ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 09, 2010 11:23 PM

Detroit Michigan U.S

 

 

ملف خاص

جليل القيسي في عزلته المختارة، حوار معه ورسائل منه

 

  

جلال زنكَابادي

zangabady@gawab.com

 

   في 27تموز2007 مرت الذكرى الأولى لرحيل القاص وكاتب المسرحيات جليل القيسي،الذي يعد أحد أبرز المبدعين في مشهد الأدبي العربي المعاصر؛بمساهمته المشهودة في ترسيخ الإتجاه الحداثوي في مضمار كلتا القصة والمسرحية القصيرتين، منذ ستينات القرن الماضي.

   ولد الفقيد جليل القيسي عام1937في كركوك، لوالد ينحدر من عشيرة الكروية القاطنة في ريف ناحية جلولاء بمحافظة ديالى،ووالدة كردية من عشيرة الزنكَنة،قال عنها:- "كانت والدتي أنزه قلب عرفته في حياتي،وأصلب من عرفت في المواقف الصعبة" وقال عن طفولته:-"كنت حتى الثامنة من عمري لاأعرف سوى اللغة الكردية،وتعلمت التركمانية في الحارة التي عشت فيها.."ثم إنه تزوّج بأرمنية؛وهكذا فقد إجتمعت شتى الإثنيات والأطياف في عائلته،فاتسمت أعماله وأفعاله بروح التسامح والتعايش على جميع الصعد.

 ترك القيسي متابعة الدراسة بعد المرحلة الإبتدائية؛لينخرط في العمل،ثم غامر في مقتبل شبابه عام1958بالسفر إلى أمريكا؛لدراسة فن التمثيل لشغفه العارم بالسينما،لكنه خاب في مسعاه، حيث لم يتحقق حلمه؛فعاد بعد قرابة السنة إلى كركوك،التي عاش فيها حتى نهاية عمره.وقد تعرض بعد إنقلاب شباط الأسود 1963للإعتقال والتعذيب والفصل من وظيفته،التي أعيد إليها في أواخر1968لكنه لم يبق فيها طويلاً؛إذ تقاعد بناءاً على طلبه؛ليتفرغ لمشروعه الإبداعي في خلوته الكركوكية الأثيرة،حيث لم ينخرط في العمل الصحافي كأكثر زملائه من(جماعة كركوك)ولم يمارس الترجمة الأدبية،التي كان في مقدوره أن يزاولها،لاسيما من الإنكليزية إلى العربية،فلم يترجم إلاّ بضع قصائد، ولم يكتب إلاّ بضع مقالات أدبية، ثم إنه كان زاهداً في الأضواء"حقاً كان القيسي جاداً وعصامياً ونبيلاً ومنتجاً،كرس نفسه،بقدر وعيه للإبداع،وربما كان أكثرنا نبلاً ومعاناة"هكذا قال الشاعر مؤيد الراوي، و"يحبنا جميعاً بدون حدود كدراويش في محراب الأدب المقدس"كما أشار الشاعر والروائي فاضل العزاوي.

   لعل أطرف مافي سيرة هذا الأديب المبدع العصامي هو إنخراطه في عالم الأدب في1959بمحض الصدفة؛وذلك إثر قراءته لـ(الزوج الخالد)لدستويفسكي،و(أرض ثمارها من ذهب)لجورجي أمادو،و(عناقيد الغضب)لجون شتاينبيك،إذ أحس برغبة ملحة في الكتابة،وكانت بداياته بالإنكَليزية"كنت لاأجيد اللغة العربية قدر إجادتي للغة الإنكَليزية؛لتركي الدراسة...وتشبثت أخيراً باللغة العربية..."وبالطبع إنتهج التثقيف الذاتي الموسوعي باللغتين العربية والإنكَليزية،كما أنه كان يتحدث باللغات الكردية والتركمانية والآثورية بطلاقة.

   صدرت للقيسي خلال حياته أربع مجموعات قصصية قصيرة،وثلاث مجموعات مسرحية،وكتبت عن أعماله ثلاث رسائل ماجستير،في جامعات الموصل وتكريت وديالى،وهنالك الآن رسالة ماجستير أخرى عن أعماله قيد الإنجاز في جامعة السليمانية،إضافة إلى بضع مقالات وبضع دراسات في الجرائد والمجلات...وكان القيسي بطبيعته عازفاً جداً عن المقابلات والحوارات الصحافية والتلفزيونية والإذاعية وإلقاء المحاضرات وخوض الندوات،وكان مترفعاً عن المماحكات والمنافسات والمهاترات ...ولم يلبّ طوال مشواره الأدبي طلبات المقابلة والحوارغير بضع مرات قد لاتتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة،لعل أطولها هو الحوارالذي أجراه معه كاتب هذه السطور في خريف1971 لمجلة(مواقف)وقد نشرته جريدة(الجمهورية)البغدادية،في21آيار1972وأعادت جريدة(العلم الأسبوعي)المغربية نشر أغلب فقراته.

   لم يحد القيسي عن إخلاصه لإبداعه وإستغراقه فيه،بعيداً عن طموح الشهرة الزائفة،وولائم العفالقة ومكرمات القائد الضرورة،وإمتيازات كتبة الأدب الشوفيني/الفاشي والتقارير السرية؛ فقد آثر الإنزواء، لا الصمت الإبداعي،مجاهداً ومكابداً للإحتفاظ بتوازنه الأخلاقي والثقافي، قانعاً بالخبز الكفاف الكريم"عشت ومازلت فقيراً،بل ثق معدماً،لكنني في عربة الأدب،تعلمت أن جوهر الفضيلة هو ضبط النفس"وكما كتب في رسالة جوابية إلى صديقه الشاعر مؤيد الراوي،في شباط2006:"عشت عقوداً خرافية من الخوف ومن الرعب،في ظل الفاشية الصدّامية؛حتى أصبح الخوف عندي ضرباً من المتعة!ولاأعرف في الواقع كيف نجوت من فك الماكنة القاتلة،وبأيّ مزاج كتبت أعمالاً أعتز بها.أما الآن، بالرغم من الفلتان الأمني المريع؛أكتب بحماسة، فيما أردد مع نفسي كلمات الشاعر البرتغالي ريكاردو رييس(الأصح هو فرناندو بيسوا؛لأنه أحد أسماء الأنداد الثلاثة،الذين نشر بيسوا أشعاره بأسمائهم /ج.ز):

"مازلت على قيد الحياة

غيرمكترث بأحد

أنا الذي يجبر الجميع على الصمت

أنا الذي يتكلم"   

   لقد كان جليل القيسي من أبرز الأدباء عشقاً لمدينته،التي لم يبارحها كما فعل الآخرون من مجايليه،بل وأكثرهم إحتفاءاً بها؛ فهو إبنها البار المترعرع في حضنها،والمستغرق في مشروعه الثقافي في جنباتها"بصبر رواقي سقراطي"و"لقد أحببت ومازلت وسأبقى أحب بهوس مدينة كركوك.أحب كردها،تركمانها،آثورييها،أرمنها وصابئتها.عندما تعشق مدينتك عشقاً حقيقياً؛تفرق بسرعة آهة فيها عن آهة أخرى" على حد قوله.ومن هذا المنطلق راح يحيل كركوك بؤرة/حاضنة تناصية لأشعة سائر ثقافات المعمورة الحديثة والقديمة،وعبر موشور/فضاء ذاته المبدعةفـ"الكتابة عملية معقدة جداً، وذات الكاتب حتماً تتشظى هنا وهناك"كما قال.

     لقد لعبت(جماعة كركوك)دوراً مؤثراً بارزاً في تدشين الحداثة الشعرية والقصصية العراقية والعربية منذ النصف الثاني من ستينات القرن الماضي،عبر مساهمات:فاضل العزاوي،سركون بولص،جليل القيسي،يوسف الحيدري،زهدي الداوودي،محيي الدين زنكَنه،مؤيد الراوي،الأب يوسف سعيد،أنور محمود سامي(الغسّاني!)،صلاح فائق وجان دمو.وقد تميّز كل واحد منهم بشخصيته الأدبية المختلفة والمستقلة،ومستوى عطائه عدداً ونوعاً،ضمن التيّار المجدد.وبالطبع كان جليل القيسي أبرزهم في مضمار القصة القصيرة، حيث دشن نبذه للإستعباد الآيديولوجي والعقدة الموباسانية وتخلى عن الموروث الجيخوفي بمجموعته الرائدة(صهيل المارة حول العالم) "...رغم تواضع موهبتي، كنت أشعر أنني منساق بقوة رهيبة؛ لأهز القصة العراقية والعربية،وأنتشلها من رتابتها وكسلها وأحداثها الميلودرامية الحزينة(.......) لذا إندفعت أكتب قصص(صهيل المارة...) بلغة غضب هستيري، بلغة بلدوزرات ومجنزرات.."وفعلاً أفلح القيسي في أن يصبح الضلع الثالث من المثلث الذهبي للقصة العراقية، بل العربية الجديدة، أما الضلعان الآخران فهما محمد خضير وفهد الأسدي، ثم راح هؤلاء وآخرون كزهدي الداوودي ويوسف الحيدري وجمعة اللامي وعبدالإله عبدالرزاق وأحمد خلف...يطرحون نصوصهم الطلائعية الرصينة،اللامألوفة والمتجاوزة للسرود التقليدية، في الوقت الذي كان المشهد القصصي العراقي يضج أيضاً بالفذلكات المفبركة والهلوسات والتهويمات المنفلتة وحتى النزعة العبثية والنهلستية،ناهيكم عن رواد التجديد والتيار السلفي.

