / سأصرخ مقهقها : [ ضاعت زوجتي / لا سلام على الأرض /

والخطيئة ما هي إلا أسم / تعال أيها الشيطان / إليك يسلم العالم ] / وسيصرخ الشيطان

بصوت تردد أصداؤه جميع الأرصفة : [ آتوني بالذي تحول إلي ] / سأتقدم إلى الأمام /

حيث التجمع الطقسي المعتاد / ربما أشعر اتجاهه في البداية بأخوة كريهة مصدره كل ما هو

طيب في قلبي /

في يوم ما عدت بعد هجوم على وحدتي العسكرية / نازفا ومدمى / فرأيت الرجال المتزوجين

وابتعدت عنهم كمن يتجنب لعنة / رأيت زوجتي البلهاء تلقن الأطفال محاسن الأخلاق كما

تقول / تلقنهم أن لا يشعروا بالخوف من رؤية الحيوانات الزوجية /

كان أبي وأمي قد ماتا منذ عدة أعوام / وجاء رجل في الليل يعتقد إنهما ما زالا أحياء

يا إلهي / من يكون هذا البغل ؟

تكلم بصوت عميق واضح ونادى : [أبو نصيف ]/ أجبته وأنا أنهض : [ دقيقة يا بغل ]/

عندما فتحت الباب / كان هناك رجل واقف / لم أستطع أن أتبين الحدود الخارجية لقامته

ولا ملامحه / كان الظلام يحجبه تماما / : [ هل أبوك وأمك هنا ] ؟ [ لا / لقد ماتا منذ

زمن طويل / أنا نصيف أبنهما ] / وضع البغل على عيني سحابة ثقيلة وولى هاربا /

ما كنت أبغي الزواج

ما كنت أبغي الزواج

ولآن _ وداعا أيتها السكرتيرة من لبنان / يا من أرسلت إلي صورك

وأنت تقولين : [ أحب الرجل الذي يقدس الحياة الزوجية ]

وداعا أيتها الممرضة من تونس يا [ من وضعت مع رسالتك الأخيرة

مظاريف فارغة لكي أعيد إليك فيها أغنياتك المستوحاة من العيادة /  1

وداعا يا خياطة ملابس السيدات من مصر / يا من تقدم دروسك للأطفال

أفضل علاج لموضوع الأثداء المترهلة /

وداعا يا فاطمة / يا من كنت تبزين أساليب المدرسة السريالية في فن الرسم   /

يا كنت تنهين رسائلك بعبارة :  { لأنني عراقية فبطلي نصيف الناصري  }

بدلا من كلمة المخلصة /

أقسم لكن وأنا ألعق المظاريف المختومة التي تحمل عناوينكن بأن اللعبة التي

كنت ألعبها معكن / في محاولة تخمين منكن / كانت أفضل طريقة للترويح

عن النفس  ]

 

مسكينة زوجتي

[ بحثا عن الاستقرار العائلي 2

راحت تقرأ كتب الطهي

قرأت وصفات اللحم البقري بالجيلي

وشطائر السمك والباذنجان

وقرأت وصفات الجبن المطبوخ على نار هادئة

والبسكويت والشكولاته

وعندما تشعر أنني ما زلت أكرهها

وقد ترطب وجهها بالطهي وامتلأ صدرها

بعصير التفاح أو الطماطم

فأنها كانت تصنع الكعك الممزوج بالعسل الأسود

وتضع فيه خميرة حتى ينتفخ

حتى قصائدها التي راحت تكتبها بعد أن ولدت خمسة

أطفال / كانت وصفات أطعمة

فكلمة الجوع تكتبها هكذا : الجوووووووووووووووووع

كأنما لتطرده بالكلمة السحرية / ولكن شيئا لم يملأ بطنها

أو أوقف ذلك الإبهام الذي تلعقه دائما

حتى جاء يوم التقت فيه مدير البلدية

كانت وجنتاه بنيتين مثل الكعك الممزوج بالعسل الأسود

ولسانه شريحة لحم خنزير وردية اللون

أرادت أن تأكله كله وتدخر عينيه

لكنني تنبأت بأنه هو الذي سيأكلها ] /

أه / يا إلهي / ماذا أفعل الآن بعد أن انفصلت عن زوجتي ؟

سأستقبل ضيوفي الليلة ببيت من الشعر

من مسرحية { موت القيصر } لفولتير

[ ليس بين السامي والتافه / إلا خطوة واحدة ]

_ { كيف حالك يا عزيزتي عائشة / وأنت يا سيد عائش } ؟

سيجيبان بالتأكيد هكذا : { بأحسن حال وفي غاية السعادة لرؤية

حضرتك سالما بعد كل تلك المخاطر }

وسأقول لهما : { مخاطر / أبدا / أنا أزدهر في مواجهة الهزات /

كلما ازدادت همومي / تحسنت صحتي / الأزواج الكسالى يزدادون

بدانة في بيوتهم / أما أنا فأزداد رشاقة على صهوة الرصيف } /

بعد أسبوع من حادثة الطلاق / أصبت بنوبة هستيرية غامضة /

إذ اعتقدت وأنا أنظر إلى طفلتي الصغيرة التي لا تكف عن البكاء /

إلا حين ألقمها الرضاعة البلاستيكية / أن من غير المعقول أن يصم /

الرب أذنيه ولا يستجيب لصراخ الطفلة /

ابنة الكلبة / إنها تستمتع برضع ثديي /

يا للعنة / لقد كبر ثديي /

أتذكر إنني ذهبت إلى طبيب / قام بفحصي وقال :

{ يا سيد نصيف أن دمك هو أخف دم قمت بفحصه حتى الآن } 3

 

7 / 1988 بغداد

1_ تحوير لمقاطع من قصيدة { مدرس الشعر بالمراسلة يودع تلاميذه }

للشاعر الأمريكي جالواي كينل .

2 _ تحوير لمقاطع من قصيدة { المرأة التي عشقت الطهي } للشاعرة

الأمريكية اريكا يونج .

3 _ تحوير لحديث ت . س . اليوت مع ستيفن سبندر .

 

9 _  الشعلة

 

الشعلة : الشعلة : الشعلة : الشعلة : الشعلة :

الشعلة : الشعلة : الشعلة : الشعلة :

الشعلة : الشعلة : الشعلة :

الشعلة : الشعلة :

الشعلة :

شعلة حياتي انطفأت وظل الفتيل /

هذه ليست آثار معركة مع حيوان مفترس /

هل حدقت أنت في المرآة ؟ أنا حدقت فجرحتني ذكريات موت

جاثم على أيامي / جئت إليك فباركني لأن السديم يغطي حياتي /

ارفعني من  طوفانات  تغرقني / خلصني من أصدقاء يكسرون قناديلي /

اطرد الجراد عن حقولي / حلني من معصيتي / واجعلني الشفيع لآلامي /

لم أزرع نذالات ولم أفتح ماء الحقد على أحد ولم أعص الآلهة

ولم آخذ عطية من أحد / برماد جئت إلى العالم : برماد : برماد : برماد :

مخترع المرحاض الدفاق ليس أعظم مني وأنا لست أعظم منه /

[ بدر شاكر السياب  نصفه جاهلي بدوي ونصفه الآخر انكلوسكسوني

ـ كيف كان نشيد هذا الخرافي ؟

ـ حشرجات بريطانيا المطحونة في الحرب العالمية الثانية /

ممتزجة بحروبنا التحررية والعاطفية ]

بالعظمة يرفع الله الشاعر إليه من غير أن يرى الموت /

الليلة ستتزوج المدينة واحدا من الجنرالات /

يا لحياة الجندي من حياة شاقة  /

ساعدني يا إلهي لئلا يرفعني ملاك مسلح من فراشي /

……………….

……………….

