|

جلال زنكَابادي
zangabady@gawab.com
Jalal
Zangabady
مع جلال زنكَابادي
الذي
استبدل لقبه الأدبي
تحدياً للتطهير العرقي
حوار أجراه:
عبدالزهرة علي/ بغداد
جلال
زنگابادي أديب اللغتين (الكردية والعربية) مبدع عراقي حقيقي نادر
محارب، بقي بعيداً عن الأضواء، لكنه لم يخنع ولم يمتثل ِ، ولم يبال
بما أصابه من تهميش، ولم يثن أيّ إضطهاد عزمه. هكذا هو قامة عالية
شامخة مثل قمم كردستان؛ فكان لنا معه هذا الحوار عن الجذور:
* لأن جلال زنكَابادي مبدع
مهمّش ومغمور فعلاً ؛ فهلاّ عرّفته لنا؟!
- إنسان بسيط جداً ومواطن مملّخ من الدرجة
الثالثة في هذا الوطن الثري جداً، إنّما لعتاة المفرهدين والأجانب
المحتلين المرئيين واللامرئيين!
* هل من لمحة خاطفة عن محطات
الطفولة والصبا وهذا اللقب الأعجميّ الطنّان(زنكَابادي)؟!
- لقد استرجلني تيتّمي المبكّر وأنا في التاسعة
من عمري (إثر اغتيال والدي) فقذفني في أتون عالم الطين والجص والسمنت
والعتالة والديديتي، وعالم الأدب والفن والفكر، منذ نعومة أظفاري! أمّا
اللقب فنسبة إلى منطقة (زنكًاباد) الكردستانية الواقعة شمال مدينة
جلولاء مباشرة وعلى الضفة الغربية لنهر سيروان(ديالى) حيث يستوطن فرع
من عشيرتنا(بالاني= بالانيان) منذ أكثر من قرنين. وقد ورد ذكر اللفظة
في وثائق الدولة العباسية وحتى السلطنة العثمانية، وخصوصاً في مجال
الضريبة المستوفاة عن شلب(رز) المنطقة الشهير، والوقف، والأشعار
الكردية والتركمانية، ثم توارت تدوينيّاً خلال القرن العشرين.
* ولم استبدلت (زنكَابادي)
بلقبك الجميل (وردة)؟!
- لقد تخليت عن لقبي الأدبي(ورده)
واخترت(زنكَابادي) تأكيداً لكردستانية مسقط رأسي، و تحدّياً للتطهير
العرقي الذي مارسه النظام العفلقي بتهجير المواطنين الأصلاء(ومنهم
أبناء عشيرتي) إلى محافظة الأنبار وغرب قضاء الخالص ، واستقدام
الأغيار؛ بغية تغيير وتشويه الواقع الإثني والديموغرافي للمنطقة
وتعريبها إلى الأبد. وقد عاد إليها أهلها بعد(28سنة) من الترحيل والنفي
داخل العراق نفسه! أمّا العبد الفقير إليه تعالى فقد أفلحت فعلاً في
مسعاي ببعث اللفظة وترويجها كهوية جغرافتاريخية للمنطقة، لاسيّما عبر
وسائل الإعلام والثقافة الكردستانية(المقاومة) منذ ثمانينات القرن
الماضي. ثمّ إن لفظة(وَرْدَه) رغم تماهيها مع اللفظة العربية الدالة
على الورد، تعني بلهجتنا اللرية الممزوجة بالأردلانية (برج) على القلعة
أو الحصن، حيث يراقب الخفراء ويطلقون الرصاص عبر مزاغله...ومنها اللفظة
الكردية (وَرْديان= خفير، حارس) وجليّ أن لفظة (ورديّة) الشائعة في
المصرية الدارجة وبالدلالة نفسها وطيدة الصلة بجذر اللفظة الكردية.
علماً أن تكرار اللفظة(ورده ورده= تهديد) و(ورد= الأرض البور)
* حسناً ..كيف تلقبت بـ
(ورده= برج)؟!
- ورثته عن والدي المعروف بـ (حسين وَرْدَه)
الجقماقساز(مصلّح وصانع أسلحة نارية وأعتدة) وهو أصلاً إسم والدته(أي
جدّتي) عرفاناً لها على تضحياتها الجسيمة في تنشئة ولدها الوحيد اليتيم
منذ السابعة من عمره؛ حسب العرف الشائع لدى بعض العشائر الكردية في
تثمين جهود الأم المتفانية في تنشئة ابن يتيم ، يبرز من ثمّ ذا شخصية
قويّة ذكاءاً وشجاعة. في حين يعد مثل هذا التنسيب إستهانة وشتيمة لدى
العشائر الأخرى! وهكذا فقد ضحّيت باسمي (جلال ورده) ذي الشهرة المبكرة
نوعمّا، وتشبثت بلقبي(زنكَابادي) الإستفزازي حتى لأقرب المقربين من
أصدقائي المثقفين العرب! ولكن هيهات أن يقدّر الوسط الثقافي الكردي مثل
هذه التضحية! ومع ذلك لايهمني إطلاقاً جحود هكذا وسط لهذه التضحية
وغيرها...لاسيّما وقد حققت ما ابتغيته قرير الضمير، كمهمة من المهام
الواقعة على عاتقي بصفتي أديباً كردياً/ عراقيّاً.
* لولا اليتم المبكّر الذي
استرجلك عمرياً وفكرياً، و صيّرك شاعراً وكاتباً ومترجماً، ترى ماذا
كان من المتوقع أن تكون؟
- كان المتوقع أن أصير عالماً مخترعاً؛ لتفوّقي
الدراسي المشهود وشغفي الهائل بالإختراعات منذ طفولتي المبكرة، لكن
يتمي المضاعف (لكوني أكبر أخواتي وإخوتي الخمسة) قد قصّ أجنحة طموحي في
إكمال دراستي؛ فضحّيت بتفوقي مكتفياً بإكمال دار المعلمين الإبتدائية؛
لبلوغ أقرب وأسرع مورد لإعالة إخوتي ورعايتهم دراسياً، لكنهم للأسف
الشديد خذلوني أيّما خذلان بفشلهم الدراسي، الذي تسببته أساساً والدتي
الجاهلة؛ فراحت تضحيتي الهائلة أدراج الرياح، بل وغدوت أنا المدان لدى
الجهّال بحقائق وضعنا العائلي!
* إنها حالة غريبة فعلاً
فمهما كانت الأم جاهلة فهي تحلم بتفوّق أولادها وبناتها؛ فكيف تسببت
والدتكم في فشل أخوتك ، كما تزعم؟!
