Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

أبحاث

جمر الكتابة الأخرى

شاكر مجيد سيفو

كارثية التخييل

بين اسطورة الجنون وسلطة الموت

في[صحراء بوذا]**

في لغة العنونة وبنيتها الأشارية الى الفضاء المقفر يؤكد الشاعر والناقد خضير ميري الى كشوفاته لرؤى العالم والاخر وفلسفة الحياة وفلسفته أزاء الموت والحياة والحب والجنون، إنّ (صحراء بوذا) نصّ متعالٍ على التجنيس، ففيه من نثارات المعرفي والفلسفي والشعري، فهل تحولت كل هذه الانساق الى تشعير بنية العنونة ومحمولها (الأنا الشاعرة) والتي هي بمثابة الموجه الكلي لفعاليات خطاب النص الذي يبتعد عن براءته حسب فوكو (لا يوجد خطاب بريء)؟ هل تتحول رؤى الكشف والأكتشاف الى فلسفة ما؟ وهل تتحول بنى المكان الى كائنات رؤيؤية فانتازية تكتبها المخيلة الكارثية لمثل هذا النص في حساسية عالية من كتابة الحياة والثقافة وحياة الكتابة، بقدر أعتبار الكتابة أقوى من الموت حسب ـ ستندال ـ؟ هل أنّ جدل الشعر مع المكان وتفرعاته وتعدد مستويات الرؤية والرؤيا يأخذ العلاقة الجدلية إلى أبعد وأعمق مستوياتها التأملية والرؤيؤية؟؟ وهل تمتد حساسية الأنا الشاعرة الى ما وراء النص لتدخل الى مناطق التأويل والسيميولوجيا ودرس القراءة التأويلية وفواعلها في حفريات النص. لا نسعى الى وضع إجابات لكل هذه الاسئلة بقدر ما نرى الى أعماق نص المبدع خضير ميري وحفرياته في (صحراء بوذا)، لأنّه يقيم في الاماكن العالية من اللغة والوعي بالعالم والاشياء. لهذا لا يمكن للقارئ أن يبقى مهادناً مع هكذا نصّ مشاكس ومغاير، إن تضاريس الشعرية تتمظهر كأمصال تلقّح باطنية النص وتجترح لها خطاباً أيقونيا متوحشاً باللحظة الحرجة وشعرية الكلمة والصورة وبالاحتفاء بالمحذوف والأسطرة والخرافة.

(ونقلت طاسة الحناّء الى كفة/ ولعقت شفتاه نذور (الفراغ)/ وتقدم الرهان/ إثنين/ رؤوسهم الحليقة حاذت بعضها بعضاً/ حتى آرتفعت الصحراء/ الى مستوى أكتافهم وسبلت عيونهم/ من هول السراب/ فأنطق روحه/ وأباح لها حصة الكلام عن كنوز الصمت.. ص141-142 ). تنفتح المعطيات الدلالية من سرودات الملفوظات في استدلال الشعري عبر لغة انفعالية تتعايش من خلال الكلمة والصورة وتفرعات الرؤيا وطاقتها الاشعاعية وعناصر التوتر الحسي والنفسي والفلسفي، وتتساوق هذه الرؤى في تفجير طاقة اللغة تشكلاً وتخيلاً وفانتازيا، ونرى الى هذه الطقوسية في هيئة بانورامية تتمظهر في بنى العنونات الداخلية في (أحتفائها بالمعرفي ومظاهرة المتعددة، حسب ياكوبسن)، وتتولّد العلاقة بين الشاعر والاشياء التي يكتبها حيث أن الشاعر (لا يكتب عن الشيء وأنّما يكتب الشيء حسب أدونيس)، لهذا كان إقتران الشعر بالحياة هو الذي يسوغ اقتران اللغة بالحياة في علاقة حميمية أصلية عبر أيقاع أبستمولوجي فوقي تنتوع من خلاله المستويات الدلالية وتتفرع الى أبنية تتمظهر في هيكلية نصيّة تشكّلها علاقة الدال والمدلول داخل فضاء خطاب النص وأدبيته التي تتصل بالقارئ عبر مشارط القراءة الناشطة، بأعتبار أنّ (الادب فخّ يوصل جسد الكاتب بجسد القارئ، حسب رولان بارت). يرشح عن فضاء الدلالة في نص (صحراء بوذا) نسق قصصي شعري "إشكالوي" وتحيل لغة الخطاب الى كتابة إبتهالية ورؤيؤية يسعى الشاعر من خلالها الى تحويل الرؤيا الى مشهدية بصرية ومعرفية صورية فوقيه تثاقفية خارج البعد الأحادي للتصوير يركّز عبرها على التتابعات التخيلية المروية بحاسية الفانتازيا لأشاعة مناخ شديد العلاقة ما بين الجنون والموت وتعريفات المخيال ونثاراته الوجودية، ويظل خضير ميري سابحاً في مشهدية الجنون والحياة وعقلنة الموت حيث يقترب في هذا المنحى من قول لبول فاليري (إنّ الحياة واسعة عندما يكون الانسان سكراناً من العدم..) بهذه المقولة يشيع الشاعر خضير ميري مشهدية واسعة لبنى الموت والجنون وتوصيفاتهما المعرفية والفلسفية في إشارات نصيّة توحي عبر المنظومة اللسانية التي تُفصح عن حالاتها الى الداخل!! (كان الجنون مسار النجوم/ ومجرات أعرافنا/ وزعيق أعماقنا/ وكانت الحكمة.. نملة/ والنّملة فكرة في الصحراء..ص15)، إنّ التعريف الشعري في هذه السرود اللسانية العميقة تصرّح بالزعيق الداخلي الشخصي أولاً ومن ثم الجمعي في الاشاره الى الضمير (نا) ويبثّ الشاعر نسيج لفظياً يقوم على المفارقه في بنيان الفكره الكليه للجنون والصحراء معاً، حين تكون (النمله فكره في الصحراء) (والجنون مسار النجوم) ومن توترات الذاكره وجنون المخيله يتركب المخيلة يتركب المعنى في "صحراء بوذا" ليصل الشاعرالى تاسيسات ليوتوبيا الموت في منظومة من المقاربات اللفظية التي تؤسس لمركبات العلاقة الجدلية بين الجنون والعقل والموت والحياةفي علاقة فوقية ابعد من تمظهرها الظاهري المألوف: (ايها الموت مامن حكيم مر على هذه الارض واعطاك كفايتك من المعنى..ص13) و(ما الموت الا طفل هو الاخر/ لابد من دلالٍ يسكته) ويرجح الشاعر ثالوث الحقيقه الى المعنى الذي يرشح عبر زمنهِ الابدي حين يقول (مامن حقيقة تعود أبداً سوى الحب والموت والجنون / وهما ثالوث الزمن الابدي..ص23) ويسترسل الشاعر بلسانية أنويه عالية ليؤسس لخطاب نصي تتعاضد في تشكلاته رؤى الميتافيزيقيا والحياة في مثاقفة المعرفي والشعري وتثاقف الأنا مع الاخر واكتمال المعنى: (أنا العقرب الأبدية/ وأنا سليل الحكمة في صحراء/ أنا الكيان وقبّة السماء ودروع الحرب/ أنا الحب عندما يسقط الانسان على لأمسه ويقامر بالآلهه  المغشوشة/ أنا النصف الاخر لِمعناك.. ص30-31) ويخلص الشاعر الى منظومة إنزياحات في القول والمعنى، وهي مجموعة من "الانتظارات لـ (بوذا) وسكناته ورعشات خلواته المبتسرة" الى التوحش بالفراغ والتوتر الذروي في فاجعات القصد، الى إعلان الجنون والالتصاق بالملغز والغرائبي الهايدجري، حين تتخذ بنية النص إشاريتها اللفظية المنفتحة: (مرحى بك أيها الجنون/ فلولاك عقلنا هذا الهراء/ وحملنا الارض بأرجلنا/ ولعبنا بالأوهام! ص36) ومن توصيفات العلاقة بين الحكمة والشعر وآفاقها الاستدلالية لخطاب النص يقترح الشاعر رؤيته عبر هذه الوصفة التساؤلية: (ما شأني والحكمة وما عزائي بالشعر..) و (الحكمة تبقي على الوجود والشعر خلقاً من عدم، الاولى تدعنا ننام قليلاً أمّا الشعر فهو الذي يجعلنا نحلم.. ص42) وتترددُ أطياف الأنا بترددات القول الشعري وذبذباته اللفظية البلاغية في ضخامة فعل الجنون وفاعليته، بـ(طوبى للجنون لأنه يفتح البوابات الدائرية للأرض/ ويمشي بالرأس خارج حدود الأرض.. ص61)، هكذا يُصرّح الشاعر خضير ميري، فعندما تضيق بك الحياة عليك بالجنون للسفر خارج حدودها المعقلنة. ولا يستثني الشاعر الصورة الكارثية للجنون عبر المخيال الشخصي، فمن رؤى الفانتازيا الشخصية يسعى الى اكتشاف الآحتمالي والمجهول والأنتقال من التصوير الى التخيل ومن نمطية الكتابة الى المغامرة والتحوّل والاختراق. فهناك تراسلاً حسياً بين الحرّية ومعنى الجنون وجنون المعنى وتضاده الحياتي عبر هذا الثراء من النزف الفكري للأنا الشاعرة، ويرشح عن هذا الثراء حضور اللذة في إصغاء هائل الى نشيد الروح بحثاً عن "جدول ثالث للنص" حسب (بارت)، ويتشكل الجدول الثالث من البدخ الجمالي في التشكيلات اللفظية التي تعمل على هدم هيئة الفراغ وبهذا يتجوهر الشعري في فضاء نصيّ مفارق للمألوف.. إنّ كتابة (صحراء بوذا) ـ فعلاً ـ هي (كتابة رؤية)، تكتسب إستراتيجية نصيّة من فاعل الحيّز في آنفتاحها على العالم والحياة والكون والاشياء ومفترعاتها الدلالية وأرموزاتها اللسانية المتشظية على مساحة النصّ: (وكانت عينا بوذا ممرات هواء وشفتاه صلاة فأجاب) (حلم الأله بالأنسان وحلم الانسان بالأله فكان الحلم سيدهما..!/ وآنبجس الظلام من كوّة في الحلم وحلم طويلاً/ فجاءت الارضُ معلّقة في الفراغ../ وقبل أن يحمل الانسان الارض على كتفيه/ وقبل أن تصبح السماء موطن الالهة/ والسماء صفحة مدوّنة بالعلامات../ فنامت الذاكرة في أحضانها العلوية/ وسقط المطر لأول مرّة على هيئة دموع الله.. على الارض، فأصبح الألم أمواجاً من الامطار.. ص65) ومن إنتصاصات الذاكرة الفانتازية يشيّد الشاعر خطاباً شعرياً يرشح بالعلامة المفخخة بالحكمة والمعرفة والحساسية الحادة. بالحياة والاشياء والوجود: (أطرقُ على جدران الماس وسحر الخليقة،/ أتضوّر جوعاً/ لأكل ـ الفضاء غير مبالٍ بالنيازك العجولة،/ الذكاء بحاجة الى خبز الكلام.. ص104) ومن تصريحات الأنا العليا هذه الصورة الرائعة في مشهديتها الشعرية، رؤية وتخيلاً وتشكلاً يفيض على النص بمعان عالية في الشعرية: (وأقول أنا "البوذا" الأخير/ على هذه الأرض/ بأني حصلتُ على عسل الملوك/ وكفنتُ عصاي/ وأودعتُ مكنستي عند أمانة الجيران/ من أجل ملك فقير قادم/ ينشر ملابسه البائسة على حبل غسيل دارنا الصغيرة الرائعة.. ص136).