كانت هناك قناديل من المياه البنفسجية وأيائل كلام تحاور /

الظلام وقلعته العالية الضخمة التي هجرت قبورنا الكثيرة الضروع /

والآن ـ علي أن أعترف يا انخيدونا / ان تلك الليالي الظالمة

لم ترمد عيني ولم أحصد في رمادها سوى فضة الإنشاد /

ورغم انك ميتة منذ أعوام / علي أن أقول أن الأشجار /

ما تزال حبلى والزهور مشعة كما كان شأنها منذ الأزل /

لا سماء الناصرية

ولا بغداد

ولا أية مدينة أخرى / فيها من اللمعانات مثل ما رأيت في لمعاناتك يا صعلكاتي /

ماذا تكون الفراديس والأنهار والمدن العظيمة المتوهجة /

بل كل أشياء العالم / إن لم تكن قصائد ورموزا من إبداع الشاعر ؟ /

هذا الراهب العجوز تراءى له أن يرى ملاكا يبرهن على انه المسيح /

فلما أعاد النظر وجد انه جندي يهبط بمظلة /

حروب : حروب : حروب :

حروب : حروب :

حروب : حروب :

حروب الدم السعيد بمصابيحه التي تسطع دائما /

أسراب طائرات وجنود يهبطون بمظلات ويشعلون العار /

في حقولنا المهيأة للحصاد / وثمة عطور بارود لافحة ودم

أشجار يتيمة في الأقاليم المحمومة لهذا المساء /

الغجري/ أنا الشاعر الغجري /

الراهب / أجل

الغجري / كتبت قصائدي في الحانات والحدائق والخنادق

الراهب / أجل

الغجري / أنا الغجري / الشاعر الغجري / كانت الثكنات

التي هربت منها جحيمات مرعبة / وسررت كثيرا أنني قلت

وداعا / وداعا لتلك الجحيمات /

يا إلهي

بغداد الآن كئيبة وموحشة

لا شعراء

لا عشاق .

19 / 5 / 1992 بغداد

 

10_ لا فجر عندي لا شعلة

 

لا فجر عندي / لا شعلة / لا نسمة

لا نجمة  تضيء سديمي

أندم لأنني لم أف بوعدي حيال أكثر من تسعين يوما لم أحيها

عام 1986 / لقد أحببت كثيرا الملابس الرثة / غرف الفنادق

الرخيصة / الخمور المصنوعة في البيوت / النوم في حدائق بغداد

حيث نمور الشرطة توقظني برفق في الفجر / أحببت كل الأشياء

البوهيمية والمنفلتة /

[ كل شيء مألوف لدي / الجميع يخصني / لست مدينا لأحد /

لقد دفعت أكثر مما يتوجب علي دفعه من ديون للذين ينسون /

لدرجة نفذت فيها المدية إلى العظم / غير إنني بقيت وفيا للتقاليد /

انظروا إلي فسوف ترون بسهولة إنني لا أشبه أي شخص وأنا

صورة الجميع ] لا فجر عندي / لا شعلة

يسورني الموت / البرد وتنمو فوق وجهي البثور / وأمنح للضوء

نظراتي الأسيرة / لكنني أحمل حبا عميقا /عميقا / عميقا /

أبحث عنك في النوم / في الخمرة / في القصائد / فوق جبال العراق

المحفرة / في الملاجئ العذراء المهدمة / في قبور وحانات ومنعطفات

شوارع بغداد / في نحيب ذهب دجلة / أبحث عنك يا حبيبتي دائما /

آه / من مطر المدفعية / السماء تزرب فوق رأسي /

آه / من مكر وأكاذيب الحب حين تهدي قصيدتك إلى حبيبتك الشاعرة

فتهجرك وتتزوج جنرالا متقاعدا من أجل المال وخزن النفايات /

ينبغي أن أحيي حسنة ملص ومارلين مونرو وكيم باسنجر وهن يرتبن /

أسرة العزاب كل صباح /

ينبغي أن أحيي ستار كاو وش وهو في غرفته المليئة بالسيارات ورجال المرور /

يرسم [ بورتريت ] لجان دمو /

ينبغي أن أحييك يا كزار حنتوش وأنت تقرأ قصائدك للصعاليك /

والسكارى والأطفال والأشجار المثمرة /

ينبغي أن أحييك يا حسين الصعلوك وأنت تبتعد عن القطعان الغبية /

ينبغي أن أحيي اللصوص وهم يطعمون الحمام فوق جداريه  فائق حسن /

ينبغي أن أحييك يا حسب الشيخ جعفر وأنت تصرع أسدا هصورا /

عند منعطف في شارع السعدون /

ينبغي أن أحييك يا دنيا ميخائيل وأنت تتعرضين لصليات متقطعة من

رشاشة احترامي /

ينبغي أن أحييك يا ماجد السامرائي وأنت لم تنشر لي قصيدة /

في صحيفة [ الجمهورية ] من عام 1980 وحتى عام 1992 /

بحجة إنني حمار وليس شاعرا /

ينبغي أن أحييك يا كزار حنتوش مرة أخرى لأن قلامات /

أظافرك أكثر بريقا من شعراء  الحرب /

ينبغي أن أحيي جان دمو لأنه يلجأ الى المحارم دائما /

لا فجر عندي / لا شعلة /

ثلج في القلب والإيمان /

عذاب في الحياة والإيمان /

انهدا مات /

في العالم المخسوف / فوق سفوحه المفتوحة على صحراء واسعة /

في الينابيع المطمورة بظروف قذائف المدفعية /

أهلا بك أيتها اللوعة /

أمواج كئيبة

من العواء .

 

14 / 2 / 1992 بغداد

 

11_ ظلا لي، ظلا لي الحزينة

 

1

أنام تحت غيمة

وأحلم بالبذور

يمشط شعري نهر

وتدغدغني الجسور

لا حاجة لي في النور وفي الشمعة /

تحت الشمس الخضراء

أكتب قصائد موتي

وإن صعدت الجذور

عاريا سأرفع صوتي

أعلن حبي للريح

وللأمطار

وللعصافير في بطن الحوت .

2

تحت أدراج الصيف والسفوح

أرقب الظلال والظهيرة

والحجر الحزين

والتماعة الجروح /

أنظر بعيدا صوب الجبال /

تهب نحوي نسمات جافة لذكريات عميقة /

وأصوات رفاق قتلى /

هناك تهت شجر البلوط

والمنحدرات الغريبة

دفنت سنة من شبابي وقصيدة .

3

على السرو في { بيخال }

أرخت آلامي

مرت طيور سود

ومزقت قمصاني

لا عرس لي

لا جريمة /

هذه الظلال الحارة

والقناديل المطفأة

من يواسيها ؟

من يشعل النيران فيها ؟

الصمت / صمت العزلة

والحزن في الأعماق

والجهشات الطويلة

أطبقت على الشمس والباقي .

 

1986 / أربيل

 

12_ بيلادونا

 

1

أية عطور ، أية أحلام ؟

أيتها الجيفة / أيتها المستنقع تعالي معي /

إن لم تحلمي بالألوهية

لن تعطرك القصيدة /

سنمضي معا عبر المروج الخضر /

ربما يرطب النسيم وجهك الشبيه بحذاء عسكري لم يصبغ منذ 117 يوما /

ربما يهب صوبك دفء الجذور الربيعية /

أية عطور ، أية أحلام

تلك التي تبحثين عنها في المتاجر / وأحمر الشفاه والثياب المزركشة وأقراص

مانع الحمل والأساور المهداة من زناة هامشيين وعلك النايلون وحب الظهور ؟

هل خبأت الجمر تحت أهدابك ؟

هل حملت الموت في حلك وترحالك ؟

تعالي معي سنشم عطر السوسن في الصحراء /

عطر الشعير في روث الحصان /

عطر الموت فوق الجبال /

عطر العنق في المقصلة /

عطر الله في المنفى .

2

 

سأدلك على أحلام وروائح أشد ضراوة من العهر /

سأدلك على الترانيم /

وآلهة الماضي العظيمة /

والقلاع والبوابات /

والمجازر الكبيرة /

وخبل الملوك /

وانحرافات الصيف /

وحنان العصور /

والذهب في المناجم /

والأسلحة والغنائم /

وستعطرك رغم الجفاف واللهب ، البراثن والضغينة /

يعطرك النيزك والغمام /

اتركي حقيبتك المليئة بالدود وباروكتك وعلكتك والبريق المزيف /

هل تبغين كتابة قصيدة ؟

لنتأمل الصحراء والغابة /

الدم والأبخرة /

الأدراج والأضرحة /

الموت وخميرته /

أية عطور / أية أحلام أعمق من هذه تريدين ؟

أضرمي النار من حولك ليعطرك السهاد في الغروب

وانصبي شعرك خيمة للنجم والرياح .

 

3

أية عطور ، أية أحلام

أية قصيدة ؟

أيتها الخنزيرة / يا مرحاض القردة

لن يلهمك الشيطان كلمة واحدة

ستبقين دائما تحلمين بالعلف والمياه الراكدة .

