|

إعداد:
جلال زنكَابادي
zangabady@gawab.com
Jalal
Zangabady
يقيناً ان أسبوع(المدى)الثقافي مهما تأوّج ويتأوّج هنا وهناك؛يظل
نموذجاً محدود الأثر لبديل يطمح إليه أغلب المثقفين العراقيين من الفاو
إلى زاخو،أي سيظل إسبوعاً إستثنائياً مقابل الأسابيع الثلاثة والخمسين
الأُخَر،الرهينة لنظام المحاصصات المقيتة،واحتكارات واستحواذات البعض
من ذوي النفوس الضعيفة،ناهيكم عن معجزات أمراء الجحيم وفلول البعث
الفاشست بمفخخاتهم وأحزمتهم الناسفة... والإحترابات الإثنية والطائفية
الجنونية والإغتيالات المنظمة للعقول الكبيرة،وهجرة ونزف الأدمغة
وجدران الخرسانة شبه البرلينية،ومساعي المحتلين(المحررين!)الذين جاءوا
بنية أن يبقوا،كما لايخفى على كل نبيه!
ومن هنا جاء طرح بضعة أسئلة(ثقاسياسية)مصيرية وملحة،تؤرق المثقفين
الجادين هنا وهناك؛لعل أجوبتها تشخّص الوضع الراهن للثقافة
العراقية،وتستشرف آفاقها المستقبلية...أما لماذا تسمية(طاولة غير
مستديرة)فلأن الطموح لم يتحقق في بحبوحة أسبوع المدى بجمع نخبة من
المثقفين حول طاولة مستديرة أو حتى مربعة،للإستفاضة في طرح
الأسئلة،وإجابة غير واحد على كل سؤال،فضلاً عن المداخلات...وهكذا فقد
إكتفينا بطاولة(سفري!)لانتوخى منها سوى( دق الأجراس)تحذيراً للمخاطر
المحدقة،والمقبلة( خصوصاً)بالثقافة والمثقفين العراقيين،مع جزيل الشكر
لكل من لبّى الإجابة عن أسئلتنا،أما الذين تنصّلوا عنها بأعذار
واهية(خوفاً أو لعدم إكتراث أو لغياب التسجيل الصوتي...)فسامحهم
الله،وحسبنا(القلّة الهائلة)على حد قول الشاعر أوكتافيو باث.
*******
*منذ 15عاماً وكردستان المضيافة تحتضن مؤتمرات ومهرجانات وأنشطة
عراقية(سياسية وثقافية... تتعذر إقامتها في وسط العراق وجنوبه؛فماهو
مدى جدوى هذه الكرنفالات سياسياً وثقافياً للكرد وكردستان،بينما يستكثر
علينا أغلب أشقائنا العرب الحد الأدنى من حقوقنا المشروعة،بل حتى
التنصل من تنفيذ الوعود والمواثيق كالمادة 140الواردة في الدستور
العراقي؟!
أجاب عنه سامي شورش،الصحافي والكاتب ووزير ثقافة سابق في إقليم كردستان
العراق:
-إن هذه الكرنفالات الثقافية والسياسية مفيدة،بل ومفيدة جداً؛لأسباب
بينها:تعميق حالة التفتهم والتناغم والتفاعل الثقافي والسياسي بين
المكونات العراقية،خصوصاً المكوّنين الكردي والعربي،وتسهيل عمليات
إطلاع بقية العراقيين على مختلف جوانب الإعمار والتطوير الحاصلين في
كردستان العراق؛بفضل حكمة القيادة الكردية وحكومة إقليم كردستان.ثم إن
الحالة مهمة ومفيدة لإثبات حقيقة أساسية،مفادها أن الكرد هم في العراق
عنصر أساسي من عناصر الإستمرار والبناء الديمقراطي العراقي.
يعيش العراق منذ خلاصه من النظام السابق مرحلة مؤلمة من الفوضى
والمشكلات الأمنية والإقتصادية والسياسية والثقافية؛فإن فتح أبواب
كردستان أمام فعاليات الآخرين؛سيشكل توجهاً صحيحاً لجذبهم إلى إعتبار
الموضوع الديمقراطي نموذجاً للإقتداء به،ومن ثم إقناعهم بأن السلم
الأهلي والديمقراطية والإنفتاح يمكن أن يفيد الجميع.
