Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

روايــة

مذكّرات سجّان

بعد خراب البصرة ..

جاسم المطير

 

2

 

تختفي مع كل موجة متحركة من مياه شط  العرب وفروعه دهور وقرون من العبودية،  قادت، لزمان طويل، آلاف الناس إلى القتل، أو اللصوصية ، أو إلى الجنون. حتى سمي جزء من المدينة  "الخندك ". هذا الجزء من عالم المدينة يسكنه فقراء حفاة مملقون يعيشون في محيط أشبه بخندق محفور في أعماق الأرض يحاول مقاومة الفقر والجوع دون جدوى للصعود منها إلى سطح المدينة تخلصا من روث الحُفر يتنفسون رائحته  في كل لحظة. يمكن للناس المطروحين في أكواخ محلات  الخندك ، ونهير الليل ، والجبيلة ، والحكيمية  وغيرها من أمكنة الفقراء المساكين في طول البصرة وعرضها أن يعيشوا في أمن وسلام إذا ما تحرروا من الخوف. الخوف من الغد وجوعه ، خوف بعضهم من البعض الآخر. خوف الجميع من الحكومة . حتى السجان القديم عبد الهادي نفسه يوسد رأسه في اغلب ليالي السجون ومراكز الشرطة على وسادة رطبة محاطة ببنادق كثيرة وسجانة كثيرون.  يخاف من الغربان السود المحمومة فوق الخندك منذ ساعات الصباح الباكر، حتى الغروب. الخوف يجعل الناس جميعاً، من الهائشين أمام أو خلف حجاب صرائف  المدينة وهي لا تحميهم من حر أو برد أو مطر . يتكلمون بلغات مختلفة مع بعضهم البعض من دون أن يفهم كل منهم لغة الآخر،  منهم من يرى الأنوار الكبيرة شرارا ومنهم من يرى الشرارات الصغيرة أنوارا كبيرة إذ تختفي عبارات الحب والسلام من العلاقة الناشئة بين الفقراء والجوع. 

كان ناصر جابر يسمع الكثير من الناس يقول:  الفقر والجوع من مشيئة الله.

لم يكن يوافق على هذا الكلام لأنه يقول دائماً أن الفقر والجوع  ليسا من مشيئة الله. بل هما من صنع البشر.

يضيف بصرامة :

ــ أغلب الظن أنهما من صنع قوة بشرية خفية، أكون على صواب إذا قلت أنها قوة معينة لا تأبه لمصالح المدينة، ولا لأهلها، ولا لآلامهم أو آمالهم..

سأله عمـّار الموصوف  دائما من قبله أمام والده عبد الهادي بأنه شاب لامع الذكاء سيكون  له مستقبل لامع  :

ـ مَنْ تكون هذه القوة الخفية يا سيدي .. ؟

ـ لا يوجد من يعرف  بالضبط مَنْ هي هذه القوة الخفية، ربما قوة أجنبية خارقة  استندت على قوة محلية، أو أنها قوة محلية أسندتها قوى أجنبية، إنها أشبه بيد خفية  تحرك سوق الصيادلة  والخندك والصريفة  ومياه شط العرب ومسفن الدوكيارد.. هي نفسها تحرك الناس ، رجالاً ونساء ، شيوخاً وأطفالاً ، في احتفالات دورة السنة على ضفاف  نهر الخورة أو تتهادى في مياهه أبلام عشّارية .. يغنون ويصفقون ويضربون على الدنابك لا يعرفون ما تبيت لهم السنة الجديدة .

هل يوجد ، يا ترى، أكثر شؤماً من  غربان سود تطير أفواجاً بطريقة مزعجة فوق المدينة منذ الصباح الباكر حتى الغروب . كل غراب يوجه نداءه، بصوت أكثر إزعاجا كأنه يعلن عن فاجعة في كل لحظة.  يعبث بأفكار الناس جميعاً. يضطر الناس، ليطردوا شؤمه، أن ينظروا إلى السماء رافعين أياديهم كي تقرر السماء مصيرهم داعين إلى إبعاد شرور الطائر الأسود.

لكن جواب السماء دائماً يأتي بنفس ما يردده الفقراء : 

-  ليس باستطاعة أي إنسان أن يغير مما قـُدّر له.

-          يا تـُرى ما الحكمة وراء هذا الفقر في الخندك . لماذا اختارت السماء هذا المكان بالضبط..؟

-        لأن المدينة الطيبة شملها حسد الحاسدين ذات يوم .

-        الحسد .. !

-        نعم .. حسدت يوما ما .. الحسد عين الشر .. الحسد يقسم الناس إلى نوعين على أحدهما أن يتحمل الشر المبشر به من نعيق الغربان .

-         من حسدها يا ترى ..؟

تحرك السؤال من فم عبد الهادي  بسرعة متوجها بسرعة نحو ذاكرة ناصر جابر :

-         في كتب التاريخ قيل أن أبا بكر الخوارزمي قد حسد شعب العراق .

-   رحمة الله عليه .. لكن لمَ حسدها ..؟

أخذ  ناصر جابر نفسا عميقا من سيكَارته وقال :

    - الخوارزمي الحاسد قال قولا مشهورا في كتابه : إنني أحسد العراقيين لأن بينهم مقام الإمام علي بن أبي طالب ومقام الحسين سيد الشهداء .. هذه ميزة للعراقيين فهم أقرب الناس لنيل الجنة من وجهة نظره ونظر الملايين من الهنود والعراقيين حيث يتمنون خلال زياراتهم لقبر الحسين أن يموتوا في تلك الساعة كي يدفنوا إلى جانبه .

 *****

  

 

كثيرا ما كان عمـّار عبد الهادي يزجي وقته في سماع حديث صديق والده  ناصر جابر معه  حين تبدأ الأسئلة والأجوبة بينهما  أثناء اشتعال جذوتهما وهما يسكران سكر الشيطان كما تقول أم عمـّار المشغولة بتقشير الرمان وسلق الباقلاء واللبلبي وتحضير الخيار والطماطة  بينما يقوم عمـّار نفسه بخدمات  تحضير الأقداح والماء والثلج  وأحيانا يفتح بنفسه قنينة العرق ليصب في قدحيهما حصة من العرق أتقن مع مرور الأيام حاجة كل منهما إلى مقدار خلطه مع الماء والثلج .  يتناول والده العرق مع الثلج حتى في الشتاء . هذه الخدمات اليومية تؤهله لمتعة أحاديثهما اليومية محفزة  عنده الكثير من الأسئلة ..

