|
Iraqi Electronic Library المكتبة الإكترونية |
دراسة المستويات الجمالية في نهج البلاغة |
|
نوفل ابو رغيف |
|
المستويات الجمالية في نهج البلاغةدراسة في شعرية النثر
نوفل هلال أبو رغيف
بغداد - الطبعة الاولى-2008
بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء
نبيٌ، حزنك هذا أيها الوطن المزروع بالأجساد فدع عنك هذه الحروب ربما نتبعثر في خساراتها ويتأخر الفرح المؤجل فننحت انتظارنا عشقا عراقيا نصنع منه ومن بقاياك وطنا آخر ... نأوي إلى حضنه آخر الليل فنناجي عليا : أيها المسكون بالفقراء والجلال والنـزف والألق يا فارس الأزمنة كلها يا صديق المعذبين والمتعبين وفجر العقول والحب وهاجس المحاربين القدامى .. بضاعتنا مزجاة تحلم عند بوابتك الازلية بالقبول وهي بضاعتكم ردت إليكم
في زمان الفجيعة والحزن والانتصار لعل هذا الجرح العلوي الأشم ... يفزز السكوت العربي المخجل في غمرة الاحتفال بالموتى والجنائز وثقافة الشعارات فإليك ... أنت ؟! وقد توجك الرب أميراً أبدياً والى .. الشاهق أبي .. والوارفة أمي .. والندية زوجتي .. والى صبحين قادمين ... حيدر ومحمد حسين والى الحبيبات( هد، أس، نو ، نب)أخواتي الغاليات
(( ولا يعرف ما أقول إلا من ضرب في هذه الصناعة بحق ، وجرى فيها على عرق ، (وما يعقلها إلا العالمون) ، ولا يعي حديثنا إلا صدور أمينة وأحلام رزينة)).
علي بن أبي طالب (عليه السلام) نهج البلاغة : 1/49 .
((عش ثلاثة أشهر ... لتكتب ثلاثة أيام .. وتنتج ثلاث صفحات))
من وصية جورج ديهايمل لولده من كتاب ((دفاعا عن الأدب)) 162
المقدمة
سبحان الله كلما لاح نجم أو خفق ، وله المنة ومنه التسديد ما وقب ليل أو غسق ، وأصلي على حبيبه وحبيبنا وآله مدار الأفق ، وبعد : فقد مضى بهذه الدراسة صاحبها في رحلة تستحق أن يقال إنها مهيبة، وأن توصف بالمخاطرة والجرأة من جهات عدة ، يقف في مقدمتها موضوع الدراسة ، فهي ـ الدراسة ـ تطوف في أرجاء كتاب يعد من أضخم انجازات العربية بما يحمله من مادة تكرس هذا الوصف وتتعداه ، ولمؤلف هذا الكتاب ومبدعه الذي صال وجال في سوح العربية وألوانها مثلما فعل في سوح الوغى وحياض المنايا ، فكان أكبر من أن يلم به وصف في هذا الإيجاز ، أما القضية الأكبر في أهمية وخطورة هذه الدراسة فلعلها ترتبط بجانبين أساسيين هما : أ ـ خصوصية كتاب نهج البلاغة ، وخصوصية تناوله من محدثين وقدامى لما أثير حوله من آراء ، وربما طعونات في نسبته ، وفي مادة الكتاب ، وفي جوانب عقائدية معقدة تخص الأمة الإسلامية . ب ـ تناول هذا الكتاب من زاوية دراسة مستوياته الشعرية/ الجمالية، مما يشكل نوعا من أنواع المفارقة بوصف هذه الدراسة التي تسعى إلى الكشف عن تلك المستويات تنتمي إلى المدارس الأدبية النقدية الحديثة من زاوية، وبوصف الكتاب منتميا إلى المكتبة العربية القديمة من زاوية ثانية. مضافا إلى ذلك ما تحفل به موضوعة الشعرية من أهمية بالغة في حقول الدراسات الحديثة والمناهج النقدية واللسانيات. وقد كان مشروع دراسة نهج البلاغة حلما يراودني طفلا لما أتعرف بعد على أبعاده، ولما أجرؤ على محاولة سبر أغواره من خلال دخوله عبر إحدى بوابات الكشف والتقصي، منذ كنت أحفظ شيئا من خطبه ومقولاته وحكمه في الوعظ والنصح وفي الله وفي الحرب . وكبر الحلم القديم المؤجل ليمر باحباطات وتراجعات كادت تودي به في زمن غير هذا الزمان ، وبعدما شاء الله صرت أشرع في جمع مادة الدراسة، وأسرارها على نحو من العسر والمشقة لأسباب تتعلق بعموم الأوضاع التي تشهدها الجامعات وبلادنا الحبيبة بوجه عام بعد انعطافة العراق الكبرى في التاسع من نيسان مطلع الالفية الثالثة. ولكن الذي هوّن الأمر علي وجعلني أكثر إصرارا على ركوب هذا المركب الذي وصفه قريبون مني بالصعب، هو دعم وتواصل الاستاذة الفاضلة الدكتورة بشرى موسى صالح، التي أيـدتني منذ اللحظة الأولى على (الشعرية) وعلى (نهج البلاغة). ومن الذكريات بمكان ان الحديث عن موضوعة (الشعرية) والحاجة الى انضاجها مفهوما قاراً في وعي كاتب السطور وثقافته يمتد الى سنوات الدراسات الاولية وينتشر في مفازات البحث عن التشجيع والحفز على المضي قدماً. فأسأل واناقش وانتظر واستعير من مكتبات الاقربين والابعدين كلما ضاقت السبل الى كتاب يعضد دراستي، حتى قبل ان يحسم موضوع الدراسة نهائياً. واستمررت على هذه الحال مستفيداً من عبارة واشارة وتسديد ممن هم اهل لهذا، فكان ان كتبت هذه الدراسة خمس مرات عملا بما تقتضيه الاضافة او يستدعيه الحذف او ما يطرأعلى متونها من عنوانات او تصويبات عبر المراجعة والتدقيق وكل مرة بالدرجة نفسها من الاهمية والاهتمام فلا اغير فيها شيئا الا بعد الاقتناع بما تفضي اليه المناقشات والمداولات بيني وبين اهل الحرفة وبيني وبين قريبين معنيين. وبعد (اللتيا والتي)(1) من حذف وإضافة وإبدال واستكمال وإعادة ومراجعة وتعديل ، كان أن جاءت دراسة المستويات الشعرية/ الجمالية في كتاب نهج البلاغة على وفق الآتي : أ ـ مدخل تمهيدي ويتكون من أربعة أقسام ترتبط جميعها بما يمهد لدراسة مستويات الشعرية ويعد بمثابة العناصر المساعدة في عملية تأويل النصوص (مادة الدراسة) بوصفها لا تنفصل عن منظومة ماله علاقة بالكتاب ومن ثم في عملية الكشف عن مستوياته الشعرية حيث تتضمن هذه الأقسام بلاغة الإمام عليه السلام وثقافته واضاءات وافية حول الكتاب وأهميته ومهادا تنظيريا لعله الأكثر أهمية من بينها يتناول الشعرية بتحديد مفهومها وإزالة ما يعتريها من لبس وغموض من وجهة نظرنا، وقراءة خارجية بعنوان (المنهج والكتاب) شكلت القسم الرابع في هذا المدخل . ب ـ الفصل الأول وينقسم الى مباحث عدة تتناول ابرز الظواهر التي تتألف منها (شعرية التشكيلات الإيقاعية) . ج ـ الفصل الثاني وعنوانه (شعرية المظاهر التركيبية) وينطوي على ابرز المظاهر التي رصدتها الدراسة في هذا المستوى . د. الفصل الثالث وعنوانه (شعرية الظواهر الدلالية) وينقسم الى مبحثين رئيسين تتفرع عنهما أقسام أخر على النحو الذي سيتبين لاحقا: يحملان عنواني (الدلالة المجازية) و(الدلالة الحقيقية)، فضلا عن مبحث ثالث يتضمن انموذجا تحليليا عاما. وقد تصدرت كل فصل من هذه الفصول الثلاثة توطئة لها علاقة بالمستوى الذي يدور الفصل حوله ، وفي نهاية كل فصل أي في المباحث الأخيرة أنموذج تحليلي عام لنصوص طويلة غير مجزوءة ، أو خطب كاملة غالبا ما تجتمع فيها عناصر الشعرية التي توزعت في خلال المباحث والأقسام التي تغطي ظواهر المستويات الثلاثة ، وأما دراسة هذه النصوص على نحو عام ، ورصد الشعرية باجتماع عدد من العناصر والظواهر فلأن ((النظام والتغيير والتساوي والتوازي والتلازم والتكرار وغيرها هي القوانين التي تتمثل مشتركة وهي جميعا تعمل في وقت واحد))(2)، فيصار إلى التفريق بينها وقراءتها تفكيكيا ثم إعادة قراءتها مجتمعة عن طريق السعي وراء كشف قوانين الشعرية المختلفة.