إننا أمام مستقبل يحمل شيئاً غيرقليل من المشكلات المستقبلية،وهنا أود
الإشارة إلى موضوع كركوك.لهذا فإن نشاطات كهذه ستسهم في حشد رأي عراقي
ثقافي وسياسي وراء قضايانا العادلة.
كما أجاب الأديب والصحافي عبدالله طاهر البرزنجي عن السؤال نفسه
قائلاً:
-لهذه المهرجانات والمناسبات الثقافية أهمية كبيرة في حياتنا
الثقافية؛لأنها وسيلة تجسير وإتصال وتقارب.وعليه فقد دأبت مؤسساتنا
الثقافية الكردستانية على تنظيم ودعم مثل هذه الكرنفالات،التي يرتادها
الأدباء والفنانون والساسة،وبعضهم من أصدقاء شعبنا المخضرمين،ثم إن
للثقافة العربية والمبدعين العرب فضلاً كبيراً علينا في إطلاعنا الواسع
على ثقافتهم العريقة والحديثة المتقدمة،بل على جوانب مهمة من مشهد
المشهد الثقافي العالمي عن طريق مايترجم إلى لغتهم.ومع ذلك نلمس قصوراً
يتجلى في ضآلة جدّيتهم على الإبداع الكردي المشحون بالآلام
والآمال؛لربما السبب يكمن في النظرة الإستعلائية لبعضهم،وعدم إكتراث
البعض الآخر،ثم لعدم إيلاء مؤسسات الكرد الثقافية بترجمة النتاجات
الإبداعية الكردية إلى اللغة العربية بصورة مدروسة ومنظمة تتجاوز
الجهود الفردية،التي تعجز عن توفير ترجمات ضرورية لأولئك الظمآنين
للثقافة والإبداعات الكردية،التى يرقى بعضها إلى مصاف الآداب والفنون
الراقية في سائر أرجاء المعمورة.
*جلي للقاصي والداني كيف تعرضت الثقافة العراقية الحقيقية للتزييف
التاريخي المنظم من قبل أزلام النظام البائد،ولكن رغم سقوط الصنم ظهر
تزييف أشد خطورة وهولاً؛حيث يعيد جلادو ومجرمو الثقافة ترتيب بيوتهم
وفبركة تاريخ نضالي لهم،ساعين إلى محو ذاكرة أبناء الشعب العراقي،رغم
تلال من الكتب واللوحات والأناشيد و....بل وعلى مرأى ومسمع من الشهود
الأحياء،لاسيما الضحايا،فكيف تعللون هذه الظاهرة،وهل يمكن دحرها؟
أجاب عنه الكاتب كامل شياع:
-حقاً تعرضت الثقافة العراقية الحقيقية للتزييف من قبل النظام
الدكتاتوري المقبور،فماهي ماهية التزييف المقصود؟
أعتقد أنه يعود إلى عاملين هما:الأيديولوجية والسلطة؛فقد قدمت الأولى
قراءة تعسفية لتاريخ الثقافة العراقية،حيث أودعتها في ما يمكن أن أسميه
قفص المنظور القومي المغلق؛فجرى التركيز على الخصوصية القائمة على
االإسترابة والتشكيك بالآخر المختلف...وجرت إعادة قراءة تاريخ الثقافة
العراقية من من زاوية إنتقائية طمست الحقائق وقلبت الذاكرة التاريخية
رأساً على عقب،ومن ذلك أن أحد الشعراء المعروفين قرن ولادة الشعر
الحديث بتأسيس حزب البعث،ومن ذلك أيضاً أعتبرت الحضارات الرافدينية
عربية خالصة حتى قبل ورود العرب إلى العراق،بل وقبل أن تظهر اللغة
العربية!ثم الظاهرة القومية،التي تعد ظاهرة حديثة.ومن ذلك أيضاً السعي
المحموم لطرح نظرية علم جمال بعثي،طبّل لها نقاد وفنانون ضمن فضاءات
وهمية..ومن ذلك أخيراً وليس آخراً إعادة تلقين الطلاب من خلال المناهج
الدراسية بترهات وأكاذيب عن التاريخ وروح الأمة والعراق العظيم،الذي
لايمتلك من العظمة سوى الشعارات البراقة!