- باختصار كانت والدتي على خلاف دائم محتدم مع
والدي المناضل ضد إقطاعيي وآغوات عشيرتنا، الذين أفلحوا في استعداء
سلطات العهد الملكي عليه غير مرّة، فذات مرة (مثلاً) أحالوه إلى
المحاكم العرفية بحجة اختراعه لناعور يشتغل على قوة الماء ليل نهار،
بدون براءة إختراع! وهو الأمر الذي كان يتهدد سيادتهم ومحاصصتهم
الجائرة مع الفلاحين؛ بصفتهم مالكين لجدول ماء! على كل حال، تمكنوا من
تهجيجه في مطلع1953إلى مدينة جلولاء، والإستيلاء على أرضه
الزراعية(قرابة 23دونم) وأخيراً تمكنوا من إغتياله في تشرين الثاني
/1961 ولذلك كانت والدتي تريد منّا أن نصبح أناساً عاديين جداً، ونساير
ونوالي السلطة الحاكمة مهما كانت! وطالما كانت تنعتني بالمجنون لتفوقي
في شتى المجالات، وكانت تحزن؛ كلما نحجت الأول على صفي، بل كانت تريد
أن أصبح بقالاً أو بنّاءاً، وتحذرني بأن مصيري سيكون نفس مصير والدي
آجلاّ أم عاجلاً! ولذا فقد أفلحت في جرّ أشقائي الصغار والمراهقين إلى
سبيلها المنشود أثناء غيابي عنهم (كانوا في جلولاء) خلال دراستي في
كركوك، ثم إلتحاقي بالخدمة العسكرية الإجبارية؛ فضاع مستقبل أشقائي،
أمّا شقيقتاي فقد تمكنّا من تعليمهن القراءة والكتابة في البيت، لأن
أمي رفضت إدخالهن إلى المدرسة! وهكذا تدمّر مستقبل أشقائي الثلاثة في
خدمة البسطال العراقي بما مجموعه أكثر من 30سنة ! ولقد زاد زواجي من
فتاة مثقفة( لا من إحدى الأميات في عشيرتنا) من شقة الخلاف بيني وبين
والدتي وأقربائي...وهنا تجدر الإشارة إلى أن الكاتب شاكر نوري(خال
أولادي) قد كتب روايتيه (نزوة الموتى) و(نافذة العنكبوت) مستلهماً قصة
والدي القتيل وشقيقي الأصغر الراحل رحمن(الشاعر والصحافي) إستناداً إلى
روايتي ورواية أم أولادي(شقيقته)
* لقد واكبت حركة
التجديد في الشعر العراقي، وكانت اسماء مثل بدر شاكر السياب والبياتي
ونازك. لها تأثيرها الفاعل في الشعر العربي عموماً. ما مدى تأثير تلك
الحركة التجديدية على شعرك؟
- من البداهة انني لم أواكب بصورة فعلية حركة
التجديد في الشعر العراقي؛ لكونها انطلقت ببضع سنين قبل
ميلادي(1/12/1951) لكنني سرعان ما إنتبهت إليها بوعي ناضج في 1964 بعد
استغراقي في القراءة الشرهة منذ مطلع1961
* حسناً ماذا كانت طبيعة قراءاتك التي هدتك إلى حركة التجديد وأنت في
عمر المراهقة؟
- طبعاً كانت أدبية: دواوين الزهاوي والرصافي
وشعراء المهجر... ومؤلفات: المنفلوطي، جبران خليل جبران، سلامة موسى
والعشرات من روايات المغامرات وروايات (الهلال) ومجلات: المغامر،
العالم ،المختار،و الهلال...والعديد من الكتب الأخرى، التي أثرت في
لغتي وتوجهاتي الأدبية والفكرية مثل: القرآن الكريم، رباعيّات الخيّام،
ألف ليلة وليلة، تاريخ الكرد وكردستان لمحمد أمين زكي بكَـ بترجمة:
محمد علي عوني، مختار الصحاح، مقامات الحريري، نهج البلاغة، و ميزان
الذهب في صناعة شعر العرب، الذي دفعني إلى نظم الشعر الموزون والمقفى
منذ مطلع 1963 طبعاً مشفوعاً بتفجّر مشاعر المراهقة وتحسس بؤس وتعاسة
اليتم والظلم القومي والطبقي، وإذا بنقلتي القرائية في 1964 تفتح لي
بوّابة الإطلاع على أشعار: السيّاب ، بلند الحيدري، البياتي، نزار
قباني، سعدي يوسف...حتى محمود البريكان! عبر مجلات: الأديب، المعارف
،الآداب، أهل النفط، و العاملون في النفط ... بالإضافة إلى مجموعاتهم
الشعرية، والإطلاع أيضاً على أوليات الفكر الماركسي والفلسفة الوجودية،
وهنا تجدر الإشارة أيضاً إلى سلسلة(كتابي) المربّية الرائعة لحلمي مراد
، والتي لن أنسى منها قطعاً: ترجمة الإلياذة البديعة لأمين
سلامة...ولكي لاأبتعد أكثر عن الإجابة المنشودة أقول: بدأت في أواخر
تلك السنة أكتب الشعر على طريقة رواد الحركة التجديدية، وأهجر عمود
الشعر تدريجياً حتى القطيعة النهائية معه في 1967 لكن ممارستي الكتابة
على طريقة أولئك الرواد لم تدم طويلاً، فقد جاءت القطيعة النهائية معها
في أواسط 1968 لأنني كنت قد تجرثمت بـ (قصيدة النثر) في أواخر1965
بالإطلاع على أعداد من مجلة(شعر) اللبنانية؛ وشرعت بكتابتها منذ
مطلع1966 لكن بتهيّب، ثم حدثت النقلة الحاسمة(بعد إكمالي مرحلة الدراسة
المتوسطة في جلولاء) بإلتحاقي طالباً بدار المعلمين في كركوك في خريف
العام نفسه،أي بعد مرحلتي الجلولائية (1961-1966) حيث بدأت مرحلتي
الكركوكية (1966-1969) وبدأت التعرف إلى كوكبة من الأدباء الكرد والعرب
والتركمان والآثوريين، والحق كان لكركوك أبلغ الأثر في مسيرة تثقيفي
الذاتي وممارستي الكتابة الإبداعية، وأقصد (قصيدة النثر) مع عدم قناعتي
بهذه التسمية (التي تشد المفارقة بخناقها) لحد الآن، وأرى مصطلح
(القصيدة الحرة) هو الأصح لها (كفانا الله شر لخبطات اجتراح المصطلحات
واستخداماتها..) وذلك قبل مرحلتي البغدادية (1970-1971)..
* عذراً على المقاطعة،
باستعراض خلطة قراءاتك الواسعة والمتنوعة؛ غابت عنا ماهيّة تأثرك
بالحركة التجديدية؛ حبّذا لو تختزل إيضاحك.
