|

جلال زنكَابادي
zangabady@gawab.com
Jalal
Zangabady
جلال زنكَابادي
"إجعلني أيها الرب أداة لسلامك"
القديس فرنسيس الأسيزي
لقد أصاب الشاعر والمفكر المكسيكي أوكتافيو باث بطرحه لرؤية معاصرة
صائبة لقضية الدين، في كتابه (كوكب واحد، وأربعة-خمسة عوالم) وفحواها
ان للدين وجهين، وهما متضادان تماماً؛ فبينما هو آية للسلم، يمكن أن
يكون باعثاً للحرب! ولئن يذكرنا باث بالمقولة العميقة والشاملة
لباسكال"الله دائرة مركزها في كل مكان، أمّا محيطها ففي اللامكان"فلكي
يذكرنا بانتفاء العبادة إلى الواسطة؛ لكونها في جوهرها علاقة فردانية
خاصة مابين الإنسان والله"لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله
والناس، هو الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع"
(تيموثاوس2: 5) وهنا يكمن السلام ويتجلى بمفهومه المسيحي؛ وعليه يتبيّن
لنا، مع تأكيد باث، أن العبادة بغير هذه الواسطة باعثة للتفرقة بين
البشر؛ مادامت الوسائط متعددة ومتباينة المنطلقات والغايات، بحيث تضطر
المؤمنين إلى التبعثر.
إن أولى فضائل الديانات التوحيدية هي وحدة الرؤية، أمّا لماذا تفضي
العبادات إلى مزيد من التفرقة والبعثرة؟! فالإجابة هي: إن التفرقة
يتغيّاها مسيّسو الدين؛ في سبيل مصالحهم وأهوائهم الأنانية، وهنا
لاندحة من لمحة تاريخية خاطفة؛ بغية مانتوخاه من هذه المساهمة
المتواضعة.
يعرف المطلعون"ان الجانب الأصيل في المسيحية هو الجانب
الشرقي/غارودي"فـ"قد ولدت في آسيا، وانتشرت في أفريقيا قبل ذيوعها في
أوربا"وقد أكّد هذه الحقيقة التاريخية بيان أصدره إثنان وعشرون عالماً
لاهوتياً من العالم الثالث، في آب1976بـ (دار السلام) إذْ عادتها
الإمبراطورية الرومانية بشراسة قل نظيرها، حتى أواخر القرن الرابع
الميلادي، ثم أضطرت إلى تبنّيها رسمياً ديناً للدولة"كي تعطي نفسها
مركز قيادة مزدوجاً: أيديولوجياً وسياسياً/مكسيم رودنسون"خصوصاً وان
سواد رعاياها قد إعتنقوها رغم كونها محظورة، بحيث غدت حركة جماهيرية،
يصعب جداً كبح مدّها المتصاعد، بل ويمكن الجزم أنها تبنتها؛ لكي تحرز
عصا السبق آنذاك في تنافسها الشديد مع الإمبراطورية الأشكانية
(الإيرانية) التي كان من المحتمل أن تتخذها ديناً؛ لبسط نفوذها حتى في
أرجاء الإمبراطورية الرومانية! وهكذا فقد قصدت الإمبراطورية الرومانية،
بتبني المسيحية السيطرة على العالم بتسييسها على مرامها؛ فإبتدأ
التسييس الغربي للمسيحية فعلاً، والذي"أفسدها بالفكر الإغريقي والتنظيم
الروماني/غارودي"ولم تكن الحملات الصليبية، مثلاً، إلاّ ديمومة وصيرورة
للتسييس المذكور، ناهيكم عن دوافعها الإقتصادية...ومما يستلفت النظر
تاريخياً، هو انه بينما كان مسيحيّو الشرق والمسلمون متعايشين بوئام
ملحوظ، شن الصليبيون غزواتهم عليهم؛ فعانى المسيحيون الشرقيون كثيراً
من عسفهم، خلال القرن الثالث عشر؛ لكونهم (غيرفرانكيين) لذا إستهدفتهم
الحملات"المطبوعة بختم الوحدة الأيديولوجية، المسيحية/مكسيم
رودونسون"حالهم حال المسلمين.ولقد روّج الصليبيون مامفاده"إن كل ميدان
الإسلام كان في الماضي ملكاً للمسيحية، ومن ثم أن كل الذين ليسوا من
أرومة عربية خالصة؛ لابدّ أنهم متحدرون من جاحدين تركوا المسيحية! "وقد
حاجج رينيه كَروسيه هذه الدعاية، وفندها في كتابه (تاريخ الحروب
الصليبية) وعلى ذكر تلك الحروب المقيتة؛ تحضرني مقولة ذات مغزى معاصر،
إضافة إلى أهميتها التاريخية، ألا وهي"لقد تكسّرت الرماح والسيوف؛
فلْنبدأ حرب الكلمة"والتي أطلقها القديس لويس التاسع ملك فرنسا، يوم
أطلق المسلمون سراحه من الأسر، عقب إخفاق الحملة الصليبية السابعة
عام1249والتي قادها بنفسه!
