|
Iraqi Electronic Library المكتبة الألكترونية |
سرير الرمل قصص قصيرة |
|
|
|
في زمن التباريح... أنبثقُ من أغوار التراب.. أتشكلُ من طراوة طين الزقاق. أنهضُ من الحجر المفخور، وأخطو في خرس الضجيج المرئي وسط لعب الأطفال. أخطو مصحوباً بلصيق مبهم يشاركني موضع قدمي المتأنية الهابطة على البلاط المحفر المنخور. أتغور في الصمت المكين، في الظلال المنبثة من الأبواب، من سماء التشوف، من النوافذ، من الأفق المسدود الخافق برفيف الطيور. أخوض في السكون شاعراً باللصيق، متسائلاً: ـ أأصابني صمم يا إلهي؟ أم أنني لم أزل في مسافة ما قبل تخلق الأصوات؟. أسير... وأسير إلى أن تلفحني أنفاسه، فتوقظني، أجدني بباطن الضجيج، بين جداري زقاق قديم، بآجره الأصفر المتآكل المرطوب، فارقتُ الجنب الساخن والتفتُ إليه.. هذا صديقي المغني النشوان، أيكون طالعاً معي من روح التراب، همستُ له: ـ أخبروني أنك مت في الحرب يا هاشم!. جاوبني بضحكته الفريدة، النبرة نفسها، وتر الصوت المبحوح، المرتبك قبيل الكلام، ظللتُ أجوب بموج ضحكته الرانة في صخب الزقاق. فارقته مبتعداً نحو الجدار. عانقتُ الآجر القديم، ورحتُ أمسح بأصابعي فتاته الهش، المتهاوي بوقع مكتوم. الرائحة نفسها.. عبق مرطوب، والامتداد ذاته. الباب ذاتها يا زمن التباريح. ناديتُ: ـ هاشم... يا هاشم أليست هذه دار عمتي أم صلاح؟. ـ أنسيته حقاً؟. أنا لست في أخيلتي، الحائط حائط، والتراب تراب، وهاشم شاخص أمامي وخلفه الباب، يتملاني بعينين ألقتين واثقتين من الحضور... وينتظر الجواب... فكل ما قيل إذن عن حرب وقتل حل بالعراق ليس سوى سراب تراءى حيناً وغاب. في زمن التباريح وهاشم لفته يجاورني، وجدتُ نفسي ألج الدار من بابه الخشبي المشقق المفتوح، وأرفع ستارة القماس المسدلة واثقاً من وجود صلاح الذي قيل إنه غاب في أقبية المعتقلات. التفتُ إلى هاشم قبل مواجهة جوف الدار. كان يرمقني بود قدام الدار. اطمأننت وجاوزت العتبة محرراً القماش المدعوك من قبضتي، فسقط مهتزاً خلفي لأباغت بحوش مكشوف يختلف عن الباحة الصغيرة القديمة المسقوفة بقبة من نوافذ زجاجية، هذا حوش منخفض فسيح، متباعد الغرف. أشعرتني بالوحشة وجوه رجال ونسوة وأطفال غريبة، يتحلقون حول سفرة طعام، ويتطلعون صوبي وكأنني فرد منهم، غير آبهين لاقتحامي المنزل دون طرق الباب. في وقفتي الحائرة بادرتني الوجوه بانفراجة ظليلة، فسدرتُ بالقسمات المطلية بالضوء الأغبش المنبث من زوايا الباحة، من الغرف من التراب، من السماء الكابية، من اختلاط زمن وجدي وأشواقي. الملامح المنحوتة السمراء ساكنة حميمة، أشعرتني وكأن مقدمي مألوف ومنتظر كالمعتاد. ـ هل كنت أزور الحوش والظلال باستمرار... أم أنا في باطن الأخيلة الظنينة؟. التفتُ أبغي هاشم، فصدتني الستارة المهتزة في صمت المجاز القصير. كدت أمد ساعدي وأزيح الستارة وأعود... كدتُ... وسقطتُ معطلاً في مجرى أنفاس حية اندفقت من باب وسط المجاز، ومثل مسحور استدرتُ بمواجهتها لأعب من الهبوب القادم من جوف الغرفة، وأتملى جسد الباب الأليف، بدرفتيه الضيقتين، وإطاره العلوي العالي المعلو بنافذة زجاجية مغبرة. شممتُ رائحة أحبة غياب، صلاح مهدي الصياح، أحمد حسوني، كفاح عبد سوادي، كريم مهدي عبود، رائحة عبقة ساخنة... أيكونون كامنين خلف الباب؟ وما رأيته من فساحة الدار والوجوه الغريبة والغرف المتباعدة ليس غير وهم من أوهامي الكثار؟ بعثرتني الأنفاس القديمة الهاجمة من الباب نصف الموارب، ولمتني في غمرة صبيبها المسكر. في الضوء الظليل المُتحلّب من أول المساء، في الضوء الفضي المعتم المُتحَلّب من آخر سحر معلول، في امتداد المجرى المفتوح خطوتُ نحو المنبع خطوتين. حاذيتُ العتبة، ودفعتُ براحتي الدرفة المنفرجة، كانت اليسرى محكمة الوصد بمغاليق معدنية أسفل وأعلى جسدها المقسم إلى ثلاثة قطع مستطيلة كلح طلاؤها الرصاصي، وتساقط من نتوءات الزخارف وخطوط التظليع. دفعتُ بأناة فأزت في الصمت وعصت، شددتُ الدفع فصخبت محتكة ببلاطات الأرضية المرطوب. تخافت صرير الباب وخلفتني في السكون، أنصتُ لصمت قلق احتشد بعد هنيهة بهسهسات متقطعات، وهمهمات مسموعة رغم شدة خفوتهن. أطبقتُ أجفاني، وتمسكتُ بعضادتي الباب حابساً لهاثي، فسمعتُ ذيول ضحكات مكتومة، أعقبها همس مدغوم، فتخيلتهم يختبئون خلف الباب، خلف الخزانة، خلف الأريكة الوثيرة، تحت سرير صلاح المركون في الزاوية كي يفزعونني بصرخة، بقفزة، بطق كيس ورقي منفوخ. أسكرني الخاطر، وهبطتُ من العتبة إلى الجوف المعتم. لبثتُ بمكاني أبحلق في أمواه الظلام ملاحقاً أخيلة تمور وتغور، تظهر وتذوب مخلفة حواشيها الموشاة برذاذ فضي يتوامض وينطفئ، واقفاً في غور الأنفاس والروائح، في العتمة الطافحة بالهمس. أحاول حدس أمكنة الاختباء. أشد أعصابي لمواجهة المباغتة المتوقعة حتى استكنت الكتل المتراقصة قليلاً... قليلاً، فرأيتني محاطاً بأكداس أثاث قديم متروك، مكسر مبعثر، متراكم في الأنحاء والزوايا، أقف في فسحة ضيقة تستدير جوار العتبة. أمرر ناظري المهضوم على جدرانها، ونوافذها العالية المطلة على الزقاق، وركام الأثاث المغبر، الأريكة مقطعة الأوصال، الخزانة مخلعة الأبواب مترنحة في الزاوية خاوية... بائسة. تسلقت عيناي الزاوية إلى السقف المقفع الجص. المروحة السقفية المعلقة بريشاتها الثلاث الميتة مطرزة ببراز الذباب الذي حولها إلى أذرع فحمية مغبرة. انصلبتُ مرفوع الرأس مبحراً في سماء السقف، والمروحة استيقظ مجدها القديم، فرأيتها تدور دورانها الحميم الدافق بأمواج الهواء المرطوب، المنعش في قيظ ظهاري أصياف الديوانية الحارقة. تلتفُ حول مركزها ناصعة البياض، وصوت اصطفاقها الرتيب دفعني إلى حافة الغفوة، حافة الصبا والمراهقة.. واحتدامي الصاخب المجنون الذي يجعلني أتهيج في انصاص الليالي، فأتسلل بعد