في كثير من الأحيان يصغي لهما من دون جرأة على التعقيب أو التعليق أو حتى الاستفسار.. أنه مستمع فقط . تلك هي تعليمات عبد الهادي لولديه منذ سنوات    طفولتهما :  لا يجوز للصغار غير الاستماع للكبار وتنفيذ وصاياهم ..

لكنه الآن يرغب في خرق القاعدة .. يريد أن يقول لهما ما يراه  ويفكر به فتجاسر على القول الموجه إلى مدرس التاريخ :

-  في هذه البقعة يعيش الناس على نفس تراب الأمام علي والحسين الشهيد، لكنهم يعيشون في  جو خانق. قريب من حالة الموت.. هو نفسه يخنق تراب الحسن البصري وطلحة أبن الزبير  ويخنق قبور الزنوج  بين الفاو وأبو الخصيب .. أهذا ما يحسدنا عليه  أبا بكر الخوارزمي..؟ أيعلم هو أن غالبية أهل العراق  يعيشون على حالة يرثى لها من الفقر..هل يُحسد الفقر ..؟

تنهد كأن  نظرات والده إليه  قد أربكته :

- رأيتُ في محلة  الخندك ، أيها السيد الخوارزمي الحسود حقيقة واحدة أتمنى أن تضعها أمامك ، حقيقة واضحة كنتُ ألمسها بعيني في ذهابي إلى المدرسة الثانوية وفي عودتي منها ، مثلما يلمسها سكان المدينة كل يوم . حقيقة تعبر، بصدق، عن درجة القربى القائمة بين الطائفة والموقع الاجتماعي تماما مثلما تقول أنت أيها الأستاذ ناصر جابر . في الخندق وجدتُ الجوعانين والفقراء، والبائسين، هم  كلهم من شيعة علي والحسين. أهذا ما يدفع  الخوارزمي ليحسدهم..؟

انظر إلى المدينة وإلى سكانها بشكل خاص . تركوا الأرياف البعيدة هرباً من ظلم قسا عليهم بجلد ظهورهم بسياط الإقطاعيين  ، أو من فيضان أكل زرعهم وموّته. أكثر الناس جاءوا من أعماق الأهوار وما يحيطها من أرض كريمة  بعد أن فاضت أراضيهم، لم يبق لهم هناك  غير المرض . جاءوا إلى هذه المدينة كي يعملوا ليأكلوا قوت يومهم ثم ليموت أطفالهم من المرض .

وقف السجان موبخاً أبنه على محاورته لأستاذه ناصر جابر مدرس التاريخ العالم بكل تفصيل.

كان يصغي في انتباه لأحاديث أبنه عمـّار، وهو يهتاج أحيانا في حديثه غير أن ناصر جابر شجعه على مواصلة حديثه :

- هنالك مالكون من كل الأصناف. مالكو مكابس تمور، وخانات بضائع، ومراكب، وأراضي زراعة، ودكاكين كبيرة، ومتاجر ووكلاء شركة لنج وشركة سيمون كاريبيان، ومكاتب الاستيراد والتصدير أغلبهم من أهل السنة. ها.. يا خوارزمي ماذا تقول..؟ علام الحسد..؟

كان السجان لا يوافق أن يكون أبنه متحدثاً بوقت أطول من حديث صديقه المدرس معتبرا ذلك خروجا على آداب احترام الصغير للكبير.  في ذات اللحظة يفخر بصدق حديث عمـّار وقدرته على تصوير الأمور غير المرئية فتتحرك أوتار أذنيه نحو خيال أبنه برسم الحوادث والوقائع .

    يسأل نفسه، دوماً : مَنْ خلق هذا الواقع ومَنْ أوجده ومَنْ يغذيه وينميه. ..؟ لم يجد جوابه حتى الآن. ربما يكون السبب هو الحسد ليس غير. مدرس التاريخ يقول الحق رغم كل شيء : أن الفقراء الشيعة طيبون، وأن الأغنياء السنة طيبون. يشربون من نفس الماء،  يتنفسون نفس الهواء. ربما حسد الخوارزمي كان السبب.

واصل عمـّار اعتراضه  :

- كلا.. السبب يعود للاستغلال. هذا الاستغلال أوجده أعداء السنة والشيعة.. أعداء المسلمين والنصارى واليهود حتى الصابئة. أعداء المدينة كلها.. وسعوا الاستغلال وعمقوه كي يهدموا الأبنية الطيبة المؤثرة في علاقة ناس هذه المدينة مع بعضهم.

- عين الصواب ما يقوله عمـّار ..

قال ذلك أستاذ التاريخ وهو يبتسم من دون أن يستغرب كثيراً وجود هذه الحالة في أنحاء المدينة كافة. نفس الصور تتكرر في كل منطقة لكن بطريقة جديدة وبعلاقة جديدة.

اشتغل عبد الهادي مزهر العبد الله السجان خلال وظيفته ، في أول أيامها، في شمال المدينة. بعد ذلك نقل إلى شرقها و مغربها، وبقيَ سنوات عديدة في جنوبها. وجد الذين يملكون الأراضي والأموال هم الأكثر نفوذاً في الريف، وهم من السنة. حتى في أطراف الهور حين عمل في مركز شرطة سوق الشيوخ وجد آلاف الأفراد المتشيعين من بني أسد، بينما يرأسهم بضعة أفراد من آل سعدون وهم من أهل السنة. وجد أكثرية ساحقة من مزارعي البساتين والحقول التي جالَ فيها بحكم وظيفته ساعياً من اجل توفير الأمان لسكانها، وجدهم فقراء من الشيعة.

عرف استثناءً وحيداً. شيخ كبير، في مدينة خرم شهر على الجانب الأخر من شط  العرب، مقابل الموفقية التي قتل فيها أكثر من مائتي ألف زنجي، في زمان مضى، حين ثاروا ضد استغلال الملاكين وعجرفة الخلفاء بينما عمل هو ضابطا لشرطة مدينة السيبة حيث يتحدث كهولها عن الشيخ خز عل.

