|
Iraqi Electronic Library المكتبة الألكترونية |
سرير الرمل قصص قصيرة |
|
|
|
أخذتني من أحشاء السوق المسقوف، من رائحة الأقمشة والزعفران، المسك والبخور، من مخاريط الضوء المنهمر من ثقوب السقف الصفيحي الصدئ المنخور، من برودة الظلال، من البلاط المبقع بدوائر الشمس، من الأغبرة المتراقصة وهي تعفرني أثناء مروري المتأني في طريقي إلى دكان أبي النجار، من الغمرة العميقة، من كسل الظلال. أيقظني وجهها المضيء، وأنساني لعبة الأغبرة والروائح والأضواء، فحملتُ مبهوراً بنحت القسمات المتناغمة بالشعر الكستنائي المتحدر أمواجاً.. أمواجاً. كانت بصحبة أختها الكبيرة السمراء. صرنا وجهاً لوجه. انخمرتُ.. ووجدتني أستدير متتبعاً خطوها الغنج، مخدراً باللفتات الخاطفة، وبالعينين النجلاوين، الهدباوين، الخضراوين خضرة مشوبة بلون السماء.. أخذتني.. إلى أن ألقتني وحيداً، غريباً في ظلال تنحسر قليلاً... قليلاً. أظاهر آجر الجدار، غير آبه بعيون نسوة الزقاق الداخلات الخارجات من وإلى البيوت. أتشاغل عنهن بالتحديق بأشجار الحقول، بالأفق المترامي خلفها، بتموج التلال، بالنوافذ المسدودة، وبتراب الشارع، محتدماً أفور بين باب خشبي مغلق غيبها والسفرطاس الساخن المركون جواري. أحلم بشربة ماء فأقوم. أقرع أقرب باب. تسقيني صبية سمراء، رشيقة القد، شاحبة الخد، لعوبة النظرات، بطاسة ماء، فأحرز من دكنة عينيها السوداوين بريق الشهوة، ومن الجسد المراهق الضائق بالثوب الخلق ارتجافة النهدين الصارخين المختنقتين. أستدير عائداً إلى بقعة ترابي لأظاهر الجدار، مصلوباً في انتظاري المفتوح. أتذلل بعيني الساهرتين للخشب الصامت القاسي، لشكل الباب الحاوي خلفه قامتها اليافعة، أتوسل سكونه.. لعله يرحمني.. يأتي بها.. ماذا أفعل؟ ماذا أصنع؟ وصبيتي "أمل" الخضراء حطتني في باطن حيرة ملساء، فلا هي تصد، ولا هي بالوصال تجود. ترد تحيتي مرة، وتتجاهلها مرات في انتظاراتي اليومية بأغباش المدارس وأماسي اللعب، لم أفز منها إلا بتحديقة غريبة، تتملاني أول الأمر عميقاً في شرود، ثم تستعيد الخضرة الرقراقة صرامتها، والنظرة حياديتها الطاردة، فتضيع فرصة مواصلة الكلام بعد التحية والسلام. ماذا أفعل يا روحي؟ ماذا أفعل إزاء الصد المحير وشبه الوصال.. غير التحول إلى كائن من ظلال، ألاحق مسراها الخفيف في الأزقة وأطراف الحقول، في الأغباش والهواجر والأماسي، أربو من انصلابي المكين في بئر الظلال طلوعها المتوقع كل لحظة.. طلوعها المستحيل من خلف صمت خشب باب خالتها العنيد. تتراجع الظلال، فألمّ أطرافي، أتكور، أنحشر دافعاً ظهري بالآجر الهش... دون جدوى، فالشمس أضحت في رائعتها.. كأنها جمدت لا تبرح كبد السماء. أدوخ في بحثي عن أثر ظل اندمل بكنف الجدار، وتركني