- آسف على إسترسالي المقصود به تبيان السياق
التاريخي لأدوار إستحالتي الشعرية المترابطة جدلياً مع قراءاتي...أمّا
إختزالاً، فأجزم أن تأثير (الحركة التجديدية) المقصودة كان قصير الأمد
وضئيلاً غيرحاسم، في مشواري الشعري، إذ كان متداخلاً مع مرحلتي
الإنتقالية، إذ تعايشت (العروض) و(طريقة التفعيلة) و(قصيدة النثر) في
أشعاري! وأرى ان التأثير الحاسم على طريقتي الفنية في الكتابة ( لا على
مواضيع قصائدي ومضامينها) حتى مطلع سبعينات القرن الماضي، يعود إلى
ترجمات مجلة(شعر) وشعراء آخرين، منهم : أدونيس، خليل حاوي ، أنسي الحاج
والماغوط...وهنا تهمني الإشارة أيضاً إلى : بلند الحيدري و صلاح
عبدالصبور. ولابدّ أن أضيف بأني تيقنت في مطلع تسعينات القرن الماضي أن
لويس عوض هو الرائد المؤسس الناضج المتكامل ثقافة ونصاً وتنظيراً
للحركة التجديدية بمنجزه الشعري الفذ(بلوتولاند وقصائد أخرى من شعر
الخاصة) المكتوب خلال السنوات(1938-1940) والمنشور في كتاب عام1947لكنه
للأسف الشديد سرعان ما مال إلى الترجمة والبحث، مغيّباً نفسه عن مضمار
الشعر؛ فغيّبت لاحقاً حتى ريادته المشهودة!ولاتقتصر هذه الحالة(التي
أحسبها ظاهرة) على الريادة في الشعر العربي الحديث، بل إكتشفت مثيلاتها
عبر إستقصاءاتي في الآداب: الكردية، الفارسية، التركية والأفغانية...
* بالإضافة إلى اليُتم
المبكر، والإضطرار إلى الإشتغال في شتى الأعمال والحرف، ثم التعرض
لصنوف الجور والعسف، كنسف منزلك والتهجير واستبقائك 17سنة معلماً في
القرى البعيدة والنائية الموبوءة...ياترى هل انعكست هذه السيرة
(المكتظة بالمعاناة والمحن المريرة) على صفحات ديوانك(جلالستان) الذي
رأت العشرات من قصائده ومطولاته، النور هنا وهناك؟
- رغم ان الشعر وحده غيركاف لذلك، أقول: أجل؛
إنعكست سيرتي المريرة والحلوة( طبعاً لم ولن تخل من مباهج هائلة عاطفية
ومعرفية) إنعكست بصورة جمالية في كل ماكتبت ، لكنما ليست بتقريرية فجة،
أو سردية وصفية، إنما بصورة فنية متجلية حتى في أقصى صوري الشعرية
السوبرسوريالية، بل يمكنني الزعم: قلما كتبت قصيدة متفاصمة مع حياتي
ومصائر شعبي وكوكبي حتى جباله، أنهاره، أشجاره، حيواناته، حشراته
ومتحجراته...! لقد كنت منذ البدء عند كتابة أيّة قصيدة رهين معطيات
الواقع المعاش، والتي يوازي تأثيرها وربّما غالباً ما يتجاوز تأثير
قراءاتي رغم غزارتها وتنوعها...ولابدّ هنا من البوح انه منذ مطلع
سبعينات القرن الماضي أخذ تأثير قراءاتي الشعرية يتضاءل تدريجياً على
نصوصي الإبداعية بالمقارنة مع تأثير الأجناس الأدبية الأخرى والفنون
التشكيلية والعلوم الإنسانية،لاسيّما التصوف... ولأن القصيدة(حتى
الملحمية) تظل عاجزة عن أن تكون الحاضنة الوحيدة لكل أبعاد شاعرها؛
فكان لابد من توظيف: الترجمة،المقالة، القصة والدراسة، وربما الرواية
والمسرحية لاحقاً؛ للمقاصد نفسها.
* ولماذا هذه التسمية التي
تسودها النرجسية لديوانك(جلالستان)؟!
- إذا كانت هذه التسمية كما وصفتها؛ فإن كل
شعراء العالم نرجسيون حتى الزهّاد والمتصوفة، مادام مجموع أشعارهم
سمّي، أو سمّوه بأنفسهم مثلاً: (ديوان أبي العلاء المعرّي)، (ديوان
حافظ الشيرازي)، (ديوان فضولي البغدادي) و(ديوان الملاّ احمد
الجزيري)...أي انني لم أخالف العرف مبدئيّا، بل نقلت التسمية إلى العمق
والأفق الغنوصيين. ولئن سُئلت غير مرّة عن فحوى تسمية ديواني بـ
(جلالستان) فقد وجدت الآن الفسحة المناسبة للتعليل. إن تكريس إسمي
الشخصي لهذه التسمية التي تعني بالعربية(بلاد= مملكة= وطن جلال) لم
يجيء بدافع نرجسي (مثلما يتصوّره الكثيرون) وإنما عنيت (وهذا من حقّي
كإنسان مستضعف ومغترب حتى في وطنه) بـ (جلالستان) وطني الحقيقي الحرّ
المستقلّ (الباطني، الروحي والمعنوي) المشيّد بالقصائد(و لو!) والذي
لم و لا و لن يمتثل ذات لحيظة لهيمنة أيّة أطالس للقوى الخارجية
(السياسية، الآيديولوجية.. وإمبراطوريّاتها مهما عظمت شوكاتها) وعليه
فإن (جلالستان= وطن جلال) بمثابة الملاذ والملجأ من شرور الخارج،
بالإضافة إلى ثورته الدائمة على العالم المعادي لإنسانية الإنسان.