هجوع أخوتي إلى سطح الدار لأهيم عابراً أسطح الجيران، متلصصاً على أجساد النسوة الغافيات في الغرف والباحات، مستغلاً الليالي المكتملة الأقمار، نصف القائضة، نصف الباردة. أجوب الأسطح إلى أن أقع على كنز في باحة، في غرفة لأشب بحريقي على وهج طلاوة الأفخاذ المكشوفة لبدر التمام وهو يغسل البشرات بمائه المسحور. في ليلة أغواني القمر الساقط بين فخذي جارتنا السمراء، زوجة نائب الضابط الذي لا يأتي سوى سبعة أيام في الشهر، يقضيها في الحانات مخموراً، تاركاً كل هذي الأنوثة للصمت والخواء... للقمر وعيني. انحدرتُ في بئر السلم الداكن، اقتربتُ من العري المسفوح، فتململتْ وفتحت عينيها المرعوبتين مطلقة شهقة فزع أيقظتْ العجوز... فاشتعل الليل بالفضيحة. لم أجد ملاذاً إلا تحت هذا الاصطفاق المخدر في رطوبة هذي الغرفة. أقضي جل الوقت وحيداً، فالبيت خال إلا من عمتي الأرملة القاضية يومها بين مدرستها حيث تعمل معلمة وبيت أختها البعيد. أقرض قلقي بين الجدران خائفاً، أتسقط من مخبأي القريب ما يدور من أنباء حول رجال عشيرة قدموا من الأرياف ليحاصروا أبي النجار المسكين. رجال يعتمرون العقُل مهتزين من غواية الليلة القمرية وطلاوة اللحم الأنثوي المسحور، المبتل بشهوتي وسكوب الفضة اللينة الفاضحة. كنت أتأرجح بين خوف وشعور بالعار سرعان ما يتواريان لتحل محلهما لذة تصعد من الأعماق تحت اصطفاق الريشات الضاج في صمت الظهيرة وخواء الدار، فأغمض عيني رائياً المشهد القمري بوضوح.. الساقين المتقلبتين، المرفوعتين تارة والممدودتين، ظلال جدار الحوش الزاحفة مع ميلان البدر، لهاث خوفي المكتوم، وسعير رغبتي الحائمة، الصاعدة النازلة من أصابع القدمين العارية وامتداد الساقين حتى الشعر المبعثر المنثور على الوسادة البيضاء. أستثارُ وكأنني في باحة القمر المسحور متوسداً جوارها التراب، فأهتز وأصل على إيقاع المروحة إلى الذروة المبهجة.. لأهبط بعدها فوراً إلى قيعان الندامة والقرف من نفسي والناس والدنيا. في زمن التباريح.. أتوسط الفسحة الضيقة بين أكداس الأثاث القديم، مشبوحاً أتلقى أخيلة الاصطفاق الضاج، أمواه المروحة المستعيدة مجدها القديم، فيخدرني في القيلولة.. أتأرجحُ على حافة الغفوة في حجرة الأيام. وحده حنان الحجر والخشب ودوران السعفات الثلاث، وأنفاس عمتي الخافتة، غير السائلة يعاشرني في وحدتي.. تعد طعامي في صمت وتناديني بحنان.. لم تسأل، بل أحسستها فرحة بحضوري الطارد شيئاً من وحشة ترملها الطويل.. فرحة يشي بها صمتها المتواطئ رغم قصة سطوي المندلعة في المدينة. في وقفتي الهضيمة، أتوسل صمت الجدران الحارزة بطيات آجرها هدجة أرواحنا المفرفحة، ولهاث أنفاسنا في ذعر اللذة المحرمة، همسنا الحالم لحظات بوحنا في قعر الليالي، ضحكنا النشوان، واحتدام نقاشاتنا السياسية الصاخبة الدائرة حول الإنسان، وتحالف الشيوعيين مع البعثيين، وضجيج الشعارات