 

فضاء الانثى وفضاء القصيدة

في [إمرأة أخرى]

تتمظهر بنية عنونة مجموعة (إمرأة أخرى) للشاعر حسين السماهيجي في أفق أيروسي يشترك فيه الاخر لتأسيس هيكلهِ الكلي بتوجيه الخطاب الشعري من العنونة نحو آفاق التأويل والأفصاح والأيحاء وآنتظام المعنى عبر أفق القراءة والتلقي وآتّساع أفق التقبّل بآستدعاء ذات أخرى بعد آصطدام الذات الشاعرة بالفراغ والوحشة، وفي نسق اللغة تتمظهر الاحاسيس الشخصية بقوة عبر تشريعات أخلاقية وحكمية ونفسية في تناولها لموضوع القيمات الجمالية وتثبيت الكينونة في آستدعاء المرجعيات القيمية، إن تجربة القصيدة في الوعي الشعري للشاعر السماهيجي تفصح عن أرتباط الأنا بالأخر بقوة العاطفة ومنطقها الأيروتيكي في التواصل الباطني الذي يتوالد في تشكيلات المعنى واللغة لمعظم قصائد المجموعة، وتتحدد القيمة الشعرية عبر المنظور الجمالي في تموقع الذات داخل النسق اللغوي بفعل الأنا الساردة وآشتغالها على آستحضار القول الشعري والتزاوج بين بنية الأنا و(الأنتِ) في بؤرة مركزية مشتركة تنتظمها بنية لسانية رابطة توجِّه العلاقات اللغوية لتأسيس فضاء الدلاله، إنّ الشاعر حسين السماهيجي يستعرض عبر فضاء الذاكرة والآسترجاع منظومة مشهدية يتمظهر فيها الشعري كصورة لماهياّت الذات وعلاقتها بالاخر في الالتقاء والافتراق، في تمثل وضعيات تحيل الى امتلاك صوت الحياة والوجود، إن الذات الشاعرة تؤصِّل تموقعها في آتساع آفق المعنى وتعدد منظومات التبئير الدلالي وتنكشف القيمة الكلية لفضاء القصيدة في آتساع أفق التجربة الحياتية وآستدعاء وهج الحال الشخصية وبنية الحرف القصيدة وصدى المعاني والملفوظ الشعري والالتصاق بأنساق المعنى والانكشاف الدلالي في باطن القصيدة المسكون بالأرتباك والسلب والعدم والغياب والاندثار وترى القراءة الى هذه المقاطع التي تجسّد هذه البنى الدائرية في أشدّها بين كتابة الرغبة ورغبة الكتابة وشهوات الأنا والذات الشاعرة:

(ينام الرجال على الخاتمةْ/ وأصحو على وقت كأسي/ معذبّةٌ هذه الورقة/ أخطُّ ويمحو الآله/ بقلبي أسترقُ السمعَ/ لكنْ، أخطُّ ويمحو الاله.. ص5) ويسترسل الشاعر بين علامات صوته الخاص وغابة الرؤيا لآستعادة الصدى آتساع رقعة الخيال والرؤية في مغالبة الكتابة وأشيائها الجميلة بين ثبات المعنى وضياعه في آستعادة تاريخ الحرف وجمرة القافية: (ها أنا، في غابةالرؤيا، لا زلتُ وحيداُ.. /رجحتُ الصدى على الصوت/ فأضعتُ المعنى/ غريبٌ هذا الذي تناسل من الكثيف،/ وأوحى الكتابة الى أشيائه الجميلة… ص13) ومن أفق الرؤيا وآتساع الحال والفكرة تمثل البنية اللسانية هذا الوثوق للاستجابة للحال الشعرية وآستباق المعنى وتماثل البنية الشعرية بين الدال والمدلول وآستقرار الفكرة في نزوعات الرغبة لحظة التشكيل الشعري واسترسال الاستجابة في اكتمال تجربة القصيدة في قوة الرؤية وكينونتها الشخصية المجسدة في مضارعية الفعل : (ارى الجلد ابقع/ لاحبر يستر وجهي/ ارى امراة تتوضأ في عرقي/ كلما مالت الشمس نحو المغيب/ اتلفت/ كل المسافات مشرعة لانتظار… ص15) وتتراكم صيغة النداء في احتفاء القصيدة بالتداعيات الذاتية وبعثرة الانساق اللفظية لنقل المعنى الشعري من شيئية متعينة في الدوال الى الرؤية والاحتفاء بالمشاهد الأيروسية وسياقاتها المتراكمة في هيئة متوالية لبنية النداء الصارخة: (يا آمرأتي/ صار الصمتً كوابيساً/ يا أمراتي/ أحزاني تأكل قلبي../ يا آمرأتي/ كنا نلهو بالاوقات/ لكن الوقت يغادرنا/ كُنّا.. تتطاير أوراق قصائدنا/ نحلم/ لكنْ../ ها قد عدنا نشرب نخب الامواتْ.. ص21) يتركب المشهد الشعري لتجربة الشاعر عبر تآلف التوصيفات اللفظية في بؤرة لسانية تكاد تجمع كل مقارباتها الأدائية والاسلوبية في تناظم الصورة ووجودها المتشيئ عبر أفعال الأنا وسروداتها لحظة آشتعال رغبة الكتابة في آسترجاع خاص للمعنى وحضور الايقاع والتقفية الخارجية للجملة الشعرية: (في البدايات أكونْ/ أفقٌ ينسربُ الماء من قعلتهِ/ حزنٌ عليه حُلةٌ/ ومن جسدي تبزغ آلاف الحكايات وتذوي كالغصون.. ص26) إنّ علامة الرغبة تحتشد بقوة في ثنايا المعنى ونواظم الدلالة ويعج بها فضاء الحادثة الشعرية والحال الشخصية، وتبرز شهوة الاكتشاف في آندفاع الذات الشاعرة الى سعادة الاخر ونار شهواتهِ وآنفلاتها وتشكل المخيال الماثل في تحولات الحلم والأثارة والحدس والتوحش باللحظة وآصطياد فعلها الأثيري: (هنا الليل يفترشُ المرأة العارية/أُحبُّكِ/ تزعمُ في جسدي رغبةٌ/ قلتُ أكتبُ/ كنتُ الجسَدْ/ شاهقاً/ يفتضُّ منك القصيدة.. ص33) تتناوب بنى الحضور والغياب والتماثل والتضاد والسطوع والأنطفاء في هيكلية قصائد الشاعر بشكل عمودي ويتقاسم تداخل الاتجاهات الرؤيؤية للوعي الشعري، ويسهم آيقاع التكرار في تأطير البنية النسيجية للقصائد وضخها بالغنائية في آنجلاء المعنى وآستوائه آستجابة لوعي الشاعر بالزمان والمكان وفعل الكتابة وترسيخ الكثافة الشعرية من خلال تقليص المسافة الحادة بين اللغة والاشياء والعودة الى أوجاع الكتابة، ويظل الانشغال الكلي للذات الشاعرة بالاخر (الانثى) في أعمق مشهدية شعرية تفصحها لغة القصائد: (أفيقُ، هناك امرأةٌ في رئتي/ ظِلُّ لِلّهِ ألاحقُه بالبوحْ/آدنو للظلِّ يباغتني الأبيضُ في كفيّكِ/ يغادرُ حِبْرَ الورقاتْ/ أرى وَدْقاً يخرج من غيمتنا/ غنيّتُ اللحظة من دمنا/ لا نبصر غير العرْش/ أوشوش في أُذنيك خذيني للصوتْ/ فأنا أتبتلُ للخمرةٍ في وادي الموتْ..ص45) إنّ قصائد الشاعر تخضع لسلطة موجّهات الأنا وقدراتها في آستدعاء الاخر الى نسيج المعنى المتشكل في العلاقة الثنائية ووجودها

وتراكم دلالاتها في أفق الكتابة الشعرية…


 

العناق الأُسّي بين الذات والاخر*

في [سيرة الآس] **

تشير بنية عنونة مجموعة (سيرة الآس) إلى تعالق حركة الرمز الذاتي والموضوعي في صراعه مع حركة الحياة والأشياء والتاريخ والاخر، وتفصح الشاعرة (سميرة عزام) عن ثيمة كلية من مقتربات هذا التعالق في اليافطة النثرية في مستهلِّ كتابها وهي تبوح بمعادلة ثنائية خالدة مؤسسة في الذاكرة الانسانية وهذا نصّها: (ما الحبُّ، ولماذا الحبُّ، إذا لم يكن باستطاعةِ الانسان أن يجعلّ من قلبه الصغير معبداً كونياًّ لتكريم روح الحياة؟؟..ص3) إنّ حكمة هذه اليافطة تبوحُ نفسها في إعلانها اللفظي الذي تأسطر في صيغة الأهداء وقيمته الحقيقية..

