|
Iraqi Electronic Library المكتبة الألكترونية |
روايــة مذكّرات سجّان بعد خراب البصرة .. |
|
جاسم المطير |
|
(( مرت أيام كثيرة ليس فيها هدوء . تحيط بالمدينة صعوبات الحياة ومشاكلها مثلما تحيط بالناس أجمعين . الرياح تستقدم معها الكثير من أنماط المشاكل المحيطة بالحكومة والشعب معاً . الفقر يزداد والموت يزداد وأموال الأغنياء تزداد . وزراء يتدافعون مع وزراء كي يحتلوا الصفوف الأولى .. أحزاب تنافس أحزاباً من اجل الصفوف الحزبية الأولى .. عمال مصانع يحركون أذرعهم بوجه مالكيها الحكوميين أو البورجوازيين .. فلاحون في أرياف ميتة يجهرون بأصواتهم إنهم أحياء .. شوارع كثيرة تمسها أقدام متظاهرين .. كان الناس قبل بضع سنوات قد أحاطوا بالقادم الجديد إلى السلطة بعد أن سقط الملك . كان الثوار العسكريون يعتقدون أنهم يتمكنون أن يتجولوا دبّابين في الشوارع ومعسكرات الجيش تحت أشعة الشمس في شهر تموز وأنهم سيجتازون عتبة الفقر في البلاد من دون أن يحسدهم أحد ومن دون أن يغار منهم جمال عبد الناصر ومن دون أن يقرأ الشعراء قصائد الهجاء بوجوههم. لم يتحقق لهم ما أرادوا ولم يحققوا للناس ما يريدون لذلك ما جفت الدموع لا من عيون النساء ولا من عيون الرجال . صار كل كلامهم منسي والخير الموعود كان سطرا من كلام مكتوب بالحبر الجاف على ظهر ورقة لا يمكن لأحد أن يقرأ ما فيها أو يفهم ما يقرأ منها . ظل الناس هكذا تطاردهم أشباح منذ ساعة لعلعة الرصاص في قصر الملك حتى ساعة الفاجعة في وزارة الدفاع حين شاهد الناس واجمين زعيم الثورة يوافق على الاستسلام متجها بدبابة أيضاً إلى قبره .. كيف تتغير ملابس عسكر الخاكي إلى أكفان مطروحة على ارض في أستوديو تلفزيون الحكومة . منها صار الخوف مالا وصار المال خوفا حتى غدا السوط ، بالمال والخوف ، سيد الزمان والمكان في أرض الرافدين . خراب البصرة أغنية أخيرة خالدة مثل الغيوم في السماء ومثل الموج في البحار ومثل صهيل الجياد ..))
( من مذكرات بطلة الرواية )
من الصعب جداً أن أغمض جفني في كل ليلة من دون محاورة قصيرة أو طويلة مع نفسي . لا أدري لماذا أجد نفسي تأتي بأفكار عظيمة عن مختلف نواحي حياتي حين كنت مالكا القدرة على حبس بعض الناس وإطلاق سراحهم أو رفع بعض معنوياتهم أو نشر روح الهزيمة بين صفوفهم .. معارك كثيرة خضتها بنتيجة تتراوح بين هزيمتي وانتصار آخرين أو بين هزيمة آخرين وانتصار قوة يدي . لا أدري من هو عدوي في تلك المعارك ومن هو صديقي أو حليفي . لم أكن متغطرسا ، تنفيذا لوصايا أبي ، لكن نياشين أحملها على صدري وعلى كتفي كانت تبدو بنظر الجميع علامات غطرسة . لا يعيش في أوردتي وشراييني دم الظلم . لكن لا يوجد أحد من الشعب أو من الحكومة لا يعتقد أن مجرد ارتداء ملابس شرطي أو ضابط شرطة هو عين الظلم . هذا جعلني طيلة سنوات خدمتي أستعيد نفس السؤال : من أنا ..؟ ربما تقتلني رصاصة من معدان يجولون هاربين خائفين في مستنقعات القرنة.. ربما أموت خلال مطاردة مهربين في صحراء الزبير يضعون مواد غير ممنوعة أو ممنوعة على ظهور سياراتهم أو بعيرهم غير مدفوعة الرسم للحكومة . ربما أموت بلسعة عقرب في مركز شرطة البادية في قضاء نقرة السلمان . أين ما أدير وجهي في شمال الوطن أو جنوبه ينتابني قلق أو خوف أو شعور بدنو الموت . حين يأتيني شيء من الهدوء أحدّق خلاله بوجوه بعض الأصدقاء يمطروني بمحبة أو فرح فأجدهم ينظرون لعيني بعيون خائفة يبحثون فيها عن أمان لهم أو لمصالحهم المشروعة وغير المشروعة . حين أحدّق بوجوه السجناء أجد فيها اعتقادا بأن الكون كله سجن وأن الناس كلهم سجناء وإلاّ ما هو سبب وجودي بينهم . يمطرني السؤال البغيض : هل أنا سجان .. هل أنا حامي الظلم في القرية أو المدينة أو العالم .. مشاعر عديدة متناقضة تنوح في أعماقي لا أحزر ما إذا كانت عقول الناس تدرك أن الشرطي لا يقوى بالحكومة ولا الحكومة تقوى به .. إنهما معا متشابكي الأيدي لكن في دائرة غير متحدة . كنت أدعو الله كل صباح أن ينجيني من شر الحكومة .. أسمع في داخلي نداءات الحكام يدعون الله أن ينجيهم من شر الناس..
