ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 09, 2010 11:24 PM

Detroit Michigan U.S

 

أغنية اللّؤلؤة

 

جلال زنكَابادي

zangabady@gawab.com

 

 Jalal Zangabady

 

 

ترجمة:جلال زنكَابادي

لمحة عن الكَنوسيس والكَنوسية:

    ظهرت إبّان القرنين الأول والثاني الميلاديين، في الشرقين الأدنى والأوسط، وفي شمال مصر، وخاصة الأسكندرية،فرق بعضها من داخل المسيحية، وبعضها من خارجها، لها منظورها الخاص للوجود والأنسان. وكانت تعد منافسة، بل ومناوئة لآباء الكنيسة، في تلك الحقبة.ولم تكن ثمة في المتناول مصادر ومراجع عن تلك الفرق، ورؤيتها للعالم سوى مادبّجه عنها وضدّها رجال الكنيسة؛ بإعتبارها كفراً وزندقة، حتى العثور في عامي 1945و1946في(نجع حمّادي)على مجموعة من الكتابات المدوّنة باللّغة القبطية على أوراق البردي، وضمنها العديد من النصوص الكَنوسية الأصيلة؛ فأصبحت المظان المعتمد عليها من قبل المحققين والبحّاثة الغربيين، ممّا زاد ذلك من معرفة العالم برؤية الكَنوسيين للكون والأنسان.

     Gnosis كَنوسيس كلمة يونانية معناها(المعرفة)، ومنها أشتقّت كلمة gnostikoi  (العارف). أمّا معرفة ماذا؟ هنالك جواب لهذا السؤال عند فرقة(مارستايان) الكَنوسية،التي نقل عنها أحد آباء كنيـــــــــــــسة Hippolytosفي(235م) خلال ردّه على Philosophumena(الزنادقة) ما مفاده:-" بداية كمال المعرفة هي الأنسان،أمّا معرفة اللّه فتفضي إلى الكمال" إلاّ أن هذه المعرفة في منظور الكَنوسيين ليست بمعرفة عقلانية أو فلسفية،بل حتى اللفظة كَنوسيس نفسها ليست مصطلحاً فلسفيّاً باليونانية،إنّما هذه المعرفة موهوبة،غير مكتسبة.أجل إنها معرفة إلهاميّة وإشراقيّة،ويمكن القول أن الكَنوسيس بمثابة(لا) النّفي دوماً لتفاؤلية العقل وأحكامه؛ لكون هذه المعرفة تتواجد ماوراء أطوار العقل.

لقد ورد مجمل تساؤلات الكَنوسيين الأساسية لدى الأبClemensAlexandrinusكليمنس الأسكندراني(215م(1)كمايــــــــــــــــــــــلي:"لن يخلّصنا التعميد  وحده؛إنّما معرفة: ماذا كنّا؟ ماذا سنكون؟أين كنّا؟ أين وقعنا؟ إلى أين نمضي؟ ممّ ننال الخلاص؟ ما هو الميلاد؟ وما هو الميلاد الثاني؟ "                                  (2)

    غالباً ماصاغت النحل الكَنوسية نظراتها العرفانية للوجود والأنسان واللّه، في قوالب الأساطير والمجازات والتمثيل، بعضها رائع، وبعضها الآخر سقيم ومقرف.

   يعود أصل الأنسان في رأي الكَنوسيين إلى مصدر إلهي، بل وأن جوهره إلهيّ، وقد فارق منبعه الأول في واقعة درامية رهيبة، وإنقذف في هذا العالم المعادي الذي يسوده شتّى الأبالسة! وان الروح التي هي (شرارة) أو ( قطرة ندى) نورانيّة، ربّانيّة أصلاً، لكنّها إستحالت في هذا العالم كالذهب والجوهرة وسط القاذورات، بل وغريبة في أرض مجهولة؛ إذ وقعت رهينة تروس الهيمارمنه (القدر) المسنّنة. إن الروح أسيرة وحبيسة في سجن البدن، وهي تجاهد؛ للخلاص والإنعتاق " أنا من ديار الحبيب ولست من بلاد الغريب" كما يقول حافظ الشيرازي.

   وعليه فإن الكَنوسيين يصنّفون البشر إلى ثلاث مجموعات:

المادّيون( الترابيّون أو اللحميّون)/ النّفسانيّون/ والرّوحانيّون.