تتشاكل الموضوعة الأساسية في نصوص الشاعرة سميرة عزام من خلال العناق الأسّي بين الذات والاخر عبر معادلة قائمة على أستدعاء العناصر الرئيسية للصورة الشعرية وضخّ شعريتها بوساطة اللغة الساخنة وتوهجها اللفظي وكثافتها اللسانية لتأسيس مشهد شعري يتجانس فيه ايقاع المعنى وايقاع الخطاب في آن واحد، وتفصح الشاعرة عن داخلية خطابها الشخصي عبر شعرية متقاربة في جنسانية تجمع بين حاجات الروح والجسد ومنطقهما المثيولوجي والانثروبولوجي، وتسعى الشاعرة الى تقديم فعل الرؤية في آنتقالاته من المجال الذهني الى تمظهر الرؤية والبصيرة حيث تتحرك اللغة بنسقية محدودة بين منطقتين الزمان والمكان ـ أو الرؤية الذهنية ورؤيا الاخر لتُؤكِّد في قيام هذه المعادلة على أنها الرائية في عمق المشهد وكل وقائع الحدث الشعري ففي نصّها "الشاعر" تُحدد الشاعرة وقيعة آشتغال الوعي الشعري من خلال آنتقال العناصر الداخلية التي تشكل الصورة الشعرية وتوهجها الباطني: (يرتفع حزنُه/ فتذوبُ المسافةُ بينه.. وبين الله/ ويصبحُ قلبهُ بحر شموع/ يخشى انهيار السماء/ فيسندها الى جبلٍ بعيد/ منعتقاً ومشدوداً/ بمدارات عشقه وخيالاتهِ/ لتشرق الاشياء من جديد.. ص5) هكذا تُصرح الشاعرة بفيوضات خيالها الشخصي عبر تمشهد الصورة في تعالق صورة الآخر مع ذاتيتها، وكثيراً ما تجنح الشاعرة الى الآرتداد صوب الحلم ونفي نثيث بقايا العالم ومظاهره الزائلة لتمنح لخطابها الشعري دينامية تظل انها دائرة حول المناخ الشعري في آفاقهِ الموجبه وقيمته الفعليه آلمتجسدة في توهج الصورة الشعرية ومناخها المؤّثر ودلالتها المؤسسة على آستدعاء الاخر وضّخ حضورهِ الأنوي وكينونته المتجسدة في تبادل الدّور مع الذات الشاعرة داخل الحدث الشعري (لا أحلمُ بعروشٍ تجرحُ هيبة السماءْ/ وحدَكَ أنتَ… ما أطلب/ وحدكَ أنتَ.. أيّها الحب الذي يجعل من هاوية الالآم/ فضاءً رحيماً يحتضن شقاءَ روحِ الانسان.. ص8) إنّ الشاعرة ـ هنا ـ تبثّ مستويات الحال الشعرية عبر قنوات ترتبط بالنفس الانسانية بقوة وتتصدر حركة النّفي للحلم الشخصي حركية الحال الشخصية والنفسية التي يتركبّ منها المشهد الشعري القائم على فاعلية الرغبة ونيلها من عدمه، وتعكس لغة القصيدة عن مدى آستثارة الموضوعة الازلية (الحبّ) في قيمته العاطفية والوجدانية والاجتماعية والفلسفية مرتبطاً بآنفعالات الأنا ورهبتها أمام عناصر الكون وبناءاته الشامخة؛ وتمضي الشاعرة سميرة عزام في رحلتها نحو الحزن ومقتربات الغياب وأنساق الحب بعيدة عن أسس الانزياح في تشكيل الجوهر الشعري المقترن باللغة العالية، حيث تتسرّب الملفوظة الشائعة من خلل المشهد التشكيلي الشعري لتجربة الشاعرة، ورغم هذا، فأنها تحرص على ضخّ الشعري في النسق اللفظي عبر تراكماته الصورية وقيمته الفكرية ليوحي بمختلف مستوياته عبر إشاراته المتقاربة في صياغات الذات الشاعرة والتقاطاتها الرؤيؤية: (مثقلةٌ بالحزن أشرعتي/ كيف أُطلقها.. إليك/ والروح جفّ ماؤها/ فكيف.. أسقي ورداً/ ينبتُ فوق راحتيك/ وكيف يصيرُ الكلاُم حماماً لا يخشى العقاب..ص9) إن الشاعرة تسعى جاهدة لتضخّ شعرية الكلام في ألفاظها المتجانسة من أجل رفع قيمة المعنى وآجتراح مستويات دلالية متعددة بقصد إثراء الخطاب وتنمية مقومات تشكّلهِ الذهني والتخيلّي والصوري، وتتمخض بنية الاختزال والتكثيف عبر فضاء إشتغال الشاعرة على الكتابة الشعرية في تصديرات نصيّة شديدة التكثيف والايحاء، ويتخذ الفعل الشعري عبر قوس الضغط على مديات التشكيل اللفظي بؤراً استراتيجية تقوم منها القصيدة وتستوعب خطابها في آستثارة مكنونات الدلالة وجوهرها الحافل بالمعنى: (نفثتَ السمَّ من شفتيكْ/ من يومها.. أنطفأتِ الحياةُ بيننا..ص11) وتسترسل الشاعرة في تأسيسات نصيّة لِتشكّل إطرَها الجمالية عبر هذا التكثيف في فضاء بانوراما شعرية ترشح عن حادثة يومية أو تاريخية تتسرب عبر الحال الشعرية أوضاع خاصة وموضوعية تكاد تُشكّل لبؤرة الخطاب وبنيتهُ الداخلية أمام قوس الرؤية وتحوّلات الرؤيا للأنا الشاعرة: (كُلّما هبتْ عاصفةٌ/ ملأتْ أنفي.. رائحة الياسمين..) و(كلّما حاولوا.. سرقة الشمس مني/ يفاجئهم ظلّي) و(رأوكَ بدراً/ فأكتشفوا.. سرَّ غيابي) (أودعْتني خرافَكْ/ إلى أنْ../ اعتادَ الذئبُ عليَّ..) و(عشقَ البحرُ السماءْ/ فأخذ لونها/ تُرى.. أيُّ عشقٍ.. تنتظرُه الأرضْ.. ص16-17-18)

وتحفل مجموعة (سيرة الآس) بصياغات لفظية متقاربة تتمظهر بقوة في تشكيلات القصائد وما ترشح من معاني، وتشكّل الأنا، الصيغة العليا لتأسيسات التشكيل الشعري لمعظم القصائد حيث تستوعب صيغة الأنا في أستهلالية نصّية دائرية الحدث وقوة الفعل الشعري المتمظهر في مديات اللوحة الشعرية وآفاقها النصّية واشعاعات الخطاب من خلال ديمومة الملفوظات الشعرية وايحاءاتها المتقاربة: (أنا/ من جعلتُ من المعبد قاعةً/ ليرقص فيها الشيطان/ ونسيت تراتيلي/ وأنا التي../ تركتُ من غير سورٍ../ حركّتُ سكونَ البحرِ/ ونقلتُ "هيروشيما/ الى وطن السلام..ص21) ولا تكتفي الشاعرة بقدرٍ ما من آستثمار أفق المعنى لأقامة صروح دلالية ممتلئة داخل هذه الصور لتعود فوراً وتستكمل حركة الفعل الشعري بقوة وعيها الفني وتصدير شعريته المفارقة للمألوف: (ونزعتُ الشاهدات عن القبور/ وأنا التي../ كلّما آشتقتُ إليكَ/ قضمتُ أصابعي..ص22) تتمخض دينامية الصورة الشعرية عن طبيعة التشكيل البصري والذهني لعناصر المشهدية الصورية وقوة الرؤية الأنوية الشخصية وخروقات المخيال الشخصي في آصطياده العميق والمتسّع لجوهر الشعر في قيماته غير المباشرة وتشكيلاته الشعرية المترافدة بأفاق فنية وجمالية عبر مسارب الحال الشعرية المتحققة في معظم قصائد المجموعة، إنّ أروع ما تبوح به الأنا الشاعرة تلك العلاقة الثنائية المؤسسة على الاقتراب والابتعاد في أن واحد ـ بين الذات والاخر وآستنطاق الحال الاخرى عبر مقتربات اللفظة المستندة على (الذاكرة والحلم والتخيّل) وتنهض فاعلية هذا الثالوث في تصدير الحال عبر مداليل تشي بالحب والحزن والغياب ويظل الباعث الرئيسي على هذه التصديرات النفسية والفكرية هذا الاشتغال الذكي على محركات الذات (النفس والروح) و(الجسد والروح) وارهاصاتهما معاً: (أغواني/ حين آلتقينا/ أحببتُ البحر/ حين كان يضفر أحلامي/ حُلُماً حلما/ ويبدر أحزاني.. ص26). تخضع القيم النفسية في قصائد الشاعرة الى معطيات التعالق الذاتي والموضوعي باتجاه تثوير الحال الشعرية، وتعمل الشاعرة على تحرير الفكرة من أحاديتها الى قنوات تتراكم في أسطرتها بنى صورية وخيالية يتمظهر حضورها في تحشيد نسيج القصيدة بمنظومات حسيّة من المفردات والتراكيب التي تتحول الى بنيات نصّية تتعاضد لتكّون هيكل القصيدة بخطابها الكلي عبر متواليات دلالية تفصح وتشير الى معانيها: (دونما قصدْ/ مرّ البنفسج/ فآوتُه عيوني/ دونما قصد/ جعلتُ القلبَ ناياً/ ونفختُ فيه/ ودونما قصد أيضاً/ خبّأتُ بحراً في شرودي/ فزعموا أنني أصبتُهم بالسوء/ وجهّزوا للمسيح مسامير/ ودقّوها في يدي/ وبذنبي هذا/ شيع النهار قبل الآوانْ..ص30)، وتظلّ ظلال الرومانسيه والرمزية وآستدعاء آليات الحلم ونداء الاعماق تغطي سماء قصائد ـ سيرة الآس، ـ وتمظهراتها الشعرية من خلال اسلوب مقارب في أشتغالهِ على المفردة والتركيب اللغوي الصافي المكثف وآجتراح المعاني داخل المجال الشعري في تدفقه العضوي وتنامي صوره الشعرية عبر فضاء الحلم والحب والحزن مقترناً بعالم الغياب والخروج الى الحياة ثانيةً.

