ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 09, 2010 11:25 PM

Detroit Michigan U.S

 

التراث والحداثة بين التحجّر والمجازفة

 

جلال زنكَابادي

zangabady@gawab.com

 

 Jalal Zangabady

 

 

        ماالتراث إن لم يكن مجمل الخبرات الثقا-حضارية،التي راكمتها الأجيال السالفة، والتي تجسد روح الأمّة المتوارثة عبر العصور؟وهل ثمة حياة دونما روح أو جسد؟!

لكي نبدع بحق وحقيقة؛لابدّ من العودة إلى ينابيع الأصالة والإغتراف منها... أجل ينبغي أن نفيد بكلّ رويّة ممّا تركه أسلافنا من تراث غزير، لم يلملم ولم يسبرغوره بعد ؛اٍذا ما صبونا اٍلى تحقيق المعاصرة الحقيقية؛ لـ "أن روح التقدّم يحمي التراث من التحجّر،واحترام التراث يحمي التقدّم من المجازفة"كما يقول المفكر الفرنسي ميشال بريزان.

       فلاريب إذن في صواب هذه المعادلة المتوازنة مابين التراث والمعاصرة،لكنّما ينبغي الإنتباه إلى الإشكاليّة الآتية:ألا وهي من أجل تفادي أيّما خلل أو إختلال في المعادلة السابقة؛لابدّ من نبذ التمجيد العشوائي اوالمطلق للماضي بكلّيته،والذي غالباً ما ينبع من الميل الشوفيني الأعمى اوالنرجسي لدى البعض ـ وما أقلّهم بين الكرد!ـ ان النبذ المرجو هذا يعني بالضرورة،الموقف العلمي الموضوعي،الذي ينطوي على الروح التقدمية،في اٍستيعاب تراث ماضينا التليد،والمقصود به إحياء كل ماهوغال ونفيس فيه،وتمثّله من ثمّ،في ثقافتنا الكردية المعاصرة....

       ولئن إنطوى تراثنا الثقا-حضاري،شأنه شأن تراثات شعوب المعمورة،على السمين والغث،الإيجابي والسلبي،حتى الخالد والزائل– ناهيكم عن مجمل تاريخنا-فإنه يتطلب منّا قراءة تشريحية شاملة ومعمّقة،في ضوء المناهج العلمية الحديثة؛بحيث تحقق إعادة-النظر- المنشودة،في تقويمه وتقييمه؛ مادام موئل إنطلاقتنا الجديدة وجذرها التاريخي الراسخ....وهكذا كلّما سقينا الجذور؛بدت الأغصان،الأوراق، والثمار أكثر رواءاً ونضارةً. وهذا يعني بوضوح،أن الأغصان لا تترامى،الأوراق لا تخضر،والثمار لا تينع من دون جذور سليمة وغائرة في الثرى...

       ونحن الكرد لفي أمسّ الحاجة إلى إستقراء السّمات الثورية في تراثنا العريق؛لإقامة التحالف الإستراتيجي البنّاء بين قوى التراث الحيّة وقوى التقدم الناهضة؛بحيث تتواشج أواصرالأصالة والحداثة معاً في كينونة الإبداع الجديد،عبر جميع الأنشطة الرّامية إلى خلق قيم ثقافية جديدة... وعندها لانتقوقع داخل الأنماط المتحجّرة لصالح قوى التخلف والرجعية،ولا ننقطع عن تراثنا الأصيل الحيّ لصالح الكوزموبوليتية الإحتوائيّة والمصهّرة.

إن ما ننشده،يتمثّل في الإنطلاق من مداميك تراثنا التقدمي الحي،صوب الحداثة المؤ صّلة ذات الهوية القومية – الإنسانية؛بحيث ستنحل أيضاً ضمن التفاعل هذا مشكلة العلاقة بالذات،والصراع التناحري السائد بين مختلف الأجيال،أي سيسود التعايش الإبداعي،القائم على الحوار الثقافي تبعاً لقانون"نفي النفي"الديالكتيكي،ولن تبقى من ثمّ بطريركيّة قمعيّة،ولا ضلالة صبيانيّة.

      وهنا يطالعنا السؤال الآتي :هل من إبداع بلا حرية؟ لربّما يكون هنا وهنالك مثل هذا الإبداع ؛إنّما كإستثناء طبعاً؛لأن المجال الحيوي للإبداع الحقيقي يعني"عملية النشاط الإنساني،التي تكسر القواعد المألوفة وجميع الكليشيهات المبتذلة التافهة والقوالب المتحجرة،وهي العملية التي تولّد نماذج جديدة،لم تعرف بعد .."حسب إستقصاء ليفي كَوكَان.

