ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 09, 2010 11:25 PM

Detroit Michigan U.S

 

 

جلال زنكَابادي: حوار أجراه الشعراء: احمد عبدالحسين، ابراهيم اليوسف و ياسين عدنان

 

 

جلال زنكَابادي

zangabady@gawab.com

 

 Jalal Zangabady

 

 

                        

 

جلال زنكَابادي:

" عزاؤنا الوحيد هو وقفتنا في وجه الأكاذيب الكبرى"

 

 

جلال زنكَابادي: حوار أجراه الشعراء: احمد عبدالحسين، ابراهيم اليوسف و ياسين عدنان

 

 

 

  { جلال زنكَابادي أبرز أدباء الظل في العراق  باللغتين العربيّة والكرديّة، وهو معروف بزهده في الأضواء والشهرة الزائفة، التي يتهالك عليها أغلب الأدباء والفنانين؛ فهو بطبعه عازف وراغب عن التصريحات والمانيفستوات والمقابلات والحوارات ، إنّما يعوّل على النصوص الإبداعية المنجزة  كمحك ، من دون شفاعة التبجحّات التي يحسبها ورقة التين،  التي يغطّي بها العجزة العنّينون عورات خوائهم الإبداعي وضحالته. وعلى مدى أكثر من أربعين عاماً من النشر، لم يستجب غير أربع مرات لمقابلة أو حوار، أمّا هذا الحوار فقد ولّفه بنفسه باتساقية وانسيابية من  فقرات  ثلاثة حوارات شفاهية وتحريرية خلال السنوات(1994-2001 ) أجراها معه : الشاعر العراقي احمد عبدالحسين(نداء الرافدين/ دمشق 16 أيلول/1994) و الشاعر الكردي السوري ابراهيم اليوسف( في 1999 /  غير منشور) و الشاعر المغربي  ياسين عدنان( في2001 بأربيل، خلال مئويّة الجواهري/مقتطفات منه في  مجلة الصدى  الخليجيّة ع 278 في 25تموز2004) }

*******

  بيأس كبير يتحدّث الشاعر جلال زنكَابادي عن مصير العالم، مردداً جملة أثيرة  للشاعر الألماني هانس ماغنوس انسنزبرغر" لاأجد ما أمتدحه على كوكبي بصوت جهير" لكنّما حين تسأله عن الشعر؛ تشرق عيناه، فهو لديه الحقيقة الوحيدة المتبقيّة في زمن الوهم، ولكن الشعر يحتاج إلى شعراء أصيلين/ حقيقيين..وهو يرى أغلب المشتغلين به الآن في البلدان العربية مجرّد بؤساء تافهين لايعوّل عليهم إبداعيّاً! وفي هذا الحوار ستصدمكم آراؤه الحادّة اللاذعة.

* قيل لي  إنك تتهرّب دائماً من المقابلات والحوارات؛ فصمّمت على استفزازك واستنطاقك بكلّ ما أوتيت من خبرة ومهارة وحيل صحافية! خصوصاً وأنت من أدباء الظل الصموتين...

-  أزعم وأفتخر بكوني أبرز أدباء الظل في العراق؛ لأسباب ذاتيّة وموضوعيّة لامجال لتفصيلها الآن، وما أشبه أدباء الظل بالمياه الجوفية المهمة رغم كونها لامرئيّة ظاهريّاً !..(أظن أن الدكتور لويس عوض قد توصّل إلى هذا الفهم قبلي) وليس التهرّب بالوصف الدقيق لعزوفي ورغبتي عن التبجحّات وزهدي في الأضواء؛ لكوني أعوّل على النصوص المنجزة فعلاً، لا على الثرثرة؛ فالنص الإبداعي الجيّد المغاير والمتجاوز للسائد ينطوي في حدّ  ذاته على مانيفستوه، أمّا الحملات الدعائيّة، التي يلجأ إليها العقيمون والخاوون بالضرورة، منافسين بذلك  فناني وفنانات الغناء والرقص والسينما والتلفزيون بلهاثهم وراء النجوميّة فهي معيبة جدّاً في نظري...ثم إن همّ مندوبيّ الأجهزة السمعية والمقروءة والمرئية هو ملء الفراغات بما يناسبها  ولايناسبها ....وأغلبهم جهلة براغماتيون يستهلون لقاءاتهم بالمجاملة النفاقية؛ حتى يستحلبوا طرائدهم ببضعة أسئلة كليشيّة، ثمّ يغادرون على عجل بلااكتراث وبلادة حس بعد نيل أوطارهم، ومن ثمّ يتصرفون بالمقابلة أو الحوار على هواهم أو هوى عرّابيهم ، وقد لاينشرونه أصلاً؛ وهو الأمر الذي أحسبه امتهاناً لكرامة المبدعين الحقيقيين، الذين يجب ألاّ يستجيبوا لكلّ من هبّ ودب...  

* كيف تشخّص موقف الشاعر في الوجود؟

- لابدّ للشاعر خصوصاً والمثقف عموماً أن يلتزم ذاتيّاً وأخلاقيّاً بصورة ستراتيجية خارج مدار وأطر أيّ ايديولوجيا ضيّقة؛ فـ " أولئك الذين يقرعون الأجراس، لايساهمون في موكب الإحتفالات!" حسب قول روسو، ثمّ انه إذا ما رأى شليكَل " ان المؤرّخ نبيّ يتطلّع إلى الماضي" ؛ فإن الأديب / الفنان المبدع يتطلّع حتماً إلى المستقبل، ويقرأ عبره الحاضر، بالعكس من السياسي، الذي يلتصق غالباً - بطبيعة مقاصده - بالراهن المحدود ً؛ مهما كان متطلّعاً إلى المستقبل، وهنا تكمن علّة إشكاليّة العلاقة المتوترة والمتأزمة بينهما. ويقيناً يرتكب الأدباء والفنانون أكبر الكبائر، بل الخيانة العظمى؛ إذا ما ركّزوا على تمجيد مناقب عصورهم، وتجاهلوا مثالبه، مثلما حدث حين تفاقم النفاق الثقافي في ظل الأنظمة الشيوعية والإشتراكية، التي إستمرأت عسل النفاق السّام، الذي ساهم أكبر الإسهام في حفر قبورها ودق المسامير في نعوشها...! وعليه أرى الصدق الصدق أولاً وأخيراً هو من صلب واجب الأدباء والفنانين، الذين ينبغي أن يقشطوا قشرة القداسة بشجاعة عن كلّ ما هو زائف؛ فـ " عارٌ على منْ يغنّي وروما تحترق!" كما صرخ لامارتين ذات موقف، وهنا تتجلّى أيضاً مصداقيّة " وظيفة الأدب تكون دوماً تآمريّة" على حد تشخيص ماريو باركَاس يوسا، أي عموماً ضد التيّار  دائماً وأبداً!