** عادت ذكريات ليالٍ مضى أخرها قبل شهرين. ألفتُ مصاحبتها حارساً للغرفة المظلمة الحافلة بالدموع أحيانا، بالبسمات الحزينة أحيانا أخرى. كثير من الناس يختزنون فيها أنواعا من الآمال.. كل ليلة من ليال قضاها السجين أو السجان في مركز الشرطة لا يستأذنهما الظلم في التصرف بساعاتها أو أيامها أو سنواتها ، تجعل الموجود في غرفها يرى نفسه كفقاعة يمكن أن تنفجر في أية لحظة فهي في ساعاتها لا ترى الأضواء ولا ترى المطر ولا ترى الشرفات ولا ترى جسرا يربط بين ضفتي نهر. وحشة وخواء وريح تعو بين الأضلاع .. جدران مستورة بظلام كثيف يحمي الغد من انكشاف أمره . رعب أجساد الجدران المقفولة بالقضبان وأجساد السجناء متأهبة لاستقبال نباح سياط الجلادين . في حالات الهدوء تكون أبواب العمود الفقري للسجين والسجان منتفخة وأعصابهما متوترة من رطوبة المحيط كله . لم يعد متسع من المكان في الغرف المظلمة فالحشد كبير دائماً.. يكبر الحشد كل يوم .. يتعثر فيه السجناء بين جدران ترسم فيها مصيرهم إلى هلاك . لا يوجد صبح يتنفس في مركز شرطة من دون أن يكون الليل قد شهد زفاف سكير أو دائن أو مدين أو سارق أو موزع منشورات أو عضو خلية حزبية أغرق نفسه بعداوة الحكومة أو من نزح من بركة الأخلاق الوسخة متجاوزا على بكارة فتاة أو على براءة طفل أو من يحب أن يجثو على ركبتيه أمام شرطي يضع قيودا في يديه أو يفك قيودا منهما . الغرفة قريبة من نهر الخندك مهيئا نفسه في كل وقت لاستقبال الاشنات والقاذورات ، ينتهي بنهاية الشارع الرئيسي المحاذي للنهر الهادئ. فيها يصيح الناس ، على مدار الساعة ، أغثنا يا رب العالمين .. الإنسان الوحيد المكروه أمام قضبان غرف حصر الناس هو حارسها ، ضابطها ، كاتبها ، أو القائم بمهمة الإدعاء العام لحماية عدالة الله في السماء وقانون القاضي في الأرض . لا ادري لماذا تستعبدني حكايات رعب عشت معها أكثر من خمسة وثلاثين عاما بعنف وقوة كنت فيها أجرب أنصاف الخطوات في كل شيء بكآبة أشعر ثقلها على وجهي وعلى وجه كل من أشاهده من الناس والحكومة . تداولني الناس كصانع لها. أشعر بتداولها مع نفسي كأنني في ظلمة موحشة تحرك مفاصلي باستكانة.. يأتيني فرضها عليّ أو على أزقة وبيوت يقطنها الناس مستكينين مثلي أو غير مستكينين مندفعين بصعوبة نحو وحشة مسكونة بحركة يظنوها وسيلة لتفرج كربة كل واحد منهم من الذين يعيشون كما لو كانت حياتهم سمكة مقلية بالزيت الحار يشيع منها دفء خادع مميت .. في أول الشارع مبنى الضريبة ودائرة الكَمارك، وعلى ضفة النهر اليسرى تنتصب مباني شركات أجنبية أكثرها إنكليزية تعمل في المدينة بشتى الأعمال. في وسط المباني ، مباشرة على النهر تنتصب ساعة كبيرة، جميلة، بارتفاع عشرين متراً، تدق أجراسها بتناغم مثير، مرة واحدة كل ثلاثين دقيقة، معلنة حركة زمن متعب ينقضي من أعمـّار الناس ومن عمر المدينة. حين تدق يحس الناس في مدينة العشّار كأن ضوءاً