|
Iraqi Electronic Library المكتبة الألكترونية |
روايــة مذكّرات سجّان بعد خراب البصرة .. |
|
جاسم المطير |
|
لا ادري هل سيجري كل شيء على ما يرام في ما تبقى من سنوات عمري، إذا أعطاني الله حق الاستمرار في الحياة لبضعة سنوات أخرى، بعد إحالتي إلى التقاعد..؟ يا للفرح . ما أسعدني الآن ، بعد أن تخليت عن مهنة الحراسة القاسية. تباً لها من مهنة. أشعر بالقرف منها حتى بعد تركي لها. سأظل أشعر بأسى كبير، في كل عمري، لأنني امتهنت الغباء، والشراسة، والانفعال. كنتُ أحترق وأنا أحاول تحرير نفسي من غباء مهنتي، من شراستها، من انفعالاتها كل يوم، بل كل ساعة من ساعاتها وأنا امسك مفاتيح الغرف المظلمة. أيمكنني، بعد هذا، مواصلة العناية بنفسي وبأولادي وبالناس القريبين لي..؟ هذا الأمر متروك للزمن والحظ كما يقال، أو كما يقوله أصحاب الفقه والدين و الفلسفة من أن الحياة تضمر لكل فرد خصائص ثقيلة، غامضة، غريبة، حسبما تتحكم الإرادة الإلهية . سأظل على باب الرجاء حتى وإن استمر الصدام القوي بيني وبين الحظ ، أعني سوء الحظ. مثلما كنت أصطدم، دوماً، بأشياء صلبة إبان وقوفي بباب هذه المدينة التي تدير أمرها في زحام الحياة، هاربةً من حالة الجوع والفقر. مرة أخرى وأخرى كنت أسأل: ما الفقر..؟ لا أحد يعرف. لا أحد يمكن أن يجيب. ليس الفقر إلا اسماً مجرداً، كما يقول بعض الفقهاء، أنه نشيد مسموع لا يحافظ على سكينة الروح ولا على صفاء الذهن. الفقر خرافة لغوية ابتدعت لإخفاء ضعف الطبيعة، ولإخفاء ضعف العقائد. فقدَ الفقر امتيازه الوحيد الذي يتعكز عليه على أساس أنه من صنع الله ومن صنع الأقدار الإنسانية. هناك من يريد أن يحول الفقر إلى شيء غامض غموض الشبح. أعطاني جاري أستاذ التأريخ، كتاباً ألفه كاتب ماركسي تحدث فيه عن مستقبل أظنه لا يأتي. وقد يحدث أمر ما فيأتي. لكن هذا الأمر لا يحدث إلا بحلول لحظة تُستغل للتغيير. تحدث أيضا عن التغيير كثير من الفلاسفة، والشعراء، والكتاب من قبل. حين قرأت بعض كتب التأريخ وجدت ظالماً يسقط وظالماً يصعد إلى مكانه. ووجدتُ جحيماُ يحل مكان جحيم يولي. وجدت فظاعة الماضي أهون من فظائع الحاضر. مجهول يتواري ليحل محله مجهول في ظلام. أحلام لا تصدق ووقائع تصدق. هذا هو التاريخ حسب قول ناصر جابر مغامرة تجول في حياة الناس وعقولهم قبل شروق الشمس وبعد غروبها. - هذا هو التاريخ يقاد فيه الناس كالماشية إلى العلف ثم إلى السلخ. ثم أضاف : - القبضة الجبارة وحدها تحمل حزن التاريخ ولهفته. قلت لجاري في حوار، في ظهيرة حارة تعقيبا على مقدمة كتاب على طريق الهند ترجمه عن الإنكليزية عبد الفتاح إبراهيم اقترح علي أن اقضي وقت تقاعدي بصحبة صفحاته : -الأفكار المكتوبة في مثل هذه الكتب ليست سوى أفكار بعيدة عن واقع الحياة في بلادنا . - لكنها أفكار طيبة بمعلومات وافية تنبؤنا بما يحدث في مستقبلنا.. - أكثر الناس يتحلون بأفكار طيبة عن المستقبل لكنهم لا يستطيعون أن يغيروا شيئاً. نقرأ اليوم ما نراه صوابا فيأتي الغد بعكسه . لم أجرؤ على مناقشته حتى لا يفهم أنني قلق بشأن الفقر الذي أعانيه والفقر الذي تعانيه مدينتي وبلادنا كلها رغم أنه يعرف ذلك جيدا كما أعتقد . استنشقتُ بارود الفقر في كل مراحل حياتي. لم أقاوم . لم أبد أي عصيان بوجهه. منذ تلك الظهيرة ولحد اليوم ما التقيت بأستاذ التاريخ. وجدوه مقتولاً مرمية جثته قرب النهر الكبير بعد أن سرقوا نقوده . لا أحد يعرف الحقيقة فقد ضاعت بعد يوم دفنه . سرت بعد موته أنه كان من أتباع كارل ماركس لكنه لم يموج سحاب كهذا في سماء لقاءاتنا الطويلة خلال أعوام طويلة.. لا ادري كيف أفسر هذا هل كان يخشاني لكوني أحمل نجوم الحكومة وتيجانها أم أن وقاره كان يمنعه عن التباهي بأرواح ستعرف طريقها من تلقاء نفسها إلى أفكار الآخرين.. لست ادري . لكنني ادري أنني سأظل حزينا بفقدانه وسوف اشعر دائما أن مكانه بجانبي سيظل ينير بضوء خافت . في كتب كثيرة استعرتها منه عرفت أن كارل ماركس افترض أشياء كثيرة عن حركة الناس وعن حركة المجتمع حين أعاد تفسير الرأسمالية ونظامها وموقع الأغنياء وأدوارهم حتى في مدينتنا التي أظن أنه لا يوجد فيها شخص واحد يفهم الماركسية مثلما لا يوجد فيها ثري واحد يستطيع أن يجيب على سؤال ما هي الرأسمالية . حتى الشيخ عبد القهار عبد العزيز إمام وفقيه جامع كبير، بابه الخلفي يقابل باب دارنا، عجز عن تفسير معنى الفقر. تحير قبل أن يجيب: - الفقر شيء مقدر. - حسن .. مقدرٌ من مَنْ..؟ - من الله. هو الذي يوزع الرزق كما يشاء. يخلق الفقراء مثلما يخلق الأغنياء. أسفت كثيراً لعجز الجميع عن رد الفقر إلى أصوله وإلى مسبباته الحقيقية كما كان يفعل ناصر جابر. يبدو أن الطبيعة ما تزال تحتفظ بسرها عن الفقر. الفلاسفة كلهم لا يستطيعون أن يكشفوا شيئاً عن نظام لا يريد أن يتنحى جانبا. يا للأسف. كل الأجوبة تحمل روحاً ظلامية أو روحاً مبهمة لا تمنح قناعة ولا استقراراً فكرياً أو نفسياً لأن كل الأجوبة تبدو مثل قشور الرقي الأبيض. بياض الرقي دليل على الطعم السيئ. بل هو فساد. يبقى الرقي الأبيض لحامله مجرد قشور. لا قيمة للقشور غير زحلقة الغافلين. يظل الفقر أساس كل بلاء المدينة. اليوم احمل, لأول مرة، رأياً قاطعاً بالحياة. بحياتي بالذات، وبواقع مجتمع نشأتُ وعشتُ فيه. ولأن الخوف كان شيئاً مطلقاً في صدري فأنني قضيتُ حياتي بسيف مغمد، برغم أنني اعرف تماماً أن السيف أهيب ما يرى مسلولاً. حتى هذه اللحظة ما زلتُ أتغاضى عن ذكر مجرى وتفاصيل الحركة في حياتي دون إرادة مني. تركتُ، والحمد لله، مهنة حراسة مصالح وقرارات وسياسات الحكومة . مُنحتُ هذه النعمة، بعد 35 عاما من تصبب العرق لحماية ظلم حكومات حصلت على ما تريد من دون أن تقدم شيئا للآخرين . نعم .. تخلصت من قربة حملتها على كتفي يتدفق من ثقبها ماء ثقيل قطرة بعد قطرة مبللا ملابسي كلها ، اشعر اليوم إنني بُعثت من جديد كأنما مُنحتُ تذكرة سفر إلى الراحة، والتأمل، والابتعاد عن إرهاق أو أذى يمكنهما أن يمنعاني من ذكر الحقيقة. أنا مسرور لذلك غاية السرور. صحيح أنني أعاني من حالات القلق والاضطراب. لا أدري هل ينتهي ذلك ويخرج من حياتي أم لا . كل تجربة في الحياة تقول : لا يستمر توغر الأمور إلى ما لا نهاية. لا يشتد تعقد الزمن إلى الأبد. فبعد كل عسر يسر. الزمن هو الذي يحسم الموقف نهائياً بما يحمله من أقدار ومصادفات. هذه كلمات التاريخ. تعلمتها من صاحبي الذي قُتل. هذا هو ما اعتقدت به دوماً، استطعت السير في مدينة على طريق الهند مثلما يسميها ناصر جابر . يريد الإنكليز أن تكون لهم كنزا مثل الهند سكانها عراة جياع مثل سكان الهند . تطفو في مدينتنا معارف كثيرة ، وعلوم كثيرة ، وسلع مستوردة كثيرة لكن الشيطان نفسه فيها مصاب بالجنون ، والحمام فيها سمه أقوى من سموم الحيّات لأن الحكومة قتلت كل ملائكتها. أنا عرفت أزقتها واحداً واحداً، بيتاً بيتاً. وهي عرفتْ شراييني جيداً. تصرفتْ معي تصرفاً حكيماً منذ ولادتي فيها، مثلما أفلحتُ في تهدئة خاطرها بفضل ما قدمته لها من وقت، وجهد، وتضحيات متواضعة وغير متواضعة في أعمال ووظائف وحروب أشركوني فيها شرطيا مقاتلاً ضد شباب مدينتي مرة. أجبروني على المشاركة في قتالٍ جرى ضد الشماليين في مرة ثانية. حتى أنهم أرغموني على القتال ضد سكان الشمال لأنهم يجب أن يتكلموا بالعربية وأن يمتنعوا عن ممارسة أخلاقهم وثقافتهم الكردية . ليحفظهم الله من مصائب وخطوب أخرى فالأكراد ناس فقراء كرماء طيبون لكنهم يواجهون مثلنا نقائص تتباهى بها حكومتنا .. حاولوا إشراكي في صراع بعض كبار رجال الحكومة ضد الشيعة في القرنة والديوانية كي لا يلطموا على الحسين الشهيد راجلين في الشوارع فاعتقلت بيدي أحد شيوخهم الورعين . أرادوا مني أن أحارب ضد السنة يوم اعتقلت شابا وشابة من عائلتين متناقضتين : عائلة الشاب فقيرة وعائلة الشابة من كبار الملاكين ، تزوجا من دون رضا عائلة شابة جميلة منعوا عليها الحب فقتلها شقيقها بعد إطلاق سراحها غسلا لعار عائلته . هرب القاتل إلى المملكة السعودية حتى لا يطاوله القانون العراقي ، أنهم جميعا يغلقون أبواب الحياة أمام الناس .. لا شأن لي بكل هذه الصراعات والحروب، ولا بنتائج ظالمة أعقبتها و أبقت الظلم وشددته، وأبقت المدينة كلها محجوبة عن ضوء الشمس والقمر. لذلك اضطررت لوضع أقنعة متعددة، مختلفة الأحجام، متنوعة الألوان، على وجهي، لإخفاء حقيقة موقفي من تلك الحروب كي لا أكون ضحية لموقف أحمق إذا ما وقفتُ معهم أو ضدهم. سمعت مثلما سمع أهل المدينة كلها عن كلمات الحرية، والمساواة، والحق، والعدل، والقانون، والإنسانية. أحيانا تبلغ أسماعنا هذه الكلمات وهي تحمل شدة البأس في القتال، في بعض أرض الله الواسعة، حداً جعلها تنزل ملوكاً من عروشهم ، وتحاكم قتلة بعد بصيرة دقيقة بجرائمهم. لهذه الكلمات وقع ورنين خاصين في أذهان الناس منذ قرن من الزمان. أصبحتْ في ما بعد بديهيا تُكتب في الجرائد، تتضمنها أناشيد مدرسية ولافتات معلقة في جدران القاعات والساحات العامة. في مدينتنا، تبدو هذه الكلمات موجودة ومكررة حقاً، لكنها تداس بالأحذية. تداس بسنابك خيل الشرطة الخيالة . تتمزق تحت زحف السيارات المسلحة، والدبابات. وجودها في صدور الناس، أو في بواطن الكتب، يعرض الجميع للعزل والسجن والتعذيب ربما للتهجير. لا حاكم وجدته يحترم هذه الكلمات أو يتحمل وجودها أو سماعها، أو يرضى عن أستاذ التاريخ وهو يتحدث عن التاريخ. صارت عندنا محن كثيرة فاظهر الحكام ابسط صور القبول بنتائجها، ثم رسموها في عقول الناس أجمعين. حرقوها معاً. حرقوا الرسومات والعقول في ليلة اشتد فيها حمقهم وجنونهم. صارت عندنا أحزاب، أيضا. أبقوها في مراحل متأخرة لا تلحق بالحياة. صارت عندنا صحف أبقوها في مرحلة البويضة. قيل أن للناس حرية. لكن أمرها لم يستتب إلاّ للحكام فقط. كل كائن بديع، حي، تسري في جسده حرارة الحرية، أو صورة من صور الحق لن يسلم من الموت. من يتصدى ضد الموت أو ضد الحكومة فإنما يتصدى بمفرده أولاً، بصدره عارياً، بشجاعته الخارقة ، يمكن أن تحرك مجتمعاً في لحظة ما من لحظات التاريخ تحدث عنها أستاذ التاريخ المقتول، لكنه ظل حياً في عقول الناس وهو يصرخ: - أنتم أيها السادة الحكام أكثر عبودية من جميع الناس الفقراء في جميع المدن الواقعة على طريق الهند في هذا الزمان .
سنحت لي الكثير من الفرص لمغادرة المدينة إلى العاصمة أو إلى مدن أخرى. لكنني ما أذعنت لأية فرصة. ما أذعنتُ لغير شيء واحد كان يلح عليّ في داخلي: ضمير البقاء في مدينة أحبها. بين ناس أحبهم. - اذهب إلى العاصمة يا ابني. فيها فرص كثيرة. أنها مدينة كبيرة. فيها تترقى وتنال أعلى الرتب. كان عمي يحثني على ذلك . لكن والدتي تعارض أيّة فكرة من هذا القبيل. - اذهب إلى العاصمة يا ابن أخي. أنها مدينة كبيرة. - لا توجد مدينة في العالم بنظري أكبر من البصرة . - في بغداد يا ولدي الدولة كلها بيد شخص أعرفه لا يرد لي طلبا ، بهجت العطية قد يساعدك في بغداد لتترقى . وظيفته أكبر من وزير.. أنه أبن مدينتنا. فخامة الدولة وعظمتها كلها حوله وحول رجاله .. الوزراء يجلسون على كراسيهم اليوم ليطردونهم غداً . لكنه لا يتغير.. ثقة جلالة الملك به قوية .. صداقتي معه قوية ..لا يوجد إنسان أو موظف لا يهابه .. الحكام كلهم يعتمدون عليه ولن يردوا له كلمة أو طلباً. قد يساعدك ويجد لك منصبا ممتازا. - لا احتاج لمساعدة أحد. - قد تحصل على مزيد من ... قاطعته: - أرجوك لا تضغط عليّ ولا تلح .. لا توجد مدينة أكبر من هذه في العالم كله. . مدينة كبيرة بكل الأشياء وكل المقاييس. كبيرة منذ أوائل تشييدها في أول ظهور الإسلام. أخرجت في مختلف الأزمنة، عدداً من العلماء والفقهاء في مختلف فروع العلم والمعرفة. منظرها بسيط وأنا أحب البساطة. ناسها وديعون وأنا أحب الوداعة. مدينة هادئة تملك قلباً طيباً. لكنها، منذ قديم الزمان، تحمل راية السخط، إذا وقع عليها ضيم. تحملت الكثير من الأحلام . أصابها خراب تلو خراب حتى صار الناس يضربون المثل عن خرابها ، خراب البصرة ، كلما أحتلها أجنبي غادر. لكن كثرت فيها المساجد والمكتبات. فيها، بالذات، أخذ النحو العربي شكله الذي عليه الآن . عاش فيها الفراهيدي .. صديقي أستاذ التاريخ يلقبه: أذكى العرب. أكتشف هذا الذكي قواعد وضوابط النحو. عدّل الكتابة العربية بإدخال الحركات بدلاً من النقط. وضع للموسيقى رموزاً علمها للمغنين والموسيقيين. كشف سر الشعر العربي بوضع البحور، مضيفاً إليها بحوراً جديدة لم يعرفها العرب من قبل. أهناك شيء أكبر من هذا في دنيا العرب وفي أرض الله الواسعة يا عمي .. لماذا تريدني أغادر البصرة ..؟ أمن أجل أن أكون قريبا ذليلا من بهجت العطية .. ! أتعلم يا عمي أن العطية صاحبك يُلعن يومياً في الشوارع والأسواق والسجون ألف مرة بينما يلعنون الشيطان مرة واحدة . ***** ناصر جابر نفسه يكرر معلوماته عن مدينتنا أمامي حتى حفظتها في قلبي . ألا يحق لكل واحد من أبنائها أن يفخر بوجوده معها و فيها...! سألته : - لماذا لا تتكرر علوم الماضي في الزمن الحاضر ..؟ - أنها تتكرر بصور جديدة يا صديقي في كل لحظة . العالم يتغير ويتطور . كل بلاد الله تتغير وفقا لحكمة النبي سليمان ووفقا لنظريات آينشتاين . - أعني في بلدنا .. لماذا نسير إلى وراء وليس إلى أمام مثل بقية العالم ..؟ - توقفنا عن السير إلى أمام حين اختلفنا بيننا أكثر مما اختلفنا مع آخرين . بقينا وقوفا على هضبة لا نرى منها غير أنفسنا . المدن الرومانية صارت أنقاضا قبل آلاف السنين لكنها حفلت الآن بقباب عالية لأن الرومان يبنون مستقبلهم أكثر مما ينوحون على ماضيهم . نحن ننوح على كل شيء وعلى كل الأزمان.. المساجد تنوح .. باعة البضائع ينوحون .. النساء لا تسمع منهن غير النواح أمام المقابر وعلى الافرشة .. أجساد الناس تنوح من سياط بهجت العطية ورجاله .. بيوت القرى تنوح من الطين والقش ومن سياط الإقطاعيين .. بيوت المدن تنوح من الغش والكذب والخداع .. ! هل بكل هذا يمكن أن يظهر علم جديد أو أدب جديد .. ؟ لم يكن عمي محقاً ولا عادلاً في نصيحته بمغادرة مدينتي . سمعتُ من كتب التاريخ ومن لسان أستاذ التاريخ ناصر جابر أن الناس من كل حدب وصوب يتوافدون على البصرة يعيشون فيها أو يكتبون أو يدرسون فلماذا يا عمي تمارس ضغطك علي لمغادرتها . وا أسفاه على البصرة . لا أحد من رجال الحكومة ولا رئيس الحكومة نفسه يعطي البصرة ما تستحقه . يأخذون من باطن أرضها نفطها مهللين بالتحية لها ولشركاتها الباحثة عن مزيد من الكنوز لكن الجميع يتكبرون عليها وعلى أهلها .. الفقراء يزدادون فيها .. يستخدمون سعف النخيل حطبا . وها هي الوحول تتعمق في طرقاتها غير المبلطة . صولجان الحكومة متأهب لإرسال طلاب العلوم فيها ومعلميهم عزيز وطبان وموسى كاظم وعبد الوهاب طاهر وعلي شعبان وسامي أحمد وعبد الهادي إبراهيم وشاكر محمود وسليم اسماعيل وهشام البعاج وسلطان ملا علي وشقيقه محسن وكاظم معتوق وهادي طعين ونصيف الحجاج إلى سجون الكوت وبغداد وبعقوبة ونقرة السلمان حيث يستمر صولجان السجانين ضاغطا على عقولهم لينتزع منها علومهم . كل سجّان هناك يأتمر بأوامر صاحبك البصري بهجت العطية يا عمي . ضيعوا مدينتنا عن بكرة أبيها . يا للويل . يريدون القضاء على كل ما هو طيب ومفيد في هذه المدينة ليجعلوها ترجع إلى وراء الوراء . لو كنا نملك أجنحة تطير بنا إلى التاريخ لوجدنا مدينتنا قبل ألف عام تملك قوة عظيمة ، ليست قوة الذهب والفضة والنفط بل قوة العلم والفن والأدب . أنت تذكرني الآن يا عمي بواحدٍ من خلفاء بني العباس أحب مدينتنا أكثر من أية مدينة أخرى ، أكثر من أي واحد من أعضاء حكومات هذا الزمان . هو نفسه قال : أحب البصرة . كان يترك عاصمة خلافته، بين حين وأخر ، ليزور مدينتنا. يجتمع بعلمائها أكثر من اجتماعه بحكامها، وحراسها، وقضاتها، وشرطتها. يدنو من هؤلاء ويقربهم منه. يحثهم، بصورة متواصلة، وبمختلف السبل، على مزيد من العمل لتطوير العلوم، والفقه، واللغة، والطب، والرياضيات وحتى الموسيقى. صدر منه، ذات يوم، أمراً يقول: - سجلوا لي في سجل خاص أسماء العلماء كلهم من أبناء هذه المدينة. أريد إحصاء كاملاً. لم يسبق لأي خليفة من قبل أن طلب مثل هذا الطلب. لم يكن هنالك أي إحصاء. لذلك ذهب جميع من كان في معية الخليفة وجميع أعلام وحكام المدينة إلى الإحصاء. وقيل له بعد يومين: - عدد العلماء سبعمائة. - ما عدد تلامذتهم. - أحد عشر ألفاً يا مولانا الخليفة. سر سروراً عظيماً. بات ليلته في حفاوة بالغة. غنى فيها المغنون. أمطر الشعراء هذه الحفاوة ببالغ القصائد وأعظم الشعر. - أجزلوا العطاء للعلماء. خصصوا للجميع رواتب مجزية. كرموا هذه المدينة التي كرمت العالم كله بالعلم والعلماء. بالغ في إكرامهم وفي احترامهم. ثم أصدر أمراً آخر: - اجمعوا مؤلفاتهم. اجمعوا ما ألفوه من الكتب في كل ميادين العلوم والآداب المختلفة.
جمعوا كل ما ألف من كتب مختلفة، خلال مدة عشرين عاماً. كانت، وفق حسابات بعض المؤرخين أكثر من مائتي ألف كتاب، بين صغير وكبير. كما روى لي جاري أستاذ التاريخ رحمه الله فأن الخليفة أمر بنقل الكتب كلها إلى عاصمة خلافته. نقلتها ثلاث سفن كبيرة مع حراسة مشددة عبر نهر دجلة. حدثني صديقي عن أشياء أخرى كثيرة تتعلق بهذه الكتب إلاّ أنني لا أتذكرها الآن. لكنني أتذكر مرات عديدة صدر فيها أمر من بهجت العطية لأحصاء عدد الرجال المعارضين للحكومة وتقييد أيديهم وتصديرهم لسجون بغداد وغيرها .
لم يكن في نيتي اللجوء إلى الإبهام في التحدث مع عمي، أو مع والدي من قبل. لكن ما كررتُ قوله، دوماً هو: - أمن اليسير لإنسان ولد، هنا، أن يعيش خارج عقل مدينة سمّاها سليمان فيضي البصرة العظمى ..؟ - أنني أفهمك يا بني. تبين طريقك كما شئت. قالها عمي. - حسناً يا ولدي لا تنسى عهداً. قالتها والدتي. - إذن خض حياتك كما تشاء. ختمها عمي.