* تكتب الشعر باللغتين الكردية والعربية و تترجم عيونه من بضع لغات: الفارسية ، الإنكَليزية، الإسبانية والتركية الآذرية....وتقرؤه ببضع لغات أخرى؛ فهل يمكن حسبان هذا التعدد اللغوي ذا أهمية وتأثير في إثراء تجربتك الإبداعية؟

- بالتأكيد؛ فلايمكن لشاعر لايقرأ بسوى لغة واحدة أن يبلغ المدارج السامية للكينونة الشعرية؛ ولذا حين يحظى بعض قصائدي وترجماتي الشعرية  بالنشر؛ يخالني أكثر الشعراء المحدوديّ الثقافة كما لو انني قادم من كوكب آخر! أو يستهزئون ويستخفون بي، لاسيما بلغتي الكردية الأدبية شبه الموحّدة،النادرة المثيل في المشهد الثقافي الكردي المعاصر؛ طبعاً لجهلهم المدقع أو لحسدهم الدفين أو لكليهما! بل لم يحظ شعري لحد الآن بغير بضع مقاربات أوليّة (بالعربية حصراً) من لدن بعض الكتاب ذوي الضمائر الحيّة. وطبعاً لاتهمني مواقف القاصرين والحسّاد؛ لكوني أنا نفسي ناقداً أيضاً وأعرف نفسي جيداً، بل انني ناقد قاس لنفسي، وهذا يعني كوني ( سائقاً وفيترجياً ) في الوقت نفسه ! ولكن النقد (بصفته تفسيراً وتقويماً وتقييماً وتوجيهاً) ضروريّ لمعشر القرّاء وربّما حتى للشعراء (الناشئين منهم بالأخص)

* لكن هل يكفي الشاعر أن يقرأ بأكثر من لغة لتغتني تجربته؟

-  وهل يستوي الذين يقرؤون والذين لايقرؤون؟!! لابدّ للشاعر من أن يقرأ ليوسّع مداركه و معارفه، لكن أغلب شعرائنا كسالى لايقرؤون ، أو ليسوا أذكياء بحيث يمكنهم أن يستوعبوا ويتمثّلوا مايقرؤونه! فيتخلّفون في ماراثون المعرفة..إن الشاعر الذي لايقرأ ولايستثمر أقصى المعارف؛ يستند إلى الفراغ، فيظل خاوي الذهن والروح، أي مفتقراً إلى كلتا الرؤية والرؤيا النافذتين المتواشجتين والضروريتين لأيّ مشروع شعري حقيقي يتجاوز المألوف السائد. كيف يمكن لأديب يستمريء سوء التغذية الثقافية ومصاب بفقر دم معرفي أن يبتكر ويبدع ما يتجاوز المنجز قبله؟! فمثلاً تمعّن في قويميسات أغلب شعراء المشهد الراهن؛ لتدرك مدى فقرهم اللغوي من قبل ومن بعد..ناهيك عن رؤاهم الضيقة والضئيلة. وهنا أزعم بأن معجمي الشعري(الكردي والعربي) مكتنز وثري، بل يتضمّن إضافات جديدة بالمئات ؛ تبعاً لقراءاتي و رحابة وعمق رؤيتي ورؤياي، أي عالمي الشعري، فضلاً عن انني أعامل حتى الحرف الواحد( لا اللفظة الواحدة فحسب) ككائن حي عند الكتابة والترجمة كلتيهما، وربما أراجع أحياناً بضعة قواميس(ببضع لغات) نشداناً لضبط  دقة معنى أو دلالة لفظة في سياق جملة أو عبارة.

* وماذا عن مشروعك أنت، ما هي مكوّناته وما هي عناصر تشكيل رؤياك الشعريّة؟

- الشعر لديّ قول أقصى مايمكن بأقلّ الألفاظ  رهن حالة الشطح في الغالب، ورؤياي بالإضافة إلى تجاربي الحياتية ، نابعة من مجمل معطيات المعارف والعلوم الإنسانية من آداب وفنون وأديان وفلسفات  حتى السحر والشعوذة..ومردها هو تثقيفي الذاتي الموسوعي الحر منذ يفاعتي، بالإضافة إلى التربية الصوفية التي تلقيتها مبكراً على يد  والدي المريد الصوفي،الذي كان شاعراً شعبياً، وراوياً مستظهراً للشاهنامة الكردية وملاحم العشق والبطولة وألف ليلة وليلة.....، بل وقد سمّاني تيمّناً بالشاعر والمتصوف العظيم مولانا جلال الدين، كما بيّن لي ذلك هو و ملاّ  صديق له(جار لنا ولد له إبن في يوم ميلادي نفسه). فإذا كان بعض الشعراء أمثال: البياتي، صلاح عبدالصبور وأدونيس متأثرين بالأدب الصوفي؛ فالعبد الفقير إليه  ذو منبت ومسلك صوفيين أصلاً، طبعاً بعيداً عن التمظهرات الدينية الزائفة....   

* إذنْ يمكن اعتبار التراث الصوفي أحد أبرز مرجعيّات تكوينك الشعري، أليس كذلك؟

- بلى، بكل تأكيد؛ فقد إنكببت على دراسة التراثين الصوفيين العربي والفارسي وكذلك الكردي والتركي والهندي والغربي.وكلّما تعمّقت في سبر أغوار النصوص الصوفية؛ إكتشفت قوتها وقدرتها على التعالي على شروطها الزمنية. إن تراث المتصوفة العرب والفرس والكرد والترك والهنادكة... ينتمي بجدارة إلى المستقبل؛ فهو معاصر أكثر ممّا يكتبه شعراؤنا الآن! بل انه يتحداهم بقدرته على اختراق المستقبل واستشرافه برؤيا روحية عالية؛ حيث يمكنك أن تجد فيه طروحات التآخي الأممية والطروحات السورريالية والباراسايكولوجية والحداثوية؛ فقد سبق الشاعر الهندي بيدل دهلوي(1644-1720) شعراء الغرب أجمع بريادته الحداثية، بل وتطالعنا حتى الطروحات البنيوية والتفكيكية والتأويلية لدى شعراء الحروفيّة ووحدة الوجود؛ فإبن عربي في رأيي يعد رائد البنيويين والتفكيكيين والتأويليين حتى في تفكيك و تأويل الحرف الواحد! وهنا أقول للمتفرنجين اللاهثين وراء الموضات العابرة بأن بارت ودريدا وفوكو وكريستيفا وهابرماس وغيرهم....ليسوا أكثر من تلاميذ بسطاء- وبعد قرون-  بالمقارنة مع إبن عربي والحروفيين الشرقيين؛ فليتك اطلعت بالفارسية على تفكيك وتأويل الشاعر ناصر خسرو للفظة الجلالة(الله) فقط ؛ لتدرك مصداقية رأيي، الذي قد يبدو غريباً صادماً لأغلب مثقفينا ؛ ولذا لابدّ من القول: ليس في مقدور أيّ ناقد مفتقر إلى كلتا الثقافتين الكونيتين: التراثية(لاسيما الصوفية) والحداثية المعاصرة أن يتصدّى لدراسة قصائدي ويقيّمها بإنصاف، ناهيك عن قدرته على قراءتها أصلاً؛ لأن شعري ليس (حايط نصيّص)!  وهنا بودّي التأكيد على كون أغلب المثقفين العرب حتى الطليعيين منهم عالقاً في أوحال(المركزيّة الأوربية) يسارع في التهليل والترويج لكل بدعة وموضة فقاعيّة عابرة ، في زمن انحطاط الغرب وانحداره الأخلاقي المريع نحو الهاوية، في حين يجهل أو يتجاهل عظمة تراثه الإسلامي، الذي كرّسه الغرب لنهضته وتطوّره وتقدمه لبضعة قرون!