   وفيما يتعلق بجليل القيسي،فقد قام بتحقيق حداثته المنشودة، بالإستناد إلى الرؤى السوريالية والفانتازية، وتحطيم حيثيات السرد التقليدي المألوف وأطره، مدشناً سرده البديل،الذي سمّاه أخيراً بـ(السرد الإمبراطوري!)محطماً عبره وحدتي المكان والزمن الإعتيادي(البداية،الوسط والنهاية) محلاً محله الزمن المتواشج مع سيكولوجية الشخصيات،في وحدة(زمكانية)جدلية،وهو يقول بهذا الصدد:- "ثق،عندما تمتلك مخيلة برمثيوسية؛تستطيع أن تبتكر كل شيء،وتستطيع رغم تزمنك الخاص كإنسان أن تلوي الزمن وتخلق زمنك الخاص"كما انه فرض هيمنة(الأنا)على أغلب سردياته؛لأن(الأنا)في نظره"عبر عذاباته الثائرة،هو مركز العالم"ولذا فإنه نادراً ما ينتقل في سرده من الضمير الأول(أنا)إلى الضمير الثالث(هو)...

   لقد كان بطله المتكرر في قصصه هو الإنسان الحالم المتمرد المطارد والقلق، وكانت(أنا)القاص(الراوية)و(المشارك)في سرديته مضمرة في مجموعتيه(صهيل المارة...)و(زليخة...) لكنها إستفحلت جهيرة صخابة لاحقاً وبإسمه الصريح(جليل...)وحاضرة بأقصى حالات التماهي النيرفانية، بحيث أقحم ذاته في الكثير من قصصه عبر تركيبة شيزوفرينية-نرجسية عارمة نازعة إلى جنون العظمة؛ وتكمن علة العلل في طبيعة تكوينه الشخصي وعزلته المختارة( التي سأتناولها لاحقاً) وطبعاً ينفي جليل إتهامه بهذه النزعة؛ ومع ذلك يبدو أغلب قصصه؛ كما لو أنه قد كرس خطابه السردي لإستعراض ثقافته الواسعة ليس إلاّ، حيث "يتحدث عن نفسه،وعن ثقافته وإهتماماته،لا عن شخصية في العالم الموضوعي،مستقلة عن ذاته"على حد تشخيص الناقد(د.شجاع العاني)مما أدى ذلك إلى إقحام وفرض ثقافته الواسعة والعميقة على كينونات شخصيات قصصه كافة،حارماً إيّاها من إستقلالية سماتها وملامحها وخطاباتها المتنوعة والمختلفة الخاصة بها،كما في حواراتها،وذلك بالعكس من(البوليفونية/تعددية الأصوات)وهنا يتجلى لنا(كعب أخيل)في فن القيسي،حيث يطفو المزيد من المصطلحات والمقولات الفكرية الجاهزة على سطح أغلب قصصه ومسرحياته،إلى حد إعاقة نموها الدرامي التلقائي،بحيث تسودها التقريرية والخطابية،وتعيق وتشوّش تلقي القاريء غير الملم،ثم إن العديد من قصصه تفتقد الصلة العفوية بين الواقع والرمز؛إذ تبدو الرموز وكأنها مختلقة؛ لمجرد تجسيد مواقف فكرية مسبّقة،رغم أن القيسي قد أفلح في تصعيد القصة إلى عالم الشعر والأسطورة والفانتازيا؛مصداقاً لقوله"إن الذي يملك خيالاً خاملاً؛لايستطيع أن يرى حتى الواقع العادي"و"من غير خيال وضاء؛لايوجد إبداع"

   إن مايدل على نزعة القيسي الثقاإستعراضية؛ انه غالباًما كان يلجأ إلى الإستعانة بخزينه الهائل من الأقوال المأثورة حتى في محادثاته الإعتيادية ورسائله، ناهيكم عن المقابلات والحوارات معه، وهي إحدى الصفات البارزة التي شخصها صديقه الأديب فاضل العزاوي: " كان جليل بعكسنا يملك دفتراً يسجل فيه ملاحظاته على مايقرؤه؛ مقتبساً أيّ جملة يجدها جميلة، ويستخدمها أثناء المناقشة والحديث/ الروح الحية"

   في تقييم منصف للكاتب القيسي،يقول د.شجاع العاني"إن جليل القيسي يحلّق عالياً في بعض قصصه،بخاصة تلك التي يستثمر فيها أعمال أدباء عالميين كبار،لكنه فناناً قد يضعف حين يكتب عن تجارب واقعية أو شخصية عاشها بشكل أو بآخر"وإستقصاءً لهذا الرأي نضيف أنه لايخفى على القاريء المتتبع،ناهيكم عن الناقد، تأثر القيسي إلى حد كبير بدستيوفسكي،إدغار ألن بو،كافكا،وبورخيس...ويتجلى تأثره في إستثماره لشخصيات نجنسكي ولوركا وفان كوخ وجيفارا وكافكا ودستويفسكي وإسكندر المقدوني...إلخ بأسلوب الكولاج والتوليف،بل ينفرد أدب القيسي في مشهد الأدب المعاصر بكونه حقلاً هائلاً للتناص لم يحظ بأية دراسات معمقة؛فقد بنى عشرات النصوص على نصوص أخرى بحِرَفيّة معد(الكيك الجاهز) حيث إستقى وإستوحى شخصيات وأحداث وأفكار جل قصصه ومسرحياته من نصوص أدبية وميثولوجية وتاريخية وسيروية ولوحات فنية...متخذاً من الموروثات البعيدة والقريبة أقنعة للتعبير والتلميح عن موقفه من الواقع المعطى ورؤيته في الوجود،وبذلك فإن فضاءه السردي الرحيب مهما بدا غرائبياً ويوتوبيّاً بتضاريسه الرمزية والأسطورية،يعكس جمالياً واقعه المعطى المعاش؛وهذا يعني أن أدب القيسي ليس مبتور الصلة بالواقع حتى في أقصى تحليقاته الفانتازية،ففي قصة(مملو) مثلاً، يقوم الكهنة بتمجيد الملك الطاغية(أمارسين)الذي يعني إسمه(المحق والفناء)كما يقوم ناسخو الملك وكتبته بتزوير التاريخ والحقيقة لصالحه؛ فياترى ألا يدين القيسي،في هذه القصة طغيان وإستبداد دكتاتور بغداد وأزلامه العفالقة المروجين للزيف والتزوير على الصعد كافة؟!

   ومما يستوقناأيضاً هو إستغراق القيسي في كتابة العشرات من القصص والأقاصيص القصيرة عن الحب والجنس، في أواخر سنوات حياته، وهو بطلها جميعاً، أما بطلاتها فإستثنائيات لايشبهن النسوة الشرقيات البتة، ولايخفى على الدارس المتمعن أن هذا النزوع جاء تنفيساً وتحقيقاً لرغبات وأحلام مكبوتة وغير متحققة في الواقع، وربما يستجلي العجز الجنسي للكاتب نفسه، رغم انه ينفي هذا التشخيص، لكنه يؤكده بصورة غيرمباشرة:- " أشهد أنني لست زير نساء" و "أعشق الصداقة العذرية" و " أنا لاأتحمل المرأة المهمشة، الخائفة، المضطربة..مع المرأة القوية أشعر بحالات من النشوة الكثيفة" و لهذا " أصوّرهن جريئات، مقدامات، غبيرهيّابات"

 ومع كل ما أسلفناه؛ فإن البطل الرئيس،الذي يتكرر في قصص القيسي مع بعض الإختلاف في الملامح في هذه القصة وتلك، هو اللامنتمي المغترب،وهو إيجابي،لايستسلم،وإنما يتحدى بحدة وعنف قدره،ويقارع إغترابه الذاتي والإجتماعي بنفس إنتحاري(سيزيفي-برومثيوسي)وهو لاينهزم،حتى لو تحطم؛مادامت تنتصر قيمه ومثله.

   والجدير ذكره هنا أن القيسي قد حاول ذات مرة كتابة رواية، لكنه لم يقتنع بـالـ(80صفحة) المنجزة منها؛ فمزقها وكف عن المحاولة في هذا المضمار، وتكمن العلة في فشله أو عزوفه عن كتابة الرواية في أن كتابة الرواية تستوجب إستيعاباً وتمثيلاً كبيرين لمعطيات الواقع المعاش ونفساً طويلاً لمعايشة الشخصيات والأحداث ومايتعلق بها من صراعات..إلخ؛ وكان كل ذلك يصعب جداً على جليل القيسي الذي إعتاد على تكريس التناص وأسلبه،كما جافى البوليفونية. أما إنخراطه في كتابة المسرحية القصيرة خاصة؛فقد تحقق في سبعينات القرن الماضي يوم كانت الحركة المسرحية في العراق تبشر بخير" لكن فجأة جاء المسرح التجاري، وسيطر التهريج والعبث السخيف، وبدأ باستنزاف العقل والإخصاء الذهني، واستمر هذا المسرح المتشرد في تهريجه مدعوماً من قبل النظام الفاشي، وأُضطررنا أن نتوقف مرغمين؛ لأن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، ومنذ الثمانينيات لم أكتب سوى ثلاث مسرحيات قصيرة فقط/جليل القيسي" وعن الحالة التبادلية مابين كتابة الجنسين الأدبيين(القصة والمسرحية) أوضح القيسي: "أبدأ أحياناً بكتابة قصة، فإذا بها تتحول إلى مسرحية، والعكس صحيح أيضاً"

