ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 09, 2010 11:16 PM

Detroit Michigan U.S

 

 

 

 

 

اسم المؤلف : هيثم بهنام بردى

اسم الكتاب : الحكيمة والصياد

جنسه : مسرحية للفتيان

سنة الإصدار : 2007

عدد النسخ : 1000

الغلاف : الفنان لوثر ايشو

التخطيطات الداخلية : الفنان عمر طلال

 
 

 

 

 

المشهد الأول 
   

الزمان: قديم جداً

المكان: أي مكان

الوقت: فجراً

 

     غرفة متواضعة، أثاث عتيق، فراش قديم صياد يكمل ارتداء ثيابه وزوجته تكمل إعداد الصرة، أطفال نائمون

الصياد:  آن وقت الذهاب.. هل كل شيء جاهز؟

الزوجة:  الصرة جاهزة، وكذلك عدة الصيد.

الصياد:  الخبز والبصل كالعادة.!

الزوجة: نعمة من الله.

الصياد:  (بتأفف) متى تُفرج..؟

الزوجة:  مستورة والحمد لله.

الصياد:  أي ستر يا امرأة، لقد نسينا طعم اللحم، حتى السمك الذي اصطاده لا نصيب لنا فيه.

الزوجة:  تفاءل بالخير يا رجل.. فالدنيا فجر ورزق يومك بيد الخالق.. من يدري، ربما سيكون اليوم يوم صيد وفير..!

الصياد:  (يشير الى أطفاله النائمين) أنظري إليهم، صاروا جلداً على عظم، انظري إلى نفسك في المرآة.

الزوجة:  ما بالك هذا الصباح يا زوجي العزيز؟ إتكل على الله فهو لا ينسى عباده.

الصياد:  (بعد فترة صمت) ماذا افعل يا أم أولادي؟ إستغفر الله، إن الفقر ظالم.

الزوجة:  لا بأس.. الحمد لله على نعمه، إتكل على ربك وإبحث عن رزقك، فالبحر كريم طيب لا يرد صياداً.

إظلام

 

 

 

المشهد الثاني

 

الوقت: صباحاً

المكان: سوق السماكين، دكاكين متجاورة، أمام أ سماك مفروشة على مصاطب أو معلقة على حبال أمام الواجهات، صيادون، تجار، امرأة عجوز تقتعر دكة متواضعة أمامها بسطة.

 

العجوز: (تكلم نفسها) كلهم في حركة دائمة، الفقراء لأجل توفير لقمة الخبز، والأغنياء لاكتناز الذهب.

الصياد:  صباح الخير يا خالة.

العجوز:  (تنظر إليه بعمق) صباح الخير، كيف كان أمسك..؟

الصياد:  كالعادة، حفنة من النقود لا تسد رمق أطفالي.

العجوز:  (تهمس لنفسها) إني أرى الإثنين في عينيك، في الأولى أرى الطيبة وفي الأخرى.. اللهم إجعله خيراً.

الصياد:  أريد ملحاً..

العجوز:  (تجفل) خذ ما تشاء.

الصياد:  (يأخذ حفنة صغيرة) مع السلامة.

العجوز:  (بصوت مسموع) هذا الصياد طيب، ولكني أراه ضحية نفسه الجموحة.

رجل ما:  أريد كيساً من الملح.

العجوز:  (تبتسم) إبشر.

الرجل:  وأخيراً يا خالة أطلّ ابني.. (لنفسه) أورقت شجرة العائلة غصناً جديداً.

العجوز:  (ترفض أخذ قطعة النقد) هذا الملح هدية مني لك.

الرجل:  (مبتعداً) طيبتك لا حد لها أيتها المرأة الطيبة.

العجوز:  إنها الحياة.. تبلى قامة لأجل قامة.

(يُسمع صوت عراك بين رجلين في قلب المسرح يتجمع الصيادون والتجار حولهما)

العجوز:  سباق محموم لأجل لا شيء.. إنه..

(رجل ممزق الثياب طويل اللحية يقطع المسرح ركضاً يتبعه جمع من الصبيان)

صبي:  أيها المجنون..

صبي آخر:  أرقص مثل الدب..

آخر:  قل واحدة من حكمك أيها المجنون.

الرجل:  (يقف يهرش صدره، يجلس القرفصاء أمام العجوز، يتناول حفنة من الملح ويواجه الجمهور) كونوا مثل الملح (يذرو الملح في الوجوه ويلتفت إلى الصبي) هذه حكمتي..!.