* لنعد من اللحظة الصوفية المتعالية على شرطها الزمني إلى لحظتنا الراهنة، التي تبدو في خصام تام معها كما في (شظايا/ 1967-1969) حيث نعتت الزمن بالزنيم وصحفه بالبغايا وأشعاره بالرجيمة..واستشرفت مجيء أشباح المستقبل؛ فما سر تشاؤمك ونهليستيتك؟

- ليس هذا بتشاؤم، إنّما هو تشخيص شامل ومعمّق لراهن الجذام الحضاري وقرعاً لناقوس الخطر المحدق بمستقبل كوكبنا ببشره ومخلوقاته وأجوائه....في زمن انحراف العلم عن أهدافه النبيلة، وزمن الرعب النووي، وزمن الدمار البيئي والايدز والإدمان على المخدرات والإنفلات الجنسي وزمن الساسة الحرامية بلاحدود والإرهاب العشوائي...إنه زمن تهيمن عليه ثقافة القمامة الإستهلاكية المدغدغة للغرائز الدونية وقوننة ودسترة الشذوذ وحيونة الجنس ، أما روح الإنسان ووجدانه والقيم النبيلة فتكاد تعد من الكماليّات في عالمنا المتعفن المنزلق إلى الهاوية العظمى..

* حتى عند الشعراء؟

- كلاّ، سيظل الشعراء الحقيقيون رغم ندرتهم ( لا شعارير حقول الدواجن السياسية) في المواجهة والمجابهة، وطالما أردد مع الشاعر ميروسلاف هولوب " عزاؤنا الوحيد هو وقفتنا في وجه الأكاذيب الكبرى" و "إن صوتاً واحداً شجاعاً أكثريّة" كما أدرك الإمام علي(ع)

* ومن أين يستمدّون القوّة لخوض هذه الحرب الخطيرة المصيرية؟

- من قوّة الشعر الحقيقيّ الكامنة في الهم الوجودي والرؤية الكونية؛ فالشاعر غير الموهوب وغير المثقف وغير المتمرّس، والمفتقر إلى الرؤية والرؤيا المتواشجتين مع الجسارة الإنتحاريّة لايُرجى منه إلاّ إبداع الفضلات! في هذا الزمن الذي لم يعد سوى الشعر الحقيقي سلاح البشرية لمقاومة التصحّر الذي يجتاح روح الإنسان. وليس الشعر حكراً على الشعراء؛ وإنّما هناك أحياناً أروع الشعر في الفنون الأدبية السردية، كما في الروايات والأقاصيص القصيرة جداً.

* حسناً..كيف ترى المشهد الشعري الكردي المعاصر؟

- ثمة حقيقة ساطعة لاتخفى على أحد، ألا وهي أن كردستان ممزقة الأوصال منذ انهيار الإمبراطورية الميدية، ومازالت مجزأة، وهذا الوضع ينسحب على أمتنا الكردية المغلوبة على أمرها، والمغرّبة عن ذاتها، والمهمّشة إلى حد بعيد، وهذا يعني ان الكرد يعانون بشدة من غياب الوحدة الثقافية، اللغة والأبجدية الموحدتين بالأخص، كما الحال في اللغة البنجابية، وهذا يعني التبعثر والشتات حتى في مشهد شعرنا المعاصر، الذي يتشعّب إلى مشاهد عدّة، متباينة ومتفاوتة المستويات تبعاً لخصوصية أوضاع أجزاء كردستان اللامتحدة..ويمكنني الجزم ان الإنجاز الشعري في كردستان العراق، خلال القرن العشرين، يمثّل الطليعة الرائدة عموماً في مشهد شعرنا الكردي؛ لأسباب ذاتيّة وموضوعيّة لامجال لتفصيلها الآن. ولكننا نفتقر إلى التيّارات الشعريّة المتبلورة ، الواضحة السّماتً، وليس عندنا شاعر مجيد في كلّ أشعاره، إنّما ثمة قصائد جيّدة هنا وهناك؛ ومرد هذا غياب الشعراء المفكرين وذوي القدرات الفنية، الدرامية خاصة، ويتجلى هذا في طغيان (النزعة الغنائية) على خطابنا الشعري..فثمة نجاح ملحوظ، وربما ساحق في إنجاز المزيد من القصائد القصيرة وشبه المتوسّطة، جنباً إلى جنب الإخفاق الواضح في مضمار المطوّلات الشعرية ماعدا إستثناءات نادرة جداً. إن الترهّل التشكيلي الفضفاض وانعدام الوحدة العضوية لعناصر القصائد وأجوائها يهيمنان على النصوص المتوسطة والطويلة، إضافة إلى شيوع القاموس الرعوي/ الزراعي في اللغة الشعرية، ناهيكم عن الإنفلات اللغوي، الذي يستمرئه بعض الشعارير الشغوفين بالفبركة المجانية والألعاب اللفظية البهلوانية، المفتقرة إلى أيّ خلفية معرفية ورؤية فلسفية، وأخيراً وليس آخراً التقاعس في الكفاح من أجل اللغة الأدبيّة القوميّة الموحّدة؛ والعلّة تكمن في غياب شعراء قوميين واعين مثقفين متمثلين للتراث البشري والمعطيات الثقافية الحديثة وذوي رؤيا مستقبلية. للأسف الشديد؛ لم يبدع الشعراء الكرد قصائد تداني حجم الفجائع والأهوال البشرية والتراجيديا الإستثنائية لشعبنا المستضعف المقهور؛ مقاربة بالمعطى التاريخي الراهن الكفيل بإنجاز نصوص تجاري وتضاهي قمم آداب أمريكا اللاتينية وافريقيا وأوربا..ومع كل ذلك ثمة قصائد إستثنائية يمكن الأعتزاز بمستواها على صعيد الشعر العالمي.

* وماذا يكمن وراء نزوعك نحو المطوّلات الشعرية والملحمية مثل: (تالبحر لأشطحنّ) و( هكذا شطح الكائن مستقبلئذ)؟

- لقد أنجزت المئات من النصوص القصيرة والمتوسطة وشبه المتوسطة، ونشرت العشرات منها، ومنها مالا يتجاوز جملة أو عبارة واحدة، بل وبضع علامات ترقيم! وأحسبني منشئاً لقصائد حرة، لكل واحدة منها كيانها الخاص. أمّا المطوّلات الشعرية وذات الطابع الملحمي؛ فهي بمثابة فضاء حرّ مفتوح على آفاق تجنيس جديد في كوكبنا السجين /السجن! وفي مثل هكذا فضاء رحيب يمكن للشاعر استحضار وتجسيد ماتمور به روحه التوّاقة إلى المطلق ورؤياه الشاملة/ العميقة المكرّسة للتعبير عن همومه الوجودية القصوى(الذاتية والجمعيّة القومية والكونية) عبر بوليفونيّة (تعددية الأصوات) والبنى الفنية ذات الديناميكية الدراميّة، وإن ما يشحن ويشحذ نزوعي هذا هو إدماني الشره على قراءة شتى الملاحم البشرية والنصوص الدرامية، ناهيك عن كوني إبن اللغة الكردية، التي تزخر بما يناهز مائتي ملحمة شعرية! وربّما كانت  ملحمتي المضادة(هكذا شطح الكائن مستقبلئذ) وبضع أخوات لها(قبلها وبعدها لم تر النور بعد)  بديلة لروايات شبه شعرية طمحت إلى كتابتها منذ عقود. 

* كيف يمكنك التوفيق بين ثنائيّة الشعر والسياسة؟

- لايعني الإلتزام الحقيقي في نظري سوى الإلتزام الفني الصميمي، الذي ينطوي على الإلتزام الإنساني في جوهره..لقد تلمّست عبر قراءاتي لآداب الأمم، البون الشاسع بين الشاعر البوق(الدعائي) والعقائدي الحميمي... ومن هنا ليست القصيدة عندي أنشودة مدرسية، أو لافتة شعاريّة، أو هتافات، أو مقالة، أو وصفة طبيّة؛ حسبما يبتغيها الساسة والمتثاقفون المتسيّسون، وجلّهم أشباه جهلة ومتطفّلون على عالم الإبداع، بل وحاقدون على المبدعين الأباة... ومع ذلك قلّما تخلو إحدى قصائدي من الهم السياسي؛ منذ البداية ، كما لو أنني ولدت لأناهض وأقارع النزعات الشوفينية والفاشية والدكتاتورية؛ بل وقد وظفت لعبة (المجاز والحقيقة) حتى في قصائد الحب، التي يمكن أن تُقرأ بطريقة الحفر الاركيولوجي، وكما لوأنها بوستكارات زئبقيّة يابانية؛ تتخذ فيها الصور وضعيات مختلفة؛ بمجرد تحريكها.   