 


 

استثمار طاقة الرمز الحضاري *

في [ذاكرة القصيدة] **

(ذاكرة القصيدة) للشاعر بولص شليطا من راسب تحتي لذاكرة اتباعية حيث تمثل هيكليتها من كثافة العلامة النصية الراسخة في الذاكرة الشخصية والجمعية والمترشحة عن صيغ شائعة للمنجز النصي الشعري العراقي، وتقود قوى الاشتغال الذاكراتي مشهد الشاعر بأكمله في هذه المجموعة الشعرية، يستهل الشاعر كتابه الشعري البكر بنص شعري وسمه بـ" فانوس أشور" وثبته سريانيا على ظهر الغلاف الأول من كتابه ووسمه بـ" سراج أشور" وحرص الشاعر ان يجمع كينونة الدال في العنونتين حيث يدخل النص الى سيرورة تاريخية تقوم بمساندة محمول الرمز الحضاري وإشعاعاته الفكرية والأخلاقية من المتن العميق لتاريخ العراق القديم، ويحرص الشاعر على استثمار مجموعة كبيرة من الرموز الحضارية ومكوناتها الدلالية مثل (كلكامش واشور بانيبال وشميرام وهي شمورامات واسمها العراقي سمير اميس وحمورابي ولماسو وعشتار ودموزي واسد بابل ونرساي أحد شعراء السريان العمالقة في القرن السادس الميلادي).. وهذا ما يجعل المشهد الشعري للشاعر راكسا في شعريته عبر تنويعات ادائية ضمن محددات أسلوبية معينة.. ان ما يجمع لداخلية الخطاب الشعري لنصوص الشاعر، هذا السيل العارم من الانفعال والبث الحسي الشخصي الذي يقع بين بنى الحلم والرؤيا وبين اجتهادات حدوسه لتأطير محمل الدلالة المحررة في بنية الصورة وتشكل سيرورات الانفعال في إرسالياته النصية التي تصدر عن حس وطني عراقي وفيوضات أحاسيس جياشة ولوعة شديدة الأصالة بقضية الإنسان، وقد تمظهرت هذه العلاقة في سلسلة طويلة من الالتماعات البنائية الحسية في نصوص الشاعر وبرزت في أشكال موشورات شعرية عراقية أنسا نية جمع الشاعر بينها في اشتغاله على المتن الحضاري التاريخي واليومي المشع الراهن في صوره الوطنية الخلاقة، (في البدء../ كانت الكلمة../ زهرة الشمس/ وقنديل سلام../ أوقد الشموع الملونة/ في كل زوايا العالم/ علقت أمام محراب عشتار/ قصيدة كلكامش/ وأسطورة تموز (ونهران تنحني لهما البحار السبعة)/ في قصة الطوفان/ سار بشعلته صوب أبواب الشمس/ يحصد الأرواح الشريرة/ ثم مضى الى مخدع شمورامات/ يبكي/ وتبكي معه الكلمات الثكلى../ نعم.. وهو الذي رأى كل شيء/ وسار في موكب مهيب/ وتراتيل/ وأغانٍ/ تسجد له الأمصار/ ليقطف ثمار النصر اليانعة/ من بستان الخلود/ وليقيم وليمة للشمس..  (فانوس اشور ص6).

وينتقل الشاعر برؤياه الموضوعة الواقعية الى الحفر في منطقة التخييل ليسند الى نصه صيغا مغايرة في حدودها الشعرية وقيمتها الفنية وبنائية صورها الجاهزة ويحرص أحيانا على كسر نسقية الاشارة اللسانية لملفوظاته ليضخ قدرا ما من الشعرية في جملته وعبارته ومفرداته وقد تجسدت هذه القراءة في نصه الجميل (نرساي ص14) (أتتنفس فوق صفحة الأمواج اسما/ لكل دواوين القلب شوقا/ لإصدار ديوان حب/ بلون الهواء/ اغتسل ألان بماء الشمس/ التي تعزف فوق ظلي لحنا/ لقافية خرساء/ وامضي الى حدائق من الكلمات/ تتهيأ لتشكيل فريق إنقاذ/ لانفجار القصيدة..)، ويجهد الشاعر في تثوير إشعاع المفردة لتكثيف الصورة والمبنى حيث تتوهج صيغ العلاقة الثنائية في التماثل والتضاد لبث شعرية المفردة، لكن سرعان ما ينجح الشاعر نحو التقرير والشرح والنثرية..(في أخر الأنباء/ سنبلة تقوم من رمادها/ تفتح اجنحتها الذهبية/ وتدور حول كوكب الأرض/  [وتصرخ يا مجلس../ ارفعوا الستارة السوداء/ أوقفوا المهزلة. شعبنا العظيم/ اسقط كل قرارت الحصار.. من نص سنبلة ص11] وتظل الفضية الوطنية العراقية من اشد ما يشد الشاعر بها ذاته وهواجسه وأحلامه، مفجوعا بالأب، وهمومه وألام الناس، وتقع ألانا الشاعرة بين لحظات موجعة وفاجعة، بين زمنين، الماضي في قوة إشعاعه الحضاري في استدعاء وتوضيف الرمز (عشتار) وبين الحاضر في قسوته وبؤسه المتمثل في بشاعة الحصار وارازاته الدامية.

ويقيم الشاعر مشهده الشعري من بنية الظرفية الجامعة في (ثماني سنوات) :  (بعد ثمان من السنوات/ يدق جرس الأحلام/ ليفتح.. باب عشتار/ عن وطن حاصره الأعداء.. من نص(مناجاة ص22) ان قوة حضور الحاضر في نص الشاعر تتأتى من الحالة العراقية النضالية (يبتسم أسد العراق العظيم/ وفضاء الشمس/ يحتضن أطفال الرافدين/ يحرص أبواب ـ دار السلام/ ويتهيأ/ ليتهجى أحرف النصر من جديد) (من نص أسد بابل ص19). وتتشاكل في نص الشاعر بولص شليطا حالات من العناق بين الرؤى التصوفية والوجدانية التأملية وبين الطقسية الميثولوجيا المستلفة من المتن الحضاري والقيمي الروحي، وتفصح عنونة نصه (طوبى لصانعي السلام) عن هذه القراءة المكثفة لدلالات الكلمة والمرموز في هذا المشور البنائي ووحداته التركيبية:  (منذ بدء التكوين/ " بيت نهرين"/ أغنية الحضارة/ تتوالد مع الفصول/ تغادر أعشاشها/ الى القارات السبع/ تمنح الحب لكلكامش/ اسطورة الخلود/ وللشاعر/ في معمل الكلمة/ يصنع أرغفة من القصائد/ لأطفال العراق/ تتكلم بلغات العالم..(ص22).. ويسرد الشاعر مجموعة من الحالات التي تشكل حادقة النص في بنى علائقية يظل معادلها الموضوعي ميلاد قصيدة وشهيد وسمفونية للنصر، ويمتاح الشاعر من صورة الخصب في بنيتها الرمزية والحكائية المشيدة على علاقة دموزي بعشتار( (هو " دموزي" عاد/ كزهرة نيسان/ يلقي بذوره في الأرض الحبلى/ يطرق.. أبواب الحب/ فتندفع أسراب الحمام.. من نصه (تموز تفاح من الذهب ص33).. ويبني الشاعر مشهدا شعريا جميلا ثرا في تخصيب دلالي يمر بمعرفيتهِ عبر سيرة حلمية تقع داخل ذاكرة الكتابة وفعلها الحقيقي الحياتي، وتتمظهر بنية الجمالية الساحرة عبر صور شعرية ذكية في موجهاتها المعرفية حين تلتئم العلاقة البدائية بين فعل النطق والكتابة واقترانها بفعالية المصدر الأولي لحياة الطفل، ورغم بساطة الملفوظات التي تغطي مساحة المشهد إلا ان الشاعر يدفع لسانيتها نحو مستوييها الإيحائي والترميزي للانعطاف بالصورة والمعنى باتجاه الشعرية المغايرة (عند منتصف الليل/ ينهض القلم/ من رقاده/ وبدأ.. ينقش على المرايا الحلم../ الحلم الأول: تمحور القلم/ صار رضاعة/ واسكت الطفل عن البكاء/ ... انتفض القلم/ جعل من نفسه سوطاً ناريا/ يضرب الحصار على ظهره ويطرده من حديقة بيتنا الجميل/ .. طار القلم/ حطى في حديقة ـ البيت الأبيض/ وطلب من السيد ـ خمبابا ـ المبارزة الحرة ـ/ وبضربة عراقية واحدة هشم جمجمته/ وصنع منها لعبا لأطفال العراق/ وعاد الى الوطن/ تحفى به ملائكة العشق/ وهي تنشد/ بهاء العراق العظيم/ تراتيل النصر والسلام (نصه (ذاكرة القلم ص38).

 ولصراخ الحجارة حصة كبيرة من مشاغل الشاعر شليطا ففي نصه (صراخ الحجارة) يقيم متوالية ندائية خطابية يستثمر طاقة المفردة ويقيم نصا أشبه بموشور خطابي عبر سلسلة صورية مقطعية متصلة في نبريتها الإيقاعية ويعمد الى التقفية الخارجية لنهايات المقطع: (قم/ فالبرق يخل حزنه/ يمضي، كالإشارة/ والحب مطر/ والبركان حجارة../ قم. أيام تولد وتستغيث/ زمن يستيقظ من كهفه/ وأصوات الشهداء والعشاق/ كالعاصفة تنفجر/ تحتضن الحجارة (ص36) ان الشاعر يهدف في بث شعرية المفردة من خلال استنطاقه لكينونتها عبر علاقات منظومة الدوال والمداليل لتفعيل الاثر الحسي والذهني، وفي نصه (تويست) يرسل الشاعر عبر لغة إيحائية إشارات شعرية ويشيد من خلالها مشهدا جنائزيا مريرا في جانب من مشهده الشعري ومشهدا ساخرا في جانب أخر منه لتقوم بينهما علاقة تضاد كلية تفصح عن فداحة المشهد وبشاعته:  (الأرض، تحترق/ وأشلاء الأطفال الشهداء/ في سماء العراق تتطاير/ و (مجلس الأمن) مازال يرقص تويست 48).. ويظل اهتمام الشاعر الشديد بالمتن الحضاري في صوره المشعة وجمالياتها المكثفة، انه يرسل معانيه عبرمشهدية بصرية في متوالية مكانية عبر دوال تستمد مسؤولاتها من حادثة معرفية نبيلة وغنية في مادتها التاريخية الوطنية: (هي الكلمة شمعة/ أوقدها العراق العظيم/ وكلكامش خاض معارك دامية/ من اجل الخلود/ الحياة/ هو العراق/ مكتبة أشور بانيبال/ الجنائن المعلقة/ أسوار نينوى/ مسلة حمورابي/ تنير الدرب للحياة/ لمستقبل افضل للإنسانية/ هو العراق و"لماسو" منذ بدء التاريخ/ حارس بوابة العراق.. ص47) ان حضارة العراق برموزها الخالدة الكبيرة في كل معانيها وإشعاعات رموزها تغطي المشهد الشعري للشاعر بولص شليطا ويقع تحت سقف هذا النص في علائقية الرمز ومهؤولاته الدلالية في تجاذب شديد نصه الرئيسي الذي يتخذ الكتاب منه عنونته: (" شميران"/ زنبقة الحضارة/ فاح شذاها عبر العصور/ وتسلقت جدار الجسد/ الى واحة القصيدة ـ ذاكرة القصيدة 61)..

(لماسو: الاسم الاشوري ـ للثور المجنح ـ شميران = شمورات).