 في ذاكرته الكثير عن تلك الفترة وأحاديث المسنين عن الشيخ خزعل.. كان شيعياً، وقبيلته كلها من الشيعة. يملك قصرين كبيرين. أولهما في المدينة الأخرى عبر حدود الشط في خرم شهر . تحيط بالقصر بساتين مثمرة كثيفة، فيها الرمان والمشمش والأعناب تحت ظلال أفخر أنواع النخيل. ثاني القصرين مشيد في بقعة سكنية واسعة في وسط مدينة العشّار، وبالضبط مقابل الساعة الدقاقة على ضفة نهر العشّار التي يطلق الناس عليها اسم بكَبن الصغيرة يشبهونها بساعة إذاعة لندن .. تتشعب أزقة المحلة المقابلة لقصر الشيخ خزعل  بالعشّار وهي ضيقة في أكثر مساراتها تتعرج بين بيوت قديمة لكنها كبيرة الحجم ذات طوابق عديدة مشيدة بالطابوق تتصدرها شنشولات خشبية أو من حديد . بيوت جميعها متلاصقة وكذا شبابيكها ..اغلب الدور يسكنها أغنياء وتجار . لكن البيوت الحديثة قليلة ..أغلب سكان  هذه المحلة من الشيعة  لهم صلات مع الشيخ خزعل وأولاده .. أبنه صالح كان أشهر لاعب كرة قدم في فريق البصرة .

كان مساعدي في مركز السيبة شاب وسيم ونشيط هو المفوض نعمان . أخبرني أن والده مصاب بداء النسيان .. لم تنفع معه كل الأدوية حتى التي زوده بها الدكتور الشهير كشيشان .

-          منذ عامين وهو يصلي أكثر من خمسين ركعة يومياً . لا يتذكر أنه صلى قبل ساعة فيكرر الصلاة . كنت أخشى عليه حين يخرج من البيت . يقوم أخوتي الصغار بمراقبته من بعيد .

قبل أن يصاب الحاج عبد الرحمن بمرضه وتغيب ذاكرته التاريخية  كان يجمع في بيته الكثير من شخصيات العشّار . أقارب وأصدقاء يتناوبون في ديوانية البيت على أقداح الشاي بالهيل .. أكثرهم يدخن السيكَاير بينما بيج ميرزا الإيراني يتناول الترياق في المقهى كل ظهيرة .. يسلون أنفسهم بأحاديث الماضي عن زمن الزواج والدين والسياسة في أواخر العهد العثماني وعن التجارة والمال والأحزاب في أوائل الاحتلال البريطاني . لم يكن بينهم من يهتم بتدوين ما يقال على ورق . يعتمد كل واحد منهم على ما يحفظ في ذاكرته لتموت بموته .

لا تمر ليلة من ليالي وجودنا المشترك الخالي من تعقب الجرائم وهي قليلة بصورة عامة في تلك المنطقة إلاّ وتظهر فيها مكارم المفوض نعمان عبد الرحمن . ينصب المائدة المستطيلة في بستان الحاج محمد المختار القريب من مركز الشرطة . عرق زحلاوي وفاكهة متنوعة وأحاديث لا تتوقف إلاّ مع تثاؤب الفجر . واحد أو أكثر من أفراد الشرطة يحضرون المزّات بما لذ وطاب من الخضار ووجبات العشاء المشوية والمقلية والمسلوقة يجيد تحضيرها  نائب العريف أبو سليمان .

من غرائب نعمان المفوض أنه يشرب كثيرا ويأكل كثيراً  ويتكلم كثيرا ويرتكب الفاحشة كثيراً . لكنه شريف مع الشريفات لم يتجاوز حدوده مع نساء المنطقة . كل يوم جمعة يستأذنني لعبور شط العرب مع صديقه منصور أبن ناصر الفلاح القديم في بيت الشيخ خزعل . حين يعود عصرا يحدثني عن مبغى عبدان حيث أجمل الفتيات الإيرانيات :

-        يا لها من جميلة تلك القحبة بهار . أخذت منها رأسين بربع دينار . لكنها نصحتني :

-        لا تخبر القوادة عن الرأسين .. قل لها نكتها مرة واحدة حتى لا تدفع فلوس رأسين . خلّي واحد على حسابي .

يواصل حديثه مرتاحا ضاحكاً:

- أجبرتني على تناول الغداء معها .. كباب دهين مع آب كَوشت . تتوسل بي في كل مرة أن أعبرها الشط وأضمن لها زيارة لكر بلاء . تقسم أغلظ الإيمان إنها تريد أن تطلب التوبة والغفران وأن تكون خادمة عندي إلى أبد الدهر .

 يستمر ضاحكا  حين  يحدثني عن مغامراته مع بهار.. أحبته كثيرا بل أخبرني أنها أحبت قضيبه الطويل .. صارت تخبره أنها لا تستطيع الاستغناء عنه فهو الوحيد  من قضبان كل الرجال يمتعها حقا . نعمان ممثل بارع في حديثه وصرتُ معجباً بأدواره الكوميدية في أوقات السهرة خاصة حين يشير لي بضرورة مصاحبته في العبور إلى عبدان :

          - بإمكانك يا سيدي أن تنام مع من تشاء من نساء مبغى عبدان  لمدة ساعة بزواج المتعة إذا كنت تفتش عن الحلال من دون الحرام .  وجدتُ الكثير من الرجال يدخلون على القحبات باتفاق زواج المتعة .. كلهم يؤكدون أنه زواج حلال مائة بالمائة .. بهار أخبرتني وأمها أكدت ذلك وقد أخبرتني أن بإمكاني الاستفسار من الشيخ رضا في جامع خرم شهر .. على كل حال  ساعة واحدة فقط سيغفرها لك الله يا أبا عامر ..

يضيف قولا آخر :

- أن نيك الإيرانيات بعد السكر بنصف بطل عرق من نوع مخصوص المنتج في معمل الأهواز هو في نظري منتهى سعادة ما وجدت مثلها حتى في نيك ماري الأيرلندية الشقراء زوجة مدير الحفارات في شركة نفط البصرة .

يضحك ثم ينهي طلبه بقوله..إنني آسف.. لقد نسيت أنك متزوج يا أبا عامر ..!‏

زمان الشرطي ، معاونا كان أم مفوضا ، لا يتغير مهما تعاقبت الفصول والأمكنة . مطاردات .. تحقيقات .. مواجهات يومية لتغيير الحق إلى باطل والباطل إلى حق بالجهل مرة وبالرشوة مرة . لكن والحق يقال أننا لم نستخدم مسدساتنا مع أهل السيبة ولا مرة فهم جميعا مسالمون .. السرقات قليلة بينهم . مرة واحدة فقط أمسكنا أحدهم قيل أنه سرق فانوساً من جيرانه فأصلحنا بين السارق والمسروق بفانوس جديد أهداه للمسروق منه المفوض نعمان كان قد جلبه من عبدان .. كل شيء يتغير في هذا لعالم حتى الإنسان .. تتغير مكانته الاجتماعية ومشاعره وأخلاقه وعلاقاته مع الناس ومع الوظيفة . هكذا أوحت لي علاقتي مع المفوض نعمان .. يحمل في ذاكرته ليس فقط انطباعات وأحاسيس شخصية بل يحمل ذكريات كثيرة عن البصرة وعن تاريخها مأخوذة  ومنقولة من أحاديث وذكريات والده .