ولأنني شاعر غنوصيّ (باطني، عرفاني) فقد عنونت أولى مجموعاتي الشعرية
بـ (شظايا من نفير البحر/ 1967-1969) - وهي أكثر من 200قصيدة ومضيّة -
قاصداً بالبحر(عالم باطن الذات الإنسانية) وليس البحر بمفهومه
الجغرافي. يبدو أن هنالك من يستكثر على المنفيّ أو "أغرب الغرباء في
وطنه/ التوحيدي" حتى وطنه الباطني المشيّد من الكلمات (لا الدولارات
المختلسة من بيت المال!) ثم إنني ومنذ البدء أكتب الشعر لا الشعار الذي
يكتبه آلاف الشعارير العرضحالجية المستنسخون كاربونياً هنا وهناك
والذين سرعان ما يسّاقطون كأوراق الخريف، ولنا في شعارير الأنظمة
الطغيانية أسطع الأمثلة. بل أجهر أيضاً بأني أكتب الشعر لنفسي وللنخبة
وللمتلقين في ضمير المستقبل؛ مهما استغلق فهمه الآن على الآخرين، الذين
أكتب لهم المقالات والأبحاث وأترجم لهم. تصوّر حتى زوجتي الحبيبة
الغالية تتشكّى دائماً من عنادي اللعين بعدم أخذ المتلقين في الحسبان،
لكنني لم أمتثل لرجاءاتها المتواصلة لأكتب مايفهمه الآخرون بأسرع
مايمكن! وهي طالما تردد: " حتى أغلب الأدباء لايفهمون قصائدك!" فأدافع
عن نهجي : " وما ذنبي إن كانوا كسالى في تثقيف أنفسهم، بينما يدعي
أغلبهم الإحاطة الشاملة بكل عوالم الأدب والفن والفكر؟! ثم إنني لو
كتبت قصائد ضحلة جماهيرية سريعة الفهم وجالبة للشهرة الآنية، سوف لن
يرحمها المستقبل" ومابرح هذا الجدال قائماً بيننا منذ مطلع1974ولم
نتوصّل إلى أيّ توافق!
* تتميّز إجاباتك بالدقة
والتركيز والطرافة ً؛ فهلاّ بيّنت مرتكزاتك، خصوصاً وأنت تعوّل
على(الصورة الشعرية) لجلو المضامين، وهذا يتجلّى في أغلب قصائدك.
- لعل أوّل مرتكزاتي، بل أساس (شعريّة قصائدي
الحرة) يعود إلى كوني بدأت الرسم قبل دخولي إلى المدرسة، وكانت موهبتي
ممتازة فيه، وقد مارسته حتى تخرجي معلماً ، ثمّ إنني استفدت مبكراً من
منجزات الشعراء التصويرين النصّية والتنظيرية بريادة العبقري (المغدور)
إزرا باوند؛ وعليه أحسب نفسي (شاعراً تصويرياً) حيث التحمت مبكراً
موهبتاي في الرسم والشعر، ومن هنا جاء اهتمامي المبكر بطابوغرافيا
القصيدة على وجه الورقة..وبالطبع كان للمزيد من القراءات والتنظيرات
دوره المؤثر في نزوعي الراسخ هذا؛ فقد بدأت أتابع بالإنكَليزية قراءة
الشعر البريطاني والأمريكي والعالمي منذ 1969 بفضل المبدع الكبير جليل
القيسي صديقي وأستاذي ( من قبل ومن بعد) إذ وبّخني ذات يوم في 1968
توبيخاً أبكاني، بل كدت أن أقطع علاقتي به؛ لولا القليل من الحكمة
ورباطة الجأش، حين خاطبني : " جنابك تريد أن تحقق فتوحات جديدة في عالم
الإبداع ، ولاتجيد اللغة الإنكَليزية؟!"
* ثمّ ماذا عن أستاذك القيسي
القاسي؟!
- تغمّده الله برحمته الواسعة.. أثمة أحلى من
قسوته البنّاءة؟! لقد كان جليل القيسي مبدعاً ومعلّماً عصامياً كبيراً
إستثنائيّاً( للكثيرين...) فهو الذي حرّضني على التهام المئات من أفضل
الكتب(الأدبية، الفلسفية والنفسية...) في مكتبة كركوك
المركزية...ولايمكنني أن أنسى إختباره لصبري وجلدي ومستوى ذكائي
واستيعابي بكتاب(علم الجمال) لجورج سانتيانا ورواية ( موبي ديك) وأنا
فتى في السادسة عشر من عمري! ثمّ كيف أنسى توبيخه الآخر المثمر: " أليس
عيباً عليك تجيد العربية كل هذه الإجادة؛ ولاتجيد لغتك القومية؟!"
* هل يعني أن الفضل يعود إلى
الأستاذ جليل القيسي في انكبابك على تعلم اللغتين الإنكَليزية
والكردية؟
- أجل؛ كان له الفضل الأكبر في حثي على المضيّ
في تطوير قابلياتي وقدراتي في كلتا اللغتين لبلوغ مستوى القراء ة
الجادة والكتابة بهما والترجمة عنهما بصفتهما أعلى مهارتين تتجاوزان
الفهم والتحدث؛ فقد كانت إنكَليزيتي لابأس بها، كما كنت أتحدث بلهجة
كردية جنوبية(شبه فيلية- كلهرية، تسودها اللهجة الأردلانية) وهي
غيراللهجتين الأدبيتين الرئيستين(الكرمانجيتين الشمالية والجنوبية)
ولقد شغفت جداً منذ مرحلة الدراسة المتوسطة بتعلم نصف دزينة من اللغات:
الهندية، الفارسية، التركية، الروسية، الألمانية والإنكَليزية إعتماداً
على كراريس(كيف تتعلم ......في أسبوع بدون معلّم)! مع الإنصات إلى
محطات الإذاعات، ولأن قوة ذاكرتي (التي لاينكرها حتى أعدائي) أعانتني
على هاتيك الكراريس عن ظهر قلب، ورحت أتصيّد السيّاح الأجانب هنا
وهناك؛ لأستدرجهم وأتحدث معهم بما يثير تعجبهم، ولكن طالما كنت أخرس
كالببغاء؛ كلما خاطبوني بما ليس في كراريسي! أمّا غنائي باللغات:
الهندية، الفارسية والتركية، فضلاً عن العربية والكردية؛ فطالما لامني
بسببه أصدقائي وزملائي ومعارفي لعدم إنخراطي في عالم الفن وعدم استغلال
واستثمار مواهبي الغنائية والموسيقية والتشكيلية، بالإضافة إلى وسامتي
الطبيعية وبنيتي الرياضية؛ لأصير نجماً فنياً لامعاً بعيداً عن عذابات
عالم الأدب والفكر اللامجديين! ومادامت السؤال يتعلّق باللغات؛ أضيف :
لم تقف فورة مراهقتي عند ذاك الحد، بل دفعتني إلى إختراع لغة جديدة
(إسبرانتو خاصة بي) ذات مفردات غيرمأخوذة من اللغات الأخرى، وتستند إلى
قواعد العربية مع التبسيط، وتكتب من اليمين إلى اليسار بأبجدية مشتقة
من الأشكال الهندسية. وما إن شرعت بتعميمها على أقراني وأترابي؛ بقصد
إختبارها وتطويرها؛ هبّ بعض معارفي الكبار ناصحين إيّاي بالكف عن تلك
اللعبة الخطيرة، التي تعد كفراً في المنظور الديني ومساساً بالأمن
الوطني؛ ومن المؤكّد أن أروح في(داهية)!