وهنا،لابد من إستجلاء(العزلة المختارة)التي صارت حال جليل القيسي وحالنا جميعاً نحن أدباء وفناني ومثقفي الظل(الأستثناء) المناهضين للنظام العفلقي القمعي، والذين دفعنا ثمن الحفاظ على شرف الكلمة باهظاً جداً، وسيف ديمقليدس مسلط على رقابنا:"..أنت تعرف كم عانى جيلنا،وبالذات نحن الذين لم نغادر الوطن،وعذابات وكوابيس ثلاثة عقود من حكم بوليسي فاشي/جليل القيسي/في حوار معه عام2004"فقد كانت حتى صغرى حركاتنا وسكناتنا وأحاديثنا تستوجب المزيد من الحيطة والحذر والكتمان،بل وأن نحسب ألف حساب حتى لأقرب الأقربين لنا؛مادام حتى غيرالبعثي وغير البعثية عرضة للإنهيار تحت شتى الضغوطات الهائلة والأساليب البعثية الشيطانية،ثم التعفلق لربما أكثر من عفلق نفسه!وهنا يتجلى ذكاء القيسي في جوابه المموّه عن أحد الأسئلة بخصوص عزلته التي فلسفها قائلاً في حوار معه عام1998حين كان يتعذر عليه أن يسمّي الأشياء بأسمائها الحقيقية، ويضع النقاط على الحروف:"أكثر من ثلاثين عاماً وأنا في شرنقة العزلة.لقد ضربتها حولي بطريقة درامية مشوبة بالسادية.أشك أن تستطيع قوة أن تحررني منها؛لأنها أصبحت فردوسي(.......)للعزلة قداسة غريبة؛إذاما عرف الإنسان كيف يتمدد على صليب معاناتها..العزلة تهب شحنات من القوة الديناميكية لشعور ولاشعور الإنسان(.......)إن عزلتي هي نفسية،وفلسفية ألجأ إليها؛لأنني فيها أزدهر..أما الشهرة كما يفسرها بعضهم؛فتبدو لي مضحكة.ماالشهرة؟قال دستويفسكي قد تكون ذبابة أو عنكبوتاً!"

  لقد أصبح جليل القيسي إثر خيبة حلمه الأمريكي في 1959،وإنخراطه اللامتوقع في عالم الكتابة،وإعتقاله وتعذيبه وطرده من وظيفته في1963،ثم إعادته إليها في أواخر1968في مؤسسة المنتجات النفطية،ومن ثم إحالة نفسه على التقاعد،ناهيكم عن عزوفه عن العملين السياسي والصحافي والنشاط الثقافي الجماهيري،إضافة إلى رحيل أغلب أصدقائه الأدباء الكركوكيين، وانقطاع صلته بهم حتى بالمراسلة،وكذلك إزدرائه للنجوميّة بطبيعنه،ومن ثم تضييق خناق النظام الفاشي يوماً بعد آخر على أنفاس المواطنين؛أصبح القيسي أشدّ تشبثاً بعزلته المختارة، أو الأصوب بـ(المنفى الداخلي المفروض/المختار في آن واحد)حاله حال"القلة الهائلة/باث"من المبدعين حراس شرف الكلمة الصامدين، في زمن الطاعون العفلقي العصيب، وقد  أدركوا بعمق حقيقة "ان الجريمة والعبقرية لن تلتقيا أبداً/ بوشكين" أما فرض السلطة لعزلة مطلقة عليه، فلاصحة له؛لأن جليل القيسي وقلة آخرين كالكاتب محيي الدين زنكَنه لم يكونوا مهمشين بصورة مطلقة، لكنهم لم يكونوا من وجوه الواجهات الثقافية المبرزة طبعاً، في حين كانت المجلات والجرائد كافة تنشر أعمالهم ومايكتب عنها،وكانت المؤسسات الثقافية الحكومية تنشر كتبهم،وكانوا يدعون إلى المهرجانات والندوات والأماسي الثقافية، بل وكان العديد من صفوة المثقفين الشرفاء الطيبين أصدقاء لجليل القيسي، فضلاً عن انه كان بحكم كهولته وتقاعده عن الوظيفة ذا وضع مستقر نوعمّا، بمنجى من منغصات وأهوال النظام الفاشي العسكريتاري(الخدمة الإلزامية والإحتياط والجيش الشعبي المقيت والمسيرات الإجبارية) ولكنه مع كل ذلك كان ينتبذ دوماً الهامش إختياراً حتى في المهرجانات الثقافية والفعاليات التي يدعى إليها..ولقد إقترنت عزلته المختارة بخلوته الكركوية بالضرورة، ولعل أفضل تجسيد لعشقه المهوس لمدينته يتجلى في مسرحيته السيروية(مدينة مدججة بالسكاكين) حيث يقارن بطلها حمدي مع بثينة بين مدينتي كركوك عروس المدن، مدينة الحب والرحمة، وشيكاغو المدججة بالسكاكين والدولارات والفسق والفجور والدعارة، إلاّ أن هذا لايعني كون كركوك يوتوبيا مطلقة؛ ففي قصة(مملكة الإنعكاسات الضوئية) التي يعود تاريخها إلى 1988عام إندحار القادسية الهوجاء وإقتراف الجينوسايد والأنفالات في كردستان، يقول بطلها(وهو جليل القيسي نفسه):- "من فوق القلعة ألقيت نظرة على كركوك الحبيبة، وهي تبدو كئيبة، حزينة، ومهجورة من من أهاليها..." وتمضي القصة في الكشف عن التناقض الصارخ بين كركوك البؤس والشقاء(رمز العراق الحاضر) وبابل المرفهة السعيدة(رمز العراق الغابر) وحين يخيّر الإله مردوخ بطل القصة أن يطلب مايشاء؛ يطلب القيسي تدمير قوى البغي والدمار والإستبداد والفساد والمكائد.      

وهنالك أيضاً ماأضفى على عزلته المختارة مسحة وحشة وألم دفين، وقد باح لي غيرمرة به، ألا وهو تجاهل وتناسي أصدقائه المتأوربين له حتى على صعيد المراسلة، في حين كان جليل ذا حساسية مرهفة جداً في صداقاته، وكان يتأثر جداً حتى لأقل تأخر لجواب رسالة، بل وأفصح ذات حوار :- " هذه الأوربا العجوز التي إحتضنت الكثير من أبناء مدينتي، حجرت قلوبهم أيضاً؛ وجعلت- كما قال الروائي ستندال- من الحب والصداقة شيئاً من الدرجة العاشرة!"

      يقيناً إن كل ما كتبه المبدع القيسي كان ملغوماً ضد الفاشية والشوفينية والعسكريتارية والدكتاتورية،وكان في الوقت نفسه دعوة للحرية والمحبة والجمال والإبداع والسلام. وقد حظيت العديد من قصصه ومسرحياته بالترجمة إلى اللغات الأخرى،لاسيما اللغة الكردية،كما قدمت بضع مسرحيات له على خشبة المسرح.ومن ثم نال جائزة(العنقاء الذهبية) وحظي بالإحتفاء من قبل مثقفي مدينته كركوك..

   وفيما يلي مجموعاته القصصية:

1-صهيل المارة حول العالم/بيروت1967

2-زليخة...البعد يقترب/بغداد1975

3-في زورق واحد/بغداد1985

4-مملكة الإنعكاسات الضوئية/بغداد1995

وهنالك قرابة مجموعتين أخريين،وربما ثلاث من قصصه المخطوطة والمتناثرة في الجرائد والمجلات، وكذلك نتف وشذرات مخطوطة من مذكراته، أما مجموعاته المسرحية،فهي:

1-جيفارا عاد إفتحوا الأبواب/ بيروت1971

2-وداعاً أيها الشعراء/بغداد1979

3-ومضات خلال موشور الذاكرة/بغداد1992

-------------------------------

 

حوار مع جليل القيسي

 

أجراه:جلال زنكَابادي

 

   {يعود هذا الحوار إلى أوائل أيلول1971وهو أول أطول الحوارات مع الأديب المبدع جليل القيسي(1937-27/7/2006)و يمكنني الزعم أنه أعمقها وأشملها،بل وأجرأ ها على الصعيدين الثقافي والسياسي(وهذا رأي القيسي أيضاً قبل شهر من وفاته) من حيث الأسئلة الإستفزازية البعيدة عن المحاباة والمجاملات البروتوكولية؛وكذلك الأجوبة الصريحة الكاشفة عن نزعات القيسي  الفنية والفكرية والسياسية..وكان من المأمول أن تننشره مجلة(مواقف) لكنما المجلة كانت ممنوعة من دخول العراق؛فلم نتأكد من نشره أو عدمه آنذاك رغم مضيّ شهور؛فارتأينا نشره في مجلة(الأقلام)لكن حسد وغيرة سكرتير تحريرها(ع.ر)حينذاك قد حالا  دون ذلك!ثم نشرته جريدة(الجمهورية) في21/5/1972بفضل مسعى الشاعر صادق الصائغ،ومن ثم أعادت جريدة(العلم الأسبوعي)المغربية نشره بعد شهر بصورة شبه كاملة مع التأكيد على أهميته،علماً أن المحاور كان ينشر آنذاك بإسم(جلال وردة)؛فوجبت الإشارة إلى كل ذلك...}    

*******

*متى كانت البداية؟وكيف؟

-في عام1959عندما إلثقيت بمحض الصدفة بدستيوفسكي في (الزوج الخالد)؛إقتنعت رغم بعدي المطلق عن عالم الكتب بأن ثمة عوالم جميلة ومخيفة؛يمكن أن يعثر عليها المرء في الكتب،والتقيت بجورجي أمادو في(أرض ثمارها من ذهب)ثم بشتاينبيك في(عناقيد الغضب)وحينها أحسست برغبة ملحة في الكتابة.كنت لاأجيد اللغة العربية قدر إجادتي للغة الإنكَليزية؛لتركي الدراسة...ومن ثم تشبثت باللغة العربية؛عندما إلتقيت أنور الغساني،وطلبت منه أن يترجم لي مسرحية من فصل واحد،كنت قد كتبتها بالإنكَليزية.بعد نقاش طويل أقنعني أن أتعلم العربية؛فهجرت اللغة الإنكَليزية،وانكببت على قراءة الكتب المترجمة إلى العربية وبعض الروايات العربية.