 

 فضاء الصورة الشعرية *

في [الفضاءات لا تسعها إلا عيناك]

يقع المحتوى تحت سطوة التشكيل للفعل الوجداني الذي يؤسس الشاعر من خلال فاعليته منظومة صورية تتعشق لتكوّن بنى من المعاني المتشظية داخل النص، ان شهوة رؤيوية تتعالق بمكونات النص تلك التي يقيم من مستوياتها عوالمه التعبيرية بحضور الآخر الذي يقاسمه سطوته الشخصية ليصل الى التوازي الذي تنبني به قصيدة النثر ويكتمل اكتشاف الشاعر لجماليات صوره الشعرية حضور الأنا الموجّه الرئيس لقيادة العملية الشعرية الى مديات عديدة تتحقق في انفتاحاتها الدلالية ورؤى الشاعر التخيلية، ويتحرك الشاعر عبر مشهده الشعري بوساطة جهازه اللغوي الشفاف والممتليء ايحاءات وايماضات تصرف دلالاتها داخل فضاء صوري يتراكم في الضاهري والباطن، وتظل اللحظة الشعرية من لحظات العذاب والالم والموت والعشق والشهادة من قاموس الشاعر الشخصي الذي تتداع معانيه عبر سلسة من الصور وفيوضاتها داخل البُنى النصيّة وبهرجتها المعرفية، ولان الشعر لا يعمل بمعزل عن الأنا واحساسها بالعالم والأشياء وافعالها الوجدانية والقيمية والذهنية، فإن الشاعر يرتبط ارتباطاً حسياً وصورياً بالموروث المقدّس والأسطوري والميثولوجي والتاريخي والوقائعي، انه يقيم من خزائن ذاكرته بنياناً شعرياً واسعاً وممتلئاً تتنازعه رؤى اللوعة والاحتراق والحب والتواصل وكل ملحقات الحياة الساخنة –ثيمة الحرب- التي خاض غمارها لاكثر من عشرة أعوام، ان هذا التراكم الهائل لخبرة حياتية يستحيل الى نتاج علائق حسي وخيالي يصرح به الشاعر في اقنية شعرية يتصدرها الروح الشعري، حسب ما يقول لوركا، ان نصوص الشاعر اقرب الى التوقيعات الشخصية على دفتر الحرب والحب، يظهر الحب في علاقة الشاعر مع المكان والحبيبة، وتظهر الحرب قيمة كلية داخل ذات الشاعر وفعلها الحقيقي الذي تتجسد من خلالها جملة من الحداث والوقائع، ان النص الشعري برقي ومضيء وممتليء بجملته،    انه يحتوي ذكريات قاسية ولذيذة في آن واحد، ويسعر الشاعر داخل هذا التضاد ان يمد الى ذاته خزيناً اضافياً في الشعور الجمعي والبصري الذي يتقولب شعرياً، ان الشاعر هو أكثر الرائين في العالم (حين أجوع/ أقرأ في عينيك/ خطوط القصيدة والبنفسج). (الليلة.. افتح في بوابات العالم/ نافذة لقيام جيلي/ ثم اوزع يواقيته للورد).

ويقصد الشاعر الكائنات والاشياء وما حوله رصداً فنياً وشعرياً:

(الللية –اكتب عن شارات البرق بعينيك/ اطلق صيحة ابنائي من خاتم حبي). هكذا يعلن الشاعر خضر زكو خساراته للوجود والعالم، عبر سيرة شخصية شعرية يجسدها داخل مجموعة من النصوص المحتشدة باللقى الشعرية (إذ تحتفل السعادات/ تمضي الإجازة المجنونة حشوداً/ الى حقل الندم../ لو رن الهاتف ليلاً/ لسكن الغرفة بياض..).

(فقاعة هو العالم/ تتوهج في مصباح الطفولة..).  (في الخريف القاسي/ أغلّف الاشجار/ بالحكمة والمطر..). (ترتبك الحكمة في البياض/ حين أغادر فضاء الأبدية..). ان نصوص الشاعر تقع بين سلطة الخيال والذاكرة، والعاطفة والفكر في اعلاناتها الظاهرة ولغتها الايحائيةالترميزية التي تقود النص الى مستويات رابوية وحسية (يتضايف) في نسقها اللغوي الزمان والمكان وتقوم احياناً بمعامل المنظومة اللغوية الميثولوجية لتؤرخ اثريتها الشعرية داخل بنية نصية متماسكة، ويرتقي النص بمعانيه بين قوى التخيل والحدس حين يصرح الشاعر لبلوغه ذروة المعنى: (وحده الجبل يفيق/ يصافح القمر/ يجانس أناي). (الآن ارتقي جدار حدسي وصعودي الى رايات خليطة في التعزيم/ البرق يشطب ينازكي). ان الشاعر يحتفل في فضاء من الالتماعات الشعرية ويحتفي بها مشكلاً مشهداً (تشكيلياً وخيالياً (..سألامس الفضاء/ مسوراً ذاكرتي بكل النيازك/ افاوض نسائي ان تقايض الأبدية)، ويصل الشاعر الى اعمق نقطة في الألم حين يحس بفراغ العالم من حوله.. (أنا وحدي بلا مجد/ اشاكس الفراغ/ انا وحدي طريد انسبائك/ انا وحدي طريد الفراغ/ انا وحدي بلا ورد بلا ماء).

هكذا يصل الشاعر الى خواء العالم امامه وخواء ذاته امام العالم، لكنه سرعان ما يعود الى ذاكرته ليستقبل الآخر –الأنثى ويشيّد معاني حالاته المتعدد والمتراكمة في ذاكرته من خلال العلاقة الازلية بينه وبين الآخر-(سأقيم لعينيك وطناً/ أدع جسدي للأسرار/ تمضي الحشود غيوماً/ حشوداً تمضي متأنقة بالنار/ يا أيها الجسد المؤثث/ بالثلج والنرجس خبئني في حناياك/ كي أبصر دمي..).

هكذا تتسع فضاءات الصورة في مجموعة الشاعر (القضاءات لا تسعها إلا عيناك).

 

 


 

 جرأة الكتابة وقلق الأنا الأزلي*

في [نزيف الأعوام]

ترشح موضوعة الحب وملحقاته، العاطفة والخيال والسحر برؤياه الكوني الحادة في قصائد الشاعرة كنار الحكيم في مجموعتها (نزيف الاعوام)، اذ تتحرك المقاربات والاشارات اللفظية عبر مساحة المجموعة بمديات جمالية تتحرك داخلها الذات الشاعرة عبر مستويات عديدة من العلاقات الثنائية التي تؤسس لمشهد الشاعرة الشخصي، وتماهيات الآخر عبر انكشافات الجهاز اللغوي من خلال تشكيلات الصورة وجمالياتها الرؤيوية ومرجعية الاثر النفسي والاجتماعي، والجرأة الهائلة التي تستند الى تصريحات الأنا الشخصية بالفعل في الجانب الحاد من الحياة وانفتاح المقترب الدلالي لسيل من الصور الشعرية التي تضيؤها ملفوظات الشاعرة، حيث تحيل لغة القصيدة الى خطاب تقريري شعري تصريحي حادّ تؤكد الشاعرة حضورها في استباق المعاني وتشكيل المحمول الذهني والحسي والواقعي الوقائعي واستنطاق الأثر وتوهج الموروث الشخصي في نداءات ظاهراتية تعلنها الشاعرة بقوة الملفوظة، فما بين النفي والتساؤل والجزم والاستعارة ومنظومة التشبيهات، تتراسل أنظمة الخطاب البلاغي على مساحة كبيرة من قصائد المجموعة، وإذا احتكمنا الى ثيمات العديد من القصائد سنجد هذا السيل اللفظي العارم الحاد الذي تصرّح به الشاعرة لنقرأ من قصيدتها.

(لا تستفزني) [إياك أن تلمس أزرار عشقي/ قد اثور/ فأنا لبوة جائعة/ أمزّقك أن قبلتك/ أنا غجرية مجنونة في البراري/ لا مكان لي في أرض الحب]ان الشاعرة تستند الى هذه المقاربة الأسلوبية من خلال تأسيس اداءات تعبيرية غاية في التناول الحسي والعاطفي، وتؤكد جرأتها الفائقة في تسطير المعنى الذي يتراكم على هيئة مسلسل موضوعاتي ترشح عنه مستويات الهم الذاتي جداً ومصارعة الآخر وتحدبّه عبر مزاوجة للعلاقة الثنائية الأزلية المعروفة بين الأنا والآخر، وتتداخل الرؤى الشخصية لتنتج معظم صورها الشعرية في لغتها (الفاضحة) تارة والصوفية الوجدانية العميقة والحكيمة تلرة أخرى، وتنقل لنا الشاعرة عالمها الداخلي الشخصي في هيأة موشورات تتداخل وتتخارج لترشح عن متواليات ايقاعية ذهنية وحسية عاطفية (ثائرة) في استنطاق متوهج لصور الحب وانطولوجيا الذات وتشير مباني الشعر في مركب اللفظية وعناقها الذاكراتي ومرجعية الملفوظة وشيوعها الكلي على مديات زمنية ونفسية وايحاءات باطنية  تفضحها ملفوظات الشاعرة المباشرة: [حبيبي... عذراً/ حبيبي... عذراً/ فأنت لست حبيبي/ لكن دعني أصنع من شعري على صدرك وتراً/ من انامل عيوني دمعة/ ومن الفراق لحناًُ! وعيناك تشدّ حقائب الزمان... من قصيدة عشرة الايام...].

وتتحول ملفوظات الشاعرة أحياناً، الى سرودات تشفر معاني دالة علىانويتها بقوة الملفوظة الشخصية الاشاربة وتتمركز معظم هذه الرؤى في بؤرة القصيدة ومنحنيات الاشتغال الثيمي وحدوده التصويرية وبناه المكثفة في منظومة اللفظة الدّالة الكلية المتسلطة على كلية المبنى الشعري الدلالي: "الحب" وهذا ما يتجسد في قصيدتها الجريئة وربما في صدقها الحياتي [بربرية] لنقرأ هذه السطور: [أحذرك/ حبي الخطير/ أحذرك/ عشقي أخطر/ بربرية أنا حين أحب/ حذاري/ ببطء أفتح أقفالي/ عندما تكون معي/ ستضيع في فتح أبوابي/ أحذرك/ تهيأ لمحكمتي.../ أنت أخترتني.. فأنت الجاني../ أنا عنيفة عندما أحب..] إن الشاعرة.. تفضح في اسطورتها الحياتية عبر صيغ من التنمية الصورية المتحركة في تشكلها الذهني والعاطفي والحكائي، وتسعى عبر جهازها اللغوي المتقارب في بناءاته التعبيرية الى تشييد مشهدية واحدة تتنازعها الرؤية الأيروتيكية (الشهوية) تقوم على مرتكزات متوالية ترشح عن باطنيتها منظومة من العلاقات الجدلية بين الأنا والآخر، فلا تكاد تخلو قصيدة من قصائدها من هذه المعادلة: [أنا التي سميّتُ العشق عنوان الحياة/ انا التي أعلنت شهادتي للحب لا للأديان/ علمتَني... كيف افتح ابواب الشيطان/ وانيابي تمزق كل كلمة حنان/ وأحوّل عالم العشق الى نار..] وترشج عن هذا الاشتغال الحسي العميق هذه المشاكسة الحادة وتعلق الأنا الذات الشاعرة بذاكرة المفردة وتسلطها على الذاكرة الشخصية بدلالة استدعاء محمولات الملفوظات المجاورة في الايحاء والمعنى والايقاع وانتصاصات اليومي الجمالي وتشظي الوقائع اليومية ونصوص الخاطرة ومقارباتها اللسانية واستدعاء عناصر الحياة والاشارة الحسية الى ملفوظة "الجسد" وتشظيها عبر منحنيات القصيدة وتوجيه الحواس نحو عوالم حسية دالة تقتص من ارومتها الشاعر معظم موضوعاتها الحلمية والشهوية والعاطفية: [حبلت بالعشق منك/ والليلة سألده على يديك/ ولا أعلم ان كان سيرضيك/ تحمل الطوفان/ أيها القبطان/ وأبحر في محيطي/ وكن معي الحطّاب/ وتجول في غابات عشقي/ جرب فأسكَ معي/ تطلب الجديد منّي../ من قصيدة ليلة] ان الشاعرة كنار الحكيم تحرث في المجهول الغرائبي اللفظي والعاطفي وحين تقدم على الكتابة تجدها حاملة اقصى جرأتها لتنفث ما في دواخلها من آهات وحسرات وعواطف، التي تتشكل على هيئة رسائل تحذير الى الآخر، وترى الشاعرة الى منطلق الزمن لتحديد ولادتها حين تقول: [خمسة وعشرون عاماً/ أتمرد في أحشائك/ قلبلتي تبكي ولادتي/ مصلوبة صلبت على جدارك/ مجروحة على أذرع الصليب/ تنشر بين نخب جراحاتي؛ من قصيدة نزيف الأعوام].

إنّ الشاعرة تقيم من ملفوظاتها بُنى ثنائية جدلية ترشح عنها صياغات تتشاكل وتتداخل لترسل منظومة من المعاني في إشارات المفردة واشعاعها النقي وتوهج العبارة وبنيان الصورة وتتعالق عبر خطابها الشعري أنساق حياتية تدل على الانتصار تارة والانكسار والحزن والحسرة والاهة تارة اخرى وتدل فاعليات اللغة في قصائد الشاعرة على اجتراح تاريخي حياتي ضاجّ بالاسئلة وأنظمة الحيرة والشك والتفلسف الشخصي المضمور وجدلية الأنا وصراعها مع الاخر ومقاربات اليومي الحياتي واستلاب الذات واندثار القيم الرمزية الحياتية الدالة على مكوّنات الخطاب الانساني وتحدي الانوثة وإقامتها في مناطق مجهولة من الحياة، او مناطق مهمشة من المشهد الحياتي الضاج باسئلة الذكورة، ومن هذا الافق وهذه الرؤية ترسل الشاعرة معذرة عن اخطاء ما، لكنها تبقى اخطاء مقدسة حيث تقول [سامحني إذا بذرت الثلج في حقول اجفانك/ تعتصر الذهول فيتقطر من وجنتيك/ أعلن من منبري هذا/ إنني إمرأة ثلجية لن أدفئك/ لا تسألني عن انفاسي فهي اعاصير بردية/ سامحني إذا طرقت باب حلمك/ واستيقظت فوجدت وسادتك خالية…].

اذن هذا هو حلم الشاعرة وتحديها حتى في تصريحها المعلن إشارة الى قصيدتها الموسومة (سامحني)، فهي تؤكد على غنى روحها وعلاقتها المشتركة مع المعرفة والعالم والحياة بكل محمولاتها المتشظية على اسلوبية القصائد والعنونات الدالة.

إن حلم الشاعرة ينطلق من قلقها الوجودي في أسطرة الذات في المعنى وتوهج المعنى في وجودية الذات وجماليات الحياة ونظام الاشياء والوجود والحلم والحب… إنّ تجربة الشاعرة تنتمي الى أقصى تجارب الجرأة والكتابة الادبية "لادب النسوة" وتتحدى في قصائدها تلك المقولة ـ أدب النساء، إنّ قصائدها تؤكد حضورها الفعّال عبر مشهدية جريئة في ملفوظاتها ومرشحاتها الدلالية وخطابها الحياتي في معانيه وافعاله وانفعالات الأنا وإرهاصات الذات الشاعرة المتوهجة.


 

 فضاء التكثيف

والعلاقات الثنائية بين الأنا والآخر*

في[توأم القمر] **

تؤسس بنية عنونة مجموعة (توأم القمر) للشاعرة نهى لازر بؤرة مشهدية بصرية باقتران النسف العلامي في اثنولوجية ظاهرة يتحرك خلالها التشكيل الصوري بعمق ورؤية تجتمعان في تأثيث فضاء العنونة لتنفتح على مشاهد النصوص، ويتمخض المشهد الكلي بإغراءاته الباطنية الى تكريس الفعالية الشعرية في مستويات دلالية تتمركز كلياً في بؤرة وكل بؤرة تشمل صورة كلية، وتحقق تعاضداً مع الصور اللاحقة. ان اشتغال الشاعرة على فضاء التكثيف أغرت الأنا الشاعرة الى التمركز في محيط البؤرة لتفعيل تمظهر التكثيف في نسق الصورة العنقودية لتأخذ شكلاً بصرياً تتنقل فيه فاعلية الذاكرة والتصوير وتموقع مشهد الحادثة الشعرية، وتستلف الشاعرة اسلوبية نصوصها من المنجز الشعري العراقي المؤسس في الذاكرة الأسلوبية في مشهدية تكثيف الفضاء، ويتموضع الاشتغال على التكثيف والاختزال في حيز شعري مجاور لهيمنة بصرية متوارثة، وتحقق من خلال هذه السكونية جمالية فضاء الصورة حيث تتلاعب لشاعرة بالملفوظات لنقلها من بنية الحلم الى بنية الرمز في تشكلاته الظاهراتية الشائعة، وتجنح اسلوبية النص الى رفد البنية الظاهرة بمتن حكائي يعمل على مضاعفة المعنى وتجليات الصورة معاً عمودياً وتشير لغة الايحاء الى تحقيق وظيفة الملفوظات وتستأثر الشاعرة الى نشاط الدوال لخلق التوتر في الجملة الشعرية ورفد الفضاء الشعري بالمعاني المكثفة عن طريق توظيف الحكاية بمقتنيات جمالية وتحرير الرغبة الأنوية وتأكيد القصد الشعري (كانوا ثلاثة.. حطوا على شجرة عمري فأينعت.. إغتالني الزمان.. انهارت الشجرة/ وظلت أعشاشهم قائمة على أنقاضي.. ذكريات الطوفان ص5) يتحقق حلم الشاعرة التأسيسي للحياة في اطار التنقل من البناء الى الهدم ومن ثم المتوالية الجدلية من العدم الى البناء لتقوم الحياة من جديد على انقاض الذات الحالمة، واذا كانت الشاعرة تقصد من الرقم ثلاثة مقصداً روحياً ضمن فضاء ميثولوجي، فإنها تجتهد في تأسيس هذه المعادلة العميقة في رسم فضاء شعري وجداني وحسي يضخ ايحاءاته الحلمية ووقائعه القصدية شعريا في نسقية التأليف الاختزالي الشديد، وتتحرك الأنا الشاعرة الى توصيل العلاقة الشعرية عبر مركبات العلامة والاشارة وانتظام الرؤيا داخل حركية الصورة وفاعلية بصريتها داخل فضاء التكثيف حيث تتحول الجادثة الشعرية الى مجال لتمركز المعنى كلياً...

ملحمة اجتازت كل قطاراتي/ لم يكفيها قلبي/ فافترشت الطرقات، نص -الواحد ص5) وتتحرك الشاعرة عبر هذا الفضاء المحموم للاتصال بالآخر في مشهدية صورية تتنافذ من خلالها صورة الآخر بقوة، لا بل تتمركز الثنائية العميقة في بؤرة دالة تشير الى حالة ذاتية: [أحاطني باطار../ وعقلني في الذاكرة../ لكنه.. نسيّ ان يثقب رأسه/ لا تنفس.. -صورة ص8].. وتشير معظم عنونات النصوص الى  الذاكرة المحتشدة بفيوض المعنى في الذاكرة الجمعية، ويقع فعل الاشتغال داخل فضاء الاحساس البصري لتأثبت فعالية بصرية تتصل مع الآخر.. (ينام في غيبوبة/ وحين يتذكرني؟/ يبدأ بالهذيان.. البحر ص9) ويتصاعد فعل الايقاع اليومي والتاريخي داخل حركية فضاء الصورة ومشهديتها الحالمة لتفعيل نسقها العلامي (استعار جناحي/ ليعد المحرقة لنذوري/ ابتلعته النيران/ بينما حوم جناحاي.. في الاعالي.. (الحب ص11) وفي عودة الى الاستعارة من الملفوظة التاريخية الحضارية تقيم الشاعرة بنية صورية تقع بين الحلم والواقع وتعقد مقارنة علائقية مجاورة في أطرية تقريرية لتوجيه شكل الخطاب بقيم جمالية تعبيرية تضخ شعريتها في مستوى سيكولوجي: (عيون آشورية/ استحمت بشموعي/ عبثاً حاولت التخلص منها/ الدمية لها قلبان/ أما أنا../ فقدري أن أبارك عزوبيتك وأطرد الأشباح/ لتنام الوسادة../ على رأسي.. (ناسك ص12) تغلق الشاعرة نصها المدون اعلاه، بنتيجة المفارقة في تركيب الجملة الشعرية، وتشترك معظم نصوص المجموعة في علائقية اسلوبية مجاورة بمركباتها اللفظية وتتابعية العلاقات الجمالية والفنية، فالقصيدة الصورة، منذ انبثاقها كانت ولا تزال تعتمد الضربة في اعتمادها على طاقة الابحاء والتكثيف والايجاز، والضغط على المركز البؤري للمعنى وبؤرة التشكيل المركزي للاشعاع والاثارة وتحرير المضمون.. أن الضربة الكلية، قد تقع احياناً في منتصف النص، او في الغالب تاتي في نهايته لخلق التوازن الضمني بين الذاكرة والمخيلة والتلذذ بالمعنى في كليانيته الجامعة من خلال دينامية الملفوظة التي تكون هي القفل، أن ما يجمع محفزات نصوص (توأم القمر) هذه العلامات الاشارية الدالة في مكونها الحسي والذهني والخيالي، حيث تمتزج روح النص بالفضاء الحسي والفكري للنص الذي يليه، رغم بعض الاشارات اللفظية الظاهرة في تركيب هيكل النص وبنيته الكلية، وإذا دخلنا الى سورة النص القائم على بنية العنونة الكلية للكتاب ـ سنعثر على حياة حافلة بالاشارات الرمزية والذهنية التي تشكل فضاء النص وايقاعه الحياتي الجميل.. (الفراشات.. تجمع من راحتيه ابتساماتها/ تموز صبّ عليه سحره/ على وجهه تتشكل خارطة الزنابق/ اقامة الزعفران/ يتدفق الدم.. كأنسياب الضوء في المرايا/ يوشمة ورداً على الوجنتين. يحفل هذا النص المكثف الجميل.. بجمالية متفوقة في انتظام خَطِّهِ التشكيلي البصري وحركية الصورة الذهنية التي تتشاكل من انساق التشكيل والتصوير والتخيل، فالنص متوالية شعرية تنتقل فيها الصورة من فعل حياتي دينامي من صورة الى اخرى في وعي شعري استثنائي في درجة عالية من النضج والالتحام بالاشياء والموجودات والعناصر الحياتية التي تشكل فضاء خطابها الشعري، فالملفوظات الحية تحمل دينامية النسيج اللغوي وترسّخ فاعلية المعنى داخل مكونات النسيج الكلي (حين ولد فرت الهموم عن ظلي المبعثر/ لحظة اشرق وجهه/ خلع القمر بزته والقاها اليه.. ص32) وتظل بنية الاهداء صورة دالة تفتح مغاليق النص في تموجاته الاسلوبية تؤدي في انفتاحها الى محور توليد معطيات فضاء النص وذرويته الحيّة.


