Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

روايــة

مذكّرات سجّان

بعد خراب البصرة ..

جاسم المطير

 

8

 

 

قطع عمـّار حديثه مبتعداً عني. دلّت ملامحه على بؤس حقيقي وهو يتركني لوحدتي. الحقيقة أنه يعرف جيداً، أنني أفضل البقاء وحيداً. قلتُ له كثيراً أن الوحدة أساس التأمل. بينما يصرخ دوماً أن التأمل يأتي بعد صراع الجماعة وجدلهم. لا أستطيع محاورته لأن فيها إصرارا من نوع ما  على فهم خاص لقصائد الشعر وكتابتها ومعانيها.  يعتقد أنني لا أفهم في الشعر شيئا لأنني شرطي .. الشرطي بنظره ليس سوى جلاد يجوب في الساحة وحيدا يحرك عصاه على الأرض أو يصفع بها وجوه الناس الضعفاء ...  لم يكن يدرك أنني لم أنم طوال الليل خلال خمسة وثلاثين عاما إلاّ مع حبوب المنوّم . في البدء حين حمّلوني نجمتين على كتفي تصورتُ أنني سأكون كاهناً في معبد الحقيقة والقانون وحماية أرواح الناس وصيانة حقوقهم . لم أكن موقنا أنهم حكموا على شبابي بزهو نجمتين على تقديم نفسي وعائلتي وتاريخ عشيرتي وأجدادي . حتى حياة ولديّ  أصبحت من ضحايا مذبح سلطة الحكام .. تصورتُ أنني أستطيع تحويل وصية أبي وجدي : كن نصير الفقراء والضعفاء..

لكنني سرعان ما اكتشفت حقيقة أنني لست سوى ذيل من ذيول الحكومة وحكامها .. يريدون تدمير أرواح الناس وأنا سوطها من أسواطها  . 

لم يفهم أبني  ما أنا عليه من معرفة وبما أنا فيه من عذاب  ..يركبه الغرور، معتقداً أنه الوحيد يستمتع بالشعر ويفهم فيه. إنه من صنف الأدباء والمثقفين المتبارزين حتى الموت من اجل أفكار جديدة اعتقدوها نافعة للجميع. بينما هم لم يمتلكوا ناصيتها امتلاكاً كاملاً.  هم  لا يدركون أن الحكومة  لا تفكر بغير معاقبة الناس وأولهم معاقبة  طلاب مدارس وكليات  يحاولون تغيير مقعد الدراسة من مقعد شكر للحكومة إلى مقعد الأمر بانطلاق التمرد ضدها . لذلك فهي تعاقبهم كي لا يفكروا بتغييرها ..إنهم لا يدركون أن قوة وشراسة الحكومة تجعلها متمكنة بكل الأحوال من فرض إرادتها على الناس . لقد أدركتُ منذ أول يوم انتسابي لقوى الشرطة أن الأعلى مرتبة يظل مالكاً لأرادته يفرضها على الأقل مرتبة .هذا هو شأن كل حاكم وعقل كل حاكم .. ففي باطن عقله أن جلجامش لا يقاوم .

قلت لنفسي بعد مغادرة عمـّار:

إنني ما كنت سجانا وحيدا  فعل ما شاء له الآمرون. كنتُ مستعداً باستمرار للانسحاب والانكفاء على نفسي، متفرغاً لقضاء الوقت في قراءة الكتب ..  أحب قراءة كتب التاريخ كما يفعل صديقي ناصر جابر. لقد قيل حقاً: أشقى الناس بالسجن صاحبه. أي السجان نفسه. السجان أكثر شقاءً من السجين. هذا هو درس الحياة. بئس الأمكنة السجن. فيه ينكشف الظلم. يموت الإنسان مع نفسه .. يموت السجان مع نفسه ومع الآخرين. تتهتك القيم، ولا يعبّر السجان، في النهاية، إلاّ عن قذارة وعذاب.

الحق أقول أيضاً: أنني ارغب في قضاء بقية أيام عمري مع أبي العلاء المعري كما نصحني صاحبي ناصر جابر قبل مقتله . هذا هو كتابه تحت يدي ..  نصحني ، لا أدري لماذا ، بقضاء وقتي مع شعره ومع رسالته ومع لزومياته. ربما لأنه أكتشف أن صورة الشعر عنده هي أقدم الصور في ذاكرتي. منها تفرعت مبادئ الحياة في أعماقي . أجل أنا أدرك أن مهنتي لم تكن تستلزم المثالية ولا العقيدة، بل الأخلاق . بقيتُ مع كل ذلك أؤمن أن إرادة الله فوق مداركنا. ظل هذا الإيمان معي طوال فترة ممارسة مهنتي ووظيفتي.

استمدت وظيفتي قوتها من الصدفة ليس غير. عصفت عقارب الزمان بوالدي بغلق الخان بعد شيخوخةٍ مبكرة أقعدته الفراش، أضطر أن يدفعني، أنا أبنه المدلل ، لهذه الوظيفة. دخلتها مرغماً، لكنني أقسمتُ، من أول يوم، بأن زعزع الأيام لن تستطيع أن تفصلني عن أبي العلاء المعري.

دارت حياتي في أول أيام الوظيفة بالتبادل بين الهم والحب. كنت أرى الحياة في مجموعها كأنما تدور من اجل شيئين فقط: الطعام والجنس. أصحاب هذه النظرة ظلوا يعتقدون أن التناسل هو الطريق السويّ للتغذي  وأن التغذي هو الطريق المكمل الصحيح للتناسل. ظهرت آراء أخرى تساءلتْ: هل نعيش لنأكل. أم نأكل لنعيش..؟ ثم قال آخرون كما قال عيسى أبن مريم : ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. جاء آخرون بقولٍ: ليس بالتناسل وحده يحيا الإنسان. ليس بالحب وحده يحيا الإنسان . ليس بالقتل وحده يحيا الإنسان..! أما أنا فأقول : ليس بالشرطة وحدها يحيا الحكام ..!

كلمة "ليس" تؤرقني في الليل. في الفجر يوقظني جرس الخوف، في كل مرة. أجد أعضاء جسمي كلها، بما في ذلك رأسي قابلة للانكماش . فجأة أحس اشتعال نور داخلي يقول لي: أنتظر. ستتغير الأحوال. سيأتي فأل أحسن. وضع أحسن. عالم أحسن.

انتقدت أفعال وتافهات الآخرين وأخطاءهم و مظالمهم المتوالية في كل مكان من هذه المدينة، داخل غرف التغذية وداخل غرف التناسل. حتى في غرفة مظلمة كنت حارسها. حاولت في أكثر من زمن معرفة أسباب منابع الأعمال الرديئة في سلوك بعض الناس دون جدوى. القيود تحول بين المنابع كلها.