شع في الأفق منقذا إياهم من لحظات القرف، والغضب، والاختناق، ومنبهة الناس إلى حركة مدينة صغيرة نشطة يتكون قلبها من سوق كبير يسمى سوق الهنود، محاط بجوامع وحسينيات من كل أنحائه. يسمونه بهذا الاسم لوجود عدد من المقيمين الهنود يتاجرون فيه، ومن عراقيين يتاجرون بسلع هندية يستوردها هنود أو يستوردها تجار المدينة الكبار أيضا ، خاصة التوابل، والعنبة الطازجة والمصنوعة، والبخور، وتمر الهند، والأقمشة. من هذا السوق تتفرع أزقة عديدة. بعضها ضيق جداً وبعضها الآخر عريض، فيها مراكز بيع الفواكه، والمخضرات، والقهوة البرازيلية ، والشاي السيلاني، والسكر الفرنسي، والقند الإيراني، والمنسوجات الإنكليزية . يوجد، إلى جانب ذلك كله، بعض المنتجات المحلية المألوفة مثل التمر، والليف، والخريطة والجبن الأبيض المضفر بأيدي صبايا مدينة الهارثة على ضفاف الهور... تحيط بالسوق وفروعه وشطآن أنهره، مناطق واسعة من بساتين نخيل ممتدة، تنتشر حواليها أكواخ بائسة تقترب من الشط الرئيسي، وتبتعد عن الأنهر الفرعية حيث المراكب الصغيرة تلهث وراء حركة شحن وتفريغ البضائع. تحمل قسمات مميزة حسب رغبتها في البحث عن سوق داخلي، أو عن بورصات خارجية، عبر البحار. تبدو أنهار المدينة متعبة. في أعماقها، بل من أعماقها بتصبب عرق الصيادين والحمالين، والحالمين بالخبز. آلات عملاقة، زاهية، مختلفة الأشكال، والأحجام، والأغراض، يعمل بها، وتحتها، وفوقها رجال نصف أحياء، نصف أموات، كي يهيئوا لهم ولعائلاتهم شيئاً من غذاء ودواء.
قضى عبد الهادي معظم حياته في حوار مع نفسه . حوار سري بل شديد السرية منذ أن وضعوا على كتفيه باحتفال مهيب نجمتين لامعتين حتى انتهى عمله مودعين إياه حاملاً على كتفيه تاجين ونجمتين بلا احتفال مهيب معوضين عنه بكتاب من الدولة مكتوب في أعلاه : أمر إحالة إلى التقاعد . في كثير من الحالات والأحيان أشتط حواره هنا وهناك وتباينت آراؤه بين هذا الموقف أو ذاك. .. ظل عاجزا في كل سنوات خدمته عن دمج سلوكه مع تفكيره وعاداته وأخلاقه ووصية والده له قبل أن يموت: لا تنصر خسيسا يا عبد الهادي. ما كانت هذه الوصية غير كابوس ثقيل لم يتخلص عمله كله من نتائجه. لا يوجد خسيس في الدنيا أكثر خسة من الدولة ومن موظفيها الكبار. لا يوجد إنسان يجد نفسه قزما أو قردا غير موظف الدولة يؤدي واجباته الكبيرة مقابل حقوق تتكرر على ورقة راتب شهري ، وتعاد أخيرا كل رأس شهر بنوع جديد من الذل أسمه معاش التقاعد يذكّر المتقاعد بأجزاء عموده الفقري المتآكلة بالمرض أو الانحناء . أه يا عبد الهادي كيف يمكن تنفيذ وصية المرحوم الوالد وأنت دخلت الدولة الخسيسة من بابها الأوسع .. بقيت تصب عرق جسمك على جدرانها مختلطا مع بخار الماء في أجواء مدينتك المنكوبة بالحر اللهب في معظم أيام السنة . تقف يوميا مطيعا تعيد عشرات المرات أمام رئيسك المتجهم : - نعم سيدي .. تمرّ بعدها في داخلك حالة