  لكن ما هو طريق الأنعتاق؟

    إنّه طريق المعرفة الجامع مابين Gnosis heautou(معرفة الذّات) وGnosis theou(معرفة اللّه)، حيث أن العنصر الألهي أسير للعالم الأجنبي المعادي؛ إذ نسيت الروح معرفة نفسها،فإستغرقت في النّوم،أو سكرت فتخدّرت وباتت عديمة الأحساس؛ لذلك يجب أن يبلغها(نداء) أو (هتاف) أو (وحيّ) كي تستفيق من غفلتها ونسيانها لنفسها، فتجد ذاتها من جديد، وتتعرّف على جوهرها الرّبّاني، إلاّ أن مثل هذا (النّداء) لايمكن أن يجيء من هذا العالم الشّيطانيّ المعادي، وإنما من عالم آخر ممّا وراء عالمنا هذا؛ فيوقظ الإنسان.

    إن أبرز وأروع نموذج كلاسيكي لتبيان الحال الكَنوسي للروح، أو العنصر الألهي الكامن في الأنسان هو نص أغنية اللّؤلؤة(والعنوان من وضع البحّاثة والمترجمين الأوربيين).وهو نص منظوم أصلاً باللّغة السريانية، ثم ترجم لاحقاً إلى اللّغة اليونانية،وإن متنه السرياني شعر موزون، أمّا الترجمة اليونانية فهي نثرية؛والفروقات بين النصّين ملحوظة، لكن كلا مضمونيهما واحد.وقد ورد المتن السرياني منسوباً إلى حواري مزيّف في Acta Thomas(أعمال توماس) في القرن الثالث الميلادي، وقد ترجمه إلى اللغة الإنكَليزيةA.  Bevanفي 1897(3)، أمّا نص الترجمة اليونانية فقد حققه ونشره Lipsiusو Bonnetفي 1903(4)؛ ومن ثم ترجم إلى لغات أوربية أخرى...

    في هذه القصيدة المجازية- التمثيلية، يمثّل (ألأمير) العنصرأو الشرارة الألهية في تكوين الأنسان، والذي وفع في هذا العالم، وإستغرق في النوم، ونسي موطنه الأصلي؛ حتى يأتيه من الملأ الأعلى، أي من مملكة االنّور نداء أو وحي، و(الرسالة) ترمز لذلك. بينما تمثّل (مصر) العالم الأجنبي المعادي، واللّؤلؤة ترمز للروح أو الجوهر الألهي في الوجود. وتشبه الروح تلك اللؤلؤة الضائعة في أدران هذا العالم، ويرمز البحر للعالم المادّي أو عالم الظلمة، ويرمز الزّي الوسخ لجسم الأنسان الذي يسجن الروح أو العنصر الألهي؛ ولذا لاخلاص للأمير إلاّ بنزع الزيّ الوسخ للمصريين(الترابيين- المادّيين)، أمّا الأفعى فهي أصل الشرالسائد(الحاكم)في هذا العالم.ورغم أن المصريين لايعرفون شيئاً عن موطن الأمير ومبتغاه، لكنّهم يتلمّسون الفرق بينهم وبينه، حيث يمكنهم تشخيصه كأجنبي؛ فيطعمونه من زادهم، فتتبلّد روحه، وتغطّ في سبات عميق، فتنسى نفسها ولؤلؤتها،أي تنسى ذاتها مع اللّه، لكنّما تصل الرسالة في الوقت المناسب؛ فتوقظه، فيتذكّر ذاته الحقيقية ولؤلؤته الضائعة- ضالّته المنشودة؛ فينوّم الأفعى(أي العالم المادّي) وينتزع منها لؤلؤته، ومن ثم يعود" من بلاد الغريب إلى بلاد الحبيب"... وهنا يجب التذكيربأهم أسئلة الكَنوسيين وهو: " من أين يأتي الشر، ولماذا؟" (5)

    وختاماً تجدر الأشارة إلى أن نصوص العرفان والتصوّف الأسلاميين، وكذلك نصوص بعض الملل والنّحل الأسلامية- وخاصة الأسماعيلية) زاخرة بالأفكار والآراء والتعابير الكَنوسية، ناهيكم عن الهرمسية (التي ظهرت في أواخر العهد الهيليني) والتي تشترك مع الكَنوسية في عدّة أوجه .

 

(أغنية اللّؤلؤة)

حين كنت طفلاً صغيراً

في حياض المملكة, ساكناً قصر أبي

كنت جذلاً بثراء و سؤدد مربّيّ.

