ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

April 13, 2010 11:41 PM

Detroit Michigan U.S

 

 

ميكولا لوكاش يتـرجـم عـن 22 لـغـة!

 

إيرينا سيركَييفا ترجمة:جلال زنكَابادي

zangabady@gawab.com

 

 Jalal Zangabady

 

 

 

{حاورت إيرينا سيركَييفا مراسلة صحيفةLiteraturnaya Gazetaالمترجم الأوكراني الكبيرMikola Lukashالذي من ترجماته:(فاوست)كَويته(1)،(ديكاميرون)بوكاشيو(2)،أشعار لوركا(3)،آدم ميكيفيج(4)وفيرلين(5)وهاهو موجز الحوار المنشور في عدد الصحيفة المذكورة،والصادر في2مايس1968}

                                ***

   ثمة رجال منعكفون على أعمالهم الراهنة كميكولا لوكاش،يشكّلون في حدّ ذاتهم مشكلة بارزة؛حيث يلزمك الكثير كي تستطيع وتعرف ماذا يفعلون،وماذا صيّرهم أعلاماً بارزين،لاسيما مثل هذا المترجم عن إثنتين وعشرين لغة!

   ولد ميكولا لوكاش عام1919في مدينة كروليفيتس التابعة لأقليم سومي في أوكرانيا(توفي عام1988-المترجم)ولم يكن هنالك من يجيد القراءة والكتابة في عائلتهم آنذاك.ولما أدخل أبواه أطفالهم الخمسة في المدرسة،كان أحدهم ميكولا،الذي ترجم إلى الأوكرانية بعض أشعار هاينه(6)وهو تلميذ في الصف الخامس الإبتدائي!والذي شرع بقراءة(سكوليم أليجم)بلغتها الأصلية(اليديشية)لما بلغ الرابعة عشر،بل وترجم،بعد فترة قصيرة،أغنيات كَريتجنس من مسرحية فاوست إلى الأوكرانية!وبمضيّ الوقت؛أضحى ميكولا في مرحلة الدراسة المتوسطة يتحدث بطلاقة باللغات:البيلوروسية،الألمانية،البولونية،الألمانية،الروسية واليديشية،وكان دوماً شغوفاً بقنص الكلمات الجديدة وغيرالإعتيادية(الشاذة):

-"إن لغتنا الأوكرانية قوية جداً،وثرية مليئة بالعبارات المعبرة،لاسيما في حقل الإستعارة؛إذْ تعوّد حشد من شتى أصناف الناس على المجيء إلى كرولوفيتس،التي إشتهرت بأسواقها ومعارضها؛فنقلوا إلينا العديد من كلماتهم العجيبة مع شتى صنوف بضائعهم العجيبة والغريبة.

   لقد ضعفت عيناي نوعمّا،لكن سمعي مازال جيداً؛وذلك ممّا يوضّح حسب إفتراضي سهولة محاكاتي لأيّ أسلوب وتذكّري لشتى العبارات باللغات الأجنبية"و"ليست الكلمة الجديدة،والصورة التي تنطوي عليها فحسب،وإنّما أين ومتى وممّن سمعتها،وتظل معي إلى الأبد"

   في عام1937قُبل لوكاش في قسم التاريخ بجامعة كييف؛حيث قرأ عدداً هائلاً من الكتب من الغلاف إلى الغلاف...وكان يدرس الإنكَليزية،ويترجم عن الألمانية،وقد أنجز ترجمة القسم الأول من(فاوست)وهو طالب في السنة الرابعة من دراسته الجامعية.وبعد إندلاع الحرب العالمية الثانية،جُرح ميكولا في أول شهر منها؛إثر غارة جويّة،ثم إحتل الألمان بلاده.وفي1943وبعد طرد المحتلين،إلتحق ميكولا بالخدمة العسكرية،وقاتل حتى نهاية الحرب.وفي1945قصد خاركوف للتدريس في معهد تعليم اللغات الأجنبية:

-"يبدو لي أنني قد قررت هناك أن أكون مترجماً.أجل؛هكذا بدا الأمر لي،وقد أضفى هذا العمل معنى ما على حياتي،إذْ غدت الترجمة حرفتي،وتلك كلمة سامية،بل ما أصدقها"

   وفي1947رُقيت درجة ميكولا العلمية،وأمضى فترة يحاضر في موضوع تاريخ اللغة الفرنسية،بينما كان يقضي وقت فراغه عاكفاً على ترجمة القسم الثاني من(فاوست)كما دأب في الوقت نفسه على إعداد نفسه بصبر وجلد.ولقد كانت الحياة صعبة،ولمّايزل ميكولا يرتدي المعطف العسكري السميك نفسه،ومع ذلك فقد إدخر مبلغاً بسيطاً من النقود؛ليسافر إلى كييف أملاً بلقاء مكسيم ريلسكي(7)ليطلعه على ترجمته لفوست:

