Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

مقال في المسرح الكردي المعاصر

الأُرجوانة الحمراء

ياسين النصير

الأُرجوانة الحمراء

مقال في المسرح الكردي المعاصر

                           ياسين النصيِّر

  برلين 2002

 
 

 الفهرست

 شكر وتقدير

 المقدّمة

 الفصل الأول

              تشخيصات الظاهرة الفنية في المسرح الكردي

الفصل الثاني

               إتجاهات المسرح الكردي المعاصر

1-     الإتجاه الأول

مسرحية عسل

مسرحية المتألم

مسرحية قرية الضياع

مسرحية ماما يارا

الفصل الثالث

2- الإتجاه الثاني

أ- التجريب بأثواب كلاسيكسية

مسرحية العشق ....أو أحمد الجزيري

مسرحية رحلة حنظلة

مسرحية الذئاب

ب- التجريب ـ الممارسة

مسرحية المهرج حسن

مسرحية الغجر

مسرحية رحلة سيامند

مسرحية الناس والحجارة

الفصل الرابع

كتابات عن المهرجانات في كردستان

العروض المسرحية

 

الفصل الخامس

مهرجانات المسرح الكردي في المنفى

 1- مهرجان برلين الثاني 2000

2- مهرجان برلين الثالث 2002

 

الفصل السادس

ياسين النصير والمسرح الكردي

بقلم الدكتور عوني كرومي

 

شكر وتقدير

 

    يتقدّم المؤلف بالشكر والتقدير للفنان بكر رشيد، الذي حمل النسخة الوحيدة من هذا الكتاب معه، بعد أن قمعت انتفاضة آذار عام 1991 في عموم العراق من قبل نظام فاشي مستهتر بقيم الإنسان والحضارة. ومن بين المدن التي أصابتها يد البعث مدن كردستان العراق. قبل أن يحط رحاله في المانيا، متنقلاً بها مع محمولاته بين جبال كردستان ومدنها، وبين هضاب تركيا وعسسها، وبين مدن اليونان وممراتها المائية والجبلية، وبين متفحصي البطائق الصحيحة و المزورة، وبين الأصدقاء المنتظرين على تخوم الحدود والمخبرين، مروراً بخط الرحيل الأُوروبي كله، طوال أربعة عشر يوماً كي يوصلها إلي بعد  عشر سنوات، وكدت أفقد الأمل في العثور على النسخة الوحيدة من هذا الكتاب، فقد أودعتها مديرة الثقافة الكردية بعد أن وافقوا على طباعتها ونشرها على نفقتهم الخاصة عام 1989. ولكن ما حدث في العراق من حروب مدمرة جعلت الثقافة العراقية كالجغرافية العراقية، عرضة للإنتهاك وللغزو وللتدمير، ففقدت الكثير من الكتب والمسـّودات، بل وأُحرقت الآلاف منها وأُتلفت وسط هتاف الجُهلاء وحقد المخبرين. كما فقد الآلاف من العراقيين وأُحرقوا وأُعدموا وأُتلفوا أيضاً، إلاّ أن يداً شريفة وكريمة أنقذت هذه المخطوطة من بين حريق المدن المخضرّة وناسها، لتوصلها بعد عشر سنوات إلى هولندا، لترى النور ثانية على يد أصدقاء كرماء، بعد أن أُجري تعديل عليها، فشكراً له.

 

 

 

ياسين النصير

       ـ ولد في مدينة القرنة التابعة لمحافظة البصرة

       ـ إنتقل إلى بغداد عام 1970

       ـ حل في هولندا لاجئاً كانون الثاني 1995

 

المؤلفات النقدية

1- قصص عراقية معاصرة ـ مشترك مع الناقد فاضل ثامر ـ بغداد ـ 1971

2- القاص والواقع ـ دراسات في الرواية والقصة ـ بغداد ـ 1975

3- وجهاً لوجه ـ دراسات في المسرج  ـ بغداد ـ 1976

4- الرواية والمكان الجزء الأول ـ دراسة نظرية ـ تطبيقية  بغداد  1980

5- الرواية والمكان الجزء الثاني ـ دراسة نظرية ـ تطبيقية بغداد 1980 طبعة ثانية 1986