في العشّار بدأت عنده قصة حب فاشلة عندما التقى بفتاة جميلة أسمها مديحة  تبدو كفلاحة فأحبها بوله شديد . رفضت طلب أبيها بارتداء البوشية على وجهها لأنها تعتبر نفسها متعلمة .. أكملت دراستها حتى الصف السادس الابتدائي . كتب لها رسالتين غراميتين وكتبت له رسالة واحدة . أجبرها أبوها على الزواج من أبن أخيه فصدم قلبه وتحطمت كما قال عواطفه النبيلة فما وجد نفسه إلاّ باحثا عن متعته مع بغايا ( الدوب ) بالعشّار أو مع بغايا منطقة ( الكواز ) بالبصرة حيث عشقته سليمة السمينة   . يلعن أبو مديحة كلما صار حديث عن امرأة أو زواج أو عن قحبة أو كلما جاء ذكر لأسم شيخ خزعل . كان أبوها خادماً في بيت الشيخ خزعل . دائما يحس برغبة ضاغطة في الحديث عن قصة حبه وعن بيت الشيخ خزعل .

في الحقيقة كانت تستهويني أحاديثه الكثيرة عن أل باش أعيان وبيت البجاري وبيت الذكير وعائلة الملاك وآل المظفر و عائلة البدر وعن آل الغنّام  وعن الحاج رشيد إمام جامع الخضيري  وغيرهم لكن أحاديثه وذكريات والده عبد الرحمن عن الشيخ خزعل صاحب القصرين تستوقفني كثيرا . كلما توقف عن سردها كلما ألححت عليه بالإفاضة . لا أدري لماذا كانت أحاديثه توحي لي بالاستمتاع .. ربما لأنها تشعرني بجزء مهم من تاريخ مدينتي لا أعرف عن تفصيله شيئا ..  

 القصر الأول للشيخ خزعل يضم زوجة وأولاد. في الثاني زوجة وأولاد. سمع الناس يقولون أن هذا الشيخ يأتمر بأوامر أجنبية. بعضهم يقول أنه ضد الإنكليز. آخرون يقولون أنه مع الإنكليز. يشاع أيضاً أنه يتصرف عن جهل بالأمور السياسية. مرة تحالف مع أثنين من سادة السنة، من المالكين الكبار. الأول سنيّ لكنه ضد السنة الأتراك، وأراد سنة آل سفين أن يغدروا به فنجا من موت محقق. أما الثاني فهو شيخ الكويت في البقعة البحرية على الامتداد الآخر من الصحراء الغربية الجنوبية المحيطة بالمدينة. كان من المتعاونين مع الإنكليز رغم أن الأتراك عينوه قائمقاماً. اختلطت أوراق الثلاثة .. الشيخ خزعل هو الخاسر الأكبر لان بريطانيا العظمى رفضت ترشيحه لعرش العراق وجاءت بالملك فيصل بديلا عنه وعن طالب النقيب ومرشحين آخرين ما نالوا رضا الشعب العراقي .

حين نقلتُ إلى صديقي ناصر جابر هذه الوقائع من الذكريات وغيرها وجدت عنده صدى لها كما لو كانت مسجلة بذاكرته النشطة نسخة تفصيلية  منها .

قال ناصر جابر :

ـ لو قدر لهذه الأوراق أن تجتمع، لشهد التاريخ أكبر و أغنى إمبراطورية نفطية في العالم تضم البصرة والكويت وعبدان. ربما لن يكون فيها فقير وربما يزداد عدد الفقراء فيها .. ربما تندلع منها  وفيها حروب لان البصرة فيها نفط كثير ومن عبدان يصدر نفط كثير ويقال أن في الكويت قد ظهر نفط فهل يستبعد أمر الحروب بينهم  والنفط أكثرها اشتعالا  . لكن أوراق الشيوخ الثلاثة مبارك والنقيب وخزعل احترقت بسرعة فصار كل منهم في مصير مختلف عن الآخر. صارت أغلب الأسواق الصغيرة على القنوات والأنهر الفرعية ضمن المنطقة الشيعية. بينما الأسواق الكبيرة المواجهة في الصحراء المجاورة وقعت تحت سيطرة التجار السنّة  القادمين من عمق الصحراء ومن شبه الجزيرة ثم دخلوا تدريجيا مسيطرين على التجارة الكبيرة في العشّار استيرادا وتصديرا  . كثير منهم حصل على وكالات تجارية إنكليزية نافسوا بها التجار الكبار من أصول إيرانية مختصين باستيراد الشاي السيلاني  والمواد العطارية الهندية والراديوات وصوبات علاء الدين والمصابيح الكهربائية والمراوح يوزعونها على أسواق العراق كافة  . للمهربين دور في هذه السوق يختصون بجلب السجاد الإيراني الكاشاني لبيعه على الناس الأغنياء . حتى المتصرف يشتري سجادا مهربا كما يشتريه المدراء الإنكليز في الميناء والسكك  لكن اليهود لا يحبون شيئا أكثر من السجاد .. أغنياؤهم يشترون السجاجيد الكبيرة بأغلى الأسعار .

دائما توجد حركة واسعة من البيع والشراء من طلوع الشمس حتى غروبها . . في الجانب الشرقي للمدينة خان كبير، نظيف وجميل، مكتظ بالناس الغرباء القادمين من الهند وإيران وبعض إمارات الخليج . من هذا الخان تنقلهم وسائط النقل إلى كربلاء والنجف لأداء فرائض الزيارة للمراقد المقدسة الموجودة في هاتين المدينتين، إضافة إلى الكاظمين وسامرا .

عجيب حقا أمر ناصر جابر . ما سمعت منه يوما أنه ذهب إلى سوق التجار ولا إلى مكابس التمور ولا إلى جامع ولا إلى سوق الهرج لكنه يعرف كل ما يجري داخل المدينة . يعرف أكثر مما أعرف . يعرف حتى عن بضائع فاسدة تصل البصرة . بينما يجري تصدير أحسن أنواع التمور والحنطة والشعير .. يضحك ويقول :       

          - يأخذون أحسن ما ننتج ويرسلون لنا أسوأ ما ينتجون .

لم يكن شهر عاشوراء قد انتهى بعد. كان الازدحام شديداً في الخان. قادمون ومغادرون وباعة متجولون وكثير من أصحاب وسائط النقل أنفسهم. ضجة كبيرة غير معتادة في هذا اليوم. أناس يتلوون من آلام في الأمعاء والمعدة. صراخ وآلام .. أناس يتساقطون إلى الأرض. آخرون يهربون.