* حسناً ألمْ تصدر أيّ مانيفيستو يجلو منظورك الإبداعي هذا وشعريّتك المنشودة؟

- قطعاً؛ فكل نص راق برأيي ينطوي على مانيفستوه الخاص، فلماذا يؤسر ويكبّل المبدع نفسه مسبّقاً في قفص(لزوم مالايُلزَم) ؟ جليّ أن التنظير والنقد يسعيان دوماً إلى الإحاطة بالمنجز الإبداعي وحصره في أنساق محددة، أيّ تدجينه في نهاية المطاف ، بينما يتمرّد النص الإبداعي دوماً على اللجم والتدجين، وبعبارة أخرى غالباً ما يتكرّس التنظير والنقد لتسييد الثوابت، بينما ينزع الإبداع إلى التحوّل، فلا دور للوصفات الشعرية(الطبّية) الجاهزة في الإبداع، فالإبداع لايُستنسخ ولايتكرر، حتى لدى المبدع الواحد نفسه، ولا عبرة بتاتاًَ في التبجحات التنظيرية، وإنّما في الإنجاز الفعلي، بل ان أغلب المبدعين المنظرين يعانون من الشيزوفرينيا بين ماينشدونه تنظيرياً وما يحققونه أثناء الممارسة الفعلية؛ ماداموا يضعون العربة أمام الحصان، ناهيك عن تلاص مقومات تنظيراتهم الإنتقائيّة من أفضل تنظيرات الآخرين! صدّقني أن ّكلينا يمكننا تدبيج أرقى مانيفيستو خلال سويعات ، أمّا تنفيذه لاحقاً فقد لايرقى إلى عشره في أفضل الأحوال. وهذا لايعني سدى التنظير ولاجدواه؛ فطالما وجدتني في  نصوصي منفذاً مسبّقاً لأفضل تنظيرات الآخرين هنا وهناك؛ ممّا زادني ذلك ثقة بمساري ، فمثلاً كنت قد أنجزت بضعة (نصوص مفتوحة) منذ أواخر 1969 وأوائل1970 أي قبل بضع سنين وربّما قبل عقد من ظهور التنظيرات لـ (النص المفتوح) هنا وهناك، ولي البرهان على ذلك في نصي المنشور في مجلة (مواقف/ 1971) ونصوص أخرى في مجلة (الطريق) وغيرها. وهذا ما حصل لي أيضاً  مع تنظيرات الباحث المبدع كمال أبو ديب في طروحات التشظي و(جماليّات التجاور) وكذا الحال مع (قصيدة الومضة) فقد كتبت خلال السنوات(1966-1969) أكثر من 150قصيدة ومضوية؛ مستمدّاً الجرأة من مجلة(شعر) اللبنانية، ومتأثراً بترجماتها ونصوص شعرائها، وهي التي تضمها مجموعتي المخطوطة (شظايا من نفير البحر) والتي نشرت منها العشرات في النشرات الجدارية والصحف والمجلات في الفترة نفسها وفي مطلع سبعينات القرن الماضي، ولكن بدون تنظيرات ومانيفستوات ولا إدعاء بالريادة، التي يلهث وراءها آخرون.....لقد أصاب غويته العظيم في قوله " الحياة شجرة خضراء والنظريّة رماديّة.." في مسرحيته الشهيرة (فاوست)    

* وهل ثمة صدى لنصوصك الشعرية في كردستان والعراق...؟

- لاأجافي الواقع والحقيقة إنْ قلت بأن المبدعين الحقيقيين الأصلاء في كردستان والعراق وربّما في عموم المعمورة، مغبونون ومغدورون جداً، وهنا أردد بكل أسى قول أوكتافيو باث: " إنّ شعباً بلاشعر هو شعب بلاروح، وأمّة بلا نقد هي أمّة عمياء" والحق يجب أن يقال، نحن أمّة بلا نقد؛ وإلاّ فإنّ مجمل ثقافتنا الراهنة منحول وزائف بامتياز؛ فلتدرك معي مدى بؤسنا وضياعنا إنطلاقاً من مقولة الشاعر أوكَستينو نيتو " ما نحن إلاّ ثقافتنا" !

   إن ما سلف لايعني أن ليس ثمة صدى لنصوصي، لكنه نادر وخفيض جداً؛ والسبب الرئيس هو الإفتقاد إلى الناقد المثقف الموسوعي (بثقافة تراثية ومعاصرة) ليقدر على التصدّي لمثلها، ناهيك عما يطغى على  أغلب المعنيين في المضمار الثقافي  من محاباة ومحسوبية ومنسوبية و استكتابات ومقايضات " صفّق لي؛ أصفق لك" بل حتى  الحسد والغيرة تجاه المبدع الحقيقي من قبل أقرب المقرّبين إليه أحياناً..! بالإضافة إلى انني لم أكن ذات يوم شعروراً روبوتاً (مدّاحاً/ نبّاحاً) لحزب أو كشك سياسي؛ حتى  يقوم بتسويق نتاجاتي، ويفبرك لي شخصيّة كاريزميّة، حسب لعبة المقايضة. فلو كنت من هكذا نمط ؛ لبوّئوني أعلى المناصب والمقامات الثقافية، ونشروا كل سطوري قبل أن يجف حبرها، وحزت على أعلى الشهادات، وانهالت عليّ  الدولارات والإيفادات إلى الخارج والجوائز والمسدسات والسكرتيرات والتقاريظ  والأطاريح والشهادات الفخرية، مثلما كان الحال مع شعارير شيوعيين، ويعربيين عفالقة وغيرهم، وعفلقزادات كرد (بعضهم حاضرون الآن في مهرجان الجواهري هذا!) كانوا يصدحون بمعلقاتهم (في هذه القاعات نفسها) مع أهازيج ( هلهولة للبعث الصامد) و( بالروح بالدم نفديك يا صدّام) ولي في مهرجان شعري متزامن مع إغتيال حلبجه أسطع برهان ودليل( لديّ وثائقه الكاملة).وهكذا نرى كلّ حزب بمهرّجيهم فرحون... صدّقني لم يجرؤ على الكتابة عن شعري طوال ربع قرن  سوى الكاتب القدير يوسف الحيدري( وقد نشروا كتاباً له بشرط حذف الفصل الخاص بشعري)! وإذا بالذين كانوا قبل الإنتفاضة يرفعون عني تقارير (عدم الولاء للحزب والثورة) و( مترجم أدب المخريبن) تراهم لاحقاً  يبثون الدعاية ضدي في مشهد مابعد الإنتفاضة  بصفتي منشقاً يحن إلى العصر العفلقي الذهبيّ! أيّ يرمونني بأدوائهم وينسلّون كالشعرة من العجين ؛ كما لو أن الأوباش العفالقة وجحوشهم من الكرد قد نسفوا منازلهم (وأكثرها من هبات السلطات العفلقية) وليس منزلي ومنزل شقيقي برهان وووووو......فمثلاً راحوا يشينونني وينعتونني بـ (الحاقد الجاهل بالثقافة واللغتين العربيّة والكرديّة) و(الطائر المجذوم العاشق لشجرة الزقنبوت) و (المريض المعقّد الذي يجب حجزه في مستشفى الأمراض العقليّة) و (العروبي ) و(مريد علي الكيمياوي) بالإضافة إلى الوعيد والتهديد بالقتل في أوائل تسعينات القرن الماضي؛ إثر كشفي لبضع انتحالات أدبيّة واختلاسات وسرقات مالية، والأنكى من ذلك أن وزير ثقافة حكومة هولير قد بلّغ أزلامه في خريف 1996 بفرمان حظر نشر مواضيعي في صحف ومجلات وزارته وحزبه ( والتي كان نفسه صاحب إمتياز ورئيس تحرير قرابة العشرين منها) بتهمة سوبرسوريالية؛ منسّباً إليّ زوراً وبهتاناً مقالة لحسن العلوي ضد الأخ مسعود بارزاني في جريدته (الشمس) كانت جريدة (الإتحاد) قد أعادت نشرها إبّان الإحتراب الأخوي!  لكن الكتاب المعروفين سرو قادر وفيصل الدبّاغ وآزاد عبدالواحد و كاروان عبدالله ورزكَار نوري شاويس قد خرقوا الحظر القرقوشي (مشكورين) بعد قرابة السنة؛ فأُسقِط في يد  داعية التسامح وراعي المبدعين! و" الذي يدري؛ يدري..والذي لايدري؛ قبضة عدس"! أجل؛ فقد دفعت الثمن باهظاً جداً وما زلت ، وربّما سأظل؛ لإشرافي اللغوي والثقافي على جريدة(وطن الشمس) لحزب العمّال الكردستاني، قرابة السنة، ولتأييدي لتأسيس البرلمان الكردي في أوربأ، بينما عيّن جاسوس عميل مندس في إعلام PKK (كان يدبج المقالات النارية ضد البارتي) مديراً لإذاعة كَولان البارتية مباشرة بعد ضرب وإزالة مقرات PKK في أربيل، على سبيل المثال، لا الحصر!!