مدخل
لدراسة المستويات الشعرية / الجماليةفي نهج البلاغة
القسم الأول ثقافة الإمام علي (عليه السلام)
إن كثيرا من موضوعات نهج البلاغة تفصح عن ملامح الحياة السياسية التي عاشها الإمام علي بن أبي طالب في تلك الفترة إبان حياة الرسول (( صلى الله عليه وآله وسلم )) وبعد رحيله إلى الرفيق الأعلى وكانت لها علاقة واضحة بمواقفه الفكرية والتربوية والسياسية دخلت ضمن موسوعة المعارف والتجارب التي رفدت شخصيته الثقافية . وفي مواضع متعددة من هذه الدراسة كان استجلاء الشعرية عبر الكشف عن قوانينها يمثل إحدى قنوات عرض صور عامة من واقع وابعاد وظروف وازمات الحياة السياسية والاجتماعية آنذاك، (( فالشعري في الحياة العربية امتزج دائما بالسياسي الديني ولا يزال يمتزج به حتى الآن))(1) . وفي رحلة البحث في عوالم نهج البلاغة يتجلى بوضوح التأثير العميق للقرآن الكريم في مضامين أو لغة المؤلف وتأثره به وربما كان من أوائل المؤسسين لهذه العلاقة المتبادلة بين نصوص القرآن الكريم وبين الكتاب والشعراء والمؤلفين فيما بعد، التي شغلت حيزا واضحا من جهد النقاد والدارسين وعطائهم فقد (( ذهب الكتاب مذاهب شتى في حديثهم عن النص القرآني، هذا النص العميق المثير الآسر،دفعهم ذلك إلى تلمس خاصية السحر والجمال في الكلام عموما، شعرا كان هذا الكلام أم نثرا،وقد وصلت اجتهاداتهم الجريئة ذروتها الراقية لدى الجرجاني* لتشكل منحى جديدا في النظر إلى النص وتحديد جمالياته))(2) واستمرت الدراسات والتنظيرات والنقودات على اختلاف مناهجها في تطوير آليات او اساليب التعامل مع المتون الكتابية الإبداعية أو أساليبها وطرائق النظر إلى جمالياتها وتحديد عناصرها ، سواء أكانت تلك النظريات من أصول غربية أم كانت امتدادا للجذور العربية التي زرع الأوائل بذرتها وإذا كانت اللغة الأدبية (( تضع الأديب في مأزق أكثر من أية لغة أخرى ))(3) فأن من الممكن القول أن علي بن أبي طالب عليه السلام لم يكن ليوضع في هذا المأزق فالذي يخشى منه هو أن (( يقع المبدع في فخ البلاغة على حساب الصراحة والحقيقة عندما ينشغل كثيرا بالجمال الشكلي لنتاجه أو عندما يرجح كفة الفكر على كفة الكلمات))(4)، وقد تجاوزت لغة نهج البلاغة هذه الخشية عن طريق الموازنة بين كلا الطرفين مما لا يدع مجالا لصدارة جانب وتفوقه على حساب الآخر . وإذا كان الاسم الذي أطلق على ما جمع من تراث علي (كرم الله وجهه) في الأدب واللغة هو (( نهج البلاغة )) فأن بالإمكان قراءة مفردة البلاغة بديلا عن مفردة ((علي)) على نحو (( نهج علي )) أو (( بلاغة علي )) أو سوى ذلك مما يعطي النتيجة نفسها من ترابط أو ارتباط عليٍ عليه السلام بالبلاغة وبالعكس، وبلاغة المتكلم في احد أدق معانيها هي ((ملكة في النفس، يقتدر صاحبها على تأليف كلام بليغ مطابق لمقتضى الحال مع فصاحته في أي معنى قصده ، وتلك غاية لن يصل إليها إلا من أحاط بأساليب العرب خبرا وعرف سنن تخاطبهم في مناجزاتهم ومفاخراتهم ومديحهم وهجائهم وشكرهم واعتذارهم ليلبس كل حالة لبوسها ))(5) وهذا نظير الرأي الذي يعرف البلاغة على أنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، وهل من شك أو اختلاف في امتلاك علي بن أبي طالب هذه المزايا وعداها ، وهو الشاعر الذي جمع شعره في ديوان مستقل وهو الناقد الخبير الذي يختصر ويسبق اكبر نقاد العربية في تقويمه ومعرفته بالجيد من الرديء حين يسأل:ـ من أشعر الناس؟ فيقول: (( إن القوم لم يجروا في حلبة تعرف الغاية عند قصبتها فأن كان لابد فالملك الضليل))(6) ،فكـان نقده للشعراء نقد من يعرف باختلاف مذاهب القول ووجوه التفضيل . ومن المفارقات اللافتة في شخصية علي عليه السلام هو أخذه من كل شيء بطرف مما انعكس فيما بعد على ثقافته التي يجسدها خطاب نهج البلاغة بتنوعه وشموليته((فالمتأمل في كلامه لا يعترضه الشك في أنه كلام من لاحظ له في غير الزهادة ولا شغل له بغير العبادة ، قد قبع في كسر بيت أو انقطع إلى سفح جبل، لا يسمع إلا حسه ولا يرى إلا نفسه ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرف مصلتا سيفه فيقطّ الرقاب ويجّدل الأبطال ويعود به ينطف دما ويقطر مُهَجَاً ، وهذه من خصائصه اللطيفة وفضائله العجـيبة التي جمـع بهـا بـين الأضـداد وألـّف بـين الأشتات ))(7). وليس هذا بالغريب على خصائص شخصية علي بن أبي طالب التي تنعكس على وضعه المعرفي وتؤثر في منظومته الكلامية فعلي (( حين خذلته المحنة في زمنه، أنصفه التاريخ، كان وحيدا في عبقرياته عجيبا في مسلكه، كان أعداؤه يهيئون أنفسهم لدور كبير بين أتباعهم، فيأفل نجمهم أمام شمس علي النيرة ))(8) . وبمناسبة الدراسة ومحاولة التجرؤ على الغوص في نهج البلاغة تجدر الإشارة إلى الرأي الذي يعتقد (( أن أهمية النتاج الذي قدمه الإمام علي عليه السلام تتمثل في المستويين الفكري والفني، أما الفني فيكفي أن يطلق على نتاجه في المختارات التي أنتجها الشريف الرضي اسم ( نهج البلاغة ) أي النموذج أو المعايير أو القواعد أو الطرائق التي تجسد ما هو ( فني) أو ( بلاغي) من التعبير، وهذا يعني أن الإمام قدم ( النموذج ) للفن وإن ما عداه من النتاج هو: دونه أو تقليد له، وأما الفكري منه فيكفي العودة إلى وثيقة النبي وهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( أنا مدينة العلم وعلي بابها) لنعرف انه حصيلة ما أودعه من المعرفة لدى الإمام))(9)، وقد تجلت ملامح هذه المعرفة الموسوعية في ثقافته الاستثنائية، فتحدث عن الاقتصاد وعن الاجتماع وعن التاريخ وخاض غمار الفلسفة والسياسة والحرب وأعطى دروسا في التربية وعلم النفس، وكان صوته شاهقا في سائر ما يرتبط بالمعرفة الإنسانية . ولما كان الجمال والبحث عن قوانينه وأسبابه هو ضالتنا التي نفتش عنها في كتاب نهج البلاغة فيمكن أن ينطبق على وصف هذه الحال الرأي الذي يقول بأن (( الجمال يبرر وجوده بنفسه ))(10) ، ولاسيما عندما تكون على هذا الجمال مسحة من العلم الإلهي كما يرى ذلك جامع ومرتب مادة كتاب نهـج البـلاغة حـين يقـول (( كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها ومنشأ البلاغة ومولدها ومنه عليه السلام ظهر مكنونها وعنه أخذت قوانينها وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب وبكلامه استعان كل واعظ بليغ وقد سبق وقصروا وتقدم وتأخروا لأن كلامه عليه السلام عليه مسحة من العلم الإلهي ))(11) . والى تأكيد أو تعضيد ما تقدم من إشارة الشريف الرضي إلى أخذ البلغاء والفصحاء والخطباء عن علي رضي الله عنه ، يذهب علم آخر هو عبد الحميد الكاتب بقوله : (( حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ـ يعني عليا ـ ففاضت ثم فاضت وقيل له ما الذي خرجك في البلاغة ؟ قال : خطب الأصلع ))(12) . وهذا رصيد إضافي لأهمية الكتاب واستحقاق وثراء الكتاب الذي تؤكد هذه الدراسة محاولتها المخلصة لتلمس الملامح الواضحة في هويته الجمالية عن طريق الكشف عنها على قاعدة أن ((للنصوص كافة قوانين توجهها وجهة أدبية ويسعى المنظرون في الشعرية للكشف عنها))(13) وليس من باب التكرار والإشارة في غير موضع إلى أسلوبية اللغة الشعرية التي تتجسد بدرجة كبيرة بعلاقتها بالمتلقي وهو ما وعاه وتنبه إليه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في أثناء عملية إنتاج النصوص وتحديده لهوية القسم الأكبر ممن يخاطبهم وهم عامة الناس، فكما ((يعتقد أرسطو أن أهمية الأسلوب تعود إلى أن عامة الناس يتأثرون بمشاعرهم أكثر مما يتأثرون بعقولهم، فلا يكفي أن يعرف المرء ما ينبغي أن يقال، بل يجب أن يقوله كما ينبغي))(14)، ومثل علي بن أبي طالب أعلم وأدرى بذاك وبغيره من سواه. وإذا كان هناك من يميز بين نوعين من الخلق الفني هما ( النفسي والتحليلي ) فأن بناء اللغة في مادة نهج البلاغة مما يمكن أن يوصف بأنه ينتمي إلى هذين النوعين، حيث تمتلك نصوص او اقوال نهج البلاغة خصائص الخلق الفني النفسي الذي يستعمل مواد مكتسبة من مملكة الوعي الإنساني، التي يتربع علي بن أبي طالب بما هو فيه وما هو عليه، على عرشها ليبحث في التجربة الاعتيادية مرفوعة من المستوى الاعتيادي إلى المستوى الشعري المميز مع البقاء في الطرف الآخر على الخط الثاني في الخلق الفني، أي الخلق الفني التحليلي الذي ينبع من خلفية الفكر البشري الذي لا يفهم النوع الأول، ولكنه يفهمه هذه المرة لأن القضية مرتبطة بإمكانات علي وقدراته وأدواته ومستواه الذي يقع في الذروة(15)، وكيف لا؟ وهو الذي هو في درجته الرفيعة ومنزلته السامية وإحاطته الفذة وعلمه الثاقب. ألا نتأمل هذا الجزء من حديثه رضي الله عنه عن علمه وعلاقته بالرسول ( ص ) وقربه منه وهو نبي المعجزة الكبرى ـ القرآن الكريم ـ ومشرع الفصاحة والبيان حتى هذا اليوم الذي ندور فيه من جديد في دائرة البيان برؤية عصرية، يقول علي عليه السلام (( ولقد كان يكون من رسول الله الكلام له وجهان : فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله به ولا ما عنى رسول الله (ص) فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله، وليس كل أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من كان يسأله ويستفهمه حتى أن كانوا ليحبون أن يجيء الأعرابي والطارئ فيسأله عليه السلام حتى يسمعوا، وكان لا يمر بي من ذلك شيء إلا سألت عنه وحفظته ))(16). ومع هذه السعة وهذه الإحاطة وهذا الشمول يصبح الانتقاء من تراث صاحب نهج البلاغة أمرا صعبا مركبا ولكنه لابد منه مثلما لابد من التشخيص أن هناك تفاوتا في القيمة الفنية ما بين خطب ورسائل وكلام أمير المؤمنين ، مما يقلل من هم التمييز بين مكونات مادة الدراسة ويساعد على تحديد المناطق المضيئة التي ستمثل فيما بعد نقاط الاشتغال على الجمال والشعرية التي تسعى الدراسة للكشف عن أبرز مستوياتها . وفي ضوء تقنية ازدواج المفاهيم وتداخلها في هوية كلام نهج البلاغة ثمة تساؤل عن لغة هذا الكتاب هل تنتمي إلى اللغة الأدبية أو إلى اللغة العلمية الصرف مع أن ، التفريق بينهما متيسر ومقبول فهذه الأخيرة لغة دلالية منطقية محضة تحقق تطابقا تاما بين الدال والمدلول(17) ، وقد تحققت هذه الفعالية في مواطن متعددة من الخطب ذات التوصيف المباشر ومنها خطبة الجهاد وأجزاء من الخطبة الشقشقية أو جزء من هذا الكلام أو ذاك ككلامه عليه السلام في وصف خلق الطاووس مثلا ، وكثير من مقاطعه الوعظية والحكمية وبعض أمثاله بينما تنضم الحصيلة الكبرى من مجمل نصوص الكتاب إلى اللغة الأدبية (الشعرية) وهي لغة ملأى بالجناسات والمجاز والتصنيفات اللاعقلية والاعتباطية البعيدة كل البعد عن أن تكون دلالية فقط، لأن لها جانبها الجمالي الذي له قوانينه في التعبير والإيصال . وعليه فأن من سمات هذه الهوية تشخيص الفوارق النوعية والقدرة على جعلها متداخلة باحكام، وظهور ملامح ذلك التداخل مع امكانية فصله. وكما سلف القول فأن الكتابة عن إبداع نصوص نهج البلاغة أو جمالها هي كتابة في أحد مصاديقها عن علي نفسه ،مع أهمية النظرية البنيوية وموت المؤلف. و((الكتابة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه صعبة، غير أنها مركب مستطاع))(18)، وكيف لا ؟ وهو القائل عن نفسه: (ولا يعرف ما أقول إلا من ضرب في هذه الصناعة بحق وجرى فيها على عرق)(19) ولكن هذا الأمر العسير ليس مستحيلا طالما تسنى له من يخوض غماره قبل صاحب هذه الدراسة وطالما أن (( اللغة الشعرية هي موت اللغة وانبعاثها من جديد على يد المبدع الذي يخلق طينتها ))(20) ، فمن المتاح الدراسة عن أسباب موتها وقوانين انبعاثها حية من جديد في نهج البلاغة منذ زمن إبداعها حتى اليوم . ومع ما يؤكده الدارس من دخول التأويل عنصرا فعالا في هذه الدراسة، يبقى من الضرورة الألفات إلى ( أن الشعرية في الأساس لا تستهدف النص الأدبي تأويلا بقدر ما يعني استجلاء القوانين التي تولد تلك الشعرية )(21). ومع أن (( الخطاب عند علي خطاب سياسي وفقهي وتربوي ووعظي في إطار معرفي محكم ، وهو في الوقت نفسه ذو سعة رياضية ماثلة في بنية الخطاب الذي يتكامل نصا مغنيا ))(22) ، إلا إنه ينبغي ونحن نؤسس للعلاقة بين مادة الدراسة وبين الشعرية وأحد اكبر مزاياها وهو الجمال ((أن لا يغرينا كون المطروح من الشعريات من السعة والتباين بحيث لا يتاح لنا معه توحيد الإطار المرجعي له))(23) ومن ثم يتشتت التركيز فيضعف العمل. وإذا كان لكل من المبدعين الكبار والرجالات العظام والرموز الفكرية والفلسفية تخصصه واجتهاده في ميدانه ومشاربه الخاصة في تحصيله المعرفي فإن عليا (( هو الحاوي على جميع سمات العبقريات المتعددة فهو الخليفة القائد وهو المحارب العظيم وهو الفيلسوف وهو الأستاذ في العدل والمؤسس لعلم النحو، وهو الفقيه ، القاضي ، العالم بالحساب والفلك وهو أمير البلاغة والشاعر والحكيم والحافظ لتراث محمد والأخلاقي الرفيع والأنموذج في كل شيء ))(24) . والاستناد إلى عرض هذه المواصفات والحقائق والشهادات في حق مؤلف نهج البلاغة ومبدعه الكبير يسهم في تعزيز الرؤية والنظرة إلى خلفيته بوصفه مثقفا كبيرا وعالما من طراز مميز ، ويؤكد المقولة التي ترى بأن (( عزل الأدب عن التأثيرات الاجتماعية والفكرية المباشرة ، أمر غير ممكن ))(25) ، مثلما ليس ممكنا الفصل بين شخصية المبدع وبين خطه الفكري الذي يتبناه ، الأمر الذي يسوغ أن تستعين الدراسة أحيانا بخلفية النص لإضاءته إذ (( تمثل العلاقة بين الأدب والايديولوجيا وبشكل أشمل بين ما هو جمالي وأدبي وشعري من جهة وبين ما هو ايديولوجي ومعرفي ورؤيوي من جهة أخرى ، واحدة من اعقد المشكلات الجمالية التي تواجه علم الجمال والنقد الأدبي على مر العصور ))(26) ، واستنادا إلى ذلك فأن ((البعد الايديولوجي داخل النص هو حقيقة راهنة لا يمكن تجاهلها))(27) . وبعد هذه الاضاءات السريعة حول شخصية علي بن أبي طالب وخلفيته ومكانته الرفيعة ومجموعة العوامل التي يمكن أن تشكل إشارات للدلالة على منابع او مصبات ثقافته ومعرفته وخصائصه التي تدخلت وأسست لعوالم كتاب نهج البلاغة مناخا جعل من لغة الكتاب هوية للنضج البلاغي ولتجلي لغة توصف بالجمال والاستثنائية بوصفهما جزءا من توصيفاتها العديدة ،ولكن هل من مكملات أصول الدراسة التساؤل على الطريقة التقليدية من هو علي بن أبي طالب ؟! . وهل يفي بذلك أن نتذكر (( اول خليفة ابواه هاشميان، وانه كان من احسن الناس وجهاً، وأن من مظاهر فضائله العلم بالكتاب وبالتنزيل ، وهو المعجزة الكلامية الكبرى ، والقضاء والحكم الفقه والعلم))(28)، وهل يضعنا القول الذي ربما يبدو ضربا من المبالغة ، على مقربة من ملامح هذا الرجل حين يرى بأنه (( قسم علم الناس خمسة أجزاء فكان لعلي منها أربعة أجزاء ولسائر الناس جزء شاركهم علي فيه فكان أعلمهم به ))(29) . وإذا كان من الممكن الحكم على بلاغة اللغة وشعريتها من أول الكلام أو من أول التلقي فأن (( أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة ))(30)، عند صاحب نهج البلاغة ما يجعل امتلاكها ، البلاغة ، أمرا طبيعيا من قبله. والعلاقة بين علي بن أبي طالب وبين الجمال تكاد تتجاوز حدود الجمال في اللغة وأساليبها إلى الولع بالجمال في مناطقه الأخرى ، فها هو يوجه حديثه إلى أن يكون عن تجميل وجماليات الخط العربي مبينا الكيفية التي يتم التوصل بها إلى ذلك قائلا : ـ ألق دواتك ، وأطل جلفة قلمك ، وفرج بين السطور ، وقرمط بين الحروف ، فأن ذلك أجدر بصباحة الخط(31) . ولعلي بن أبي طالب بعد هذا وذاك كما يقول الأستاذ فؤاد افرام البستاني* شخصية جذابة حامت حولها أقلام الرواة والمؤرخين واجتهدت في فهمها عقول النقاد والمفكرين وسار تحت لوائها الجم الغفير من المتأدبين ولم تكن الآراء المختلفة والنظريات المتباينة والمجادلات إلا لتزيد الرجل سموا وعقليته بروزا ، ثم يسأل بعد ذلك متعجبا : ـ فمن هو هذا الرجل العظيم ؟ وما هي قيمة رجل الأدب هذا(32) . ولسنا نريد بهذه الآراء التي نعرض لها أن نختصر القيمة الأدبية والعلمية والتاريخية لشخص أمير المؤمنين ـ حاشا لله ـ وأنى ذلك وهو صعب مستصعب. ولكن إن هي إلا قطرات ندية في سماء الرحلة التي نحاول أن نحلق فيها متمنين شرف أن نحوم حول شيء من شخصية هذا الرجل الأسطورة عبر منظومته الكلامية المتفردة ، وكيف لا وهو الذي لا يقارن بسواه ولا يقرن إلى غيره وهو الذي يقول فيه محيي الدين الخياط أحد الذين علقوا على شرح النهج للشيخ محمد عبدة(33)(( لأن فاخر اليونان بديمستينوس والرومان بشيشرون والافرنسيون بفولتير والانكليز بميلتون والايطاليون بدانتي فنحن نشمخ بأنفنا بالإمام العظيم والعربي الصميم علي بن أبي طالب رب الفصاحة والبلاغة ))(34) وهو رأي يرسخ قضية تناول هذا الإمام الخالد في الدائرة الأدبية بوصفها الحاضنة الأكبر لكل ذلك التراث الخالد من العطاء والشجاعة والمعرفة و((بمنهج ا30لإمام أخذ التجريبيون وعلماء الطبيعة حيث يشاهدون ظواهرها ثم يتفرغ واحد أو نفر منهم للدراسة في ظاهرة من الظواهر ويتتبع خصائصها وآثارها))(35) . وقد يفي بالحاجة ويلبي الغاية في مضمار مزايا وتوصيفات وقراءات شخصية الإمام علي ، الرجوع إلى التفاصيل والحيثيات الشخصية والعامة حوله بالغوص في كتب السير والتواريخ والدراسات المولعة بهذا الرجل قديما وحديثا وقد أشار الشريف الرضي إلى قسم كبير منها في مقدمته عن النهج وفيما كتب عن هذا الانجاز الضخم . إن تأمل نصوص نهج البلاغة يجعل المتأمل يدرك عن قناعة أن عليا عليه السلام كان (( يباشر عمله الإبداعي الفوري بعفويته الثاقبة فيأتي النص المرتجل مثل النص المكتوب ، آية في الإتقان والروعة ، وما جريان خطب علي ( ع ) على نحوه الباهر في طوله وقصره إلا دليل على الفعالية الخارقة لعقل مبدع موهوب))(36) . إن متأمل اللغة في كتاب نهج البلاغة يشعر في مواضع متعددة بالخلق الذي مارسه علي بن أبي طالب ضمن سلطته على النص في دأبه الواضح على خلق مناخات جمالية تؤثث بيئة النصوص فتجعل من المناسب وصفها بالشعرية . لقد كانت اللغة الفنية التي استخدمها علي عليه السلام مكثفة بشكل يحولها إلى لغة جمالية محضة تغرق في غابة من الصور التشبيهية والتمثيلية والاستعارية والرمزية والاستدلالية والتضمينية ... الخ وتحتشد بإيقاعات هائلة تتناول كل مفردة ومركبة حتى (( لا تكاد تجد من بين آلاف المفردات والتراكيب مفردة أو تركيبا خاليا من إيقاع ملحوظ فضلا عما يواكب ذلك كله من الأدوات اللفظية والبنائية التي تحفل بما هو مدهش ومثير في مختلف مستوياتها ))(37) ومن هنا كان التميز أبرز سمة في أدب علي بن أبي طالب فكان النتاج الصادر عنه عليه السلام يعد أفضل نتاج خبره التاريخ (فنيا ودلاليا) وعندما يتقرر هذا الكلام فبالاعتماد على مقولة النبي الأكرم صاحب معجزة القرآن الكريم ، التي اتفقت عليها كتب التاريخ والسير والحديث وهي (( أنا مدينة العلم وعلي بابها ))(38) , وكلما أردنا الحديث عن ثقافة هذا الإمام وبلاغته كان الإيجاز والتلميح أكثر فائدة وأوفى غرضا .