- ماذا حدث..؟

سؤال يطلق من كل الشفاه من دون أي جواب.

الكل مندهشون لما يجري ويحدث. كابوس اليقظة يكبر مع دقائق الساعة وهي  تمضي سريعاً. وصل الحراس، والقضاة، والمحققون، والمدراء وكثير من الشرطة ..المتفرجون ينشدون حقيقة الأمر واستجلاء الموقف. تعليقات كثيرة على المشهد سمعها من عشرات الناس بعد  أن شاهدوا حضور الضابط المعاون الشاب الغليظ الصوت أيوب داوود إلى هذا المكان مرافقا  لرئيس الشرطة غير الآبه بما حدث. وصلا قبلي وتجاهلا الاشمئزاز الواضح في عيون المتفرجين، بينما البكاء والعويل يشتد بين النساء والرجال.

- حالة تسمم جماعي .

قال القاضي لمدير الشرطة.

كان مدير الشرطة يتفرج فقط. لا يبدو أنه اهتم بما قاله القاضي وهو أصلاً لم يسأل القاضي أي سؤال.

أشيع بين الناس أن أحدهم كان يحمل زنبيلاً فيه خبز مقطع بداخل كل نصف رغيف قطعة جبن أبيض وكرّاث. سمّاه خبز العباس. كان نذراً لشفاء والدته.

نذر للعباس بن علي ابن أبي طالب، كما ادعى هذا الموزع، لكن النتيجة أن الناس تسمموا.

- هل مات أحد..؟

- عشرة  على الأقل نقلوا إلى المستشفى. آخرون نقلوا إلى بيوتهم.

- من هم الموتى..؟

- لا أحد يعرف. قيل  أنهم من كبار السن وبضعة أطفال.

أجاب شخص آخر من متفرجين تورمت عيونهم بالدموع الهطالة بحزن عميق .. يبدو من كلامه أنه حارس الخان :

- المنقولون إلى المستشفى اعرفهم واحدا واحدا .. أكثرهم من الشيعة.  معهم ثلاثة من إخواننا السنة.

عقب أحد الأفندية :

- أين عقاب العباس إذن ..لماذا يسمح بارتكاب الجرائم باسمه ..!

- من الفاعل يا ترى .. هل قبضتم عليه..؟

- تم القبض على كثيرين. الفاعل واحد لكن المقبوض عليهم بالعشرات.

- هل من نتيجة..؟

- لا نتيجة. نهدر وقتنا فقط بالاعتقال والتحقيق. لم نضمن شيئاً عن الفاعل.

- يقال أن الفاعل كان أجنبيا..ً

- يقال أنه كان وهابياً.

- كان هندياً.

- يشاع  فارسياً.

- يعني شيعياً.

- ربما ..

- كل شيء معلوم.

أستمر لغط الناس ولغط المحققين بلا معنى. تكلم بعض الناس عن أشياء كثيرة. قالوا أن مدير الشرطة وراء الحادث. قيل أن الحكومة هي المدبرة. تحدث بعض الناس بألم، وبعضهم بتحد، وبعضهم بوقاحة. إشاعات كثيرة لا تدخل مجرى الحكم العقلي. انقسمت آراء المدينة كلها  فيما بعد، ثم ظهرت القناعة العقلية لدى جميع السكان بأن الفاعل يحمل ذرة وراثية معادية للسنة والشيعة، مثلما هي الذرة الوراثية المعادية لكل الأديان والأجناس، والأمم.

قال والدي  يومئذ:

- أن المسمم يكره الشيعة والسنة ولا يريد أن يقوم بين صفاتهما أي اتحاد.

نظرت والدتي في عيني والدي  كأنه فهم قصدها. لكنها قالت بمزيد من الثقة:

- الفاعل مفرّق  يا ولدي  .. المفرّق لا يمكن أن يكون عربيا . لا يمكن أن يكون مسلماً. الفاعل  بلا ضمير حتى وإن أدعى الإسلام .. بالتأكيد أو انه غريبا.

ـ هل تعنين يا أمي أن الفاعل يمكن أن يكون يهوديا .

ـ لا يا عبد الهادي .. ليس يهوديا وليس نصرانيا ولا صابئا .. أنه من ذوي الضمائر الميتة كما كان أبوك يسميهم .

كان جدي عبد الله رحمه الله، هو الوحيد الذي يعرف دقائق الأمور في الخان. يعرف أصحاب النقل واحداً واحداً، يعرف باعة الماء وباعة الطعام واحداً واحداً. يعرف الخدم العاملين مع أصحاب النقل واحداً واحداً، أيضاً.  أمضى زمناً طويلاً في أعمال النقل من هذا الخان إلى المدن الأخرى. تخصص بنقل الشخصيات الأجنبية البارزة من الزوار، من هذا الخان إلى كربلاء والنجف والكاظمين وسامرا. ما أن يجولوا في هذه المدن الأربع على راحتهم، يعيدهم ثانية، إلى نفس الخان. كنتُ أشاهد علامات السرور على وجوههم، وعلامات الرضا من جدي المرافق لرحلتهم.

أتقن جدي، منذ طفولته، فن التحدث مع الأجانب. كان يتقن العربية والفارسية وبعض الكلمات الإنكليزية  . أبتكر له فناً خاصاً لإقامة علاقات طيبة مع المسافرين وكسب رضاهم لكثرة ما يقدم لهم من عناية فائقة سواء في طريق الرحلات، أو أثناء الإقامة في المدن المقدسة يساعده والدي بنشاط ينال المديح  من جدي النشيط أيضاً رغم كبر سنّه . صار اسم جدي مرغوباً فيه لنقل الأمراء والتجار الكبار والمسئولين الأجانب من الفرنسيين والإنكليز والألمان القادمين من الخليج . نقل عدداً من الزوار القادمين من أواسط القفقاس . عانى كثيراً في هذه الرحلة لأنه لم يستطع التفاهم معهم لا باللغة الفارسية ولا بالإنكليزية. كانت الإشارات مصاحبة اللغة كوسيلة للتفاهم معهم، نشأت من خلالها علاقة طيبة معهم. أهداه أحدهم مسبحة صغيرة جميلة من الكهرب الأصيل، ظل  يحتفظ بها  كأعز ما يمللك، أعطاها إلى والدي مزهر بعد إتقانه نفس المهنة  قبل أن يتوفاه الله ببضعة أيام:

- احتفظ بها يا بنيّ ..