العجوز:  صدقت يا رجل..

الصبي:  (لأقرانه) لم نفهم شيئاً.. (بعد وقفة) إنه مجنون.. هيا (يخرجون).

الرجل:  (بعد أن يشيع الصبية المغادرين بابتسامة حب، يتجه نحو محل فخم يحتل دكته العالية تاجر أنيق الملبس) خذ هذا الملح. انه الملاذ.

التاجر:  (بعصبية) إغرب عن وجهي يا مجنون.

إظلام

 

 

 

المشهد الثالث

 

الوقت: ضحى

المكان: قاعة العرش في قصر السلطان، السلطان جالس على الكرسي، ومعه وزيره.

 

السلطان:  (بوجه مبتسم) وألان.. ماذا لدينا يا وزيري؟

الوزير:  جولة كل يوم..

السلطان:  أين هذا اليوم..؟

الوزير:  نطوف أطراف المدينة.

السلطان:  كالعادة.

الوزير:  نعم يا مولاي.

السلطان: بأي زي نتنكر هذا اليوم؟

الوزير:  (بعد تفكير) مولاي.. ما رأيك بزي التاجر؟

السلطان:  تاجر؟.. فكرة جميلة.. هيا.

الوزير:  لوحدنا.

السلطان:  مثلما نفعل دوماً.

إظلام

 

 

 

المشهد الرابع

 

الوقت: قبل الظهيرة

المكان: ساحل البحر، صيادون، الصياد يلملم الشبكة.

 

الصياد:  (بتذمر) ما هذا النحس..؟ منذ الصباح لم أصطد شيئاً.. (ينظر نحو البحر ويخاطبه) اعلم أيها البحر ما تختزنه في أحشاءك من نفائس ودرر ولكنك اليوم بخيل جداً معي. (بعد لحظة صمت) أنظر يا صديقي البحر إلى هؤلاء الصيادين، إن سلالهم عامرة بالصيد وسلتي فارغة، ماذا اقترفت من ذنب تجاهك؟. يشهد الله إني احبك كثيراً لأنك كريم دائماً معي.. تهبني الصيد الوفير (بعد لحظة تأمل) وأنا أبيعه في سوق السماكين واشتري ما يشبع الزوجة والأولاد (يلتقط أنفاسه ويتأمل الأفق ثم يتابع) أعرف أنك صديق الصيادين الفقراء لا تبخل عليهم بوافر كرمك، ولكنك اليوم بخيل بي، أترضى يا صاحبي أن ينام أطفالي اليوم جائعين، أحس أن قلبك الطيب لا يقبل بهذا.. أليس كذلك..؟

البحر:  (يدخل المسرح بهيئة رجل يرتدي ملابس زرقاء) إني صديقك أيها الصياد الطيب، وصديق كل الناس، أقدم كل كنوزي الدفينة أمام شباك الصيادين ويبقى الرزق بيد الخالق، وثق بأني لا ارضي لك ولكل الناس سوى الخير والسعادة.

الصياد:  (يبدو انه لا يسمع كلام البحر ولا يحس بوجوده) أتمنى يا بحر لو كنت رجلاً احكي لك همومي وأحلامي المشروعة (فترة صمت) سأفترض هذا يا بحر، لنجلس معاً (يجلس الصياد ويجلس البحر بجانبه ولكن الصياد لا يحس به).

البحر:  (لنفسه حزيناً) إن الصياد لا يراني ولا يحس بوجودي رغم جلوسنا متجاورين، يا للأسف.

الصياد:  أنا يا صديقي إنسان فقير لا يكاد رزقي يكفي أفواه أطفالي المفغورة دائماً، ولي طموحاتي التي لا زلت منذ سنين أسعى إلى تحقيقها في مستوى أفضل من العيش، فلماذا لا يكون لي بيت جميل مؤثث، وأطفالي يتعلمون في الكتاتيب؟ لماذا لا يكون لي زورق صيد؟ لماذا لا يكون لي دكان في سوق السماكين؟ لماذا لا يكون لي فرس بيضاء؟ لماذا لا يكون لي خزين من المال ينير سواد الأيام الحالكة؟ لماذا..؟

البحر:  (مقاطعاً) على رسلك يا صديقي؟ ما تقوله حق مشروع، ولكن ما أخشاه تواصل (اللماذا) إلى أكثر من طاقتي على التحمل.