يحاول بعض المسئولين عن أناس الغرف المظلمة تمرير أكاذيب أو مدعيات أو تافهات، سواء كانت فلسفية أو سياسية أو غيرها. لم يكن من قبيل الصدفة أن يقوم أحدهم بكيل المديح إلى الآخر. أحدهم يغمض عينيه عن انحرافات الآخر، في وقت يقتضي أن تكون كل العيون مفتوحة إلى أقصى حد. لذلك ازدادت الأخطاء وازداد ثقلها. ثم أصبحت المشية في المدينة بطيئة جداً. صارت التوقعات أو المرجعات إلى وراء شيئاً مألوفاً. قيل في بعض الفترات أن أغلب قصائد الغرف المظلمة مفرغة من الصدق ومن الإنسانية أو على الأقل أنها بلا معنى. فكان نزلاء الغرف المظلمة يتغنون تحت جنح ظلام.. حتى القانون نفسه ضائع في الظلام كأنما كتب على سكان المدينة أن لا يأخذ القانون مجراه بين علاقاتهم .

المقيمون خارج الغرفة اخطئوا أيضا في تفكيرهم. كما اخطئوا في تقديرهم لما جرى ويجري داخل الغرفة نفسها حيث الصراع مشتد بين أفكار وأفكار، بين أفعال وردود أفعال.بين الصدق والنفاق. بين الصواب والإرادة. بين الجارحين والتعديلين. بين المثقفين والمدعين. بين الأخلاقيين والعدوانيين. رغم كل ذلك فليس ثمة سيوف هنا. تحصيل الحاصل في هذه الغرفة هو احتجاج البعض ضد إلزامية البعض الآخر. هو احتجاج الشفة ضد الشفة الأخرى . احتجاج الكلمة ضد الكلمة. احتجاج الصواب ضد الخطأ أو احتجاج الخطأ ضد الصواب. تعلمتُ مع مرور الزمن، قراءة ما تكتبه شفاه وقلوب نزلاء الغرفة. المهرب الوحيد من هذا الاضطراب هو ارتفاع الإنسان عن النظر إلى الشوارد ، أو إلى التافهات أو إلى الأجزاء. بل النظر إلى الكل، كي لا يُفقد الكل بالنظرة الجزئية، وكي يمكن استعادة الأجزاء المفقودة بالنظرة الكلية.

ظلام دامس منشور في الغرفة كلها، يجعلني لا أرى شيئاً داخلها، ويجعل الذين بداخلها لا يرون ما يجري خارجها. أصعب قانون في الحياة هو قانون الظلمة والإظلام. بموجب هذا القانون أسمع همس الصوت، وأحس وجع الأماني. أحس مقدار حطام البعض من أنفاسه. أحس أن زمراً ما تعارض أخرى تعتقد باستمرار الظلام في الغرفة والمدينة إلى الأبد. هذا يندفع أو مدفوع ضد ذاك ولا يعلم أنه مدفوع بقوة خفية. هذا يخاصم الآخر من دون أن يعلم حقيقة أن العداء ليس في صالح أي منهما.

كتب لي أحد نزلاء الغرفة، ذات مرة، على وجه ورقة صغيرة دسها سراً بين يدي: أنك لست منا نحن النزلاء في هذا المكان. لكنك إنسان فاضل.

حين سألت واحداً منهم:

-         ما الفضيلة..؟

 أجابني:

-         أنها الكرامة..

-         ما الكرامة في هذا الحال ..؟

-          التفوق على العقاب.

    - ماذا يعني ذلك..؟

-         معناه أن يكون المرء شجاعاً.

لم يلمس شجاعتي آنذاك إلا  لأنني غضضت بصري سامحا بدخول ثلاثة كتب إلى غرفته المظلمة .

أخرجتُ، اليوم، هذه الورقة عينها . احتفظت بها، سراً، طوال سنين أستمر فيها الظلام. أحاول أن أقارن، الآن، بين معاني الرسالة وما يقاربها من معاني قصيدة ما زلتُ أبحث عن شاهرها. أنني متلهف جداً لمعرفة ناظمها ورؤيته. أحس في داخلي أنه قريب لي، قريب مني. أنه جزء مني. لا يمكن للمرء أن يكون شجاعاً دون أن يدافع عن كرامة الإنسان. كاتب الرسالة هذه وكاتب القصيدة هو شخص واحد رغم أنهما لم يلتقيا . شخص لا يريد إغاظتنا نحن الحراس ولا أخافتنا. ترى هل يأتي زمن تندثر فيه أفكار الناس الحالية عن الشرطي .. هل يأتي زمن يخطو فيه الناس بأمان لأن الشرطي يحقق لهم الأمان بدل الخوف في المدينة وفي الأودية البعيدة الموحشة حيث يتردد فيها صدى الوحوش ..!

كثيراً ما وجدتُ نفسي متعارضاً مع نزلاء الغرفة المظلمة. متعارضاً مع شاعر القصيدة. متعارضاً، في أحيان كثيرة، مع نفسي. أصبحتُ منذ قراءة القصيدة حتى الآن ، رفيقاً للشاعر. وللحقيقة أؤكد أن عثوري على هذه القصيدة أوجد لي أحاسيس ممتعة كثيرة وجديدة.

سأظل أبحث عنك أيها الشاعر. لن أتوقف. أنىّ تذهب سأكون باحثا عنك حتى أجدك. لم أتعرف عليك، بعد، لكن بإمكانك أن تعتبرني صديقاً طيباً.  نشأت بيني وبين القصيدة قوة حقيقية، لأن قوة القصيدة ذاتها كانت من انقضاضها على الجهل و على الخرافة السائرة مع الفقر جنباً إلى جنب. ولأنك أيها الشاعر كتبت سخرياتك البارعة من الحكام والظالمين وأولئك الأغنياء السخفاء المتسكعين في دروب المدينة بحثاً عن المال والجنس والكذب ، سأكون معك .

لا عليك من قضية  واجب حراسة  كنت أدافع عنه في الماضي. ليس فيّ عيب الآن. أنا جدير بالثقة. جدير بأن أتعرف عليك. جدير بتحمل المسؤولية على قدم المساواة مع الآخرين . لا تعتقد أنني لا أصلح لشيء ، كما الملح الذائب في التربة. كلا يا صديقي . فسوف تسلم، بكل تأكيد، بأن الحدائق التي نمت فيها الطحالب يمكن أن تعطي ثماراً أيضاً.

ينتصر البحث عنك بالشجاعة، والمثابرة، والثبات. أنا الآن أكثر استعداداً لمواصلة البحث عنك. قد تزمجر عاصفة ما في طريقي، وقد تعاود الكرة، إلا أنها لن تستطيع أن تمنعني عن مواصلة البحث عنك. إذا لم أجدك فسوف أجد شاكر محمود. لا بد أنه عاد إلى منزلته، أو أنه عاد إلى نشاط جم متجدد. اعتقد أن الحظ سيحالفني في العثور عليكم يا سكان الغرفة المظلمة. أعرفكم واحداً واحداً. ظلت صرخاتكم تمر في أضلاعي كل لحظة. صرخات قلوبكم موجودة الآن في عظامي. آهاتكم  تنهض في ليلي. أنت وشاكر محمود والآخرين وأنا أيضا، كنا جرحى جميعاً بباب الغرف المظلمة.أنا في خارجها وأنتم في داخلها .