إذنْ لولا بذرة الموهبة الصالحة، بل جنوني
اللغوي المبكر؛ لما أثر فيّ حث معلمي القيسي. ولابدّ من التأكيد على ان
تعلمي للغة الأدبية الكردية بكلتا اللهجتين الرائجتين قد فتح لي باب
تعلم اللغتين الفارسية والتركية العثمانية على مصراعيه؛ إثر تمشيطي
القرائي لدواوين الشعراء الكرد القدامى، الذين إحتوت دواوين العديد
منهم أشعاراً كثيرة بتينك اللغتين، فضلاً عن العربية. ليس هذا فحسب، بل
لكوني دخلت حلبة اللغة الأدبية الكردية كشبه أجنبي؛ فقد إنتبهت إلى
ضرورة تعلم اللهجتين الأخريين أيضاً(الهورامانية= الكَورانية)
و(اللرية= لهجتي الأم) الثريتين بالتراث الشعري والفولكلوري؛ ومن هنا
حزت على قصب تفوقي اللغوي على أغلب الأدباء الكرد، الذين لايجيدون سوى
إحدى اللهجتين(الكرمانجيتين: الوسطى والشمالية) ناهيكم عن تفوّق إضافي
آخر، ألا وهو إضطراري إلى تعلم الكردية بالكرمانجية الشمالية
وبالأبجدية اللاتينية، منذ(1970)، وهي الأبجدية التي لايجيد أغلب
الأدباء الكرد القراءة والكتابة بها لحد الآن!
لربما يستغرب البعض إسهابي في الحديث عن تعلم
اللهجات الكردية؛ فعذري أن اللهجات الكردية قد تباعدت عن بعضها البعض
قواعدياً وقاموسياً وفونوتيكياً؛ بحيث تكاد أن تبلغ الفروقات فيما
بينها، جلّ الفروقات بين اللغات المستقلة: ( الإسبانية، البرتغالية،
الكتلانية، الغاليثية، الإيطالية، الفرنسية والرومانية) والتي هي من
أرومة واحدة، حسب استقصاءاتي البحثية. ومع ذلك مابرح حتى أغلب أدبائنا
وباحثينا الكرد يتعاملون مع الحقيقة الساطعة لـ (غياب اللغة الأدبية
الكردية الموحدة) تعامل النعامة! أمّا الساسة الكُرد فحسب الواحد منهم
أن يعلّق نسخة من خارطة(كردستان الكبرى، بعضها يبتديء شمالاً بساحل
البحر الأبيض ويبلغ مضيق هرمز جنوباً) في مكتبه وراء ظهره( مشفوعة
بمكتبة من الخشب الراقي جداً مكتظة بالكتب الضخمة المذهبة والبراقة
الأغلفة) مرهباً وخادعاً بها سواد الشعب الكردي البائس كأسلوب
ديماغوغي، ومستفزاً غير الكرد في الوقت نفسه! وهكذا كفتنا الخرائط
الزاهية مكابدات ومجاهدات توحيد اللغة الكردية ضمناً!
* حسناً..علمنا أن تعلمك
للغة الأدبية الكردية يسّر لك الإقبال على تعلم اللغتين الفارسية
والتركية، فضلاً عن اللهجات الكردية الأخرى؛ فهل لك طريقة في تعلم
اللغات الأجنبية ، حيث ركنت إلى التثقيف الذاتي مبكراً؟
- إذا توافرت الرغبة الجادة والمثابرة والمواظبة
المستميتتين لدى المتعلم ذاتيّا؛ يكفيه تعلم قواعد اللغة المعنية
بمستوى المرحلة المتوسطة مع(1200مفردة أساسية ضرورية) ليشق طريقه
ذاتيّاً نحو الإجادة والإتقان، طبعاً بالمزيد من القراءة، لكن أغلبيّة
اللغات عسيرة التعلم ذاتياً كاللغات: الصينية، الروسية، الفرنسية،
العربية، الألمانية، الكردية والباسكية...أمّا اللغات اليسيرة التعلم
ذاتياً فمنها: الفارسية، التركية، الإسبانية، البرتغالية، الإيطالية،
الأوردية والإسبرانتو...طبعاً يتوقف الأمر على انتماء المتعلم لهذه
العائلة اللغوية أو لتلك، إضافة إلى خزينه اللغوي والثقافي؛ إذ ماأسهل
على الإسبان، الطليان، الكتلان، البرتغاليين، الغاليثيين والرومانيين
أن يتعلموا لغات بعضهم البعض في فترة قياسية قصيرة! وكذا الحال في
الجيرة اللغوية؛ فمن السهل أن يتعلم الإيراني اللغة العربية ويتعلم
العربي اللغة الفارسية، لكن ليس بسهولة تعلم الكردي لها؛ لكون الفارسية
والكردية من عائلة واحدة، فضلاً عن الجيرة اللغوية. وتتعذر عليّ
الإستفاضة أكثر لضيق الفسحة.
* شكراً لهذا الدرس
اللغوي..ولنأت إلى مدى تأثير إطلاعك الواسع ببضع لغات شرقية وغربية في
نتاجك الشعري.
- لايقتصر التأثير في نتاجي الشعري، بل يتعداه
إلى نشاطي الترجمي وحراكي الثقافي العام. لاتضفي معرفة اللغات الأخرى
شيئاً يُذكر على الأديب الكسول، الذي لايستثمرها. وربّ أديب عربي عراقي
لايقرأ بسوى اللغة العربية (لكنه قاريء نهم يستوعب ويتمثل مايقرأ)
يتفوّق إبداعياً على زملائه التنابلة، وحتى بعض الشطّر منهم في البلدان
الأوربية! أي ليست العبرة بتعددية اللغات، إنّما باستثمارها الحسن،
وأزعم أني لست من الكسالى؛ فعلى سبيل المثال، لا الحصر، قرأت الكوميديا
الإلهية لدانتي باللغات: العربية، الفارسية، الإنكَليزية
والتركية(وسأظل أتحسّر حتى الموت على قراءتها بالإيطالية!) وقرأت
ملحمة (الفردوس المفقود) لميلتون باللغتين الفارسية والإنكَليزية( مع
قسم منها بالعربية) وقرأت أغلب أشعار إليوت باللغات: العربية،
الإنكَليزية ،الفارسية،الإسبانية والكردية. وقرأت أغلب أشعار ناظم حكمت
باللغات: العربية، الفارسية، التركية،الكردية، الإنكَليزية والإسبانية.
