ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 09, 2010 11:23 PM

Detroit Michigan U.S

 

نحو مفهوم تكاملي لتفسير البطولة والعبقرية والقيادة تاريخياً

 

جلال زنكَابادي

zangabady@gawab.com

 

    في مقاربة موفقة بخصوص إشكالية العلاقة الجدلية بين البطل والتاريخ؛يرى المفكر الأمريكي باول سويزى أن كل عصر،وعبر السياق العام للتاريخ البشري،يصنع تاريخه حسب خصوصيته،بما فيه من أشكال الحرب والسلم،والعوامل المؤثرة فيهما(أسباب الحرب وشروط السلم)ويؤكد سويزي على أن البشر ليسوا مجرد أدوات سلبية مطواعة،وإنما هم أحرار إلى حد بعيد في صنع تاريخهم،خلافاً للطرح الكلاسيكي للفلسفة الماركسية،لكنما لاينسحب هذا على البشر أجمع،وإنما على أولئك المهيمنين على قوى ووسائل صنع القرارات،بل وأولئك المستثمرين لآلية الطاقات والقدرات المتاحة لصنع التاريخ الحديث بالذات.

   ومن هذا المنطلق؛ينطوي(المفهوم التكاملي)لصنع التاريخ وتفسيره على مجمل عمليات تغيير الإنسان والمجتمع في آن واحد؛ولذا لاتوجد البتة وصفة واحدة فريدة جاهزة لظهور(البطل،القائد والعبقري)لأن لكل إنسان خصوصيته المتفردة المتواشجة بشكل من الأشكال مع عصره خلال تفاعله الجدلي معه بصفته فرداً من جهة ونوعاً إجتماعياً من جهة أخرى؛وهذا يعني أن ظهوره ضرورة محتمة تاريخياً.

   وبالعكس من النظرة الأحادية القاصرة(مادية كانت،أو مثالية)بطرحها المغلق،فضلاً عن مناقضة كل طرح لنفسه من الناحية العملية،كتمجيد الفرد الزعيم(الكاريزما)في الأنظمة الشيوعية؛يمكننا القول أنه مهما إتسمت وتميّزت شخصية العبقري بالأصالة والفرادة؛فهي تبقى ثمرة لعصرها تحدوها المحاكاة بدءاً،إلاّ في الحالات الإستثنائية النادرة،المتجسدة في النبوغ المبكر،كالشاعر الفرنسي رامبو،أي أن العبقري يصبح مقلداً متأثراً،ويغدو ثائراً نافياً،ثم يبلغ منزلة التجديد والإبداع،ومن ثم يتجاوز مجايليه،بل وعصره متسامياً عليه.

   جليّ أن طرحنا هذا لجدلية علاقة العبقري/البطل مع التاريخ كعملية صيرورية،يخالف من جهة طرح الفلاسفة الماديين،لاسيما الذين يصرون عل أن التاريخ تصنعه الشعوب،في خضم الصراعات الطبقية،كطرح بليخانوف في(دور الفرد في التاريخ) كما يخالف من جهة أخرى طرح الفلاسفة المثاليين،ومنهم الفيلسوف الفرنسي برغسون القائل بأن العباقرة هم الذين يصنعون التاريخ،بل ويصر على وجود قطيعة بين العبقري وعصره،وليس بينه وبين الماضي فحسب!إذْ أن العبقري في نظره لايخضع لعصره،فمثلاً يقول عن(الفيلسوف العبقري):"كان من الممكن أن يجيء الفيلسوف قبل زمنه الذي عاش فيه،أو بعده بعدة قرون،وكان من الممكن أن يعالج فلسفة أخرى،وعلماً آخر،ومشاكل من نمط مختلف،ويستخدم تعبيراً من نوع آخر،وكان من الممكن ألاّ يكون أيّ فصل ممّا كتبه على ماهو عليه...ومع ذلك كان سيقول نفس الشيء"!