لرحمة صبيب الوهج الحارق، الساقط مثل حمم النيران. غادرتُ مكاني، وجعلت أخطو لائباً. أقطع الزقاق من مبتدئه إلى منتهاه... أدور.. أدور مثل مزهور، علَّ الحركة تخلصني من قساوة الشمس. أمر جوار الباب، أكاد أدفره، أكاد أصرخ باسمها كي تغادر وتنقذني من جنون الظهيرة، والبشر يقيلون في برودة ظلال الغرف والأروقة، أراهم من الأبواب نصف المواربة.. أتحسر. أرمق الجدار المقابل مستعجلاً انبثاق الفيء الحنون الذي سرعان ما لمحتُ بوادره تطلع من كنف الجدار. ظللتُ ألف حول الزقاق إلى أن سمك الفيء وتمدد، فتهالكتُ إلى باطنه الرحيم، لأخوض في محنة قلبي الباحث عن وهم ود مخبوء في متاهة خضرة العينين البخيلتين علي بنظرة تحسسني بالمشاركة ولو للحظات، أتوهم اللحظة التي سيزول فيها الذهول والاستغراب ثم حياد الخضرة الصلد لنستمر أبعد من السلام. أغورُ مقلباً شؤون قلبي. أتساءل عما يجعل قلبها الغافي الجافي يشب بنيران قلبي. أعدمتُ السبل... كل السبل. الحكي الذي أقضي أياماً في تحضيره، والمخنوق بحيادية نظرتها الطاردة، وجد مخرجاً وفاض في سيل من الرسائل لا ينقطع. كنت أجد صعوبة في صوغ ما يعتمل بداخلي، فاشتريت كتاب الرسائل العصرية وجعلت أنتقي ما يناسب حالتي من العبارات، حكيت عن ولهي.. سهري.. أحلامي.. حبي الذي ليس له مثيل. شكوت منها إليها عن إعراضها عني، نضارة المشاعر الطفلية البريئة، رياح القلب في هبوبها الأول، وصفتُ لها ساعات الانتظار.. و.. حكيت.. حكيت بالكلمات.. حكيتُ.. في ورق ملون شفاف كنت لأجل شرائه أسرق من "حسينية" أخي الصغير وأضيفه إلى ما أوفره من مصروفي. تفننت في طرق إيصالها، بيد صبايا محلتنا، بإسقاطها جوار عتبة دارهم أثناء مروري أمام جلستها اليومية قدام البيت، بيد أختي الصغيرة سهاد، برميها في غبشة الصباح أمام خطوها المتوجه نحو المدرسة. كنت أراها تتلقف مظاريفي في لهفة، فأبحر متخيلاً أصابعها الغضة وهي تلامس أثار أصابعي، خفقة قلبها لتذللي المفضوح، إعجابها بعبارات الحب الفخمة المنتقاة بعناية من نماذج الرسائل العصرية، وأشعار الحب القديمة المستلة من ديوان أمرئ القيس، فأتوقع عقب كل رسالة تلتقطها شبوبها بنيران المحبة.. لكن هيهات.. ففي الصبيحة التالية تقابل تحيتي بود وذهول ثم بحيادية النظرة الخضراء الطاردة، فأرجع خائباً من أسوارها العالية، المنيعة إلى وحدتي المترسبة في برودة الأفياء، وانتظاراتي المشبوحة في الأغباش والعصاري، في الظهائر والليالي، لأوقات ذهابها من وإلى فرن الخبز، بيوت الجيران، السوق، المدرسة، العزاءات الحسنية في عاشوراء، الحمام العمومي. أعود لأسكن أخيلتي متمنياً أن يعاكسها صبي فأضربه، أو توشك أن تُدهس بعربة فأنقذها، أو تسقط في نهر المدينة فأنتشلها. أنسجُ في زمن