لا أريد أن أتحدث كيف يعمل الناس في هذه المدينة، هذه الأيام، أو كيف يعشقون، أو يحبون، أو يتزوجون، أو كيف يفرحون، أو يموتون. أريد، فقط، أن أكتشف شاعراً كتب قصيدة من الشعر الجميل المؤثر، في ورقة صغيرة تسربت أبياتها من أعماق الظلمة إلى عقول الناس تداولوها عن ظهر قلب، في أسماع المجالس، وفي همس اللقاءات الخاصة والسرية. ضربت القصيدة ورماً بالغاً في وجوه القضاة، والحكام، والشرطة. جميعهم يرتجفون عند سماع أبياتها، تتحول إلى وخز شديد في آذانهم الموقرة . تثير في نفوسهم بغضاً وحقداً لا يقفان عند حد. اعتقلوا عشرات الناس. مئات. شعراء وغير شعراء. كتاب وغير كتاب. متعلمين وأميين. لم يألوا أية واسطة أو وسيلة أو جهد في التفتيش عن شاعر القصيدة المجهول. فتشوا من بيت إلى بيت. من شارع إلى شارع. من منتدى إلى آخر. اقتفوا الآثار لكنهم لم يكتشفوا الشاعر، بعد. ما زالوا يقتفون أصغر أثر. أنا أيضا لم أكتشفه بعد. أنا أيضا أقتفي كل أثر. أعمل بهمة لكن البلبلة ما زالت تغلب ذهني. صارت القصيدة، وحدها، أكثر إثارة في حياتي الحاضرة. هدفي هو اكتشاف الشاعر. من هو..؟ هذا السؤال يأكل معي، يتحرك، وينام. من كتب أبيات القصيدة..؟ لا أقصد من هذه الرغبة العارمة في المعرفة، أن تساعد في القبض على الشاعر كما هو قصد الحكومة وقصد الشرطة السرية ذات العيون المنتشرة في كل مكان. أريد فقط معرفة أسم الشاعر. ربما أعانقه، أقبّله، إذا وجدته. ما أعظم مجد قصيدة أرّقتهم وأرّقت الناس المحبين لها أيضا. هكذا هو الشعر، حقاً. من يؤرق الظلم والحق، معاً، فهو شاعر. من يؤرق الظالمين والمظلومين فهو شاعر. من لا يؤرق أحداً ليس هو بشاعر ولا هم يحزنون، حتى ولو كتب آلاف القصائد. التهمت كلمات القصيدة بعد أن وصلتني سراً، قرأتها سراً، قبلتها سراً. حفظتُها كلمة كلمة، سراً سراً. أثبت بعدها إلى رشدي سراً. حملت نفسي على جناح السرعة إلى المستقبل. غمرتني كلماتها كلها بقدرة الناس على الظفر بالحياة، وبقدرة الحياة على أن تضرم النار بكل جثث الخباثة. يا الهي من هو.. هل له مسرات.. أم أنه كان باذلاً جهده كله في سبيل كسب الناس الآخرين وتوعيتهم ونقلهم من الخضوع والجمود إلى التمرد والتحرك.. أم أنه وضع قامته الشجاعة أمام رصاص وسهام خصومه.. أم أنه من أولئك الذين يتجمعون كل مساء في مقهى البدر بشارع الكورنيش على النهر الكبير.. أم أنه من أولئك الذين يشغلون أفكارهم بمأساة إنسان يرفض الخضوع..؟ كان صديقي أستاذ التاريخ قد حدثني عن تجارب الحياة. هذه التجارب، وتجارب الشعراء والعظماء، أكدت أن أشقى ما يشقى به الناس في مدنهم وبين ذويهم هو الخضوع . الخضوع هو أكثر متاعب الحياة إيلاماً. أكثرها تفاهة وعبودية. يفرضه الحكام على المحكومين ليصبح في ما بعد عادة يستسيغها الناس عقب الأمر الواقع، والإرهاب، والعنف، كوسيلة من وسائل سلامة الحكام والأقوياء . لكن الواقع يؤكد أيضاً، أنه ما سيطرت سلامة ناتجة عن الخضوع إلاّ انتهت إلى الموت. إذ ذاك تحل لحظة حاسمة في تحرك الإنسان ضد الموت. ضد الخضوع. أول اللحظات الحاسمة هو الشعر. أن جسم الشاعر خلق ليقاوم . - من كتب القصيدة..؟ سؤال وحيد تبقى لي يشغلني جوابه، وأنا في هذه المرحلة من رحلة عمري. سؤال يبحث الناس عن جوابه، أيضاً ، في هذه المدينة مثل غيرها . سؤال وحيد يبحث عن جوابه الأصدقاء والأعداء ممن أحبوا القصيدة أو كرهوها. أنا مستعد لسماع أي شيء، ومن أي كان، عن ناظم هذه القصيدة. أنا مستعد لنشرها، سراً ، بين كثير من الناس، كي تسهم في إنارة العقول وتغيير الوقائع والواقع مثلما حدثني عن ذلك أستاذ التاريخ بحرارة وحلاوة كلامه الحماسي عن القصيدة وصرختها الغاضبة. ظلت رغبتي هذه، تعد أبسط رغباتي منذ عدة سنوات. أنني، كباقي الناس، تواق لأشياء عديدة أخرى . لكنني انصرفت الآن عن البحث في عالم بعيد المنال، اكتشفت أن أشياءً كثيرة وكثيرة جداً في هذا العالم ما عادت، في مثل سني هذه، تملك القدرة على تغيير حياتي. أتطلع إلى مداعبة خيالي، كل لحظة، لإخضاع كل الأشياء للعقل، والحس، والمثل، والعمل، والنموذج، والمدرك. أيمكن أن يكون الشعر أداة، وأن يكون شاعر هذه القصيدة مغيراً..؟