   يقيناً يظل طرح برغسون معلقاً في سماء الإفتراض المتخيّل؛فالمعطيات التاريخية تدحضة دحضاً مبرماً؛لأنه ليس هنالك عبقري واحد وعلى مدى التاريخ لم يرتبط أصلاً بمعطيات عصره وقضاياه"إن شخصية من رتبة إبن خلدون لايمكن أن يظهر في الفراغ"كما يقول الفيلسوف روجيه غارودي،وهذا لاينفي حقيقة تجاوز العباقرة لعصورهم أمثال:دانتي،إبن عربي،جلال الدين مولوي،شانكارا،دافنشي،شكسبير وبيدل دهلوي.

  لقد تبيّن لنا أن برغسون قد إقتفى إلى حدّما طرح الفيلسوف توماس كارليل في كتابه(الأبطال)والذي يستذكره المفكر علي عزت بيجوفيتش في سفره المهم(الإسلام بين الشرق والغرب)خلال تناوله للإشكالية نفسها"فبينما تدعي المادية أن العوامل الموضوعية،المستقلة عن الإنسان،هي المحركات الأساسية للأحداث التاريخية"هنالك أيضاً"فكرة التفسير البطولي للتاريخ،كما هو الحال عند كارليل،الذي يذهب إلى أن جميع الأحداث التاريخية يمكن تفسيرها من خلال تأثير شخصيات قوية،وأولئك هم العباقرة"إن كارليل يصر على ان روح البطولة هي الدينمو المحرك لتقدم البشرية وإزدهار الحضارة،وليس تاريخ العالم،في منظوره"إلاّ مجموع سِيَر أبطاله"وتتجسّد عنده البطولة في صورة:إله أسطوري(أودين)،ونبي(محمد،ص)/شاعر(دانتي،وشكسبير)/كاتب(جونسون،وروسو)/قس(لوثر،ونوكس)/وملك(كرومويل،ونابليون)

   وهنا لابد من الإشارة إلى أن آخرين وأبرزهم المفكر الفرنسي جان روستان يدعون إلى إستغلال الإمكانات السحرية للبايولوجيا(الهندسة الوراثية)لفبركة عباقرة خارقين ذوي عقول جبّارة وقدرات باراسايكولوجية،وذلك في أنابيب الإختبار؛إذاما أفلح العلماء في إنتاج حامض الـ(DNA)ناهيكم عن إستزراع الأدمغة البشرية..طبعاً هذا مايأمله المتفائلون،أمّا المتشائمون،وأبرزهم المفكر الأمريكي فوكوياما،الذي(أعلن جازماً!)عن نهاية التاريخ البشري،ونهاية صانعه البطل معاً!ولاريب في أنه يعكس خيبة الإمبريالية،التي أخذت الطرق تضيق وتنسد أمام مشروعها الرأسمالي السائر على سبل السياسات اللاإنسانية داخلياً وخارجياً،رغم أوهام المتفائلين بقدرة الرأسمالية على تجديد نفسها،بل ورغم إنهيار المنظومة الشيوعية والإشتراكية المناهضة والمتصدية لها سابقاً،ناهيكم عن تدشين العولمة الملازمة لهيمنة القطب الواحد،بل تدشين(إمبراطورية الفوضى)منذ قرابة العقدين! 

   إستنتاجاً لأستقراء العديد من الدراسات ذات العلاقة بالموضوع المطروح؛يمكن إجمال مواصفات(العبقري،البطل،القائد،أي الإنسان العظيم)دون تناسي خصوصية كل إنسان وبيئته القومية وعصره والمضمار الذي يبرز فيه،ونسبية إنطباق المواصفات،بمايلي:الموهبة والذكاء/الثقة بالنفس وقوة الإرادة/روح الإقدام والإقتحام،والعزم على المضيّ/المواظبة والمثابرة/سداد الرأي وثباته والتمسك به وعدم التذبذب/الصدق،الإخلاص ونكران الذات/العزة والكبرياء/إدراك ميل حركة التاريخ وضرورته/روح الإبتكار المتخطي للقديم البالي والسائد المألوف،وهي الروح المتواشجة مع الرؤية المستقبلية،والتي تؤازره في النظر إلى الماضي والحاضر من منظور مستقبلي متقدم؛بحيث لايقع أسيراً لهما/ولابدّ أن يكون(صاحب قضية خيّرة)من قبل ومن بعد.

