|
جلال زنكَابادي
zangabady@gawab.com
Jalal
Zangabady

"
واعجباه؛أيّ
خدمةٍ
أقدّمها للسلطان؟!
يجب أن تتمخّضَ
السمواتُ
وتدورَ
الكواكبُ
في المدارات نازلةً،صاعدةً،ألف
عام؛حتّى تخرجَ
من هذه الطاحونة حبّةٌ
مثلَ
عمر الخيّام،وأن يظهرَ
في مدن العلالي السّبع وقرى الوهاد السّبع حادٍ
لقافلةِ
الحكمةِ
مثلي! أمّا
إذا
أردت من يقوم بمهام خواجة؛فيمكنني أن أستقدمَ
من كلِّ
قريةٍ
بنواحي كاشان عشرةً
منْ
هكذا خواجات!"
هكذا ردّ الخيّام على الخواجة الكاشاني (صاحب
الديوان وكبير
حاشية البلاط) الذي
إستكثر
على الخيّام نيل راتبه المخصص من قبل ملكشاه السّلجوقي،بل
واستفزّه متسائلا :-
"
بم تخدم سلطان العالم ؛حتّى يمنحك عشرة آلاف دينار،في كلّ سنة؟!"
ولمّا بلغت هذه الحكاية مسامع السّلطان؛علّق قائلا:-"
تاللّهِ
لقد صدّق عمر الخيّام"
يقيناً
هوذا حال المبدعين الأفذاذ بين بني جلدتهم،لكنّما ليس المجد والخلود
للأقزام المتعملقين،وإنّما
للعباقرة الحقيقيين من أمثال: الخيّام(1040-1123؟أو1048-1131)،
دانتي (1265-1321) و سرفانتس( 1547-1616)...
أجل؛لم يحظ أيّ شاعر شرقي،لاسيما من شعراء الرّباعيّات المشاهير:أبو
سعيد أبي الخير( 967-1048)،بابا طاهر الهمداني (1000-1075)، الشّيخ
عبداللّه الأنصاري (1005-1088) والشاعرة مهستي كنجوي (1096-1181) بما
حظي به الخيّام من عناية واهتمام المترجمين والدارسين في الشّرق والغرب
؛ فمنذ ستّينات القرن التاسع عشر اكتشفته أوروبا؛فغزاها وكاد أن يختطف
الأضواء كلّها من عمالقتها: دانتي ،شيكسبير(1564-1616) و كويته
(1749-1832)!
فمن هو الخيّام وكيف ملأ الدنيا وشغل الناس قديماً
وحديثاً؟!
إنه
غياث الدين أبو الفتح عمر بن ابراهيم الخيّام النّيسابوري الملقّب بـ
(حجّة الحقّ)؛ ولا غروّ فقد كان عالماً،فيلسوفاً،فلكيّاً،طبيباً،كاتباًوشاعراً.
أشار
البعض
إلى
كونه عربيّ الأصل؛لمجرّد تلقّبه بـ(الخيّام)وهو
دليل واهٍ
جداً؛إذْ
كان والده صانع خيم،ولكن
ثمّة اشارة يتيمة
إستوقفتني؛فاستقصيتها،ألا
وهي
إشارة
الملاّ
خليل مشختي(1897-2007):
-"
الخيّام كردي نيسابوري،من
كرد خراسان"في
تقديمه لترجمة رباعياته
إلى
الكرمانجية (الكردية الشمالية)؛وليس
ذلك بمستبعد؛فقد
إستوطن
الكردخراسان وما جاورها منذ العهد الميدي،وقد ظهر هنالك في العهدين
الأموي والعبّاسي وحتى العصر الحديث أعلام كبار ومشاهير من أرومة كردية،في
مضامير السياسة والثقافة كأبي مسلم الخراساني و البرامكة و ملوك الكرت
....وإذا
صحّت
إشارة
فخر الدين محمد بن عمر الرّازي (1148-1209) في (تفسير مفاتيح الغيب)إلى
أن عمر الخيّام كان يسمّى أيضاً
بـ(عمر
أبهري)؛سيمكننا
الجزم أنّه كرديّ الأصل؛لكون الأبهريين كرداً،فضلاً
عن كون الخيّام سنّيّ المذهب واسمه (عمر ) وهو الأسم الذي أثار
المعاداة ضدّه على مدى القرون الماضية !
