|
جلال زنكَابادي
zangabady@gawab.com
Jalal
Zangabady
ترجمة وتعقيب:جلال زنكَابادي
ليس عيسى(ع)في منظور المتصوفة مجرّد مظهر للزهد والفقر الصوفيين
فحسب،بل هو نموذج لكمال التجرد والتفريد والعزلة وخلوة العارفين.وفي
الوقت نفسه يحسب المتصوفة الفقر العيسوي،الذي يروّج للرهبانية
والإلتزام بها قاصراً عـن الكمال،بالمقارنة مع الفقر المحمّدي،الذي
يعده المتصوفة ملزماً في الصحبة والخدمة.
ومع ذلك فإن لعيسى في حد ذاته مرتبة عالية من مراتب القرب؛فهو محسوب
كأحد الأنبياء الخمسة أولي العزم.وأولوالعزم هم كل ذي وحي ومعجزة
وكتاب،وقائم بنسخ شريعة سابقة بشريعة أخرى(1)فمن
بين طبقات الأولياء،الذين يبلغ عددهم ثلاثمائة وستة وخمسين وليّاً،فإن
ئلاثمائة منهم محسوبون على قلب آدم،وأربعين منهم على قلب موسى،وسبعة
منهم محسوبون على قلب عيسى،أما التسعة الباقون فمحسوبون على قلوب
الملائكة:جبرائيل وميكائيل وإسرافيل(2)وهنا
تتبيّن أهمية مرتبة عيسى في قلة عدد الأولياء المحسوبين على قلبه.
إن تلقي إبن عربي لوجود عيسى مبني على القول بكون
عيسى(الكلمة)و(الروح)كلتيهما؛ففي عقيدته أن الله قد رفع جسمه إلى مرتبة
الروح،وأحاله مظهراً لقدرته على الخلق،ومن هنا جاءت قدرته على إحياء
الموتى،إذ أحيا عيسى الموتى؛لأنه كان روح الباري عزّ وجلّ،وفي حدوث
ذلك،كان الباري نفسه وليس سواه موجباً للحياة،رغم أن نفَس(نفخ)عيسى كان
عاملاً للفعل؛لأن النفخة الملقاة في جسم مريم كانت من لدن جبرائيل،أما
الكلمة التي جسّدت كينونة عيسى فكانت من لدن الله(3)
وعليه؛فقد ظهرت الخلافات في باب عيسى بين أرباب الملل،فمن ينظر إليه
من الجانب البشري؛يحسبه إبن مريم،ومن يره صورة بشرية تجلّت عبر
مريم؛ينسبه إلى جبرائيل،أما من ينظر إليه عبر أفعاله كبعث
الموتى؛فينسبه إلى الباري ويحسبه روح الله؛لأن كل ما نفخ فيه قد بان في
تلك الحياة(4)
على كل حال،يرى المتصوفة أن"مقام التجرّد والتنزيه من قيد الكثرة
والرسوم والعادات،والذي جعل منه مسيحاً"مستمد من روح الله؛فهم يعتقدون
أن الأنبياء السابقين(ع)لم يبلغوا مرتبته،مهما كانوا وافري الكمال(5)ولهذا
قال رسول الله محمد(ص):"إني أولى الناس بعيسى بن مريم،فإنه ليس بيني
وبينه نبي"
يرى الشيخ(الشبستري)عيسى المسمّى بروح الله المتجلّيّة عن روح
القدس؛ولذا فإن الإنسان متى ما ينال الخلاص من نفَسه الناسوتي؛سترقى
روحه-التي بلغت شأو روح القدس مثل عيسى الذي كان روح الله-سترقى إلى
حضرة قدس اللاهوت:
"قد بان هذا الفعل من روح الله التي
جاءت متجلّيّة من روح الـقـدس
وكذلك أمامك روح فيها من روح القدس
إذا ما تخلّصت من نفَس الناسـوت
ستتجلّى في حضرة قدس اللاهوت
فكـل مـن تجـرّد كالمـلاك؛