   فالعبقرية بهذا المنظور موهوبة ومكتسبة في آن واحد،أي مزيج من الهبة الطبيعية والإكتساب،ثم إن سمات القيادة والعبقرية والبطولة غالباًما تتداخل في دائرة(الإنسان العظيم)،ولايخلو التاريخ ممّن أضفي عليهم هذا النعت(مجازاً)بدون أي إستحقاق،وماأكثرهم!ناهيكم عن أن بعض الأبطال قد يتحوّلون إلى القطب المضاد مثل نابليون،الذي إستبدّ،وراح يجتاح البلدان ويحتلها ويسوم شعوبها سوء العذاب.

   إن سفر البطولات يعج بأسماء الأبطال الأسطوريين وشبه الأسطوريين جنباً إلى جنب الأبطال الواقعيين،لاسيما أبطال الملاحم والروايات أمثال:كَلكَامش،كاوه،راما،آرش،رستم زال،بروميثيوس،آخيلوس،هاملت،دونكيخوتيه،وليم تل،شاكا،جان فالجان وزوربا...ومن القادة العباقرة الأبطال:سبارتاكوس،هانيبال،إسكندرالمقدوني،محمد(ص)،علي(ع)،بابك الخرمي،صلاح الدين الأيوبي،كريم خان زند،محمد علي باشا،نابليون،لينكولن،خوسيه مارتي،لينين،تروتسكي،غاندي،هوشي منه،مصطفى البارزاني،كمال جنبلاط،ومانديلا.أمّا أبطال الأدب والفكر والفن والعلم فمنهم:الحلاج،المعري،إبن عربي،دانتي،مولانا جلال الدين،دافنشي،كَاليلو،جيراردو برونو،ماركس وآنشتاين..

   ولاحدود لذيوع شهرة البطل والإقتداء به؛إن كان ذا شخصية متسامية،حيث تتسع دائرة الإعتراف بعبقريته لتشمل حتى أعداءه،ولنا المثل الساطع في قاهر الصليبيين صلاحالدين الأيوبي،الذي أنصفه وبجّله الشاعر العظيم دانتي(الذي لاغبار على عقيدته المسيحية)حيث أسكنه في كوميدياه الإلهية مع العظماء:هوميروس،أوفيدوس،فيرجيل،أفلاطون،أرسطو وسقراط...في  طبقة(ليمبو)الشبيهة بـ(الأعراف)التي رغم أن نزلاءها يظلون حتى الأبد محرومين من بلوغ(المطهر)ثم(الفردوس)لكونهم غيرمسيحيين(غير معمّدين)يظلون معززين مكرمين،لايُعَذبون ولايُهانون.

   وهكذا نرى أن العبقرية حالة إستثنائية،وان إنسانية(القائد،البطل والعبقري)شرط أساس ومحكّ لصفته كإنسان عظيم؛وهنا تكمن العلة في شيوع أسماء أجنبية(عن طيب خاطر)في أوساط شعبنا الكردي:يوسف،موسى،عيسى،محمد،علي،حسين،غاندي،نهرو،وجيفارا...على سبيل المثال،في حين لاأحد يسمّي أولاده على أسماء:يزيد،هولاكو،هتلر،فرانكو،أتاتُرك،تشرشل،موسوليني،سالازار،جومبي،بولبوت،عفلق وطلفاح...أمّا أيّ إستثناء فهو بالضرورة إثبات للقاعدة.

   ومن نافلة القول أن(وعاظ السلاطين)في كل زمان ومكان لايكفّون عن ترويج طروحاتهم البهلوانية؛كيما يزيّفوا ويشوّهوا،بل ويمسخوا الحقائق التاريخية،أملاً في قتل ذاكرة الشعوب،ولكن هيهات هيهات.