حقاً"ان السياسة لاتدخل في شيء؛ إلاّ وأفسدته"على حدّ قول الإمام
محمد عبده؛ ففي القرون الوسطى إستفحل طغيان الكنيسة كسلطة إكليركية شبه
مطلقة؛ فنجمت عن ذلك فظائع (محاكم التفتيش) الرهيبة، وقد قرأنا الكثير
عن محن المفكرين والعلماء أمثال برونو وغاليلو...ورغم سطوة الكنيسة علت
الأصوات الداعية إلى الإصلاح الجذري كصوت مارتن لوثر رائد الإصلاح
الإنجيلي والثائر على بيع صكوك الغفران والعبادة بالواسطة، والذي ترجم
الكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية، ثم سار آخرون على خطاه الإصلاحية
مثل جون كالفن وجون بنيان.
ولابد هنا من الإشارة إلى مباركة الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية
لغزوات وإحتلالات الأوربيين وإبادتهم للسكان الأصليين (المايا، الأزتيك
والإنكا...) مع تدميرمعالم حضاراتهم وثقافاتهم العريقة، في القارتين
الأمريكيتين، منذ مذابح كورتيس وبيثارو و...إضافة إلى تبرير جرائمهم
باسم الله والمسيح وضمان منزلات لهم في الجنة، في حالة الإستشهاد! أما
البيورتانيون البروتستانت فقد نعتوا نزوحهم إلى أمريكا بـ (الحج) بل
وربطوا غزوهم للعالم الجديد برواية الأرض الموعودة...وهكذا في المرحلة
الكولونيالية التي تطلّب فيها الإقتصاد السيطرة السياسية؛ لعبت
(البعثات اليسوعية) دورها الطلائعي الملحوظ، ضمن أدوار إستحالة إحتلال
البلدان المشتهاة، كما يلي: إرسال المبشرين أولاً، ثم العسكر ثانياً؛
بحجة حمايتهم، ومن ثم التجار ثالثاً؛ حين يأتي دور التصرف بالأسواق،
من أجل تصريف بضائع البلد الأم (المستعمر) (ص13حوار الحضارات/غارودي)
حيث كان لأمثال (جون وسلي) مؤسس مذهب (الميثوديست) و (الفرق
الكرازية) والجمعيات التبشيرية البريطانية، الدور البارز في مؤازرة
بسط هيمنة الغرب على الشرق، في العهد الكولونيالي، ولاأدل على تضافر
جهود (التبشير) و (الإستشراق) ممّا قاله (ج.دي.بريتون) عام1841"حين
ننشر في هذا البلد (لبنان) التعليم والفنون والزراعة، باللغة الفرنسية؛
فإننا سنسيطر على الشعب، وسيكون لفرنسا هنا وفي كل وقت جيش متفان"وقد
دأبت الكنيسة البرتغالية على مباركة أفواج العبيد، حتى منتصف القرن
التاسع عشر، في حفل ديني، دعته-يا للمفارقة-بـ (عماد الحرية) !
ولأن"الغاية تبرر الوسيلة"في العرف الكولونيالي على وجه الخصوص؛ فإن
بريطانيا المسيحية قد دعمت وساندت الإمبراطورية العثمانية الإسلامية،
بل المضطهدة لمسيحييها؛ لكي تصد روسيا القيصرية (المسيحية) ! ناهيكم من
أن الدول الكولونيالية (المسيحية) قد إستعبدت بلداناً وشعوباً مسيحية،
في قارات: آسيا، أفريقيا وأمريكا الجنوبية؛ فمثلاً: غزت إيطاليا- حاضنة
الفاتيكان-أثيوبيا (الحبشة) التي تعد من أقدم معاقل المسيحية في
أفريقيا! وهنا نتساءل: هل أن الشعب الكوبي، الذي تحاصره الولايات
المتحدة الأمريكية منذ عقود، يعتنق البوذية، الإسلام، أم المسيحية؟!