6- دلالة المكان في قصص الأطفال دراسة نظرية ـ تطبيقية بغداد 1985 طبعة ثانية 2000   

7- إشكالية المكان في النص الأدبي ـ دراسات في الشعر والرواية ـ بغدادـ  1988

8- المسرح العراقي ـ مشترك نشر اليونسكو  1988 نشر على ورق الاستنساخ

9- بقعة ضوء  بقعة ظل ـ دراسات في المسرح ـ بغداد ـ1990

10- الاستهلال ـ  فن البدايات في النص الأدبي- يتناول الشعر والملاحم والحكايا

والرواية ـ بغداد ـ 1993 طبعة ثانية القاهرة 2000

11- التجربة والوعي ـ دراسة في الأدب الأردني ـ الفلسطيني- عمان- 1994

12- المساحة المختفية ـ دراسة في الميثولوجيا الشعبية - بيروت- 1995

13- جماليات المكان في شعر السياب - دمشق-1996

14- في المسرح العراقي المعاصر ـ دراسات ونقد في المسرح العربي - بروكسل- 1997

15- مختارات من القصة العراقية - القاهرة - 1998      

16- سعد علي وفن العلاقة ـ دراسة في الفن التشكيلي ـ دمشق ـ دار المدى عام 1999

17- الدكتور عوني كرومي والمسرح الشعبي ـ جمع لمقالات الدكتور علي جواد الطاهر عما أخرجه الدكتور عوني كرومي القاهرة 2002

 

المؤلفات الفنية

1-    قصة أوبريت بيادر خير "أول أوبريت عراقي" البصرة 1969

2-    القضية نص مسرحي ـ البصرة ـ 1969

3-    قصة أوبريت السابلة ـ بغداد ـ 1974

4-    شارع النهر مسرحية ـ بغداد ـ 1987

5-    الحقيبة كتبت في هولندا عام 2002

 

كتب دفعت للطبع

 

                       1ـ يوميات الحرب ـ مشاهدات ومعايشة لحرب الخليج الثانية

                       2ـ البؤرة ـ دراسات مكانية

                       3ـ شعرية الماء ـ دراسات في القصيدة الحديثة

                       4ـ شارع الرشيد عين المدينة وناظم النص

                       5ـ دراسات في الرواية العربية

                       6ـ اليومي والمألوف ـ قراءة في ثقافة الأشياء الصغيرة

·    عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء في العراق بين عامي 1973- 1978

·      سكرتير رابطة النقاد في العراق منذ تأسيها وإلى عام 1989

·    عضو هيئة تحكيم المسرح في العراق منذ 1976 وإلى عام 1989

* عضو هيئة تحرير المجلات التالية: الأديب المعاصر، 1973- 1978الثقافة الجديدة، 1972- 1978  مجلة التراث الشعبي 1985-1988

* عضو هيئة تحرير الصحف الآتية : طريق الشعب، الفكر الجديد.

* اعتمدت الانسكلوبيديا البريطانية كتابات النصير في التعريف بالمسرح العراقي المعاصر.

*  ترجمت دراسته عن البنية المكانية في القصيدة إلى اللغة الإنجليزية.

*  ترجمت بعض دراساته في المسرح إلى اللغة الألمانية والروسية والهنغارية والهولندية.

* يرئس مؤسسة "ثقافة 11" التي أُسست في المنفى عام 1998وتواصل برنامجها السنوي في بلجيكا.

* رئيس تحرير جريدة ثقافة  11التي تصدر في هولندا منذ عام 1998

* يرئس مؤسسة أكد للثقافة والفنون والنشر في هولندا التي أُسست في 5-6 - 2000

* قدم ندوات شهرية ـ ثقافية لمختلف التيارات الأدبية والنقدية تحت اسم صالون ثقافة 11 وقد حاضر فيها عدد كبير من المثقفين والمفكرين العرب والمستشرقين في أوروبا..