القسم الثاني حول كتاب نهج البلاغة ((إضاءة تمهيدية))
لقد استطاعت لغة نهج البلاغة أن تضمن لنفسها مكانة مهمة في الاتجاه الذي عده بعض النقاد اتجاها ثانيا ينحصر فيه معنى الشعرية بوصفها مصدرا صناعيا، فبينما يمثل الاتجاه الأول فن الشعر وأصوله التي تتبع للوصول إلى شعر يدل على شاعرية ذات تميز وحضور ـ ويبدو منحسرا ومحدودا ـ يمثل الاتجاه الثاني الطاقة المتفجرة في الكلام المتميز بقدرته على الانحياز والتفرد وخلق حالة من التوتر ـ ويبدو أكثر اتساعا واستيعابا ـ وهو أسمى ما تفتش عنه الشعرية وتسعى إلى معرفة قوانينه(39) . وكون ( نهج البلاغة ) كتابا استثنائيا في مادته وفي مؤلفها وفيمن تعرضوا لها وفيما كتب عنهما ، قديما وحديثا ، وأن تدرس الشعرية في لغة نهج البلاغة لهو مما يستحق أو يستدعي استحقاقا إضافيا على مستوى الكتابة وإعادة قراءة نصوص الكتاب ومراجعة المتون النظرية للحديث عن الشعرية والكشف عن أسبابها وعن صور تجسدها في النصوص . ففي بلاغة مادة كتاب نهج البلاغة أو قيمته أنموذج رفيع للنص المتطابق الذي يجسد سلطة المبدع على نفسه ومن ثم ينطلق من تلك السلطة في رؤية العالم الآخر، الأبعد والأوسع(40) . ويبقى السؤال ملحا ... هل ما درس من تراث علي بن أبي طالب كان كافيا ؟ ولا أظن أن بالإمكان استحصال إجابة نهائية عن ذلك طالما (( لم تكن البلاغة لتفي بحاجات الدراسة الأدبية التي يقع على عاتقها إعطاء تفسير ينطوي على موضوعية ما للنص الأدبي ، ولم تتوفر النقود الانطباعية والحدسية على أية موضوعية في تناولها للنصوص ، فكانت الحاجة إلى تهيئة أرضية صالحة لمعالجة النصوص الأدبية ))(41) ولعل في هذه الدراسة ما يمكن أن يسهم في إضافة شيء إلى هذا الموضوع . ويمكن القول أن بالإمكان اعتبار نصوص نهج البلاغة مما يمكن أن يدرس على وفق الطريقتين اللتين هناك من يتصدى إلى التفريق بينهما ويرى ضرورة التمييز بينهما على صعيد دراسة النتاج الأدبي . أولى هاتين الطريقتين تنطلق من تصور أن الجوهر الفني مستتر في النص فتتركز عناية الدارس على القوانين الداخلية التي تحكم معمار النتاج الفني وهذا ما يتعلق بشكل أساسي بطبيعة هذه الدراسة ومشوارها في رصد الشعريات وإضاءة أبعادها . ولا يبتعد الأمر كثيرا بالنسبة للطريقة الثانية ، فهي تعني النظر إلى العمل كما لو كان جزءا من كل ، وكما لو كان تعبيرا عن ما هو أكثر أهمية من النص نفسه ، كشخصية المبدع ووجهته النفسية في العمل أو موقفه الاجتماعي أو السياسي ، والنص من هذه الجهة يعني الدارس لا من حيث ذاته بل بوصفه المادة التي يتوسل بها إلى النماذج المشار إليها . وقد حاول الدارس العناية بتفعيل هذه الطريقة في أكثر من موضع في مدخل الدراسة، ولاسيما في القسم المعني بتنظيرات الشعرية للتحول بعد ذلك إلى تفعيل الطريقة الأولى في فصول الدراسة العملية عند قراءة النصوص المختارة وتأويلها(42) . وبناء على ذلك فلن يكون التفريق بين الطريقتين وعزلهما عن بعضهما عنصرا أساسيا في آلية الدراسة ، بل على العكس من ذلك فكلا الطريقتين ضروري ملازم لعملية الكشف عن مستويات شعرية كتاب نهج البلاغة إلا إنه ليس من ركائز الدراسة العمل في ضوئهما معا فقد تكون الدراسة في القوانين الداخلية أو العامة للصياغة الإبداعية هي الأكثر ملازمة لهذه الدراسة في أثناء العملية التأويلية الجمالية وهي الطريقة أولا . وتأتي بعد ذلك الطريقة (ثانيا) لاستكمال الدراسة العملية بالنظرة السياقية إلى النص،وقد تقدمت على الطريقة الأولى حسب مقتضيات ترتيب فصول الدراسة وأقسامها . وفي كتاب نهج البلاغة وضمن النصوص التي وقع الاختيار عليها ترد ثنائيات من قبيل ( التصريح والتلميح ) أو ( الإيقاع والدلالة ) أو (الإيقاع والتركيب ) أو ( النادر والمشهور ) أو ( التقابل والتوازي ) أو (الغموض والوضوح ) وسوى ذلك مما سيتبين في أثناء الدراسة التحليلية كل بحسب موضعه في الدراسة مما تحمله أو تدل عليه أو تفتح طريقا باتجاهه ، النماذج الراقية والبناء العالي في كلام الكتاب . والنص في نهج البلاغة ((يتمتع بسلطة فائقة محكمة نادرة ، تحيل القارئ والسامع إلى أنموذج العلاقة بين الأفكار وبين تجسداتها في النص))(43) ، وتحقق الآصرة المتينة بين الجمالية والشعرية وتعزز انبثاق الأولى عن الثانية وتضمن الإفادة من نقاط الالتقاء بين الأسلوبية والشعرية مع الاحتفاظ بخصوصية كل منهما التي يبينها مدخل التنظيرات الشعرية في كلِ فصلٍ من هذه الدراسة . وإذا ما تعددت تفريعاتها وأقسامها وثنائياتها وقوانينها فلأن (الشعرية متنوعة بتنوع الأجناس الأدبية والفنية ومتنوعة بأنواع الجنس الواحد)(44). ولأن نهج البلاغة كتاب ينتمي إلى المكتبة القديمة ، وموضوعة الدراسة (الشعرية) تنتمي إلى المفكرة النقدية الحديثة ، فثمة مناطق تستدعى الإضاءة وربما الإفاضة في الحديث عن علاقة يرى الدارس أنها علاقة تكاملية بين القديم والحديث فلقد (( كان بعض الشعراء في العصور اللاحقة يتزيا بزي الماضين من شعراء الجاهلية توكيدا على الصلة الحية بين الحاضر والماضي))(45) . وليس غريبا أن تأتي التنظيرات الحديثة في العديد من حقول المعرفة والأدب ولاسيما نقديا ، مرتبطة بالقديم ارتباطا مفسرا أو مكملا ، مثلما ليس من قبيل المصادفة أن تكون (( أبرز محاولات الإحياء الثقافي في مجال الدراسات البلاغية والنقدية قد ارتبطت بعمل الجرجاني منذ بدأ محمد عبده دراساته ))(46) . والعلاقة المتينة بين الحداثة الغربية والعراقة العربية هي التي جعلت أدونيس لا يجد مفارقة في قوله : إن حداثة الغرب ( المتأخرة ) هي التي جعلته يكتشف حداثة العرب(المتقدمة )(47) ، وهذا الرأي يعزز قناعة الدراسة بهذه العلاقة وليس من أدنى شك أن التأمل في أسلوب تأليف مادة نهج البلاغة سيؤشر علامات كثيرة لن تدعي هذه الدراسة الإحاطة بها كلها مثلما لن ترضى بمغادرة أبرزها ، في مسعاه الجاد للإلمام بأكبر قدر منها في دراسة المستويات الجمالية التي تعزز ملامح شعرية مادة الكتاب . أما عن التراث الأدبي لصاحب النهج وهل جمع كله في كتاب نهج البلاغة فذلك مما لا يمكن الإجابة عنه بشكل قاطع ، ويبدو أن خطب الإمام ورسائله كانت كثيرة وما حفظ منها في مختلف المصادر وكتب التراث هو (أربعمائة ونيف وثمانون خطبة )(48) على الرغم من الرأي الذي يتبناه الجاحظ فهو يرى (( أن خطب علي كانت محفوظة مجلدة))(49)، وأما بالنسبة لتراث علي بن أبي طالب وهل تم جمعه كله في نهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي؟ ، فيرى المسعودي في مروجه أن هناك جماعة من العلماء والأدباء عكفوا على جمع كلام الإمام علي (عليه السلام) قبل أن يخلق الشريف الرضي، وقد ذهبت هذه المجموعات مع الزمن كما ذهب سواها من تراثنا العربي وبقيت أسماؤها(50) . (( ومن المؤسف أن تصل الخطب إلى أيدينا وهي معرضة للنقصان بسبب: أما من المعنيين بشؤون التدوين ( كما صنع الشريف الرضي ) حين انتخب مختارات من الخطبة وليس جميعها ، أو بسبب من نسيان الراوي ، أو بسبب من اقتصاره على موضع الشاهد أو بسبب ملابسات النسخ ))(51). إن الدارس من دون شك مع من يرى أن (( الشريف الرضي قد أفلح عندما أعطى لما جمعه ونمقه وأحصاه وأضفاه من كلام الإمام عنوان نهج البلاغة ))(52)، مع ضرورة الالفات إلى أن (( البلاغة الواردة فيه لا تمثل في جوهرها نهجا له بقدر ما تعكس بلاغة الروح العلوي ، فالكتاب هو بيان بلاغة الروح وحركيته الخالصة ))(53)، وهو وصف قد لا يبدو مقبولا ومناسبا إذا ما قرن بغير علي بن أبي طالب وبغير نهج البلاغة، وكيف لا؟. لقد وصل نهج البلاغة من مراتب الكمال حدا قيلت فيه قولة مشهورة ومتداولة في أنه كلام دون مستوى الخالق وفوق مستوى المخلوق باستثناء العظيم (( محمد )) صلى الله عليه وآله وسلم وهي إشارة أخرى على أهمية هذا الكتاب وخصوصيته ومكانته في العربية ((ولعل ذلك ما دفع شاعر العرب الأكبر الجواهري إلى القول بأن أديبا لم يدرس نهج البلاغة، لا يمكن أن يكون شاعرا ولا كاتبا أبدا))(54) ، لما يحفل به هذا النهج من كنوز اللغة وآثارها وصورها . ولعل من المناسب في هذا المقام إيراد هذه الوقفة مع المستشرق كرينكو الانكليزي أستاذ الآداب العربية في كلية عليكرة الهندية عندما اجتمع الأساتذة والأدباء حوله في حفلة وسألوه عن إعجاز القرآن فأجابهم : إن للقرآن أخا صغيرا يسمى نهج البلاغة فهل في إمكان أحد أن يأتي بمثل هذا الأخ الصغير حتى يسوغ لنا الدراسة عن الأخ الكبير ))(55) ، وربما من هنا انبثق الرأي الذي يرى أن ((مواضيع النهج متنوعة تماما كمواضيع القرآن، فقد تكلم الإمام (ع) عن الله وصفاته ، وعن النبوة واليوم الآخر ومنهجه في إثبات وجود الله تعالى عين منهج القرآن ، وهو الاعتماد على منطق الحس والعقل وما فيه من صنعة وقصد وحكمة وتدبير يشمل ويعم جميع الكائنات من الذرة إلى أعظم المجرات))(56) . ولا يفوت هذا القسم في مدخل دراستنا هذه أن يعرج على موضوعة أخذت مأخذا كافيا من قبل المعنيين والدارسين والمتتبعين وهي موضوعة نسبة نهج البلاغة إلى الإمام علي وصحة هذه النسبة ومصادر الكتاب ونسبة ما هو موضوع ومضاف على المتون الأصلية وزمن تأليف الكتاب وكيف وصل إلينا وما إلى ذلك مما حول كتاب نهج البلاغة من آراء وتداعيات . ولنا أن نعالج على وجه الإيجاز والإشارة أبرز ما قد تبدو أنها إشكاليات في هذا الصدد وهي (( أن ( نهج البلاغة ) هو من جمع الشريف الرضي ، وتأليفه وليس من جمع الإمام علي ( ع ) نعم ، هو من كلامه وليس من تأليفه كما يظن الكثير لدرجة أن البعض قد تساءل عن وجود ومكان نسخة الأصل التي بخط الإمام ( ع ) ))(57) وهذا ما يترجمه الشريف الرضي رحمه الله نفسه حين ((يذكر أحيانا مصدره في مادة النهج كالبيان والتبيين للجاحظ وتاريخ الطبري والجمل للواقدي وغيرها ))(58) وما يدعم ويؤيد هذا الطرح هو المصادر والكتب التي تمتد إلى أسبق من زمن الشريف الرضي فقد وجد الكلام الذي جمعه الشريف الرضي في نهج البلاغة (( في مصادر تاريخية قبل الشريف الرضي مثل (الكافي للشيخ الكليني ت (328 هـ ) والتوحيد للشيخ الصدوق ت ( 381 هـ ) وتحف العقول للحسن بن شعبة الحراني من علماء المائة الثالثة والعقد الفريد لابن عبد ربه ت (327 هـ) وتاريخ الطبري وغيرها مما يؤكد أنه ليس من وضع الشريف الرضي ، ولوثاقته وترفعه ))(59) . وبقي أن نقول إنه على الرغم من الآراء التي تقول بأن نهج البلاغة ((يتضمن الكثير من العبارات والتصورات والأحكام الموضوعة ))(60) إلا انه في المحصلة النهائية و (( على أي حال قد وصلنا محفوظا متسلسلا بالإجازة المنتهية إلى جامعه مما يؤكد النسبة والصدور ، فحفظ بذلك لنا ثروة فكرية كانت موزعة في بطون المصادر وانعش بها الفكر الإنساني ، بما فيها من اطروحات إصلاحية وتربوية ))(61) فضلا عن اكتنازها بالجمال، وقد تناول هذه الجنبة على وجه التفصيل ثلة من كبار العلماء منهم على سبيل المثال سماحة الشيخ المحقق العلامة محمد حسن آل ياسين رحمه الله في كتابه (نهج البلاغة لمن؟)، وتناوله أيضا محمد جواد مغنية في كتبه (علي والفلسفة) و(القول الفصل) و(فضائل الإمام علي)، وقد ((زعم زاعم أن نهج البلاغة للشريف الرضي لا للإمام وأبطل أهل التنقيب والتدقيق هذا الزعم بأدلة منها أن خطب النهج أكثرها مدونة في كتب الشيعة والسنة قبل أن يولد الشريف الرضي بسنوات))(62) ، وقد أوردنا هذه النتف اليسيرة من الآراء لعرض قناعة الدارس بها وميله إليها.