- سمعاً وطاعة سأحافظ عليها كعينيْ ..

- فيها بركة. سبّح بها دائماً وأذكر الله سبحانه وتعالى تحميك من كل النائبات والمصائب. هذه المسبحة زارت كر بلاء والنجف وسامرا وقبر الإمام الرضا وقم  والكاظمين  ومشهد ومكة والمدينة ودارت حول قبر الرسول. غسلتها ذات مرة بماء زمزم.

 

لم يرث عبد الهادي من والده غير  بيت صغير ذي حديقة كبيرة فيها من نخل البرحي ثلاثة ومن التين شجرتين كبيرتين ومساحة كبيرة  من الحديقة جرداء .. ماتت أشجارها منذ عدة سنوات . كما ورث مسبحة الكهرب وعدة وصايا عنها مع سبعة وثلاثين دينارا وأربعة وخمسين فلسا .

احتفظ بالمسبحة منذ تلك الوصية وحتى الآن. أوحت له بثقة كبيرة في أثناء سفراته المتعددة، وحتى في أيام  يمرض فيها. صاحبته  دائما  بكل خطواته الجريئة . لا توجد حقيبة من حقائب سفره من مدينة إلى أخرى  وتنقله من مركز شرطة إلى آخر إلاّ واحتلت فيها مكاناً مرموقاً.

 ذات يوم نقل جدي من الخان نفسه، إحدى أميرات الهند إلى كر بلاء والنجف. سألتْ عن أسمه حال وصولها إلى الخان. كانت تحمل توصية برعايتها  من أحد أصدقاء جدي  وهو هندي تعوّد أن يأتي لزيارة العتبات مرة واحدة في السنة . أصرت الأميرة أمام الجميع أن لا ينقلها أحد غير جدي :

- سمعتُ الكثير عن أخلاقه وأمانته.

- لكنني مستعد أن أنقلك بنصف الأجرة.

قال أحد الوسطاء.

- كلا .. لا ينقلني أحد غيره.

- ستكونين معي أكثر أمانة وأمانا وراحة.

- كلا ..

رفضتْ كل العروض ثم أكدتْ:

- سأضاعف له الأجر. سأجزل له العطاء. لن ينقلني أحد غيره. 

ضاعت كل محاولات الآخرين من الوسطاء والناقلين لإغرائها.

زارت، مع جدي، المراقد المقدسة كلها. منحت مبالغ كثيرة وكبيرة إلى سدنة الروضات ، وخدامها، وسادتها، وإلى بعض المحتاجين الفقراء، وإلى عدد من العائلات المتعففة. حظيت هذه الشابة الجميلة باهتمام جميع من رآها والتقى معها من السادة والأهالي.

ذات صباح شديد البرودة، نهضت الأميرة من مقعدها في الغرفة الوثيرة لسادن الروضة الحسينية. كان رئيس البلدية حاضراً، مع مدير الشرطة، وبعض الوجوه المعروفة في المدينة. قالت أمام الجميع:

- عرفتُ أن هذه المدينة المقدسة تعاني من شح المياه. قال لي ذلك رئيس البلدية يوم أمس. هذا في الشتاء فكيف الوضع إذا حل الصيف. لذلك قررتُ أن أهب هذه المنطقة شيئاً يفيدها، يفيد الناس أجمعين. فهل ترضون بهذا..؟

أجاب السادن بأدب جم وسرور بالغ:

- بالتأكيد أيتها الأميرة. نرضى نحن بكل ما يرضي الله. أننا نرحب بكل هباتك أيتها الأميرة الكريمة.

- أنني مستعدة للتبرع بكل تكاليف إيصال الماء الصالح للشرب لهذه المدينة المقدسة. كل شيء من حسابي الخاص. أترضون بذلك..؟

- بارك الله فيكِ ..

- كثر الله من أمثالك ..

- سيظل أهالي كربلاء يذكرون  هذا الصنيع الجميل  إلى الأبد. لا يمكن أن ينسوا هذه النعمة.

تعالت أصوات الثناء من كل الموظفين الحاضرين مصحوبة بالصلاة والسلام على النبي محمد وآل بيته أجمعين .

في اليوم التالي حُفرت قناة لهذا الغرض وأوصلت قناةً بين الفرات وكر بلاء ، ثم أوصلت القناة بمدينة النجف. دفعت الأميرة كل تكاليف القناة.. قرر رئيس البلدية أن يطلق عليها أسم قناة الهندية. ظل هذا الاسم حتى الآن . من يومها أصبح جدي مغموراً بفرح عارم. ظل حتى مماته يفاخر بقناة الهندية كأنه  حفرها بنفسه لزوار الحسين والعباس . كثيراً ما كان يعلن عن أمنيته:

- لو يفعل التجار كلهم مثلما فعلته هذه الأميرة الشيعية لعمّ الخير الدنيا كلها.

بعد يومين من عودته من كربلا ماتت والدتي أثناء نومها . نامت في آخر الليل نشيطة لكنها لم تنهض غير جثة نقلناه إلى مقبرة الطويسة .

 

 

 

 

3

 

 

لست حزيناً حين أتحدث عن الفقر، وعن العجز الناتج عنه، أو حين أتذكر حالتهما اللتين عشت فيهما كما تعيش النبتة الطفيلية في الطبيعة. جاءتني أشياء حياتي من دون أن أعلم كيف ولماذا ومتى. لا اعرف لماذا أشرقت عليّ في وقت مبكر دون غيري من الناس.. ! لم يكن أمامي غير الترحيب . ربما هي مشيئة الله، أراد أن يضع أمامي بعض بصيص من معتقدات والدي، وجدي، حول القدر كبديل عن علوم الطبيعة، والكيمياء، والفلك، والرياضيات اطلعت عليها في مراحل الدراسة الثانوية . الفقر أساس البلاء. هذا هو القول الوحيد الذي أتفق حوله  مع والدي حين كان يتحدث معي عن مصائر ناس فقراء لا يستطيعون صنعها أو منعها.