المقرف، حيث كانوا أحبتي الغياب متحمسين، حالمين باقتراب يوم الحلم حيث لا طبقات لا عسف لا جوع، وكنت أنتبذ في رؤاي اليائسة المحبطة.. فنغرق بالصياح كل في واد، حماس أوائل العشرينات، كنا في منتصف السبعينات، ولا تلغي ذلك الجدل المسدود إلا فيروز القادمة كعادتها عند الحادية عشرة مساء كل أربعاء من إذاعة الكويت، فيقوم صلاح يطفئ المصباح، ويسترخي قبالتي مثل سكران على الأريكة المغبرة الآن الحائلة اللون المختنقة بكسر الخشب، بالكتب القديمة، بالقمصان البالية. وحدك يا جدران الأشجان تعرفين ما بنفسي القائمة من التراب، المتشكلة من طينه. وحدكِ... تذكرين كفي الخائفة المطبقة على حواف جرح نوافذك الثلاث المطلة على الزقاق، رجفة أصابعي، ارتعادي من ضجة قرب الباب، من صرخة مستنجدة تذكرني بصرخات الجنود الجرحى في ليل هور الحويزة.. صرخات موحشة، بالغة اليأس، تغور في ظلمة القصب، في غور الروح المذعورة وزناخة الهور الطافح بأشلاء الجنود الإيرانيين والعراقيين، ارتعادي المجنون ذاك المستعاد، لحظة قرع ملحاح.. ارتعاد يخض جسدي رافقني منذ عودتي من إجازتي الأخيرة.. أشلاء روح قلتُ لها: ـ سوف لا ألتحق بالجبهة أبداً، بكل الأحوال ثمة موت.. والموت.. موت يا ناهدة. وقتها لم أخبر بعد أهوال التخفي وصيرورة النفس فيه. ـ لا يهمني من الدنيا يا نور عيني سوى وجودك، حيث أستطيع لمسك بأصابعي. كانت تخنق عبراتها وهي تردف: ـ لا تذهب .. يا ربي لماذا لا تفتح قلبي لأضمه فيه؟. قالتها وبكت.. قالتها واحتوتني بذراعيها. من يومها ضاع كل شيء، لا الأيام أيام، ولا للوجود معنى إلا في حالة شديدة البدائية، الرغبة في البقاء، مشاعر لا تختلف عن مشاعر غزالة شاردة في البرية هاجسة كل لحظة بمفترس ما، أسد، ضبع، فهد. محاصر بوجوه الأحبة المتضايقة من مكوثي اللامجدي في عتامة الغرف، في الصمت، في سبوت يشبه سبوت الضفادع، لكن وسط البشر، ظللتُ أتنقل خجلاً من كينونتي، حتى عمتي الناضجة وداً والتي كانت فرحة بوجودي رغم فضيحتي وقتها باتت الآن تخالسني النظرات المريبة وقت تواجدها النادر في البيت. صرت أكثر من يتيم، وحيداً مع الجدران القديمة، وحيداً أختض من قرع ملح، من طلقة تلعلع في الأسحار، ورعبي المقيم غار في روح آجرك وأنتَ تضمني من العيون، من الشرطة العسكرية، من رجال الأمن، من موت أكيد يجوب الشوارع والطرقات الضيقة، المدن والأرياف، سهوب الجبهة وجبالها. لم أجد إلاكَ ملاذاً يأويني. كنت أنصلب لصق آجرك في الأفجار والأظهار، في المساءات والعصاري أطولُ بناظري المحصور المكسور المارة من خلف زجاج نوافذك ومشبك سيمها المغبر الذي يغبش الأشكال ويدغم ملامحها، فيتعسر علي تشخيص وجه يبعد أكثر من بضعة أمتار. أحدقُ في الصبايا والنسوة، في وجوه أصدقاء أعزهم، في لعب الأطفال ومرحهم، وقتها كان لا أحد يعلم بمخبأي سوى وصفي ابن عمتي. ومرة.. أتذكرين كيف تبعثرت أصابعي اللينة المعروقة النازفة روحي من مسامها، على صلادة جسدك المشبوح لحظة مرور زوجتي التي كانت تحمل صغيري الوحيد كفاح، كيف التحمتًُ بكِ عقب غيابهما عن نطاق الرؤية، كيف مرغتُ كل جسدي المتصحر في جصك المفتت، دعكتُ صدري وظهري ذائباً بطيني وصوتها العذب المنادي صديقتها عند ثنية زقاق جانبي وقعه أليماً عند التخافت والغياب.. ما هذا الغياب؟ ما ذاك التلظي؟.. وكيف فقدتها بين رجال العصابات في الجبل. ضربتُ بكفي المضمومة صخور الوادي حتى أدميتها، ورحتُ أمرغ جسدي الموحل الوسخ بسيقان البلوط، بعشب الأرض، بالتراب، بالصخور. ضيعتُ نفسي ثلاثة أيام في غابة بكر دون طعام، عويتُ مثل ذئب جريح، صرختُ حتى بح صوتي، كانت الجميلة زوجتي قد تعلقت برفيق، وعبرت الحدود معه إلى الشام.. ما هذا التلظي؟ وهل حقاً كل ما جرى.. جرى؟. هل حقاً أقف وسط ركام الأثاث المهجور؟ هل حقاً أقف في غرفة بدار عمتي القديم؟ هل أنا بين جدران صباي ومراهقتي.. نضجي وغيابي؟. أم أن مخيلتي المحمومة تعيشني في الحنايا والأمكنة، في الظلال القديمة والمنسية والمندثرة، والقائمة في النفوس والذاكرة والأحلام.. هل؟ ومات السؤال في صوت هاشم المنسل من النافذة، المتهدج ألماً: أنا ناحل .. ناحل وأمشي مكابر تراني وأجلد .. خاف عدواني تراني ليس ثمة مجال لأخيلة.. لوهم.. لحلم.. بل إنني في تباريح غودتي الملتبسة بعد غربة لا عد لأعوامها قضيتها في الدانمارك وحيداً، عارياً لا أحمل سوى ألمي وأشواقي.. كيف انقضتْ لا أدري؟. كيف عدتُ؟ لا أدري.. لا أتذكر التفاصيل.. ولا أدري ما سيكون.. وما سأصير إليه.. وما يحدث الآن.. كل ما أحسه أنني شهقت من التراب نخلة تسير، نخلة وجدت طريقها إلى غرفة العمر والأيام، نخلة في غرفة تدرك ما حولها من وجوه وظلال، جدران وأصوات. فكرت بالعائلة الطيبة الملتفة حول سفرة الطعام الجاعلة من هذي الغرفة مخزناً لما تلف من أثاث، وشرعتُ باستحضار أشياء المكان.. الأرائك.. الأفرشة.. السرير.. أدراج المكتبة.. الأصوات.. الروائح.. الأنفاس.. روازين الحيطان بأبوابها الخشبية.. عبق البخور.. ضوع الهيل.. الرطوبة.. الكتب والقمصان.. أقف منتظراً انبثاق الغياب من التراب مثلما انبثقنا، مصلوباً في ضيق الفسحة جوار باب الغرفة.. باب الجنة. أنصت لهاشم يغني خلف النافذة.. أنصت مطبق الأجفان. 8/2/ 1997 الدانمارك
وجدتني، أخطو في دفقة ضوء الزقاق. ضوء لا يشي بزمنية ما. ضوء هو خليط من نور وظلام. امتزاج غير مسبوق. لا هو بالسحر ولا هو بغسق مساء. لا هو بشروق، ولا هو بغروب. في التباس الضوء والزمن أسير غارقاً بالظلال. لا أقصد سوى امتداد الزقاق. تحنو على قامتي جدرانه القديمة المتآكلة، بشبابيكها الخشبية المعتمة اللاهثة بأنفاس الصبايا. أخطو مخدراً بالخواطر والأماني. عيناي تسرحان في ظلام النوافذ.. أسرارها، وتبسمان لخاطر أنثى محتملة تحتويها الدكنة الرطبة الباردة، أنثى