   فلاعجب إذنْ إنْ كنت أردد مع نفسي دائماً هذين البيتين المنسوبين لابن الخازن الدينوري:

" مَنْ يَستقمْ؛ يُحرَمْ مناهُ ومنْ يزُغْ

  يُـختَـصْ بالإســعافِ والتـمكــــينِ

 أُنظـرْ إلى(الألـف) اسـتقامَ فـفاتـهُ

عُجْـمٌ وفـازَ به إعـوجـاجُ النّـــونِ"

لكنّما هيهات وألف هيهات؛ فالتاريخ لايرحم مجرمي الثقافة وأقزامها المتعملقين، وإليك أيضاً هذه الأبيات البليغة المنسوبة إلى الحلاّج الشهيد أحد شيوخنا الأجلاّء:

 "فلاتحسدِ الكلبَ أكلَ العظامِ

   فعند الخــــــراءةِ لاترحـمُهْ

  وعمّا قليـلٍ تـرى في إسـتِهِ

  جُـروحاً جـناها علـيه فـَمُهْ

  إذا ما أهـانَ امـرؤُ نـفـــسَهُ

  فلاأكــرَمَ اللهُ مَنْ يُـكْـرِمُـــهْ "

ومن ثمّ أجد عزائي في قول إبن الرومي:

 " فلْيطرْ معشرٌ ويَعْلَوا فإنّي

    لاأراهم إلاّ بأســـــفل قاب

    لاأعـدّ العلـوَّ منهم عـلوّاً

  بل طفوّاً  يمين غير كِذاب"

    أجل يا صديقي  لقد استحالت الجملة الإنجيليّة " ماقيمة أن تربح العالم وتخسر نفسك؟" ملحاً لاينضب يقيني من الفساد على جميع الصّعد ، منذ قراءتي للكتاب المقدس في 1963 وأنا تلميذ في السادس الإبتدائي.

* شكراً على هذه الأبيات الرائعة المعبّرة التي أسمعها لأوّل مرّة...حسناً كيف أصبح حالك بعد انتفاضة 1991كأديب وصحافي ناشط  في المجال الثقافي في كردستان، حيث تعمّ الحرية والتعددية وتكافؤ الفرص؟

- هاك أوّلاً تكملة للأبيات السالفة بمثابة لسان حالي ، ألا وهو حال " السّمك المأكول والمذموم" وهي لشاعر عربي قديم، وأرجو ذاكرتي المتألمة ألاّ تخنّي:

" يا دهرُ ماترفع منْ ماجدٍ

  إلاّ صقيع الذهن أو مسخرةْ

 أو مَنْ تكن زوجته قحبةٌ

أو مَنْ تكن  نقبته محبرةْ

أو مَنْ يكن قوّاداً من صغرهْ

يجمع بين الرجل والمرةْ"

 أمّا السبب فلكوني فيليّاً مستقلاًّ (بلا عشيرة حزبيّة أو ولاء لشخصيّة متنفذة بارزة) وزاهداً أبيّ النفس وصِداميّ المواقف وشرس عنيف في حومة الحق حدّ التهوّر والمجازفة... وفي العراق قل: عزرائيل ولاتقل : مستقل! حيث تسود المحاصصات الحزبية والعشائرية والمناطقيّة والولاءات الشخصية سائرالأجهزة والدوائر الثقافية الرسمية واللارسمية، حتى داخل الحزب الواحد، بل الخليّة الواحدة.. لعلّ القول المأثور الآتي ينطبق فعلاً على حالي وأحوال المثقفين الإستثنائيين أمثالي " قوزى به ر ئاكَردان بى  به هايه / لاقيمة للكُسّ المبذول جنب الموقد" ولئن تطغى على القيادات الكرديّة السياسية والثقافية سيكولوجيا عبادة الموتى و الأجانب واللاجئين السياحيين(المغتربين) واستمراء نفاق الكتبة الذيليّين ، لاسيما العفلقزادات المرتزقة المهرة في الربت على الأكتاف وأكلها، وما خفي كان أعظم ؛ فلا مجال إذنْ لمشاريع أمثالي، إنّما كـ (برغي أو واشر) ليس إلاّ ، في مجـلة أو مؤســــــــسة  ثقافية للتصحيح اللـغوي وإعادة  تحـرير شخابيط  و خرابيط  وترجـمة ( العباقرة الأفذاذ!) تحقيقاً لمقاصد (صناعة الكاريزما)