في وقت من الأوقات لم يكن ثمة إنسان في تلك الغرفة، أسمه شاكر محمود. لكن ربما جاء شاكر محمود بعد حين. ربما تخونني ذاكرتي في معرفة الأسماء، أو أن ذاكرتي باتت ضعيفة الإضاءة. يظل كل واحد منكم سيد الغرفة المظلمة وسيد الساحات المضيئة وسيد الشوارع كلها. أرى خطوات كل واحد منكم تتقدم الآن، أمام الناس الطيبين المذعورين من الماضي، و المحاصرين في الحاضر، والمختزلين لمسافات طويلة في المستقبل.

اعرف عدداً غير قليل ممن لا أحفظ أسماءهم . لهم نفس تجربة وأفكار وأخلاق شاكر محمود، في هذه الغرفة المظلمة، أو في غرف أخرى تنتشر في كل مكان من المدينة الكبيرة. ربما آلاف من أمثال شاكر محمود قد جاءوا إلى الغرفة قبل أن يصدر أمر الحكومة بأن أكون حارساً من حراسها. لكنني أقسم وأقر واعترف بأن في وجود شاكر محمود تأكيد لوجودك يا ولدي  ولوجود القصيدة. أعترف أيضا أن ليس في وجود شاكر محمود شيئاً يناقض الطبيعة.

 

 

 

 

 9

 

 

الآن أسمع صرير الحديد في باب الغرفة المظلمة في تلك الليلة الباردة الموحشة. ظهرتَ أمامي معصوب العينين. مكبل اليدين. كنت ترتدي قميصاً أبيض عليه بقع من دماء. تقطع الصمت المحض في داخلي، تلك اللحظة. ألقيت عليك نظرة عجلة متوجساً خوفاً ما، هو الخوف من الموت. تراءى لي كل شيء مظلماً في هذه الدنيا. أصابتني رعدة خوف حين كان صدرك يكح ويرتجف بعنف. أنا خائف وأنت شجاع. أعجبتني رجولتك البارزة والأكيدة. كنت مختلفاً إلى حد ما عن بعض الذين تعودتُ أن أراهم. لاشك أنك تتمتع بخبرة مهمة، كما يبدو، في تجاوز المواقف الصعبة. إذ كيف يمكن لإنسان بعمرك أن يتحمل قسوة بالغة وساعات رهيبة..؟

تفوهوا، من حولك، بكلام فارغ، وببذاءة تعودوا عليها. حين رفعوا العصابة من فوق عينيك. سمعتك تقول:

- العالم وجد من اجل النور لا من اجل الظلام.

- صه يا ابن القحبة..

- في العالم نور وظلمة. في بعض الأحيان ينتصر الظلام..

- صه. نحن ننتصر في كل الأحيان.

- في بعض الأحيان ليس غير. تذكروا ذلك. تذكروا أن النور أعظم ظواهر الطبيعة. لن تستطيع قطعة خرقاء  وضعتموها على عيني أن تحجب النور. من النور يأتي الإشعاع . من الإشعاع تأتي الطاقة. من الطاقة تأتي كل مواد الحياة.

- صه يا ابن الزنيم .

- النور وحده يكشف من هو الزنيم .. النور نفسه قادر على أن يكشف عن كل ما في الوجود. لا أبي هو الزنيم ولا أبوك. أنت الزنيم.

ولكزك أحدهم بعصا غليظة.

- أصمت أيها الأعمى .

- لستُ أعمى.. فأنا  أحمل النور كله.

حمل صوتك ثقة عالية بانتصار النور. ربما جرحتَ شعورهم بهذه الطريقة. لكن والله، لا أحد فيهم أدركَ معاني كلماتك. فهم جميعاً أعضاء في مؤسسة من أكبر مؤسسات الغباء في العالم.

إذن أنت شاعر القصيدة.

لا أظنك شاكر محمود. أنا قلق. إحساسي يقول أنك غير المعنيّ بالاسم الذي ورد في القصيدة. كلكم متشابهون. القلق لا يسمح لي بالوصول إلى رأي ثابت واستنتاج مؤكد. مرة أنزل بخطى حثيثة إلى الاعتقاد بأنك شاكر محمود. مرة أخرى اعتقد أنك من شعراء مدينة أخرى . ومرة أصعد إلى مكان يعلو عن الاستقرار لتظل نفسي مبعثرة وتشعر بالرهبة.

في بعض الحالات تنتابني رغبة لتفسير الزمان والمكان الموجودين في القصيدة لعل هذا التفسير يدلني عليك: من أنت ومن تكون.

ثم أجد نفسي أدحض بنفسي ما أوهمته. أحاسيسي تسمح لي بأن اعرف الظواهر والأشياء الحقيقية فقط .

حين تجري محاورة بيني وبين عامر، أو بيني وبين أي إنسان آخر خارج الغرف المظلمة لا أجد غير التيه في هذا العالم المليء بالأفكار المتناقضة حتى أجد من العسير أن أفرز الخطأ عن الصواب. لا ادري لماذا أحس، في كثير من الأحيان، أن معرفة الواقع تنبع من قلبي أو متفجرة من همومي ذاتها. الآن يتعرف قلبي أنك أيها الشاعر حقيقة قائمة وأنك قابل للمعرفة. ففي قصيدتك ما يساعدني على تحصيل معرفة حواسك الملموسة..

[... كان رجلٌ يحيا.

في الغرفةِ الصغيرةِ المظلمةِ الباردة يحيا

أسمه شاكر محمود

موجود ويحيا

لا يقرأ ولا يكتب ولا يأكل شيئا

لكنه موجود ويحيا

ما ضاجع بنتاً

ولا أغتصب مالاً

ما بني بيتاً

لم يصنع فاحشة في قريته أو مبغى

لم يسرق لبناً

لم يقتل شاة أو حملاً

لم يكتنز ذهباً أو فضة

بل نال في عيون الناس حظوة كبرى .. ]

إذن لماذا اقتادوك إلى الغرفة المظلمة..؟. أنىّ لي أن أجد لذلك سبباً. لا بد أن اجعل ماضي المدينة حاضراً بأحسن طريقة ممكنة. ليس بالسهل التغلب على حقيقة ما حدث في  أيام  بلغت من التفاصيل حداً أصبحت فيه قوة الموت هي القوة الوحيدة القادرة على أن تفتح أبواب الحياة أمام الأغنياء، وأن تغلقها أمام الفقراء في هذه المدينة الغنية بكل شيء ، حتى وصل الترف لدى المجموعة الحاكمة حداً اتسعت فيه الهمهمة باتهام الحاكمين بالعهر أيضاً ، بينما أناس يعيشون حالة البؤس المريع. لم تعد الأرض قادرة على تقديم الرغيف إلى الفلاحين ولا إلى فقراء في محلة الخندك  التصقوا بحافة الموت. حكام مدينة البصرة ، مثل الحكام الآخرين كلهم .. مثل حكام نقرة السلمان .. مثل القابعين في البلاط الملكي ، لم يأبهوا لهمهمة تحولت إلى صوت مسموع، ثم إلى صرخة غضب. بل واصلوا حركتهم بحثاً عن مغانم جديدة وسيطرة جديدة على كل شيء، في كل يوم. لا يرضون بإثارة أي نقاش. الكلام غير مسموح لأحد. مسموح فقط للمغنين والمغنيات كي يقولوا ما يشاءون من بذيء الكلام على مسامع الناس .