* حاضر في عدد كبير من المنتديات الثقافية والمهرجانات الأدبية والمؤتمرات في عموم البلدان العربية والأوروبية بينها: القاهرة ـ بيروت- عمان – ألمانيا ـ إنكلترا ـ فرنسا ـ بلجيكا- السويد- الدنمارك- هولندا.

* يكتب في الصحف العربية والمجلات الدورية مقالات نقدية وفكرية.

* نشرت له أمهات المجلات الأدبية المتخصصة مقالات في النقد والفكر.

 

كلمة الغلاف

 

الجميل في كتابات ياسين النصير قدرته على أن يدعك تشاركه في رحلته ، فنرى في  ما يكتبه ويصفه وجود الأشياء الحية المرئية، والملامسة الحميمية في الأفكار، حيث يلبس نقده الفني طابع السرد الروائي، فهو نافد يحاول دائماً ربط حركة المسرح بحركة المجتمع، وذلك عبر إظهار الحقيقة الاجتماعية كاملة، وكأنه يرى ما يكتبه جزءاً مهماً من أحلامه أو رغباته التي تتحقق عبر أعمال الآخرين، فيذهب معها وينتشي بها ويسعد بنتائجه، ويتكامل مع الآخرين في إبداعاتهم.. لذا نرى أن روح التضامن مع العمل تغلب عليه. يرى في المبدع جوانبه المشرقة، وكأنه يقوم على خدمته وخدمة القارئ أو المشاهد القارئ، حتى لو وجد بعض الهفوات والنواقص، حيث  يشير إليها بشكل أمنيات أو مقترحات، بعيداً عن روح التعالي أو الأستاذية

لذا فالكتاب فهو جدير بقدرته على تشخيص بعض سمات المسرح الكردي الأساسية، والتي يمكن أن نقرأها في عروض لم يتحدث عنها، كما أن آراءه النقدية يمكن أن تفهم بسهولة ويسر، لأنها وضعت اليد على أهم السمات في هذه المرحلة لحركة المسرح الكردي في العراق.

    إنني أشعر بالفخر والإعتزاز لهذه التجارب التي تحدّث الكتاب عنها، فهي لزملائي أو لبعض من تلاميذي الأكادميين الذين تواصلوا بالعمل رغم كل الصعوبات والتحديات.. فإن سعادتي تكبر بهم وبما قدموه، حيث استحقوا هذه المتابعة، وأقول هاهم يسجلون بأعمالهم مسيرة حقيقية للمسرح الكردي في العراق، فلهم منا جميعاً كل الحب والتقدير.

 

د. عوني كرومي

برلين: 11- 8-202

 

 

ياسين النصير والمسرح الكردي

 

    إتسف الباحث والناقد ياسين النصير منذ زمن بعيد بقدرته الفائقة على المتابعة والرصد لحركة المسرح العراقي، وتميز في تشخيصه للتجارب التأسيسية، وللمواهب الشابة التي ترفد حركة المسرح العراقي، واذا تنكر بعض لما شخصه فيهم، فليس ذلك ببعيد عن الجحود الذي يلاقيه ناقد جاد، إنما يعكس دلالة على عدم قدرة هذا البعض على الثبات والإستمرارية في الظروف الصعبة التي تعيشها الثقافة العراقية بشكل عام، والظرف الاجتماعي والسياسي الذي يحيط هذه القابليات والمواهب، إلى جانب عدم امتلاكها الإرادة في استكمال مسيرة ما بدأوا به.. فالبعض الذي تخلى عن الجدية في البحث والعمل والإلتزام في مسيرة الفن، لا تعني بأي شكل من الأشكال غياب المواهب والقدرة، إنما هي صورة العجز الفني والصعوبات التي تجابه المسرح العراقي بشكل عام.

فليس غريباً على ياسين النصير أن ينبه إلى واقع المسرح الكردي ويتابع نشاطه، كجزء من متابعته للمسرح العراقي ككل، عن طريق العروض التي توفرت لديه القدرة على مشاهدتها خلال العروض الزائرة أو المهرجانات المسرحية التي عايش فعاليتها.. فهو في ذلك ينطلق من حرصه الشديد على متابعة ما يهم الشان العراقي في مجال الثقافة والفن، حيث نجده يتابع هذا النشاط في مجموعة مقالات تستحق بكل جدارة أن تأخذ موقعها في كتاب ريادي باللغة العربية عن المسرح الكردي وفنانيه، كما فعل من قبل مع حركة المسرح العراقي منذ أواخر الستينات وما زال يتابع كل نشاط مسرحي بكل همة وحرص..