ولد عمر الخيام في نيسابور،وقيل
في قرية شمشاد ببلخ،أو في قرية بسنك التابعة لأستراباد،إلاّ أن المعلوم
أنه توطّن نيسابور وفيها
تلقى علومه، ثم قصد سمرقند،
لإستكمال
دراسة الجبر.ولما ذاع صيته في الفلك والتنجيم والرياضيات؛علا نجمه،إذ"كان
الخاقان شمس الملوك في بخارى يعظمه غاية التعظيم،ويجلسه معه على سريره"
كما جاء في (نزهة الأرواح وروضةالأفراح ...) للشهرزوري،ومن ثم استدعاه
جلال الدين ملكشاه (ت 1092)في(1074 )وكلّفه بتعديل التقويم الجلالي
في(1079)وبناء مرصد فلكي في أصفهان وكان"ينزله
منزلة الندماء ..."
حسب قول الشهرزوري.
ولقد
نشط الخيام هنالك؛وراحت
جهوده العلمية تستكمل جهود العالم أبي الريحان البيروني (ت 1048)،بل
وعدت انجازاته في مجالات الرياضيات أساساً
لتطويرها في أوربا ،خلال القرن التاسع عشر،ولعل من انجازاته البارزة:وضعه
لنظام جديد للأرقام أوسع من النظام الأغريقي المعمول به منذ أمد بعيد،فضلاً
عن إيجاده لطرقة مهمة لإستخراج جذور الأرقام،ومعالجته لأول مرة مسائل
التكعيب في الجبر....
ومما يذكر عن فتوّة
الخيام أن الوزير الحسن الطوسي (نظام الملك)(1018-1092) والحسن الصباح
(ت 1124)قائد فرقة الحشاشين وحاكم قلعة ألَـمـوت
(وكر العقاب)كانا زميلين
له
في صباه ودراسته عند الأمام موفق الدين النيسابوري بجامعة خراسان
حينذاك،وهنالك حكاية مهزوزة،لاصحّة
لها تاريخياً
عن تعاهد الأصدقاء الثلاثة في عهد التلمذة ...وعمّا
آلت
إليه
مصايرهم لاحقاً؛خصوصاً
وان (نظام الملك)كان من جيل أقدم من جيل الخيام والحسن الصباح بعقود.
كان عصر الخيام مزدهراً
ثقافياً؛اذْ
كان الإمام
أبو حامد
الغزّالي(ت1111)وأبو
القاسم الزمخشري(1075-1144)والشهر ستاني(ت1153)من أبرز معاصريه.وكان
العروضي السمرقندي (ت1174)من تلامذته البارزين،وهو أقدم منْ
تحدثوا عنه بالفارسية،ما تحدث عنه آخرون ومنهم نجم الدين أبو بكر
الرازي (ت1247)والذي نعته بـ"الدّهريّ
التائه في ميدان الضلال"!بل
وأن بعض المتعصّبين والمتزمّتين قد استنكره وتألّب وألّب عليه واتهّمه
بالزندقة ؛حتى خشي الخيّام علىحياته؛فلجم لسانه وقلمه و"حجّ
متاقاةً،لاتقيّة"على
حدّ قول القفطي.وهنا
تبرز مفارقة غريبة وطريفة في مواقف الدارسين والعلماء القدامى من
الأيرانيين والعرب،الذين
طالما
مجّدوا
الخيّام (العالم)وتجاهلوا،بل
وهاجموا
الخيّام (الشّاعر)واعتبروا
شعره أفاعي سامّة،ومنهم بعض متأخّري الصّوفيّة،بينما الخيّام"لم يعش
للآن إلاّ في رباعيّاته"كما قال الشاعر رامي!