*قصصك،هل تصمم لها مسبّقاً،أم تبتديء بنواة صغيرة لفكرة أو تجربة؟

-لم يحدث قط أن فكّرت وصممت لقصة من قصصي.فجأة تنبجس في أعماقي رغبة حادة وملحة للكتابة من رؤية:منظر،وجه،طير،شارع،عيون،حشرة،سمكة،طفل...وفي عملية الكتابة إكتشفت كم كان لواحد من هذه الأشياء إمتداد عميق لتجربة خضتها في حين ما..

*إذن فأنت تنفعل أولاً،ولاتكون مهيئاً فكرياً...لكن هل ثمة وقت ملائم لتكتب فيه؟

-لم أتعلم الكتابة في أوقات معينة..صباحاً عند همنغواي،أثناء تكاثف الضباب عند أبسن،أو في المساء عند النافذة ليلاً مثل هوغو،أو في الثانية بعد منتصف الليل مثل فاضل العزاوي ومؤيد الراوي..فأنا أنفعل فجأة ...أتريّث مع إنفعالي لمجرد التأكد من فورانه،وعندما أجد نفسي قلقاً ولاأستطيع السيطرة على نفسي؛أبدأ بالكتابة مباشرة،فقد كتبت على سبيل المثال،القصص التالية في جوّ الدائرة الصاخب)هو!هي!هو!)،(الضفة الأخرى من البحر)،(معسكر الإعتقال الصحراوي)و(سفرة الجسد الأخيرة)

*يا ترى هل تحمل عملية الكتابة(المبدعة)في حد ذاتها،الإنسان إلى عتبة المستقبل؛بصفتها عملية كشف وتوغّـل وإختراق في الذات والعالم؟

-الكتابة محاولة لضغط العالم وتسليط مجهر ضخم عليه؛كي يتمكن القاريء من التعرف على أكبر عدد ممكن من سلبياته وإيجابياته.ولأن الكاتب بقدرة مخيلته وثقافته وكشوفاته وفهمه للعصر وحدسه العميق بالمجهول الذي يأتي ببطء؛يمكنه أن يؤكّد للإنسان أنه ليس قاحلاً،وإنما هو كل شيء في هذا العالم.

*حسناً هل تساهم اللغة أثناء الكتابة في عملية الكشف،أم تكون مجرد أداة توصيل؟

-إذا كانت الكلمة مأوى الشاعر،كما يقول هيلدرلن؛فهي ليست مأوى القاص والروائي.صحيح ان اللغة هي واحدة من العُدد الحسابية بين عدد القاص الكثيرة،ينقل بها أفكاره،مشاعره،إنفعالاته وآلامه...إلخ.ولكي يعرف الكاتب كيف يقاتل بكلمته؛يحتاجبالتأكيد إلى لغة تتجاوز بحدّة موسيّة لغة الحياة اليومية الميكانيكية.ولايمكن أن يكون ثمة كشف فكري جديد بدون لغة جديدة؛فاللغة تساهم حتماً بالكشف.

*غالباًما تجيء لغتك القصصية متيبّسة،حادّة وجافّة؛فهل ذلك لإفتقارك إلى الحرارة الشعرية،أم أن لغتك تتكيّف مع الإغتراب والإحباط والقهر الذاتي والإجتماعي؟

-علاقتي مع الأدب لاتتجاوز العشر سنوات،عملت فيها على جبهات متعددة؛لإكتشاف إمكاناتي...عشر سنوات هي لاشيء في عالم يحتاج إلى الكثير من الإحتراق..لاشك في أن حرماني من الدراسة وتعرّفي المتأخر باللغة العربية وصعوبتها نفسها؛خلقت عند تعاملي معها إشكالات كثيرة،لكنني بالعناد والقراءة المتواصلة والمران؛تغلبت على الكثير من المشكلات.أمّا تيبّس لغتي؛فهو في الحقيقة لجفاف مضامين قصصي،وتكيّفها مع أجواء الإغتراب والإحباط والقهر الذاتي والإجتماعي...ومع انني لاأقرأ الشعر كثيراً؛أكتب بشاعرية عندما أطرق المواضيع الشفافة،مثلاً:قصة(الجبهة صامتة الآن)،صفحات من قصة(الطيور المهاجرة غرباً تأخّرت)وقصة(سافروا مع طيور البحر)وكذلك لغتي في بعض مسرحياتي.

   في الحقيقة ان لغة الشعر في الأعمال القصصية والروائية تحتاج إلى الكثير من الحذر والثقافة؛لأن أية مبالغة أو سوء إستخدام تؤدّي إلى قتل العمل.

*المقولات الفكرية الجاهزة التي تطالعنا في أغلبية قصصك ومسرحياتك؛ألا تعيق النمو التلقائي في القصة أو المسرحية؟ثم ألا تقود إلى لغة تقريرية خطابية؟ومن ثم ألا تقف عائقة أمام تلقّي القاريء غير الملم؟

-لاتوجد ثمة مقولات فكرية جاهزة..إنها جمل تنبثق من شدة معاناة وآلام وعمق فهم بطل القصة عند إصطدامه مع واقع تجاربه،وهي على العكس لاتعيق النمو التلقائي للقصة،وإنما تؤدّي إلى تكثيف العمل الفني.إن خلوّ القصة العربية من العمق الفكري هو الذي يثير هكذا أسئلة!إن لغة النثر هي لغة المنطق بعكس الشعر تماماً...قد تثقل المقولات الفكرية القصيدة.وهنا أسأل بدوري:هل تنتقص الجمل الفكرية الكثيرة على صفحات(الغريب)،(الجحيم)،(الغثيان)،(بريد الجنوب)و(مزيّفو النقود)من هذه الروايات؟إنما المقولات...قد تبدو جوفاء وعقيمة؛عندما يسيء الكاتب إستخدامها.

*هل نفهم من قلة الحوارات في قصصك أن ثمة إنفصاماً وعجزاً في الإتصال بين شخوصك؟أم ان الصمت كموقف قد يكون أصدق من الكلام؟ثم مع معرفتي بأن الحوار في القصة ليس هو كما في المسرحية،أسأل أيضاً:هل أن طغيان المونولوغ في قصصك يعني ويجسّد كثافة الصراعات الداخلية لدى شخوصك؟

-في الحقيقة،ان أزمة ومعاناة معظم أبطالي من العمق بمكان؛بحيث كثيراًما يجدون اللغة أعجز من أن تضيف إليهم كشفاً جديداً؛فيتحول صمتهم أحياناً إلى لغة كثيفة،ثم يأتي الرمز ليحل محل اللغة،أو ينقلب الديالوغ إلى مونولوغ عميق،وهو ضرب أعمق من الحوار مع كائن آخر،فنحن مثلاً نتعرف على أعمق دهاليز(هملت)و(مكبث)النفسية؛حين يخاطبان نفسيهما. 

*نادراًما تنتقل سردياً من ضمير الشخص الأول(أنا)إلى ضمير الشخص الثالث(هو)أي أن المتكلم المفرد هو المهيمن غالباً؛فهل يدل ذلك على مركزيةالـ(أنا)في العالم،أم ماذا؟

-نعم،(الأنا)عبرعذاباته الثائرة هو مركز العالم.

*في قصصك،تحطم منطق الزمن الإعتيادي(البداية،الوسط والنهاية)فهل ذلك لأنك تؤمن بالنسبية،حيث يمتد الزمن العام ويتدفق ولايتوقف أبداً؟أم لعلاقته بسيكولوجية شخوصك؟ثم هل للزمن عندك وجود موضوعي مستقل،أم أن الوجود يتضمنه في وحدة جدلية مع المكان كبعد رابع(كمسافة)للأشياء؟

-يقول كروتشه"إن الفن هو طريقة للإستحواذ على العالم"ولايمكن الإستحواذ على هذا العالم إلاّ عبر الكشف عن القصور(النقص)والنفاذ إلى شواطيء المستقبل؛لذا أحاول عبر فهم جيد للزمن الموضوعي،الولوج إلى الزمن الذي تسحبه ملايين الخيول العنقائية.لم يحدث قط أن آمنت بالزمن الإعتيادي في عملية الخلق؛فأنا لاأؤمن بالبداية والوسط والنهاية في الزمن.إن الوجود كما ذكرت يتضمن الزمن عندي في وحدة جدلية.

*أكثر شخوصك بلا أسماء؛فهل يعني أن بالإمكان أن يحيوا في كل زمان ومكان،وتكون مواقفهم إنسانية شاملة،وخاصة بعد تحطيمك للمكان والزمان الإعتياديين؟

-ماذا يعني موت عمل فني بعد سنوات؟لماذا يموت؟كيف يمكن الجري في الزمن العام،في الصيرورة التي هي اللانهاية الحقيقية؟كيف يمكنني أن أكتب أشياء لاتموت؟طالما ليس ثمة ديكور ثابت في خلفية كل أعمالي،وطالما ليس هناك زمان ومكان ثابتين،وإسم معيّن؛أريد(وهذا حلمي)أن يكون بوسع أبطالي الإجابة على الكثير من الأسئلة الإنسانية عبر الزمن الممتد،ومادمت أمتلك مخيلة موسيّة؛سأحاول...