    في هذا الكتاب استطاع الناقد أن يرصد ليس الاتجاهات وطبيعة المسرح فقط ، إنما ذهب بعيداً في تشخيص الفنان الكردي وطموحاته وتجاربه واجتهاداته في العمل المسرحي، وإذا كانت العديد من الظواهر مشتركة بين المسرح الناطق بالعربية، والمسرح الناطق بالكردية في العراق، إلاّ أنه حاول أن يبحث في العمق عن الخصوصية، مشيراً إلى الروح الأخلاقي  والمسؤولية العالية التي يتمتع بها الفنان الكردي في بحثه واجتهاده، وهذا ما أستطيع أن أثنى عليه، وأشهد على سلامة الرصد عبر تجربتي الذاتية، حيث تعرفت إلى العديد من المواهب التي درست في أكادمية الفنون الجميلة في بغداد، وكان لي شرف المساهمة في إعداد الكوادر المسرحية الكردية، حيث تميزت بالمواكبة والمثابرة والتحدي لتجاوز صعوبات اللغة من جهة، والحياة من جهة أخرى، كما أنهم تميزوا بالصبر والتفاني وعدم التسرع والإستيعاب والإنفتاح على الآخر، كما تميزوا بالعمل الدؤوب، وحب التمرين المتواصل، والتدريب والجد في اختبار الاختصاص والتفتح على التجارب الحديثة والأكادمية وعدم السقوط في التقليد الأعمى، وترك نوافذ العقل مشرعه للتأثر إنطلاقاً من العمل على الذات ذهنياً وجسدياً، لأنهم كانوا يبحثون عن التميز والتفوق والنجاح، واختزان المعرفة، والتجربة والمعايشة الحقيقية للعروض المسرحية في داخل الأكادمية وخارجها، ولم ينظروا الى مرحلة دراستهم على أنها مرحلة أكادمية تسمح لهم بالتوظيف فقط، بل كانوا ينظرون إلى المستقبل والإحتراف والتخصص والتأهيل والعمل في المسرح دائماً وأبداً، لهذا نراهم لم يبتعدوا عن المسرح حتى ولو ابتعدوا عن الوطن، وظل المسرح جزءاً من وجودهم وحياتهم.. حيث سنحت لي الفرصة مرة ثانية للعمل معهم في المهجر، وقدمنا معاً العديد من الأعمال، منها مسرحية "العميان" التي كانت باكورة لقائنا كمسرحيين، بهدف التعبير عن ذواتنا ووجودنا في المهجر. لقد تحسست قدرة هؤلاء الفنانين على التضحية وتحمل الصعاب، فأذكر على سبيل المثال لا الحصر، الفنانة خرمان هيراني التي كانت تأتي من مدينة هانوفر إلى برلين متحملة الصعوبات المادية والنفسية والروحية، بهدف إنجاز العمل وتوصيل الكلمة النبيلة.. ثم عملت مع الفنانين الكرد "مسرحية صراخ الصمت الأخرس" التي ترجمها إلى اللغة الكردية كريم بياني، بعد أن كتبها المسرحي العراقي الكردي محي الدين زنكنه باللغة العربية، والتي قام على تمثيلها كل من عمر توفي، وموفق رشدي اللذان تميزا بالجد والمواظبة والوضوح والأداء المعبر، والقدرة على معايشة إنسانية الشخصيات التي أحالوها بقرائتهم إلى نماذج منتمية إلى شعبهم، وهمهم بالحياة والوجود. ومن قبل كانت مسرحية "المصباح"  قام  على أدائها موفق رشدي محاولاً إيجاد قراءة ذاتية لمعاناة الإنسان الكردي خارج الوطن، ولقد شارك العديد منهم وبالذات من المنتمين إلى  تجمع رفند الثقافي/ برلين من الفنانين عدنان شينو  في مجال الدعاية والإعلان وتصميم البوستر، ومحسن عثمان، وإحسان عثمان في مجال الدراماتوركي، والتقنيات والإخراج حيث يمكن لي أن أقول لم يخل عمل من أعمال مسرح تيئاتر/ برلين من إبداع  ومساهمة الفنانين الكرد.