انتظاري المفتوح ألف قصة وقصة. أبحر معها في موج الفيء العميق، في الهبوب الخفيف لنسائم العصر. أبحر في صمت الباب المسدود، سادراً عن ضجيج الزقاق المغادر موات الظهيرة، فرأيتها تطلع من أحشاء الخشب، وحيدة، تتجه نحوي بوقع خطاها المربك. تلفتُ حولي، فاندهشتُ من صمت الزقاق وقفره. مقبلة باسمة عبرت حدود الفيء: ـ يا عيني... أبعدك تنتظرني.. يا عيني؟. من جلستي المستسلمة تأملتُ قامتها الممشوقة، خصرها الناحل، رذاذ كلماتها المسكر، أربكني حنان عينيها المنسكب. كاد يبكيني، فأخفضت نظري واقعاً لأول مرة على نحت قدميها الصغيرتين الحميمتين الدانيتين العاريتين إلا من خطوط النعل البلاستيكي الخفيف، أول مرة أرى رهافة الأصابع الحبيبة عن هذا القرب، كدت أقع عليها بوجهي، ألثمها، أشبعها تقبيلاً، أمسحها ببشرة وجهي الخدران، بوجدي. هل أنا في حلم يا إلهي أم أن جسد الحبيب الحي حقاً يخيم فوقي؟. تهالكتْ جواري على التراب. أحاطتني بذراعيها، بأهداب عينيها الخضراوين الواسعتين، مسحتْ جبهتي المعروقة بطلاوة بشرة أناملها النحيفة. أصابني خرس وكأن ليس بالدنيا كلام، أين مني الحكايا الطوال التي كنتُ أتمرن على سردها وحيداً متهيئاً للحظة كهذه، أنعشتني أنفاسها الهادئة اللافحة وهي تخبرني كل قصتها: ـ أتدري يا مجنون أني أحفظ جوريتك الحمراء التي ألقيتها قبل سنتين في التراب، عندما كنا نغبش سوياً إلى فرن الخبز، جففتها بين صفحات كتابي. لماذا إذن اعتقدتُ وقتها بضياع وردتي الجورية التي اضطررت إلى السطو على بستان "عبيد" الكائن بطرف المدينة في غروب موحش، كاد فيه أن يفقدني برائتي ألطف كائن أحسسته بطفولتي، ألطف جار "عبد الحسين داخل الناحل" طالب الخامس ثانوي النجيب الذي حصرني بين ألواح الجوري، والذي لم ينقذني منه إلا تشربك قدميه بلباسه المقطوع التكة. لماذا تخيلتها مهجورة على التراب حيث أسقطتها. ـ أخاف.. أخاف يا روحي من كلام الناس. حضنتني.. فأخذتها إلى صدري، والدنيا لا تسع فرحتي.. هذا حلم يقظتي ومنامي ينبض لصق صدري في قفر الزقاق المهجور.. آه.. آه.. ما أسعدني وأصابعنا تتلمس جائبة مناحي جسدينا تماماً مثلما حدث في الفيلم الأجنبي الذي رأيته البارحة في سينما الجمهورية الصيفي، أحنو بأطراف أصابعي على شحوب الوجنتين الناحلتين. كانت مخدرة، مسبلة الأجفان. تكاد تغفو، فأربت بهمس على الخدين إلى أن تباعد أهدابها الطويلة، فيسقط وجهي الخمران في بحر الخضرتين العميقتين الدانيتين الناطقتين بعلامات المحبة والامتنان.. ما أسعدني في حضني جنة ونار.. لحظتها تذكرت وجه معلم الدين بنظاراته الطبية وبوجهه المتجهم وهو يكيل اللوم لأبينا آدم الذي فضل التفاحة.. حواء.. الفناء.. تذكرت وأمل الخضراء تبحر في دمي الساخن، صراخه ـ لولاه... لولاه.. لما كابدنا كل عذاب الدنيا. سألته: ـ أذنبٌ إذا أكل آدم "ع" تفاحة. التفاح لذيذ يا أستاذ!!!. فصرخ بي: ـ اسكت. إنك يا حمار لا تفهم الآن، ما حواء المجرمة السامعة وسوسة إبليس، الغاوية المحرضة بمفاتن الجسد الفاني.. الخاوي.. أصمت يا حمار ولا تفكر بأسئلة الشيطان. حلاوة التفاح في حضني.. حواء في حضني. ما أجملك يا جدي آدم.. ما ألذ المعصية إذن يا من جعلتني أحس.. كل هذي النعومة.. كل هذا الكيان المبهج.. الأخذ النفس إلى مناح لا تطولها إلا الأحلام.. طوبى لك.. ما ألذ هذي اللحظة.. وبغتة وجدتني أختض مثل محرور مذعوراً من فكرة انقضاء اللحظة.. وهميتها.. كونها قد تكون مجرد حلم.. أنا المكثف إلى مجرد حلم لا أنفع لشيء كما تردد أمي التي أتعبها شرودي، فدفعتني إلى خالي مهدي النجار الذي سرعان ما اكتشف عدم جديتي وسروحي وغيابي اليومي من دكانه حال مغادرته وتركي وحيداً.. والذي قادني من يدي بأصابعه الخشنة العطوفة المتوترة من شارع الكرفت إلى الحي العصري، ودفعني بحنان قائلاً لأمي: ـ لا ينفع.. لا ينفع.. إبنك سارح.. بماذا.. لا أدري؟. ارتججت ذعراً خوف أن كل الأمر مجرد حلم، لماذا أنذعر من الحلم، أنا المدمن دروب الأحلام لماذا؟. تهت.. أنا في حلم أم في منام؟. أيقظني السؤال، فوجدتُ الفيء امتد واستطال، متسلقاً الحائط المقابل، يلاحق ذيول الشمس المائلة للاحمرار، المنحسرة عن بئر الزقاق، الصابغة حافات أسوار الأسطح الواطئة، وبدلاً من قدّ حبيبتي اللين وجدتني أحتضن صلابة معدن السفرطاس، معفراً بغبار النوم، مرتبكاً، مثولاً، مأخوذاً بالسؤال: ـ ما هذا الزقاق الغريب؟ وأين أنا الآن؟. تلفت حولي، وجدتني أستيقظ في احتدام عصاري الزقاق الفقير، في الضجيج، ساحة عراك، ساحة كرة قدم، ليس ثمة وجه أليف، ما هذا الزقاق الغريب؟ ما هذا؟. ذكرني الحلم، جعلني أتلفت، فوقع بصري المشوش، الملهوف على باب خالتها المفتوح. لطمتُ جبهتي بكفي المبسوط وقفزت ماسكاً السفرطاس. هرولتُ مسافة مثل مجنون قبل أن يلجمني شحوب الغروب، فأبي يجلس الآن في فضة السماء وسط حوشنا الفسيح، ينادم كأس خمرته اليومي، ناسياً وجبة الظهيرة الباردة في السفرطاس الذي ضاع معي، فجعلتُ أجرر قدمي يائساً مخذولاً. سيستفزه مرآي ويذكره.. فماذا سأقول؟ أأخبرهم عن انخطافي من ظلال السوق؟ من يصدق؟ ماذا سأقول؟. لمحتها ما أن بلغت مدخل شارعنا العريض، تلعب جوار عمود النور. اتكأتُ على حائط قديم.. يائساً.. مسكيناً.. فمتى عادت؟ وكيف مرت؟ لم أستطع أن أسأل. فإلى من أتوجه بالسؤال؟ ولم أسأل؟ تأملتها تمرح بين الصبايا، تبتسم للغروب، للمارة، للنسمة، لمقدمي المكروب غير عارفة بمحنتي، بالعاصفة المجلجلة الكامنة بانتظاري خلف بابنا المسدود. 16/2/1997 الدانمارك.