تختبئ خلف حواف ستائر البيبان المسدلة، خلف النوافذ المعتمة. أبتسم لعيون مخيلتي المتأججة، مأخوذاً، حالماً. أتخيل ما يحتشد بعيون الصبايا المتوارية من تباريح الرغائب الفائرة في القلوب الغضة الحبيسة. أرمقُ ظلال ستائر تهتز، تتموج. تربكني، تلكئ ناظري. يقول: ـ لا بدَّ أنها تكمن بعينيها القادحتين!!. أخطو منتشياً بأخيلة العيون، مكاتفاً خيال صديقي هاشم لفته المغني وهو يقول: ـ ما عليك سوى التحديق في عمق النوافذ والابتسام. ـ لماذا يا هاشم؟. يطلق ضحكته الآسرة ويقول: ـ يا صديقي النثايا محبوسات في البيوت، خلف النوافذ، فلا بد أن تعلق واحدة بصنارة النظرة والبسمة!. ـ المرأة ليست سمكة، وأنا لست صياد يا هاشم. ـ دعنا من فلسفتك التي لا تسعفك في الليل عندما تضطرم نيران الشهوة، ولا تطفؤها العادة السرية بل تزيدها استعاراً. وقتها كنت مشحوناً بالأفكار الداعية إلى احترام المرأة وتحررها المخلوطة بطهرانية البيئة المحافظة. ـ لكن يا هاشم! المرأة ليست سلعـــ... فيقاطعني بودٍ: ـ لنعلق.. أو لتعلق! لا فرق! ماذا في ذلك يا صديقي.. ماذا؟ ـ .......... ـ ألا تحلم بشم رائحة بنية ناعمة تفور وترجف من اللمس؟. يهفو قلبي للخاطر المنبعث من الكلام، وهاشم يردف: ـ اسمع يا صديقي.. أن نلمس بشرة صبية بأصابعنا، ونبحر في العيون المتشهية، في الجسد الفائر المحروم.. ذاك يمد في عمرنا سنيناً. ـ أتضحك..! إضحك.. إضحك.. الضحك جميل ووجهك يصير أحلى وأنور وثق بكلامي.. إنهن يكمننَّ خلف عتمات النوافذ الآن، حدق خطفاً، تأمل طويلاً، واشحذ خيالك بفوران الجسد والروح والعيون.. ستجد العديد منهن يتجرأن على البوح والوصال. أخطو منتشياً بخاطر العيون، أشكالها، وساعتها، الوداد المائج في بحورها، الشبق المتأجج في أعماقها، أتقدم منطلقاً نحو امتداد الزقاق.. نحو الأفق الحاشد المفتوح بالشؤون والأنفاس بالمعاني والظلال. ـ هل حقاً قُتِل هاشم؟. أخبروني حال وصولي إلى المدينة قادماً من جبهة ـ حاج عمران ـ في أقصى الشمال بخبر موته في قاطع العمارة ودفنه قبل يومين. سلكتُ درباً مختصراً بين بساتين النخيل قاصداً بار المصايف. دخلته بملابسي العسكرية المغبرة، وحقيبتي الثقيلة أسقطتها على عتبة الصالة المزدحمة بسكارى الظهيرة.. بجنود الجبهات المجازين.. ومن طرفها هرع نحوي بقامته الناحلة. اعتنقني، وانفجرنا بنحيب بلّ كتفينا. همستُ له: ـ هل حقاً يا قاسم ما سمعت؟. وابن لفته الكبير يمعن في دفن رأسه بعنقي، ويسكب دمعه الغزير، قلت: ـ هيا.. هيا. رمقني للحظة وقال: ـ هيا.. نعم.. هيا بنا. أخذني رغم سكره إلى تيه مقبرة النجف الشاسعة. عانقتُ الشاهدة وبكيت. ذكرته بكل حكايا الحب والصبايا ومد العمر معاتباً اختصار رحلته. هل ما جرى حقاً جرى؟ أم كان مجرد خيال؟. هذا ما لا أدريه الآن، وأنا أخطو في احتشاد الظلال والألوان. أخطو وحيداً مضمخاً بأتراح غامضة المنشأ، غامضة غموض إناث هاشم لفتة المندمجات في عتمات النوافذ المسدلة، المحدقات في قامات فتيان الزقاق.. والمارة. أخطو مضمخاً بعذابي.. باشتباك الحلم بالمخيلة بالذاكرة، أخطو وفي نفسي استبهمت الأسباب والمعاني، وأصبح من السخف أن يشار لمنشأ حزن!. وهل لمن جاوز الأربعين منشأ واضح للحزن؟. أخوض في ضوء هو خليط من نور وظلام، في امتزاج غير مسبوق، في التباس الضوء والزمن، منفصلاً عن الصيرورة الناجزة.. البدء ـ المنتهى، الولاد ـ الموت، متوحداً بأنفاس الحجر المتآكل، مزفوفاً بعيون الصبايا أبيض القلب، أخطو مثل طفل. أعانق هاشم القائم من التراب، الملاصق لخطوي في اللازمن، اللامعنى، واللاهدف. نتوغل في مطلق الظلال. يعصف بنا دفق الأشواق نحو جدران البيوت نتلمس.. آجرها المتآكل المرطوب.. ينوح هاشم وجداً بصوته الحنون: «ليش الي سماره حلو ينحب تظل الروح دوم عليك تنحب علي بوية» تسدرُ نفسي .. تسافر في عمق الحائط، التراب، خشب الأبواب، نوافذ الغياب، أرتحلُ متمايلاً مع تموج ستائر البيوت المسدلة، الساقطة من أسقف المداخل الحالكة إلى العتبات العاليات. أخرقُ بقوة خيالي قسوة القماش مطلاً على إلفة كائنات محبوسة خلفها. أتخدر بالهبوب الخفيف العابث بأجساد الستائر، واللاعب بليونة عباءات النسوة السود، المارقة في بحور الظلال. أتخدرُ ممسحاً فتات الآجر. أخطو.. أخطو متأنياً.. لأخبو قليلاً.. قليلاً.. أخبو.. أخبو.. يأفلني شروق صبية من عتمة دهليز مسقوف، بوجهها النائر من حلكة العباءة وأمواجها الصاخبة.. تأفلني.. أتحول فراشة وشفتاها الناريتان تنفرجان عن بسمة أبدية تحرق جنحي، فأسقط في فرح طاغ.. مأسوراً بالتي كانت متوارية خلف الجدران، في عتمات الغرف، ووراء النوافذ المحكمة الرتاج، مكبوحة مهددة. أحبو مرعوباً ألذ رعب في مسافاتها، والصبية تنفض خصلة سوداء شاكست عينيها المكحولتين. اختضضتُ في حبوي على التراب، والخصلة تطير فاضحة ألق العينين المتوهجتين بالرغبة الطافحة التي أظهرتها تباريح الموانع، هواجس الحصار والخلوة، الكبت وفداحة انتظارات لا طائل منها، لم تنحرف أو تميل، منطلقة صوبي، مربكة خطوي. ـ هاشم.. يا هاشم... ها أنذا أعلق.. أعلق الآن!. والصبية المتوردة الوجنتين، بوجهها الغبشي، لاهثة بماء الفجر، بالشهوة تمعن في الاقتراب، تكاد تلفني في عباءتها التي تركتها تنفتح عن ثوب منزلي، يبرز نهديها الصغيرين، المستيقظين لتوهما. وقبل أن تنحرف عن جسدي المأخوذ همستْ بخفوت شديد، أولجني في حلم آخر: ـ صباح الخير. هل كنت وقتها في طريقي إلى مدرستي ـ إعدادية زراعة الديوانية ـ أم أن ما حدث، حدث في اللازمن، في خيالات وجدي؟. ما يحدث لي، أو ما حدث لي، ما تخيلته في زمن شرودي الذي لا ابتداء له ولا انتهاء، أو ما يكون قد حلمت به نوماً ويقظة.. لا فرق فقد استوت في نفسي المقامات، مقام الحلم، مقام البصر، مقام الرؤيا. ما رسخ في حناياي... هو