    الجميل في كتابات ياسين النصير قدرته على أن يدعك تشاركه في رحلته ، فنرى في  ما يكتبه ويصفه وجود الأشياء الحية المرئية، والملامسة الحميمية في الأفكار، حيث يلبس نقده الفني طابع السرد الروائي، وكأن ما يكتبه هو تعويض عن فن الرواية الذي مارسه ولم يشتهر به، فهو نافد يحاول دائماً ربط حركة المسرح بحركة المجتمع بكل عملية.. فكتاباته يمكن أن تطلق عليها النقد الاجتماعي السياسي، وذلك عبر إظهار الحقيقة الاجتماعية كاملة، وكأنه يرى ما يكتبه جزءاً مهماً من أحلامه أو رغباته التي تتحقق عبر أعمال الآخرين، فيذهب معها وينتشي بها ويسعد بنتائجه، ويتكامل مع الآخرين في إبداعاتهم.. لذا نرى أن روح التضامن مع العمل تغلب عليه يرى في المبدع جوانبه المشرقة، وكأنه يقوم على خدمته وخدمة القارئ أو المشاهد القارئ، حتى لو وجد بعض الهفوات والنواقص، حيث  يشير إليها بشكل أمنيات أو مقترحات، بعيداً عن روح التعالي أو الأستاذية.

    يعد الناقد ياسين النصير دقيقاً في رصده الظواهر الجديدة، ولكنه يرى في أشكال معالجتها إمكانية للإجتهاد والبحث.. فيسعى لكي يشخص ما هو تأسيسي، ولكنه يترك المجال مفتوحاً للاختلاف والإجتهاد ويجعل الأبواب مشرعة على مصراعيها، للحوار والتفاعل لا يصر على رؤيته الحقيقة من جهة أو واجهة أو جانب واحد، إنما يقر بأن للحقيقة الفنية أوجهاً متعددة وأشكالاً مختلفة للقول وللإتصال.. ربما يؤخذ عليه قصر المقالة النقدية أحياناً، بسبب حالة النشر الصحفي وسرعة الإنجاز لمتابعة العرض، إلاّ أن ما يكتبه وكتبه يمكن أن يؤسس حالة مصدرية، ومادة أساسية للدارسين في المستقبل من الأكادميين، وطلبة الدراسات العليا وإلى أبحاث قادمة في مجال المسرح وتاريخيته، وهذا فعلاً ما تحقق لديه في مجال النقد والبحث في المسرح العراقي الناطق باللغة العربية، حيث أصبحت مجموعة كتاباته وكتبه مصادر لمن جاء من بعده من الدارسين، وهذا ما أتوقعه أيضاً مع كتابنا اليوم "الأرجوانة الحمراء" عن المسرح الكردي.. فهو كتاب مهم لرصد أعمال مهمة في مرحلة زمنية محدودة في العراق تابع فيه بعض العروض المسرحية، وظاهرة المهرجانات التي انتعشت في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وما فرزته من أشكال فنية في الداخل والخارج.. نتمنى أن تسعفه الظروف في المستقبل للتواصل في متابعة أعمال المسرحيين الكرد داخل العراق وخارجه.