إن
جميع المصادر
إضافةً
إلى
آثار الخيّام نفسه؛تبيّن كونه ذا موهبة عظيمة وعقل نيّر وثقافة
موسوعيةمذهلة،وهنالك
العديد من الحكايات الطريفة عن تجلّيات عبقريته وتنبؤاته
مثل"سيكون قبري في موضع تنتشر الأزهار عليه كل ربيع"وغيرها
يتعذّر سردها في هذه الفسحة المتاحة.وممّا قاله معاصرو الخيّام
عنه؛نستشف ما يجلو ويحدد سمات شخصيته وأدبه وفكره ،وهو ينفي نفياً
قاطعاً
مايزعمه بعض شرّاح رباعيّاته،بأنه
كان رمزياً
صوفياً،فقد
كان فيلسوفاً
وجوديّاً
سبق الفلاسفة الوجوديين الأوربيين بطروحاته،بأكثر من سبعة قرون!حتى
أن الأديب الفرنسي تيوفيل غوتييه أشار إلى"ان رباعيّات الخيّام تحتوي
جميع مقاطع هملت قطعةً قطعة"وقال المؤرّخ الفرنسي المعروف أرنست رينان
في معرض المقارنة بين أحد الشعراء والخيّام:-"وليس له قوّة الخيّام،ولا
تهكّمه ومزاحه المرّ،وهو الذي لم يُشاهَدْ في عصر من العصور شاعر
إباحيّ مثله" بل وتساءل المستشرق الفرنسي متعجِّباً:-"أليس يُعد حادثةً
غريبةً ظهورُ شاعر في إيران في القرن الحادي عشر للميلاد،يكون كما قال
رينان:نظيراً لغوته وهنريش هاينه؟"
لعلّ الجواب اللامباشر ينجلي في إستقصاء الأستاذ أديب
التقي،الذي قدَّم لترجمة النجفي:-"إن جميع ما تحوم حوله معاني الخيّام
في شعره تنحصر في هذا المصراع العربي:
إغنموا الفرصةَ بين العدمين"أي أنه أبيكوريّ المذهب بالتأكيد.ويبدو أن
مذهبه هذا قد سحر الأوربيين،لاسيما الشعراء،ومنهم لوركا الذي إستقصى
خوسيه ميغييل تأثّره المبكِّر برباعيّاته؛"لأن الموقف الوجودي لعمر
الخيّام،بكل بساطته وعمقه،ينافي تماماً التقاليد المسيحيّة المُطالِبة
بالتخلّي عن اللّذات الجسديّة؛بوصفها أقبح الخطايا،والإستسلام
للإعتراف،وانتظار مجيء حياة ثانية بعد الممات..."
وهنا تجدر الإشارة
إلى
الشبه الكبير في المزاج والأفكار،والذي يجمع الخيام مع المعرّي(973-1057)الذي
تأثر الخيّام به حتماً؛ففي قصيدة أبي العلاء،التي مطلعها"غيرُ مُجدٍ في
ملّتي واعتقادي"نجد مجمل أفكار رباعيّاته،وكذلك
مع
كاليلو (1564-1642)،لاسيما فيما يتعلق برهافة الحس،والذكاء
المتوقد،وحدّة
الوعي،وصرامة
الموقف وحدّ يته،بل وأن العزوبية حتى الموت تجمع مابين المعرّي
والخيام،وقد
أثرت في شخصيتيهما وأدبيهما،أمّا
ما يفرّق بينهما
فهو
زهد المعرّي...