 

1989 / بغداد

 

13_ موت رياض إبراهيم

 

[ في بدايته نهايته

في نهايته بدايته

الشاعر الحي والشاعر الميت /

عائشان كلاهما / ربما في الشاعر المقبل

والشاعر المقبل يحتويه الشاعر الميت ]

يا رياض إبراهيم / الميت الحي /

سلام عليك يوم ولدت ويوم انقتلت ويوم تبعث طفلا /

ها أنني أرتعش محموما أمام غيابك وكتبك المقدسة وأقرأ

تنهداتك وصرخاتك رغيفا رغيفا /

في أية أرض تنام الآن ؟ أواه / لماذا انكسرت كما الرمح ومت غريبا ؟ /

لماذا ذهبت إلى الهاوية مبكرا / راكضا بين أحراشها /

هل يموت الشاعر مغمض العينين ضحية حيلة / أم انه يموت لينشد الخلاص ؟

أعنا على ضعفنا يا رياض / ومن خرابنا احمنا / نجنا من العفونة /

ومن ليل الهاوية خلصنا / استمع يا رياض لنشيجنا في القصائد /

رباه / كتبك يا رياض / ما الذي أستطيع أن أفعله لكتبك حتى

تكف عن لمعانها ؟

ليس لي الآن إلا الرغبة العميقة بإحضار تقدمتي من أجل مجيئك

من سنبلة الأبدية / هل يمكنني أن أضع شمسا فوق رأسك ؟

في صراخي إليك أمرضني الفقد وسقطت فوق الصخرة المسننة /

لا أندبك / ليس هذا زمن الندب / بل زمن الجدب /

[ تذكر يا رياض / انك لست وحيدا /

لا شجرة ولا حجارة /

التمست شعلة فأرشدني الصيف إلى جمرتك العالية /

كانت كلماتي متكسرة ورايتي منكسة ممزقة ومنهكة ] اطرد الظلام /

دع الظلمة اللزجة تصارع ذاتها / انهض من أجلنا نحن الفقراء لقمحك /

الرؤيا غابت عن طرقنا / وطرقنا تحتضر فيها الطيور والبروق /

العفن والرماد دفنا أنهار قصائدنا/

تتثاءب الحياة في حديقتك المتنفسة والمفتوحة صوب شمس الأبدية /

وفي موج عينيك ما يزال الحزن العراقي يضيء ليل العالم /

أنت دليلنا إلى الجمرة المرتعشة / وكل الطغاة ذيول نهش بهم الذباب /

ما أشد حرارة الصمت  في عطرك العاصف .

 

1997 / عمان

 

14_ النفخ العالي

 

لست موظفا إلهيا برقة اللص أنقب عن أنقاض كاليغولا  صعب عراك العالم

هناك في أقصى المدينة امرأة متزوجة تمسح زجاج الأحذية

فلنرقص إعارة  رقصنا واحدة  ثانية  وطلع القمر أعرج من كيس النفاية

ما العمل يا كاليغولا حشد يمتدح تقاومكم أيام لم تكتب

حروب عائلية لم تؤرخ  أنا آخر السلالة

أنا طفل السومريين والبابليين والآشوريين والأكديين والعموريين والفينيقيين

والآراميين والجعزيين والفرثيين والكنعانيين والأثيوبيين والسبئيين والإغريق

والبراهمة والهيبيين والسرياليين والهوهويين والولوليين

تلك وديعتي  ودراجتي معطوبة ، لكن حين استنزل غيمة من رف السماوات

تتسع مقاعد كثيرة للناجين من الطوفان ، أنا شمعة

الأريكة تصطاد الطاغية من الفراشة [ الأيام وشيعة ] أزرار الفيلسوف تسطع في خزانة الطباعة

لا تستمعوا إلى الغبطة مندهشا أصرخ خلف البيطري المجنون :

المجد للرنين الغلبة للغلبة

البهائم اللولبية تناسلت في غرفة الجغرافيا التابوت الفقري على الوسادة

اهبطي من نجمة أمريكا ـ عندي ـ منطادا رائحتك إسفنج

الفيل بطة

انفخي سأبكي البوق يعلف خصري  من أجل الإباحة أعضد ملوكيتك

أيها الحزن بمسدس عاطل الرقص وسره يعلنان غموضي

الملعون أعطاني كوبا ليظهرني العطب لا الأنوال لا الألقاب الحظائر عالية

درج طويل لبست نقابا اقتنيت موسوعة الضحك وقهقهت عاليا

قافية العبء عضت ركبة الأريكة

من أجل بلاغة أنفك حشدت روائح في ممرات الصحراء

أيتها المليئة اربطي خصري اصهلي لحصان يشم الزفر فوق الركبة ويصهل .

 

 

3/ 2 / 1984 بغداد

 

15 _ قصيدة عن عبقرية حسن النواب وحياته

المقدسة والشجية

 

1

الكتب لا تصنع الشاعر

والكلمات دائخة ومستوحشة دائما /

يتقدس الشاعر كلما تقدم في الإثم /

كانت لحسن النواب في عام 1983لحية ذهبية طولها 3 أمتار /

لكنه حلقها في بغداد عام 1992 قربانا لامرأة أحبها /

لماذا يلام الشاعر على تمجيده للرموز ؟ /

أحييك يا نمري الفاسق / أحيي وأشيد بزئيرك يا حيواني المقدس الجميل /

الليالي المتألمة والدموع التي ذرفتها على من قتلوا / والجبال التي تسلقتها في الحروب /

ما الذي تبقى منها الآن ؟هل البصر أرقى الحواس ؟هل كان موتك بلا عطر أو حنينات ؟

أنت صانع خزف ومخترع أرض من خيباتك / سائق دبابة وفارس أحلام المعلمات /

شظايا قذائف في جيوبك / وفي جيوبك موت يخيم على أيامنا /

أواه / يا حسن النواب / أواه / أنت في الفندق تنام معلقا في

غرفة النمور / وأنا في البيت أتوسد أشجار وشظايا قصائدك /

أواه / [ رسائلك الفلسفية أوقعتني في شراك التصوف ]

تعال /  تعال يا نمري الفاسق المقدس / يا أكثر سطوعا من

أحقاد أعدائي / تعال برقصك الهندي لتصعد أمواج دموعي /

جروحك العميقة ترتعش فوق رايات خيباتنا الدائمة /

هل أنت قصيدة مهشمة ؟

روحك المتنهدة والمتوترة تصعد آهاتها بعنف صوب آهاتي /

لتصنع قصيدتك حلما يأوي عسلنا المر / ليولد حلمك من

يأسه / هل أنت مرثية شجية ؟ هل أنت ناب صيف أحمر ؟

موتك المرتقب يترنح على أنقاض قصائدنا واشراقاتنا ،

 

2

 

دعهم /  دعهم ينبحون / هذه ليست طريقة ثمانينية في الكلام /

دعهم ينعمون في بحبوحة المناصب والرواتب / أولاد البحبوحات

أواه / يا نمري / [ لقد تركت لي ما يكفي لأن أحيا / قرنفلاتك

السود وعسلك في دمي ]

هنا [ الحيدرخانة ] التي تخدعنا وتصلبنا وتعذبنا / لا تفكر إلا

بمتعتها / كل ما أعرفه أن الزمن هنا قد مات وأفترض أن [ رجاء ]

ترقد في قبرها الآن / وانخيدونا لم تكن شفيعة أبدا ولا كتاب كزار

حنتوش [ الغابة الحمراء ]

أحب رامبو لأنه يمنحني انفلاتاتك /  ولأنه يزين قبره بقذائفك وصورك /

أحب سركون بولص لأنه شاعر أكثر من البقية المتبجحة /

أحب جان دمو لأنه يعتقد أن [ ما لا تاريخ له يمكن تعريفه ] ويقول /

سيجيء الخبز والكساء / لا سوط / لا سجن / لا رصاص / لقمع الشاعر /

أنت تعلم يا نمري أن مقهى [ حسن عجمي ] شديدة القرب من جامع

[ الحيدرخانة ] وفي كل يوم يأتي رجال المخابرات الملتحون / فيرون

الصعاليك منهمكين بأداء صلواتهم الشعرية /

 

3

 

ليكن سلام الله ملحوظا في الأرض / ولتكن أسلحتي موجهة لقهر وتمجيد حبك /

ليكن بيني وبينك عهد من البكاء والرايات البيض / ليكن بيني وبينك  رماد ماء ومتاريس ليلية /

ليكن بيني وبينك سلام دم وقرابين / لماذا تسطع على وجهك آلاف الأقمار ؟

أنت طاهر مثل حوض استحمام مليء بطلقات / نظراتك البروقية / أصابعك / أزندة بنادقك /

تجعل الشوارع آهلة بالكتب والأطفال / عندما تتحرك يزهر الهواء أمامك بأهداف الرمي /

وتترك وراءك أثرا بطوليا من الخراب / من قناني البيرة المذبوحة بجانب الطريق /

وجماجم الطير الحائل لونها في غروب الشمس / إيه / يا نمري الفاسق والرحيم / ذو الوثبات المجنونة /