لكل منا قصته. رجال كبار السن تركوا دفء البيت ورائحة الزوجة وضجيج الأطفال. شباب لم يرتووا بعد من هذه المسافة الممتعة في عمر الإنسان. أزواج رحلوا باكراً عن زوجاتهم الفتيات اللواتي بقين يتحرقن بسعير الأشواق. أكراد، عرب، صابئة وتركمان هجروا المدن ومباهجها، والتجأوا إلى الجبال الوعرة حاملين بنادقهم وحالمين بعدالة أبدية.. مستحيلة. ننتشر في خيم حول بيت من الأحجار قائم في أعلى الرابية. بيت وحيد محاط بأشجار البلوط والتفاح، يجري إلى يساره نبع ماء يأخذ مجراه بالانحدار نحو الوادي. كان كل شيء هادئاً في ذلك المكان الحدودي النائي، وكنا نشعر بالغبطة، والبهجة والحرية رغم المشقة وقساوة الجبل، لكن في ذلك اليوم البعيد أحس كل واحد منا بشيء فقده.. كيف حدث لنا ذلك؟ الكل يسأل نفسه هذا السؤال المر، وكلنا يعرف جوابه، لكن لا أحد يريد تصديق ما جرى. الموضوع أعقد بكثير من الأجوبة كل الأجوبة، فعندما تتآلف مع كائن ما إلفة وديعة، تنام وتصحو وأنت موقن تمام اليقين بوجودها.. يعز عليك فقدها، مثلما الإنسان يألف يده ولا يشعر بوحشتها إلا عندما تصاب بعطب، كذلك الروح.. فإلفتها أعمق وسماؤها أرحب. وحين تفقد نجمتها المتفردة الباهرة الضياء، تجد نفسها في ليل مظلم بهيم. أحس كل منا بالوحشة ذئباً برياً يحاصره في عاصفة ثلجية وهو عاري اليدين، منهوك القوى. أول يوم وصلتُ إلى هذي القاعدة، لم أتبين من أمر البيت شيئاً، ظننته يعود للمقاتلين، لكن القدماء أخبروني بأنه يعود لعائلة كردية إيرانية تمتلك كل المساحة التي نشغلها، الأشجار والحقول وقاعة الطين وزريبة الحيوانات. في اليوم التالي نزعتُ غبار السفر الطويل في أحلك حمام في الدنيا، وصعدتُ قبيل وجبة الظهيرة عكس مجرى الماء قاصداً رابية النبع القريبة من البيت. جلستُ على صخرة منحوتة ككرسي، أغرقني التذكر، فرحلتُ إلى عوالم مدينتي الجنوبية البعيدة، أسواقها وناسها، ليلها وصبحها، بردها حرها، مدارسها وصباياها الفاتنات المفتتات قلبي الهش الضعيف أمام السحر. وكطلقة فجت رخاوة أحلامي بقامتها الرامحة الملفوفة لفاً ووجها الممتلئ بحمرة الرب، تشع تحت وهج الشمس قادمة من البيت، ميممة شطر النبع. زهرت خطاها القافزة في قلبي وعندما حاذتني رمتني بنظرة خاطفة بارقة، فتمايلتُ في جلستي مختلاً من وساعة عينيها الباسمتين. كانت ترتدي ثوباً فضفاضاً بلون الجوري مفروشاً بالنرجس الأبيض. لوت شعرها الأسود الطويل ضفيرة تتدلى مقسمة ظهرها التام الانتصاب، وتتأرجح عند الكفل المدور البارز، تمسه بضربات خفيفة مع كل خطوة تخطوها. أصبحتُ أراها بوضوح وهي تنحني إلى حوض النبع لتملأ تنكة معدنية بالماء. مع كل غرفة تلسع روحي بزرقة عينيها الصافيتين اللتين تمران خطفاً بين ميلة وأخرى. تفحصتها. خصرٌ ناحل بالغ الضيق، وتكور بارز أسفل الظهر لا يخفيه الثوب الفضفاض. أنف صقيل منسجم مع امتلاء الوجنتين الرمانتين. شفتان مكتنزتان حمراوان تؤطران فمها الصغير. يا لها من مصيبة!!. كانت نظراتي مرتبكة تتقافز بين وجهها والتنكة التي تكاد تمتلئ. تمنيتُ أن تظل هكذا أحدقها وهي تغرف الماء والتنكة لا تمتلئ أبداً. استقامتْ بقامتها المشدودة، وابتعدتْ تتلوى بمشيتها تلوي الحية. منحتني لفتة غزالة غنجة عند حافة جدار البيت قبل أن تغيب خلفه. عدتُ إلى القاعة الطينية شاعراً بالنشوة والغبطة. مع طول فترة مكوثي في القاعدة، فضحت الأيام فحوى الأشياء نافضة الغبار الذي يحاول كل منا التخفي تحته، ومظهرةً أهواء الأرواح الحبيسة، فانكشفتْ لباصرتي الأمور بسطوع. وكما لكل منا قصته، فلكل منا أحلامه أيضاً، الحائمة حول محورها الشفاف المتمثل في المهرة العذبة المعذبة. قال حبيب الأجرب: ـ أريد أن أخطبها!. ضحكنا منه وحاولنا تسفيه فكرته، فاحتد قائلاً: ـ إنها تميل لي. بالأمس صبحتها بالخير فصبحتني برقة. لم يبعث تأكيده سوى المزيد من الضحك المتوجس، وقد مس قلوبنا خيط خوف من أن يكون كلامه صحيحاً قلنا: ـ ماذا جرى لعقلك؟ أأنت مجنون؟ أين نحن من الزواج؟. في تلك اللحظة كانت المهرة مقبلة وهي تحمل سلة ملابس كي تغسلها بحوض النبع. صرعنا الصمت، وتعلقت أبصارنا بخطوها الناشط، وللتمويه على بعضنا، كل منا تشاغل وكأنه ينظر إلى الغابة الناهضة حتى القمة خلف النبع، بينما أبصارنا لم تبارح ذلك التكوين الهائل المارق الخارق هشاشة الأرواح والنائر بألوان الكون. لاحظتُ كبار السن يخالسون النظر أثناء مرورها وعيونهم تغور بعوالم حالمة قديمة، ثم تبرق بالشهوة، فيديرون وجوههم نحو الأشجار والجبل محررين الحسرة تلو الحسرة. يعمدون غالباً إلى المزاح معها، وفي قسماتهم المتعبة تومض نشوة طفولية سرعان ما تنطفئ غائرة بين ثنايا أخاديد البشرة المغضنة، حتى إنني وجدت في أحد المرات شيخاً طاعناً يمازحها بتقليد نبرة صوتها الناعمة، وهي تكاد تموع بالضحك المغناج، وتصر على إعادة جملتها التي تستثيره وتجعله يمعن في تنعيم صوته الواهن الخربان، متحولاً إلى صبي. وبتقادم الأيام ازدادت الأشياء عرياً، ومع بيانها التام أيقنت أن هذه الطيرة ترطب برذاذها الفواح جفاف أيامنا. قال كريم: ـ لو أراها عارية. والله لما اشتقتُ مرة أخرى لرؤية عري أية امرأة. كنت أغص بالضحك. ـ تضحك ها... ألا ترى أي بياض رائع هو بياض بشرتها. كانت تشغل لحظات فراغنا الكثيرة، وتلهينا لحين عن أشواقنا المبرحة إلى مدننا الجنوبية البعيدة الحارة الحارزة أحبتنا وأهلنا وزوجاتنا وأصدقائنا وأيامنا الماضيات. قال حامد: ـ والله لو تقع بيدي لالتهمتها مثلما التهم آدم تفاحة الجنة. وهي الباسمة دوماً لا تبخل على أحد بنظراتها الماكرة العذبة ناثرة مرحها بأرجاء المكان. قلت في نفسي ـ الملعونة عادلة توزع عبقها المسكر بالتساوي، إذ لا بد أن يحظى الواحد منا باهتمام ما خلال النهار، نظرة، بسمة، ضحكة، غمزة، نفضة رأس، تقطيبة غنجة، انحناءة مقصودة، أو طرف حديث. في صبيحة مشمسة كنت أسند ظهري إلى ساق شجرة مشمش عارية، فالخريف أصبح فتياً، أشحب الأوراق وذهب بخضرتها ثم هزها بريحه العاصفة فتساقطت مغطية الانحدارات والممرات وأسافل الأشجار. رأيتها تتسلق شجرة بلوط تميل عند حافة الوادي، تغيبها الأغصان الكثيفة تارة وتكشفها الفرجات في أخرى. ومن بين نثار الوريقات المتهاويات والأفرع المرتعشة نوّر قمرها، وانسكب صوتها الرخيم على روحي