القسم الثالث مهاد تنظيري في الشعرية
ليست الشعرية مفهوما دارجا أو مصطلحا تألفه القواميس الأدبية التي تتناولها أوساطنا الثقافية بعامة والأدبية بخاصة وجزء من الأوساط الأكاديمية المتخصصة بعلوم العربية. نعم قد يكون هذا المصطلح أكثر رسوخا وانتشارا ووضوحا في الوسط النقدي لما يمنحه هذا الوسط من مساحة للانشغال به، ولادة ونشأة وتطورا واستقرارا ، إلا إنه يمكن القول وعن تجربة عملية أن كثيرين ومن بينهم أكاديميون وربما مختصون كما أسلفنا، ما زالوا يخلطون حتى يوم الناس هذا بين الشعر وبين الشعرية معتقدين أن الشعرية منحوتة من الشعر أو مشتقة منه حصرا، وليس لها علاقة بغيره من الأجناس الأدبية الأخر. وفي الوقت الذي هناك من يرى أن (( كلمة شعرية تتعلق بالأدب كله سواء أكان منظوما أم لا ، هناك آراء تمضي إلى ابعد من ذلك بأنها تكاد تكون متعلقة بأعمال نثرية حين يكون الرجوع إلى الشعرية بمعناها الاشتقاقي الذي يرى أنها اسم لكل ماله صلة بإبداع كتب أو تأليفها حيث تكون اللغة هي الجوهر والوسيلة في آن واحد))(63) ومع هذا الخلط، تمضي الدراسة إلى قراءة المستويات الجمالية عبر تحديد المستويات الشعرية الأبرز في أدب نهج البلاغة على قاعدة دراسة واستنتاج القوانين التي منحت اللغة في النصوص صفة الشعرية . والكشف عن شعرية النصوص وجمالياتها لا يتوقف على طبيعتها ومدى ما تحمله من قوانين وأسباب ولا يتوقف على الإمكانات والأدوات التي يمتلكها الدارس والمتقصي لتلك الشعرية والجماليات، وإنما يتسنى الحديث عن الشعرية من كليهما لحاجة كل منهما إلى الآخر، (( فالعمل الأدبي لا يعنى بالتحديدات الدقيقة بل يلجأ باستمرار إلى أسلوب وطرائق تمثل موضوعاته ))(64). ويبلغ هذا الأسلوب ذروته في نصوص نهج البلاغة الشعرية، حيث يعبر عن التفاصيل بإشارات تكاد تكون ابرز ملامح أسلوبية المؤلف. إلا إن أسلوب التعويض في العمل الأدبي ، لابد لكي تتحقق النظرية الشعرية في لغة النص، أن يقابله تعويض في عملية تلقي هذا النص، إذ ليس يسيرا الخوض في رحلة البحث عن قوانين الأدبية في لغة كلغة نهج البلاغة ولمبدع كعلي بن أبي طالب لما تمتاز به لغته من خصائص وسمات أسلوبية وبنائية، ما لم يفسح المجال كافيا لأن ((يأتي دور المتلقي بوساطة فعل الإدراك وآلية الفهم ليقوم بعمليات الرد والتعليق والتعويض وملء الفجوات))(65). ولا يفوت الدراسة أن تؤكد على أن (( الحديث عن اللغة الشعرية مسألة لا تخلو من تعقيد))(66) ، لما حولها وما يخصها أو يتعلق بها من رؤى وتداعيات وانعكاسات ربما تبين جزء كبير منها آنفا . ويبقى مسار رئيس في تفرعات رحلة هذه الدراسة لابد من اختياره كاتجاه يعتقد الدارس إنه الأقرب والأضمن للوصول إلى شعريات النصوص وهو المسار الجمالي الذي يلامس ذائقة المتلقي منذ الإطلالة الأولى للنص ويشي بوجود قوانين وأنظمة تحكم النص وتترك خيوطا تفصح عنها بالكشف والتقصي، فكثيرا ما يشار إلى الشعرية بالجمال والعكس صحيح أيضا . وإذا كان سؤال الشعرية المزمن هو ما الذي يجعل من النص أدبيا ومتميزا ومستحقا للقراءة والتأويل فأن (( الحكم الجمالي قائم على ماهية القيمة الفنية في الأثر الأدبي سواء أكان فرديا أم اجتماعيا موضوعيا))(67). فالقاسم المشترك إذن مما لا يحتاج إلى جهد وتأمل لاكتشافه . ولا تتفق الدراسة كثيرا مع من يعتقد بأنه (( يبقى بين الكاتب والقارئ سوء فهم دائمي حيث لا يفكر الكاتب إلا بالبقاء مخلصا لفكره من دون شبهة ولعالمه الداخلي ويرى القارئ فيه صانع كلمات ومتذوقا للجمال))(68) فكأن هذا المعنى يحاول وضع ما يعرقل خوض العملية التأويلية بإزاء النصوص المنتقاة ويوسع الهوة بين المبدع وبين المتلقي . وإذا ما أردنا اخذ الدرس الأكبر من النظرية الشعرية التي نحاول تطبيقها في دراستنا هذه فمن المناسب القول أن (( الملمح الملائم للشعرية هو الكثافة))(69). فمن هذه الكثافة تنبع وتتفرع جداول الشعرية والجمال في لغة نهج البلاغة ، وطالما كانت هذه الكثافة الشعرية سببا في اختيار النصوص التي اشتغلت هذه الدراسة على إضاءتها ، ما سوّغ للباحث أن يتناول بعض النصوص أكثر من مرة وفي أكثر من مستوى شعري واحد لقابليتها على استيعاب قراءات وتأويلات من أكثر من جهة واحدة . ومع هذا التداخل بين الشعرية والجمالية ومع أن كلا منهما سيعطي المعنى نفسه في فصول الدراسة القادمة ، يبقى (( من الصعب وضع مطابقة بين الجمالية والشعرية ، فالشعرية قادرة على أن تبرهن على وجودها من خلال عناصر تحققها بينما لا تستطيع أن تحدد الجمالية من خلال عناصرها غير القارة ))(70). ومع ما مر ذكره من خصائص شخصية علي بن أبي طالب التي تنعكس بالنتيجة على خصائص لغته وأدائه الكلامي فإن إمكانية دراسة نصوص نهج البلاغة بمعزل عن مؤلفها هي إحدى الخصائص الرئيسة في عملية الدراسة في مستويات شعرية نهج البلاغة وجمالياته طالما توفرت النصوص والمقاطع المدروسة على ما يؤهلها لأن تتمتع بمناطق تضج بالأسباب التي تجعل منها شعرية . وتجد الشعرية تجسداتها في أحايين كثيرة في المفردة الشعرية صوتا أو التراكيب أو المقاطع إذ (( كلما تعاظم شأن الأسلوب وقيمته ازدادت القوى الداخلية التي تنطوي عليها الكلمة المفردة ))(71) وما أكثر الكلمات المفردة التي تشكل سببا أساسيا للدخول إلى شعرية نص ما في كتاب نهج البلاغة ضمن منظومة الاختيارات التي ألفها الدارس، وهذه مزية إضافية . و(( ثمة معاينة شعرية وغير شعرية في موقف الإنسان من الوجود وثمة رؤيا ورؤية شعرية وثمة رؤيا ورؤية غير شعريتين وثمة لغة شعرية ولغة غير شعرية وثمة هواجس شعرية وغير شعرية ))(72) ومع هذا الانفتاح والتباين في مفاهيم الشعرية وعنواناتها كان خوض هذا الغمار. وإذا كانت هذه الدراسة ستنقسم إلى فصول ومباحث تدرس مستويات شعرية نهج البلاغة فإن ذلك لا يعني تجزئة الشعرية ولا يعني أيضا أن المستويات المدروسة عبر النصوص المختارة هي التي تزخر بالشعرية وحسب ، إذ إن منظومة العلاقات المتشابكة لا تقتصر على النصوص المدروسة وحدها بل إنها تكاد تكون سمة عامة في نصوص الكتاب كلها وهذا تعزيز جديد للهوية الشعرية في مقامها هذا ، فمن (( خصائص الرؤية الشعرية أنها تمتد عبر أعمال المبدع كلها فهي ليست دمعة أو قطرة من المطر بل نهر مترابط تنضفر أمواجه ويندغم بعضها ببعض ))(73) . ويبقى مقنعا التعريف الذي يرى بأن ((الشعرية هي علم الأسلوب الشعري، وهذا يفترض القران بين العام المتمثل بحدود النوع وارتساماته والخاص المتجسد بمهيمنات النص وعلاماته الفارقة ))(74) . وبإقرار النقاط التوافقية والأخذ بها أو بفرز مواضع الاختلاف تستكمل الدراسة في المستويات الشعرية وقراءتها لنصوص نهج البلاغة ، مشوارها تاركة ما يتعارض مع وجهة الدراسة ، آخذا كل ما يسهم في تعزيز العملية الدراسية وإسنادها في هذا الاتجاه . وقد لا يبدو ضروريا التعرض لكل ما يتعلق بالشعرية من تنظيرات ومن صلات وفوارق بينها وبين غيرها بوصف الدراسة معنية بالاشتغال على إضاءة شعرية النصوص التي امتلكت مزايا وملامح أهلتها لأن تكون موضع دراسة وبحث في الأصول والقوانين التي جعلت منها شعرية ، إلا انه يمكن القول إن ذلك لا يتعارض مع أصل موضوع الدراسة إذا لم يكن مكملا وسادا لبعض ما قد يتوفر من ثغرات في دائرة هذا الموضوع . إن اللغة الشعرية هي الغاية التي تسعى إليها وسائل الكشف عن أسرار أو قوانين هذه اللغة التي جعلت منها مختلفة جمالية لأن ((اللغة لا الوزن أو القافية هي ما يتجلى فيها أو خلالها شعرية النص ونبضه أو شرارته))(75) ، وعلى هذا الأساس كانت الدراسة في نصوص الكتاب المختارة بوصفها لغة شعرية تحمل هذا التوصيف .