أما العامل الثاني،الذي زيّف الثقافة وشوّهها؛فنجده في السلطة العرية
للدولة التي وظفت المؤسسات لغايات الحاكم ومغامراته،وطوّعت الخطاب
الثقافي والصوت الثقافي لمهام تعبوية لم تنته:البعث المحمول في نفس كل
عراقي،والحرب التي تندى لها النفوس بالجميلة،والدكتاتور المرفوع إلى
مصاف القداسة!باختصار،صنعت القوة من مؤسسات الثقافة جهازاً لتزييف
الضمير ومسخ الرأي وتسطيح المواقف..وهكذا فقد خمدت الثقافة العراقية في
قبضة الدولة الشمولية....لكنها لم تمت؛فتحت رمادها ظل هناك من يقاوم
بالفكر القويم والمنطق الحي...وفي معارك الثقافة كانت هنالك أكثر من
هدنة.لكن الصراع ظل مستمراً ظاهراً إلى السطح حيناً،ومستتراً حيناً
آخر.
نقول هذا،وندرك ان تحرير الثقافة من إرثها الثقيل أعلاه؛يتطلب عملية
طويلة بدأت ملامحها الأولى بالتشكل حين رفض المثقفون الحقيقيون سلطة
الدولة المستبدة،والخوف من مصادرة الرأي والإبداع...والصراع في هذا
الميدان طويل.
*كلنا نعلم أن التغيير السياسي في العراق قد حدث فوقياُ؛إذ أسقطت قوات
التحالف نظام البعث الفاشي-الدكتاتوري،الذي عجزت وفشلت قوى المعارضة
لضعفها في إسقاطه،وإحلال البديل الوطني محله بدلاً عن خيمة
الإحتلال،ومع ذلك نرى هذه القوى المقموعة سابقاً تعيد إنتاج القمع
سياساً وثقافياً؛مما يؤكد ذلك صواب طرح المفكر الأمريكولاتيني باولو
فرايري في كتابه(تعليم المقهورين)فحتى م يدوم القمع بكل صنوفه وأشكاله
في هذا البلد المبتلى بالمستبدين؟وهل يمكن أن يتحقق حلم المقموعين في
التمتمع بالحرية المكرّسة للمعرفة والإبداع والتعايش السلمي الكريم؟
أجاب عنه الكاتب والصحافي مصطفى صالح كريم:
-تعود بدايات هذه المسألة الحساسة إلى أيام المعارضة،حيث كانت القوى
الوطنية تعمل بجد لإسقاط النظام الدكتاتوري الجائر،إلاّ أن العقبة
الكأداء التي حالت دون ذلك،هي عجز المعارضة؛لذلك فقد لجأت إلى قوى
التحالف الخارجية،وهنا أود الإشارة إلى مقال(لا للقصف العشوائي،نعم
للتغيير الداخلي)للسيد جلال طالباني قائد الإتحاد الوطني الكردستاني،في
صحيفة(الإتحاد)ودلالته جلية جداً.وهكذا لم يتحقق طموحنا للأسف.ثم إن
قوات التحالف كانت تفتقر إلى أجندة لما بعد التحرير؛فأخذت تمارس سلسلة
من الأخطاء،التي أربكت العملية السياسية؛إذ كان المفروض أن تكون هنالك
حكومة بديلة مشكلة ومهيأة لتبدأ بممارسة أعمالها،وتبدأ تدريجياً بتطهير
الأجهزة والمؤسسات الحكزمية من العناصر المتورطة في إرتكاب الجرائم على
جميع الصعد ومنها الصعيد الثقافي؛لكن غياب مثل تلك الحكومة البديلة فتح
الأبواب على مصاريعها لتسلل تلك العناصر إلى صفوف القوى الوطنية
المساهمة في العملية السياسية على الساحة العراقية،ومن بينها عناصر
كثيرة سرعان ما شرعت في إعادة أنتاج القمع على الصعيدين السياسي
والثقافي،وقد حاولت بشتى الوسائل ولماتزل لإبعاد المفكرين والمبدعين
الحقيقيين...بل أن العديد من هذه الناصر مازالت تحلم بعودة السلطة
الدكتاتورية،وهي جاهدة وساعية إلى تحقيق نواياها المبطنة.