-"وصلت إلى هناك،لكنهم أخبروني بأنه قد سافر إلى بولونيا؛فكان الخبر صدمة مقلقة لي طبعاً،وعندها تركت مخطوطة ترجمتي لدى زوجته،وعدت أدراجي إلى خاركوف،غيرأني نسيت أن أترك له عنواني"

   ولمّا عاد ريلسكي،وقرأ نتاجاً رائعاً وفريداً لمترجم قدير ومجهول؛سعى في البحث عن ميكولا...بينما كان ميكولا عاكفاً على ترجمة(مدام بوفاري)لفلوبير(8)وفي السنوات التالية،حين كتب الناقد الألماني ليسجنيز عن ترجمات فاوست إلى لغات الإتحاد السوفياتي،قال عن ميكولا لوكاش:

"كمنظّر وممارس خبير في الترجمة؛أفلح في أن يحقق جميع الشروط،التي وضعها كَويته نفسه للترجمة ذات مرّة"

   لقد صدرت ترجمته لفاوست عام1955وأصبح ميكولا في1956عضواً في إتحاد الكتاب،وغدا عدد ترجماته كعدد اللغات التي يترجم عنها،بل راح يزيد عليها اللغات:البيلوروسية،الروسية،الإنكَليزية،الفرنسية،الألمانية،الإيطالية،الإسبانية،البولونيـة،الهـنكَارية،الجيـكية، السلوفاكية،الصربوكرواتية،السلوفينية،اليديشية،السويدية،اللاتينية،البرتغالية والدانماركية...ومن الأدباء الذين ترجم لوكاش أروع أعمالهم:فيرلين،شيللر(9)،جوليان تويم،ميكيفيج ولوبي دي فيكَا(10)ومع ذلك فإن أحب ترجماته عنده هي:فاوست،ديكاميرون وأشعار لوركا،خصوصاً وان ترجمة كتاب من لغة إلى أخرى باتت معنى لكل حياته؛فلوركا،مثلاً،وهاهو ميكولا يقرأ من شعره وهو شبه مغمض العينين،يتناهى إلى مسمعي اللحن العذب للغة الإسبانية قوياً للغية،لا بل إلى الحدّ الذي أحسّ فيه نفسي ماسكاً بمعاني المتن الإسباني!ثم قرأ لي من ترجماته عن الفرنسية والإنكَليزية،ومن أجل إعانتي على التواصل؛كان يشير أثناء قراءته إلى تفسيرات متعددة للمفردات،ليجلو الفروق الدقيقة بين شتى الترجمات:

-"ألاتجدين شتى الألفاظ الأوكرانية تشبه نظيراتها الأصلية عند لوركا؟طبعاً نجد أصوات حروف العلّة رنّانة طنّانة جداً في اللغة الأوكرانية،وهذه بالذات هي السمة البارزة المشتركة بين اللغتين،أليس كذلك؟"

   "والآن دعينا نتناول المنابع الفولكلورية؛فقد عاب عليّ صديق أجنبي بأني قد سربلت شعر لوركا بطابع فولكلوري؛ممّا حدا بي ذلك إلى كتابة مقالة توضيحية لأعلل وأبرهن لماذا ترجمت شعر لوركا بكذا أسلوب.أجل..ففي شعر الإبن البار لإسبانيا المزيد من الأشياء الشبيهة عندنا،كالأساليب الشعبية،العادات والتقاليد،الأغنيات الخيالية وخرافات الجن؛لذلك أجدني باحثاً عن أسلوب بسيط لنقل الجو الإسباني إلى الأوكرانية،ولايدخل هذا العمل ضمن دائرة(الأوكرنة)صحيح أن هناك تشابهاً سافراً،أو تطرفاً يتعلق بالمفردات المترادفة،ولكن مع ذلك جاء أكثرها عبر نوع من الإمتصاص والتمثيل.

   ليس النشاط الترجمي سهلاً قطعاً؛فأنت تعرفين أنه يستلزم ساعات مديدة؛حتي يترجم المرء أول وثاني أو ثالث سطر قبل أن يتسارع زخم ترجمته.وطبعاً يعد إيجاد المفتاح هو الشيء الرئيس والجوهري،والبحث عنه محفوف بالضنى والعذاب،لكنه ممتع أيضاً؛مادام المترجم سيهيمن لاحقاً على الكلمات،العبارات والفقرات،بل وسيتمتع بشتى تضاريس المتن الأصلي.أجل..إن الترجمة عمل صعب،لكنع ممتع جداً،حينما ينغمس فيه المرء منتشياً بالدهشة؛إذا ما أفلح في ترجمة جناسات النص،وذلك ينطوي على فهم وخبرة مزدوجين

*للوركا مجموعة قصائد عنوانها(ست قصائد من كَاليسيا)فكيف إستطعت ترجمتها عن الكَاليسية؟!