لقد كانت شهرة الخيام قديماً
ترجع
إلى
كونه عالماً
ذا مؤلفات علمية فلسفية مهمة ومؤثرة؛فقد أنجز
إحدى
عشرة رسالة(عشر منها بالعربية) في
مضامير:الفلسفة،الفيزياء،الكيمياء،الجبر والتاريخ(رسالته عن عيد نوروز،وهي
الوحيدة
بالفارسية) كما
أنه
ترجم
إلى
الفارسية(خطبة الغرّاء)لإبن
سينا(980-1037). أماّ عبقريته الشعرية،التى ضمنت شهرته حديثاً،فالغريب
والطريف هو أن العالم لم يكتشفها
إلاّ
بعد وفاته بسبعة قرون ونيف! وذلك بفضل
الأستاذ كويل الذي وفّقَ في العثور على أقدم نسحة خطّيّة لها وقتذاك في
مكتبة بودليان بأوكسفورد،فنشر شيئاً عنها وعن سيرة الخيّام في مجلة
كلكتا عام 1858،ثمّ كتب إلى صديقه
الشاعر ادوارد فيتزجيرالد(1809-1883)-
الذي كان صديق الشاعر تنيسون والفيلسوف كارليل- عارضاً عليه
النسخة؛فدرسها،وترجم منها خمساً وسبعين رباعيّة عام 1859،ومن ثم
أبدع منظومة شعرية مستقلة مستلهمة من (101) رباعية خيامية،ونشرها
عام 1868وهي
تتناول وقائع يوم واحد كامل من حياة عمر الخيام،منذ
الفجر وحتى حلول الليل،حيث تتجلّى أحاسيس الخيّام وأفكاره وأطواره :إذْ
تشرق الشّمس،فتفتتح الحانة،ويصبح الخيام يقظاً،ويفكر،لكنه
يستغرق
رويداً
رويداً-
وهويشرب
الراح-
في بحر التفكير والتأملات،فيستوقفه
فناء الحياة وعجز العقل البشري عن حل لغز الوجود،وغيره
من المشكلات والمنغصات؛فيغضب حيناً،ويتحسر
حيناً،ويتمرد
حيناً
آخر،لكنه
يبث في كل الأحوال أحاسيسه وأفكاره.ولمّا
يبلغ به السّكر مداه؛يصحو
مع انسدال ستور اللّيل،فيتملّى لألاء القمر؛فيغوص
في بحر التفكير من جديد،ومن ثمّ ينشغل بالوصايا في خاتمة المنظومة
الشّعريّة،التي
إستحضرت
يوماً
نموذجيّاً
إفتراضيّاً
من حياة الشاعر/الفيلسوف.
ولقد
قدم فيتزجيرالد ترجمة أخرى نثريّة للرباعيات نفسها تكاد أن تكون حرفيّة
ملتزمة بالمضمون الدقيق لنصوصها وصورها الشعرية ولأفكار الخيّام من قبل
ومن بعد،بينما
تصّرف بتلك الرباعيات
نفسها
في منظومته الشعرية حذفاً
وحشواً
وتحويراً،وذلك
ينسحب على الترجمات المنظومة،التي
"عموماً تعاني من الحشو،وتبديل الألفاظ المناسبة بألفاظ غير
مناسبة؛حسب حاجة الوزن والقافية"على حد تعبير الشاعر السوري بندر
عبدالحميد،الذي عرَّف الخيّام بـجملة لا أجمع ولاأبهى منها،ألا
وهي"شاعر أيقظ الحياة على الأرض"برباعيّاته المنطوية على"حكمةودعوة إلى
ممارسة الحياة بفرح وشجاعة وأناقة واطمئنان؛ولهذا أقبل على قراءتها حتى
أولئك الذين لاتربطهم بالقراءة أيّة علاقة"
ولأنجازه المذكور عدّ بعض النقّاد فيتزجيرالد
صاحب الفضل الكبير في بعث الخيّام الشّاعر المنسيّ،بل ومن
أهم الشعراء الأنكليز في زمانه؛ليس لأنه كتب شعراً
مهمّاً،وإنّما
لترجمته رباعيّات الخيّام بلغة شعرية راقية تضاهي اللغة الشعرية الفخمة
للشعراء الكلاسيكيين ،في العصر الفكتوري وما قبله،علماً
بأنه لم يكن أول من ترجمها إلى الإنكليزية؛فقد سبقه توماس هايد،ولكن
ترجمته لم تثر الإهتمام.ويُذكَر أن ترجمة فتزجيرالد الصادرة عام 1859لم
تثر أيضاً إنتباه أحد؛حتى إكتشفها وروَّج لها الشاعران غابرييل روزيتي
و سوينبورن...ويُذكَر أن نادياً باسم عمر الخيّام قد تأسس في لندن بعد
وفاة فيتزجيرالد بنحو عشر سنوات"وكانت مهمّته تنحصر في الدعوة إلى