 

ثراء القيم الروحية والتاريخية والوطنية *

في [أغاني الغربة وأناشيد الحصار]

قبل البدء بعمليات تحرير العراق بأيام قليلة، وصلتني مجموعة شعرية من لبنان للأب الشاعر سهيل قاشا وقد وسمها بـ (أغاني الغربة وأناشيد الحصار)، ويستهل الاب الشاعر سهيل قاشا مجموعته بثيمة الاهداء المتضمنة (الى الأم ريتا كرم التي عاشت الغربة وعانت الآمها وغَنت للوطن ورتلت لآماله، أنشدت للعدالة وزمرت للحق، رقصت للنصر وصفقت للحرية) ومن بنية الاهداء ينتقل الشاعر الى كتابة مقدمة للمجموعة تحتضن فلسفته في الكهنوت والشعر حيث يورد (الكهنوت رسالة، والشعر رسالة، الكاهن شاعر، من حيث لا يدري، حينما يتلو ترتيله وترانيمه على مذابح، مسبحاً خالق الكون ومتضرعاً اليه تعالى لاجل رعيته/ والشاعر كاهن).

ويسترسل الأب الشاعر سهيل قاشا في طروحاته وتعاريفه ومفاهيمه وفلسفته حول الشعر وفيه رسالته الانسانية ودوره في اذكاء الوعي الانساني والاجتماعي والثقافي لكونه مفصل من المفاصل الحيوية الناشطة في اثارة الاحساس الجمعي والشخصي، يعزف الأب الشاعر على أوتار التاريخ، ويتناول في معظم قصائده عبر ثيماتها الفكرية، حلقات الاشعاع التاريخي العراقي وعمقه وامتداده الكوني والزمني على خارطة البشرية، فمنه كان الحرف والكلمة والتشريع. ص8.

تحتضن المجموعة "18" قصيدة تتقارب في اداءاتها اللغوية ومنظوماتها اللسانية في اسلوبية تقترب بقوة من الاداء النثري رغم شيوع القافية في نهايات العديد من القصائد. ان الأب الشاعر حرص بقوة على ايصال افكاره الانسانية وكثافتها الميثولوجية والروحية من جهة وموجهاتها التاريخية الوطنية من جهة أخرى، ومن المحمول الميثولوجي والروحي ينهل الشاعر ليرسل منظومات صورية تتجاذب في تصويرية وحسية تنضح عن افكاره التوّاقة الى الوجود في انوجادها الحقيقي الأبدي، ويبعث الشاعر صوره الذهنية عبر منظومة لغوية مباشرة لايصال موضوعاته الواقعية التي تخص الانسان في كل مكان وبالخصوص الانسان العراقي، إن ارسالية الملفوظة عند الشاعر تقع بين المرارة الناقدة والتهكم الصارخ والحزن العميق وبين موشورات طويلة من الاسئلة الحائرة والتي تحتاج الى اجابات قاطعة وسريعة، وتشع هذه اللغة في تصويريتها المعلنة والصارخة في غمرة الاسئلة التالية: (قرون تلو قرون/ ماذا افادني مذياع وتلفاز وبرنامج مهذار؟!/ قرون تلو قرون/ ماذا افادني/ ندوة مؤتمر ومجمع مهذار، والوصمة في جبيني/ عار هناك/ وهناك عار...ص 12). ويستنجد الشاعر بـ (يسوع) ليدخل الى فرنه الفلسفي الحياتي وينقذه من هذا المأزق الذي حلَّ بهِ وبشعبه وبوطنه العراق: (يا يسوع/ نجني ممن/ عليك اضطهدوني/ وإذا هاتف بي يزأر/ مهلاً/ ما ترجوه مسيح الكلمة ذاك الوجه المنوّر/ كلماته منثورة كالدر/ يبشر/ يعلم/ اخوتي جميع البشر ص 18-19).

ويسترسل الشاعر في تسطير لهذه المنظومات الصورية عبر اداءاته التعبيرية الواقعية الثرّة في اتكائها على فلسفة الكتاب المقدس وقراءات الشاعر الثقافية والمعرفية والتاريخية، ومن هذا المنهل ينهل الشاعر خزيناً هائلاً من تراثه العراقي القديم ليضعه في قوالب أدبية تقترب من القص الشعري ليقدم لنا حكاية شعرية تتجاذب في بؤرتها المركزية الأفكار الخلاّقة المشعة من عمق التاريخ وفلسفته ورؤيته الحضارية ونطل على هذه المشهدية عبر هذه الصور الشعرية (يا أرض اشور/ يا تراب بابل/ يا رمال اور يا صخور بين النهرين/ انا آتٍ/ راجع يا حبيبتي ام الربيعين/ اكتبي لي كلمة/ واجعليني زناراً لقوامك الدقيق/ اتركيني اصابعاً تبحث في ترابك المقدس/ يا حبيبتي/ النار ما زالت تلتهم نخيل بلادي. ص61). تزدحم المنطقة الشعرية في قصائد الأب الشاعر سهيل قاشا بصيغ النداء العالية، لما تشفره هذه الاشتغالات على بنية النداءات من استرسال في الاسهاب النثري وصعوبة الاصطياد الشعري، ورغم نبل الموضوعة الكلية والاساسية في قصائد المجموعة فأن القيم الفنية البارزة في إسناد هيكل القصيدة ظلت متقاربة في اداءاتها التعبيرية عبر لغة مباشرة يضخها الشاعر -تارة- بالنقد والمرارة الساخرة وبالمشروعية التساؤلية تارةً اخرى، وتلك حقيقة ينشدها الشاعر عبر توظيفاته لكل افكاره وسيولتها المكثفة عبر قنوات الماكنة الشعرية التي حرص الشاعر على تشغيلها بقوة فلسفته الروحية والميثولوجية والوطنية العالية وتاريخها السحري الضاج بالبطولات، ومن صور المرارة والحزن نقتطع هذه السطور الممتلئة لوعة وحسرة: (فلسطين في وضح النهار سرقوها/ باعوها واشتروها/ ثم استوطنوها/ وشردوا شعباً آمناً أمين/ فسقطت كل الأقنعة وكشفت الفضائح./ ولبنان الفتى الغريري/ طعنوه من الوراء بالحراب/ بالأعراض/ ضربة جبان، مزّقوه/ ثم راحو بالدم الهجين يزقوه ص33-34) ويكشف الأب الشاعر عن خيبة أمله في مواعيد كبيرة تقع بين الانتظار واسئلته اللامتناهية، ويسأل موجعاً عن الوعد الذي لم يتحقق مع سيده: (لماذا لم تأت سيدي،/ في ميعادك/ وقبل الأمس. وغداً لم تأت ص54-55) ويقيم الشاعر معادلات تاريخية في مقارباته الصورية، ليقيم نشيداً تاريخياً يعزف الحانه الروح الشعري والتاريخي في ذاته الشاعرة بقوة الانتماء الى الوطن وتاريخه العميق، وتتمظهر هذه الصورة في ارساليات الأنا والذات الشاعرة على خط واحد فالأنا تمتزج بقوة الانفعال مع الذات الشاعرة واحساسها الشخصي والجمعي لتؤسس هيكل الفكر والمعنى للقصيدة، التاريخ: (انا ابنة الرافدين، لا تسقط ولا تقهر/ انا الوركاء سبار/ في صدري اضم احبابي/ ابناء آشور واكد/ في احشائي احمل بغداد الحق الى الأبد/ يا شمس مردوخ/ وصولجان بختنصر/ اريد ان اكتب/ ان استمر في التسطير ص 72). ومن المفكرة التاريخية الشخصية نقرأ للشاعر الأب سهيل قاشا وهو يستذكر بحنان وشوق ولهفة مدينته الاشورية التاريخية (باخديدا) حيث يقول: (با خديدا/ انت امي/ اذكرك بلذة شفتاي/ وتدمع لحزنك مقلتاي/ هنا/ في رحم بطنك داري/ قائمة على طريق النازحين/ تستوقف الاطفال في حنين/ والعاب الملا داد والحورة/ واوراد الحندقوقا والسركلا/ ايام الشعانين ص93). يستثمر الشاعر -هنا- في هذه السطور بعض ثيمات الالعاب الصبيانية وطقوسها القروية، وهو الاختصاصي في هذا المحور، ان رؤية الشاعر لمدينته تظهر هنا في قوة علاقة الثنائية في خطابه الشعري وتأويله الحسي لداخلية هذا الخطاب في تشكل الثيمة القيمية الروحية من جهة والاجتماعية الطقوسية الميثولوجية من جهة اخرى. ويظل الشاعر يغرف من هذا المعين مجموعة كبيرة من امصاله الفكرية ويستذكر بحزن شفاف وفكر خلاّق شهداء مدينته (باخديدا) اولئك الضحايا الذين ظلت ولا تزال اسماؤهم في قائمة الوجود والحياة: (فعزاء الخديدية/ بنيها الابطال/ جذّروا الاصالة في الأرض/ في الأعماق/ في الأغوار/ ارواحهم تهتف في الشِيول/ فوق الجبال/ هذه ارضنا/ هنا ولدنا/ ولاجلها سفكنا الدماء حباً ص94-95). ان قصائد المجموعة تنفث جراحها في هواء عال وشاعرها يطمح ان يحلّق عالياً في هواء الفكر الطلق والكلمة الشريفة، وفعلاً تحقق هذا.