المشرد في دروب ومنعطفات ليل الأشجان / لماذا كلما أتذكر لحيتك تثغو في حقيبتي شياه الناصرية ؟

أسمعك الآن في منفاك الذي من غير صقور / تصرخ وتبصق

على الحريات الفردية / ومثلك أنا أصرخ / لكن من شدة لمعانات قداستك والعناد /

آلاف الشعراء يا نمري يسيرون إلى جنبي / كلهم ظرفاء وكلهم يملكون عقارات /

لكنني حين أبدأ بإحصائهم  / لا أجد أحدا معي سواك /

تعال لنسهم بإحراز نصر كبير / لنتحرر من ثقافتنا المقيتة

والمستسلمة / تعال نبصق على تمثال الحرية وجمال العجوز

مار لين مونرو / ونيا شين الجنرالات الشبيهة بكلبات مومسات /

وصلعة غورباتشوف التي تقرحت تحت ليل ثلوج الشيوعية /

ماذا عن أجدادك القساة

إقبال الدولة

معين الدولة

حرامي الدولة

ماذا عني ؟

ماذا عن كزار الدولة ؟

نحن البلور الذي تأتي إليه راكضا

نحن المقدس الذي تدنسه كلما تمر من خلاله /

 

4

يدي الحمراء

يدي الموشومة بجروح حروب / فوق رأسك / من أجل أن تسمو فوق رماد الهاوية /

من أجل أن تبقى أكثر حبا لشمس الأبدية / كتب في لحيتك /

أم في لحيتك معابد ومعسكرات ؟ يهب الرماد عليك فلا يصل / لأن بياضك أكثر قوة /

لأن وميض قصيدتك أشد لمعانا من قنبلتهم النووية / [كر بلاء ] بحيرة تغرق روحك /

نيزك لجهشاتك وجنون صديق /

5

من أمواج نهر [ الغراف]

بين حقول نفط [ بابا كركر ]

تتقدم صوبي أسلحة كلامية وأرى شعراء براميل يسحلون أحلامهم النافقة /

مصابيح نافقة تنحدر في الرمل / إنها القشعريرة التألمية / لا النشوة

إنها الشفيعة الجريحة ولا الجريحة /

أواه / يا نمري / أواه / صافحتك بالدم فصرت أبيض مثل عاطل عن العمل /

وأنزلتك ماء الحزن فصرت أكثر طهرا /

وأنشدتك العزاء وعقدت ميثاقا في الشمس مع دموعك /  لا أحلامي انتهت /

لا التلمسات / هنا /  خيبات لي وتنهدات عميقة بسبب اليأس /

بسبب النهارات البيض وذهبها الميت / أواه / يا نمري / أيها المربوط كشعلة متنهدة /

يا من عشت آلاما طويلة قبلي / لدي الآن مشاعل خبيئة وهي أكثر لمعانا من صاعقة /

لدي سنابل حارة تمزق ظلام جوعك / سأنهض يا نمري / سأنهض وتنهض معي من ليل النكبة /

 

دمعك البنفسجي يمزق أحشاء الوحشة .

 

9 / 3 / 1992  بغداد

 

16_ من أجل أحلام بألوان قوس قزح

1

هنا رجل لا تستطيع حقيقة مظهره الخارجي أن تخفي روحا حساسة ، وخلال خدمته الطويلة

في الخنادق ، شاهد مرة فأرا في موضعه يبعد ثلاثة أقدام عن وجهه حيث قال : [ ما يزال هناك

بصيص  قادم من النجوم ] وكان الضوء الضئيل يسطع خافتا على جلده الأملس ، وبحركة مفاجئة

اختفى الفأر ، وما زلت أتذكر وبشعور بارد ، أن الفأر كان سمينا ، وأعرف لماذا هو سمين ،

فوق جبال [ حاج عمران ] وفي العراء حيث يتعرض الإنسان للموت ، لا يتناقض هذا

مع قذارة التعايش تحت الأرض وبالإكراه مع الجرذان التي تفترس الإنسان ، في الوقت الذي

يفترس هو فيه ابن جنسه ،

هنا أنف مدمى بسبب إصابته بشظايا انفجار معارك يومية مع القمل والبراغيث والجرب والبعوض ،

هنا رائحة الجثث المتعفنة ، ومشهد جثة جندي سائق عجلة [ إيفا ] مات بفعل رفسات البغال المرتعبة

من شدة القصف المدفعي الكثيف ، وصراخ الجرحى الذين يموتون من الألم .

2

اهدئي يا روحي المضطربة ، لقد امتلأت مثانتي ، أنفاس غير نقية ، ضمير غير نقي ، أنا كتلة من القذارة

والنفاية التي أجيء منها مجدبة ، إلى درجة لا ينمو فيها حتى الصبار ، نعم يا جان دمو ، لقد هبط الظلام

الآن ، طابت ليلتك ، غدا سنستيقظ إما على صوت شخص أسترد حريته ، أو على أنين إنسان محطم

أغلقت عيناه بقضبان من حديد وقيدت روحه في سراديب تصلح للصراصير و العناكب ،

وأنا هنا جالس أفكر ، أوه ، يا إلهي ، هل جئت إلى كوكب تحيط به الدماء وتكبله ضمائر ميتة ؟

هل جئت عبثا عن دعم من فلاسفتهم وعن سطور نبيلة بين أوامرهم التافهة ؟

لماذا تنطفئ نار ضمير الملتهبة ؟ جئت من التراب وفي التراب أتدحرج ، هل ينبغي أن أموت في حروبهم

الشيطانية ؟ أن أموت ، يعني تجنب الموت ، آه ، يا جان ، الموت يعني قطع الصلة مع الموت قبل أن يأتي

ليلفنا في ثنايا ردائه الصامت المعبد للأبدية ، هل ينبغي أن أموت ؟ أن أكون جبانا ، أو أحيا في السخف ،

هل أنام ؟ هل أضع خدي على وسادة ناعمة وأصلي من أجل أحلام بألوان قوس قزح . ولأي ثمن تدور

رحى هذه الحياة ؟ أي فجر يجب أن أفرض بالقوة حتى أمزق ظلام ليلي ؟ أنتظر وميض البرق كبطل مستعد

لكي يموت ولا يستسلم راضيا ، متى يتحقق هذا الإيمان بأن الآلاف الصامتة ، سترفع إصبعا عندما أشير

إليها ؟ ماذا لو تحول صوتي إلى لغة كريهة ؟ هناك دوما فريق من المداحين مستعد لنصب مشنقة لي بارتفاع

عدد عيون أفراده ، يا إلهي كم أنا محطم ، أنا مصيدة لقتل الذباب ، هكذا يعتقد قائد الفيلق وقائد الفرقة

وآمر الفوج ، فليحفظ الله هذه الصليات ، لنحيي احتفال النار الذي يمزق أحشاء الدهر في ليل العراق ،

الخوف ، الخوف وحده يضفي على البشرية الواسطة التي من خلالها تستطيع أن تتوالد ، تعال يا جان لنصلي لإله

الخوف لأنه وحده ملاذنا ، أيها الخوف فك وثاقي من هذا الظلام ، أشعر بخدر تام في إحساسي ،

آه ، يا جان ، كم أنت تعيس مثلي ، أن طعامك الآن خال من التوابل ، طبول في كل مكان ، قمامة

معلبة ، هذا كل ما هناك ، هل أكتب عن مدى شعوري بالأسى من أجلكم أيها الأصدقاء الموتى ؟

الجنرالات هشموا عظامكم ووضعوا أسلاكا شائكة في أغصان أحلامكم ، آه ، يا إلهي ، أصدقائي

ماتوا في العشرينات من أعمارهم ، كلهم فقراء وعشاق وحلوين مثل حلاوة فصول السنة في العراق ،

اللعنة ، أيها الجنرالات ، تعالوا احرقوا جسدي ، احشروا مدفعا في طيزي ، أر فسوني بجزماتكم ،

افعلوا ما تشاءون ، لن أخبركم عن أحلامي ، وبماذا تهمكم ، فأنا لم أشاهد أية أشجار ولا طيور

ولا نساء ولا أقمار منذ أن ابتدأت حربكم ، الموت يسطع في الظلمة كعيني حمار ، الموت يغرق في