*هل أن خيبة أبطالك أزلية مثل أبطال(كافكا،سفيفو،كامو،بيكيت،وغيرهم من كتّاب العبث واللاجدوى)حيث

يعد الإغتراب عندهم ظاهرة أزلية غيرقابلة للتغيير،ولايمكن تخطيها؟

-أعتقد أن أيّ قاريء منصف وهاديء ومتفهم بشكل جيد لكتاباتي؛يمكن أن يقول بوضوح:إن الإغتراب عندي ليس ظاهرة أزلية وغيرقابلة للتغيير.بصراحة لم أقرأ نقداً واحداً ماعدا ماكتبه الناقد منير العكش،أقول لم أقرأ مايشف منه فهم عادي جداً لقصصي...ثم إن جميع الكتاب الذين ذكرتهم تنقصهم الثقافة الماركسية بالتأكيد،وإذاما فرضنا جدلاً أنها لاتنقصهم،فهي لم تؤثر فيهم مطلقاً؛بدليل نتاجاتهم الفكرية.ثم إن الإحساس بالإغتراب عند أبطالي ومحاولة فهمهم له؛يدفعهم إلى نضال وحشي من أجل إزالته لإكتشاف محطات راحاتهم الحقيقية،وهم دائماً شهداء العراقيل والحوافز والقوى،التي تقف أمام كشوفاتهم،بل وهم الأكثر خساة دائماً؛من أجل مثلهم العليا،في حين يستسلم أبطال الكتاب المذكورين برضى وخنوع عند أول عقبة.إبحث عن وجد بطلاً من أبطالي،في المواقف المصيرية الحدّية،وهو لايموت؛من أجل إكتشاف نفسه..أجل،إنه بطل يعيش خارج الزمن،لكنه يدرك الزمن جيداً،وهو لاتاريخي؛لأن التاريخ جامد!

*من المؤكد ان بطلك الرئيس،الذي يتكرر حضوره في مشهدك القصصي،هو اللامنتمي المغترب،وهو إيجابي؛بدليل تحدّيه لبيئته المسببة لإغترابه ذاتياً وإجتماعياً؛فهل يعني ذلك أنه يسعى إلى تخطّي الخلاص الميتافيزيقي إلى خلاص أكثر ضماناً؟

-في الإجابة على سؤالك السابق جواب ضمني لسؤالك هذا،ومع ذلك أقول:بالتأكيد انه اللامنتمي الإيجابي،وهو يعرف الكثير عن لاجدوى الخلاص الميتافيزيقي؛ولذا فإن صراعه حاد وعنيف،وهو غير مهادن،بل وإنتحاري؛من أجل خلاص أكثر ضماناً،ثم إنه لايهمه إن تحطّم؛مادام يبحث عمّا هو مفقود.

*وهنا يلزمني أن أسأل:ألست،إذنْ،منتمياً أو منحازاً إلى اليسار الجديد الغاضب؛إن كان لابد من وجود أرضية آيديولوجية لأعمالك؟

-أعتقد أن مسرحيتيّ(جيفارا عاد إفتحوا الأبواب)و(سقطوا في رائحة الظلمة)فيهما الكثير من حبي لليسار الغاضب.

*ومع ذلك لانجد في معظم قصصك الصلة العفوية بين الرمز والواقع؛وهذا عسراً وإشكالاً في التعامل معها تلقياً ودراسة؛فهل لأنك تختلق الرموز لطرح مواقف فكرية جاهزة صممتها مسبقاً؟

-إنني في الحقيقة أكره المقابلات والإجابة على هكذا أسئلة؛لأنني أولاً:كاتب ولست ناقداً...إن مهمة الإجابة على هكذا أسئلة هي من مهمة النقاد..وثانياً:ألا يكفي الخلق الذي يكلف الكثير من الشقاء،كما يقول همنغواي؟!

إنني لم أقتنع بشكل القصة،التي وجدتها في العالم العربي؛فصعّدت القصة إلى عالم الشعر،والشعر عالم حافل بالرموز،والرمز-كما يقول غارودي-هو لغة المطالبة،لايكشف لنا عن حضور،بل عن غياب،عن نقص،عن فراغ يدعو إلى ملئه...ولايأتي الرمز إعتباطاً،أو لمجرد فكرة فنتازية،وإنما يأتي من كثافة مضمون العمل الفني..إن رموز قصصي ليست سهلة التلقي؛لأن النقص الذي أؤكد عليه معقد ويحتاج إلى وعي نافذ لإدراك جوانبه.أنظر إلى غريغوري سامسا،الذي قلبه كافكا إلى حشرة؛فقد كتبت عنه العشرات،بل المئات من المقالات،وكل مقالة كانت محاولة للتعرف على سبب التمسّخ.لقد كان غريغوري سامسا يطالب بحقه الإنساني..وهكذا فإن ذاك النقص أو الغياب كمشكلة أوصلت كافكا حدّاً من التعقيد؛بحيث حوّل بطله إلى حشرة،وراح يصفه بدقة عالم مختص بالحشرات؛فأين الصلة الواقعية هنا مع الواقع؟!ومع ذلك فقد أقنعنا كافكا به.إن الرمز الحقيقي مثل اللامرئي يجب إكتشافه.

*على ذكر كافكا؛هل له تأثير مباشر فيك؟

-قد لايصدّقني أحد،لكنني أقولها للحقيقة فقط،بأني كتبت مجموعتي القصصية الأولى ونشرتها،وأنا لم أقرأ لكافكا سوى رواية(المسخ)و(معسكر التعذيب)وبعد مضيّ سنة،قرأت رواياته:(القضية)،(القصر)و(أمريكا)وعدداً من قصصه القصيرة.أكرر هذا لمجرد قول الحقيقة،أمّا لماذا جاءت كتاباتي متشابهة مع كتاباته؟فلأنني عشت في ظروف أسوأ من ظروفه بالتأكيد.

*ما هو مفهومك للجنس،ولماذا يندر طرحه في قصصك؟

-ظلت عندي المرأة تلك الشرقية البائسة والمهجورة في الدهاليز،رهن الظروف والإشكالات الفكرية البدوية،والأخلاقية،والدينية،التي جعلت منها كينونة لاتفهم أيّ شيء عن نفسها...فهي تحتاج ردحاً طويلاً من الزمن؛كي تفهم جسدها وعواطفها وقدراتها...إنها كذات لم تشعر ولم تع وجودها بعد؛لأنها لم تمنح الفرصة الكافية لتغالب قيود أوضاعها الإجتماعية والإنسانية؛ولذا فهي لم تشغل ولو حيّزاً صغيراً في ذهني...ثم إنني كنت منذ صغري بعيداً عنها،ومع كل ذلك أشك في تقبّل أيّة مجلة عربية لقصصي التي تناولت فيها المرأة والجنس!

*لننتقل إلى مسرحياتك،أي مجموعة(جيفارا عاد إفتحوا الأبواب)التي وجدتها متخطية لقصص(صهيل المارة حول العالم)تخطياً مذهلاً بمشاهدها الحيوية الضاجة بالحركة وآفاقها المفتوحة للتعددية الصوتية؛فيا ترى هل ان المجال أرحب في المسرحية لتحرك بطلك الذي شخصناه،والذي كاد أن يقودك تكراره-رغم بعض الإختلاف في الملامح والمواقف-إلى طريق مسدود؛فما هو رأيك بهذا التطوّر الملحوظ؟

-ربما لم تكن مضامين مسرحيات(جيفارا،نجنسكي...)تصلح للقصص.وطبعاً كان عليّ أن أتجاوز نفسي ككاتب...ثم إنني لاأظن بأن المسرح أرحب من القصة؛فلكل فن ميّزاته وإمكاناته.

*بدا لي ضمن بعض حواراتنا،انك تحب الشعراء:رامبو،وليام بليك،ريلكه و أودن؛فهل أحببتهم من خلال سيرهم الشخصية،أم من خلال أشعارهم،أو معاً؟

-لاأعرف الكثير عن سير هؤلاء الشعراء باستثناء رامبو.لقد هزّني شعر رامبو،ومازلت لاأصدق أنه كتب كل تلك الأشعار المذهلة،في سن يبدأ فيها الإنسان بالتساؤلات الأولية،بل وكانت حتى حياته القصيرة المأساوية بنفس عنف وروعة ودموية قصائده.ومع انني لاأغفر لهذا العبقري فترة تعاطيه شراء وبيع العبيد،من تاريخ حياته الحافلة،أعتقد أنه قد تصرّف بكثير من الإباء والعظمة مع عصره؛ففي كل ما قام به أراد أن يغتصب العالم.أمّا الشعراء الآخرون فأحبهم كشعراء،وخاصة بليك الذي أقف أمام كل بيت من أشعاره بخشوع من يصلّي.

*ها إنك تمجّد رامبو،الذي عدّ لاحقاً أحد أبرز آباء السورياليين؛فهل تلتقي معهم مبدئياً؛بدليل إيرادك أحياناً لذكر بريتون وإيلوار وغيرهما؟

-من حيث المبدأ ألتقيهم في أشياء كثيرة،لكن ليس على طريقة"إن احسن قصيدة هي أن تحمل مسدساً وتطلق النار في الشارع"!بالتأكيد ألتقي مع معظم طروحات تزارا وآراغون وإيلوار،في فهم السوريالية.

*وختاماً،هل حقق القاص العربي أصالته الفنية وأصالة واقعه برؤية حضارية معاصرة في خطابه القصصي؟وهل حققت القصة العربية الحديثة قيماً جمالية جديدة؟

-الذي أعرفه من خلال النماذج،التي قرأتها لزملائي الكتاب في العراق،والكتاب العرب على صفحات المجلات الأدبية،أو في المجموعات القصصية،أن ثمة محاولات جادة ورائعة من قبل الشباب بالذات؛لتفجير الأطر الضيقة والبائسة للكتابات السابقة،وإيجاد شكل ومضمون جديدين،وتجسيد قدرات الإنسان العربي وتوقه لتجاوز واقعه الإجتماعي السكوني والبدوي المتخلف،وثمة عناد غيرمهادن للبحث بشوق لاعج عن رؤية حضارية وقيم جمالية جديدة تؤجج الأكثرية.

