ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 09, 2010 11:16 PM

Detroit Michigan U.S

 

 

في رثائنا, عبر سركون بولص

 

هيثم بهنام بردى

هيثم بهنام بردى

 

      لم تكن مفاجئة أن تنهمر كل هذه المقالات والمداخلات والقصائد والانطباعات المعجونة بالأسى والشجن والأسف الحقيقي والصادق. والتي انثالت , مثل مطر ربيعي منعش يغسل الحسك والزوان عن بلادة أيامنا وساعتنا الخشبية المقرورة بالسكينة والنسيان. وعادتنا الأزلية في نسيان النجوم وهي ترسل وميضها الزاهر بالضياء البارق وهي تذهب رويداً رويداً إلى حتوفها , وعندما تصير شهاباً يتهاوى في الأديم الموغل في النأي والعدم، نذهب نحن حاملين فوانيسنا بذبالاتها المسّخمة المتيبسة باحثين عن الألق السرمدي الذي افتقدناه على حين غرة , فنضع فوانيسنا الصدئة على حجر ونقتعد حجراً آخر نبكي خيباتنا , ونغسل دواخلنا المترعة بالذنب الدفين , ونتمنى أن يتوقف الزمن أو أن يدور بطريقة معكوسة , مثلما تحدث تماما في أفلام الخيال العلمي , لكي نبقى نتملى النجوم ونستفيء ضياءها البارق ونهتدي بضوئها سالكين طريق المجد والإبداع.

وسركون بولص , كان النجم الذي يومض في سماء الإبداع العراقي والعربي والعالمي , والذي كان توامضه البارق يتماهى مع روحه المسكونة بالإبداع الفريد والمختلف عن كل القصائد المسلوقة بماء مالح يجعل كل شيء حي فيها ميتاً , محنطاً , موميائياً , دايناصورياً , والذي أنى ما حل تتناثر منه , مثل الثريا , عناقيد القصائد بكل أصنافها , التفعيلة , والنثر , درراً تضيء أديم صحراء حياتنا....

      وهكذا كان , صار هذا النجم الوامض في أديم الفضاء العسجدي هدفا للمراصد , مراصد الحواريين الشباب الذين ما كلت هممهم وهم يستلهمون عبر مراصدهم لآليء هذا النجم الحنون الزاخر بالأصداف التي حالما تتلقفها الذائقة الباحثة عن الإبداع الثر حتى تجد في داخلها صدفة من صدفات الشاعر المتفرد , المختلف , الحاوي , النحات , فتتجلى الدرر أمامهم وامضة مفعمة بالحياة , فهذا هو سركون يحمل على منكبيه زوادته البارقة والنابضة بالإبداع ويتنكب الطريق المموه , المخادع الذي حالما يعانق الأفق حتى يتفرع إلى ملتقى أو مفترق الطرق , ولكن المسافر المحنك المتسلح بذاكرة وقادة تفرز الغث من السمين يختار طريقه الصحيح وطموحه الوصول إلى مدينة أين..

      وحين يخرج من أين بعد أن يتوسد شوارعها ويرتقي أبراجها العالية , وتلفضه مقهى إلى حانة إلى غابة , وأخيراً يلتحف ليل المدينة المنعش , تاركاً الغرف الفارهة والفنادق الأسطورية للشواعر الذين يجترون كلاما رديئا , ويوسمه المريدون والمنافقون بالشعر الحقيقي , كل هذا لا يلتفت إليه هذا الفارس بشعره المسدل وصمته المسدل وابتسامته المسدلة. بل يخرج من المدينة فجراً ويرقى التلال والجبال والسهول والشطآن والسواحل صحبة الشحارير والقباج والعنادل والنوارس. ليحيا حياته الفريدة قرب الاكروبول ليكون الأول والتالي , التالي والأول الذي بثنائيته المذهلة الفريدة , يتناوبان , هو الأول مع قرنيه التالي، يحمل الفانوس وهو يعبر الفيافي والغابات والصحارى طارداً عنه أسراب الذئاب الجائعة العاوية في قصر الخواء بحثاً عن القصيدة الحقيقية النقية، ولكن الشاعر كان متحوطاً وهو يبتكر طريقة فذة للمرور عبر المصائد الوحشية الموحشة وبعد أن يصل ساحل الإبداع يلمح المركب ينتظره ونوح بكل أصالته وحنكته وذكاءه ينتظره وفي ذهنه أن يطلقه بحثا عن اليابسة بعد أن يهدأ جنون الإلهة التي أصدرت فرماناً بفناء كل ذي ضرع ومحو كل زرع, ولكن الشاعر الصعلوك الزاهد بالخلود يتذكر حكمة الرومي فيستل جرته التي سرقها من دنان الحوّاة وكرع ما بها من سائل ذهبي محمّر دفعة واحدة وهو يردد ثملا... إذا كنت نائما في مركب نوح وأنت سكران، ما همك لو جاءك الطوفان... ويفقد بذلك فرصة الحصول على شرف اكتشاف اليابسة بعد الطوفان. ويفرح باكتشاف عناقيد الشعر الحقيقي في بيدر روحه المليئة بالإبداع الثر...

      وحين لفظته الحياة في البستان , تصادت إلى ذاكرته المغامرة الرائعة التي خاضها جداه الأولان كلكامش وانكيدو , ففكر , إن كان هو في فرادته ووحدته في حنايا هذا البستان الساحر الغامض كلكامشاً فأين انكيدو , والعكس لايجانب المنطق , فجاءه الجواب من أخيلتة المورقة , فتشكلت من قصائده ند وصديق وصنو بلا اسم , سيان إن كان انكيدو أو ملك أوروك , فتربصا معاً وأجهزا على عقرب الرتابة والجمود , وحلقا وتماهيا معا , وهما يعلنان عن واقعة العقرب في البستان.

      وقبل أن تتلفظه الحقول الممرعة إلى مضارب القبيلة , عرف بحسه الشعري الساحر , أن القبيلة لاهية تلوك الرتابة والوهم والقسوة , فأنتضى عظمة أخرى وألقمها بكل حنان مشاركا إنسانية كلب القبيلة العجوز الذي أفنى عمره في الدفاع عن الكلأ والضرع والبيدر , بيد انه ينام في الليل على بطن خاوية وعيناه تدمعان دما حسرة على فلذات كبده المتخومين بنعمة الموت جوعاً , فتكون عظمته الأخيرة مشهرة بيد سركون , وعينا كلب القبيلة تتابعان مسارها اللطيف في تحليقه في الفضاء نحو فمه الآسيان.

      إنها دعوة لنا جميعاً أن نترصد شهبنا المؤتلقة ونتفاخر بسطوعها، ونباري الأمم الأخرى بها، لا أن نرتدي ثوب الحداد عند كل احتراق لشهاب ونلوك كلمات الرثاء كالببغاوات، ثم نحدق ثانية وثالثة ورابعة و....، نترصد سقطة جديدة لشهاب جديد، ونبقى مثل رواية محنطة لن تعبر قط توطئتها.

      *