الينابيع كالشمس ، الموت يتنزه في البيوت والسجون ، تعبت لأرفعه ، اختاروني لأجربه ، والآن ،

تحررت لأقتله ،

3

أنا شاعر غجري

إذا ربطوني يوما بعمود الإعدام ل [ جرائمي الغجرية ] سأشتهي أن ألتهم نعجة مشوية

وأحتسي زجاجة جن قبل أن أموت ، أن بيوت أصحاب النياشين والأوسمة الأسطورية

تضايقني وتجعلني أشعر بالاضطهاد ، أحب الأرصفة في ساحة [ التحرير ] كما أحب

اللصوص والصعاليك والعاهرات في منطقة [ الحيدر خانة ]  وعندما أرى أحد المطاعم

يبيع الفلافل بعد الثالثة فجرا ، أشعر بالاطمئنان حتى لو كنت غير جائع ،

المصريون سرقوا كبابنا ودجاجنا ودولاراتنا وخلفوا لنا فلافلهم ، أنا مجنون أغاني سعدي الحلي

حتى أتفه ما يغني منها ، لا أتكلم سوى لغة واحدة : العربية ، وأحب النهيق والعواء

وأستطيع أن أقذف من فمي مليون كلمة في دقيقة واحدة ، عام 1980 دخلت دورة

في النحو العربي ، وكان ترتيبي الأول ، من نهاية القائمة ، كان تعلمي بطيئا ، بطيئا ،

لا أعرف الأوزان الشعرية ، ولا أفهم في السياسة ، أفضل نوبة حراسة ليلية فوق جبل

بسبعة آلاف ساعة على اجتماع حزبي يدوم ساعة واحدة ،

لقد تخليت عن قسم كبير من أصدقائي القدامى لسبب بسيط وهو إنهم باتجاههم نحو

[ جماعة الوضوح ] قد اتجهوا نحو السياسة ، وكنت وما زلت أعتبر هذا الإجراء مناقضا

لجوهر ووظيفة الشعر كما عرفته منذ البداية ، بالنسبة لي _ كانت الصعلكة تحررا والسياسة

نوعا من العبودية بسبب شعاراتها والخط الذي يجب اتباعه ، حتى الآن _ ما زلت سعيدا

وقانعا بخساراتي ، لأنني في الواقع لم أرتكب عملا دنيئا ولم أكن محط شبهات ، ويداي

على كل حال نظيفتان من عطايا السلطان ، وهذا شيء يبعث على المواساة على الأقل

لمن كان في مثل وضعي ، لقد بقيت ومازلت رجلا حرا ، وكلفتني استقلاليتي هذه

الشيء الكثير ، إنني أزدري الأمجاد الزائفة والعطايا وكل ما من شأنه أن يقيد حريتي ،

لا أخفي القول ، بأنه كان ممكنا أن أهجر الشعر والكتابة وألا أواصل كل هذه التجارب

التي مارستها طوال حياتي ، لأنني كنت وما زلت أحتقر صناع الأدب المتنطعين ، احتقارا

ما بعده احتقار ، لقد ساقوني إلى جبهات الحرب وأعدت لي ألف ميتة بالمدافع والدبابات

بسبب عدم تقديمي التنازلات الأدبية المطلوبة ، وهكذا حرمت من إنهاء خدمتي العسكرية

في ثكنات بغداد وطبع كتبي ، دخلت الجيش مجندا في 5 / 5 / 1979 وتسرحت في

5 / 5 / 1991 ، كنت عبارة عن جثة في كيس عسكري ،بعد تسريحي من الجيش

محبطا ومحطما ، عانيت صعوبات كبيرة بسبب عدم تمكني من نسيان المشية العسكرية

وإعطاء الأوامر ، مرة جاء إلي شحاذ يطلب قطعة نقد فكدت أرسله إلى ساحة التدريب ،

آمل أن تتولى البلدية بعد موتي ، دفن جثتي في مقبرتها ،

في بداياتي تأثرت بالشعر السريالي المترجم إلى العربية ، كما تأثرت برامبو وخصوصا في

سيرته الحياتية ، عندما كنت مراهقا هربت من البيت العائلي لأصبح رامبو ، أحببت

شاعرة ببغداد وكنت مجنونا بحبها ، كنت عاشقا ومجنونا ، تشردت وتعذبت وتلوعت ،

وماذا حدث لي أيضا ؟ بشرفي لست أدري ، في الحرب كان همي دائما هو الهروب من

الموت ، ولكنني لم أكن أهرب منه حتى ألتقيه مرة أخرى ،

بم ، بم

بوسعي الآن ، بضربة واحدة أن أحطم عصا أي جنرال إلى قطعتين وأكثر ،

لقد حافظت على علاقاتي بالمهمشين والصعاليك ولم أندم على ذلك ،

أن رزم المال الآن تأتيني دائما من خزنات التجار والعاهرات والمهربين والقوا دين

الآن _ أود أن آكل شواء ،

جميع القمل الذي يتم اصطياده في رأس حسن النواب يعود لي ،

لأن لي عقدا معه ،بإمكاني العيش مع حسن النواب دائما لأنه عبقري ،

لماذا يتوجب علي أن أقوم بدور البطل وأموت في خندق ؟

هناك أشياء أجدر بالجروح البليغة ،

في حفلة موسيقية أقيمت العام الماضي ، نهضت من بين الجمهور الذي

كان ينصت للموسيقى وقلت لجنرال يحمل مسدس عيار 16 / ملم :

[ أنا معجب جدا بملابسك يا ضفدع ، سأشتري بدلة خضراء مرقطة

حالما تقوم حرب أخرى ، ويتم استدعائي لأداء خدمة الاحتياط ]

كم أود  في هذه اللحظة أن ألتقط هذا الضفدع الغبي من ساقه

وأرميه في بركة آسنة ،

أحلم بالشعر والحب والسفر وبكل ما يحلم به الإنسان من جنون وحرية ،

الآن أسير ولا أدري إلى أين ،

في السنة العاشرة من خدمتي العسكرية عام 1989 كان لدي شارب ضخم

شبيه بشعر عانتي ، وكنت عندما أود أن أنام ، أسند رأسي بمظروف قذيفة

مدفع ، وكنت أقول لأمي عندما أجيء في إجازة : [ آخر كوكب لهذا

الغجري سيكون أن ينتن بين نتانات الجنة الموعودة بالاهتداء القريب والمؤكد

للطير المنتظر : شفاعتك ] ،وكنت أقول لها [ إنني مقتول ، الدم يجري من

عيني وأنفي وفمي ،  لا تتخلي عني ، دافعي عني ] ، لكن أمي كانت تجبرني

على التنكر للذات ، وكانت تقول لي : [ يا ولد ، الاستمناء يجلب الجنون

ويصيب من يمارسه بالدمامل ] ، وكانت تعلمني أن الجماع فعل سيئ ،

وإنه لا أخلاقي ، وكنت في حيرة ، لا أستمني ولا أجامع ، والآن _ أنا

بطل العالم في العادة العلنية ، بشرفي ، الله وحده يعلم كم مرة نكت جودي

فوستر وبروك شيلدز وصوفي مارسو والمرحومة مار لين مونرو   ،

وبصفتي عسكريا سابقا ، ليست لدي أية وظيفة الآن ، أقول لنفسي دائما :

[ يا نصيف ، لا تقلق ، اذهب إلى مقهى حسن عجمي وشاهد التلفاز ،

وسوف تكون أعظم مستمن في التاريخ ] ، بعد ذلك قضيت وقتي ، ليلا

ونهارا في شوارع بغداد ، أجامع كل النساء اللائي يمرقن أمامي ،

مرة قال لي أبي : [ يا نصيف ، أنت شاعر مبجل وإمكانياتك الجلقية هائلة ،

اذهب إلى الحمام يا ولدي وقص شعر عانتك الطويل الذي يجعلك مثيرا

للسخرية ، لن تحملك العاهرات على محمل الجد وأنت على هذا الشكل ] ،

فأجبته بسرعة : [ كلا يا أبي ، أن جميع العاهرات يحملنني على محمل الجد

وذلك بفضل طول شعر عانتي بالذات ، أن شعر عانتي يعبر عن آرائي دائما

في الدين والسياسة والحب والحرب والقومية ، وهو يعبر يا أبي عن شعور

حقيقي ] ، قال أبي بحماسة : [ حقا يا ولدي ، فنحن من سلالة قرود وهذا

موضع فخر بالنسبة لنا ] .