الصياد:  مرات كثيرة بعد أن تنام الزوجة والأولاد أبقى ساهراً أشيِّد عالمي الخاص في رأسي وأتخيل انك وهبتني سمكة في أحشائها لؤلؤة كبيرة فأبيعها بثمن غالٍ وأحقق كل أمنياتي المستحيلة (بعد وقفة قصيرة) وأغفو على صورة زاهية للمستقبل لأستيقظ فجر اليوم التالي على واقعي الحقيقي البائس.

البحر:  أخشى أن تكون مسكوناً بالشيء الذي أخشاه.. إياك..؟

الصياد:  (موجهاً كلامه للبحر الساكن في الأفق) أيها البحر. امنحني كنزاً من كنوزك.

البحر:  (متفكراً) حسناً أيها الصياد، إني أرى يوم سعدك في متناول يدك وعليك ان تحسن التصرف، كما يفعل العقلاء الذين يقنعون بما يستطيعون الحصول عليه.

الصياد:  (لا يسمع كلام البحر أبداً) لا تتخل عني يا صديقي فأنت ملاذي.

البحر:  سأفعل يا صديقي.

(يدخل السلطان والوزير بزي التجار)

الصياد:  (ينتبه إليهما) من هذان..؟ إني ما رأيتهما من قبل؟ يبدوان تاجرين.

السلطان المتنكر: (يتقدم من الصياد مبتسماً) طاب يومك.

الصياد:  طاب يومك، هل من خدمة..؟

السلطان المتنكر: شكراً لك.. (بعد فترة صمت) أنت صياد؟

الصياد:  (بتبرم) ماذا ترى..؟

السلطان:  (بمرح) أرى أمامي صياداً.

الصياد:  (بتبرم اكبر) مرحى لك.. (يصفق بإستخفاف)

السلطان:  (بعد أن يعطي إشارة للوزير الغاضب) كيف كان صباحك؟

الصياد:  وما شأنك أنت؟

الوزير المتنكر:  (يخرج عن طوره) كيف تخاطب...

الصياد:  (يصرخ) إن كنتما كسلانين يمضيان ساعات فراغهما، إبحثا عن غيري..

الوزير المتنكر:  (بحنق) أنت فظ.

الصياد:  وأنت بطران.

الوزير المتنكر:  أتعرف من تخاطب؟!.

السلطان المتنكر: (للوزير والصياد) كفاكما.

الصياد:  عليك بصاحبك.

السلطان المتنكر: (للصياد) أنا تاجر سمك، وأريد أن اشتري صيدك.

الصياد:  (يعود إلى هدوءه) عاندني البحر هذا اليوم.

البحر:  (يقف في زاوية المسرح بعد أن يتأكد أن لا احد يحس به أو يسمعه) أنا..؟! سامحك الله يا صديقي.

السلطان المتنكر: (للصياد) الق شبكتك، وأي شيء تصطاده أعطيك وزنه ذهباً.

الصياد:  (يعود إلى غضبه) قلت لك أيها الرجل إني لست لعبة للبطرانين من أمثالك.

الوزير المتنكر:  (يصرخ بغضب شديد) أيها الأحمق.

الصياد:  الأحمق هو أنت.

الوزير المتنكر:  لقد طفح الكيل.

الصياد:  (متحدياً) وما أنت فاعل؟.. أرني..

الوزير المتنكر:  أتعلم من تُكّلم؟

السلطان المتنكر: (للوزير) كفى...

الوزير المتنكر:  حاضر.

السلطان المتنكر: (للصياد) إني جاد تماماً.

الصياد:  (للسلطان) هل أنت معتوه..؟

الوزير المتنكر:  (يرفع كفه محاولاً صفع الصياد) أيها...؟

السلطان المتنكر: (للوزير) لا يا صاحبي.. (ثم للصياد) ماذا قلت..؟

الصياد:  (يفكر) كلام رجال؟!

السلطان المتنكر: كلام رجال، وصديقي شاهد على ذلك.

البحر:  (يتقدم نحوهم) وأنا أيضاً شاهد على هذا.

الصياد:  وما المطلوب مني..؟

السلطان المتنكر: أن تلقي شبكتك.

البحر:  (يخاطب الصياد) إفعل.. وسأمنحك كنزاً من كنوزي.

الصياد:  (للسلطان المتنكر) ذهب!..

السلطان المتنكر: (مؤكداً) نعم.

الصياد:  (لنفسه) هذا الرجل به مسّ من الجنون.