 

 

 

 

رسائل من جليل القيسي

تقديم:جلال زنكَابادي

{هذه الرسائل التسع ليست هي جميع الرسائل الجوابية أوالموجهة إلى كاتب هذه الأسطر من الأستاذ والصديق الأديب المبدع جليل القيسي(1937-27/7/2007) إذْ لم أعثر على ثلاث أو أربع أخرى في فوضى أرشيفي،كما إحتجزت مديرية أمن جلولاء ومن دائرة البريد مباشرة بضعاً منها،حسب ما كان يخبرني جلاوزتها حتى ببعض مضامينها،خلال إستدعائهم لي في كل مرة،فرغم أن أواخر ستينات القرن الماضي حتى أوائل1978كانت أشبه ماتكون بشهر عسل سيا-ثقافي؛كانت الرقابة بالمرصاد لرسائل المواطنين، وخاصة المثقفين، حيث لم تنج منها حتى مثل هذه الرسائل العادية البريئة! أمّا بعد صعود(الدكتاتور الضرورة!) واشتداد الهجمات الشرسة على القوى الوطنية، والتي طالت حتى أبرز العناصر العفلقية؛ فقد أضطررنا إلى الكف عن التراسل المحفوف بالمتاعب والمخاطر،في أجواء التوجس والخوف المتصاعدين منذ أواخر سبعينات القرن الماضي؛إذْ كانت صورة لمعارض أو مغضوب عليه،أو جملة في رسالة تكفي للحكم على المواطن بالإعدام.

   هذه الرسائل تستجلي شخصية القيسي بشفافيتها وحميميتها في طيبة المعشر ودماثة الخلق والنبل والصدق، ومدى حميمية صداقتنا،كما تلقي الضوء على جوانب من معاناة هذا المبدع في الحياة الوظيفية المثبطة للإبداع وغيرها..فمثلاً قد يتعجب البعض الآن في زمن توافر الكومبيوترات وأجهزة الفوتوكوبي فضلاً عن الحرية،يتعجبون من شكوى وتذمر القيسي من عملية إستنساخ أعماله؛لكونهم لايدرون أن إمتلاك أديب لآلة طابعة كان في ظل الحكم العفلقي من المعجزات،وان(الفوتوكوبي) كان يستلزم الموافقة الأمنية!}

 

(الرسالة الأولى)

أخي جلال

   لست شاعراَ،ولم يحدث قط أن جرّبت كتابة قصيدة واحدة،ولكنني عشقت الشعر الجيد،ذاك الذي يضرب القلب أولاَ،كما قال إليوت،ومن ثم الفكر..ولفرط حبي للشعر؛كتبت القصة بأسطورية الشعر.كنت أخاف ألاّ أُفهَم،واتضح لي أن ليس ثمة شيء في العالم لايُفهَم؛فحتى أكثر الشفرات لغزاَ فُهِمَت..

   لم يحدث قط أن فكرت في مضمون أية قصة كتبتها في حياتي،واتضح لي أن الحالة التي ينشأ عنها الخلق الشعري والقصصي حالة مباشرة إلى حد كبير،وغير معتمدة على وسائط،وكثيراَما تكون غيرمألوفة؛لذا لم أخف،ولايخاف الشاعر بالدرجة الأولى أبداَ من التعبير عمّا يشعر به.ويجب أن يثق رغم كل التشابكات الصورية واللغوية وحتى الفنتازية العاقلة بأنه سيكون مفهوماَ؛ولهذا فهمت قصائدك وأعجبتني.أمّا أن أبدي رأيي حول هذا العدد الكبير من القصائد؛يعني أن أدخل في مأزق نقدي،وهذا مالاأستطيعه في الوقت الحاضر؛لتعبي أولاَ،وإنشغالاتي ثانياَ.

  إنك فعلاَ تبشر بموهبة شعرية رائعة..وقد أكّدت لي القصائد بأنك فعلاَ تختزل الزمن والتجارب.*

   وأخيراَ،إن إعجابي بالقصائد يساوي عمرك الصغير؛إذ في هذا العمر يصعب أن يجد الواحد موهبة تتفجّر بهذه السرعة.آمل أن تستمر،وحبذا لو إطلع عليها شاعر لك أنت ثقة بكتاباته.

 

جليل القيسي

19/10/1969 كركوك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 *مجموعة قصائدي الحرة(شظايا من نفير البحر)المكتوبة خلال(1967-1969)والتي لم تر النور لحد الآن في كتاب،وكان من المؤمل أن تنشرها دار الفارابي في بيروت سنة19765كن مخطوطتها ضاعت أو إحترقت عند تعرض الدار للعدوان إبان الحرب الأهلية.ولقد تحمس الأديب الكبير فاضل العزاوي،بعد إطلاعه عليها،لنشربعضها في مجلة(شعر69) التي سرعان ما مُنعت عن الصدور بعد عددها الرابع،فنشر بضعاً منها في مجلة(ألف باء)حيث كان يعمل مديراً للتحرير،ونشرت مجلة(الراصد)بضعاً منها،وكذلك جريدة(كركوك)،كما نشرت العشرات منها على صفحات النشرات الجدارية في دار ومعهد المعلمين بكركوك،حيث كنت طالباً خلال السنوات(1966-1969)

 

(الرسالة الثانية)

عزيزي جلال

مودتي

   شكراَ لرسالتك القصيرة.

هل حقاَ لم يكن بالإمكان أن تزورني في الدائرة؟متى جئت؟لابأس..أتعرف لماذا نسيت قصة ماشينا؟لأنها ليست مع المجلات،وإنما كما تعرف في كتاب(قصص عراقية معاصرة)(1)لذا لم ألتفت إليها..أجل أيها العزيز ضمنها في المجموعة؛إنها من القصص التي أعتز بها..إحذف قصة(صباح لم يقبل)؛إنها قصة قديمة جداَ،كتبتها قبل حوالي تسع سنوات.ضمّن بدلاَ عنها قصة(النافذة)

تصرّف كما تشاء في التبويب،وأكرر جزيل شكري وتقديري(2)

جليل

تموز1973كركوك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)قصص عراقية معاصرة/فاضل ثامر وياسين النصير/1971

(2)وضع القيسي بين يديّ قرابة ثلاثين قصة قصيرة؛وخوّلني إختيار أكثرمن نصفها وتبويبها في محاور،ومراجعتها لغوياً،وإختيار عنوان لها،وطبعاً إستنساخها بخطي في دفتر كبير؛ليقدمها للرقابة بغية نشرها لاحقاً؛وكانت النتيجة مجموعة(زليخة البعد يقترب)ولقد أنجزت المهمةالتي تطوّعت لها خلال(حزيران-أيلول1973)في جلولاء،بينما كنت أرمم دارنا الطينية بنفسي مع إخوتي.

 (الرسالة الثالثة)

عزيزي جلال

مودتي

  لم يستطع كاتب ما باستثناء دستويفسكي،وأنا أقمأ من أن أصل ذاك العملاق،أن يكتب أعمال مرة واحدة،ويدفعها للطبع،دون أن يستنسخها ثانية أو ثالثة ورابعة كما يعمل معظم الكتاب..يقال أن همنغواي إستنسخ(وداعاً للسلاح)أربع وستين مرة..إلهي أيّ صبر مرعب! وظل كالدويل لايعرف تهجئة ربع الكلمات التي جاءت في مؤلفاته عن ظهر قلب؛لذا كان يحمل معه القاموس أينما ذهب! ومن خلال زياراتي لإدارات المجلات والجرائد؛عرفت مبلغ أهمية الخط..أجل،ألإستنساخ مسألة مهمة،لكنني ظللت دوماَ أنظر إليه كعمل مضجر ومرهق وخال من الخلق..من هنا أقدر كثيراَ مبادرتك الكريمة لمساعدتي؛فلولاك ربما أجّلت طبع المجموعة(1)لردح آخر من الزمن..

  مادمت مقتنعاَ بأن خط الأخ(جمال)(2)جيد؛لابأس..ليشاركك،سيما وأنا أريد المجموعة خلال الشهر الحالي،خاصةً وقد كتب لي جليل حيدر مجدداً،مؤكداً بأن سعدي يوسف مستعد لتعضيدها..وفي حالة عجزه مثلاً،ثمة فرصة جيدة لإرسالها إلى بيروت مع أحد المسافرين إلى نجيب المانع..أعتقد يمكنه أن يقنع صاحب(دار العودة)أو(الآداب)بطبعها..

  قلت بأنك فكرت بتبويب آخر للمجموعة؛أعتقد سيكون بالإمكان،الطلب من الدارالتي تطبعها أن تقدم وتؤخر...عليه لابأس باقتراحك،وسوف نأخذ به عندما نلتقي.

   ماهي عملية الخلق التي وجدتها وأنت تقوم بالإستنساخ؟!

كيف تسير أمور الدار وأين وصلت؟(3)

الأخ جمال..صحيح إنني لست من النوع الذي يمنح ثقته بسهولة،غير أنه يبدو من النوع الذي يعرف كيف ولماذا يعاني ويتعذب.إن وجهه يذكرني بذاك المعذب فان كوخ..إن لصادق الصئغ تأثيراً كبيراً على إبراهيم جلال معاون عميد الأكاديمية،وربما عن طريق سامي عبدالحميد وإسماعيل الترك؛يمكنني أن أؤثر على قبوله في الأكاديمية للسنة الدراسية المقبلة..

  أكرر شكري،وآمل أن تزورني في نهاية الشهر الحالي ومعك المجموعة..

  مع تحيات أم أسامة وأسامة،ودمتم(4)

جليل القيسي

آب1973كركوك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)يقصد مجموعة(زليخة...)

(2)جمال عبدالقادر البرزنجي(تولد1954كلار)أحد أصدقائي.كان متحمساً بصورة مهوسة لدراسة فن الرسم،رغم موهبته الضئيلة،وهو الآن يقيم مع عائلته في أمريكا،التي لجأ إليها منذ خريف1996

(3)كنت أقوم بترميم دارنا الكائنة في جلولاء،في صيف1973

(4)أسامة:نجل الأديب جليل القيسي.