-"كان كل شيء يضيع في الترجمة،وقد تبيّن لي مؤخراً أن اللهجة الشعبية الأوكرانية يمكن أن تعادلها وتحتويها تماماً.أرى الأمر هكذا،وهو كذا فعلاً.أعتقد بأني إستطعت تحقيق المعادلة والموازنة التامّتين في ترجمتها"

*وماذا يشغلك الآن؟

-ألم يكن من الأفضل أن تسأليني:ماالذي لم تنجزه لحد الآن؟

فتلكم(دون كيخوتيه)التي أجّلت إستكمال ترجمتها؛من أجل لوركا،ولم أستطع العودة إليها بعد؛فترجمتها بالطبع صعبة وعسيرة،وقد أوقفتها؛ريثما أعود إلى إستئنافها بكل حماس وإندفاع،مع أن هذا الموقف في نظري سييء.أجل؛لايجوز العمل هكذا..فها هي الأيام تمضي،وأنا مازلت ساكناً مستكيناً!لقد بان لي بصورة ما،أن من العسير أن يواصل المرء عملاًما؛وهو يجهل ماسيحصل عليه منه،ويبدو لي أنني أروم دائماً القيام بأعمال أخرى"

ويستطرد لوكاش مبتسماً:

 -"هاأنذا أجد نفسي معلقاً بدون كيخوتيه،خصوصاً وقد ترجمت منها فصولاً،لكنني في الحقيقة لاأستطيع العودة إليها الآن؛إذْ ينبغي أن أشعر بإستعدادي الفائق لتنفيذ الترجمة"

بعبارة أخرى،سيعود لوكاش إلى دون كيخوتيه؛حينما يسحره الإلهام،ومع ذلك قال بوشكين(11)ذات مرة مافحواه أن فن المترجم نادر وإستثنائي،وهو عمل يسمو بإلهام ذاتي ضئيل وبتنفيذ جيد.يقول لوكاش:

-"كنت قد شرعت في ترجمة دون كيخوتيه بحماس هائل بعد إتمامي ترجمة ديكاميرون مباشرة..أجل؛بدأت بترجمة رواية سرفانتس(12)لكن ظل بوكاشيو كان يحوم فوق رأسي،ولمّا حاولت التخلص منه؛كي أختار أسلوباً مغايراً ينطوي على نمط تعبير مؤثر،ويشحن لغتي بطاقة وقدرة من هنا وهناك؛لأنقل رائحة ونكهة ذلك العصر المتألق،بحيث إتبعت أسلوباً خشناً نوعمّا لينسجم مع تلك المرحلة التاريخية،لكنما كنت أجدني عائداً إلى ديكاميرون!من النادر حدوث ماحدث لي؛وعليه فقد رحت أتساءل مندهشاً:-ياترى أثمة خطأما؟!ثم وجدت الجواب لاحقاً؛لمّا قرأت على ماأظن(دون كيخوتيه من عيون الأدب العالمي)لناقد ألماني،حيث تجلّى الأمر لي،إذْ كان سرفانتس قد إستعار الكثير من ديكاميرون،وإتخذه موديلاً لروايته عموماً!"

*هل إعتبرت ذلك حدساً؟

-"أجل؛هكذا أعتقد،وهو يعني للمترجم معنىً عظيماً،ويخفي المعرفة في ثناياه.وطبعاً لايمكن للمرء الإتكال عليه دائماً،لكنه يظل صوتاً مهموساً يستوجب الإنصات إليه"

ثم يمضي لوكاش في تشخيص المترجم أكثر:   

-"...إن من الشروط والمهام الأولية للمترجم أن يكون على معرفة جيدة بالأدب،العصر،المؤلف،اللغة والنص.وثمة الآن في أوكرانيا العديد من المترجمين الشباب المسنودين بالمعرفة،فينجزون ترجمات رائعة وهم:تيري بوبوفج،فلاديمير جتنك،ليونيد جيريفاتنكو،أناتولي بيريبادايا،أولكَا سينيوك و ليس تانيوك"