 

 

تمظهر الذات والآخر   في شعاع الوحدة *

في [العراقة تعاني]

تأخذ العنونات هيكلية تأسيسية للعديد من الكتب، وبالاخص الكتب الأدبية (شعر، قصة، رواية)، وتحتضن بنية العنونة الأنساق الأدبية الموجهة لمحتويات الكتاب حتى ترشح عن هذه الأنساق رؤى التصور الفكري والأدبي معاً بناءاً على قاعدة التراسل الذاكراتي والخيالي في آن واحد، بدأت بهذا الاستهلال التنظيري وانا أقرأ كتاب (العراقة تعاني) للشاعرة فادية عبد الكريم حنا، حيث تحيلنا العنونة هذه الى الاشارة لاسم الغائب الحاضر في بنية العبارة وتؤكد الشاعر فادية على المعنى الحاضر المباشر التقريري في شكلانية العلاقة ومحتواها الكلي، أي انها (الشاعرة) تقيم جسراً وطيداً للتفسير، للالتقاء بالقاريء العادي لتبني علاقة قرائية لاستدرار المعاني، والمعاني في مجموعة الشاعرة تأخذ مدياتها العقلانية لأنها بالأصل تنبع من الذاكرة المعقلنة للشعر حيث تاخذ الموضوعة الأساسية مكانتها من الذاكرة الجمعية باقترانها باساسات الفكرة المنجزة تاريخياً، ونستدل على هذه الاشارات التفسيرية حتى من الاستهلال الأولي للمجموعة المتشكل في بنية الاهداء ومن ثم الدخول الى المقدمة، فمن صفحة الاهداء نستل هذه الثيمة النصية الدالة على اقتران الذاكرة الشخصية بالذاكرة الجمعية: (الى كل قلب طابه مقامي واشعل قنديل زيتٍ في دروبي.) وتتهافت الشاعرة على انساق الاهداء لتكون مناخاً يوحي بالعلاقة الصادقة المتينة مع الآخر الشخصي (الى روح ابي الحبيبة/ الى النبع الذي يروي ظمأي وسقمي، الى امي الحبيبة/ الى اشقائي وشقيقاتي الاعزاء) ومن ثم تنتقل الى الآخر القريب، الآخر المثقف/ وللمثاقفة في بؤرة الحالة الادبية، وهكذا تبني الشاعرة فادية أساساً متيناً تقوم عليه هيكلية قصائدها وتسترسل لتقيم جسراً آخر مع القاريء في مقدمتها الشروحاتية، وتعمق بنية الاهداء وتفتح خطابها على الضمير الجمعي: (لكم يا أبناء الغد الآتي صفحة حرة تحمل هويتكم، لكم من يروي زهور قبورنا، ولكم من يحمل اسمكم، انتم الماضي والحاضر والمستقبل الذي ينتظركم، انتم نور دروبي بكم اكون..).

تحمل قصائد مجموعة (العراقة تعاني) للشاعرة فادية عبد الكريم سمات متقاربة في الشكل والمعنى فالقاريء يلاحظ ويقف عند قاموسها اللفظي المتجاور في ملفوظات الشاعرة ومن خلال اداءات تعبيرية متجاورة في الشكل والقيمة الفكرية والأسلوبية فنحن امام لوحات تجسد صراع الانسان مع قوى الشر والدمار إننا أمام رسائل تحمل خطاباً انسانياً أفرزته الحياة المعاصرة دون تزويق لفظي شكلاني  تتقاذفه اسلوبية تقريرية مباشرة تبغي الشاعرة من خلالها ايصال المعاني وترويجها عبر سيل من الصور الذهنية المفتوحة في انساقها اللفظية: (ماذا تريدون يا أبناء أمتي/ أتريدون ان تنقلب دموعكم/ وتصير ضحكاً في نفوس غيركم..؟/ أتريدون أن تنقلب دموعكم؟/ وتصير أكليلاً على رؤوس غيركم..؟) ان هذه المقاربة في هيكلية الملفوظات التي تؤدي الى صيغ تعبيرية ماضوية تعيدنا الى بدء الكتابات النثرية وانساق الخطاب الفلسفي في بناه التساؤلية التي تشفر معادلة الحياة المتوارثة (المتضادة) في نسقها = (البكاء × الضحك) وتستطرد الشاعرة في هيكلية قصيدتها الموسومة (بكاء لأمتي)، في تسطير اسئلتها التي تود من خلال فتوحاتها استقراء المشهد القومي المتجذر في الذاكرة التاريخية (اين أكليلك يا أمتي؟!/ يا بحراً في فؤادٍ تروقين!!) وتتطلع الشاعرة من خلال اطلاق اسئلتها الى ايقاظ الأحاسيس واستثارة المشاعر الانسانية لابناء أمتها، لتدخل الى خطاب المعنى والمعنى الانساني الشامل لرسالتها القومية الفكرية والأدبية، وتتجاذب رؤى المعطى الاجتماعي مع رؤى العاطفة الذاتية لتصطبغ قصيدة الشاعرة بألوان من ايقاع العشق والحب والنور والألم حيث تبرز مفردة (الدموع) بقوة في ثنايا قصائد المجموعة لارتباطها بأقوى وأنبل جهاز للجسد هو (العين) ولما لهذه المفردة (العين) دلالة متسعة وفاعلة في المناخ النفسي والاجتماعي الحسي والعاطفي ومعطياته الراسخة في الذاكرة الجمعية: تقول الشاعرة فادية في قصيدتها (كسرة خبز) (لابناء امتي الجياع/ من قلبي قطعة/ اعجنها رغيفاً/ بأنامل يدي/ وبدموع عيوني) هكذا تمزج الشاعرة بين الحالة الشخصية والحالة الكلية عبر ملفوظات ساحرة تؤدي الى تأسيسات تعبيرية حالمة تحمل اعمق واصدق المعاني الانسانية والمشاعر الشخصية الفياضة حدّ الذوبان في الآخر: (لابناء امتي العاشقين/ من قلبي قطعة/ اصوغها سوراً).

تجسد الشاعرة أقصى مديات الحب العذري لأبناء أمتها الكلدو اشورية، فهي تصرح بقوة محببة لنفس القاريء هذه العلاقة المباشرة في آفاقها اللفظية والذهنية، انها تحطم قيود الزمكان والخرافة في تشييد هذه العلاقة الانسانية الراقية للتشظى شعرأً ونثراً وملفوظلت تقيم في اعماق النفس، وتدخل الشاعرة الى المتن الحضاري التاريخي لتعزف على وتر البطولة  والبهاء والرقي والحب حيث تتغنى بـ (نيسان) كمرتكز زمني حالم ينسجم مع رؤاه الفكرية والقومية وتعزز شفافية فضائها النفسي والرؤيوي من خلال ضخ العلامة الشعرية بتحولات الذات والزمان والمكان التاريخي: (يا شمس نيسان.. يا نينوى/ يا عروس شعري/ يا عنوان دفاتري يا أحلامي الجميلة/ تداهمني كل غمضة جفن/ تصوغين اكليلك سوراً على رأسي/ وامجادك انغاماً على قيثارتي/ وابتساماتي قناديل جديدة تحمل دروباً أخرى/ بشراك نينوى/ فبنوك على العهد/ وايامك زهواً ولحظات آشورية ص14).

تمتليء الذات الشاعرة في هذه المقطوعة حساسية تاريخية تفع على استدعاء الذاكرة الحضارية في اشراقتها وقيامتها، فالملفوظات التي بنت من خلال هيكل المقطوعة توحي بالانشاء والوحدة وحضور الفرح وكل مكونات الاشعاع الحضاري، وتشترك العديد من قصائد المجموعة في الذات الواحدة في بؤرة المعنى وتشكيلات اللغة  والبناء والدلالة، ومنها قصائد (من اين التقينا ونجر الأحزان وصيحة شهيد وصوت الحرية ولقاء مع شهيد وتكونين لي مجداً ولحظة صمت وبراعم حرية) تقول الشاعرة فادية في قصيدتها (لقاء مع شهيد): (التقينا بقلبين لا يندمل جرحهما/ التقينا بدمعتين/ لا تشفيان غليلي/ ولا ترويان حبي ولهفتي/ التقينا بشفتين/ ترشفان خمراً/ عرفتك طفلاً في مهدٍ يبكيه الألم/ وعصفوراً صغيراً.. يناغي الصباحات/ ولم أدركك يوماً شهيداً/ في قبر تكلله زهور ذابلة.. ص27).

هكذا تضم الشاعرة فادية عبد الكريم نوازع الخفوت والتصاعد عبر جملتها الشعرية موزعة ملفوظاتها عبر افقية لفظية تدل على الموت تارة وعلى الخلود تارة أخرى وتسعى من خلال هذه الثنائية الضدية اقامة علاقة حية داخل دائرة الحياة لتتصارع فيها الذات الشاعرة والأنا مع واقائع الحياة وأحداث التاريخ.

 

*


 

** صحراء بوذا: تأليف خضير ميري ـ ط1 2001 ـ دار الزاهرة للنشر والتوزيع (بيت الشعر) رام الله ـ فلسطين.

* مجلة المعرفة/ وزارة الثقافة ـ دمشق/ 2004.

** سيرة الآس ـ مجموعة شعرية:سميرة عزام/منشورات وزارة الثقافة سوريا 2002.

 

*  جريدةالعراق/ العدد 7578/ 19 نيسان 2002.

**  ذاكرة القصيدة: مجموعة شعرية/ بولص شليطا ـ مطبعة اليرموك/ 2000 الطبعة الأولى.

* جريدة العراق/ 10 آذار 2001.

* مقدمة كتاب نزيف الأعوام للشاعرة كنار الحكيم/ منشورات دار أدي شير رقم 11.

* مجلة بانيبال.

** توأم القمر: مجموعة شعرية، تأليف: نهى لازر/ طبع (مكتب دارا للطباعة الحديثة ـ بغداد 2001).

* جريدة بهرا/ العدد 206/ حزيران 2003.

* مجلة نجم بيث نهرين/ المجلد الحادي عشر/ العددالاول/ حزيران 2004م، 6754آ.

 
<

>