* وما هي مشاريعك المزعومة؟

-  منها: تولّي الإشراف على مركز يُعنى بترجمة النصوص الإبداعية الكردية إلى اللغات الأخرى (لاسيما العربية) ونشرها ( ورقياً وإلكترونيّاً) وكذلك الحال مع الفنون التشكيلية وغيرها... والنجاح مضمون لهكذا مشروع بتضافر جهود الأدباء والمترجمين الكُرد القديرين من الناشطين بكلتا اللغتين العربية والكردية( وبعضهم ضليع فيهما) أمثال: حسن السليفاني، عبدالرحمن مزوري، عبدالله طاهر برزنجي ، تحسين الدوسكي، محمد موكري، لطيف هلمت، محمد البدري، غفور صالح، مكرم رشيد ، عباس عبدالله يوسف، آزاد برزنجي، آزاد عبدالواحد، محمد صابر محمود ، آزاد صبحي، أمين بوتاني، بنيامين يوخنا دانيال، كمال غمبار، بدل رفو المزوري، بختيار علي، نوزاد احمد اسود، محيي الدين محمود، حكيم نديم الداوودي، آوات حسن أمين، احمد رضا، عبدالرحمن الباشا  وأرخوان.......ناهيكم عن زملائنا الكرد في سوريا...هذا على الصعيد العام، أمّا على الصعيد الخاص؛ فهو التفرّغ لتنضيد وإعداد ديواني (جلالستان) للنشر، ولترجمة عيون الشعر العالمي إلى الكردية، مثل (الكوميديا الإلهية) لدانتي،(الفارس في إهاب النمر) لروستافيللي الجورجي ، (اللوزياده) لكاموييس البرتغالي، (الفردوس المفقود) لميلتون، (تاو تي كنغ) للاوتسي و(المناجاة الصباحيّة)  لكَورونانك والأعمال الكاملة للخيّام ومختارات لبيدل دهلوي ووووووو..ثم سلسلة كتب( لنعرف: التركمان، الآشوريين،الأمازيغ، الأرمن ، الباسك، البلوج، التاجيك، الجركس، الكَرج وووو ....) لكنني رهن وضعي اللامؤاتي سابقاً وحالياً ومستقبلاً  تراني مشتتاً مبعثر الطاقات والجهود في إنجاز المواضيع الصغيرة( التي قد تبدو كبيرة للكثيرين حسب" الأعور في بلد العميان ملك") لعلّني أوفّر لقمة الزقنبوت الحلال لعيالي. وهذا لايعني أن ليس ثمة من يرحّبون بي، إنّما فقط  كمترجم لأعمالهم الأدبية والكتابة عنها ؛ لكون إسمي جواز سفر محبّذ إلى اللغة العربية.. بل ويحسبونني مجرد عتّال هامشي لإبداعاتهم لاأكثر، في حين لايرقى أغلبهم إلى مستوى قاريء لنصوصي الإبداعية وحتى البحثية والترجمية! يا لها من مفارقة ليس ثمة أديب كردي لايتمنى ترجمتي لنصوصه والكتابة عنها، بل ثمة العشرات من الحانقين الناقمين عليّ؛ لمجرّد انني لم أترجم لهم أو أكتب عنهم  كما يهوون عن كتبهم! باختصار تجدني على هامش الهامش؛ حدّ االإستبعاد والتجهيل في أغلب الفعاليات والأنشطة الثقافية (أغلبيتها ذات طابع دعائي  حزبي بأسلوب سياحي ، تديرها المافيا البسنزيّة ) فمثلاً  لمْ أُدع إلى هذا المهرجان( مئويّة الجواهري) والذي دعي إليه أكثر من ستمائة شخص في الاقليم وجلّهم ممن يهبّ و يدبّ في حفلات الأكل والشرب! إنما جئت تلبية لمهاتفات بعض أصدقائي وزملائي ومعارفي من المثقفين العراقيين المغتربين وغيرهم. فبالأمس مثلاً  إستفزني مسؤولان كبيران من الحزبيين الأدبجية محميين بشرطيين ، وراحا يحاسبانني على حضوري ولقائي وحواري مع أصدقائي من الضيوف البارزين أمثال: فاضل العزاوي، عبدالكريم كَاصد ، رفعت سلاّم وأنت(ياسين عدنان) وآخرين، مهددين إيّاي بالويل والثبور : " كيف تجيء إلى هنا وأنت غير مدعو؟! ثمة من بلّغنا بإنّـك تتحدث بسوء مع هؤلاء العرب الأغراب عن تجربتنا الديموقراطيّة!" و" لماذا لاتكسر رقبتك وتذهب إلى بلد آخر؛ إذا لايروق لك الوضع في كردستان؟!" فتلقّنا مني أحد دروسي التأديبية المعهودة؛ حيث أجبتهما قائلاً: " هؤلاء ليسوا بأغراب وأنتم المسؤولون عن دعوتهم، ثمّ إنهم  أصدقائي وزملائي وقد جلبوا لي العديد من الكتب والمجلات وودّوا لقائي داعين إيّاي هاتفياً، وإلاّ فوقتي ليس من تبن لأبدّده مع البهائم! ثم إنني راغب أصلاً عن حضور مثل هذه الأنشطة السياحية باسم الثقافة والإبداع! في حين أنكما ممتثلان لهم كنادلين (بويين) في خدمتهم وتغدقان بالهدايا حتى على زوجاتهم ؛ لعلّكما وأمثالكما تحظون بالتقاط  صورة مع هذا أو ذاك منهم ؛ لتوظيفها في مقال عنكم باعتباركم في مصاف المثقفين المبدعين من العرب!! فزعق كبيرهما : " أنا أحذرك بصفتي رئيس إتحاد أدباء..." فأجبته: " إن اتحادك وإعلام حزبك لم يخدما الثقافة الكردية نصف خدمتي لها؛ فلاتقصّر في إيذائي بكل ما أوتيتم من قوة واقتدار وسطوة، ولتختنّي من جديد إن استطعت!" وعندها إلتفت ليستعدي عليّ الشرطيين ،إذا بهما قد غادرا تعاطفاً معي وخجلاً من المزلق؛ فضرب الطاولة بقبضته بكل ما أوتي من قوة؛ بحيث تطايرت قناني البيرة والأقداح، فتراكض الندّل...فكظمت عفطة بغداديّة أصيلة تليق باعتدائه الأثيم عليّ وبالشاعر المحتفى به( مدّاح الملوك والسلاطين وقادة العفالقة) وأنا أغادر فندق(جوارجرا)...  

* مفهوم وواضح جداً... إنهم يحسدون موقعك المحترم  لدي الكثير من النخبة الثقافية العربيّة؛ ولذا يسعون إلى حجبك عن المشهد..

- ماكان بودّي الإجابة قطعاً عن سؤالك الأخير؛ لكنّه استفّزني صميميّاً وفجّر دماملي المتقيّحة منذ عقود. حقاً ما قيل " لاكرامة لنبيّ بين بني قومه" رغم كوني مجرد مثقف عصامي متواضع العطاء ليس إلاّ، رهن الظروف السائدة، يسابق الموت في كل لحظة بالقراءة والكتابة والترجمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...

* ماهي صورة المبدع في نظرك؟

- أرى الإبداع فعلاً تقدميّاً إستثنائياً في جميع العصور، والمبدع منفرداً خارج الأسراب والقطعان، وليس هنالك سوى القلة المستثناة من المبدعين العباقرة المتجاوزين لعصورهم، أما الباقي منهم فهم إعتياديون في مستوى الحاجة التاريخية لعصورهم، في حين تخلّف البشر الآخرون( ومنهم الإنتلجنسيا) عن مسيرة الركب الحضاري؛ وهنا أيضاً تكمن محنة المبدع المتجاوز لمجايليه أو لعصره، لأنه يدخل ممر اللعنة، ويُحارب حتماً، ويمكن تشبيهه بغزال المسك(العطر) الذي لاينضح جلده العطر إلاّ إثر ضربه بالسوط ومطاردته! وكذلك بدودة القز، التي (لم ولن تنقرض سلالياً) رغم قتلها بالماء الحار عند جمع خيوط الحرير!