المزيد من الإهتمام بأعمال الخيّام ورباعيّاته،وزيارة قبر
مترجمه........،كما وجَّه رسالة إلى الشّاه يطلب فيها صيانة قبر
الخيّام في نيسابور وتجميل موقعه بزراعة أنواع الزهور حوله"
هكذا إذن إكتشفت الثقافة الأوربية الخيّام الشاعر،بينما تأخّرت
الثقافتان الفارسية والعربية في إعادة إكتشافه أكثر من نصف قرن؛فقد
أصبحت تلكم الترجمة الفيتزجيرالدية بمثابة الشّرارة ،التي أشعلت أكبر
الحرائق الأدبية في ربوع أوربا ،بل المعمورة قاطبة؛حيث راحت رباعيات
الخيّام تترجم
إلى
العديد من لغات العالم،فضلاً
عن تعدّدية الترجمة في كلّ لغة ؛حتى تجاوزت الأعداد الخيالية لنسخها
المطبوعة جميع الكتب الرائجة باستثناء الأنجيل؛ فثمّة في اللغة
العربية-مثلاً-
70ترجمة كاملة وجزئية لرباعيات الخيّام ،أفضلها ترجمتان:ألأولى
للشاعر
أحمد رامي(1892-1978) وتسمو بشعريتهاوغنائيّتها
إلى
مستوى المتن الخيّامي نفسه،والثانية
للشاعر
أحمد الصّافي النّجفي (1897-1977) وهي تضاهي بجودتها أفضل الترجمات
الشرقية والغربية؛بحيث
علَّق عليها العلاّمة الإيراني صدر الأفاضل مخاطباً النجفي:"أكاد أعتقد
أن الخيّام نظم رباعيّاته بالعربية والفارسية معاً،وقد فُقِدَ العربي
منهما،فعثرت عليه وانتحلته لنفسك"،بل وقال بهار ملك الشعراء :-"إن بعض
التعريب مع كونه مطابقاً للأصل جدّاً فهو يفوقه من حيث البلاغة
والأسلوب كهذه الرباعية- أورد رباعيتين،واكتفينا بالثانية-
أيا فلكاً يربّي كلَّ نذلٍ
وليس يدورُ حسب رضا الكريمِ
كفى بكَ شيمةً إن رحت تهوي
بذي شرفٍ وتسمو بالّلئيمِ"
ثمَّ
أن هناك أكثر من 300 مقالة ودراسة مؤلّفة ومترجمة باللغة العربية
،تتناول الخيّام ورباعياته.
وبالطبع هنالك المزيد من الدراسات والمراجع عن الخيّام وأدبه وعلمه ،في
شتّى اللغات،بل"يستحيل
تقريباً
إعداد
كشّافٍ
وافٍ
بكلّ الترجمات والكتابات عن الخيّام ،في القرن الأخير"كما
يقول
الخيّاملوجي
بيير باسكال،وتجدر الإشارة
هنا
إلى
كتاب مانويل كومورن،الذي ترجمه عمر أبو النصر بتصرف وصدر عام
1970بعنوان"قلعة أَلَموت"،و(قصة
حياة الخيّام) لهارولد لام،وكذلك فيلم (عمر الخيّام) الذي أخرجه ألبرت
لويس عام 1941 في هوليوود،مع
أنه لم يفلح في استحضار صورة حقيقية جليّة لشخصية الخيّام الكبيرة.
ولقد
إنبرى
أيضاً
فنانون تشكيليّون عديدون (ايرانيّون وأجانب )؛ليجسِّدوا
مشاهد رباعياته
رسماً،ومن
أبرز المبدعين في هذا المضمار :ألأرمني سركيس خاجادوريان
الفنان والباحث الإركيولوجي،والإيرانيان
الشهيران:محمّد
تجويدي،و
بهزاد(1900-1966).
أمّا في اللغة الكردية،فثمة بضع ترجمات منظومة،وهي
جيّدة على العموم،وقد
أنجزها الشعراء:كامران بدرخان(1895-1978)،الشيخ سلام
عازباني(1892-1959)، عبداللّه كوران (1904-1962)،هه
زار
موكرياني (1920-1991)،عوني (1914-1992)،أحمد شالي (1924-1977)،خليل
مشختي(1900-؟!)،صباح
قره،وأخيراً
خسرو الجاف،الذي جاءت ترجمته مشفوعة بالمتن الفارسي وبترجمتين
انكليزية وعربية فضلاً
عن دراسة مستفيضة لكل ما يتعلّق بالخيّام،في
375 صفحة من القطع الكبير.ومن الجدير بالذكر هنا هو البحث القيّم،الذي
قدّمه الأستاذ صلاح الدين آشتي مقارناً
الترجمة الهزارية
بالأصل الفارسي مع،الإشارة
إلى
الترجمات الكردية الأخرى حسب اقتضاء الضّرورة .