ومن غير المناسب ونحن نتحدث في دائرة نهج البلاغة أن نمر مر الكرام على بلاغتنا القديمة أو نتجاوزها دون التوقف عند محطة العلاقة بين القديم والحديث بوصف الأخير يمثل امتدادا طبيعيا للأول . وإذا ما أجريت مقارنة بسيطة بين بعض المقولات القديمة وبين أخرى حديثة ، سيبدو واضحا وجه التقارب وحجم العلاقة بينهما بما يعزز الصلة الحية والامتداد الطبيعي بين أدب الماضي ومعرفته وثقافة ونظريات الحاضر. فهذا ياكبسون يعرف الشعرية بأنها ((ما يجعل من رسالة لفظية أثرا فنيا))(76)، ولاشك في أن من بين ما يجعل من رسالة ما أثرا فنيا وجماليا واضحا هو القانون أو الآلية والنظام الذي اتبعه مبدع النص لجعله شعريا بعد أن كان رسالة لفظية عادية،وهذا تودوروف في إحدى وقفاته بإزاء الشعرية يؤكد أنها ((لا تسعى إلى تسمية المعنى بل إلى معرفة القوانين التي تنتظم ولادة كل عمل))(77) ، ولعل ربطا واضحا يمكن الحديث عنه بين ما تقدم من آراء حديثة وبين رأي سبق بمئات السنين عبر الاراء الآتية فهذا حازم القرطاجي ( 684 هـ ) ((يبحث عن قانون أو رسم موضوع يمنح الشعر شعريته أو بالأحرى يجعل من النص اللغوي نصا شعريا))(78) والعلاقة بين هذا الكلام وبين سابقه لياكبسون مما لا يحتاج إلى تعليق كثير . (( وترد لفظة الشعرية عند ابن رشد بمعنى الأدوات التي توظف في الشعر فيشك فيمن يحصر الأدوات بالوزن ))(79) ، ويرى جان كوهين أن ((قانون اللغة العادية يعتمد على التجربة الخارجية في حين يعتمد قانون اللغة الشعرية على التجربة الباطنية ويختصر المشابهات ))(80) . ويرى أيضا أن (( اللغة الشعرية تحطم البنية القائمة على التقابل والتي تعمل داخلها الدلالة اللغوية .. إنها تطلق سراح المعنى من الصلات الداخلية التي تربطه بنقيضه ))(81) . وبالإمكان تلمس القواسم المشتركة بين هذا المعنى وبين المعنى الذي سبق إليه عبد القاهر الجرجاني في معرض حديثه عن اللغة المجازية التي يمكن أن نعدها نبض الشعرية ، ولا تنتهي هذه العلاقة بين القديم والحديث في فحوى الشعرية وأصل معناها . وإذا كان ثمة سؤال غير محدد يدور في فلك الدائرة الأسلوبية الشعرية أو يتعلق بالعثور على صيغة نهائية عن العلاقة بين ما هو أسلوبي وبين ما هو شعري ، فهو سؤال وارد جدا ومشروع جدا لوجود أوجه تشابه قد تبرر أمر اختلاط أو التباس المفهومين وبالتالي التفريق بينهما على وجه الدقة والتحديد ، وبناء على ذلك كان من المناسب للدراسة أن تتبنى وتقول بالآراء والآثار والتقسيمات الآتية : تعادل الطرفين إذ ( يعد مفهوم الانزياح معادلا لمفهوم الأسلوب في الدراسات الشعرية)(82) ، ومع تعادل هذين المفهومين في الدراسة التي يطرقها الدارس في هذا الموضوع إلا إن فرقا دقيقا بينهما من شأنه أن يرسخ ملامح كل من المفهومين بشكل اكبر ، فالشعرية (( تهدف إلى استخلاص القوانين العامة التي تنتظم في ضوئها النصوص المختلفة ، بينما تبحثُ الأسلوبية في الكشف عن القانون الخاص ))(83). وكثيرا ما يبدو أن الشعرية هي الأقرب من الجمالية في الوقت الذي لا تبدو فيه الأسلوبية كذلك ، فقد (( اتضحت الجمالية مؤخرا بوصفها اشتراطا لابد منه لنجاح أية شعرية ، لاسيما بعد أن أصبحت الشعرية مع بداية القرن الثامن عشر فرعا من فروع علم الجمال الفلسفي ، لاسيما في ألمانيا))(84) . والشعرية من المواضيع التي لم تتبلور بعد بصيغتها المستقرة ولم تأخذ كفايتها ممن نظروا لها وتعرضوا لأهميتها قياسا بالبلاغة القديمة على الأقل فقد ((ولدت الشعرية لتلفي نفسها مطالبة بالتضحية بكيانها في معبد المعرفة العامة))(85) ، وهي بعد من جهة المصطلح ما زالت تستوعب غير تسمية ، وتتحمل أكثر من عنوان إذ ((على الرغم من أن المترجمين والنقاد العرب القدامى قد مالوا إلى تعريب المصطلح تارة بـ(بويطيقا) ، أو ترجمته إلى (فن الشعر) تارة أخرى فإن الاستخدامات الاصطلاحية الحديثة له قد تنوعت وتشعبت الساحة النقدية بمرادفات أو مقابلات ترجمية مختلفة تجاوزت مصطلح الشعرية منها على سبيل المثال (الإنشائية) و(نظرية الأدب) و(الشاعرية) و(صناعة الأدب) وغيرها))(86) مما يؤكد سعة موضوعة (الشعرية) وثراءها ولا نهائيتها . أما بالنسبة للفارق بين الأسلوبية والشعرية ، الذي كثيرا ما يختلط عند القارئ وربما الدارس كما اتضح ذلك من خلال الأحاديث التي تداولها الدارس مع آخرين ، فيمكن التعليق عليه بأنه (( إذا كان هناك من يضارع بين الشعرية وبين الأسلوبية فان خلو نص ما من الانزياحات التي تشكل الأسلوب الشعري لا يعني خلو اللغة في هذا النص من الأسلوب ))(87) ، ومن زاوية أخرى فان (( الشعرية تتجاوز الموقف البلاغي لأنه موقف معياري يرسل الأحكام التقييمية وهذا اقرب إلى الأسلوبية كما يقول المسدي))(88)، وما دام (( تحليل الكلمة الشعرية أداة لفهم نشاط الأفكار وحركة المشاعر وتكوين الآراء وتطورها ))(89) ، فقد كانت الدراسة في ضوء ذلك تترتب عبر فصول تكونت من اختيارات الدارس واشتغالاته عليها.
القسم الرابع القراءة الخارجية ( المنهج والكتاب )
لا تقل القراءة الخارجية أهمية عن القراءات الأخر في توجيه عملية التحليل الشعري والكشف عن قوانين الشعرية وأصولها عبر مستوياتها البارزة؛ لما تقدمه القراءة الخارجية من خلفية معرفية وما توفره من مرجعية تسهم في إيجاد نقطة الانطلاق أو في مواصلة القراءة الشعرية لما هو داخل المتن القائم على اللغة الشعرية ، وتكتسب القراءة الخارجية أهميتها في الأساس من كونها تتعلق بالأطر العامة في التحليل وتعطي كثيرا من المسوغات التي تقف خلفه ، وبوصف القراءة الخارجية وسيلة الإيضاح الرئيسة في ما يتعلق بالكتاب فإنها ومن خلال ذلك تساعد في بلورة المنهج الذي تستند إليه الدراسة في إنتاج مادته التي تنزع نحو مناطق الجمال باطراد . ولاشك في أن (( تذوق النص غير معرفته ومعرفته غير تذوقه ))(90) والفرق بينهما بين ، فما تحتاجه المعرفة من امتلاك قاعدة في التاريخ والمعارف واللغة خلافا للمسألة الذوقية فهي اقرب إلى الحدسية أو الانطباعية أحيانا بوصفها مرحلة أولى يأتي بعدها دور التلقي الواعي لتوجيه عملية التذوق نحو أفق له مبرراته ، فيصبح مسوغا أن يعبر عن هاتين العمليتين بلغتين مختلفتين . ولا تقتصر العملية التأويلية في شعرية النصوص على المبدع دون السامع لأنه (( يفترض أن يكون المرسل والمتلقي في حالة عطاء وتقبل))(91) لكي تتوازن المعادلة الشعرية ، ومع ما ورد من تصنيفات عامة حو ل كتاب نهج البلاغة على وجه الإيجاز والهوية العامة ، يمكن على نحو أكثر تفصيلا أن (( نصنف هذا النتاج إلى أشكال متنوعة من التعبير الفني يمكن درجها ضمن ما يأتي : الخطبة ـ الرسالة ـ الخاطرة ـ المقالة ـ الدعاء ـ الزيارة ـ الحديث ـ المقابلة ـ المحاورة ـ الملاحظة ))(92) وبإزاء هذه الأجناس والصور المتعددة لأدب نهج البلاغة فأن من يتأمله منذ المرة الأولى يدرك أنه ((أمام صور وإيقاعات هائلة تحتشد بشكل مكثف ومنتظم حتى لا يكاد يخلو سطر من هذه الأدوات المدهشة، المثيرة، الطريفة ))(93) التي ينطوي عليها هذا النهج . ويرى الدارس في هذه الدراسة أن يغذ السير باتجاه العوالم الشعرية/ الجمالية في أدب علي بن أبي طالب لاكتشاف ما يمكن اكتشافه من قوانينها وأسبابها بالاستناد إلى عملية قراءة النصوص قراءة تأويلية والاستفادة من ذلك ما أمكن في ملء الفراغات التي تقترحها الدراسة بالاحتكام إلى ما توفره المصادر والمراجع من متون نظرية تفتح الطريق أمام الدارس لقطع رحلته في هذا المضمار . وقد اعتمدت آلية التأويل بشكل رئيس في أثناء الدراسة وفي عملية الكشف عن قوانين الشعرية بالاتكاء على النظرية التي ترى (( أن التأويل يسبق الشعرية ويليها في الآن نفسه ))(94) إذ ليس من الكافي (( ولا هو باستطاعة التحليل وحده أن يتقدم بدوره خطوة واحدة إلا باستعمال الأدوات التي يصطنعها المذهب ))(95) وهو ما لابد منه ونحن نتعرض إلى متن كتاب له خصوصيته وفرادته ولغته التي لا يختلف اثنان على اختلافها عن سواها وتميزها بما لا يقبل التردد . والكتابة عن شعرية نصوص نهج البلاغة هي الكتابة عن شعرية علي (عليه السلام) نفسه كما أسلفنا ولابد من الاعتراف مقدما بعدم الإحاطة بكل ما هو موجود من طاقة أو كثافة شعريتين في مكونات النصوص ، وهو أمر من الوارد جدا أن تتعرض له الشعرية وأصولها وقوانينها التي تسعى الدراسة للكشف عنها ، (( وأمام عجزها عن الإحاطة بالطارئ في النص يمكنها أن تجد استمراريتها في شرح النص الذي يثق بالجزئي الذي هو بذرة النص ))(96) لأن عملية الاستمرار في هذا الشرح من شأنها أن تعزز عملية التأويل التي تدخل في صلب دراسة الشعرّية . لقد (( وصل التركيز على النص الشعري واللغة الشعرية درجة بــاهرة خلال العقدين الماضيين فصار يستحيل على الدارس أن يتقصى كل ما ينتج في العالم في مجال دراسته ))(97) . ويمكن توصيف النصوص التي تناولتها الدراسة بأنها تنقسم إلى : ـ 1 . القسم الأول : ويتضمن العبارات الموجزة والجمل الموسومة بالكثافة ، مأخوذة من سياق عام في بداية او وسط او نهاية خطبة أو رسالة أو كلام. 2 . القسم الثاني : النصوص الطويلة غير المجزوءة وقد أختتمت بها مباحث الفصول الرئيسة الثلاث التي تتكون منها الدراسة تحت عنوان (( أنموذج تحليلي عام )) كالخطبة الشقشقية وخطبة الجهاد مثلا ، وقد حاولت الإلمام بأبرز الظواهر مجتمعة فيها بحسب طبيعة كل فصل . 