تجاوزت الستين من عمري. ما زلتُ محافظاً على رشاقتي. مستقيم العود. يقولون عني أنني احتفظ ببريق عينين رماديتين. ما تزال فيّ، برغم هزيمة الشباب، بقية من شهامة شجاعة تدل على أنني لم ولن أطأطأ رأسي لأحد .. غير أن وظيفتي ليست غير مظهر من مظاهر خضوع الاستلقاء التام أمام كبار رجال الحكومة .. كان شبق السلطة ينزّ من نجوم كتفي لكن رائحة الذل تنزّ من تحت إبطي .. كنت أتحدث إلى ولدي عمـّار ، حاثاً إياه على ممارسة التمارين الرياضية اليومية. فأن لها دوراً في استمرار قوة الشباب وروحه. - أتسمح لي بالانصراف لتناول طعام العشاء..؟ - دعنا نتناوله معاً هذه الليلة يا عمـّار. - أشكرك يا والدي. لي موعد مهم مع أصدقاء آخرين . نهض فجأة كمن أصابه سوء. أحسست أن شبابه مثل شبابي. لن يعاني من إهمال الصداقة، لا يتخلف عن أي موعد مع الآخرين . كانت عيناه تتلألأن بوميض سعادة كلما أنجز عملاً مهماً. - العمل هو حياتي يا والدي . تعلمت ذلك منك. - هذا صحيح. الحياة الحقيقية تنتهي بانتهاء العمل. اذهب إلى موعدك. سأتدبر أمر عشائي بمفردي. ربما أتدبره مع والدتك. قفز عمـّار متجهاً إلى خارج البيت. بدا أمامي هذه الليلة أكثر نشاطاً وفتوة وبراءة. كنتُ معجباً بطريقة حياته رغم أنني لم استطع متابعته على وجه الدقة والتفصيل. عندما بلغ الثامنة عشرة من عمره كان متفوقاً في الدراسة وفي عدة فعاليات أخرى، ساءلت نفسي أيكمل الإنسان صفاته لمجرد أنه بلغ سن الرشد وأصبح جسماً نشيطاً قادراً على الحركة والنمو والتناسل..؟ سلكتُ، مذ كنت شاباً في مثل عمره، مسالك في العيش بلغت عقوداً متراكمة، بعضها فوق بعض. استطعت أن أضبط في نفسي شراهة البهيم. هدّأتُ في طباعي كل أشكال النهم. اّلفتُ بين الآخرين، ائتلفت معهم. رأيتُ الخير أفضل من الشر، فأطعت رأي الناس بالخير. تضاءلتْ قوتي أمام قوة الجماعة في الحكومة . دعوتُ، طوال حياتي كلها، إلى الفضيلة والتطهر والكمال. برغم أن صديقي أستاذ التاريخ كان يقول عن دعواتي هذه أنها خرافية، ليس لها أي مكان في عالم اليوم طالما أنا أحمل نجمات الحكومة على كتفي . وها أنذا، في هذه السن المتقدمة أحتفظ ببقية من طباعي، ببقية من تلك العهود البدائية الأولى، ارتد إليها في الظروف الصعبة القاسية معاندا نظرية صديقي عن خرافة العلاقات الإنسانية في هذا الزمان. على مائدة العشاء تحدثتُ مع زوجتي. كانت تصغي بانتباه تام، بينما واصلتُ حديثي كالمذيع دون انقطاع: - يقال أن بعض الناس يحبُ شيئاً من دون أن يشعر . من دون أن يعرف السبب. أنا، يا زوجتي من هذا البعض، كما يبدو. تنهدتُ قليلاً وأنا أنظر إلى عيني زوجتي. كانت في غاية الانتباه. ابتسمت بود وإخلاص . كانت مسرورة تماماً هذه الليلة: - صحيح أنا لا أحب معاكسة الريح ولا معاكسة الحكومة، ولا حتى معاكسة أي كائن. لكنني أجد نفسي متعاكساً مع كل شيء، هذه الأيام. لقد انقلبت الدنيا في رأسي منذ أن قرأت القصيدة. يبدو أن القصيدة ذكرتني بكل مصائب الحياة، بكل ما تحملنا من الحياة بصبر وأيمان. لا اعلم لماذا انقلبت الأفكار كلها أمام عيني..؟ تغيرت طباع الناس وعاداتهم وأخلاقهم، صار كل واحد منا لا يجد أي موضع لقدميه. تذكرتُ القصيدة، فجأة، إذ كثيرا ما كنت أتذكرها عند أي حديث عن الحكومة، أو الحياة، أو الصبر عليهما: أحببتُ القصيدة رغماً عني. أتعبني هذا الحب. وجدتُ في صوت القصيدة صوتي. رفعت نفسي إلى درجة الإنسان. شيء ما يصرخ في داخلي: تحاببنا تحت العاصفة، أنا والقصيدة. أحسستُ أنني أكبر وأكبر. هذا هو فعل القصيدة. اشعر تماماً. لو لم تكن هناك قوة عظيمة في داخلي لم يكن هناك حب أبدا. لم يكن هناك حب للقصيدة أو الناس أو لزوجتي الحبيبة. انظري يا زوجتي إلى أناملي، ترتعش. تقبلت حمل القصيدة بيدي المرتعشتين، تقبلت كل كلامها بعقل متزن. برغم كل شيء، فأنا مدجج بالسعادة لأن هدف حياتي، الآن، هو البحث عن شاعر هذه القصيدة، عن أسمه ورسمه وضميره. يبدو أمامي كالمصباح. ألا يجذب المصباح كل إنسان في الظلام الكثيف المنتشر في سماء البشرية الملتهبة بعواصف شديدة في هذا الزمان. ليست سماء بلادنا بلا عواصف . من يقول غير ذلك فهو كاذب خادع . الوزراء والأغنياء لم يعودوا غير مهرجين يمشون وراء عربات تجرهم إلى وراء . ما قلته ليس هذراً. أنا بكامل وعي رغم أني تناولتُ الليلة قدحين إضافيين من العرق ولم أسكر . أحاول أن أقلد أستاذ التاريخ في طريقة حديثه وفي التقرب إلى أفكاره. كان العشاء لذيذاً حقاً. شعرتُ بمزيد من السعادة، حقاً، حينما أدركتُ أن زوجتي تصغي إليّ دون أن تنبس ببنت شفة. ربما كانت مشغولة الذهن بما سمعته عن حبي للقصيدة. أو أنها اعتقدت أن كلماتي تهبط إليها من حالة استغراب أو من حالة غير واعية جعلتها شاردة الذهن.