الكلام مسموح فقط  لمن يلهث وراء زيادة الثروات، وزيادة المناورات مع الناس . يتحدثون بالكذب وبالتهديد، وبالتصريح بعاطفةٍ ميتةٍ ، عن الحق، والعدل، والفضيلة، وغير ذلك من كلمات يعتبرها سكان المدينة لغواً فارغاً، بينما كل الأفواه الأخرى مكممة ..

 

 

 

 

10

 

 

اتسعت المجاعة في المدينة. أقتنع الناس أن سبب المجاعة هم حكام، ومد راء ، وأغنياء، ينهبون، سريعاً، بأقصى حد ، الأقوات ، من الحنطة والشعير والتمور يشترونها ببخس الأثمان و يصدرونها على ظهر المراكب إلى الهند وغيرها ليجمعوا عوضها ذهباً... النفط يستخرجه أجانب لقاء سنتات يدفعونها للحكومة ، لا تعادل أكثر من قيمة زنبيل من حصرم العنب . تنقل النفط بواخر عملاقة إلى حيث يتحول ذهبا  وشبعا وكساء ودواء بأرباح تدخل خزائن تنانين المال في أوربا بينما يظل فقراء البصرة مطروحين على قشة الحياة كقشة .

لم يتوان أحد من سكان المدينة، من الفقراء والمعوزين، عن التعبير بما يحمله صدره من ظلم  الولاة القساة. أصبح كل إنسان يعرف أن الصمت عن القول الشجاع والرحيل عن حدوده، لا يعني إلاّ البقاء في أسر الذل.

أجتمع ناس وطلاب ، في اليوم التالي، بقوة، منذ الصباح الباكر، عازمين على قول كلمة الحق أمام الحاكم، عسى أن يلتفت إلى الله فيوقف المجاعة. طوّق الناس موكب الحاكم عندما ركب زورقه في النهر الصغير، المتفرع من النهر الكبير ، مقابل مبنى المتصرفية ، ذاهباً إلى قصره، لمقر استراحة  حكمه. صرخ الناس بصوت واحد ضد الجوع وضد المجوعين. اصطف آلاف الناس على جانبي النهر تصدرهم شاكر محمود مرفوعاً بأيدي الجماعة مخاطباً الفرد الحاكم:

- نريد الخبز يا حاكم المدينة. نحن جياع ونريد حقنا في العيش. لا نريد أن نموت جوعاً في بلاد المياه، والخيرات، والتمور، وما في أرضها من طيبات.

نزل موكب الحاكم. أصمه الصوت الهادر الصادر من حناجر الجموع. أبتسم باصطناع واضح. قام بحركة مترددة وقلقة. التفت إلى اليمين وإلى اليسار ثم أسرع في الدخول إلى مقره مطمئناً بحشود قوات الشرطة المحيطة بالمبنى. حدث هرج ومرج عندما ازدرى الحاكم بنظراته الجموع المحتشدة.

جاء أمر إلى الشرطة بالهجوم على المجتمعين من عمال البلدية والكهرباء المضربين عن العمل أمام بناية الحكومة. أُطلق رصاص في الهواء. اشتغلت سياط الشرطة على ظهور الصائحين .

ازداد صوت شاكر محمود دوياً ووضوحاً:

- نريد خبزا لا رصاص. قولوا للحاكم نريد خبزاً. قولوا للحكومة كلها، لا نريد الرصاص.. نريد زيادة أجورنا قرشاً واحداً حتى نشتري رغيفا إضافياً  واحدا  .

أُطلق رصاص كثيف على صدور الناس. فرقتهم الشظايا قبل أن تحل الظهيرة . امتلأ المستشفى  بالجرحى. دُفن، قبل العشاء، رجل واحد وامرأة واحدة اسمها فطومة وطفل لم يتجاوز العاشرة من عمره اسمه أحمد . تّم الدفن من دون مراسم التشييع. جرح ، أيضاً، عدد من المقربين إلى الحاكم. قال رجال الحكومة أن الغوغاء هم المجرمون. جرح المجرم مزعل الكذاب المعروف بتنفيذ كل الجرائم التي أراد الحاكم  أن يروع بها  نساء وأطفال خلال العامين الماضيين. جرح أبن خال الحاكم وقائد حرسه، الشاذ جنسياً. قيل أن جثته الجريحة  ضاعت متعفنة  في النهر. تمزق أيضا صدر الحارس الخاص للحاكم بأكثر من  طعنة.

تذكرت فكرة قالها شاعر قديم:

-         أن من يدافع عن الظلم يأكله الظلم نفسه.

لم أتذكر أسم الشاعر غير أن عمـّار ذكرني باسمه. أبو الفتح البستي .

ابتدع هذا الحاكم الظالم كل وسيلة ليؤمن لنفسه فضائل العيش وفخامة القصور. بينما ظلت الحياة في المدينة على بساطتها. كوخ صغير وبضعة حاجات إنسانية داخل هذا الكوخ، كما كان المسلمون الأوائل يعيشون، حكاماً ومحكومين، خلفاء ورعايا، في مكة والمدينة وغيرهما. لكن حكام اليوم تخلوا، شيئاً فشيئاً، عن بساطتها الأولى. صاروا ينافسون حكام الروم أيام الإمبراطوريات الكبرى، والحكام الفرس الأباطرة. أشكال من مظاهر الترف تعلو حياة الحكام في قصورهم. لم يكتفِ الخلفاء، والولاة، والقضاة، والوزراء، والحكام، بتشييد القصور على نهر دجلة أو وسط بساتين غناء  بأموال الناس الفقراء . تتوارد من العاصمة أخبار أمور عجيبة عن حكامها وأغنيائها  كيف أمعنوا في النعيم واللهو بالحيوانات والنساء والأموال حيث كل واحد منهم يريد الثراء السريع . يقضون أوقاتهم في الصيد، حتى أن بعضهم ألبسوا كلاب الصيد أساور من ذهب وفضة. خصصوا لكل كلب موظفاً أو أكثر يقوم على خدمته، ونظافته، وراحته، ونومه. أحد الولاة يقيم حلبات السباق، يشترك فيها مئات من خيله وخيول الأمراء. الأميرات المغامرات يلعبن دوراً يزيد في مآسي حياة الناس. يتدربن على ركوب الخيل ليشتركن في السباق. صار بلاط القصر قاعة للموسيقى والرقص والغناء. تشبّه صغار الحكام أيضاً بالخلفاء، والأمراء، والأباطرة والقياصرة. صارت قصورهم مزدانة جدرانها بالفسيفساء وأعمدتها بالرخام والذهب.