السلطان المتنكر: (مبتسماً كمن يقرأ أفكار الصياد) ليكن.. أنا مجنون.

الصياد:  (يلقي شبكته ثم ينتظر قليلاً ويسحبها) إنها فارغة، اعلم أن حظي سيء، الفقر لا يلد إلاّ الفقر.

السلطان المتنكر: (منتبهاً) يبدو أنك إصطدت شيئاً.

الوزير المتنكر:  أجل.. هناك شيء ما في الشبكة.

الصياد:  (يتفحص الشيء العالق في الشبكة) ما هذا..؟

الوزير المتنكر:  أجل.. هناك شيء ما في الشبكة.

الصياد:  (يتفحص الشيء العالق في الشبكة) ما هذا..؟

السلطان المتنكر: (بدهشة) إنها جمجمة..؟

الصياد:  جمجمة إنسان!.

الوزير المتنكر:  هذا نصيبك.

الصياد:  (بحزن) حظي، بل نكدي وطالعي العاثر (يلتفت صوب الأفق) شكراً يا بحر، كل يوم تهبني سمكة، اثنتين، ثلاث، واليوم جمجمة.. جمجمة يا بحر، بوزن الريشة، لو منحتني سمكة صغيرة لكنت حققت كل أحلامي المؤجلة.

البحر:  (يلمس كتف الصياد بحنو أبوي) قلت لك انه يوم سعدك وعليك أن تتصرف كالحكماء.

السلطان المتنكر: (للصياد) إني عند وعدي.. هيا إلى داري.

الصياد:  (بلهجة رجاء) لماذا لا أحاول ثانية؟

السلطان المتنكر: إتفقنا على محاولة واحدة، ووعدتك أن أعادل وزن صيدك ذهباً، واني لن أخنث بوعدي مطلقاً.

الصياد:  (يتوسل) محاولة أخرى.

السلطان المتنكر: (بلهجة حازمة) لملم شبكتك واحمل صيدك وإتبعني.

يخرجون من المسرح

إظلام

 

 

 

المشهد الخامس

 

الوقت: أول العصر.

المكان: قاعة العرش في قصر السلطان، يدخل السلطان والوزير المتنكرين يتبعهما الصياد والبحر.

 

الصياد:  (بتوجس) اخبراني بالله عليكما.. لما جئتما بي إلى هنا؟

السلطان:  (يهدئ من روعه) لا تخف يا رجل.

الصياد:  ولكن لماذا أنا هنا؟ (يحدق في كرس العرش) يبدو إني في قصر السلطان... (ينظر نحو السلطان المتنكر) من يكون هذا الرجل؟ (يقفز كمن لسعه دبور) أيكون السلطان..؟!!

السلطان:  (وكأنه يقرأ أفكار الصياد) نعم... أنا السلطان.

الصياد:  (بخوف) مولاي..

السلطان:  أنت بضيافتي يا رجل..

الصياد:  مولاي.. سامحني على سلاطة لساني.

السلطان:  لا بأس يا صديقي.

البحر:  (يهمس بأذن الصياد ولكن الصياد لا يسمعه) انه يوم السعد.

السلطان:  (يصفق بيديه فيدخل الحاجب) إليّ بميزان.

الصياد:  يكفيني رضاك يا مولاي.

السلطان:  الحق حق.. (يدخل الحاجب وهو يحمل ميزاناً صغيراً) ضعه على الخوان وإليّ بالخازن.

الخازن:  (يدخل المسرح وينحني للسلطان) مولاي..

السلطان:  إليّ بكيس من الذهب.

الخازن:  (وهو يخرج) أمر مولاي.

السلطان:  (موجهاً كلامه للصياد) ضع الجمجمة على إحدى كفتي الميزان.

الجمجمة:  (وهي بين يدي الصياد) لا تفرط بحقك أيها الصياد.

الصياد:  (مذهولاً) من يكلمني...؟!

الجمجمة:  أنا.

الصياد:  (يتراجع خطوتين وهو ينظر إليها بخوف) جمجمة تتكلم؟!.

الجمجمة:  اجل أنا أكلمك (بعد برهة) وأنت فقط من يسمعني.

الصياد:  (يزداد خوفه وهو ينظر في محجري الجمجمة) ماذا تريدين؟!

الجمجمة:  كن مصراً على وعد السلطان، وستربح ربحاً لم تحلم به طوال حياتك.