وقرأت أغلب أشعار أوكتافيو باث باللغات: الإسبانية، العربية،
الإنكَليزية، الفارسية والكردية. وقرأت أكثر أشعار فيرناندو بيسوا
باللغات: العربية، الإسبانية، الإنكَليزية، الفارسية(مع الطلاع على
متونها البرتغالية) وقرات العديد من قصائد الشاعر الباكستاني فيض احمد
فيض باللغات: العربية، الإنكَليزية، الفارسية( مع الإطلاع على متونها
الأوردية) ولقد قرأت المزيد لمئات الشعراء القدامى والمحدثين الكبار في
العالم باللغات: العربية، الفارسية ( وامتداداتها التاجيكية والدرية
الأفغانية)، الإنكَليزية، الإسبانية، التركية ،التركية الآذرية
والكردية...لم يسمع أقراني الشعراء(ذوو اللغة الواحدة، وحتى ذوو
اللغتين): الكرد،العرب والتركمان..لم يسمعوا حتى بأسمائهم؛ فكيف تستوي
تغذيتي الثقافية المتعددة المتنوعة وتغذيتهم الأحادية؟! وعليه فقد
توسّعت وتعمقت رؤيتي ورؤياي، وتعددت مواضيعي واكتز معجمي الشعري، أي
اغتنت لغتي الشعرية(بالكردية والعربية) قاموسياً، ناهيك عن الإبتكارات
الجديدة؛ فالمقارنات والمقاربات اللغوية تشحذ ملكة الإبتكار
والإشتقاقات الجديدة، كما ترهفّت لغتي واكتنزت أيضاً بالإيجاز مع
ثرائها، وتعمّقت مضامينها المتجسّدة في الصور، ورحت أعامل(عند الكتابة
والترجمة) حتى الحرف الواحد من كل لفظة ككائن حي.. وقد أضطر أحياناً
إلى مراجعة بضعة قواميس(ببضع لغات) نشداناً لضبط دقة معنى أو دلالة
لفظة في سياق جملة أو عبارة.
لقد قرأت وسمعت منذ صغري مراراً " كل لسان
بإنسان" إذنْ ألا تتشابه التعددية اللغوية وتعددية الأسلحة؟ وهنا
تذكّرت ماقاله لي العزيز الشاعر سركَون بولص ذات ليلة من ليالي
مربد1985 وكان ثالثنا الشاعر جان دمّو(الذي كف ليلتئذ عن عبثه المعهود،
بل كان في منتهى التعقل والجدّية والنقد الذاتي) إذ سهرنا حتى الصباح
الباكر متناقشين في شؤون الشعر وترجمته وفلسفة الزن والشعر الصوفي،
لاسيّما الإيراني.. قال لي سركَون: " إنك لمحسود على قراءتك لسعدي
شيرازي وجلال الدين مولوي وحافظ بالفارسية منذ شبابك الباكر! أمّا أنا
فقد إنتبهت متأخراً إلى عظمة الشعر الصوفي وبدأت أهتم بقراءة أشعار
جلال الدين بالإنكَليزية"
إذنْ فقد جعلت التعددية اللغوية شعري مختلفاً
عن المشهد السائد، بل وجعلتني مختلفاً عن أقراني في مجمل مشاريعي
الثقافية تأليفاً وترجمة.
* قصيدة النثر وإشكالاتها هل
تعدّها حالة تجديدية في الشعر العراقي؟
- يمكن أن تعد قصيدة النثر حالة تجديدية في
الشعر العراقي من حيث التنظير بالإستناد إلى المنجز الأوربي، لاسيّما
الفرنسي، ثمّ من حيث تصاعد زخم كتابتها منذ أواسط ستينات القرن الماضي،
وإلاّ فإن جذورها تضرب في الميثولوجيا الغابرة والكتب الدينية السماوية
والأرضية وآثار المتصوفة النثرية، حتى كتابات العديد من روادها
المجهولين وشبه المجهولين في أوائل وأواسط القرن العشرين من جبران
والزهاوي وغيرهما..حتى الأديب عبدالمجيد لطفي والشاعر حسين مردان. لكن
دراويش(المركزية الأوربية) من شعراء ونقاد وباحثين يسعون دائماً إلى
التجسير بين أيّ منجز إبداعي عراقي أو عربي أو شرقي وبين منجزات الغرب
والإشادة بتأثيراتها الحاسمة. ومع ذلك ثمة آخرون قلائل يصيبون بأبحاثهم
الساعية إلى تأصيل جذور قصيدة النثر في تراثنا الثر العريق، ثم العروج
على المؤثرات الغربية.
* بم تعلل تهميش أكثر
الأدباء والفنانين المبدعين على الساحة الثقافية حتى في فضاء
الديمقراطية الحالية..؟
- التهميش(وهو غالباً مصير المبدع المستقل
سياسياً) ظاهرة تستوجب العديد من البحث والدراسة، فلها أسبابها
الموضوعية والذاتية والمتداخلة، وأعني بالسبب الموضوعي واقع مجتمعنا
الإزدواجي المتخلف بأبعاده: السياسية، الإقتصادية والثقافية. وهو واقع
تسوده العنعنات العشائرية، الطائفية والشوفينية، التي تستولد:
التمييز،المحاباة ،المحسوبية،المنسوبية،الإنتهازية، الحسد، المقايضة،
الضغينة والتفرقة، ...بل يطغى عليه النفاق بكل أبعاده المعروفة؛ لأنه
يفتقر أصلاً إلى سيادة سلطة القانون وشروط المواطنة الجوهرية واحترام
حقوق الإنسان. أمّا السبب الذاتي فيتعلّق بذوات المثقفين أنفسهم؛
فأكثرهم ذيليون إنتهازيون يتوافقون ويتآلفون مع هذا المجتمع العليل
وأحزابه المريضة ؛ بغية ترتيب بيوتهم الخاصة، فتراهم يهادنون ويساومون
مؤسساته المحاصصاتية( السياسية والثقافية...) وطالما يتشدقون أن كلّ
شيء على مايرام! ومع ذلك لايفوز بمغانم ونعائم الجيفة(الدنيا) إلاّ
القلائل الخبراء الماهرون في أكل الأكتاف. في حين نجد القلائل من
المبدعين الإستثنائيين يربأ الواحد منهم بنفسه عن أن يتهالك ويتناهش
الجيفة، بل ويكافح في سبيل إصلاح وتغييرالمجتمع المريض، وإذا بموجات
الأكثرية العاتية تكبته وتقمعه وتقذفه إلى الهامش الصخري مهشماً تحت
الإقامة التعتيمية، أو يوظفونه أحياناً (إن ارتضى هو) كقطعة إكسسوار
لإضفاء التكاملية الشرعية على ديكور المشهد الثقافي الرسمي. ومع كل ذلك
نجد بعضهم حتى لو ظلّ رهين الظلّ لايصمد فحسب، بل ينتصر في نهاية
المطاف بمنجزاته الإبداعية على الغوغاء من شعارير حقول الدواجن
الايديولوجية ومن لف لفهم من المدّاحين- النبّاحين ذوي الكفاءة
التصفيقية العالية، المتواشجة مع الكفاءة الفرهودية لأربابهم الساسة،
ولنا في المبدع محمود البريكان أسطع مثال. ولاتقتصر هذه الظاهرة على
كردستان والعراق وحدهما ، وإنما تعمّ العالم بأسره منذ القدم، ولكن
بدرجات متفاوتة هنا وهناك. باختصار يرتطم المبدع الحقيقي المستقل في كل
زمكان بـ (الكيل بأكثر من مكيال) فكيف ترى يكون حاله في زمكاننا هذا،
حيث تسود
المحاصصات( المعاصصات والمصالخات) الحزبية والعشائرية والولاءات
الشخصية سائرالأجهزة والدوائر الثقافية الرسمية واللارسمية، حتى داخل
الحزب الواحد، والخليّة الواحدة...؟! ولأن روح المقاومة الإنسانية
والنزعة التقدمية تكمن وتتجلى في كل إبداع حقيقي؛ فإن المبدع الحقيقي
المستقل بطبيعته إستثنائي نادر محارِب
ومُحارَب في آن واحد،؛ لأنه يدعو إلى سلطة الثقافة والعقل لا ثقافة
السلطة.. ولأنه ينتمي باختياره الحر انتماءاً شاملاً إلى شعبه بأسره
والبشرية جمعاء، وليس إلى شرذمة سياسية أو طائفية ...؛ طالما يدفع
الثمن باهظاً، بل ويعاني الغربة حتى وسط جمهرة المثقفين! حتى يبدو
كالفارس النبيل دون كيخوتيه (طبعاً بالمفهوم الحسن،لا المبتذل)!