لم يحدثني أحد عن هذا كله. بل شاهدت وسمعت ذلك بنفسي حين واظبت على الشغل، في فترة ما، داخل  مراكز الشرطة قريبا من هذه القصور أيام خدمتي في العاصمة . كنت حارساً فيها إلى ساعة متأخرة من الليل، عندما كانت تقضي ظروف عملي بذلك.

الاستعدادات قائمة على قدم وساق لاحتفال كبير يقام في اليوم التالي، يوم افتتاح قصر جديد مبني بالمرمر الأبيض ومشيد على مساحة واسعة يمكن أن تضم ألف رأس كلب ومائة حصان كي يسكن فيها بضعة نفرات من الأمراء والأميرات . كانت الأسواق تعج بالمشترين من مرائين أذناب متطفلين  يرغبون في تقديم الهدايا بهذه المناسبة.

أفقت في صباح يوم الاحتفال على دوي أجراس القصر..كان صاحبي، الحارس البليد، لم يزل في فراشه. أيقظته بإلحاح. بسرعة وجدنا نفسنا في الساحة الكبيرة في نهاية الجانب الغربي من القصر. كنت أحس بوجع في الرأس وبتعب لانهاية له وأنا أستمع إلى الحاكم يوجه كلامه إلى المهندس الخائف:

- شق ترعتين من هنا.

- أمرك مطاع  يا سيدي .

- القنوات ابدأ بحفرها من هناك..

- نعم سيدي.

- أنصب أجهزة السقاء المستوردة لتوصيل الماء إلى القصر وبساتينه وحدائقه المتوسطة ابتداءً من هذه الزاوية.

 جال الحاكم داخل القصر كما يجول صياد  بزورق.  دار دورة كاملة في كل الحدائق والبساتين على ظهر الحصان الأبيض.

عشت حارساً داخل هذا القصر، مدة سبعة شهور. كانت عيشتي تتصف بالبذخ والراحة بشكل أثار حسد الآخرين علينا.

- مبروك عليكم هذا العيش الرغيد.

كان العديد من أصدقائي الحراس يطلقون هذه الكلمات كلما التقوا معي في أثناء إجازتي عائدا من بغداد إلى البصرة . حتى أهلي كانوا يحسدونني لأنني أعيش كما يقولون في قصور شبيهة بالقصور الأموية، والعباسية، والفارسية.

أشاهد بأم عيني كيف كان سكان القصر يرتدون ملابس فاخرة مصنوعة من أقمشة موشاة بالذهب والفضة مرصعة بالجواهر. أمارس واجبات الحراسة وأنا أشاهد تنقلاتهم داخل القصر في عربات مصنوعة بالكامل من الذهب الخالص. تفننت النساء في اختيار أزيائهن الثمينة ذات الألوان المتباينة المحلاة بخيوط الذهب والجواهر، وعلى رؤوسهن عصائب مرصعة بالدر والياقوت والأحجار الكريمة. إحداهن أغوت أحدهم . تزينت بقلادة وإكليل، وخلاخل ثمينة. أدخلته إلى قلبها.  سمعتُ ، بعد حين ، أن هذا الخادم البليد قد أصبح أميراً. خرج من باب غرفة بفندق  في أثينا ، يوم ذاك، زوجاً لأميرة  عراقية من أقارب ملك العراق لا تتقن  في هذا العالم غير إقامة مجالس الغناء والطرب، واصطياد الرجال المتعطشين إلى المال، والجاه، والجنس.

 

 

 

 

 

11

 

 

بدأت أقترب منك يا شاعر القصيدة. أنت أيضاً صرت قريباً مني. عرفتك . أنت ذلك الرجل الأسمر النحيل القادم، مقيداً، من القرية الشمالية المطلة على النهرين الكبيرين. أنت الشاهد، كل ليلة، على اتحاد النهرين تحت ضوء القمر. عرفتك يوم أُدخلت إلى الغرفة المظلمة بخطوات ثابتة، هادئة، غير وجلة. شاهدتك واثق النفس، مقتدراً في كشف الأزمة وتجاوزها. ضربوك ضرباً مبرحاً على رأسك وعلى وجهك. كنت أحس ألمك، ووجعك يدخل إلى قلبي فيؤلمه. آثار من الدم في وجهك وصدرك شاهدة على العنف والجريمة. كنت مقيداً لكنهم كانوا يخشونك. أنت واحد وهم سيارة كاملة من الشرطة. جلبوك مكبلاً بالحديد. الضابط المسئول عن إيصالك كان إنساناً متوحشاً، فأنا أعرفه جيداً. كان جبانا. لذلك طلب معاونة أثنين من المفوضين وأثنين من الشرطة.. !! لمصاحبته في نقلك من مكان إلى مكان بسيارة مصفحة مسلحة.

قيل لي أن أسمك يحي ويسميك بعضهم حياوي الخياط . لكنني أصررتُ على أن أسمك شاكر محمود.  أنت مثل شاكر محمود  لم أتحدث عن أسمك إلا مع نفسي. لم أكن وقتها أستطيع التحدث مع أحد. ربما أنت بطل القصيدة. قالوا لي أن عثرة ما في قدميك لا تساعدك على مواصلة السير من دون عرج . قال عنك الشرطي سبهان :

          - إنه يحي الأعرج يا سيدي مهموم ، كما قال أمام المفوض المحقق ، مهموم  بأحزان الناس العائشين حول النهرين المارين بمدينة القرنة لكنه قاوم سياطنا بعناد .. كلامه  جعلنا مشدوهين نتلفت حوالينا نبحث عن أسلوب جديد نروعه به ..

 يوم شاهدتك قلت لنفسي أن خطاك المستقيمة الواثقة لا مثيل لقدرتها على التوغل في المستقبل.

سمعتك، مرات عديدة، وأنت في الغرفة المظلمة، تهمس في آذان أصحابك بأشياء لم أفهمها. أشياء في السياسة، والاقتصاد، والأدب. أشياء عديدة صورتها ضرورة من ضرورات حياة الناس ومستقبلهم. سمعتك تتحدث عن أحزاب وانتخابات وعن شاعر اسمه الجواهري وآخر أسمه البياتي . قلت أنهما صوتان نابعان من أعماق دجلة والفرات. ثم سمعتك تقرأ شعراً غزلياً: مرينة بيكم حمد وأحنه بقطار الليل. لم أحفظ بقية أبيات القصيدة. سمعتك، أيضاً، تقول أن النهرين اتحدا في هذه الأرض منذ الأزل. ثم تساءلت لماذا لا يتحد الناس مع بعضهم...؟

سمعتك تقول بصوت عالٍ:

- لا خير في أمة تكثر طوائفها.