صمت ثقيلة هائلة تلغي من على وجهك كل ابتسامة أو بشاشة في كل الساعات اللاحقة . آلمت غيرك وصدّعت نفسك في كل أيام حياتك حين وجدت نفسك مدفوعا نحو حماية الناس والقانون ، لكنك وجدت نفسك في نهاية المطاف الطويل متهما بالجرم بحق الناس والقانون .. يلعنك الناس ويشتمونك في أعماقهم وفي عيونهم وفي شقوق مظالمهم كأنك أعددت عربة الزمان تمشي إلى وراء أو كأنك المسئول عن مرض مفاصل خيولها .. ـ كل شيء يلوح لي غريبا . لو تسأل تاريخ خدمتي فأنك ستجد أجوبة بأنني أحسنتُ للناس آلاف المرات. - أقسم بالله العلي العظيم أنني ما كنت ُ مسرورا لا في لحظة ارتداء بذلتي العسكرية ولا في أثناء خلعها .. كنتُ أخشاها كما لو كانت وسيلة تغطي بها الحكومة جلد أحد موظفيها النازف أبداً . كنت أشعر كأنني طير أصابته رصاصة صياد.. كثيرا ما كان العقيد عبد الهادي يتحدث مع صديقه ناصر جابر مدرس التاريخ في المدرسة الثانوية بالعشّار وهما يتباريان في لعبة الشطرنج مرة وفي لعبة الطاولي مرات في حديقة بيت أحدهما . تطلع الكلمات من فمه، كما هي عادته ، مصحوبة بألم الأزمنة والأمكنة والحوادث العالقة بشبكية عينيه حتى الآن. حال عودته إلى بيته في بقايا من ليل أو من نهار حتى يجد نفسه موهن القوى لا يمكنه استعادتها من دون لقاء مع جاره الأستاذ ناصر جابر قائلا لنفسه: - لم يبق لي غيره من صديق . يتهاوى أمامه بوجه متعب شاحب: - ماذا بك يا عبد الهادي..؟ - نفذت اليوم أمراً ظالماً بحق إنسان مظلوم فقير مسكين . يظل في حديثه متواصلا في عتابه لنفسه كأن شيئا يلاحقه في صدره بكلمات مثل: لماذا رضيت بتنفيذ الأمر يا عبد الهادي.. لماذا تهتم عضلاتك بحمل أثقال الحكومة .. لماذا قلت نعم مرتين .. لماذا .. لماذا ..!! قال لصديقه : - أفكر في بعض الأحيان أن لعنة ما قد نزلت على هذه المدينة. من يدري ربما خلقها الله للعذاب ليس غير.. خلقنا كلنا للعذاب . نظر ناصر جابر إلى عينيه بدقة كطبيب يتفحصها برهة. تحرك من مكانه مقتربا نحوه أكثر . بدا له أنه غير مرتاح من كلامه . قال ناصر: - من الصعب يا صديقي فهم المسألة على هذا النحو. لا يأتيك الصحيح من الاعتقاد بأن الله أنزل عذاباً على المدينة. كلا.. لقد وجدتُ الحقيقة في أن الله خلق نوعين من الناس في مدينتنا. النوع الأول يتمثل في حفنة من البشر تستحوذ على كل شيء، أو على اغلب الأشياء إذا أردنا الدقة. هذه الحفنة تمتلك كل الأحذية الجديدة وتملك معظم ثروات الأمة على سطوح أرضها وعلى نفطها في باطن صحاريها . لكن على النوع الثاني من الناس وهم الأكثرية أن يعملوا ليلاً ونهاراً، إن وجدوا عملا، ثم يسير أطفالهم بلا أحذية، أو بأحذية متهرئة وبلا ملابس نظيفة. - لكن كل بلاد الله فيها فقراء وفيها أغنياء. - العالم خـُلق ليحركه الأغنياء بوقار يمشون على سجاجيد بل حتى بعضهم يعلق السجاجيد على جدران بيته . - هل تعني أن العالم لم يخلق للفقراء..! - العالم أعطى