البحر:  (يهز الصياد من كتفه ولكن الصياد لا يسمعه) أحذرك، إياك وكلام هذه الجمجمة، فإنها تبغي الشرك لك.. أنا أعرفها جيداً.

الجمجمة:  (للبحر) سوف يطيعني..

السلطان:  (للصياد) ما بك.. إنك ترتجف.. هل أصابك برد..؟

الصياد:  (وهو يضع الجمجمة على كفة الميزان) لا يا مولاي..

السلطان:  (للوزير) هيا زن الجمجمة.

الوزير:  (يتناول محبساً صغيراً مرصعاً) أظن هذا يكفي.

السلطان:  استطيع أن أساعدك إن شئت أيها الصياد.

الصياد:  (ينتبه) كيف..؟

السلطان:  (يتناول حفنة من الذهب بكفه ويرفعها في الهواء) أعلم أن وزن الجمجمة لا يعادل ذاك المحبس، ولكن إن شئت أن تأخذ هذا الذهب كهدية وتنصرف لحال سبيلك.

الجمجمة:  (تقدح عيناها وتصرخ) لا توافق.

البحر:  (بمودة) وافق يا صديقي.

الجمجمة:  (بصوت عميق آسر) اطعني وسوف تصبح أغنى الأغنياء.

البحر:  أعطها الأذن الطرشاء.

الجمجمة:  (بصوت أعمق) الفرصة تأتي مرة واحدة فلا تدعها تفلت.

البحر:  أنظر إلى هبة السلطان، إنها ثروة وافق عليها.

الجمجمة:  (بهمس كالفحيح) إن كل كنوز العالم لن تعادل وزني.

الصياد:  (بعد أن ينقاد منتشياً بوعود الجمجمة) الوعد يا مولاي.

السلطان:  كما تشاء (للوزير) إبدأ عملك.

الوزير:  (يضع قطعة وإثنتين وثلاث وخمس.. الخ على الكفة الأخرى) عجبي.. لا تزال كفة الجمجمة هي الأثقل رغم الذهب الكثير مقابلها.

السلطان:  (يمد يديه نحو الميزان ويقلبه ثم ينظر فيه) عجيب.. الميزان لا خلل فيه!.

الجمجمة:  (وهي تلتهم الذهب بنظراتها الشرهة) الآتي أعجب.

الصياد:  (لنفسه) ما الذي يجري، هذا الذهب يكفيني مدى العمر.. هل أوافق؟

الجمجمة:  انظر إلى عينيّ (يفعل الصياد مسلوب الإرادة) لا توافق.

البحر:  (للصياد) اصح يا صاحبي قبل فوات الأوان.

الوزير:  (بعد أن يكوم الذهب في الكفة الأخرى ولكن دون فائدة) كفة الجمجمة ما زالت في مكانها لم تتزحزح. لا أن في الأمر سراً.

السلطان:  آتوني بميزان أكبر.

البحر:  (للصياد) أرضى بهذا الذهب.. لا تكن طماعاً.

الصياد:  (لنفسه مذهولاً) هل أنا في حلم..؟ كل هذا الذهب؟ سأوافق.

الجمجمة:  (تنظر إلى عينيه مباشرة فتأسره بنظراتها) لا تفعل.. وأخيراً جاءت الفرصة (تهمس لنفسها) التي حلمت بها طول عمري.. (للصياد) إنها فرصتك الذهبية فلا تدعها تفلت منك.

الصياد:  (للجمجمة وهو يؤشر نحو الذهب) ولكن هذا كثير جداً.

الجمجمة:  (وعيناها تلتهمان كل موجودات القاعة وخارج القاعة) الآتي أعظم، سوف يصير كل شيء ملكك.

السلطان:  (للصياد) لا بد أن ما يحصل ألان شيء يفوق إدراكنا ونحن بشر ما رأيك لو أعطيتك كل ما املك من مالي الخاص، وبهذا أكون قد أوفيت بوعدي.

البحر:  (بحرارة) هذا كثير، كن قنوعاً.

الجمجمة:  لا توافق.. كل شيء سيصير لك.

الصياد:  (وقد استبد به الطمع يخاطب الجمجمة) لن أوافق، أنتِ على حق.

البحر:  (بأسى) اليوم سعدك، لا تحيله بحماقتك إلى يوم حزن وندم.

السلطان: (للصياد) إني انتظر إجابتك.

الصياد:  (بصوت يشبه صوت الجمجمة) مولاي.. الوعد.. أريد الوعد.