 لا ذنب عندك ولا جريمة .. أعرف ذلك .. لكنك لا تستطيع تسكين ثائرتك .  مصيبتك انك  لا ترى في الحكومة غير فئران مذعورة  لا تمنح رضاها لرجل مثلك يعرج برجل واحدة يمسك بأطراف القماش يصنع منها دشاديش وأثوابا للفلاحين الجاهلين .  من أنت حتى تدعو إلى اتحاد الجميع و تدعو إلى اتحاد المسلمين والمسيحيين والأكراد. كنت تدعو إلى اتحاد السنة والشيعة لمجابهة حكومة فيها أعضاء من السنة والشيعة محروسين ببنادق الشرطة وعلى زندهم مشدودة تعاويذ السلامة .

- ماذا تشد على زندك يا سبهان ..؟

- تعويذة يا سيدي تجعلني أصيد الناس بالماء العكر وبالماء الصافي من دون أن يصيبني أذى .. تحفظنا  التعاويذ من شر الشياطين كما نحفظكم ببنادقنا من شرهم يا سيدي.

تسري في دم الشرطي العريف  سبهان القرناوي الأصل  سذاجة الأقوال والأفعال .. قدم من مستنقعات مدينة القرنة ذاتها  قبل سنوات إلى سلك الشرطة يقتفي شعلة راتب الشرطي وملابسه ظنا انه سيكون من أدوات الحكومة اللامعة  بنظر الناس في قريته . لا ادري لماذا ينحني سبهان بلمح البصر أمام أمر يأتيه من مفوض فيسلخ جلد حياوي ابن مدينته.. هل هو مجرد إنسان أحمق  أم هو انفعال السوط يضغط عليه أولاً  فينال ضحيته منه حرقة التعذيب ..أم انه يثبت بذلك رجولته الحصيفة ..أم أن تعذيب ظهور الناس يجلب اللذة والاستمتاع :

- كلا يا سيدي أنا أعينه حتى اخرج من جسده روح الشيطان ..

- روح الشيطان..؟؟

- نعم يا سيدي.. حياوي يحمل أجنحة الروس الكافرين.. يقولون أنه يطير بها وقت الظلام !

- لكنه لم يلتق مع أي روسي في حياته ولا سافر إلى روسيا فكيف يحمل اجتحتهم ..؟؟

- انه كافر يا سيدي .. المنشورات تحمل الكفر يا سيدي .. يطير بها حياوي في سوق المدينة نهارا وفي الهوير ليلاً .. يعتبرها قوة عالية للعلم يهبها باليد للفقراء والفلاحين ..  يقول عنه المفوض قدوري الأصلع  انه  لا يؤمن بالله ولا بنبي ولا بوصي .. كل يوم اسمع هذا الكلام من المفوض ..

 

أتذكر يا حياوي أنك سميت نهر دجلة بالسنة والفرات بالشيعة. يمشيان ويمشيان لكنهما يتحدان في نهاية الأمر. قلت كلامك بضرورة اتحاد ذرات الجبل مع الأهوار.  مستمعون يصغون إليك باهتمام حين شتمت المستعمرين الأجانب ولعنت سيطرتهم على البلاد. يوماً ما همست، في حيرة وارتباك، أن الأجانب يغلقون أبواب الوحدة أمام الناس. بدءوا يفرقون بين الناس مثلما فرقوهم في الهند وإيران، ومصر، وسوريا، وأفريقيا. حتى أنهم أوجدوا الفرقة أيضا بين اسماك البحار كلها.

يا لهم من حمقى .. يعتبرون كلام  حياوي الخياط من بدع الشياطين .

كنت أسمعك. كنت اسمع أحاديثكم. لكنني أتجاهل عن عمد حتى المعلومات المكتوبة تصلني عنكم من الداخل . أردت أن أمنحكم  وراء القضبان حرية حرمتم منها خارج القضبان . أتظاهر أمامكم أنني لا أسمع شيئاً. أشجعكم على حرية الكلام، لكي أستطيع الإلمام ببعض أقوالكم.

تفحصت ملامحك القوية يا حياوي. الصبر واضح على جبينك. البشر سمة على وجهك. عرفتُ عنك أشياء كثيرة من خلال أوراق ملفك القضائي. عرفتُ أنك قادر على مرافقة السحاب الممطر أينما ذهب دون وجل. مرة مع أواسط الأهوار. مرة في بغداد. مرة في الجبال. مرة في مظاهرة. أنك وجه الجميع في كل مكان. عرفتُ أنك واحد من ضحايا إمبراطورية ضخمة شيدت على الحقد والعنف والسجون والحرمان والعجرفة والمفاخرة الكاذبة بالعروبة والإسلام . ما أنزلت وجهك. أكدت أن الناس جميعهم بحاجة إلى حب حالم. حب ينجلي عن غمام الفرقة والفتنة بين الناس، بين أبناء وادي الرافدين كلهم، حتى أمام شجرة ميتة يسمونها شجرة آدم حيث تقطن أنت بقربها . أصغيتُ إليك، ذات يوم، وأنت تتحدث فيه لنزلاء الغرفة المظلمة عن سيطرة الأجانب على بلادنا وعن دورهم في تمزيق الشعب، وتحويله إلى شيع وأحزاب متنافرة، متنافسة، متقاتلة. ذكرت يومها، بالتحديد، عن سيطرة البويهيين، على طول البلاد وعرضها تماما مثلما كان المرحوم ناصر جابر قد أخبرني . أتذكر جيداً أنني سمعتك تقول:

- البويهيون من الفرس الشيعة. بينما والي بغداد ومن حوله هم من  سنة الأتراك والجزيرة.

أهلنا في البلاد يتكونون، في الغالب، من الشيعة والسنة. مثل أبي وأمي من طائفتين مختلفتين لكنهما اتحدا، فأنجباني موحداً في الحب.

صار من مصلحة البويهيين والأتراك أن يسعروا نار الفتنة بين أوساط الشعب. أستغل أصحاب السلطة والشأن حالة الانقسام لتوسيع الخلاف بين الشيعة وأهل السنة. أوجدوا خلافاً ووسعوه مستغلين كلمة الدين بصورة عمياء، معمقين الاعتقاد بالخرافات وبأكاذيب وادعاءات قيلت عن صراعات وخلافات في الماضي البعيد، نشأت، أو اختلقت ، أو اخترعت، أو افتريت بين الطرفين. قالوا عنك :

-         حياوي مرتزق يمسك علما روسيا ً ..