حكمه على أغلبية الناس في المدينة بأن يتعلموا واقع العيش في عوز، وأن يتقنوا فن التعود على الجوع. ربما ولدنا لهذا الغرض. ضحك ثم نظر صاحبه إليه بشيء من عبوس الكلام الحاد، قال : - على أية حال يا صديقي لا يسعنا غير الشكر لله . أنا شخصياً اشكر الله، الآن، لشيء واحد، هو أنني ملكتُ قدرة البقاء على قيد الحياة حتى الآن . ومع أن عمري قد تقدم، إلا أنني لا أندم إذا ما أراد الله أن يأخذ أمانته. اعني إذا جاءت ساعة رحيلي. قال وهو يكتم ضحكة: - يبدو أن العالم الذي نعيش فيه أو الذي تعيش فيه مدينتنا يمشي بالمقلوب. أي أنه يمشي إلى وراء. إنسان هذه المدينة الغنية بالنفط والبؤس يُجلد من غير رحمة على وجهه وليس على ظهره، كي يضطر المجلود أن يتحرك إلى وراء. قال : - لابد أن نتعود أيها الصديق على حزن متواصل. - سنظل في حزن دائم .. أهذا ما تعنيه حقا ..؟ حنى مدرس التاريخ رأسه وقال: - أعني ضرورة تعود الناس على قبول الجلد المتواصل. استغرب كيف حصل أن وُلدنا هنا. كيف جاء آباؤنا إلى هنا. مدينتنا جميلة حقاً. لكن جمالها لبعض الناس وليس لكلهم . الأوقات التي يمر بها اغلب الناس تجعلهم يفضلون الموت على عيش يعانون منه الويلات. - يوجد في الدنيا كثير من أمثالنا. كثيرة هي المدن تشبه مدينتنا بالعوز والفقر. - إذن.. فأن الحظ قد حالفنا إذ أمكننا البقاء أحياء حتى الآن. تحدث صديقه حديثاً موصولاً ساعة كاملة عن الحياة، وعن الفقر، وهو يستوي قاعداً على مندر مطروح إلى الأرض، مسنداً ظهره إلى الحائط . لام نفسه. لام آباءه وأجداده . لام التاريخ وصنعته. أحيانا يشعر أن مدرس التاريخ يتكلم برطانة لا يفهمها..أحيانا يحس أن بعض أفكاره لها أقفال من الصعب فتحها لكنه دائما يتكلم بعقل.. ليس هو مثل المدرسين الآخرين يخدعون تلاميذهم بكتب الكذب والأرقام والمعادلات الفيزيائية والكيماوية التي يرى رسمها في دفاتر ابنه كما لو كانت أثار أقدام قط.. - رباه: هل كل مدرسي التاريخ مثل جاري ناصر جابر أم أنا محظوظ بجيرته..؟ بين لحظة وأخرى تطفو على محياه ابتسامة متجهمة. أراد ختم كلامه بالقول : - أظهرت الأيام أننا لا نصلح لشيء. ليس في وجودنا أي عدل . ليس في حياتنا أي عدل. ثم سأل بصوت أجش: - هل هي لعنة شنيعة أنزلها الله بنا. حين ودع صديقه ناصر بباب البيت، كعادته في مثل هذا الوقت ، متوجها إلى المدرسة التي يلقن طلابها علوم التاريخ في القسم المسائي شاهد أن وجهه في غاية الكآبة كأنه ذاهب إلى سفينة خشبية خاوية معرضة للغرق من نوع تلك السفن المصطفة بكثرة على شواطئ النهر الكبير نصفها مغمور بالماء ، كأنه يدرك أن ما سيحدث في المدينة غدا سيكون أضخم مما حدث فيها حتى الآن. يكرر مثل هذا القول في كل يوم يكون فيه منتظرا وقوع مصيبة جديدة يعانيها السكان كما عانى مثلها سكان اليونان القدماء حسب قول التاريخ والمؤرخين : ـ مدينتنا من نوع يصيبها الشر أكثر مما يصيبها الخير..
|