3 . القسم الثالث : وتمثله نصوص قصيرة أطول من القسم الأول وأقصر من القسم الثاني إلا أنها بشكل عام لا يمكن أن توصف بأنها طويلة أو تفصيلية ، إلا بالقياس إلى القسم الأول ذي النصوص المبتسرة المكتظة بالطاقة الشعرية . وقد كان كلام نهج البلاغة (( يدور على أقطاب ثلاثة - أولها : الخطب والأوامر . - ثانيها : الكتب والرسائل - ثالثها : الحكم والمواعظ ))(98) ومن كل هذه التوصيفات أخذت الدراسة مادتها لتقسمها على المستويات الشعرية التي رسمت المعالم الرئيسة لهذه الدراسة . ولعل من المناسب القول قبل الدخول إلى تفاصيل الدراسة أنه على الرغم من أهمية الكتاب الذي تدور الدراسة حوله وما كتب عنه ، واحتفاظه لنفسه بالمرتبة الراقية إلا إن النظرة الأكاديمية من جهة ما ، من شأنها أن تعيد من جديد قراءة هذا المنجز الأدبي ذائع الصيت وتساعد على ديمومته تأويلا وتحليلا وتشخيصا ، لأن (( كثيرا من الكتب القديمة ما كانت لتستمر على البقاء لولا اهتمام الأكاديميين بها ، غير أن هذه حجة للإبقاء على الأكاديميين وليست اعترافا بأن هذه الكتب غير جيدة ، فمن البربرية أن نعتبرها كذلك ))(99) . وجدير بالذكر أن الدراسة لم تعتمد إجراء تصنيف لنصوص الكتاب على وفق الموضوعات التي تكوّن منها ، بل إنه اعتمد آلية الانتقاء في استخراج المادة التي يمكن الاشتغال عليها في دراسة المستويات الشعرية . كما لابد من الألفات إلى أن النصوص التي اعتمدها الدارس كانت من بين النصوص التي ليس هناك اختلاف حولها أي التي جاءت برواية الفريقين والنسخة التي اعتمدت في الدراسة هي التي بشرح الشيخ محمد عبده وتعليقه. ويمكن القول على وجه الإجمال ((إن نهج البلاغة يشتمل على نحو ثلاث مائة خطبة ومائة رسالة وخمسمائة حكمة))(100) مع عدم الجزم بحقيقة هذا العدد نهائيا. وأما اختيار النسخة التي هي بشرح الشيخ محمد عبده فلأسباب يعتقد الدارس بموضوعيتها من بينها أن هذه النسخة هي الأكثر رواجا وانتشارا في المكتبات العربية على الرغم من خصوصية واصداء وانتشار النسخة التي بشرح ابن أبي الحديد المعتزلي والتي ربما تختلف جذريا في بعض مواضع النهج عن نسخة الشيخ محمد عبده ، من حيث التفسير والتعليق والقراءة التاريخية ، فلم أشأ الخوض في بحر لجي سبر غماره أولئك الجهابذة الكبار والعظام الأفذاذ ، فكانت هذه النسخة والنصوص التي وردت في الدراسة تحديدا ، مما ثبت في النسخ كلها وجاء على وجه واحد . وما شجع الدارس على دراسة نهج البلاغة من جهة مستوياته الشعرية هو اعتقاده بعدم تناول هذا الكتاب من هذه الوجهة ، ربما لأن أغلب الدراسات المتعلقة بالشعرية تناولت نصوصا أو أجناسا ينتمي أغلبها إلى تاريخ الإبداع المعاصر أو الحديث وكذلك ندرة الاحتفاء بموضوعة الشعرية وبالكتاب نفسه ، إذ (( على الرغم من التناول الذي اكتنف موضوع الشعرية في الدرس النقدي المعاصـر إلا إن الناظر في هذه الكثرة لا يجد للشعرية العربية مكانا يحتفي بخصوصيتها ))(101) . ولابد من الإشارة إلى ما اكتنفته عملية انتقاء النصوص موضع الدراسة من صعوبة وعسر في التمييز بينها لأسباب عدة من بينها سعة مادة الكتاب، وتنوعها وامتلاكها مستويات متقاربة من النضج الفني والأداء الجمالي العالي ما يجعل من العسير الانتقاء منها وترجيح بعضها على الآخر بوصفها شبكة متجانسة من مستويات تعبيرية تمتلك خصوصية تتناسب مع طبيعة الحدث والموقف أو المناسبة التي يكون الكلام بصددها ، وليس من اليسير الزعم بأن قراءة نصوص الدراسة جماليا كانت كافية ومؤدية الغرض النقدي ، لأن ((النص ينطق أحيانا فيسكتنا ووجوده يغني عن إشارة ويثري إحساسا ويلفنا بدوامة سحر آسر ، إيراده حكم نقدي فلا ننطق عنه))(102) . وورد حديث عن العلاقة المتصلة بين البلاغة القديمة وبين النقودات الحداثية والمناهج الغربية بما يمكن وصفه بالبلاغة الحديثة ، بما له صلة وطيدة بالآليات والأدوات التي اشتغل الدارس عليها ، فلم تكن هناك مغادرة مطلقة للاستعانة بالأساليب البلاغية القديمة واستثمارها مما يعزز الرؤية الشعرية من خلال ربطها بالمصطلحات التي أنتجتها المدارس الحديثة . ولا تفوت الإشارة أيضا إلى أن الدارس قد استعمل في مواضع مختلفة مجموعة من الكلمات التي تؤدي غرضا واحدا في معرض حضور الذات المبدعة لكتاب نهج البلاغة من قبيل ( أمير المؤمنين ، وعلي بن أبي طالب، كرم الله وجهه ، أو عليه السلام ، أو رضي الله عنه ، والإمام علي، والإمام ، وربما الخليفة الرابع ، أو المبدع ، أو الباث ، أو صاحب النص ، أو الخطيب ، أو المؤلف وسوى ذلك) لسببين : ـ الأول : وهو عدم وجود تعارض منهجي في إيراد أي من هذه التوصيفات التي اكتسبت هويتها من التداول التاريخي والثقافي والمعرفي . الثاني : محاولة إضفاء شيء من التنوع لكسر الرتابة والجمود الذي ربما يطفو على سطح الدراسة من جراء تكرار استعمال تعبير واحد . وبقي منقدحا في الذهن على امتداد خط الدراسة ، هاجس العلاقة بين القـديم والحديث ، بين البلاغة التقليدية بوصفها الأساس الأول وبين الحـداثة النقــدية بوصفها الامتداد الطبيعي المكمل للأولى . ومن الممكن القول أن في نصوص الكتاب ما ليس قليلا مما لم تسلط عليه أضواء الدرس النقدي الحديث أو مما لم يعط من القراءات النقدية ما يتناسب والقيمة التي تحرزها لغة المؤلف وأسلوبه . ولا ينبغي أبدا نسيان ما كتب وما قدم وما بُحث في نهج البلاغة من لدن قدامى ومحدثين في مؤلفات وفي رسائل وأطروحات وبحوث عالجت ما عالجته في مادة كتاب نهج البلاغة تاركة الباب مشرعا بوجه من يتوخى الدخول إلى مدينة الشعرية في عوالمها الجمالية المتداخلة في نصوص نهج البلاغة على اختلافها . ولعل من النافع القول ((إن ارتكاز المؤلف على أصول البلاغة والنحو والإفادة منها في معالجة ظواهر النص ومزجها بمعطيات المعرفة وفروعها الحديثة الأخرى يمكن أن يدفعنا إلى إعادة النظر في كثير من الكنوز المهملة في تراثنا البلاغي والنحوي ، التي يجب أن تكون عنصرا أساسيا في ثقافة الناقد المعاصر الذي ينبغي عليه بدوره أن يقودها إلى التمازج مع فروع المعرفة الأخرى من اجل إضاءة أفضل للنص))(103) إذ من شأن هذا التمازج الذي يوفر إضاءة مضاعفة للنص أن يؤكد استمرارية العلاقة بين القراءة الجديدة للنص القديم وبين الكشف عن مستويات الجمال وطاقات الشعرية في نصوص نهج البلاغة على وفق التنظيرات الحديثة . لقد ظلت فكرة التمييز بين الشعري واللاشعري هاجسا ملحا على امتداد زمن قراءة نصوص نهج البلاغة قبل الاستقرار على المجموعة التي انتقيت مادة أساسية في الدراسة في مستويات جمالية/ شعرية مختلفة في كتاب نهج البلاغة. والفرق بين الشعري واللاشعري موضوع طالما شغل المعنيين باعتماد ((وعي التمايز بين الشعري واللاشعري كشرط ضروري لتطوير منهج العمل))(104) لوضع النقاط على الحروف وتحديد المنطقة التي تضج بشعرية ما، وقراءة أسبابها ، وغالبا ما يرتبط وعي هذا التمايز بالإحساس الذي ينبعث بشعـرية نص ما منذ اللحظة الأولى لتلقيه واستقباله . لعل العنصر الأول الذي يستند إليه الدارس في اختيار نصوص نهج البلاغة هو الانتقاء القائم على تذوق هذه النصوص بالتعويل على تحسس جمالياتها عبر مجسات الجمال التي كوّنت ذائقة الدارس عبر مطالعة النصوص المدروسة أو مراجعتها على وفق نظرية الشعرية ،فتكونت رؤية تنهل من مخزون الوعي الجمالي الذي تجمع في ذاكرة التلقي . وكان اختيار النص أو التفكير باختياره ينبثق منذ اللحظة الأولى وينبعث قبل الخوض في تفاصيل الكشف عن الأسباب التي