 

كنتُ دائم الحديث مع والدتي عن موضوعات تحدثتَ عنها في الغرفة المظلمة. كان عم والدتي من أولئك الذين يسعروّن، في بعض الأحيان، من دون قصد، أفكارا طائفية يصنفون فيها حياوي وأصحابه من الشيعة إلى صف لينين وستالين . يدعي أنه من المدافعين عن الدين. في الحقيقة أن والدتي لم تكن تحترم عمها بسبب أفكاره المتزمتة. كان يختلق أخباراً وفتناً وأكاذيب ليزيد نار الفرقة اشتعالا بوجه الشيوعية والشيوعيين وأنا لا أدري هل أنت حقاً من صنف هؤلاء أم لا . لا أدري ما هي مصلحته في ذلك..؟ حتى والدتي، حتى جدي، حتى أولاده كلهم كانوا يستغربون من اندفاعه الشديد بكلمات فارغة، وادعاءات كاذبة، وبدع مختلفة، ليجعلوا الناس من الشيعة والسنة يتقاتلون بالهراوات، والخناجر، والرصاص . يساعده في ذلك عدد مِنْ مَنْ يدعون أنفسهم أئمة المساجد. لا يبالون بما ينزل على رؤوس الناس من بلاء وإعياء. جل همهم أن يحققوا مصلحة مالية معينة أو ربما مصلحة سياسية.

أية بلاهة، وأي ضعف، وأي سخف، حين أجد شيعياً يدعي الإخلاص لمذهبه أو للدين يحاول البرهنة على أن الخليفة على بن أبى طالب هو أفضل دينا من أبى بكر الصديق.

أو حين اسمع سنياً من هؤلاء المدعين بالإخلاص لأهل السنة أو للدين يحاول البرهنة على أن الخليفة أبو بكر الصديق هو أفضل دينا من علي بن أبى طالب.

ماذا يجني الإسلام من وراء هذه الادعاءات..؟ لا شيء غير التفرقة بين المسلمين. بينما في أصول الدين الحنيف تأكيد بأن يرتوي المسلمون من ينبوع الحب والألفة والأخوة والمساواة ليبعثوا موحدين جنباً إلى جنب الناس الطيبين والخيرين كلهم، ممجدين آبا بكر وعلي ابن أبى طالب وكل القدوات الإسلامية الأخرى، الذين أسهموا أو تدخلوا في مسعاهم من اجل خلق الكمال لحياة المسلمين والناس أجمعين، مثلما كان جدي لأمي يتحدث بعصبية مع شقيقه، محاولا أن يدله إلى الطريق المستقيم، وليوقف تياره الباطني المعادي في جوهره للدعوة الإسلامية الناصعة.

قال مفوض الشعبة الخاصة  في تقرير تحقيقاته :

          - حياوي ملحد وكافر .

كان جدي يردد، دوماً، هذه الكلمات:

- ينبغي الانتباه ويجب الحذر من الأعداء ومن كل السذج أيضا. فوراء الأكمة ما وراءها.

يرفع يديه إلى السماء ويدعو:

- خلصنا يا رب العباد من المتنابذين.

يسود صمتٌ للحظات.

أنني اسأل فقط هذا السؤال:

-  لماذا لا ينتبه المسلم إلى ما يوحد موقفه مع المسلم الآخر كي يتجنبا الفرقة..؟

يرفع يديه إلى السماء ويدعو:

- خلصنا يا رب العباد من السيئين.

يسود الصمت أيضا حتى يقول:

- الدين واحد. المبادئ واحدة. الله واحد. النبي واحد. القرآن واحد.  غير ذلك  يعني أن  وراء الأكمة ما وراءها حين ينتشر الخلاف حول تصنيف عباد الله  في محلة العشّار إلى شيوعي وقومي وفارسي وشروكَي وسني وشيعي ونصراني ويهودي وصبّي وفيلي  .

نهض جدي من مكانه ليكون قبالة شقيقه بالضبط. تعود أن يحدث المخاطب وجهاً لوجه.

لكن شقيقه الأكبر الحاج عارف كان منزعجاً، كما يبدو، من طريقة حديث جدي فقال:

- اسمع. أقول لك شيئاً ينبغي أن يرن في أذنيك. نحن مازلنا منطلقين من وجداننا ليس غير، ومن مبادئ ديننا الحنيف أيضاً.

- عظيم.. أيها الحاج عارف. ليس هنالك مبدأ أسمى من الانطلاق من الوجدان. غير أن هذا الانطلاق، كما تعرف، يحتاج إلى عناية، وصبر، وإلى أسس صحيحة.

- ماذا تعني..؟ أوضح لي عّما تقصده بالأسس الصحيحة.

-  لا ينبغي الانطلاق من مقابر الميتين، سواء كانوا خلفاء أو أولياء صالحين، هذه المقابر لا تدلنا على الطريق المؤدي إلى المستقبل. أنها لا تضم غير أفكار ميتة أيضاً ذهبت مع الزمن إلى غير رجعة.

- أنا مختلف معك شديد الاختلاف. لابد أن ينطلق المسلمون من وجدانهم . من وجدان ماضيهم حتى وأن كان في المقابر، نحن نجّل الموتى ونحترم أفكارهم.

- اسمح لي أن أقول لك، يا حاج عارف، أنني أتفق معك في بعض وأختلف معك في بعض آخر من أفكارك. أنا أيضا أجل الموتى وأحترم أفكارهم. لكن ذلك لا يعني أن ننسى الواقع وما يمليه علينا نحن المسلمين من واجبات، فنتركه للذهاب إلى ماضٍ  يخلو من واقع هموم الناس، وحالهم، وفرقتهم، وبؤسهم. الانطلاق من المقابر يؤدي إلى كبت الوجدان من دون أن تدري. أتعلم أنكم، بذلك، وبأقوالكم وبعض أفعالكم تضعفون ضمير الوحدة بين المسلمين.

- لسنا من هذا الصنف.. الشيعة وحدهم من هذا الصنف.

-                 بهذه الطريقة يظل بيت الإسلام فارغاً وبنيانه ضعيفاً. الشيعي يقول للسني: أخرج من هذا البيت. أنه لي وحدي ونسمع السني يجيبه: أخرج أنت من هذا البيت. أنه ملكي وحدي. نسمع واحدا من الحكومة يقول : غادروا إلى روسيا أيها المتظاهرون ..   فماذا تكون النتيجة..؟ النتيجة حتما هي الفرقة وملء البيت بالصخب والمتاعب وربما الاقتتال بين آونة وأخرى . من يدري ما أسرار ساكني القصور الرسمية . ربما تضم بيوتا كبيرة أخرى أمور وخفايا لا يعلمها غير الله سبحانه وتعالى ..   يعني أن على المرء المسلم  أن يزداد  صلابة، كلما ازداد التهديد الذي يتعرض له .. خاصة إذا جاء التهديد من قوى خفية. هذا هو الطريق الصحيح للمسلمين . ليس بمقدور أحد أن يوقف هذه الموجة من الانتقادات أو المؤامرات الموجهة ضدهم. لم يكن هذا طريق الإسلام أبداً. حدث هذا فقط حينما أنقسم الإسلام إلى شيعة وسنة، وحتى اليوم. لا يمنع أحد أن تقوم كل طائفة بانتقاد الأخرى نقداً  يؤدي، في النهاية، إلى وحدة المسلمين،  وحدة الشيعة والسنة ليصبح عدد الفاعلين الحقيقيين، في هذا العصر، أكثر من مليار مسلم. أعملوا أشياء إيجابية يا أخي يا حاج عارف..  كنا وما نزال إيجابيين منذ زمن الخلافة الراشدية. هم يعارضون الإسلام. يعارضون أفكار وفقه الخلفاء الثلاثة الأول.