وعليه فإن تحقيق حلم المبدعين المنشود؛يتطلب المزيد من النضال؛حتى
يفلحوا بسحب البساط من تحت أقدام ذوي الأقلام المأجورة وفلول المطبلين
وجوقات المنشدين،وتطهير الوسط الثقافي منهم،حتى يتولى المبدعون
الحقيقيون الصدارة في الأجهزة والمؤسسات الثقافية.وبرأيي يجب أن تبدأ
عمليات التطهير من الوسط الصحفي والثقافي،ومن مؤسسات وزارة
الثقافة،وكذلك ما يسمى بشبكات الإعلام والإتصالات.ولابد من ضمان حريات
التعبير وارأي والفكر للمبدعين جميعاً،مع المل الجاد لتوفير الأمن
والأمان؛لكي يعودوا من المنافي والمهاجر إلى عراق الجميع؛فتتحقق أحلام
أولئك المبدعين الصامدين الذين لم تمجد أقلامهم وأصواتهم وفرشهم
وألوانهم حروب وجرائم البعث والدكتاتور.
*يبدو أن العكس يحدث في تطبيق(قرار إجتثاث البعث)خصوصاً في المشهد
الثقافي في داخل العراق وخارجه؛حيث إستنهجت القوى السياسية الكسب
العددي لضمان أكبر عدد من كراسي الحكم،يمكن الخلاص من هذه الحالة
الشاذة،وكيف؟
أجاب عنه الكاتب كامل صالَي:
-لم يأت قرار إجتثاث البعث إعتباطاً،وإنما إستند إلى حقائق وأدلة موثقة
عن مرحلة سوداء شهد العراقيون أحداثها الأليمة وعانوا منها بضعة
عقود،واكتوى بنيرانها الملايين،وألحقت أضراراً بالغة بالقيم والمثل
الإنسانية،وبكل مقومات الدولة العراقية من سيادة وإقتصاد،ناهيكم عن كل
مكونات الشعب العراقي،لاسيما الشعب الكردي،الذي تعرض لشتى صنوف
الإضطهاد،خصوصاً في عام1963ثم منذ1968إذ مابرح حزب البعث يمارس سياسة
شوفينية وفاشية أشد شراسة من قبل،خصوصاًباهتدائه بتعاليم صدام؛مربياً
جيلاً من البعثيين(رجالاً،نساءً وأطفالاً)مشحونين بالعنف،لايرفضون
الآخر فحسب،بل ويسحقونه سحقاً،وسرعان ما إلتحقت فلوله،بعد إنهيار
حكمه،بصفوف القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية الراهنة،وكذلك
بالتكفيريين والمتشددين الساعين إلى تدمير بنى العراق التحتية وإبادة
أبنائه دون تمييز؛ولذا ينشط المندسون هنا وهناك بوضع العصي في عجلات
مركبة المسيرة العراقية الراهنة؛لعرقلة وتشويه العملية الديمقراطية على
جميع الصعد:السياسية والثقافية والإجتماعية.
لقد جاء قرارالإجتثاث حفاظاً على سلامة المسيرة الديمقراطية في
العراق،لكنه للأسف الشديد،وتحت ضغوط المرحلة الحالية الحساسة،وسعي
البعض للصيد في الماء العكر،حيث تلهث هذه الكتلة أو تلك وراء كسب
النفرات مهما كان ماضيها سيئاً،بحيث وصلت الحالة إلى حد تغيير القرار
إلى المساءلة والعدالة!وهو تراجع مخجل ومذعن للوبي البعثي الضاغط داخل
الكتل السياسية المتخمة به!مما يشكل خيبة كبيرة لدى الضحايا؛مادام
البعث لايفلت من الإجتثاث فحسب،بل ويعود بأقنعة أخرى من جديد؛ثم الويل
كل الويل لأبناء الشعب العراقي؛مادام البعث ينسل كالشعرة من
العجين،ويمكنه بما يمتلك من أموال العراق المهربة،ومن كوادر متمرسة
وخبيرة أن يعيد ترتيب بيته الحزبي،فيمسي العراقيون على موعد مع صفحة
جديدة من الإضطهاد والإستغلال تحت يافطة العراق الموحّد،بل
الأستقرار،الذي يضمنه الإستبداد!!