وغالباً ما يتضاعف ظلمه متهمين إيّاه بضآلة دوره وقلة كتبه المطبوعة أو
نتاجاته المنشورة متناسين: " ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له إيّاك
إيّاك أن تبتلّ بالماء"!
وأنا الآن بصدد اعداد ورقة داعية إلى تأسيس
منظمة إنسانية ( كالمنظمات المدافعة عن حقوق الأقليات والمرأة) تسعى
إلى الدفاع عن وجود المبدعين المستقلين المهددين بالتطهير ، وضمان
حقوقهم كمواطنين ومبدعين في الوقت نفسه، بوصفهم (أقلية) يُمارَس
التمييز والإضطهاد والحرمان ضدهم بشتى الوسائل والأساليب؛ بحيث يوشكون
على الإنقراض( وهم ملح الأرض، بحق وحقيقة) لاسيّما في البلدان المتشدقة
بتهاويل الحرية والديمقراطية كالعراق! ولابأس أن تكون هناك(و لو) جمعية
رفق بالمبدعين المستقلين، على شاكلة جمعيات الرفق بالحيوان! لأن الساسة
وأزلامهم من المثقفين الذيليين يعدون المبدع المستقل حجر عثرة في
طريقهم ، بل زائدة دودية ليس إلاّ، ويعاملونه باستعلاء واستخفاف وإجحاف
في العراق بالأخص؛ لمجرد انه بلا منصب سلطوي ولاحظوة ولا مال!
* حديثك ذو شجون كثيرة جداً،
فلنختتمه برؤيتك للمشهد الثقافي الكردستاني المعاصر.
- بعبارة مقتضبة جداً: لاتغرنّكم المظاهر
البراقة الخلّبية؛ فالسلبيات أكثر من الإيجابيّات في مشهدنا الثقافي
الكردستاني المعاصر؛ إذا أخذنا الإمكانات الهائلة المتاحة(المادية
والمعنوية) في الحسبان، منذ مطلع تسعينات القرن الماضي وحتى
الآن(18سنة) وبعيداً عن المقارنة الديماغوغية مع الوضع الثقافي في
العراق بعد سقوط الصنم وحتى الآن؛ أمّا تعليلي فهو كما يلي:
للأسف الشديد؛ تبيّن لي أن أغلب المثقفين
الكرد من النمطين التقليدي الذيلي والتوفيقي المتذبذب الطفيليين في
انتظار التحرر والتغيير المنشودين على أيدي الساسة، في حين يؤمن المثقف
المستقبلي الداعي لسلطة الثقافة " أن الذي لايستطيع أن يحرّر نفسَه
بنفسه؛ لن يستطيع سواه أن يحرّره " على حدّ تعبير المناضل والمفكّر
باولو فرايري، وبالطبع أن هذا الموقف يكاد أن ينسحب أحياناً على الشعب
الكردي المقهور نفسه، متمثلاً بحركة تحرره القومي! فلجهل هؤلاء
المثقفين بأدوار إستحالات الدول والإمبراطوريّات العظمى، ناهيكم عن
تواريخ نهوض وسقوط القوى الفاشية في العالم، خلال القرن العشرين،
بالإضافة إلى عدم إدراكهم لـ (الحتميّة التاريخية) ؛ ظلّوا مستسلمين
للأمر الواقع، بل ماكانوا يتوقّعون المستجدّات والمتغيّرات السياسية،
التي هبّت وراحت تعصف بالنظام العفلقي منذ أواخر ثمانينات القرن
الماضي؛ ولذلك فقد بوغتوا بالأحداث المتسارعة، وخاصة إنتفاضة 1991
العظمى؛ فإذا بهم يفتقرون إلى أيّة مشاريع أو أجندة ثقافيّة عقب
الإنتفاضة، بل سارعوا إلى تسليم مصيرهم بأيدي الساسة المتناحرين
المتنازعين على السلطة والمغانم والنعائم الدسمة، والذين سارعوا إلى
تجنيد الأقلام المطواعة؛ لتأجيج أتون الإحتراب البغيض الذي دمّر
المستقبل الرائع المتوقّع للكرد وكردستان، بل وللعراق أجمع، وعليه؛
لاعجب إنْ ظلّت حركة الثقافية الكرديّة متخلفة تسير سيراً أفقيّاً
وبطيئاً، يسودها التكرار والإجترار عموماً، ناهيكم عن الفوضى والفساد
والإهدارات الهائلة اللامسؤولة من أموال الشعب المستضعف! أجل؛ لم تظهر
أيّة حركة ثقافيّة جذرية متماسكة تضمّ المثقفين كمجموعة ضاغطة مرسية
لأسس (الثقافة البديلة) ذات البنى والمسارات القومية التقدمية،
والكفيلة بالتعبير المنشود عن كياننا القومي في خضم التسارع الثقافي
العالمي. و حيث يتفاقم الفساد الثقافي، أي فساد دماغ المجتمع؛ كيف
سيكون الحال مع جوارحه الأخرى؟!