 

4  / 11  / 1992 بغداد

 

ولاء إلى جان دمو

 

[ ربما خلفوا وراءهم اسما مشرفا

ولكنه كلفهم حياة من الحرمان . . . تاو تسيان

 

 

 

1 _   العمود الطوطمي

 

تظلل الرايات والمشاعل في ليل العراق قبر السياب

ولا تظلل قبور الشعراء الآخرين /

أنحت أسمي في صارية العمود الطوطمي وأنتسب إلى  القبيلة

تاركا خلفي ميراث بلادي ومهاترات أحزابها الجليلة /

بعد رحلة طويلة تحت الأهداب المصفرة للرعود والزلازل

بحثت عن النور العظيم للإيمان في [ أنشودة المطر ]

في [ أسمال الملوك ]/  في لحاء شجرة الكستناء

في برق الياقوت /

ينبغي أن نصغي إلى صمت البراكين في قلب الشاعر

إلى تعثر الأنهار وتعرجاتها في جبينه / إلى نبض الصخرة

على امتداد القانون الذي يزن رماد أسلافنا وعباداتهم المستريحة /

جان دمو ، تقدمتنا الأخيرة

عروق ذهبنا القاسية المنحدرة من أعماق انقساماتنا المتصدعة

بين النور والظلمة ، والقبلة والمخلب .

 

2 _ بورتريت

لا دراية له بالأوزان الشعرية

لأن حياته [ حمى مستمرة ]

لا دراية له بالنساء

لأن أمه التي أضاعها في متاهة تخشى عليه من القبر

لا يطمح إلى امتلاك شيء ما

لأن أحلامه مسروقة

لا يحب الملوك

لأن شرطتهم تشبههم تماما

لا يحب القوافي

لأنها تذكره بالبعران

لا يحترم نفسه

لأنه يحترم نفسه .

 

2                  _ أين أجدك الليلة يا جان دمو ؟

3                     

أين أجدك الليلة يا جان دمو ؟

ها إنني مشيت النهر كله / أحرث أرصفة شوارع بغداد تحت

الأنقاض / ومعي قصائد وشعلة جوع / محتقرا نفسي / ناظرا

إلى البيوت / النفاية / في ثيابي السود / تحن إليك الثياب والأشجار

والمصاطب والأرصفة / نهار بغداد الآن مزركش بالنساء وضحكاتهن

السود / وحياتك / حياتك مكتبة تفوح منها عطور التشرد والعوز

والفاقة / أين تنام الليلة يا جان دمو وجميع بيوت العالم تطردك كما

طردتني / وأنت بلا نقود ولا حقيبة ؟[ صعلوك ، متشرد ، عجوز ]

أمس _ رأيت كتيبة خيالة فتذكرت شبابك في بيروت /

رأيت دبابة فغنيت قصائدك للطيور والقطط / مهووسا بضجيجك

وشتائمك دخلت [ سوق السراي ] / أية كتب ؟ وأية ثقافات ؟

[ موسوعات ملأى بالقرود

نساء بجمال الكلبات

أطفال في الباذنجان

وشعراء في دائرة التوجيه السياسي ]

وأنت / يا جان دمو / ما الذي تفعله بجانب جريدة [ الجمهورية ]

تنبش بين الأطعمة المتعفنة في الشمس السوداء وترمق بحذر رجال

البلدية ؟ إلى أين ستذهب يا جان ؟

[ الأبواب ستغلق في مدى ساعة

إلى أين تشير لحيتك الليلة ] ؟

هل ستتعثر بقناديل وسجاد ؟

هل ستتدثر بفراء وروائح نساء ؟

جان / لا أستطيع العيش من دونك / حياتي وحياتك خلف سياجات

حظائر الخنازير / [ ولأننا لم نستطع التوقف للموت ] سآخذك الليلة

إلى فندق [ عشتار _  شيراتون ] وستسخر من بدلة النادل الذي يقدم

الطعام / ستستغرب من تسريحة شعره وأنت تطرد العصافير من صلعتك

الوارفة الظلال / ستنظر إلى ساعته الكبيرة البراقة وينظر إلى حذائك الجائع

كقبر / أهكذا قضي علينا أن نموت جوعا هنا يا جان ؟

سأرافقك أيها القديس لتدلني على شمس الأبدية .

 

4 _ رسالة إلى جان من الجبهة

شاعر عمودي في بغداد

يتأبط ساعد امرأة فارغة البال

في شقة تتضوع بتعهرات وعطور يكتب قصائد للحرب

شاعر عمودي محكوم بالأشغال الكلاسيكية في جيبه مسدس

ومفاتيح / عزيزي جان لا تستمع إلى الأناشيد الحربية / ترقب

عودتنا نحن الجنود الحزانى / سنعود مثقلين بأغان حية ونحدثك

عن الموت المجاني وقصف المدافع والطائرات / ونهارات الخنادق

الغائبة / سنحكي لك عن مدن وقرى ترفعها القذائف الثقيلة

في الهواء / لا عن رماح وسيوف وخيول لفظية تغير /

هل تريد هدايا من الجبهة ؟

سنجلب لك أقلاما ودفاتر مجلدة بشظايا قذائف لتكتب تأريخ ليالينا .

 

4                  _ جان ، أكمل ، أكمل القراءة الآن

5                     

جان / أكمل / أكمل القراءة الآن

لقد جاء الليل بأعياده الكبيرة

يا لها من فرصة جديدة

هنا لا يجيء المطر عاطلا

سأطلب منه أن يمر على [ كركوك ]

جان / يمكنك أن تأتي الآن /

سأسمعك قصيدتي الجديدة / وستقول لي :

[ كفى / كفى / اصمت يا مرحاض ]

سأحدثك وتحدثني عن سركون بولص وصلاح فائق والأب يوسف

سعيد ومؤيد الراوي ووالخ /

جان /  هل يؤلمك رأسك الآن ؟

أكمل / أكمل القراءة الآن .

 

6 _ جان دمو يذهب إلى أمريكا

 

جان ها                      جان هانانا

جان كا                      جان كانانا

كركوك  ، بغداد ، بيروت ، هافانا

في نيويورك جان سكرن بيرارا

جغ : جغ : جغ : جغ : جغ :

جغ : جغ : جغ : جغ : جغ :

ميري ماري ميرارا   را را را را را

بانك بانك                      كانك كانك

ديلي ديلي                       بيلي بيلي

دلدل دلدل                      ولول ولول سوانا .

 

7 _ من أجلك أيها العزيز

 

جان دمو ، هذا الغليون اشتريته منذ عام ونصف

من أجلك أيها العزيز

هذا السمك النهري طبخته جيدا

من أجلك أيها العزيز

هذه العملات الذهبية الكثيرة / سرقتها

من أجلك أيها العزيز

هذه المجلدات الهيروغليفية الضخمة ، ترجمتها

من أجلك أيها العزيز

هذه الخطابات الألف / كتبتها كلها

من أجلك أيها العزيز

هذه الفتاة الجميلة / آويتها الليلة

من أجلك أيها العزيز .

 

8 _ جان دمو والجلاد

 

جان دمو : إنها أغنية يا سيدي

الجلاد : بل إنها قنبلة

جان دمو : ولكنها أغنية لي سيدي

الجلاد : قلت لك إنها قنبلة

جان دمو : لماذا لا نغني معا ؟

الجلاد : أخشى أن تنفجر

جان دمو : لن تنفجر ، أستطيع أن أؤكد ذلك

الجلاد : هيا / ابدأ أنت أولا

جان دمو: [ بامتعاض وهمس / أيري بالحكومة ] اشتريت بنطا لا من الصوف

الجلاد : [ مقاطعا ومقهقها ] ونطحك الخروف .

9 _ جان وصوفي

صوفي : اللعنة / هيا ضاجعني

جان دمو : أوه / يا إلهي / اذهبي إلى الجحيم

صوفي : ضاجعني / لماذا لا تضاجعني ؟

جان دمو : اذهبي ضاجعي نفسك بقضيب حصان

صوفي : اللعنة / ولكن الحصان يرفس

جان دمو : ضاجعي نفسك بقنبلة نووية

صوفي : أوه / اللعنة / مهبلي سينفجر

جان دمو : ادهنيه

صوفي : دهنته

جان دمو : افركيه

صوفي : فركته .

 

جان 10 _ دمو يكلم الكلاب المسعورة

جان دمو الوقور

جان دمو صاحب الفخامة

جان رجل الحصافة

يسير متباطئا ويسحل مؤخرته التي عضها كلب مسعور

في الحديقة المجاورة لدائرة الإطفاء / يحاول الجلوس بصعوبة بالغة

جان صاحب الفخامة يتأوه

رأسه مصدوع ومستعر

رقبته النحيلة تكاد تنفجر

ظهره الشبيه بأرضية محطة وقود / مقوس

جان دمو يكلم الكلاب المسعورة / عوعو عوعو عوعو عوعو عوعو .