سيبلغ الفلك الرابع كروح الله"(6)
وعلى هذا الحال،فقد أشار(اللاهيجي)شارح(كَلشن راز)إلى أن عيسى يعد
مظهراً لتوحيد صفات مايسمى بـ(التوحيد الذاتي)وله
المرتبة-الأكمل-الخاصة بالمقام المحمدي،في حين كان الأنبياء السابقون
لعيسة مظاهر لتوحيد الأفعال؛ولذا فقد بزّت مرتبته مراتبهم،ثم إن علماء
الأمة في أبحاثهم عن مراتب التوحيد-الذي كانت ذوات الأنبياء تجلياً
له-لم يقولوا بتجاوز أيّ منهم لمرتبة عيسى(7)
على كل حال،يعتقد المتصوفة أنه"منذ عهد آدم حتى زمن عيسى،كان كل
واحد من الأنبياء يتصرف بخميرة عجين غيره،أما التنور الحامي فقد تأججت
ناره بمحبة محمد عليه الصلوة"(8)ولقد
تلقى المتصوفة قول عيسى"لم يدخل ملكوت السموات من لم يولد مرتين"(9)كعبارة
جامعة لتعاليمه في وجوب الخلاص الذاتي(10)كما
عدّوا الأنبياء(خضر وألياس وإدريس وعيسى فقط)من المرتقين إلى
مرتبة(الروحانية)بمداومة المجاهدات وملازمة الخلوات والرياضات
الروحية؛حتى تلونت أجسامهم بلون أرواحهم(11)
وهكذا فإن عيسى يحسب على تجلّي الروحانية،وقد قال سعد الدين
حمويه"كل نفس يغلب عليها المعنى؛تعلو فيها نسبة عيسى"(12)*
الإشارات:
1-عزيز
نسفى،انسان كامل،رسائل اضافى/صص322،3
2-عزيز نسفى،انسان كامل،رسائل اضافى/صص317،19
3-إبن عربي:"فوقع الخلاف بين أهل الملل في عيسى،ما هو؟فمن ناظر فيه من
حيث صورته الإنسانية البشرية،فيقول هو إبن مريم،ومن ناظر فيه من حيث
الصورة الممثلة البشرية،فينسبه لجبرئيل" فص عيـسوي،با شرح قيصرى/ص326
4-شرح قيصرى/ص326
5-لاهيجي،شرح كَلشن راز/ص674
6-كَلشن راز،ذيل مفاتيح الاعجاز/ص767
7-لاهيجى/ص677
8-مرصاد العباد/ص148
9-احاديث مثنوى/ص96
10-مرصاد العباد/ص240
11-نفحة الروح وتحفة الروح/ص14مقايسه با عبهر العاشقين/ص142
12-سعدالدين حمويه،المصباح/ص78
*لم أجد ضرورة لترجمة الإشارات(ج.ز)
المصدر:
جهره مسيح در ادبيات فارسى
د.قمر آريان
جاب دوم1378تهران
(أطروحة دكتوراه)
تعقيب:
ليس كمثل محيي الدين بن عربي،الصوفي الفيلسوف(المتوفي سنة1240م)أحد
من المتصوفة إستقرى وإستقصى؛فأبان لبس مايتعلق بلاهوتية عيسى
المسيح(ع)لاسيما في(فص حكمة نبوية في كلمة عيسوية)صص(138-150/ج1فصوص
الحكم)ولذا إرتأيت بالضرورة إعداد هذه المداخلة التعقيبية مولّفاً بين
شذرات مهمة من هذا(الفص)مع الإستعانة بأهم تعليقات(د.أبو العلاء
عفيفي)صص(176-203/ج2)متوخياً إضاءة عتمات هذا الموضع الشائك،خصوصاً وان
الطرح الصوفي يساهم أكثر من سواه في الحوار الديني،وفي تشييد مداميك
صرح التسامح،الذي تصبو إليه البشرية منذ القدم،والآن،ومستقبلاً،بعكس
الدوكَمائية التي تؤدي إلى القمع والإرهاب المشهودين يومياً في عالمنا
حالياً.