* أنت أديب عصاميّ النشأة؛ فقد تيتمت مبكّراً ولمْ تحالفك الظروف، بل ولم تنل حتى شهادة المرحلة الثانوية؛ فكيف تسنّى لك كل هذا التثقيف الموسوعي فضلاً عن تعلّم بضع لغات ؟

-  يمكنك أن تجد التفسير الصائب لحالتي في نظريّة ( التحدّي والإستجابة) للمؤرخ والمفكر الكبير توينبي، والتي أصبحت  نبراس هداية لي في ماراثون التثقيف والإبداع، بل والحياة من قبل ومن بعد ؛ منذ اطلاعي على فحواها وأنا يافع في الثالثة عشرة من عمري. ربّما تستغرب إن قلت لك قلّما مرّ عليّ يوم منذ 1961 وحتى اليوم لم أقرأ فيه (100صفحة) على الأقل، وقد إستثمرت سنوات وجودي السبع عشرة في القرى البعيدة والنائية والموبوءة ( حيث عملت معلّماَ ) بالقراءات الموسوعيّة والتعليم الذاتي ؛ فعلى سبيل المثال طالما أقرأ القواميس( ببضع لغات) كما لو انها روايات مسلّيّة! حتى غدوت مرهف الحس لغويّاً حدّ معاملة الحرف الواحد ككائن حيّ، بل أراجع أحياناً أكثر من عشرة قواميس لضبط  دقة لفظة واحدة. وقد تتساءل كيف يمكنني ذلك؟ فالجواب هو ان مايُقرأ لايفارقني ليل نهار؛ حيث تجدني أقرأ في كل آن ومكان،وقد غدوت بالمران سريع الإستيعاب جدا؛ حيث تكفيني أحياناً إلقاء نظرتين عمودية وأفقية على الصفحة لألخص فحواها أو أستظهرها لاحقاً؛ وهذا مما آزرني ويؤازرني في الكشف عن عشرات السرقات والإنتحالات، التي قد تعود مظان بعضها إلى ماقبل عقود!... ثم إن والدي ربّاني تربية إسبارطيّة منذ الثالثة من عمري؛ فقد عوّدني على السهر، وحتى اصطحابه ليلاً إلى الصيد والمشي 15- 20 كم وسط الأدغال والأحراش ، وعلّمني السباحة ، ناهيك عن الإستهانة بالسحالي والسعالي والجن والضواري والشياطين، والإستماتة من أجل الحق والحقيقة ؛ وعليه نشأت قويّاً عنيفاً غير هيّاب و جلداً صبوراً لاينال من عزيمتي الجوع والتعب والسهر والوعيد والتهديد، بل فقدت حتى (لذة الخوف) إلى حدّ بعيد...وشعاري الأثير في حومة الحق " لحية القاضي عندي مكنسة" باختصار، لقد إنلغت طفولتي واسترجلت مبكّراً ومارست شتى صنوف الرياضة وحزت على بعض البطولات على صعيد القصبات والمحافظات؛ فصرت قويّ الجسم وصداميا (و ليس صدّامياً!) يهاب الشقاوات(القبضايات/ البلطجية) بأسي...وقد صار شعاري منذ مراهقتي الجمع بين

( الثقافة والقلافة) وإلاّ ماذا كان سيكون مصير يتيم عليل وبائس مثلي في غابة الضواري العراقيّة؟!    

* حسناً ألايشتت إنشغالك الموسوعي قراءةً وشبه الموسوعي كتابةً وترجمةً  تركيزك على الإبداع الشعري؟

- كلاّ؛ فمجمل إطلاعي الموسوعي يصب في نصوصي الإبداعية، وهنا تكمن علّة اختلافها وتميّزها عن نصوص الآخرين سيّئة التغذية، ثم إن شرارة الإبتكار غالباً ما تندلع من التماس الحاصل بين الحقول المعرفية المختلفة والمتباعدة عن بعضها البعض..إن الشاعر الذي يعوّل على قراءة الشعر وحده؛ لاينتج أبعد من المحاكاة الجيّدة؛ مهما عظمت موهبته، أمّا الشاعرالموهوب والواسع الإطلاع معرفيّاً؛ فتتبلور لديه رؤيته الخاصة المتفردة، وتتزايد قدرته على الإبتكار والإبداع؛ فيستحيل مبدعاً أصيلاً ومتفرداً...ومن هنا يمكنني الزعم أن قصائدي هي أنا( بكل كياني) ؛ إن صحّ استقصاء بوفون عن تطابق الأسلوب والإنسان، وهو كذلك؛ مهما جعجعت بدعة موت المؤلف!

* ها قد تبيّن لنا استهداؤك بتوينبي في فلسفة التاريخ؛ فماذا عن الفلسفات الأخرى؟

- رغم كل المصائب والمحن إثر تيتّمي واسترجالي المبكّر أراني سعيداً لإكتشاف نفسي مبكّراً جدّاً مقارنة بأترابي وأقراني، بل حتى الكثيرين ممن هم أكبر منّي سنّاً؛ فقد أصبت بـ ( سعار القراءة) منذ نهاية الصف الأول الإبتدائي (صيف1958) ورحت ألتهم المزيد من الصحف والمجلات والكتب، بحيث دشّنت قراءتي للمنفلوطي وجبران وسلامة موسى وأنا تلميذ في الرابع الإبتدائي ، وقراءة الفلسفتين الماركسية والوجودية و التراث الصوفي وأنا طالب في الصف الأول المتوسّط ، فمثلاً ( ربّما لايصدّقني أحد) بأنّي كنت قد قرأت (المواقف والمخاطبات) للنفّري في 1967 أي قبل أن يصدر الشاعر الكبير أدونيس مجلته (مواقف) ويروّج للنفري! ولقد أفدت من الماركسيّة في الرؤية الموضوعية ، أي في تحليل وفهم معطيات الواقع ، ومن الوجودية تعلّمت  المسؤولية الذاتية وشجاعة الضمير في المواجهة  وكون الإنسان موقفاً ، ومن الصوفية الرؤيا الغنوصيّة والتسامح الديني والتآخي البشري والزهد في جيفة الدنيا. والطريف انني كنت أنعت نفسي بـ ( ساركسي/ سارتري+ ماركسي) منذ 1966 وأنا في الصف الأول بدار المعلمين الإبتدائية في كركوك. ولايسعني هنا إلاّ أن أطرح فلسفتي القرائية، ألا وهي أن عمري الآن ليس خمسين سنة، وإنّما عشرة آلاف سنة على أقل تقدير ؛ لكوني قد سافرت عبر شتى القراءات إلى أقصى الأمكنة والأزمنة الغابرة، وعشت واطلعت على شتى الحضارات، كما لو انني عايشت البشر القدامى في كل العصور بعقلي وروحي ووجداني، لاينقصني هنالك سوى عمليات الأكل والشرب والجنس والتغوّط والتبوّل، وكلّها نافل لايضيف شيئاً! فمثلاً أحسبني الآن في عمر جدي(لأمّي) الذي شارك في ثورة العشرين وجرح فيها وتوفي بعد شهر، لكن المسكين رحل ولم يعرف عشر ما أعرفه أنا(عبر القراءة) عن تفاصيل تلك الثورة، كما لوأنني كنت أكثر حضوراً منه فيها...! ولولا جنون القراءة وقلق نشدان الكمال؛ لألّفت وترجمت لحد الآن أكثر من مائتيّ كتاب بأحجام ومستويات متوسطة. وهنا يكفيني شرف نعتي بـ (القاريء العظيم) من قبل الأستاذ الجليل عبدالغفار مكّاوي ، ذات رسالة منه إليّ. 