 

11 _ جان دمو يمثل

 

جان دمو في مدرج الجامع / يلقي الحب للحمام

جان دمو يمنح شهادة دكتوراه

جان دمو يخرج فيلما

جان دمو يخلص من السجن

جان دمو زعيما مرة أخرى

جان دمو على شجرة يقطعه الجنود بالحراب

مات الجنود

جان دمو يحضر الزهور لقبورهم .

 

12  _ ملوك جان دمو الخردة

لأن عهودهم انقضت

وسطو اتهم لم تعد تخيف

لأن أمجادهم أصبحت شواهد قبور وعروشهم تحطمت

لأن صولجاناتهم أصبحت فزاعات

اشترى جان دمو ثلاثة ملوك من سوق الخردة

صاحب الجلالة الأول من العهود السومرية / شبه إله

وصاحب الجلالة الثاني / روماني / دكتاتور متسلط

والثالث / جلالته هندي أحمر من الأزتيك / يضع فوق رأسه

ريش نسور /

والآن _ جان دمو مبتهج بملوكه الثلاثة / يربطهم فيتشقلبون

يضرب بالطبل فيرقصون

يحاول سرقة جاره متنكرا فيعوون

وحين يطلب منهم النزول إلى النهر لاصطياد السمك يهرولون عراة

لكنهم يخفقون فيصطادون إطارات معطوبة /

ملوك جان عهودهم انقضت

وآلهتهم اندثرت

وشعوبهم أبيدت

وأمجادهم انتهت

وسطو اتهم لم تعد تخيف .

 

13_ جان دمو ، لا تذهب إلى بيروت

 

جان دمو ، لا تذهب إلى بيروت

ستلقي القبض عليك جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

لا تذهب إلى بكين

ستضيع في زحمة البشر وطبعاتهم المكررة

لا تذهب إلى موسكو

سيحقد عليك مومياءات الكر ملين

لا تذهب إلى القاهرة

لأنها مقبرة الشعر

لا تذهب إلى موريتانيا

ستسألك شرطة الجوازات في المطار عن أوزان الخليل والشعر البدوي

لا تذهب إلى أثينا

سيسرقك تجار الآثار الآشورية

لا تذهب إلى تدمر

سترسلك الملكة زنوبيا في حملة عسكرية

لا تذهب إلى روما

سيعتقد البابا إنك التجلي الأخير للسيد المسيح .

 

14_جان دمو ، لا تذهب إلى القبر

 

جان دمو / لا تذهب إلى القبر

اترك القبر للبراميل الكلاسيكية وكتاب العرائض

تعال بأسمالك المتهرئة لنتوجك ملكا

سنحتفل راقصين في العراء يسبقنا سكرنا وصخبنا

سندلك على شعراء تركمانيين مسيحيين وشيعة وقصائد مخفية

سنريك نمورا وجنرالات يتنزهون بملابس من القرن الثاني للهجرة

سنرقب تكشيرك الغنائي تحت شمس الصيف

وفي فندق شعبي [ بالباب المعظم ]

سنتضرع طالبين حنانات

نصطاد من خلالها أيائل وإوزات /

 

جان / لماذا تبدو جواربك في النهار شبيهة

بمشدات الصدر ؟

 

15_ زيارة إلى بيت جان دمو

 

ذهبت إلى جان دمو

قال لي جان : { كيف حالك } ؟

وأنا أيضا قلت : { كيف حالك } ؟

بعد لحظات قال لي : { ادخل إلى البيت الخ}

قلت : { يا جان / ناد أولادك ليأكلوا معي هذه المعكرونة  }

قال جان : { أوه / الأولاد أكلوا وذهبوا ليناموا }

قلت : { أوه / أنت هكذا دائما يا جان / ناد كلبك الكبير }

قال جان : { أوه / لقد أكل الكلب وذهب لينام الخ } .

 

16_ كلب جان دمو

 

كلب جان دمو المربوط بجذع صفصافة

يبدو غاضبا هذا اليوم

لم ندري لماذا رفض الطعام الذي أحضرناه

ولم يهز ذيله ؟

تضرعنا وتوسلنا كثيرا

لكن من دون فائدة ترجى /

حين هممنا في الذهاب / نظر إلينا جان بغضب وقال مزمجرا :

_ { يا أولاد 331 عاهرة / لماذا لم تجلبوا معكم قارورة خمر } ؟

 

17_ جان في الكنيسة

 

جان دمو يجلس على الكرسي في الكنيسة

ويعترف للكاهن

كانت الدموع الغزيرة تنهمر من عينيه

وهو يدلي باعترافاته

_ { لا تخف يا بني }

قال الكاهن

_ { الكل مجرمون

الملك والأم

وأنا وجميع القاذورات } .

 

18_ جان دمو والكهنة

 

كهنة من كركوك

حضروا لتشييع جنازة راهبة

اغتالها لصوص عند نبع /

في الطريق

قرب منزل يعرش فوقه الضباب

استوقفهم جان دمو وقال :

_ { أين تذهبون بهذه العاهرة يا كلاب } ؟

 

19_ جان دمو ومؤتمر الحيوانات البرية

العام الماضي

تعود جان دمو أن يذهب كل مساء إلى حديقة الحيوانات

يجلس على مصطبته المفضلة ويقرأ مجلة أو كتابا

وحين تجلس امرأة قربه / يتظاهر بعدم الاكتراث /

ذات يوم / أثناء مؤتمر للحيوانات البرية

جلست إلى جانبه زرافة

صفعها جان دمو صفعة قوية وذهب يقهقه منتصرا .

 

20_ مرض جان دمو

بعد مرضه الأخير

ذهب جان دمو إلى كركوك ليشتري بطيخة وزجاجة خمر

في الطريق

صادفته فلاحة عجوز تبحث عن أبن لها فقد في الحرب

قالت : _ { أيها السيد هل رأيت وحيدي } ؟

قال جان : _ { أية بطيخة } ؟

 

21_ احتراق بيت جان دمو

الإطفائيون مرة أخرى

يا للنكبة

من المؤكد أن بيت جان دمو قد احترق الليلة

جلبنا مياها من النهر

أحضرنا أكياس رمل من الشاطئ

هكذا جان دمو دائما

كلما يلمح امرأة ترتدي الميني جوب

تشب النار في مرحاض بيته .

 

22_ جان دمو يستعيد ذاكرته

 

أمام قبر ربما من العهود السومرية

وقف جان دمو يعد الأيام:

أمس الاثنين

غدا الأحد

اليوم الجمعة .

 

23_ جان دمو يعرف الحب

في بيروت

حين كان جان دمو يتسكع من دون جواز سفر

أو أوراق ثبوتية

ألقت القبض عليه الشرطة اللبنانية

وبدلا من تسفيره إلى العراق

طلبوا منه أن يعرف الحب /

شحذ المسكين انتباهه طويلا لكي يجد الجواب

فكر طويلا

أخيرا _ جرح أحد أصابعه واستأنف يعالج نفسه .

 

24_ بقرة جان الهائجة

تنطح الفضاء والكنيسة

تنطح النظام والفوضى

قرناها يهرسان السنبلة

وعظمة الكلب الوحيدة /

معذورة بقرتك الجليلة يا جان

معذورة

معذورة

معذورة

تعبت خلف الركض وراء الحكمة

وانتظرت حتى فرغ الكهنة والساسة من جميع الطقوس .

 

25_ موعظة جان دمو

قال جان يعظني

_ { يا مرحاض / المال يستفز اليد ويصيبها بالحمى

المال يحرض العين الصافية على الخزر

المال يجلب المرض ويقصر النفس /

يا مرحاض / ألق بالذهب في هوة عميقة

سوف ينبت اللبلاب في الصخور

ويغير الحمار نهيقه /

المال يوقظ الديك

ويجعل الكلاب تعوي في ليل الحديقة /

يا مرحاض / هذه الحجر الصلد

هذه القبلة الوحيدة من الفم

أجمل وأرق ملامسة من الذهب وبريقه .