على(ص138/ج1)يقول شيخنا الجليل إبن عربي:
"عن ماء مريم،أو عن نفخ جبريـن
في صورة البشر الموجود من طين
تكـون الروح في ذات مطهــرة
من الطبيـعة تدعـوها بســجّين
لأجل ذلـك قد طالت إقـامـتـه
فيـها،فـزاد على ألـف بتعـيين
روح من الله،لا من غيره،فـلـذا
أحيا الموات وأنشأ الطير من طين
حتى يصـح لـه من ربه نـسب
بـه يؤثـر في العالي وفي الدون
ألله طهّـره جــسماً ونـزّهـه
روحـاً وصـيـّره ممثلاً بتكوين"
سجّين:الكتاب
المرقوم الحاوي على أعمال الفجّار.
حصل لمريم"حضور تام مع الله،وهو الروح المعنوي"لما قال لها
جبريل"إنما أنا رسول ربك جئت(لأهب لك غلاماً زكياً)فانبسط قبضها،وانشرح
صدرها،فنفخ فيها في ذلك الحين عيسى،فكان جبريل ناقلاً كلمة الله
لمريم،كما ينقل الرسول كلام الله لأمته،وهو قوله:"وكلمته ألقاها إلى
مريم وروح منه"؛"فسرت الشهوة في مريم،فخلق جسم عيسى من ماء محقق من
مريم ومن ماء متوهّم من جبريل"(ص139/ج1)
فقد"كان النفخ لجبريل والكلمة لله،فكان إحياء عيسى للأموات
محققاً،من حيث ماظهر عن نفخه،كما ظهر هو عن صورة أمه.وكا إحياؤه أيضاً
متوهّماً أنه منه،وإنما كان الله؛فجمع بحقيقته التي خلق عليها،كما
قلناه،أنه مخلوق من ماء متوهّم وماء محقق"(ص139/ج1)
وعلى(ص182/ج2)جاء في تعليق الدكتور عفيفي:
"يقول إبن عربي،ان عيسى لم يكن له أب من البشر،فلم يتكون جسده من
إمتزاج ماء ذلك الأب بماء أمه على نحو ما تجري به العادة،ولكن لما ظهر
جبريل لمريم في صورة بشرية وأخبرها بأنه رسول من الله جاء ليهب لها
غلاماً زكياً،سرت فيها الشهوة لما توهمت أن هذا الشاب الجميل يريد
مواقعتها وجرى ماؤها.وفي هذه اللحظة نفخ جبريل فيها روح الله؛فامتزجت
رطوبة النفخ التي هي الماء المتوهّم بمائها الحقيقي وتكون جسد عيسى.ولم
يكن ذلك النفخ سوى الروح الإلهي الذي مس ماء مريم،فسرت فيه الحياة"ولقد
قال الله تعالى في القرآن الكريم:"ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها
فنفخنا فيه من روحنا"
ولكن ما هو الخلاف الذي وقع بين الملل في عيسى؟
يقول إبن عربي:"فمن ناظر فيه من حيث صورته الإنسانية البشرية،فيقول
هو إبن مريم.ومن ناظر فيه من حيث الصورة الممثلة البشرية،فينسبه إلى
الله بالروحية،فيقول روح الله،أي به ظهرت الحياة في من نفخ فيه"
وعلى(ص179/ج2)يوسّع ويعمّق د.عفيفي رؤية إبن عربي-كدأبه في تعليقاته
القيمة على فصوص الحكم-"فالمسيح الذي هو روح الله،صدر عن الله بهذا
المعنى،أي أن الله تجلّى في صورته،كما تجلّى في صور مالايحصى من
الممكنات"و"من كون المسيح روحاً من الله،أو من كونه مجلى من الجالي
الإلهية التي لاتحصى،كانت له القدرة على الخلق وإحياء الموتى وغير ذلك
مما لاينسب عادة إلاّ إلى الله.والحقيقة ان في نسبة هذه الأفعال إلى
المسيح شيئاً من التجوّز؛لأن الخالق على الإطلاق والمحيي على الإطلاق
هو الله،ولم يكن في هذه الحالة سوى الله في الصورة العيسوية الخاصة"
المصدر:
فصوص الحكم
للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي
والتعليقات عليه بقلم:د.أبو العلاء عفيفي
بيروت1966
|