إلهي لكم أصاب الكاتب مارون عبود؛ حين كتب قبل
عقود متسائلاً :
" يقولون لك:
- أكتبْ
- وماذا تريدون أن أكتب؟ ومن يقيم وزناً لما
نكتب؟! (......) خصوصاً في هذا الزمن، الذي انهارت فيه المُثل العليا
وقلّ الحياء! ألا يسمّون الكذّاب داهية، والدجّال سياسياً، والوصوليّ
ألمعيّاً، والإنتهازيّ عبقريّاً، والأنوف الأبيّ حماراً لايعرف يعيش!"
؟! *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هذا هو النص الكامل
للحوار، الذي نشرت جريدة ( طريق الشعب) الغرّاء في 8نيسان/2009 قرابة
ثلثيه؛ لربّما بذريعة طوله، أو لحسابات سياسية، وربما للسببين كليهما،
وهي معذورة في الحالين، وبذلك غاب جانب كبير من تميّزي ؛ حيث حذفت آراء
وأفكار جوهرية مابرحت أناضل من أجلها منذ أكثر من أربعين عاماً ؛ وعليه
وجب هذا التنويه(ج.ز)
سيرة
خاطفة
* جلال حسين محمد أمين بالاني/ لَُرستاني
* أديب باللغتين الكردية والعربية(شاعر، مترجم
وكاتب) ويترجم إليهما عن: الفارسية،الإنكَليزية،الإسبانية والتركية
الآذرية......وهو أحد القلائل من مجيديّ اللهجات الخمس الرئيسة للغة
الكردية، وربّما الوحيد الذي يكتب بلغة كردية شبه موحدة، والتي طالما
يثريها بالعشرات من المفردات المبتكرة...
* ينشر بإسميه (جلال وردة) و(جلال زنكَابادي)
وبضعة أسماء أُخَرى مستعارة...وهو من دعاة سلطة الثقافة وحوار
الثقافات...وقد إختار النضال الثقافي منذ فتوته كديمقراطي راديكالي
مستقل...
* ولد عام1951 في قرية(قلعة/ في
زنكَاباد)التابعة سابقاً للواء كركوك، ولمحافظة ديالى منذ 1959.
* أكمل مرحلتيّ الإبتدائية والمتوسطة في
مدينة(جلولاء) ثم تخرج في دارالمعلمين كركوك عام1969 وعمل معلماَ في
القرى البعيدة والنائية مبعداً وشبه مبعد قرابة عشرين سنة، ثم ترك سلك
التعليم في 1992 منتقلاً إلى العمل الصحافي، الذي كان يمارسه منذ1977
محرراً في مجلة(الثقافة)البغدادية لراعيها المربي الكبير الدكتور صلاح
خالص وظهيرته المفكّرة الكبيرة الدكتورة سعاد محمد خضر..
* بعد إغتيال والده في أواخر1960 لنشاطه الوطني؛
أضطر إلى الإنخراط في شتى الأعمال والحرف كصناعة التنانير وعامل بناء
وعامل مكافحة البعوض وعتّال في صباه وشبابه، كما عمل بائع كتب على
الأرصفة في الفترة(1987-1997) وقد تعرض للترحيل والتبعيد وفقد دارين له
حجزاً ونسفاً في العهد العفلقي البائد.
* لم يحظ بأيّ تحصيل دراسي تخصصي، إنما ركن
إلى التثقيف الذاتي الموسوعي، وقد بدأ الكتابة منذ1963 والنشر منذ1967
فتناثرت المئات من مساهماته في الجرائد والمجلات في العراق وخارجه. و
لم يصدر إلاّ القليل جداً من كتبه المؤلّفة والمترجمة وهي بالعشرات:
*عشرون قصة كردية/ترجمة
مشتركة/1985أربيل
*ساعات من قصب/شعر،ترجمة
مشتركة/1993دارالمدى بيروت
*هكذا شطح الكائن
مستقبلئذ/2001 موقع(جهة الشعر)الإنترنيتي
*أوتارالتنائي.../شعر
مترجم/2004دمشق
*ظل الصوت وقصص
أخرى/ترجمة/2005كركوك
* قصائد تأبى أيّ عنوان
و.../ مؤسسة الرعد للإنتاج الطباعي/ كركوك2009
* أكثر من عشرة كتب
بمثابة(كتاب العدد) في المجلات الكردية والعربية.
* عمل في الجرائد والمجلات محرراً، مشرفاً
ثقافياً ولغوياً، في الأقسام والملفات الأدبية والفنية والثقافية،
وسكرتيراً للتحرير، ورئيساً ونائباً لرئيس التحرير لبضع مجلات في اقليم
كردستان العراق...
*ساهم في الهيئات التأسيسية لـ(جمعية مترجمي
كردستان1992)و(الحركة الشعبية الكردستانية1996)،(المركزالثقافي
والإجتماعي لكركوك1998)و(مجلة نه وشه فه ق2003بكركوك)
*شارك بدور شاهد رئيس في الفيلم
التسجيلي(الأراضي الضائعة)وهو عن تدمير البيئتين الطبيعية والبشرية في
كردستان العراق/في2000
*كرّمته نقابة صحافيي كردستان في1993و1998ووزارة
ثقافة اقليم كردستان في2003ومركز(كَلاويز)الثقافي في 2005 ضمن تكريمات
جماعيّة. وكذلك جمعية الصداقة الكازاخستانية- الكردستانية في 2009
لدوره في حوار ثقافات تالشعوب والأمم.
* ( جلالستان) عنوان ديوانه الذي سيضم في نهاية
المطاف كل قصائده ومطوّلاته الشعرية، التي رأت العشرات منها النور في
الصحف والمجلات والمواقع الإنترنيتية هنا وهناك.
* أحياناً يعرّب مايكتبه بالكرديّة، ويكرّد
مايكتبه بالعربية،وكذلك يترجم النصوص الأجنبيّة إلى الكردية والعربية
كلتيهما في آن واحد.
* راجع ونقّح الآلاف من النصوص الأدبية والبحثية
والعشرات من الكتب المؤلفة والمترجمة للأدباء الكرد والعراقيين وبعضهم
أساتذة جامعيون.
* له موقع خاص ضمن (الكاتب العراقي):
www.iraqiwriter.com
انقر على الرابط ادناه
http://iraqiwriter.com/iraqiwriter/Iraqi_Writers_folder/site_writers/Jalal_Zangabady/Jalal_zangabady_main.htm
وإسهامات متواترة في بضعة مواقع إنترنيتيّة
أخرى...
للمراسلة معه:
Yousifayuob58@maktoob.com
|