 

26_ يد جان دمو

 

يد جان المعلقة / ترقب النمل والظلام

والزهور الناشفة فوق الأضرحة

يد وحيدة في شجرة

ترقب صعود الأكمام

طائر / سيأتي هذا المساء من كركوك

ويقول لها : { احفري قبرا  / سترحل أصابعك إلى

صحراء لا مرئية }

لكن يد جان المسكينة / تود لو تحيا يوما آخر

لترى الصيف والشمس /

أيامها خيوط دخان تتدلى من وشيعة قديمة

_ لماذا تموت مبكرة ؟

_ لأن الشمس تهزها /

بدلا من غصن

يد مقطوعة .

 

 

 

27_ رسالة من شاعر ألماني إلى جان دمو

 

جان دمو / جان دمو / أيها الذي بلغ الخمسمائة من العمر

على جمجمتك الصلبة أضع هذه الباقة الجافة من الكلمات

وليكن سرا بيننا / إن لدينا كل المبررات للإعجاب بك

وأنت متعب وضامر التهمتك النظريات /

جان / أيها الوغد

انك آدم العتيق الذي ذهب في الناس مثلا

هكذا أشيد بقصائدك /

أيها الأخ جان / سأضع هذا على الدوام موضع الاعتبار

ولما كانت أكاذيبك تحدث غالبا في الحقيقة

فإنني سألعن يدك المهيضة .

 

28_ أعداء جان دمو

أعداء جان دمو طحالب ، طحالب ، طحالب

طحالب ، طحالب

طحالب

لا مصابيح ، لا عطور

لا مدافع يسطع وميضها فوق جحورهم العفنة

أرواحهم تلفها الطحالب

أفكارهم المستورة تحت رماد التكهنات طحالب

طحالب ، طحالب ، طحالب

طحالب ، طحالب

طحالب

بيوتهم تسيجها الطحالب

قبلاتهم

أسرتهم

أيامهم

كتبهم

خزاناتهم تلفها الطحالب

ترصدهم النار

وكلماتهم طحالب

طحالب ، طحالب ، طحالب

طحالب ، طحالب

طحالب .

29_ المروحة ، رأس جان دمو

اضطجعت على فراشي

وفكرت في هذه المروحة التي تحرك الهواء في الغرفة

من أين جاءت ؟

من الذي وضعها هنا ؟

وفجأة تذكرت إنها رأس جان دمو /

داهمته ليلة البارحة وهو يهم بسرقة نقودي

فر هاربا وترك لي رأسه

علامة تذكار .

 

30_ بركات جان دمو

 

جان دمو يبارك النار والعظم والسنديان

يبارك الفضاء والكهف واللاهوت

لأنه لا يملك حفنة تراب /

جان دمو يبارك الصباح والقبر والحقيقة / والطبيعة يباركها

لأن العالم يغرق في الخطيئة / ولأنه يحلم بالحرائق والطوفانات /

جان دمو يبارك الرحم والشمس والليل / والوردة يباركها

لأنها تمنح روحه السأم

ولأنه يحلم بالجحيم والعذاب الأزلي /

جان دمو يبارك الطير والصحراء  / والغنائم يباركها

لأنه يحلم بعهود جديدة تغسل خمول العالم

وتعيد للحياة بكارتها المنهوبة .

31_ تركات جان دمو

 

يذهب جان دمو إلى القبر تاركا قصائده وشتائمه وتجديفا ته

يذهب جان دمو إلى القبر تاركا خمرته وسهراته ومراصده

يذهب جان دمو إلى القبر تاركا معاجمه وتراجمه وأسلحته

يذهب جان دمو إلى القبر تاركا قطته وأسماله وديعة عند الصعاليك .

 

32_ مديح إلى جان دمو

الأب الرحيم بلحيته الذهبية

بثدييه الذين يشبهان الينابيع

ينام في حديقة الآلهة

عيناه كوكبان

يداه غيمتان

الطيور / الطيور الزرق حارسة وجهه الإلهي

تشعل اللهب حول الحديقة

تطير اليعاسيب فوق وجهه

تصعد الزهور فوق رقبته

وتكبر الحقيقة .

 

33_ ملائكة جان دمو

قال لي عند مدخل الجحيم

_ { أنا السيد السريالي الوحيد / أنا جان دمو } /

وكنت ما أزال أفكر في الملائكة ومدى شبهها به

وبسرعة أدركت لماذا يريد كل شخص أن يذهب

إلى الفردوس /

وأخيرا سألته _ { هل تعرف الملائكة } ؟

أجاب : { أجل ، لماذا } ؟

 

34_ جان دمو والشيطان

جان دمو في ليل الوردة

الشيطان في العطر

جان دمو في البحر

الشيطان في السفينة

جان دمو في الصحراء

الشيطان في الواحة

جان دمو في الظلام

الشيطان في النور

جان دمو في الطفل

الشيطان في الأب

جان دمو في البئر

الشيطان في الدلو

جان دمو في السماء

الشيطان في الأرض .

 

35_ امتحان جان دمو

1 _ ما هو القبر ؟

2 _ القبر منفى لاهوتي

1 _ ما هي الظلمة ؟

2 _ الظلمة باخرة تغرق

1 _ ما هي الدمعة ؟

2 _ الدمعة سد يجرفه الطوفان

1 _ ما هو العش ؟

2 _ العش مستشفى

1 _ ما هي الزهرة ؟

2 _ الزهرة ذبيحة

1 _ ما هو الجسد ؟

2 _ الجسد غيمة

1 _ ما هي الحرب ؟

2 _ الحرب زريبة .

 

 

 

36_ وصايا جان دمو العشر

لا تصطد في الذكرى

ربما يعرى الميت /

لا تلمس قبرا

ربما تخونك امرأة /

لا تتعر في نهر

ربما يغتالك رجال المطافئ /

لا تسافر في النهار

ربما تصل متأخرا /

لا تركب دراجة

ربما تدهس غيمة /

لا تصبغ منزلا

ربما يسطو عليه اللصوص /

لا تتزوج

ربما تصبح لوطيا /

لا تطمح أن تكون شاعرا

ربما تطاردك في أحلامك النمور /

لا تكن فندقا

ربما تصبح مرحاضا  /

لا تكشف عورتك في الحمام

ربما يمارس جارك العادة السرية .

 

37_ أحلام جان دمو

في الحرب / وسط حقول الألغام

يتنزه جان مع القتلى

القتلى في الرماد /  الرماد في القتلى

يسمعهم

يسمع همساتهم الذهنية

موتاه المفتونون بالأطوار الغريبة

{ س } { ن } { ع }

هو يقول أنا أقول هي تقول أنا أقول هو يقول

عزيزي { س } في أي مستشفى تشربون الشاي اليوم ؟

الرجل ضبع سكر دقيق سمك أزرق ألوان سمكاء

سكر كرس كسر كرت كرررررررررت كرررررركت /

جان دمو يغني مع القتلى في الحرب /

صباح الخير يا روابي

صباح الخير يا طرائد

صباح الخير يا كنايات /

يموت الجندي حزين في الحرب

والمجنون فوق شجرة

يموت المغني في السجن

والحداد في المرحاض

يموت الضابط في أست بغل

والقابلة في كهف /

كانت الأحلام معروفة لدى قدماء الآشوريين

وكان جان دمو يصعد من دخانها خفيفا كالحلزون ،

 

38_ مرثية إلى جان دمو

 

لا يوجد حارس لحماية جثتك يا جان دمو

أنت الأكثر شبها بالشيطان

كنت رجلا مريضا على الدوام

تبكي كل يوم أحد عندما تشاهد نفسك في التلفاز

[ وعلى الرغم من أقوال الصحف / فأنك لم تكن مثقفا أبدا ]

الآن أبكي حدادا عليك

البكاء يغسل الأحقاد /

وداعا يا صديقي الإله

موتك كان له أثر بالغ في مسار الشعر الحديث

وأنت تمثل دور السيد البدين صاحب دار النشر

لكنك كنت متورطا بأشياء يعاقب عليها الرئيس /

وداعا أيها الطفل

يا من كنت لا تعترف إلا بعبقريتين :

التجديف والجحيم

وبدلا من أن يخنقك عطيل / ذهبت إلى الهاوية وحيدا /

وداعا / وداعا / وداعا /

لماذا ذهبت إلى الأبدية وفي جيبك أقراص فاليوم ؟

كانت مراسيم الدفن حزينة جدا / جدا

بكى الجيران قائلين : { آه / أيها السيد اللطيف / كم كان يحب

الشكولاته / مسكين / مسكين / مسكين /

كم كان يحب الشكولاته } /

ويقال أن عانسا عدوة لقصيدة النثر / اشترت أربعة أطقم أسنان

من النيكل / لتهزأ من مراسيم الدفن .

 

1987 بغداد  / أربيل

 

<

>