      لربّ سائل يسأل :- أيّ تراث ثقافي عندنا نحن الكُرد؟!وهو سؤال وجيه،لكن جوابه  لن يكون إلاّ مقتضباً جدّاً بطبيعة الفسحة المتاحة...

      إن تراثنا الثقا-حضاري لغزير جداً،وهوينطوي على روح المقاومة والصمود ضد شتى الممارسات الغيريّة الشوفينية الرامية إلى تشويه هويتنا القومية؛بغية إحتواء شعبنا وتذويبه،بل حتّى إبادته؛للإستحواذ من ثمّ على موارد كردستان قاطبة...فثمّة فولكلورنا الزاخر بالشعرالغنائي وملاحم البطولة والعشق والحكايات الشعبية وكذلك تراث شعرائنا الكبارأمثال :بابا طاهر الهمداني،ملا بريشان،الجزيري،الخاني،خاناي قبادي،مولوي،نالي ،جعفر قلي زنكلي،حاجي قادر،شيخ رضا،ومحوي...وهنالك التراث الفني الميدي واللرستاني،ومنمنمات(مم وزين) وغيرها،وهنالك التراث الديني والأدبي والفني للطوائف الدينية كالإيزدية وأهل الحق ... فضلاً عن الميثولوجيا،ومكتشفات التنقيبات الاركيولوجية،ومجمل الموروثات الشعبية المتعلّقة بالعادات والتقاليد والأعراف الإجتماعية،والفنون الحرفية،والتراث المعماري والموسيقي والدبكات والرقصات والألعاب الشعبية والأحاجي...وجلّ ذلك مازال مهملاً يتهدده خطر الإندثار والضياع! بل وأن الكثير من تراث شعبنا الكردي وبسبب رزوحه تحت نير المستعمرين مابرح الأغيارغزاة كردستان وثقافتها وحضارتها يسلبونه،يختلسونه،ويشوّهونه في أبسط الأحوال!والكُرد في عمائهم واحتراباتهم ساهون...!

      وهنا لايمكننا بالطبع نكران إفتقارنا الى التراث الروائي،النقديي،والترجمي،وهومظهر من مظاهر تخلفنا الثقافي طبعاً.

     يقيناً لم ينبثق ذات يوم أيّ إبداع من العدم أو الفراغ قطعاً، وربما ثمة مؤمنون بالقطيعة المعرفية؛يحسبون رأينا مجرّد خطل أو قابلاً للنقاش،لكننا نرفض أصلاً وبصورة مبدئية جميع طروحات القطيعة المطلقة،في التواصل مع الماضي برمته، بل وتلك الداعية إلى نفيه القاطع،مهما تلبس أصحابها بلبوس الإخلاص لمصلحتنا القومية،وتبهرجوا بالشعارات البرّاقة والمانيفستوات الطنّانة الجوفاء،وجلهم من المتثاقفين المنتحلين للطروحات ألاوربية..! وهم يجهلون أو يتجاهلون أن القطيعة المعرفية الحقيقية الخلاّقة تتحقق بعد إستيعاب التراث وتمثّله،ومن ثمّ تجاوزه وفقاً لقانونيّ(النفي)و(نفي النفي)... كما نرفض في الوقت نفسه أيّ إنحياز وولاء مطلقين للماضي برمته،وإنّما ندعو إلى إعادة النظر الجذريّة في كلّ ماهو موروث وقائم،ولايجوز بتاتاً أن نلغي الذاكرة القومية وتاريخ شعبنا الأبي،رغم إيماننا الراسخ أن في التجديد الإبداعي،وعلى الدوام نوعاً من القفزات النوعية إلى الأمام،والقائمة أصلاً على كلا القانونين الجدليين (النفي)و(نفي النفي) ولايمكنها أن تلغي(الذاكرة والتاريخ)،أي الماضي كلّيّاً.

   وعليه فإن عصرنة التراث بوعي هي تأصيل للحداثة؛فلاخوف على تراثنا القوميّ الحي من العصرنة؛مادامت الحداثة الحقيقية تستلهم أصالة شعبنا الروحية إنّما "القمامة هي التي تنجرف حين تعصف بها الرياح.!"- وهي هنا رياح التغييراللامفرّ منها- كما علّمنا شيخنا الجليل المبدع جلال الدين مولوي الرومي.