الوزير:  (بحنق وغضب) أيها الطماع.

السلطان:  (للوزير) دعه.

الوزير:  (خارجاً عن طوره) دعني أتصرف مع هذا الجشع يا مولاي.

السلطان:  (للوزير وبهدوء) الحق معه.. وأنا عند وعدي.

الجمجمة:  (للصياد) تتصرف كالحكماء.

البحر:  (بأسف) سوف يخسر يوم سعده.

الوزير:  (بعد أن يضع كل ذهب الكيس) كل هذا الذهب والجمجمة اللعينة لم تتحرك من مكانها.

السلطان:  (بحيرة وذهول) ما سر هذه الجمجمة؟ (يحملها فتهوى كفة الذهب نحو الأرض ثم يضعها في مكانها فتطفو كومة الذهب في الهواء) ما سرك أيتها الجمجمة.

الوزير:  ما صادفت مثل هذا الأمر المحير من قبل.

السلطان:  هيئوا إحدى الغرف لراحة الصياد (للصياد) أمهلني حتى العصر.

إظلام

 

(ثم يضاء المسرح في نفس المكان، الوقت عصر نفس اليوم، القاعة مليئة بالمنجمين والسحرة وقارئي الطالع، والأطباء النطاسيون ... الخ)

السلطان:  (نحو الجميع) كلكم ما استطعتم حل اللغز.. ماذا نفعل؟

الوزير:  دعني أتفاهم مع هذا الصياد.

السلطان:  لقد أعطيته الأمان.

الخازن:  ليأذن لي مولاي السلطان برأي.

السلطان:  هاتِ ما عندك.

الخازن:  ننادي في المدينة بمكافأة مجزية لكل من يحل لغز الجمجمة.

السلطان:  رأي صائب.. نفذ أيها الخازن.

إظلام

 

 

 

المشهد السادس

 

الوقت: قبل المغيب.

المكان: سوق السماكين، رجلان يتحاوران قرب العجوز.

رجل1:  (لصديقه رجل2) هل سمعت المنادي..؟

رجل2:  كلا.. ما الأمر؟

رجل1:  مولانا السلطان خصص مكافأة مجزية لمن يحل لغز جمجمة الصياد.

رجل2:  إليَّ بالتفاصيل.. ربما يكون الحل بأيدينا ونفوز بالمكافأة.

رجل1:  صياد إصطاد في حضرة السلطان جمجمة..

العجوز:  (تنتبه للحوار) ما أمر الجمجمة..؟ ثم ماذا يا رجل..؟

رجل1:  وعده السلطان أن يعطيه مقابل وزنها ذهباً..

رجل2:  وما الغريب في الأمر..؟

رجل1:  هذا اللغز...

العجوز:  ماذا تقصد..؟

رجل1:  كل ذهب السلطان ما عادل وزن الجمجمة..!

رجل2:  لغز محير...

العجوز:  (لنفسها) سأذهب..

رجل1:  (للرجل الثاني) هل تفكر في شيء؟

رجل2:  لنذهب ونرى.

رجل آخر:  أنا ذاهب.

رجل آخر:  عندي الحل.

رجل آخر:  لنجرب حظنا.

العجوز:  (للرجل1) أبنائي.. خذوني معكم.

رجل1:  (بازدراء) أنت..؟

العجوز:  (بصوت حازم) خذوني إلى قصر السلطان.

إظلام

 

 

 

المشهد السابع

 

الوقت: أول الليل

المكان: قاعة العرش في قصر السلطان، ميزان كبير جداً، كومة كبيرة من الذهب، القاعة مليئة بالناس.

 

السلطان:  (قانطاً) يبدو أن هذا اللغز يبقى دون حل، عامة الناس أيضاً ما إستطاعوا إيجاد تفسير له (للحاجب) هل بقي أحد..؟

الحاجب:  إمرأة عجوز يا مولاي.

السلطان:  أدخلها.

العجوز:  (تدخل، تنحني للسلطان، تنظر في الأرجاء، تستقر نظراتها على الجمجمة، تعرفها..) أنتِ..؟!

السلطان:  (للعجوز) تفضلي.. هاتِ ما عندكِ.

الجمجمة:  (للعجوز) إياكِ أن تفشي السر، وسأجعلكِ تقاسمين الصياد نصف الذهب.

البحر:  (للعجوز) لا تسمعي هراءها.

الجمجمة:  (للعجوز) وافقي.. وسأجعلكِ سيدة هذا القصر.