والدي  مزهر العبد الله طيب وبسيط  لكنه ذو علم غزير يحب البهجة والفرح لا يقول شيئا من الكلام الجاد إلا وينهيه بشيء من المزاح والنكتة وقادر على صنع الفرح لمستمعي حديثه حتى أن الجميع يستأنسون ويفرحون ويضحكون كثيرا  لما يرويه من نكات عن الخلفاء المسلمين وعن سلاطين بني عثمان وغيرهم .. يملك موهبة نادرة في افتعال النكات والمرح لتغيير ملامح المستمعين مثلما يستطيع أن يغير الأحاديث من الدين إلى السياسة إلى الجنس إلى العلوم وبهذا الأسلوب كسب رضا ومحبة جميع أبناء محلة السبخة وجميع العاملين بالخان..  أما والدتي فهي لا تحب الاستماع لغير الموضوعات الجادة تتابع باستمرار أخبار نساء المحلة من الموشكات  على الزواج أو المتجهات نحو الطلاق.  تعرف أسرار الحب لكل واحدة من نساء محلة  السبخة وتعرف أسعار ملابسهن مثلما تعرف أسماءهن وأسماء  أمهاتهن وخالاتهن وعماتهن وجميع أطوار حياتهن . كان من طبيعة والدي أن يصلي بمواعيد الصلاة بصورة دقيقة لكن والدتي لا تواظب على الصلاة بغير رمضان والمناسبات الدينية السنوية لكنهما لا يتركان أي انطباع متزمت ينافي طبائع جيراننا من عائلة القابلة الممرضة جانيت،  المرأة الطيبة التي كان يمزح معها والدي بدعوتها للدخول إلى الإسلام كي يتزوجها حال وفاة زوجها جورج المريض بالقلب  ولكي يخلصها من أبنها الذي ما أن يخرج من سجن حتى يدخلونه إلى غيره .. كان يدعو من اجل زواجه بجانيت إلى تحقيق الوحدة بين المسلمين والمسيحيين.  فيغرق الجميع بالضحك في كل مرة .

ضحك جدي قليلاً ثم قال بهدوء:

- كل واحد من المدعين يتحدث عن اختلاف قبل أربعة عشر قرناً. كان لكل خليفة اجتهاده الخاص في السلطة، والفقه ، والعلوم. هذا شيء طبيعي وهو من صلب الإسلام . تظلون متمسكين بفرقة الماضي. لكن لا أحد منكم يتحدث عن أغلبية الأمور التي يجمع عليها المسلمون من دون أن يتفرقوا. ابحثوا  يا أخي عن نقاط الالتقاء والتوحيد. اشتركوا جميعاً، السنة والشيعة، في تقطيع إخطبوط الفرقة والتمزيق. بذلك تكسبون رضا الله.

 

كان النقاش حادا بعض الشيء وفيه شيء من الحساسية وقد كان من الممكن أن يحمل بعضهم على الغضب وكانت زوجتي أكثرهم غضبا ً:

          - تقولون أشياء لا أفهمها . تعالوا نأكل طعاما عملت كل قطعة منه بيدي .

 

نهض الحاج عارف غاضباً، منزعجاً. كان جدي ينظر إليه باستخفاف، وهو يريد مغادرة الدار. أقسم أنه لن يدوس عتباه ، مرة أخرى. لكنهم أمسكوا بتلابيبه  جالسين حول المائدة المنصوبة  في غرفة أخرى على الأرض بتنسيق جميل  في بقعة دائرية في الوسط... كانت  تندّ من الخارج أصوات الرعد مصحوبة بوميض البرق وغزارة الأمطار..‏

 

أفكار جدي راقت لي ذلك اليوم، كما كانت تروق لي دائماً مذ كنت صغيراً. ألا يبدو لك يا حاج عارف أنك رجل متزمت أكثر من اللازم..؟ التزمت بالأفكار لا يعني الإيمان المطلق يا حاج عارف. التزمت يولد أساليب شيطانية.. التزمت لا يؤدي إلى الإقناع بأية حالة من الحالات. أنت رجل دين. هذا حق. لكنك متزمت حتى أنني اشك بأنك، كما تدعي، تملك مستوى رفيعاً من الثقافة الإسلامية. أني لأخشى أن يكون طريق المتزمتين هو الانحراف عن الإسلام من دون أن يعلموا. المتزمت متهور لا أثر له. يمر به التأريخ من دون أن يلحظه. أنت متمسك بصورة جامدة بالأمس. ليست لديك نظرة حاضرة عن اليوم، وليست عندك أية نظرة حول المستقبل. مستقبل المدينة ومستقبل الناس.

أنظر حوالينا يا شقيق جدي. ماذا ترى..؟ حيثما حللت في أرض المدينة وجدت حالاً ليس لها مثيل في أي زمان ومكان. كل زاوية من زوايا المدينة مستمرة بالغليان ناراً تشتعل أو تنذر بالاشتعال. كل أشكال النيران موجودة. نار الحقد. نار الكراهية. نار القلق. نار الصراع. حتى نار الهدي موجودة أيضاً. لكن النار تحرق أكثر مما تهدي.

حيثما نظرت إلى هذه النار فأنها أوجدت في حياة الناس توتراً وتحفزاً. كلاهما، التوتر والتحفز يوجدان هلعاً عاماً وخوفاً عاماً. فأين الدين من كل هذا..؟ ألا تعتقد أن واجبنا جميعاً هو رفع الحجاب عن نار مستعرة أو  تريد أن تستعر بين الناس خشية أن تنفجر بغتة نار عمياء خرقاء لا تفرق بين عدو أو حبيب. بل هي لا تفرق بين الحب و الكراهية. تعرف أن تأكل. تأكل وقوداً من الناس ومن الأموال، والممتلكات، والزرع الأخضر والزرع اليابس. ثم تصيح هل من مزيد..؟ أيرضيك هذا الوضع يا حاج عارف. أيرضيك حدوث عواقب وخيمة ورسوم ذميمة. ألا تعتقد أن هناك خلف الظلام، أو خلف الحدود، من ينصب للمسلمين حبائل وشرك..؟

قبّح الله الفرقة والتنابذ بين أبناء البلد الواحد. وجزا الله خيراً من يدعو إلى التلاقي بين السنة والشيعة إلى الأبد. الفرقة زفرة. الوحدة عبرة. الفرقة اكتئاب يا حاج عارف، بينما الوحدة ابتهاج. أتعرف، وأنت الحاج عارف، لماذا أحببتُ أبا العلاء المعري..؟ لأنه قال: اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا دين. وآخر دين لا عقل له. أنت أحدهما. أتعرف ذلك..؟

ضحك الجميع بينما كانوا يتناولون أقداحاً من شاي بعد طعام لذيذ امتدحوه .

 

<

>