وهكذا راحت البعثات اليسوعية تتجاهل تعاليم يسوع (ع) والقديسين"إن
المسيحية محبة عظيمة وخدمة كبيرة/القديسة تيريزا"وتكرّس أعظم الجهود
لـ"تلقين المستعمَرين ديانة المستعمِرين، وإقتلاعهم من جذور ثقافتهم
الخاصة"بل وصل الأمر بها إن تصوّر للأفريقيين"أن الله قد تجلّى في صورة
غربي"! كما ان الكرادلة الأمريكان كانوا يصوّرون جنودهم الغزاة في
فيتنام بـ (جنود يسوع) !
وهنا نتساءل مع سي رايت ميللر: "أيّ رجل من رجال الله يكون ذلكم،
الذي يحسب نفسه في صف الروح القدس وسيرة يسوع، بل ويعرف معاني مائة
مصطلح من قبيل (الأخوة الإنسانية) ويبقى مع ذلك غيرشاعر بالمسؤولية؛
فيستصوب الفساد الأخلاقي، وإنعدام المسؤولية لدى قياصرة هذا الزمن؟! "
وجواباً لمثل هذا التساؤل؛ لابد من التطرق إلى لاهوت مسيحيّ مغاير، ألا
وهو لاهوت التحرر، الذي إستوعب بشكل من الأشكال مقولة ماركس الشهيرة
الداعية إلى المساهمة في تغيير العالم، لاالإكتفاء بتفسيره.وقد مهد
الأب الفرنسي تياردي شاردان لهذا الإتجاه بصورة مشهودة؛ فرؤياه
المسيحانية تميّزت بـ (الحس الكوني) و (النظرة الإنسانية) "ووجه
الطرافةعنده-كما يقول كلود كونيو-أنه حقق حلم أنجلز، دون أن يدري،
بسيطرة دياليكتيكية الطبيعة على العلم، ودون التنكر له"
لقد وقف اللاهوتيون الراديكاليون مع قضايا الشعوب المستضعفة
والمقهورة مضطلعين بمهمتهم الإنسانية أمثال: الأمريكي مارتن لوثر،
البيرواني كَوتيرز، الجزائري دوفال، الهندي دولوري، الكولومبي توريس،
النيكاراكَوائي أرنستو كاردينال، الفلسطيني كابوجي والمصري شنوده.وهنا
تجدر الإشارة إلى البيان الذي أصدره الفاتيكان في آذار1937مندداً
بالنازية تنديداً شديداً، ومنبّهاً المؤمنين ضد أخطارها، وذلك في عهد
البابا (بيوس الحادي عشر) وكذلك موقف الكنيسة في جنوب أفريقيا؛ حين
دخلت كطرف في الصراع ضد نظام الأبارتيد، الذي ندد به واحد وثلاثون من
كبار اللاهوتيين يتزعّمهم الكاردينال ديوموند توتو، بحملتهم الشهيرة
في10شباط1977ولقد تضافر نضالهم مع نضال (المؤتمر الوطني) بقيادة نيلسون
مانديلا؛ فانتصرت إرادة الشعب.
يقيناً أن المتأسلمين التكفيريين وأمراء الجحيم هم الوجه الآخر
للعملة (المبشّرين والمارينز) بل أن العديد من زعمائهم وقادتهم
(مصنوعون في الغرب) ويمثلون أدوارهم بإتقان ضمن سيناريوهات غزو بلدان
الشرق؛ بما يقدمونه من ذرائع وحجج لأمريكا وأخواتها! وعليه نردد ماجاء
في (إنجيل متى) "إحذروا من الأنبياء الدجّالين، الذين يأتونكم بلباس
الحملان، وهم في الباطن ذئاب خاطفة، من ثمارهم تعرفونهم؛ هل يُجتنى من
الشوك عنب أو من العوسج تين؟! " ونعني بالدجالين كلا وجهي العملة
طبعاً.
إن الطريق الصائب والأمثل للروحانيين من جميع الأديان والمذاهب
والطوائف هو ألاّ يكرّسوا ستراتيجيتهم لخدمة تكتيكات الساسة، كما ينبغي
عليهم نشدان الحوار الديمقراطي؛ لأنه يحقق إلتزاماً أشمل وأعمق من
خزعبلات السياسة البراكَماتية.
|