    إن المسرح فن إنساني عالمي لا تحده حدود أو لغة يرتبط بالواقع المحلي من خلال عمق التجربة الإنسانية، وتتميز قدرته على تحليل النفس البشرية بشكل عام، فهو يشترك بالخصائص والوظيفة الاجتماعية حسب تطور التشكيلة الاجتماعية في كل بلد، أو عند شعب من الشعوب، فالتجارب الوطنية والتراث الشعبي يغني المسرح ويطوره، ويمنحه القدرة على التواصل وخلق التاثير، ويثري تجاربه ومفاهيمه ونظرياته، لهذا نجد أن المسرح العالمي هو مجموعة تأثيرات وتجارب متبادلة لفنانين من شعوب متعددة، حاول كل فنان على حده أن يتأثر أو يؤثر في مجمل الحركة المسرحية على مستوى الشكل والتقنيات إلى جانب الموضوعات الأساسية، من هنا         لا يمكننا أن ندرس المسرح الغربي الحديث من دون معرفة تأثيرات المسرح الشرقي عليه، كما   لا يمكننا أن ندرس المسرح الشرقي المعاصر من دون دراسة المسرح الأوروبي الحديث وتأثيرات المدينة. فالمسرح ابن المدينة وأهم سمة من سماتها، وكلما تطورت المدينة ومجتمعها المتروبولي، ازدادت حركة المسرح وأهميته. فالريف لا يفرز أية خصائص مسرحية، وإنما يقدم للمسرحي مواداً أساسية، وذلك لكثرة فنون العرض من رقص وموسيقى وتراث، وهكذا الحال مع المسرح العراقي بلغاته المختلفة وانتماءاته المتعددة، بل وحتى مهماته.. قد ينقل المسرح صورة الريف المفقودة من الوعي الجمعي لمستوطني المدن من الفلاحين والبدو، عبر الغناء والموسيقى والموضوعات الاجتماعية، إلاّ أنه ليس مسرحاً ريفياً حتى لو ذهب المسرح إلى الريف، فهو يذهب كوسيلة للتواصل الحديث، ولكنه ليس شكلاً من أشكال نتاجات الريف، فالمسرح يبقى شكلاً ثقافياً معرفياً يرتبط بالمدينة وتطورها.. أمّا ما يميز كل ثقافة بفنون عرض متعددة فهي الأخرى مادة للعرض المسرحي، ووسيلة تقريب الثقافة لمن هم خارج دائرة المدينة، وهذا ما نراه حالياً في المسرح الكردي الذي يسعى إلى تقليل تأثيرات المسرح الغربي متخذاً إتجاهاً معيناً يستدعي حضور فعل التراث الكردي في المسرح، فهو يسعى إلى خلق نوع آخر من المسرح الذي يتصف بالخصوصية الوطنية والقومية، بهدف زيادة فعالية المسرح في داخل البنية الاجتماعية الحديثة للمجتمع الكردي المعاصر، وكوسيلة يحاول بواسطتها تجسيد تطلعاته ومعاناته وصيرورته في التحرر والإستقلال، لهذا نجد المسرح الكردي يسعى لأن يتعمق بالسمات التنويرية والعقلانية، مما استدعى استحضار التراث والموروث في بعض الفترات، والبحث عن خصوصية للفن في المجتمع الحديث بهدف تأكيد الهوية، ولا يمكن عزل المسرح عن صراعات المجتمع ذاته المحلية والكونية..

    لهذا نرى أن هناك إشكاليات يعيشها المسرح الكردي، حاله حال بقية المسارح في العالم في بحثه عن أرقى أشكال التواصل مع المشاهد، وخدمة أفكاره، وأفكار ورؤى الفنان ذاته وانتماءاته في مراحل التحول والتغيير، لذا نراه هو الآخر يعيش أزمات وإشكاليات إبداعية تتصارع فيها جميع الاتجاهات والطرق، مما يسمح لنا أن نؤكدها عبر أعمال الفنانين، ولقد شخص بعضها الناقد ياسين النصير بوضوح، ويمكن أن نوجزها:

1ـ أزمة التواصل مع الجمهور، والمتمثلة بقدر المسرح على تجسيد الموضوعة المسرحية الاجتماعية والإنسانية.

2ـ إشكالية التجديد والتجريب والحداثة، وتشمل أيضاً الإجتهادات الشكلانية على مستوى التعبير.