 يرى لوكاش أن مدرسة الترجمة الأوكرانية قد إزدهرت بصورة جيدة،من حيث البنية والأبعاد منذ مطلع الثلاثينات..واليوم تمتلك أوكرانيا أعلاماً كباراً في الترجمة أمثال:كَريكَوري كوجر(وهو أول من يطلع على ترجمات لوكاش دائماً)،بوريس تين،فاسيل مايسايك،ميكيتا شوميلو،إيرينا ستيجنكو،ليونيد بيرفومايسكي(13)وميكولا باجان(14)فأعمالهم تنمّ عن الكفاءة والخبرة والجدارة بتراثها الثقافي ونقاء وصقل الأسلوب،وبالطبع يجمعهم عشق لغتهم القومية كعامل مشترك.وهنا يقول لوكاش:

-"معلوم أن كلاً منهم يسرّه التفوّق في ترجماته،وأن يكون قديراً بارعاً"

"مازلت أعمل منذ سنين في مجلة(Vsesvit)حيث كنت أعمل في البداية مسؤولاً لقسم الشعر،والآن أعمل عضواً في هيئة التحرير،وأنت تعرفين أن هنالك من يأتي سائلاً عن مكافأة الترجمة،وهي خمسون روبلاً،وليس في الأمر مشكلة تذكر،لكنّما إنْ تسأليه عن شاعره المفضّل؛تجدينه عاجزاً عن تسميته!فمن المؤسف جداً أن ثمة الآن من يترجم بعجالة وسطحية،وذلك إهدار للوقت والجهد؛إذْ لابدّ أن تعاد ترجمة مايترجمونه،في غضون عقد أو عقدين،أو في الخمسين سنة القادمة،من قبل مترجمين حقيقيين أكفاء.بينما ثمة مترجمون آخرون تتسم ترجماتهم بالدقة والحذق مثل ترجمة ليونيد مارتينوفلـ(عن شعري الرديء)لبيتوفي(15)أو ترجمة مارينا تسفيتاييفا لـ(سفينة)بودلير(16)فمثل هذه الترجمات لن تُقهَر مستقبلاً حسب إعتقادي"

   من الطبيعي أن ينجذب لوكاش في بعض أعماله إلى صراع الأضداد وتداخل الفرضياتمع أضدادها:فاوست ومفيستوفيليس،الله ولوسيفير،بيرجنت أبسن(17)الضعيف والمتناقض،الذي تتلاعب به العاطفة،و(براند)رجل المهمات وصاحب المنطق الحديد!إن مشروع لوكاش القادم هو_بييرجنت)و(براند)لكن أول بند في أجندته،وهو طويل الأمد هو وضع قاموس يتضمّن العبارات الأوكرانية المأثورة،والذي يقوم الآن بجمع مادته الخام،مدوّناً إيّاها على بطاقات(كارتات)ثم ترجمة أعمال رابليه(18)و كريميلشاوسن وبودلير..

 وهنا خطر لي أن أسأله:

-لماذا تريد أن تترجم لكل هؤلاء الأدباء المختلفين؟!

لكنني خشيت أن يحصل لي ماحصل ذات مرة لإمريء ساذج سأل لوكاش:

-"ياترى لماذا تترجم عن كل تلك اللغات؟!إنك في الحقيقة إنسان عجيب وغريب الأطوار!"

   حسناً ...فميكولا لوكاش إنسان عجيب،وهو كذا في حقيقة الأمر.

إشارات المترجم:

1-يوهان فولفجنج فون كَويته(1749-1832)شاعر،روائي ومسرحي ألماني.

2-جيوفاني بوكاشيو(1313-1375)أديب إيطالي.

3-فدريكو كَارثيّا لوركا(1898-1936)شاعر،مسرحي ورسام إسباني.

4-آدم ميكيفيج(1798-1855)شاعر بولوني.

5-بول فيرلين(1844-1896)شاعر فرنسي.

6-هنريش هاينه(1797-1856)شاعر ألماني.

7-مكسيم ريلسكي(1895-1964)شاعر،مترجم وكاتب أوكراني.

8-غوستاف فلوبير(1821-1880)روائي فرنسي.

9-فردريش فون شيللر(1759-1805)شاعر ومسرحي ألماني.

10-لوبي دي فيكَا(1562-1635)شاعر ومسرحي إسباني.

11-الكسندر بوشكين(1799-1837)شاع،مسرحي وروائي روسي.

12-ميكَيل سرفانتس(1047-1616)روائي ومسرحي إسباني.

13-ليونيد بيرففومايسكي(1908-؟!)قاص ومترجم أوكراني.

14-ميكولا باجان(1904-؟!)شاعر ومترجم أوكراني.

15-شاندور بيتوفي(1823-1849)شاعر هنكَاري.

16-شارل بودلير(1821-1867)شاعر فرنسي.

17-هنريك أبسن(1828-1906)مسرحي نرويجي.

18-فرانسوا رابليه(1494-1553)أديب فرنسي.

ــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

Soviet Literature,

No.9-1968