 (الرسالةالرابعة)

أخي جلال

   هذا الصباح،إستلمت خطابك الرقيق.صدقني قبل أيام كنت أتذكرك..حالة تلباثية غريبة...المهم،لمَ هذا الصمت الأخرس الطويل؟! ماهي مشاريعك الأدبية؟كيف الأهل؟الزوجة؟هل أنهت دراستها؟

   شكراً لرأيك بخصوص مسرحيتي الأخيرة...أنت دائماً موضوعي معي بخصوص أعمالي...

   في الحقيقة،أخطط لإستنساخ جميع مسرحياتي،وتقديمها للوزارة.السيد عبدالمسيح ثروت طلب المسرحيات بملحّة..أنت تعرف مبلغ كسلي وضجري من عملية الإستنساخ..إن العمل يرهقني،وفي بعض الأيام يحوّلني إلى جثة...أيّ كابوس أن تعمل في وظيفة بائسة وأمامك أعمال كثيرة تنتظر الإستنساخ،أو إعادة الكتابة!

   آمل أن أحصل لك على نسخة من (صهيل المارّة...)و(جيفارا عاد...)

لمَ لاتمر ولو ليوم واحد قبل إفتتاح المدارس؟

عبدالمطلب(1)لاأراه إلاّ قليلاً..المهم سأبلغه تحياتك.

مع تحيات أم أسامة لكم جميعاَ،وقبلات أسامة وأميمة(2)

جليل

أواخر آب1976كركوك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)عبدالمطلب حسين السعيدي(تولد1949)صديقي وزميلي في الدراسة بدار المعلمين،كان رساماً وكاتب قصة وممثلاً مسرحياً،ويصدر لوحده مجلة ثقافية،وهوشقيق الفنانين المعروفين علي السعيدي وكاظم السعيدي.

(2)أميمة:كريمة الأديب جليل القيسي.

 (الرسالة الخامسة)

عزيزي جلال

مودتي

  حسناَ،كيف تريدني أن أفسّر هذا الصمت الأخرس الذي ضربته حول نفسك؟!بالتأكيد،الزواج أحياناً أفعى مثلثة الرأس تلدغ بشكل مخيف وموجع!ناهيك عن المنغصات الأخرى التي يجلبها،بل أحياناَ يخترعها من اللاشيء!أجل له القدرة أن يلقي الواحد في دوامة أفيونية تنسيه أشياء كثيرة...

  أين أنت؟هل وصلتك رسالتي الأخيرة؟إذا نعم؛لمَ لم ترد عليها؟

عاتبت الأخ محيي الدين(1)لعدم جلبه إيّاك معه.طيّب،لمَ لم تأت بنفسك؟ما مشاريعك؟كتاباتك؟كيف حال الزوجة؟الوالدة؟الأهل بشكل عام ما أخبارهم؟هل مازلت في نفس مدرستك؟هل أنهت زوجتك دراستها؟

  إيه...أسئلة كثيرة؛بودي أن أعرف الأجوبة عليها..ما أخبار الأخ محيي؟هل تلتقي به؟

  أكتب ...يسعدني أن أعرف أخبارك..

بلّغ تحياتي إلى الأهل...

تعال إذا إستطعت ولو ليوم واحد..

جليل القيسي

أوائل نيسان1977كركوك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)محيي الدين زنكَنه،الأديب المعروف.كان يسكن في بعقوبة آنذاك،وأنا في جلولاء،وتبعد مدرستي الواقعة في قرية بناحية قرَتبة قرابة30كم،وكانت زوجتي طالبة تدرس في إعدادية صناعة بعقوبة،وكنت أعاني من ملاحقة الأجهزة الأمنية والقمعية؛فكان وضعي مزرياً للغاية.

 (الرسالة السادسة)

عزيزي جلال

تحية حب

   قسماَ بالكلمة الطيبة،بالمحبة،بالشرف؛قبل يوم واحد من إستلامي لرسالتك،فكرت أن أكتب لك،سيما وقد حررت عدداً من الرسائل لأصدقاء لي في بغداد،ومن ضمنهم الأخ محيي الدين.ومحيي لم أعرف بوضع بصره إلاّ مؤخراَ(1)،وهو حين كتب لي قبل مدة،لم يذكر خطورة من النوع الذي شرحها لي(فاضل)و(سالمة)(2)أثناء زيارتهما لي مؤخراً..

جلال

   أنت تعرف جيداً،إنني أودّك،وحتى إذا لم أكتب،أو لاأجد ماأكتبه أحياناً؛لايعني قطعاً أنت لست حاضراً في أذهاننا..جميعاً في البيت..أسامة يتذكرك باستمرار،ويسأل عنك؛وعبر أسامة تتمسرح الذكريات وتستغرق فترة طويلة..,

   طبعاً سعيد بدأت بالنشر..صحيح أن النشر ليس فضيلة الفنان الكبيرة.لكن لابد من النشر،سيما من قطع مثلك شوطاً كبيراً في القراءة والتجربة والمعاناة...

   شكراً لإهتمامك بكتاباتي،وأنا بالطبع أقدر صدقك وموضوعيّتك ونزاهتك...

نسختك من مسرحياتي(جيفارا...)موجودة؛طبعاً يمكنك أن تأخذها في زيارتك المقبلة..في الحقيقة خشيت أن أرسلها بالبريد!

   إنتهيت من إستنساخ مجموعتي القصصية الجديدة،وأفكر في دفعها إلى الوزارة للطبع..أفكر في إستنساخ مسرحياتي؛عندما أكون طبعاً في مزاج جيد...كتبت مسرحيات كثيرة خلال السنة المنصرمة،وهذه السنة أنا مرهق يا جلال..

  تعال مع(خولة)(3)في العطلة،وبلغ تحياتي وتحيات أم أسامة وقبلات أسامة وأميمة لخولة والأهل،وتحياتي للأخ شاكر(4)وجمال الطيّب-بالمناسبة ماأخباره؟حتماً تخرّج من مدة،أليس كذلك؟

   أكتب إذا سنحت لك الفرصة.

المخلص

جليل القيسي

8/5/1977كركوك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)كان محيي الدين زنكَنه على شفا العمى،وقد يسّر(حشع)ذهابه إلى روسيا للعلاج.

(2)فاضل العزاوي والكاتبة سالمة صالح عقيلته.

(3)خولة نوري(تولد1957جلولاء)أم أولادي.

(4).شاكرنوري(تولد1949جلولاء)الكاتب والصحافي،وهو شقيق زوجتي.أقام في باريس 25عاماً،وهو الآن مقيم في الإمارات العربية.

(الرسالة السابعة)

عزيزي جلال..

مودتي

   قبل قليل إستلمت خطابك؛ألف شكر لعواطفك النبيلة تجاهي من جميع النواحي..أنا الآخر قرأت خبر مواصلة فرقة المسرح الفني الحديث بروفاتها على مسرحيتي(الشفاه الحزينة)غير اني لاأعرف مبلغ صدق الخبر...ألمهم،قد أسافر في نهاية الشهر الحالي،أو في أوائل الشهر المقبل إلى بغداد لبعض الأعمال.

   إن خطابك الأخير في الحقيقة قدرما أفرحني،آلمني في الوقت نفسه!ذلك لأن الرأي الذي ثبّتته في الصفحة الخلفية منه،ماكان يجب أن تكتبه لي؛لأنني رغم بعض الإضاءات الجميلة،أعرف جيداً رأيك في أعمالي كلها..كان يجب عملاً بحرية النشر وإبداء الرأي أن تكتب إلى إلى مجلة(ألف باء)لينشر كتعقيب...أنت تعرف كم أبغض الإثارات وأتهرّب من المقابلات،بل حتى المهاترات الصحفية،لكن من المؤسف أن يحصد الغير جهودي عبر"سرقة محسنة!"كما قلت بنفسك.وأنت كشاعر وكمثقف تعرف الحقيقة جيداً،وتكتب لي كما لو بحسن نية خالصة تريد أن تحزنني!ألمهم،كان يجب أن تكون جاداً...إسمع وحتى لو فرضنا جدلاً أن كلمتك كانت تأخذ طريقها إلى سلة المهملات،لكنها حتماً كانت تفرقع شرارتها..(1)

   أنا الآخر في شوق كبير امشاهدة مسرحية(الشفاه الحزينة)إذا كانت الفرقة لم تفاتحني بعد،وهي تعمل ذلك مع كل الكتاب بتقدير جد كبير،أقول:إذا لم تفاتحني بعد؛فهي تعاملني كصديق قريب لها..في الواقع،الجميع يكنون لي كبير إحترام.....إذا عرضت المسرحية فعلاً؛سأعمل على أن نشاهدها معاً..

  هل إستفسرت من النشاط الفني لتربية بعقوبة بخصوص تقديم(زفير الصحراء)؟أتصوّر أن خليل الحركَاني يعمل الآن مدرساَ في تربية بعقوبة..هذا مجرد تصوّر..وخليل إنسان في منتهى العذوبة والصفاء والرقة والطيبة،فهو عندما يخجل؛تطفو بسمة عذبة خجولة على وجهه المبرنز(للمناسبة مأخوذة من البرونز)هيء هيء هيء!(2)

  الآن..مجموعتي رفضت كلّياً لأسباب تثير الشجن فعلاُ!غير انني عندما راجعت نفسي وعرفت الأسباب التافهة جداً؛زالت أشجاني...أنت تعرف أن معظم أعمالي قد رفضت سواء في المسرح،أو القصة،وكلها لأسباب تافهة.ثمة مثل أرمني يقول"أرادوا أن يركّبوا حدوة جديدة للحصان؛رفع الصرصار ساقه أيضاً"فالصرصار نبش ونهش في المجموعة وأعادها لي أخيراً...إن إعادة المجموعة لي شرف كبير..