ولقد
تأخرت ترجمة رباعيات الخيّام
إلى
اللغة الكردية
كثيراً(وهي
من أقرب اللغات
إلى
الفارسية)؛وهنا
تكمن مفارقة خيّاميّة أخرى!والعلّة واضحة؛وهي
خشية الشعراء الكرد القدامى- الذين قلّما لم يتقن بعضهم الفارسية- من
عواقب ترويج مضامينها المخالفة للشّريعة،لاسيما وأن أكثرهم كان من
الملالي ورجال الدين
وشيوخ الطرق الصوفية.
لقد دار جدل كثير وطويل حول سيرة الخيّام ومؤلفاته،لاسيما
رباعياته،التي تضاربت الأقوال في تحديد عددها تضارباً
كبيراً،وقد
توصّل بعض المحققين ومن أبرزهم:محمد علي فروغي(1879 -1943)،علي دشتي(
1896-1982)و رحيم زاده ملك،توصّلوا
إلى
أن ديوان الخيّام الأصيل/الحقيقي
لايتعدّى 60 رباعية ومقطوعة شعرية
إلاّ
ببضع رباعيات،ومن الممكن
إضافة
نحو ضعفيّ
هذا العدد على سبيل الإحتمال،لا
اليقين؛فيكون المجمل 178 رباعية،بينما نسّبت
إلى
الخيّام رباعيات منحولة بالمئات،بل وبلغ عددها في بعض المخطوطات1200
رباعية !!!
ولعلّ معرفة الأسباب تبطل العجب؛فقد
ضاعت مخطوطاتها عند تعرّض نيسابور للغزو والإحراق على أيدي المغول
والتتر..."وتناقلتها الألسنة حتى دخلها التحوير والتبديل..وتعاقب عليها
النُّسّاخ فغيّروا الكثير من معالمها..ودسّوا من شعر غيره ،وأثبتوا له
من القول ما بريء منه لسانه"كما أشار رامي،وهكذا ضاع الكثير من
الرباعيات،ولم
تسلم
البقيّة
من سوء نوايا النسّاخ
وعبثهم وجشعهم؛فقد أضاف
بعضهم إليها
الكثير على هواهم،وحذفوا مالايروق لمزاجهم وعقائدهم،ناهيكم عن
تكثيرعدد
الصفحات؛ليدرّ
عليهم المزيد من النقود والخلع
من لدن الملوك والأمراء والسلاطين...أمّا
الشعراء الجبناء؛فكان
أكثرهم لايتوانى في أن ينسّب الى الخيّام رباعيانه،التي يخشى
عواقبها،شأنهم في ذلك شأن بعض اللؤماء والخبثاء ، الذين راحوا يلفّقون
على لسان الخيّام ما يشوّه صورته الفكرية الحقيقية،ويستوقفنا بهذا
الخصوص صادق هدايت(1903-1951)بتعليقه
الذّكي:-"لو
عاش
إمرؤٌ
قرناً،وماإنفكَّ
يغيّر آراءه ومعتقدانه مرّتين يومياً؛لما
استطاع أن يعبّر عن كلّ هذه الآراء المتناقضة!"