جاءت مناسبة القصيدة لتطفو على سطح أفكار الناس . حتى أفكار سكان بيتنا الصغير تأثرت بها . أصبح حالنا مثل حال الواقع المنتشر في المدينة بعد أن طفت على سطحها حبات من أنغام الوعي لتدخل، بالتدريج والبطء، إلى أسماع الناس. الوعي يحرك الناس . هذا ما قاله أستاذ التاريخ فصارت عندي قناعة كاملة أن الوعي يحرك التاريخ على مر الأزمان الماضية والحاضرة. سمعتُ أن أحدهم قُتل لمجرد أنه يحمل وعياً معيناً. لم يكن هذا الوعي مرغوب فيه من الحكومة. قال الضابط القاتل: - قتلتُ سلطان الوعي لا الوعي نفسه. - أتعني أن الوعي لا يقتل..؟ من يجرؤ أن يقول نعم..؟ قتلتُ غضب الوعي. اقتلعت عينيه. منعتُ كلمته. لكن الوعي نفسه ظل حياً. - كلما مد الله في حياتي وحياة الحكومة سأظل قاسياً مع الوعي. لا بد من إنهاء قوة الوعي من عقول الناس قبل أن تكبر فتنتهي حياة الحكومة ذات يوم. بهذه الكلمات استفزني الضابط أنور نوري المختص بجلد المعتقلين في غرف الشعبة الخاصة . دائماً أسأل نفسي: هل أن القتل مسلك إنساني..؟ سرعان ما أتذكر رأي التأريخ والمؤرخين: القتل مسلك بشع. مسلك قبيح. مسلك حيواني. أنها لحظة يغادر فيها الإنسان فصيلته. إذا كان القتل مسلكاً حيوانيا لماذا يمارسه الإنسان ضد أخيه الإنسان، في السلم وفي الحرب، بينما الحيوان نفسه لا يمارسه في البراري والأدغال. هل رأيت أسدا يقاتل أسدا، أو هل رأيته يعتدي على صغار نوعه فيضربها أو يخطفها أو يقتلها..؟ لا يحدث شيء من ذلك. الحيوانات يمكن أن تتصارع ذكورا مع بعضها حول أنثى يريد كل منها أن يفوز بها. أو تتصارع حول فريسة لكن الصراع لا يصل إلى حد القتل. الإنسان أرقى الحيوانات في كل شيء ، حتى في القتل والشر والموت. أعرف إنسانا قتل إنسانا ثم قتل أناسا عديدين. فأصبح عظيماً من عظماء التأريخ. كلهم يعرفونه. أنه موجود في التاريخ وفي كل مكان. اعرف الكثير من الولاة والخلفاء والحكام كذبوا على شعوبهم فأصبحوا من الخالدين. اعرف أنبياء كذبوا أمام الله وأمام الناس فسامحهم الله. مدير حسابات البلدية محمد العمران سرق أموالها فصار محترماً في أعين الناس. في مجلسه يحضر أهم شخصيات المدينة. يعظمون أعماله كل يوم ويترحمون على آبائه وأجداده لأنهم أنجبوه. الحاج جميل وضع يده بالحرام مرتين : المرة الأولى سرق فيها سجاجيد اليهود وأموالهم وأغراضهم من دكاكينهم وبيوتهم يوم صار الفرهود شيئا حلالا بنظر مئات الناس في سوق العشّار كأن اليهود ليسوا بشرا من خلق الله . المرة الثانية سطا فيها الحاج جميل على أموال اليتامى من أبناء وبنات أخيه. كبرت الأموال حتى صارت ثروة كبيرة. بعد عشر سنوات ذهب معززاً محترماً من قبل مودعيه إلى مكة. ثم عاد مبجلاً مكرماً من قبل مستقبليه بعد حمله لقب الحاج إلى بيت الله الحرام. كف عن الحديث أيها العقل. كل شيء يتقهقر إلى وراء في زمن الفقر، والقتل، والكذب، والعذاب، والخنوع. ينتقل العقل عند كل إنسان، في هذا الزمان، من جواب إلى سؤال. ومن جواب إلى جواب، حتى يجد كل سائل وكل مجيب أنه ألتصق بحجر. مشاهد ولوحات مختلفة الأنواع والأشكال مرت من أمامي وأنا واقف كحجر . لا يوجد أحد من سكان المدينة لم يلحقه من عذاب الحرب العالمية الأولى أو الثانية . كل فقير تحول إلى قزم أمام الجوع وأمام المحتلين الإنكليز. . كان من الصعب على جدي أن يتذكر ما حدث في الفاو جنوبا وفي القرنة شمالا خلال الحرب الأولى حيث قتل فيها شقيق لجدي مع زوجته وأبنيه . ظل يبكي بكاء مرا كالنساء حين يتذكر ما فعل الإنكليز في ساحة أم البروم في الحرب الثانية . شريط من الموت مده العثمانيون بين أجدادنا وامسكه الإنكليز من بعدهم وهاهم الحكام العراقيون يمسكون بالشريط نفسه .. لا أظن أنهم سيتركونه قريبا . أنا ما جئت لهذا الشريط لا بإرادتي ولا وحدي . وجدت نفسي ممسكا به بقوة من دون أن أعرف لماذا .. لقد ثقلت عيناي من جرائم رأيتها . أكتنز قلبي كثيرا من الجروح .. وهنَ جسمي وماتت طموحاتي كلها لأنني شرطي .لأنني ضابط شرطة .. لأنني عقيد شرطة . الصمت يسود أينما أجلس في ديوان أو في حفل زواج يسعد خلاله الناس.. يصمتون حالما يروني . حتى السماء أراها صامتة حتى الأرض صامتة . هل أستطيع الآن بعد إحالتي إلى التقاعد أن أجمع قواي لتدوين ما تحمله ذاكرتي للناس الصامتين . هل أستطيع أن أبوح بأسرار تفتح جراحات القارئ والسامع والشاهد , لست رجلاً شجاعا ولم أكن شرطيا شجاعا . أقول لك يا أستاذ التاريخ ، أقول لكما يا ولديّ أن دموعي وحدها كانت شجاعة . اسألوا زوجتي فلديها الخبر اليقين . ليس الذنب ذنبي فأنا مقهور منذ ولادتي ومقهور بوظيفة نجوم خولتني الخضوع لمن هو أعلى مرتبة والخنوع لأوامر لا يرضاها ضميري ولا يرضاها الله . ليس هنالك ما يتمناه البشر أعظم من استمرار الحياة بصفاء وبعمل، وبمحبة، وبسلام. كل إنسان يتمنى لأخيه طول العمر، و الصحة، والسعادة. الحياة إذن هي هدف البشر كلهم وليس الاقتتال والموت. كل عمل، أو تصرف، يؤديان إلى إزهاق أرواح الناس هو شر مطلق مهما جرى الحديث عن شيء اسمه الدفاع عن الحكومة، أو الدفاع عن النفس، أو الدفاع عن القانون، أو القصاص من مجرم. ذلك كله لا يحول الموت من شر إلى خير. ليس من حق أي إنسان أو حكومة أن تزهق روح إنسان أياً كان السبب أو الدافع. حتى هابيل رفض أن يدافع