3ـ إشكالية البحث عن الهوية، والتعامل مع التراث والموروث الفني والثقافي للشعب الكردي الذي يتميز بثراء الموضوعات الذاتية، والحكايات والقصص والأساطير، إلى جانب كونه شعباً يحب الرقص والغناء والموسيقى، وهي فنون تعيش معه وتزخر حياته اليومية بها، وأصبح الحفاظ عليها جزءاً من المهام الوطنية والتعبير عن الشخصية الكردية، لذا نجد أن الزي والدبكة وأشكال الغناء سمات يحرص عليها المواطن قبل الفنان، ويتفاعل معها المشاهد بحس مزدوج.. وكأنها وسيلة للتعبير أكثر منها وسيلة للمتعة والترفية.

4ـ إشكالية التعبير، وربط حركة التحديث والحداثة بعمليات التغيير الاجتماعي في بنية المجتمع الكردي على مستويات عدة في مجال الاقتصاد والسياسة.

5ـ  إشكالية الفنان في التأويل والإسقاط والترفيه، وقدرة التفاعل مع المشاهد إلى جانب إشكالية التوصيل والتواصل.

    حيث أكد الناقد عزم العاملين ومسؤولياتهم الأخلاقية تجاه أنفسهم ومجتمعاتهم، من خلال جدية الأعمال الفنية ورصانتها الأدبية والفنية، ومحاولة الفنان الكردي البقاء أميناً تجاه تاريخ شعبه ومجتمعه، وعدم السقوط في الإستسهال والتبسيط والتدني إلى الثقافة الهابطة والتافهة، مؤكداً أن التسلية والتعليم مرتبطان بالمتعة وبجودة الإنتاج الفني، وعمق فكر المسرح ورسالته.

    ولقد شخص أسباب الغموض محدداً إياها إمّا بالعجز الفني للمبدع الكردي، أو بسبب غياب أو ضيق مساحة الحرية الممنوحة للفنان رقابياً، ونعني بذلك الرقابة الرسمية والرقابة الاجتماعية، ولقد نبه وأشار إلى أن العجز الفني يجب ألاّ يكون المبرر للإختفاء وراء الشكلانية، لأن الفن المسرحي أولاً وأخيراً هو حالة من التواصل والمشاركة بين المبدع والمتلقي، أو المشارك والمشاهد الكردي يمكن أن يرقى إلى أعلى درجات الذكاء مع المبدع لفهم تأويلاته وتفاسيره، ما دامت رموزه لها علاقة بالوعي الجمعي للمشاهد ذاته، فأنها ستنتج أشكالاً فنية راقية، لهذا أكد أن المبدع الصادق، هو من يستطيع أن يقدم الوضوح حتى ولو اختار الرمزية، أو أي اتجاه من الإتجاهات الأخرى،   ما دام قادراً على إنجاز ما يريد إنجازه، وحدّد أن الوضوح لا يعني التبسيط، إنما البساطة التي هي أرقى الأشكال الفنية التي تدخل القلب والعين والعقل دون جواز سفر.

    إن الكتاب مع أنه يختص بعروض بعض المهرجانات، ولا يدعي لنفسه الحديث عن المسرح الكردي بشكل عام، فهو جدير بقدرته على تشخيص بعض سمات المسرح الكردي الأساسية، والتي يمكن أن نقرأها في عروض لم يتحدث عنها، كما أن آراءه النقدية يمكن أن تفهم بسهولة ويسر، لأنها وضعت اليد على أهم السمات في هذه المرحلة لحركة المسرح الكردي في العراق.

    إنني أشعر بالفخر والإعتزاز لهذه التجارب التي تحدّث الكتاب عنها، فهي لزملائي أو لبعض من تلاميذي الأكادميين الذين تواصلوا بالعمل رغم كل الصعوبات والتحديات.. فإن سعادتي تكبر بهم وبما قدموه، حيث استحقوا هذه المتابعة، وأقول هاهم يسجلون بأعمالهم مسيرة حقيقية للمسرح الكردي في العراق، فلهم منا جميعاً كل الحب والتقدير، وإلى الصديق ياسين النصير كل الإحترام لمتابعته وحرصه الشديد على الشأن الثقافي العراقي، والتقدير كل التقدير للعاملين على النشر.

 

د. عوني كرومي

برلين: 11- 8-202

 

<

>