فلاعجب
إذنْ
من قول الباحث الإيراني
محمد علي اسلامي ندوشن:-"أعتقد
جازماً
أن رباعيات الخيّام الأصيلة لايتجاوز عددها ست عشرة رباعية"
ولقد أرّقت هذه المعضلة كبار الخيّاملوجيين"وإنّا
لنرانا أمام صعوبة شديدة في إختيار الصّادق من هذه الرباعيّات؛لأنها
تتفق في الأسلوب والصياغة والعروض.ويزيد هذه الصعوبة أن كل رباعية
قائمة بذاتها..وأنها لايجمعها تسلسل فكرة أو إضطراد تصوير،وأن المعاني
المودعة فيها كثيرة التكرار..وأن الفرق طفيف بين اللغة الفارسية في عهد
الخيّام وبينها بعد موته.ولسنا نعرف الكثير عن حيلة الخيّام أو نجد
شيئاً من آثاره الأدبية الأخرى؛فنستدلّ به على فهم شخصيته أو نستعين به
على ما غمض من الرباعيّات" كما أكّد الشاعر رامي.ومع ذلك لم يستكينوا،وإنما
حاولوا ببحوثهم ودراساتهم المستفيضة أن يغربلوا الركام الهائل من
الرباعيات المنسوبة الى الخيّام ؛ بغية فرز وحصر الرباعيات الخيّامية
الأصيلة – الحقيقية، ومن أبرزهم :الألماني
فردريش روزن(1856-1935)، الروسي فالنتين زوكوفسكي (1858-1918) ،
الدانماركي آرثر كريستنسن (1897-1945) والفرنسي بيير باسكال ، وكذلك
الأنكليزي ادوارد هيرون ألن،ويتعذّر
في هذه الفسحة
عرض استقصاءاتهم وطرائقهم البحثية واستنتاجاتهم
المتعلّقة برباعيّات الخيّام الأصليّة والمدسوسة...
لئن تأمّل الخيّام في حال الوجود وألغاز الحياة والموت بجرأة
نادرة،وصراحة مدهشة ميّزته عن سواه من الشعراء،في التعبير عن ادراكه
المبكّر للهواجس والشكوك والأفكار، التي
راحت
لاحقاً
تساور الأنسان،في عصر التنوير (القرن التاسع عشر الميلادي )؛فقد آزر
قالب الرباعية،وهوأستاذ
الأساتذة في توظيفه،آزر
قوّة تعبيره،في تكثيف وتركيز خطابه الشعري/الفكري
ويسّر تلقّيه؛حتى
راحت رباعياته تنتشر
إنتشاراً
سريعاً
وواسعاً
حتى في أوساط"
أمم غيبة عنه وطناً وجنساً ولغةً وديناً..."بل وفي أوساط
سواد الناس،خصوصاً
وأنها تتناول ما يؤرّق أذهان البشر،في كل زمكان،كالحيرة في أسرار الخلق
والروح والوجود والعدم وقصر الحياة الدنيا ومصائبها وقضايا الميلاد
والموت ومصير الجسد بعد الموت،فضلاً
عن أن بعض رباعياته ينطوي على نقد لاذع لأمراض المجتمع وللمنافقين والإنتهازيين
وأدعياء الدين،بل ويتخلّلها عتاب عنيف للباري تعالى،بالعكس
ديباجاته التقليدية لرسائله العلمية !
ومع كل ذلك فأن الخيّام الذي أحرز هذه الشهرة الهائلة بعد رحيله
الأبدي بقرون طويلة، يبدو وكأنه لم يكن يعتبر نفسه شاعراً
محترفاً
وإنّما
كان ينظم مايهلّ عليه تسليةً
لذاته،ونشداناً
للراحة من عناء العمل وشجون الحياة،خصوصاً
وأنه كان عالماً
جادّاً(نظريّاً
وتطبيقياً)ولربّما
كان تعتيمه الذاتي على شعره،وعزوفه عن
إبراز
نفسه شاعراً؛إحترازاً
مقصوداً،أي
لئلاّ يُضْطَرَّ
إلى
الإنزلاق
في حمأة الإمتداح
والنباح على غرار أغلب الشعراء،في أكناف البلاطات والسلاطين
والأمراء،باستثناء أغلب الشعراء المتصوفة ...
