|

جلال زنكَابادي
zangabady@gawab.com
Jalal
Zangabady
طالما عانينا نحن الكُرد ومانزال من
وطأة(الغيتو)المفروض علينا خارجياً وداخلياً؛رغم أن كوكبنا قد صار بعد
التطورات الهائلة لوسائل المواصلات والإتصالات قرية صغيرة؛حيث غدت
المنجزات الثقافية تتنقّل على هواها عبر كل جهات المعمورة بلا جوازات
سفر وتأشيرات دخول؛بفضل الإنترنيت خاصة؛بحيث غدت شعوب العالم تدرك
حقيقة كون مصائرها متداخلة رهن دائرة المصير المشترك للبشرية
جمعاء؛وعليه فقد إنبثقت أهمية التبادل الثقافي،بما فيه التعاون،الذي
عدّه المفكر الفرنسي لويس دوللو بمثابة"الثورة الثقافية الثالثة"مابعد
الثورتين:الأولى(العلمية)والثانية(ظهور الأساليب الجديدة في الإنتاج
الثقافي والنشر)حيث لم تعد كنوز الحضارة وملذات العقل وقفاً على
النخبة،وإنما مشاعة للجماهير الغفيرة إلى حد كبير.لكنما الغيتو اللعين
مازال يحرمنا من الحوار الثقافي المتكافيء،الذي يعد ضرورة مابعدها
ضرورة؛بغية إسقاط حاجز الغرابة السميك بيننا وبين الآخرين،كيما تقوم
بيننا علائق وأواصر على أساس الفهم المشترك،الذي ينجم عنه التعايش
الأخوي-السلمي في نهاية المطاف.ومع ذلك يظل لسان حالنا يلهج دوماً
بـ(نعم)و(مرحباً)للحوار المتكافيء،الصميمي والحميمي،الذي يقرب وجهات
نظر المثقفين بالأخص،ويوحدهم كطليعة؛حتى يمكنهم تعبئة سواد البشر
كمجاميع ضاغطة،للتأثير الإيجابي في مراكز القرار(السياسي بالأخص)بهدف
الحد من المظالم والفجائع التي تتعرض لها شعوب المنطقة،بل سائر
البشرية،التي يتهددها خطر الإبادة الشاملة؛بأسلحة الدمار الشامل،تلوث
البيئة،تلف طبقة الأوزون،شيوع المخدرات،الجريمة المنظمة،الأمراض
الفتاكة كالسرطان والآيدز،الإستخدامات الشريرة للعلوم والتكنولوجيا
كالهندسة الوراثية،وآفة الإرهاب الشوفيني والديني والطائفي من قبل ومن
بعد...
أجل؛إن الحوار الثقافي ينشد إحلال السلام
العادل،وإقرار العدالة الإجتماعية،التي تدعو إليها أكثرية مباديء
الديانات والعقائد الإنسانية،بما فيها السياسية،ثم ماأكثر الدعوات
إليه،لعل من أصدقها وأشملها هي(من أجل حوار بين الحضارات)للفيلسوف
الفرنسي روجيه غارودي،الذي شخص فيه بعمق ماهية الحوارالحقيقي الذي"يطلب
من كل واحد إهتداءً عميقاً،داخل ثقافته الخاصة"بالتواشج مع"الإنفتاح
على الآخر"حتي"يمكن أن يجري إخصاب متبادل"بشرط"أن يكون كل طرف مقتنعاً
بأن ثمة شيئاً يتعلمه من الطرف الآخر"وهو الأمر الذي يفترض،قبل كل
شيء،التواضع الفكري وتجنب النظرة الإستعلائية للآخر المختلف
والمغاير-والناشئة أصلاً من صلب الآيديولوجيات العنصرية-مادام التعايش
السلمي،في خاتمة المطاف،هو الأمل المنشود للبشرية قاطبة،والذي طالما
دعا ويدعو دعاة كثيرون هنا وهناك في عصرنا،ومنهم المفكر الأمريكي سي
رايت ميلر،في كتابه المهم(أسباب الحرب العالمية الثالثة)خصوصاً وأنه
يخاطب المثقفين كافة،بما فيهم معشر
الأدباء،الفنانين،المفكرين،العلماء،الروحانيين،الفقهاء ووزراء
الثقافة...متسائلاً"ماذا يجب أن نعمل؟"
مع كل ماأسلفناه،ثمة الكثيرون من دعاة الحوار
الثقافي يفتقرون أصلاً إلى شروط الحوار المتكافيء؛لأنهم بدءاً يمارسونه
بطريركية إستعلائية،تلقينية،تدجينية وتطويعية قاهرة؛كما لو أن طروحاتهم
مسلّمات نازلة من السماء(في عصرنا الذي لم يبق فيه أقدس المقدسات
فالتاً من المناقشة حتى الإنتقاد والمساءلة)أما الآخرون في نظرهم
فليسوا سوى تلاميذ سذج ومتخلفين أكثر من قرن أو قرنين...!وهذا
هو(اللاحوار)بعينه؛حيث"يخدم الغزو الثقافي أهداف الإستغلال،التي تخدم
بدورها أهداف القهر والتسلط"على حدّ تعبير المفكر،المناضل البرازيلي
باولو فرايري في كتابه المهم(تعليم المقهورين)
ولوضع النقاط على الحروف،واستناداً إلى تجربة مديدة
ومريرة؛يمكنني الجزم أن أغلب دعاة الحوار والصداقة العرب ينظرون إلى
أقدر المثقفين والمبدعين الكرد باستعلاء شوفيني دفين،ويتعاملون معهم
باستخفاف أولياء الأمور وأوصياء أيام زمان؛متجاهلين إنجازاتهم
الإبداعية، خصوصاً إذا لم يكونوا من أصحاب السلطة اللامعين،المدعومين
بالعشائر الحزبية!بل ويريدونهم مسخّرين لخدمتهم وبسط شهرتهم...أجل لم
ألتق مثقفاً عربياً واحداً يتغيّا تعلم اللغة الكردية،أو يلتفت إلى
إبداعات أشقائه بجدية، أو يطرح مشروعاً جاداً لترويج الإبداع الأدبي
والفني الكرديين،إلاّ ماندر،في حين يصبو أغلبهم إلى الترويج له باللغة
الكردية بترجمة أعماله والكتابة عنها،وإجراء المقابلات معه...!
|