المستعرة ماء زلالاً. شيرينه سه وره دانه ى هه ناري كيره جوانه كه ى ناكودة واري* وهي تعبئ كيساً مشدوداً إلى وسطها بحزم الأوراق التي تنزعها من الغصون. ضيعني قمرها الباهر رغم ضوء الشمس. كنت أظن أنني الوحيد الذي يراها، لكن يبدو أننا كنا نراقبها كل من زاوية تمكنه من رؤيتها بوضوح. وعندما تنتقل في قلب الشجرة وتحول الأغصان دون رؤيتها، يغير الواحد منا مكانه متصنعاً شاغلاً وهمياً، حتى إن أحدهم دنا مني وكلمني حديثاً مشوشاً لا رابط له، وهو يسرق نظرات خاطفة إلى البلوطة الراقصة حيث يمكن مشاهدتها من موضعي بيسر، ثم رمقني بحسد راداً على تحديقتي الماكرة قبل أن يعود باحثاً عن مرصد جيد. قال صباح: ـ اللعنة على روحي.. إنها سمكة طرية. في أحد العصاري وغب العشاء دعونا للتجمع، وخطب فينا نفس الشيخ الذي ضبطته يقلد صوتها، قائلاً: ـ نرجو أن تراعوا الظروف الاجتماعية.. كوننا غرباء، لا تتجمعوا قرب البيت. لم نأخذ بكلامه طبعاً، فالإلفة ساكنت أرواحنا المجروحة، صارت حمامة تعودنا عليها، ولا نملك صبراً على عدم رؤيتها يوماً، تحلق بسماواتنا المجدبة ناثرة في نفوسنا المحرمة عبق المرأة وسحرها.. ذلك التعود وتلك الإلفة والاستغراق الحالم كان عزيزاً علينا. كنا نخشى عليه أشد الخشية ونداريه ولا نصدق فقده. مع خطوط فجر باهتة ليوم خريفي حزين غادرنا القاعدة ثلاثة رجال وبغلين قاصدين قرية بعيدة لشراء التبن. انحدرنا على مسالك جبلية ضيقة أفضت إلى أودية أخذتنا بدورها إلى روابي مشجرة بالبلوط العاري. لم نرجع إلا وعتمة أول المساء تتجمع تحت الأشجار، وفي الأودية مدكنة لون الغسق الكالح. أنزلنا حملتنا في زريبة الحيوانات. ما أثار استغرابي هو برودة استقبالنا، وقسمات الرجال القانطة، المعفرة برمادها. هبط الظلام على الرابية والبيت والقاعة وحزن الرجال. أوحشني الليل والسكون فالتجأت إلى فراشي في غرفة الطين الطويلة التي نستأجرها، أرمق بخشية الوجوه المستغرقة بألمها والكامدة في ضوء فانوس شحيح موضوع على رف في الجدار. شيء ما يدمي قلوبهم، أيقنتُ بذلك والقاعة فقدت ضجيجها المعتاد كل ليلة. شعرت بالاختناق والباب الموصدة على الليل المدلهم الحزين. لم أطق الجو المتلبد، فملت جانباً، وهمستُ بأذن كريم المستلقي جواري والغاط بدوامة سيجارته: ـ ما الذي جرى؟. حدجني بدهشة، ثم لمعت عيناه في شحوب الضوء الذابل وقال: ـ ألا تدري؟. لم أفه بشيء. هززت رأسي مستفهماً. تجمرت عيناه وهو يردف: ـ زفوها ظهراً إلى فلاح يسكن قرية نائية. ـ من .. من هي.. من؟. وقبل أن يفوه بكلمة حدست من، فأشرت له الكف عن ذكر التفاصيل ويد هائلة امتدت إلى سماء روحي وأطفأت نجمتي الوحيدة وتركتها سماء خاوية مهجورة. خنقني الألم. خنقتني القاعة والوجوه القاتمة.. خنقتني الأشجان والعبرات، فهرعتُ نحو الباب ناحل الخطو. فتحتها، وألقيت نفسي في الحلكة عاباً من الليل الخريفي هواءه البارد.. ملتاعاً.. محزوناً وطيف بسمة عذبة مصبرة سوف لا أراها بعد اليوم يذيقني شهد العذاب. 15/9/1982 قرية دولكان ـ الحدود الإيرانية ـ العراقية * أغنية شعبية كردية "حلوة شقراء كحبة الرمان بنت جميلة من الكرد" |