عن نفسه ضد أخيه قابيل واّثر أن يموت من أن تمتد يده بالأذى لأخيه ولو على سبيل الدفاع. جاء في القرآن: لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك. أني أخاف الله رب العالمين. لكن أصدقائي من الضباط، والحراس، والشرطة، احتجوا على أقوالي هذه. كان ذلك في الشتاء الماضي حين قتلوا عشرة من الأشخاص الهاربين من الحكومة التجئوا إلى البساتين للاختفاء. قال أصدقائي من الضباط أن القرآن أباح الموت قصاصاً مرددين قوله الكريم: النفس بالنفس، ولكم في القصاص حياة، وجزاء سيئة سيئة مثلها. كان وقت الشروق قد منحنا نحن القوة المهاجمة للقرية مقدرة كبيرة في رؤية الشباب الهاربين وهم يقبعون وراء نخيل البستان كالفئران . صدر الأمر من أكبرنا رتبة : - أطلقوا النار عليهم .. - بإمكاننا يا سيدي أن نلقي القبض عليهم . - أطلقوا النار .. أنا الآمر . بدأت حرب الثلاثين شرطي مسلح ضد عشرين هاربا من الخدمة العسكرية الإجبارية لا يحملون بأيديهم غير خشاف التمر. النخيل كان صامتا .النهر خلفه كان صامتا .الأرض كانت صامتة . السماء كانت صامتة .. وجهتُ رصاص سلاحي نحو الأرض فقد خلا عقل الآمر إلا من مجموعة من صرخات هائجة تنذر الشرطة بويل الحكومة من دون نفاذ ذخيرة القتل المباح إلى داخل صدور المتمردين أو أمعائهم أو باطن رؤوسهم .لا أدري هل أصبت جسداً أدمياً برصاصي أم لا .. توقف الرماة عن الحديث حينما شاهدنا الجثث واحدة بعد أخرى ساقطة أرضا . عيوننا تجول بين مسافات الجثث .. يريد كل واحد منا أن يتراجع إلى العالم الأدنى لكنه صمـَتَ .. يريد أن يتألم لكنه صمَتَ .. يريد أن يغطي وجهه بيديه لكنه صمـَتَ .. يريد أن يصرخ بوجه السماء لكنه صمـَتَ . ما وجدت بعد ذلك النهار مذاقا في الشاي ولا صفاء في هدأة الليل . فقد ظل رسم القتلى والجرحى في عينيّ حتى الساعة . هؤلاء القتلة من منفذي أوامر الحكومة دون وعي، أنما ينسون أو ربما يتناسون أن القرآن لم يجعل من تلك الآيات مثلاً أعلى أو هدفاً نهائياً يسعى له البشر. ما من مرة يأتي هذا القول في القرآن إلاّ ويأتي معه قول يدعو إلى العفو والصفح: فمن عفا وأصلح فأجره على الله أنه لا يحب الظالمين. أي عدل هذا الذي فعلته الحكومة بقتل شبان خائفين من الجندية. ربما عائلاتهم بحاجة إلى عملهم كي يحصلوا على قوت الحياة. أهي سنة القرآن أن يقتل هؤلاء..؟ لم يجب أي واحد منهم على هذا السؤال. حين تحدثت إلى صديقي ناصر جابر، أستاذ التاريخ، عن جريمة شتاء مضى بقتل الشباب الهاربين من الجندية قال: - قتل إنسان واحد لأي سبب من الأسباب ، شر مطلق. فكيف إذا كان القتل قد شمل عشرة أشخاص، أو أكثر، بالمئات أو الألوف، كما يحدث من خلال الفتن والحروب. - أهذا شر مطلق أيضا..؟ - أنه شر واسع وشامل . شر ضد الهدف الأعلى لكل مثل الإنسانية. الشر القادم من الحروب يقتل، ويهدم، ويخرب، ويجوع، ويؤلم، ويمرض، ويطلق الحقد والبغضاء والثأر.. أنها مجمع كل الشرور والآثام سواء ارتكب الحرب فرد أو جماعة. استمر صديقي في الحديث كعادته دوماً، مستفيضا بما يقول. - يقولون أن شريعة الغاب هي التي تحكم علاقة الإنسان منذ الأزل. لن يزول ذلك حتى لو تقدمت الحضارة وأنتشر القانون طالما يوجد حاكم لا يعرف الحق . - هذا زيف حتماً.. لم أجد في أبعد تأريخ عرفه الإنسان إلا علاقات إنسانية قائمة على روابط متينة من حب وعاطفة مصنوعين من الله ، مثلما وجدت كرها وبغضاء مصنوعين من الناس. خلفت لنا هذه العلاقات أفضل أشكال الرقي من العلاقات الحضارية، والفنون، والمعمـّار تبهر كل عين، إضافة إلى الإنجازات العظيمة في الموسيقى والرسم والأدب، والشعر والغناء. تعال أنظر إلى حضارات ما قبل المسيح بآلاف السنوات، سواء في سومر، أو مصر، أو اّشور، أو بابل، أو عند الإغريق، أو الهند، والصين. لو حاولنا تجميع تلك الإنجازات الحضارية لاحتجنا إلى مجلدات ضخمة عن عظمة الإنسان القديم . ربما اعترفت زوجتي لنفسها بالندم لجلستها معي على مائدة العشاء. هذر في هذر عن الزمن والعقل والإنسان. الشيء الوحيد المبتعد عن الهذر هو الحظ. حالفني الحظ حين جاء يوم اكتشفت فيه إنسانيتي الحقيقية. ثم سألت نفسي: أي كهفٍ كنت فيه..؟ أي فراغ حدقتُ فيه بصبر طيلة حياتي الماضية..؟ دخلتُ دائرة الضوء حين عثرتُ على القصيدة. حين قرأتها واستوعبت بعض أبياتها. لم يساعدني أحد في العثور عليها. جاءت مع الزمن وفي دولابه ودورانه. - ليس صحيحاً يا أبتاه. أنا ساعدتك بنفسي. - لا تدعي شيئاً لم تفعله يا عمـّار. أنت قرأت كلماتها حسب. أنت ساعدتني في اكتشاف بعض أسرار كلماتها. عرّفتني أنها شعر في قصيدة. - أكثر من هذا يا أبتاه. لم أجب. أخذ يشرح لي كيف أنه فسر معاني القصيدة، وحدد مستوى وعيها، وموقفها من الألم، والفكرة، والإنسان. لا بد أن أقول حقاً أن ابني أحرق جسدي بكلماته. وضعني على عمود القضية المصلوبة في القصيدة. ماذا أعمل وكيف يكون تصرفي.. أنا فهمتُ غير ما فهمه عمـّار. كلانا له نظرة خاصة. هو ينظر للتاريخ مصنوعاً من علاقات البشر تماماً مثل شقيقه حارث. أما أنا فقد اعتقدت أن التاريخ هو تدبير من الله كي يعلم الطغاة كيف يخضعوا. لكن صديقي ناصر جابر رفض هذا الاعتقاد. على أية حال أنه قلق يصدّع رأسي على الدوام. كل مناقشة مع الولدين تضطرني إلى التزام الصمت والهدوء.
|