كثير من الوقائع أثار عندي النفور من الحياة. أحيانا أخذتني وقائع وأحداث إلى حالة التراخي إزاء العدل. أحيانا أخرى أخذتني إلى حالة الذبول الأقصى في مواجهة شروط النمو، أحيانا قادتني إلى صميم عالم المشكلات مع النفس ومع الناس . مع الدين ومع الدنيا. حتى تمسكي بأخلاق الدين لم يجعلني من المتطهرين. لم أتطهر، بعد، لا من وساخة الفقر وعواقبه، ولا من غريزة المقاتلة من أجل البقاء ولا من العرق الزحلاوي اللاصق بمصاريني  من سنوات طويلة. الفقر، كما سمعتُ من والدي، شعار الأنبياء الصالحين. لكن والدي كان يلعن الفقر بنفس الوقت  مؤكداً أنه ليس القانون الأساسي في الحياة أو الطبيعة كما يدعي الأغنياء والدجالون. ينسون أن العمل هو قانون الإنسانية والطبيعة والحياة. يكرر دائما قول الله سبحانه وتعالى : وقل اعملوا فسيرى الله عملكم والمؤمنون. حتى العمل الشاق هو قانون أيضا متى ما كان نافعاً للإنسان والمجتمع.

علمتني تجربة الحياة أن هذا القانون لا يؤدي حتى بالدأب وقوة الاحتمال إلى تحقيق الغنى المادي مهما عمل الإنسان، أو كد، أو كدح. ليس بالضرورة أن يتحقق تحول كل فقير يكدح أو يعمل إلى الغنى. لكن فضيلة الفقر الوحيدة أنه يخلق أمناً ما للإنسان الفقير حتى من دون أن يحقق له الثراء. لهذا، بالذات، بقيتُ أؤمن بالحكمة التي تقول: الفقير آمن برغم أن أعداءه كثيرون. بينما الغني مثقل، خائف، لا يمكن أن يعرف أعداءه، ولا من أي جهة يهاجمون، ولا حتى متى يقتلون ويقاتلون. الغني في القتال يخسر ثروته، بينما الفقير يخسر فقره. هذه أقوال  أدخلها  والدي في مسمعي منذ أن كنت صغيرا لا أنساها أبداًً.

دائما  كنت أهمس في أذني زوجتي أم عمـّار :

- لا ضير، إذنً، إذا أعلنت أمام ولديّْ  عمـّار وحارث .. أنني ما ملكتُ ثروة ولا ثقافة. أنني ما عنيتُ فرصة الثروة.

- هل أسفت لذلك..؟

سأله عمـّار.

- دائماً يبدو الأسف كشيء خادع، باطل.

- ألم تشرق أمامك ثقافة ما..؟

سأله حارث.

- أشرقت أمامي ثقافات كثيرة لكن ما جاءتني فرصة التزود منها. لم تشرق عليّ أسبابها. ولا أنا سعيتُ لشروقها. لذلك فأنا الآن في حالة من الأسف الشديد.هكذا هو كل ضابط شرطة يأسف على ما فات .

 

صبر عبد الهادي على كل الأحوال. وثقُ بشيء واحد هو أن لا يظلم أحداً من البشر ولا من الحيوانات. كان يحمد الله أنه قطع شوطاً طويلاً من حياته واثقا أنها مرت من دون أن يظلم أو يؤذي أحداً. لم تكن لديه طبيعة ثانية، لا عملية ولا مثالية. بقي متماسكا في ظروف صعبة مرّت بحياته،  مرت بمدينتنا كلها، بناسها وطبيعتها، وبحملها الثقيل، على مر السنين.

- كم أشعر بألم مرير حين أسمع بعض الناس يقول : لا يوجد شرطي في العالم كله غير متحالف مع الشيطان .

اعترفَ  ، عدة مرات ، بصراحة،  أنه لم يكن  قادراً على التصرف بشجاعة في كثير من الأحيان وفي كثير من الحالات حين يجد نفسه محصورا في زاوية ضيقة يضغط عليه ظلام الحكومة لتغيير حق مواطن فقير إلى باطل لأنه فقير وتغيير باطل المواطن الغني لأنه غني . يتألم كثيرا حين يتذكر ما فعلته أوراق تحقيقية كتبها عن الفقير  مهدي صنكَور فمات بعدها في السجن وصارت أبنته سلمى الوحيدة خادمة في بيت النصراني حنا ميخائيل أبو الذهب  ينيك فيها أولاده الثلاثة . يستغفر الله كلما تذكر جرأة قلمه على تزوير الحقائق مستجيبا لأمر رئيس الشرطة . يريد أن يكفر عن خطيئته ليحظى برضا الله من جديد لكنه لجأ إلى إدمان السكر كي يكسب النسيان على الأقل  .  يداه تحتفظان بكم هائل من الحقائق، وما زل ممتنعاً عن فتحها. كيف يصرف الأذى عن ولديه وعائلته كلها إذا كشف الغطاء عن أسرار محصنة في صدره تمس مُثل الكثير من الولاة، والقضاة، والحكام، والرؤساء، وأبنائهم وزوجاتهم.. كيف يضمن سلامة نفسه من القوى الخفية إذا ما فتح  يديه عمّا تحملان من حقائق عن جرائم قتل وتزوير وسرقات ورشاوى وموبقات ..؟

سلك مسلك الجد في العمل والوظيفة. فعل ما يرضي ضميره. نفذ ما يطلبه الرؤساء بمراوغة إن كانت الطلبات تؤذي الأبرياء. حاول تهريب الأذى إلى خارج دائرة عمله. حاول أن يفيق ضمائر الآخرين من الذين يعملون معه.

 على العكس من عمـّار الذي لم يكن يفخر بوظيفة والده ، كان  حارث يتحدث كثيراً عن صفات والده ويتباهى بها أمام أصدقائه وأمام زملائه من المدرسين في ثانوية العشّار . يكرر قوله في كل مناسبة :

- يتخيل  والدي أن ما فعله طيلة أيام الوظيفة مركب من ذرات جميلة أحيانا وكئيبة في أحيان أخرى. في الحالتين حمل وما زال يحمل ذرات كثيرة من الألم. تقاذفته لاطمات من اليمين، ولاطمات من اليسار. لاطمات من الحكومة، ولاطمات من الناس. لا يعني هذا أن اللاطمات جاءت من كل الحكومة، أو من كل الناس. أنما أعني أن وجه التيار الأعجف لازم والدي .  كنت اشعر بثقله على قفاه وصعوبته على قلبه  .. دفعه التيار  إلى مسارات متشعبة، صعبة، وإلى مسافات طويلة، فأضطر إلى اتقاء التيار مالئاً صدره بما لا يريده من ماء أو ملوحة. كان يتعلق بالإيمان ويلجأ إلى الله ، سائلاً إياه أن يحل المشكلات، مشكلاته و مشكلات عائلته ومشاكل الآخرين، وأن يبعد الشك عن صدره.