ما خلفه غيابها خلف باب مقابل لنفق ظهورها، فقد شبتْ بي تباريح عشق مطلق، عشق اللحظة الخاطفة، النادرة، التي لا مثيل لها ولا تكرار، ذلك التوق الغامض المنطلق بغتة من أماكن مجهولة في الروح، توق حارق للاندماج بالآخر، توق مستحيل، فانحفرت في روحي سمرة الوجنتين المضرجتين، والشعر الفاحم الناعم المنسدل جوار النهدين، والخصلة المعاندة نفضة الرأس الآسرة، مسافة الغبش بين بابين متقابلين، والرغبة المخضلة بحر العينين، والهمس الملهوف. في التوتر الخاطف.. في الخدر القائم.. أتلظى بأخيلتي الآن، هاشم، قاسم، صبية النافذة الجريئة، وصباح خيرها التي لا تنسى. أتلظى في زمن وجدي، في امتزاج أضواء غير مسبوق، في طريقي من ظلال سوق التجار المسقوف عبر شارع علاوي الحنطة المفتوح إلى دفقة ضوء زقاق من أزقة "الجديدة". في التباس الضوء أحبو، في التباس الأحوال.. من أخبرني أنها أزيلت.. من؟، وبُني محلها عمارات، وهل تُزَالُ الأمكنـةُ من الذاكرة، من النفوس.. لكن هل كانت الأمكنة حقاً؟ هل حقاً ما أنا فيه الآن؟ هل حقاً أخطو هذي اللحظة على تراب الزقاق.. هل.. هل..؟. ورأيت هاشم يتحول إلى دخان ويتلاشى رويداً.. رويداً في الأنوار الغريبة، في امتداد الزقاق، نافذاً من زجاج نافذة الصالة العريضة، ذاهباً بكل شيء معه، الصبية، النوافذ، الحيطان القديمة، أخيلة العيون. تظل الروح دوم عليك تنحب علي يوبة تظل تتردد في صمتي، في السكون المطبق المحيط، في وحدتي المكينة. وجدتني أخطو على موكيت الصالة، لأتوقف جوار النافذة، أبحلق في الثلج المتساقط منذ بكرة الصباح. في أوراق الشجر الذابلة المتساقطة، ببقاياها المعلقة على الأغصان بعناء، ببياض الثلج الناصع الذي بدأ بتغطية عشب الحديقة، بأدراج المكتبة المغبرة، بكأس الخمرة المترع القائم على الطاولة الخشبية السوداء. كم عببتُ من الكؤوس؟ لا أدري. فقد بكرتُ في الشرب هذا اليوم، يدوي برأسي صراخ "حسين عطشة" القصاب الذي كان جندياً في وحدتي العسكرية زمن الحرب حينما نسأله عن سبب صمته وشروده كل غروب حيث نكون بانتظار قصف الإزعاج الليلي: ـ اليوم.. اليوم.. يا الله ذاكر أحباب قلبي ذاكر أحباب هل مات هو الآخر في الحرب؟ عدتُ إلى جلستي، إلى كأسي وأصغيت إلى هذه الألحان المنسكبة من مكان ما بخفوت وكأنها تأتي من بعيد. ما زال هناك "شتراوس" يدلق روحه من الـ "CD"، هل كنت في غور أمكنة السونيتا، ما هذا المكان؟ ما هذي الرخاوة القاتلة؟. من ألقى بي في هذا القفر الوثير.. في المطلق.. اللازمن.. اللامعنى.. العزلة.. من.. رفعتُ كأسي.. وأصغيتُ، فوجدتني أخطو على التراب.. أتحسس جسدي القائم، الممشوق، الناهض، المارق في بهجة ضوء الزقاق الرطيب، وروحي بعيونها الكثار مرتبكة تحدق بعتمات النوافذ المفتوحة، بستائر الأبواب المسدلة، في دفقة ضوء الزقاق، في امتزاج أنوار غير مسبوق، أخطو وحيداً... وحيداً. 5/1/ 1997 الدانمارك
|