وعليه؛لاغروّ
إنْ
أحدث الخيّام تأثيره الكبير في الثقافة العالمية،لاسيما في حركة
التجديد الشعري بأوربا،بل وشمل أيضاً
تأثيره
الشرق الذي
إنتبه
إلى
عبقريته الشعرية والفلسفية بعد الإكتشاف
الأوربي لهما !فقد
أثَّر-مثلاً- في الشاعر والكاتب المسرحي والمفكّر البلجيكي موريس
مترلنك"1862-1949"،والشاعر والفنان لوركا"1898-1936"،والشاعر العراقي
الكبيرعبدالوهّاب البياتي"1926-1999"
وهكذا يظل الخيّام ينبوعاً
جيّاشاً؛وأسطع
دليل على ما نقول؛هو
الإحتفاء
الكبير بالذكرى التسعمائة لوفاته،في مايس 2000،لثلاثة أيام،بتعضيد
منظمة اليونسكو،ومشاركة
أبرز
الجهات المعنية،وكبار الخيّاملوجيين،من شتّى
أرجاء
العالم:
إنكلترا،إسبانيا،ألمانيا،أمريكا،فرنسا،أزبكستان،تاجيكستان،تركيا،والهند...ومن
أبرزهم : الفرنسي زيلبرت لازار،والألماني ريجارد لورج،والأمريكي بوريس
روزنفيلد ...وقد
أُلقيت
ونوقشت 33مقالة ودراسة من مجموع 150 مساهمة تلقّتها اللجنة المشرفة،تناولت
مكانة الخيّام الأدبية والعرفانية والعلميةوأثره المشهود في الآداب
والعلوم والفنون،فضلاً
عن الإبانة
عن المشهد المعرفي والسياسي والإجتماعي
لنيسابور عصرذاك . ويذكر
أن
أبرز مطبوع تزامن صدوره مع تلك المناسبة الجليلة،هو
كتاب (رباعيات الخيّام –بخط بريل الخاص بالعميان) في 80 صفحة،بتحرير
الدكتور جلاالدين كزازي،علماً
أن رباعيات الشيرازيين سعدي وحافظ قد نُشرت
بهذا الخط من قبل.
ولابدّ أن نختتم هذه الجولة الخيّاميّة بالحكاية الآتية،التي
طالما حدث مايشبهها مع العبد الفقير راقم هذه السّطور:
"...حكى أن بعض الحكماء كان يمشى إليه كلّ يوم قبل طلوع
الشمس،ويقرأ عليه درساً من الحكمة،فإذا حضر عند الناس ذكره
بالسّوء...وبلغ ذلك عمر؛فأمر بإحضار جمع من الطبّالين والبوّاقين
وخبّأهم في داره،فلمّا جاء الفقيه على عادته لقراءة الدّرس؛أمرهم بدقّ
الطبول والنفخ في الأبواق؛فجاء الناس من كل صوب،فقال عمر:
- يا أهل نيسابور هذا عالمكم يجيئني كل يوم في هذا الوقت،ويأخذ منّي
العلم،ويذكرني عندكم بما تعلمون،فإنْ كنت كما يقول؛فلإيِّ شيّء يأخذ
علمي،وإلاّ فلإيِّ شيّء يذكر أستاذه بالسّوء؟"
المصادر:
1-
دمى با خيّام / على دشتى /1356 تهران
2-
رباعيات حكيم عمر خيّام / به اهتمام و مقدمه : محمد على فروغى
و د. قاسم غنى /1364 تهران
3-
دانشنامهء خيّامى /رحيم زادهء ملك /1377 تهران
4-
خيّامين رباعيلرينين تركى آذرى ديلينه ترجمه سى/
جئويرون
:اكبر مدرس اول – شيوا/ 1371 تهران
5-
جاربه
نديت خه يامى / وه
ركَير:مه
لا خه ليل مشه ختى / 1996 دهوك
6-
خه يامى هه
زارانه
/ ليكولينه
وه:سه
لاحه ددين ئاشتى / 2001 هه ولير
7-
خه يامى ئه حمه د شالى/سوران
مه حوى /
كَوفارى
( به يان – روشنبيرى نوى ) ز 127 زستان 1991 به غدا
8-رباعيّات عمر الخيّام/
الترجمة العربية عن الفارسية:
أحمد الصّافي النجفي ـ أحمد رامي/
الترجمة الإنكَليزية: إدوارد فيتـزجيرالد/
تقديم:بندر عبدالحميد/
دار الـمدى 2003
9-
بحثاً
عن الجمال / ف . سميلجا / ترجمة : عبداللّه حبّة / 1976 موسكو
|