يقيناً أن البوادر قد أصبحت جلية في المشهد الثقافي العراقي التعيس؛مما
يستوجب المزيد من الشجاعة لدى الأخيار؛لفضح وتعرية الأشرار،والحيلولة
دون عودة الجلادين،تحت أية شعارات وحجج،حيث من المستحيل أن يستحيل
الذئب حملاً وديعاً؛مهما لفلف على جلده طنا من الصوف!
*بعد سقوط النظام البعثي،راحت ظاهرة(غسل الإنتماءات)على شاكلة(غسل
/تبييض الأموال)تبرز على الصعيدين السياسي والثقافي،خصوصاً وإن تكتلات
المتحاصصة تستمرؤها؛من أجل الكسب العددي،أو قلة وهزال كوادرها(الثقافية
خاصة)أو للسببين كليهما؛فكيف يمكن تعرية وفضح فرسان هذه الظاهرة
الوبيلة،التي ستفضي بكل القيم النبيلة إلى قبض الريح؟
أجاب عنه الروائي والباحث التاريخي د.زهدي الداوودي:
-إن ظاهرة غسل الإنتماءات ليست وليدة اليوم،بل هي قديمة،وتشكل جزءاً
مكملاً للصراع الأيديولوجي والإجتماعي والثقافي؛من أجل الهيمنة عل
المواقع الحساسة في سلم السلطة.وتبرز هذه الظاهرة بصورة خاصة في
الأزمات الحادة التي يمر بها البلد المعني.وإن إلغاء إنتماء الآخر يعني
الهيمنة عليه والتحكم فيه.ويأتي هذا عادة على شكل ديني أو مذهبي أو
حزبي.ولقد مارس البعث هذه الوسيلة بشكل ؛بحيث ترك آثاراً عميقة في
مجتمعنا.ولاشك في ان سقوط الدكتاتورية قد أدى إلى إصطفاف إجتماعي
وسياسي وثقافي جديد؛جاء كنتيجة(فعل ورد فعل)للممارسات التي جرت منذ
أربعة عقود من الزمن.ولذلك فإن بعض التنظيمات السياسية والثقافية قد
تبنت هذه المسألة بصورة عفوية،تحوّلت لاحقاً إلى حالة واعية ومنظمة،وهي
من حيث تريد أو لاتريد،وقعت في نفس الخطأ الذي كان يمارسه النظام
البائد.ثم أن العملية بكاملها طعن في صميم الديمقراطية،التي تريد
تحقيقها على أرض الواقع.والمشكلة لاتكمن في الكسب العددي فحسب،بل في
الهيمنة التامة على السلطة والمجتمع والإنفراد بأيديولوجية معينة،يتم
عبرها إلغاء الطرف الذي لايرضخ،وإحدى ظاهر هذه الممارسة هي العنف
الطائفي،الذي علا قرنه في العراق بشكل درامي.وتكمن خطورة هذه الظاهرة
لإي إنها لاتدمر الثقافة فحسب،بل وتؤدي إلى الإنحطاط التام والعودة إلى
العصور المظلمة.أمّا كيف يمكن التصدي لها؛فمسألة معقدة تحتاج إلى نشر
الوعي الديمقراطي،وإحترام رأي الآخر،وخلق مجتمع مدني متحرر.
*يبدو أن وضع الثقافة العراقية قد أمسى مزرياً في ظل نظام المحاصصات
على جميع الصعد،والذي ينافي فضاء الحرية المنشودة؛من أجل الإبداع،فماذا
تقولون بهذا الصدد؟
أجاب عنه الباحث مهدي النجار:
-بطبيعة الحال،ينتعش الإبداع الثقافي في فضاءات الحرية،فالحرية شرط
أساسي للإزدهار.لكن في ظل نظام سياسي حاكم يتلبس لبوسات طائفية أو
قومية،وفي ظل ماينتج عنه من محاصصات وتوازنات؛تأخذ عملية الحياة،ليس
فقط في المجال الثقافي،وإنما على كل الأصعدة،تأخذ مساراً رجوعياً،أي
تسير إلى الوراء بدلاً عن الأمام،مثلما هي الحال في اللحظة
التاريخية،التي يعيشها العراق،حيث تحدث ضعضعات هائلة في الخطاب
الثقافي.ولذا على المشتغلين بالثقافة أن ينشطوا لترسيخ وترويج ثقافة
التنوير،ثقافة العقل،ثقافة الحب والحرية،ثقافة الدعوة إلى نظام سياسي
فوق الأديان والمذاهب.