البحر:  (للعجوز) إياكِ أيتها المرأة الطيبة (بعد صمت) أنا وأنتِ فقد نعرف السر، ولكن لا احد هنا يسمعني.. هذا الصياد أعماه بريق الذهب، ولم يعد يسمع سوى هذه الجمجمة.

الجمجمة:  (للبحر) لا فائدة، إنها لا تسمعك، بل تسمعني أنا فقط.

العجوز:  (تبتسم للبحر) حسناً أيها البحر، أنت لم يسمعك أحد ولكنهم سيسمعونني.

الجمجمة:  (بخوف عظيم) إياك.

البحر:  (بارتياح) انتهى الأمر.

العجوز:  لا يصح إلاّ الصحيح.

الجمجمة:  (بصوت مرتفع يطرش أذنيّ العجوز والبحر) لا.. لا..

السلطان:  (للعجوز) هيا.. فكي اللغز.

العجوز:  (تتقدم بثبات وجوارها البحر) حل اللغز بسيط.

السلطان:  (بفرح كبير) حقاً..

البحر:  (للسلطان) نعم... الحل يسير جداً.

العجوز:  مولاي.. خصصت مكافأة ثمينة لكل من يحل لغز الجمجمة، أليس كذلك..؟

السلطان:  (بنفاذ صبر) أجل.

العجوز:  كم....؟!

السلطان:  (يشير إلى كل الذهب الكدس) كل هذا الذهب.. وأكثر إن شئتِ..

العجوز:  (تلتفت إلى الصياد الواجم وتهمس له) لماذا أعماك الطمع؟

الصياد:  أنا لست طماعاً.

العجوز:  لا تزال أمام فرصة (تتناول قطعة ذهبية وتعطيها للصياد) خذ هذا الذهب وإنصرف.

السلطان:  (مؤيداً) لا مانع لديّ، بل عشرة مثلها.

العجوز:  بل هذه فقط..

البحر:  (للصياد) إنها الفرصة الأخيرة (للصياد) وافق.

الصياد:  (بتوكيد) إني مصر على موقفي.

العجوز:  لا فائدة.

البحر:  ضيع يوم سعده.

العجوز:  (للسلطان) سأضع حداً لكل شيء. (للجمجمة) حان الوقت لترتاحي، آن لعينيك الجشعتين اللتين ما شبعتا في الحياة وما بعد الحياة، أن تنطفئا والى الأبد.

الجمجمة:  أتوسل إليكِ... لا.. لا تفعلي.

العجوز:  (للصياد) إني أرى هاتين العينين (مشيرة بإصبعها إلى الجمجمة) في رأسك، عينان طماعتان لا تشبعان.

الصياد:  أنا...؟

البحر:  (للصياد) لقد طار يوم سعدك، يا للأسى.

العجوز:  (وهي تخرج من زنارها كيساً به تراب وتفرشه على الخوان) هذا هو الحل..

السلطان:  تراب..!؟!

العجوز: (تغرف التراب وتذروه على محجري الجمجمة) إنتهى الأمر.

السلطان:  (يصمت مأخوذاً)...

العجوز:  (تحمل الجمجمة، تذهب إلى الميزان، تضعها في إحدى الكفتين، تتناول نفس القطعة الذهبية وتضعها في الكفة الأخرى فتتهاوى نحو الأسفل وتطير كفة الجمجمة في الهواء) هذا هو حل اللغز يا مولاي.

السلطان:  (بعد أن تهدأ صيحات الإعجاب) أريد التفسير أيتها الحكيمة الطيبة؟

العجوز:  (تحمل الجمجمة بيدها) هذه جمجمة إنسان طماع لا يرضى بكل كنوز الدنيا (تتجه نحو الصياد المصعوق) مثل عيني هذا الصياد.

السلطان:  (بإعجاب) لله درك.

العجوز:  (تحمل القطعة الذهبية وتعطيها للسلطان) وهذا هو ثمن الوعد.

السلطان:  (للصياد) خذ.. وتعلم من هذا الدرس لأيامك القادمة.

الصياد:  (بتوسل) مولاي...

السلطان:  (بحزم) إذهب لحال سبيلك.

العجوز:  (تخرج من زنارها كيساً صغيراً وتقول للصياد) خذ هذا وتعلم الحكمة منه.

السلطان:  ما الذي أعطيته يا حكيمة.

العجوز:  ملح.