ما ضايق إنساناً إلا مضطرا كما يؤكد لنا دائماً . لم يترك، يوماً من الأيام، متسعاً لمخلوق أن يؤاخذه على موقف ظالم، أو خاطئ أو على تصرف مشين. في كثير من الأيام طابت له دنياه  بمساعدات قدمها لبعض أقاربه ، وأخوالي، وأعمامي، وإلى أصحابي، وأصحاب أصحابي . كما طابت له دنياه بما قدمه الناس الطيبون له ولنا  أيضاً. لكنني أقسمَ أمام كل من رآه ذات يوم صلبا أو حادا أو صلفا أو واقفاً أمامه كالطود بينه وبين الحرية، فأنه والله لم يكن بيديه مفتاح . لو كان بيديه لفتح كل أبواب الفرج أمام الذين يريدون فتح الأبواب كلها.

ما أخذ أمانا في الحياة إلا من الأخيار والطيبين . ما أخذ من دروسها إلا قوة حيوية صقلت تجربته العملية في كيفية الموازنة بين نفسه الطيبة ووظيفته الشريرة . تبيّن له في هذه التجربة مدى دور الإنسان في الطبيعة، ومكانة الطبيعة في الإنسان. لم يكن  يجد مكانة ثابتة في عمل الخير حسب .

اعترفَ أمامي، ذات يوم ، مثلما اعترف كثيراً أمام والدتي :

ـ أنني ضعيف في القيام بهذا الدور وبهذه المكانة.

كانت لديه طاقات ورغبات تؤهلانه لأن يكون مهندساً أو أديباً. كتب مقالات كثيرة  لكنها لم تر نور النشر غير مقالة واحدة في جريدة الثغر. كان يأمل الكثير من تلك المقالات لكن ما وجد مستقرا في هذا الشاطئ وهو في السنة الأخيرة من المدرسة الإعدادية . نظم شعراً أودعه في سلة المهملات، لأن كل أعمدة الشعر كانت مؤجرة للشعراء كما يعتقد .

قال لي متألماً :

-  لم أجد غير صوت واحد في الأدب، يدعوني: ابحث في مكان آخر... ابحث عن وظيفة أخرى ..

دفعه  ضعف قواه المادية والمعنوية إلى طريق آخر. كان جدي  مزهر العبد الله ، رحمه الله، يسعى بكل احساساته، أن يرتب له وحدة متينة بين ما اختاره هو  بنفسه ، وبين الواقع التكويني في هذه المدينة. لكن فوضى النسيج العام في حياة الفرد والمجتمع، خلقت أمام  جدي نصف شيء  كان والدي  يريده، وهو تحقيق التعليم العالي.

حدثني عن معاناته وألمه قائلاً :

ـ لم أكتسب طاقات ورغبات معوضة عن الهندسة والأدب. بل فرض عليّ أن أقوم بوظيفة لا أرغب فيها ولا هي ترغب فيّ أصلاً. حين بلغت سن الرشد أدخلني جدك يا ولدي  إلى الكلية، بضغط الظروف، لكن إلى كلية عسكرية. لا هندسية ولا أدبية.  كان الحصول على مقعد في الكلية العسكرية أو في كلية الشرطة رغبة مسعورة  لدى غالب الناس . وفق هذا التحرك الميكانيكي تشكلت إرادة المصادفة لأن أكون ضابطا  لحراسة مصالح الحكومة وسياستها ووجودها  أمام الغرف المظلمة في هذا الزمان الصعب. بينما كان دمي يجري في داخلي مجرى آخر من أول يوم دخولي كلية الشرطة  دافعا إياي لحراسة القانون والنظام ومصالح الناس ووجودهم .

أي مأزق وقع  والدي  فيه..؟ فقدَ ، وإلى الأبد، آماله كلها. فقدَ كتلتها، ووزنها، وطولها، وعرضها، وعمقها. لم يعد شيء  يساعده على النفاذ من حالة الإحباط . من الصعب جداً أن تمر شرارة جديدة من الحظ لتبعث فيه أملاً جديدا منذ أن وضع نجمة الشرطة على كل كتف من كتفيه. مع ذلك بقي متماسكا، صابراً، متآلفا مع نفسه، ومع المجتمع، متنافراً مع الشرور المتحركة في المجتمع أو التي يوحي  بها  الآخرون. لا يمر يوم من دون أن يلمع نجمتيه مؤنبا نفسه :

ـ حلمتُ، منذ طفولتي، بأشياء كثيرة. لا أستطيع تذكرها الآن . لكنني ما حلمتُ، إطلاقا، أن أكون حارساً لغرفة مظلمة تُعدّ نظاماً متكاملاً من الأفكار والأساليب والمعدات لمحاربة عقائد الناس ومسار حياتهم  . شيء ما كان يراودني في كل أحلامي هو العيش في النور، في الشعر أو في الأدب، كي أكشف الأشياء المتحركة وغير المتحركة في هذه الحياة. إن تعذر عليّ تحقيق هذا العيش، فعلى الأقل أتمنى البقاء في الظل بحيث أستطيع أن أنظر حولي بإمعان . ذلك لم يتحقق . آلمني أن أُمسي فريسة دائمة لنوع من أنواع الحظ السيئ .

ظن عدد من الناس المحيطين به  أنه دخل ساحة المخاتلة، أو أن حظه السعيد، كما يعتقد بعض منهم، أدخله  فيها. هذا الظن ليس صحيحاً.  دخل المكان بلا إرادة. وأن  يغدو  إنسانا شرطيا للحكومة  بلا إرادة ،  يفقد في نهاية الأمر صفة الإنسان الحقيقي متحولاً إلى مجرد فرد، مجرد رقم، مجرد كتلة من اللحم والدم، ليس له غايات، ولا طموحات، ولا أهداف، ولا قيمة. لا يذهب، مع الأيام، أبعد من التفكير بلحظات الموت. تبدو، في كل ذلك، حقيقة أن الحياة ليست سوى حاملاً من حوامل التعقيد والجمود، يصعب معها على الفرد المرقم أن يدرك وحدة الحياة ومفاهيمها.

أزهار متعددة مرت به ومر بطحالب كثيرة حتى أصبح حاملا تاجين على كتفيه بدلا من نجمتين لكنه طيلة حياته لم ينل التاجان إعجاب والدتي فقد كانت تعتقد أنهما وعد يجتذب النظر لكنهما لا يجتذبان الشعور والقلب..

ـ  كنت اعتقد أن من يحمل نجوم الحكومة أو تيجانها على كتفيه ينحاز إلى مملكة الظلم حتى بدون وعي ..

أنهت والدتي كلامها في يوم من الأيام وهي تحدثني عن اقترانها برجل أحبته لكنها ما أحبت وظيفته ولا نجمتيه الأوليتين على كتفيه .

- - -

 

<

>