سوغت له أن يكون جماليا منذ اللحظة الأولى ، مع الاعتراف بأن (( الحكم بالجمال عن نص معين هو حكم حدسي وبدئي وإن الدراسة التي تكشف عن شعرية نص معين لا يمكنها أن تكشف عن سر جماليته نظرا لاستحالة المطابقة بينهما))(105) . ومع هذا التأرجح بين الشعرية وبين الأسلوبية مرة وبين الشعرية وبين الجمالية مرة أخرى، تحاول الدراسة أن تتوخى طريقا يضمن لها التركيز على شعرية النصوص التي اختارها بالاستفادة والأخذ من هذا المتن النظري أو ذاك ، بما يخدم عملية اكتشاف أنظمة الشعرية وقوانينها ويطورها طالما أن اللغة الشعرية نفسها(( تعيد دائما إحياء موقف الإنسان من اللغة ومن علاقة اللغة بالواقع ))(106) ما يتيح لهذا الإنسان أن يعيد إنتاج معرفته عبر الآلية التي تقترحها طبيعة النصوص ، تأويلا أو تفكيكا أو تطبيقا عمليا على المتون النظرية ذات الصلة بأصل الدراسة . ويبقى التعامل مع النصوص المختارة رهنا بمدى اقترابها من قرارة نفس المتلقي الذي سيقرؤها قراءة يستطيع في خلالها التفاعل مع المادة التي قرأها وتأشير درجة الشعرية التي تتسم بها مع الأخذ بالحسبان أن ((لجمال الأسلوب ووضوحه شأنا كبيرا في تأثيره ووصوله إلى قرارة النفوس))(107) ، وليس المقصود من الوضوح ما قد يفهم بطريقة سطحية على أنه البساطة أو السهولة أو المباشرة، بقدر ما يقصد منه من وضوح في الآلية واستخدام الأدوات الفنية ، وفي المنافذ التي يمكن الوصول عبرها إلى نقطة النظام . ولعل من المناسب في مقدمة هذه الدراسة أن نتذكر التمييز بين الأدب والدراسة الأدبية لكي يحتفظ كل منهما بخصوصيته وقيمته الأدبية فهما ((فعاليتان متمايزتان إحداهما خلاقة ، فن ، والأخرى إذا لم تكن بالضبط علما فهي ضرب من المعرفة والتحصيل ))(108) . وبوجه عام فإن ((الرأي في الحقول الإنسانية يقوم على أساس التفهم ولا يخضع بالضرورة إلى الاختبار فهو يخضع للتفاعل الحيوي بين الذاتي والموضوعي))(109) اللذين يواكبان العملية التأويلية بنسبة معينة مهما كان الإصرار على محاولة إقصاء الأول أو جعل الثاني مهيمنا . وبقي أن نقول إن ((مجيء الشعرية طرح من جديد المسألة المحتومة : قيمة العمل ،وما أن نسعى مستلهمين مقولاتها لوصف بنية عمل معين وصفا دقيقا، حتى نواجه الاحتراز نفسه المتعلق بإمكانية تفسير الجمال))(110) وأية إمكانية تلك التي تستوعب لغة نهج البلاغة؟.
هوامش مدخل الدراسة
(1) من باب الطرافة إيراد هذا التعبير فقد ورد في النهج أصلا وأشير إليه في موضعه كما سيتبين لاحقا . (2) الأسس الجمالية في النقد العربي ، عز الدين إسماعيل : 221 . * ) الجرجاني هو عبد القاهر الجرجاني صاحب كتابي (دلائل الاعجاز وأسرار البلاغة) وليس الشريف الجرجاني صاحب التعريفات . * افرام البستاني هو استاذ الآداب في كلية القديس يوسف ببيروت وصاحب الكتاب الشهير (علي بن أبي طالب) .
(1) الشعرية العربية، ادونيس : 81 . (2) في حداثة النص الشعري ، د . علي جعفر العلاق : 113 . (3) قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا ، سوزان بيرنار : 213 . (4) ينظر : المصدر نفسه : 213 . (5) جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع ،أحمد الهاشمي : 29 . (6) نهج البلاغة : 4/104 . (7) نهج البلاغة ، د . صبحي الصالح : 5 . (8) سلطة الحق ، علي بن أبي طالب ، عزيز السيد جاسم : 11 . (9) أدب الشريعة الإسلامية ، محمود البستاني : 137 . (10) نظرية الأدب ، رينيه ويليك ، واوستن وارين : 42 . (11) نهج البلاغة / مقدمة الشريف الرضي ، د . صبحي الصالح : 4 . (12) ينظر : رسائل البلغاء ، محمد كرد علي : 12 . (13) مفاهيم الشعرية ، حسن ناظم : 8 . (14) في بلاغة الخطاب الاقناعي ، محمد العمري : 87 . (15) ينظر : الصورة الشعرية ، سي دي لويس : 168 . (16) نهج البلاغة ، شرح محمد عبدة : 2/191. (17) ينظر : نظرية الأدب : 23 . (18) سلطة الحق : 10 . (19) نهج البلاغة : 1/49 . (20) رماد الشعر ، عبد الكريم راضي جعفر : 124 . (21) مفاهيم الشعرية: 38 . (22) سلطة الحق : 291 . (23) مجلة الطليعة الأدبية ، نظرية الإنزياح ، د. عباس رشيد الدرة ، العدد 1 ، سنة 1999 : 107 . (24) سلطة الحق : 10 . (25) نظرية الأدب : 224 . (26) اللغة الثانية ، فاضل ثامر : 135 . (27) المصدر نفسه : 40 . (28) ينظر : روائع الحكم في أشعار الإمام علي ، عبود احمد الخزرجي : 6 و 7 . (29) القول لعبد الله بن عباس ، روائع الحكم في أشعار الإمام علي : 10 . (30) البيان والتبيين ، الجاحظ : 1/67 . (31) ينظر غريب نهج البلاغة ، عبد الكريم حسين ، أطروحة دكتوراه : 74 . (32) ينظر : الراعي والرعية ، توفيق الفكيكي : 32 – 33 . (33) شاعر أديب ولد في صيدا ، له تعليق على شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبدة ، الاعلام للزركلي : 8/67 (34) تحت راية الحق ، عبد الله السبيتي : 45 . (35) في ظلال نهج البلاغة ، محاولة لفهم جديد ، محمد جواد مغنية : 1/9 . (36) سلطة الحق : 45 . (37) أدب الشريعة الإسلامية: 37 . (38) ينظر : المصدر نفسه : 135 . (39) ينظر:مفاهيم الشعرية :16، والذي أشار إلى هذين الاتجاهين أحمد مطلوب . (40) ينظر : سلطة الحق : 285 . (41) مفاهيم الشعرية : 5 . (42) ينظر : تحليل الخطاب الشعري ، استراتيجية التناص ، د. محمد مفتاح : 40 . (43) ينظر : سلطة الحق : 285 . (44) مفاهيم الشعرية : 5 . (45) الشعرية العربية : 9 . (46) في الشعرية ، كمال أبو ديب : 8 . (47) ينظر : الشعرية العربية : 87 . (48) مروج الذهب ، المسعودي 2/431 . (49) البيان والتبيين : 1/83 . (50) ينظر : مروج الذهب : 2/431 كتاب الدعاء عند الإمام . (51) أدب الشريعة الإسلامية : 142 . (52) الإمام علي القوة والمثال ، ميثم الجنابي : 8 . (53) المصدر نفسه . (54) ينظر : لغة الشعر بين جيلين ، إبراهيم السامرائي : 121 . (55) ينظر : المعجزة الخالدة ، السيد هبة الدين الشهرستاني : 29 – 30 . (56) في ظلال نهج البلاغة : /9 . (57) أخلاق الإمام علي ، محمد صادق الخرسان : 18 . (58) المصدر نفسه : 19 . (59) المصدر نفسه : 20 . (60) الإمام علي القوة والمثال : 129 . (61) أخلاق الإمام علي : 20 . (62) في ظلال نهج البلاغة : 8 . (63) ينظر : الشعرية ، تودوروف : 23 ، وهذا المعنى طرحه فاليري . (64) نظرية التلقي ، د . بشرى موسى : 26 . (65) نظرية التلقي : 26 . (66) مجلة الأقلام ، سؤال اللغة ومغامرة التحديث ، د. خالد الغريبي ، العدد الأول : 5 . (67) التحليل النقدي والجمالي للأدب ، د . عناد غزوان : 38 . (68) قصيدة النثر : 232 . (69) اللغة العليا ، جان كوهين : 282 . (70) مفاهيم الشعرية : 42 . (71) الأفكار والأسلوب ، تشيتشرين ، ت حياة شرارة : 54 . (72) في الشعرية : 110 . (73) في حداثة النص الشعري ، د. علي جعفر العلاق : 21 . (74) المرآة والنافذة ، د . بشرى موسى : 6 . (75) في حداثة النص الشعري : 112 . (76) قضايا الشعرية ، رومان ياكبسون : 19 . (77) الشعرية : 23 . (78) مفاهيم الشعرية : 13 . (79) المصدر نفسه : 13 . (80) بنية اللغة الشعرية ، جان كوهين : 202 . (81) اللغة العليا : 133 . (82) المرآة والنافذة : 12 . (83) المرأة والنافذة: 16 . (84) مفاهيم الشعرية : 41 . (85) مفهومات في بنية النص ، د . وائل بركات : 61 . (86) جريدة الثورة ، المفكرة النقدية في الشعرية ، د. بشرى موسى ، 5/12/2002 . (87) المرآة والنافذة : 13 . (88) اللغة الثانية : 104 . (89) الأفكار والأسلوب : 19 . (90) بنية اللغة الشعرية : 25 . (91) في بلاغة الخطاب الإقناعي ، محمد العمري : 87 . (92) أدب الشريعة الإسلامية : 137 . (93) المصدر نفسه : 147 . (94) في الشعرية : 24 . (95) المصدر نفسه : 24 . (96) مفهومات في بنية النص : 60 . (97) في الشعرية : 8 . (98) نهج البلاغة ، د. صبحي الصالح : 4 . (99) تعريف الأدب ومقالات أخرى ، دبليو روبنسون : 31 . (100) ينظر : سلطة الحق : 288 . (101) مقومات عمود الشعر ، د . رحمن غركان : 11 . (102) المنفى والملكوت ، د. جلال الخياط : 5 . (103) اللغة العليا : 7 . (104) ينظر : في الشعرية : 17 . (105) مفاهيم الشعرية : 47 . (106) في الشعرية : 74 . (107) جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع : 32 . (108) نظرية الأدب : 11 . (109) اتجاهات الشعرية الحديثة ، يوسف اسكندر : 202 . (110) الشعرية : 80 .
|