البحر:  (للصياد المغادر) سأبقى وفياً معك رغم كل شيء، تعال إليّ كل فجر واقنع بما تأخذه من أعماقي.

العجوز:  (تنحني وتنسحب) فليأذن لي مولاي.

السلطان:  أين...؟

العجوز:  إلى سوق السماكين.

السلطان:  والمكافأة.

العجوز:  لا أريد شيئاً يا مولاي.

(تبتسم وتنسحب خارجة من المسرح وسط دهشة الجميع).

إظلام

( سِتار )

 

 

 

 

 

        هيثم بهنام بردى

  • الولادة: 1953.

  • عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق.

  • عضو اتحاد الأدباء والكتاب العرب.

  • نشر أولى قصصه القصيرة في مجلة الطليعة الأدبية العدد العاشر/ 1976.

  • أصدر الكتب التالية:

  1. الغرفة 213/ رواية 1987

  1. حب مع وقف التنفيذ/ قصص قصيرة جداً 1989

  2. الليلة الثانية بعد الألف/ قصص قصيرة جداً 1995

  3. عزلة أنكيدو/قصص قصيرة جداً 2000

  4. الوصية/قصص قصيرة 2002

  • له في أدب الأطفال المخطوطات التالية:

  1. الجاحظ/ سيرة قصصية للفتيان.

  2. العشبة/ مسرحية للفتيان.

  • نشر أكثر من مائة وعشرين قصة قصيرة وقصة قصيرة جداً منذ عام 1976 ولحد الآن في مختلف الصحف والمجلات العراقية والعربية منها:

المجلات العراقية: الأقلام، الطليعة الأدبية، ألف باء، نون، المرفأ، فواصل.

المجلات العربية: الموقف الأدبي (سوريا)، أفكار (الأردن)، الدستور (لندن)، التضامن (لندن)، اليوم السابع (باريس)، فلسطين الثورة (قبرص)، الحياة المسرحية (سوريا)..

الصحف العراقية: العراق، الجمهورية، الزمان، نينوى، الصباح، الحدباء، تكريت، الأديب، الصباح الجديد، الفنار، الزمان، السيادة، الوطن، البيضاء.... الخ.

الصحف العربية: الأسبوع الأدبي (سوريا)، الوطن (الكويت)، الفينيق (الأردن).

  • أفرد السيد إسماعيل فتحي حسين مفصلاً من مفاصل رسالته لنيل شهادة الماجستير من جامعة الموصل عام 1997 باللغة الإنكليزية برسالته الموسومة:

”Foregrounding in Arabic Written Discourse With Special Reference To English”

وترجم له فيها قصة (العيون) من مجموعته القصصية (حب مع وقف التنفيذ) مع دراسة عن اللغة في هذه القصة.

  • ساهم بإحدى قصصه في كتاب (في ذاكرة الطليعة الأدبية) الذي أصدرته مجلة الطليعة الأدبية عام 1986 م.

  • ساهم بباقة من قصصه القصيرة جداً مع مجموعة من قصاصي نينوى في كتاب (قصص من نينوى/الجزء الثاني) الصادر عام 2000.

  • كتب عن قصصه العديد من النقاد منهم: د. عمر الطالب،  
    د. نادية هناوي سعدون، سليمان البكري، جاسم عاصي، ناجح المعموري، صباح الأنباري، أنور عبدالعزيز، إزدهار سلمان، يوسف الحيدري، شاكر مجيد سيفو، عبدالستار البيضاني، بولس آدم، جمال نوري، حمدي مخلف الحديثي، ناظم السعود، سمير إسماعيل، محمد الأحمد.

  • تُرجمت بعض قصصه الى اللغة الانكليزية والهولندية والفرنسية والسريانية.

  • ورد اسمه في كتاب (موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين ـ الجزء الثالث ـ صفحة 281) الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة عام 1998 لمؤلفه الاستاذ حميد المطبعي.

  • أصدر الأديب خاص ايشوع بربر عام 2005 كتابا عنوانه (حبة الخردل) وهو دراسات نقدية لنقاد وقصاصين وشعراء تناولوا تجربته في كتابة القصة القصيرة جدا مع مقدمة ضافية بقلمه.

  • فاز بجائزة ناجي نعمان الأدبية اللبنانية لعام 2006م.

  • فاز بالجائزة الأولى لمسابقة دار الشؤون الثقافية بوزارة الثقافة العراقية للقصة القصيرة لعام 2006م.