   ما أخبارمحيي؟هل عاد إلى الوطن؟كيف حال أهله؟محيي كسول أحياناً في تحرير الرسائل،بل كسله يصل حد الإهمال..أكتب كل شيء عنه رجاءً...محيي عزيز عليّ جداً.

  كان بود أسامة أن يراك..إنه منهمك هذه الأيام بطقوس العيد؛تسوقه كل طاقات ورغبات وجموح وهوس الطفولة ليلتهم العيد حتى آخره! أميمة مازالت تعيش بذكريات أورفي..(3)أم أسامة تبعث تحياتها لكم،وأخيراً أكتب كلما سنحت لك الفرصة..

مع تحياتي وحبي.

جليل القيسي

أوائل1978كركوك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)كنت قد أخبرته أن(ألف باء)قد نشرت قصة لأحد الكتاب البعثيين البارزين(توفي في التسعينات) وكانت شبه منتحلة من قصة للقيسي في مجموعته(صهيل المارة...)وهي تتناول صراع بطلها مع نسر.

(2)للأسف لم أفلح بلقاء الفنان خليل الحركَاني.

(3)أورفيوس(تولد 1977جلولاء)ولدي البكر.

 

 

 

(الرسالة الثامنة)

أبا أورفي الطيّب

قبلاتي

  بمنتهى الهدوء،تقول(زعلان)كيف لاأزعل؟سواء أنت ومحيي تكتبان عندما تنتابكما النزوة،أو حالة من المزاجية...ثم وهنا الطامة؛تكتبان رسالة صغيرة كلها ألم وشكوى..وها أنتذا في هذه الرسالة،تتكلم عن مشاغل الحياة والوظيفة بلهجة حزينة...كنت في نظري قبل الزواج مليئاً بالحياة وبالنشاط ومتماسكاً أكثر وقليل الإهتمام بالمتاعب...ماذا؟هل شخت هكذا فجأة مثل زهرة؟!(1)

  المهم..شكراً لخطابك واسمح لي أن أكتب بدوري كلمات قليلة تماماً مثل رسالتك الملونة..ألا قل لي هل ترسل رسائلك بالبريد السلحفاتي؟!ذات مرة،إستلمت منك رسالة بعد أكثر من أربعين يوماً من تاريخ إرسالها،وكذلك هذه الرسالة..نقرأ أحياناً طرائف جميلة عن تأخر بعض الرسائل في البريد لردح طويل جداً من الزمن..مؤخراً قرأت أن رسالة وصلت إلى صاحبها بعد أكثر من عشرين سنة..هاهاها...تأمل إذن..فرسالتك وصلت بالبريد الكونكوردي(نسبة إلى طائرة الكونكورد الفرنسية)!

  جلال

طبعاً تأخرت بدوري أقل من أسبوع في الرد عليها،أتعرف لماذا؟

أولاً:عاودني مرضي السابق فجأة في العاشر من الشهر المنصرم وارتفع عندي(اليوريك)في الدم،وشلّني لأكثر من أسبوع،وأجلسني مثل أيقونة فوق السرير..بعد أسبوع كالعادة(بهريز)وحالة من الوضع المضطرب لأسابيع..ما إن إسترجعت عافيتي؛راح السيد أسامة يشكو من جرح في ركبته،إستغرق علاجه عدة أيام..  

ثانياً:مرضت أم أسامة وعانت أكثر من عشرين يوماً،وقبل يوم واحد من تحريري هذه الرسالة إسترجعت عافيتها...

ثالثاً:طبعاً لاأريد أن أكلفك مؤونة الإستماع إلى إشكالات العمل،وما أعاني من متاعب جانبية...تصوّر كم كنت مزحوماً بالمتاعب،ثم قارن نفسك بي...هاهاها!

  ألمهم،ما أخبار خولة؟حتماً تطبخ بشكل جيد،وتغني لأورفي...وأورفي هل تعلم العزف أم ينتظر الإلهام من أورفي الحقيقي في الأولمب؟!ما أخبار محيي؟قرأت مسرحيته في الأقلام التي بناها على قصة الكاتب الكردي...(2)لولا الإطناب والتكرار في الحوار،وتشابه الشخصيات في تحاورهم مع بعضهم البعض،ثم الشريحة الأخيرة التي جاءت كما لو أنها مقحمة مع شيء من المبالغة؛أتصوّر أنها أجمل ما كتبه محيي لحد الآن..بلغه والعائلة تحياتي وتحيات أم أسامة،مع تهانيّ..

  إذا صدرت مسرحياتي في هذه الأيام؛سأمر عليكم وأنا في طريقي إلى بغداد..

أكتبا لي إذا سنحت لكما الفرصة..وسلالاً من القبل للصغار:آزاد وميديا(3)ووضاح وأورفي..(4)

جليل القيسي

تموز1979كركوك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كنت في تلك الفترة أعاني من تداعيات مشكلة خطيرة فبركها ضدي العفالقة؛ حيث دبروا مع نفر من عملائهم تهمة ضدي فحواها تسببي في قتل حمّال بدهسه بدراجتي النارية،التي كنت أستخدمها في ذهابي وإيابي، حيث كنت معلماً مبعداً في مدرسة نائية.وبالطبع كانوا يتغيّون من وراء مثل هذه المؤامرات وغيرها وما أكثرها! أن أتعفلق،ولكن هيهات هيهات!

(2) هي قصة(السماد الكيمياوي)للكاتب التركي(الكردي الأصل)الشهير عزيز نسين،والتي ترجمتها عن الفارسية،ونشرتها مجلة(الثقافة،ع4 نيسان 1978)ومسرحها الأستاذ زنكَنة بعنوان(في الخمس الخامس من القرن العشرين يحدث هذا)نشرتها مجلة الأقلام في عددها السادس 1979لوحازت على جائزة أحسن نص عراقي عام1980كما لاقت نجاحاً كبيراً عند تقديمها على المسرح بالعربية والكردية،وفي التلفزيون أيضاً،وعند نشرها وترجمتها وتقديمها غابت الإشارة إلى القصة الأصلية ومؤلفها أحياناً،أما إسم المترجم فلم يُذكر إطلاقاً؛ولقد برهنت لي تلك التجربة على أن المترجم عندنا كالسمك مأكول ومذموم،بينما يعتاش أغلب الكتاب على ما يقدمه من تغذية مختارة من الثقافات الأخرى!

(3) آزاد:نجل الأديب محيي الدين زنكَنه،وميديا كريمته.

(4) وضاح(تولد 1978بعقوبة)ولدي الثاني.

 

(الرسالة التاسعة)

أخي الحبيب جلال

تحية حب

  ألف شكر لجميع أعداد المجلة(1)فقد هبطت عليّ تباعاً بألفة وعذوبة الحمام المدرّب..إن المواد المنشورة فيها مثيرة،وثمة دراسات رائعة فعلاً...يبدو أنك تصول فيها وتجول بترجماتك الجميلة..صدّقني إرتحت كثيراً لمقالة أكبر باباييف في ذكرى ناظم حكمت.يالها من مقالة رقيقة،جميلة ومؤثرة!أتساءل:لمَ الترجمة وبهذا الإندفاع،في الوقت الذي يجب أن تنزل إلى الساحة الأدبية بأعمالك الإبداعية؟ماذا هل مازلت لاتثق بمواهبك؟!(2)

  تسأل عن مسرحياتي،وهل حقاً أعرف أين هي بعد مضي أكثر من سنة على الموافقة على نشرها؟ما مصيرها؟وعند من رست؟ومتى ترى النور؟!

  لقد أصبحت من فرط تضارب الأخبار التي أسمع عنها؛أعاني من يأس ثلجي حيالها!آه لو تعرف كم أحب مسرحياتي!لقد كتبتها جميعاً وأنا،كما يقول الفيلسوف الهندي كريشنا،في حالة(سامادهي)أن تغيب عن العالم من خلال قلب العالم!للمناسبة،هل سبق وأن أحسست بحالة من الكآبة الناعمة؟إنني منذ أن دفعت المسرحيات إلى الطبع،ولحد الآن أشعر بانتظار لذيذ لصدورها،مع الإحساس بكآبة ناعمة،والكآبة الناعمةصقيع يجلد القلب يا جلال!

ما أخبار العزيز محيي؟بلّغه أشواقي وحبي وقبلاتي،ولكم جميعاً مودتي وحبي مع تحيات الأهل.

جليل

9/8/1979كركوك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)مجلة(الثقافة)لصاحبها د.صلاح خالص،حيث نشرت فيها منذ 1973وعملت فيها محرراً خلال(1977-1988))وكنت قد سجّلت فيها إشتراكاً مجانياًً للقيسي،وكانت أعدادها ترسل إليه بالبريد.

(2)مع ان ممارستي للترجمة وكتابة المقالة والدراسة كانتا من أنشطتي الثانوية،لكنني تقنّعت بهما(من القناع)كتكتيك،وأفلحت في تمرير آرائي وأفكاري المناهضة للفاشية والشوفينية والعسكريتارية والدكتاتورية دون التعرض للأخطار المحدقة... بينما ظللت أكتب الشعر،ولم أنشر منه إلاّ القليل جداً؛فكل ما نشرته بالعربية والكردية حتى إنتفاضة1991هنا وهناك لايتعدى مجموعتين؛لكون قصائدي كافة حتى قصائد الحب ملغومة ضد الفاشية-الشوفينية،وكان يتعذر نشرها حتى خارج العراق إلاّ باسم مستعار.ولقد نشرت منها بعد الإنتفاضة مايناهز سبع مجموعات بصورة متناثرة،ومازالت المئات منها لم تر النور لحد الآن.