*بالإضافة إلى التعتيم على رموز الثقافة العراقية الحقيقية وتهميشها،بل
وتخوين بعضها،ثمة عقوق بحق شهدائها في العهد المقبور؛إذ لاتستذكر
الإحتفاءات والمهرجانات وغيرها أمثال:صلاح خالص،قتيبة الشيخ نوري،حياة
شرارة،خالد الأمين،شمس الدين فارس،إبراهيم زاير وخليل
المعاضيدي........في حين يُحتفى ببعض فرسان الأدب والفن المكرّسين
لشرعنة وتمجيد كل موبقات وجرائم النظام
الشوفيني-الدكتاتوري؛فماالعلة؟ثم ألا يمحو هذا النزوع الذاكرة الثقافية
لأجيالنا القادمة،بل وتغييب وإغتيال العقول الخلاقة
مستقبلاً؟
أجاب عنه الفنان والصحافي فاروق صبري:
-طبعاً...إن الأسماء المبدعةالتي ذكرتها وأخرى كثيرة موشومة في عقولنا
تشكل أجمل وأرقى مافي ذاكرتنا المعرفية،وهي محطات مازلنا نتوقف عند
أرصفتها الموزايكية،ونبلل أرواحنا بأريجها وشموخها وفعلها الخلاق،ومن
المحال أن تغيّب وتهمّش؛ولابد من الإحتفاء والإهتداء بها،ليس ضمن فقرات
هذا المهرجان أو ذاك،وإنما عبر حياتنا الثقافية يومياً.
والأمر طبيعي أن تغيّب أو تذل سلطة إستبدادية الصوت الثقافي
الحقيقي،ولكن مايثير التساؤل والقرف والغضب هو أن يدوم عفن السلطة
الإستبدادية بعد سقوطها،بل ويستمر في غيابها مثل هذا التعتيم والتهميش
والتهشيم،لابل ويُقصى عن الحياة،وهذا مايحدث الآن!
ومع كل ذلك،أقولها للحقيقة أن مهرجان المدى يسعى ضد التغييب
والتهميش،وهو يحاول بكل جهوده لإعادة الروح الأصيلة للمشهد الثقافي
العراقي،رغم هذه الثغرة أو تلك العثرة،التي لاتخلو منها أية محاولة.
وأخيراً،وليس آخراً،فإن المثقف العراقي مطالب أيضاً ألاّ يستكين في
خندق الشكوى والندب على الأطلال؛فلابد أن ينهض ويشمّر عن ساعديه،ليخترق
الحواجز السافلة،ويحطم التابوات بفعله الجريء والخلاّق.
*ماذا سيكون مصير الثقافة في العراق ومصير المثقفين والمبدعين
الحقيقيين،تحت كابوس إستحواذ وإحتكار أعضاء الهيئات الإدارية للإتحادات
والمنظمات والنقابات الأدبية والفنية والعلمية؟
أجاب عنه لأديب والصحافي حسب الله يحيى:
-كل إستحواذ مؤقت.كل ماهو فردي أناني زائل،وكل ماهو إجتماعي فاعل
وآت،وهو المستقبل الذي ننتظره ونعمل ونتفانى من أجله.كل المواقع
الوظيفية الوجاهية ستنطفيء؛لأنها ولدت أصلاً لأهداف وأغراض شخصية،ولا
هم لها،ولا شاغل لوجودها،إلاّ العمل على بقائها أطول مدة؛حتى تتمكن من
الهيمنة على الآخرين،والحكم عليهم بالجهالة،في حين تضع فيه
هذه(القيادات)نفسها في المكان الأفضل والأكثر نفعاً،مالاً وراحة
وإطمئناناً!ولذ فأنا أنظر إلى الإتحادات والتنظيمات الثقافية
الراهنة،لايقصد من وجودها سوى الوصول إلى نتائج تحقق الذات وتوفر
المال.
إن الثقافة فعل حقيقي،وإرادة فكر،ومنطلق إبداع،وبعكس ذلك يتشوّه،بل
يموت كل شيء إنساني وجميل...ومن هنا أدعو إلى فضح جميع العناصر الساعية
للهيمنة دون أن تقدم للآخرين،الذين قدموها وجعلوها تتبوَأ المناصب،حتى
تكون في قلب الحقيقة،وفي الصورة بكاملها.ب
|