[ولمّا غدوت فتى]

أرسلني أبواي

من ديارنا في المشرق [إلى مصر]

وقد حمّلاني مااستطعت حمله

ممّا خفّ وغلا ثمنه من الكنوز:

الذهب من (الاّيه)(1)

الفضّة من (كَزك الكبرى)(2)

اليواقيت من (الهند)

والعقيق من (كوشان)(3)

كما شدّا بخصري ماسة تقطع حتى الحجر

ثم عرّياني من الزيّ المتلأليء،

المذهّب والمرصّع بالجواهر،الذي 

كانا قد حاكاه في أوان حبّهما لي

كذلك جرّداني من طيلساني الأرجوانيّ،المناسب لقدّي

وعقدا عهداً وميثاقاً معي

ودوّناهما في قلبي

لئلاّ أنساهما

و[خاطباني]:

-" إذا ماقصدت[مصر]

وجلبت لؤلؤة موجودة في البحر

تحرسها أفعى مرعدة وهائجة؛

حينئذ سترتدي

زيّك المتلأليء، المرصّع بالجواهر،

وطيلسانك من جديد

وسترث حكم المملكة

مع شقيقك القرين لمقامنا"

فغادرت المشرق

منحدراً مع دليلين[رسولين]

لكون الدرب عسيراً و جدّ خطير

ولأنّي كنت يافعاً حين ابتدأت المسير.

إجتزت حدود(ميشان)(4)التي

كانت لتجّار المشرق ملتقى

وبلغت(بابل)

حيث تحلّقتني أسوار(سربوكَـ)

ثم ولجت أعماق(مصر)

ففارقني صاحباي.

وسرعان ما دنوت من الأفعى

كامناً لصق جحرها

[منتظراً] أن تنعس وتستغرق في نومها؛

فأنتزع لؤلؤتي منها.

لقد كنت وحيداً،أجنبيّاً في تلك الديار

وإذا بي أرى فتى مشرقيّاً من بني جلدتي

من سليل الأحرار

كان فتى مليحاً، جذّاباً وابناً لوال كبير

ومنذ إلتحق بي؛

إتّخذته رفيق عشرتي ودربي

فحذّرني من المصريين ومعاشرة الطالحين.

 فإرتديت مايرتدون من زيّ؛

لئلاّ يتعرّفوا عليّ،

وإنّما يحسبونني منهم؛

فلا يحرّضون الأفعى عليّ

حتى أنتزع اللّؤلؤة.

إلاّ أنّهم حزروا بطريقة ما أنني أجنبيّ؛

فتحايلوا و نصبوا عليّ،

بل وأطعموني من زادهم؛

فنسيت كوني نجل ملك

ورحت أخدم ملكهم،

بل نسيت حتى اللّؤلؤة التي

أرسلني لجلبها أبواي!

و لدسامة زادهم ؛

إستغرقت في نوم عميق...

ولقد علم أبواي بما أصابني؛

فحزنا عليّ

وراحا يناديان في كل أرجاء المملكة

أن يهرع الجميع إلى البوّابات

ملوك و أمراء(بارثيا)

و كل نبلاء المشرق؛

ليضعوا خطّة من أجلي

لئلاّ أظل في مصر على حالي،

وقد بعثوا إليّ رسالة وقّعها كل النبلاء :

-   "من أبيك ملك الملوك

و أمّك سيّدة المشرق

و أخيك قرين المقامات الرفيعة،

إليك يا نجلنا بمصر!

سلاماً

إصح من نومك وانهض

واصغ لكلمات رسالتنا!

تذكّر أنك أمير

و انظر كيف غشاك ضباب العبوديّة،

 و منذا تخدم....؟!

تذكّر اللّؤلؤة التي

قصدت مصر من أجلها،

فكّر بزيّك القشيب المتلأليء

وطيلسانك العظيم الذي سترتديه؛

بعد أن تسطّر إسمك في سفر البسلاء

و تعتلي مع أخيك(ممثلنا) عرش المملكة  "

لقد وقّع الملك الرسالة بيده اليمنى ؛

لصونها من أبناء (بابل) الأشرار،

و غيلان (سربوكَـ) الرهيبة.

ولقد تجنّحت الرسالة كالعقاب،

و طيّر معها الملك كل الطيور،

فحطّت بقربي

و كلّها يصدح ويلهج....؛

فاستفقت و نهضت من رقادي،

فتلقّفتها و قبّلتها،

و أزلت ختمها،ورحت أقرؤها...

مثلما كان كل شيء منقوشاً على قلبي

كانت كلمات الرسالة مسطّرة؛

فتذكّرت أنني من سليل الملوك،

ويكمن إنعتاقي في توقي إلى سجيّتي،

كما تذكّرت اللّؤلؤة التي

أرسلوني من أجلها إلى مصر...

ورحت أنوّم الأفعى الهائجة بالسحر،

بذكر أسماء أبي وقريني في المقام

 وأمّي ملكة المشرق؛

فاختطفت اللّؤلؤة،

ثم عدت أدراجي إلى بيت أبي،

وكنت قد نزعت زيّ المصريين القذر

وتركته هنالك

ومضيت صوب المشرق،

صوب أنوار منزلنا،

مستنيراً برسالتي الموقظة

طوال الطريق،

حيث كانت تهديني بنورها

مثلما أيقظتني بندائها.

و لئن كان الزيّ الحريري الملكي

يتلألأ نصب عينيّ،

و يجتذبني بندائه،

و يدفعني حبّه قدماً؛

فقد واصلت مسيري،

عبرت (سربوكَـ) تاركاً بابل على يساري،

وبلغت(ميشان الكبرى)

 (سماء التجّار) الواقعة على البحر،

حيث كان زيّى المتلأليء ملفوفاً بالطيلسان،

وقد أرسله أبواي من علالي(هيركانيا)

مع حاميي كنوزهما الموثوقين

غير أنّي لم أكن أتذكر عظمته؛

إذ نزعته منذ يفاعتي وتركته في بيت أبي.

لكنّما بدا مرآة لذاتي حالما شفته،

حيث شهدت كل كياني...

وقد أصبحنا متماثلين

مع كوننا متمايزين من قبل،

كما شهدت حاميي الكنوز

على الحال نفسه إثنين على شاكلة واحدة،

حاملين نقش الملك،

وهما يعيدان إليّ كنزي وثروتي...

كان طيلساني المتلأليء

مزداناً بالألوان الجليلة،

بالذهب، الزبرجد، الياقوت، العقيق،

   الجواهر الملوّنة،وأحجار الماس،

وصورة ملك الملوك منقوشة عليه.

بدت شتّى ألوانه مثل اليواقيت الزرق،

وأنا ألمح فيها المعرفة

تمور مختلجة كأنما تهمّ بالنطق!

وسمعت أنغام ألحان تخاطب الحضور:

-   " أنا ذلكم القويّ في الأفعال،

أنا من ربّوه في قصر أبيه؛

لذا فقد أدركت ذاتيّاً

أن قامتي قد نمت حسب أعماله "

كان المتكلم يقصدني

بإشاراته الملكيّة

وعلى عجل؛لأستلم الأمانة

من يديه السخيتين؛

فهيّج صبوتي،

فعدوت إليه،

فأخذت طيلساني المتلأليء،

فارتديته متزيّناً بروعة ألوانه،

ثم مضيت نحو بوّابة المجد والثناء،

حيث أحنيت رأسي إجلالاً،

حامداً فضل أبي الذي أرسله إليّ.

ولئن إمتثلت لمشيئته، وأوفى بوعده،

وانخرطت مع النبلاء،

عند بوّابة الأمراء؛

فقد قبلني مستبشراً في حياض مملكته،

وراح كل رعاياه

يجلّونه بتراتيل الثناء،

ثم أمرني أن أحثّ خطاي نحو بوّابة ملك الملوك؛

لأظهر معه أمام الملوك

مع هداياي ولؤلؤتي...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

-(1)الآيه(2)كَزك(5)هيركانيا:لم استطع ضبط مواقعها الحالية،مع انها تقع في الشرق بالتأكيد.(ج.ز)

-(3)كوشان:بقاع من الهند القديمة(ج.ز)

(4)ميشان:البصرة الحالية(ج.ز)

إشارات:

1- Refutatio  Omnium  Haeresium.

2- Clemens  Alexandrinus- Excerpts  ex  Theodoto, 78

3- A.Bevan, The  Hymn  of  Soul,  in  Texts  and  Studies  Cambridge, 1897

4- A. Lipsius & Bonnet, Acta  Apostolorum  Apocrypha, 11, 2, Leipzig, 1903

5- Pothen  to  Kakon?  Unde  malum  et  qure?

المصدر:

مجله( كلك) شماره (53) مرداد 1373

(ترانهء  مرواريد)/ ترجمه: دكتر شرفالدين خراسانى