* وماذا عن وضعك السياسي؟

- لقد وعّاني والدي منذ الرابعة - الخامسة من عمري ضد الإقطاع والإستعمار، وأذكر مناصرته لمصر ضد العدوان الثلاثي حدّ الذهاب إلى بغداد؛ للتطوّع مجاهداً..وكذلك مناصرته للثورة الجزائريّة، وقد كلفني بتوزيع صور المناضلة البطلة (جميلة بوحيرد)..ومن هنا  وجدتني إثر ثورة تموز1958 ذا ميول شيوعية وقومية كردية، ثمّ صرت لاحقاً مؤيّداً صميمياً لحشع ( جناح القيادة المركزيّة/ الكفاح المسلح) لكنني رغم حماسي الجارف ومؤازرتي الحميمة له لم أنتظم في صفوفه ؛ بسبب تكويني الفكري والأدبي (ساركسي/ تروتسكوي+ قومي كردي + سوريالي + مؤمن صوفي/  يا لها من هريسة عجيبة!) حتى ان أصدقائي الشيوعيين كانوا ينعتونني ( أنا الفقير المسحوق) بالـ  ( بيتي برجوازي الشوفيني) و( عاشق الكتب الصفراء)! لاسامحهم الله. عموماً لم ألتق لحد الآن أيّ سياسي جدير باقتدائي له ثقافة وسلوكاً....ومنذ مطلع سبعينات القرن الماضي أصبحت (أنتي سياسة)!

* والله انك شخصية إستثنائيّة طريفة عجيبة غريبة الأطوار! فعلى أيّ جيل شعري تحسب نفسك؟

-  لا لست إستثنائيّاً ولاغريب الأطوار، إنّما مجرّد إنسان إعتيادي في غاية البساطة ً، سريع الخاطرة والبديهة والنكتة، بل وقد آزرتني الفكاهة السوداء المريرة في مقاومة الفاشست والمحن والنوائب.. صدّقني لاهمّ لي سوى ضالّتي المنشودة المتمثلة في ثالوثي المقدس( المعرفة، القصيدة والمحبة) ولم أهدر جسدي وروحي في أيّما موبقات؛ فلست أدخن حتى...ولقد قضيت الفائض من وقتي في الرسم والرياضة والغناء...لكن نعتك قد ينطبق عليّ ثقافيّاً؛ فتكويني الثقافي يبدو حتى للمثقفين الطليعيين معقداً وغريباً، فضلاً عن كوني فظاً وقاسياً غير متهاون وغير مساوم وغير مهادن فيما يتعلق بالشأن الثقافي . أمّا تجييل الإبداع والمبدعين (بدعة فرنسية على الأغلب) فلاأراه صائباً ، وإنّما هو هراء مضحك في نظري ويليق بحيوانات الكولخوزات الشيوعية، وعادة ما يلجأ إليه الشعارير الشاعرون بقصر أعمارهم الإبداعيّة أو فنائها عاجلاً! وإلاّ فمن أيّ جيل هؤلاء : هوميروس، أوفيدوس، فرجيليوس، كونفشيوس، لاوتسي، مار أفرام السرياني، المعري، المتنبّي، النفّري، الخيّام، ناصر خسرو، مولانا جلال الدين، إبن عربي، دانتي، روستافيللي، حافظ الشيرازي، الملاّ الجزيري، كَورونانك، فضولي بغدادي، غونغورا، شيكسبير، سرفانتس ، دافنشي، بيدل، بوشكين، سايات نوفا، غويته ، أباي كوننباييف، رامبو وشهريار الآذربايجاني...؟!

في الحقيقة وجدت نفسي منذ البداية ودوماً خارج الأسراب والزمر المجيّلة، حتى لو حسبت عمريّاً على (الجيل السبعيني!) لأنني بكل بساطة سبقت أترابي وأقراني قراءةً وكتابةً ونشراً قرابة العقد، أيّ جايلت (الستّينيين) ولذا بالذات " دخلت ممر اللعنة" طبقاً لقول مالارميه:  "عندما تسبقُ القصيدةُ تاريخَها؛ يدخلُ الشاعرُ ممرَّ اللعنة"! فضلاً عن حسباني خارجيّاً (من الخوارج) في كلا المشهدين الشعريين العربي والكردي! بحيث صرت أبرز أدباء الظل العراقيين المسكوت عنهم! وهكذا تجدني لاملاذ ولا ظهير ولامغيث لي سوى الكتاب والكومبيوتر والإنترنيت(شبكة العنكبوت حبيتي العظمى)... وبخصوص الإنترنيت أقول إنه موئل تفاؤلي لكسر أطواق الغيتو والتجهيل والإستبعاد والتحجيم والتعتيم والتهميش والتهشيم ،التي ضربتها ومازالت تضربها الدكتاتوريات والمافيات الثقافية السائدة في العراق خاصة وفي المهاجر عموماً حواليّ المبدعين المستقلين سياسياً وفكرياً... وإن كان هنالك بصيص من التفاؤل لديّ؛ فهو كامن في ضمير المستقبل.

* عرفت أنك متزوّج ولك خمسة أولاد وبنت؛ فكيف توفّق بين مسؤوليات العائلة والهم الثقافي؟

- يقال عندنا عن الزواج وتكوين عائلة رهن ظروف بلادنا اللامواتية: " منْ فتح زرفاً؛ فتحوا فيه ألف زرف(ثقب)!" وهذا المثل الساخر يعني أن المسؤوليات العائلية (وبالأخص توفير العلف والسكنى والأمان)  تستعبد المبدع حتماً، وتحدّ من زخم انطلاقه وحتى من شجاعته أحياناً، لكنها في الوقت نفسه تحسسه وتبصّره بالمسؤولية الوطنيّة، أي تنتزعه من أنويته وأنانيته؛ فيتبلور وعيه  بالإنخراط  في الهم الجماعي ...وتبقى المسألة نسبيّة؛ فثمة أصدقاء وزملاء ومعارف أدباء وفنانون عزّاب أو متزوجون ولهم أطفال قليلون وظروفهم أفضل من ظروفي المعاشية بكثير، لكنهم لم يحققوا شيئاً يّذكر..بل وأعرف العشرات ممن إحتضنتهم بلدان أوربا وغيرها منذ عقد – ربع قرن، لم يتقنوا حتى لغة البلد (المهجر)، ناهيك عن تآكل لغتهم الأم! لقد ضاعوا في رأيي! أمّا ما يتعلّق بي ، فقد تزوّجت عن حب متبادل وتكافؤ عاطفي واجتماعي وثقافي ضامن للتفاهم والعيش السعيد رغم الظروف القاهرة، لكنما كان المفروض بنا الحدّ من الإنجاب أكثر مما ينبغي والذي أثقل كاهلنا كثيراً..لقد كنت في 1975على مفترق حاسم: إمّا أن أخرج من العراق، أو أبقى وأتزوّج  ملتصقاً كالقراد بمصير بلدي ، وحسناً فعلت بزواجي رغم بقائي على قيد الموت عموماً...وإلاّ لما كنت بهذا الوعي ولا هذا الإنجاز؛ مهما كان متواضعاً...  

* بقى عندي سؤال يتعلّق بمستقبل العراق بعد صدّام؛ فماذا ترى في الآفاق ؟

- ولماذا بعد صدّام واتخاذ اسمه كمانعة صواعق؟ فثمة ألف صدّام وصدّام ينتظرون الولاية! قل: النظام البوستعفلقي....فحسب قراءتي المعمقة لمعطيات الماضي والحاضر والخاصة بالشرطين الذاتي (العراقي) والموضوعي(الخارجي) لاسيما لستراتيجية أمريكا الساعية إلى الإستيلاء على المحاور الجيوبوليتيكة المهمة في العالم والإستحواذ على شتى ثرواتها، لاسيما البترول والغلال وأسواق تصريف الأسلحة ؛ أتوقع تغييراً سياسياً فوقياً في العراق، بأسلوب شبيه بما حدث لأفغانستان، ثمّ تفجّر مستنقع وخيم، وأتمنى أن أكون مخطئاً في إستشرافي هذا الذي طرحته في ربيع 1996 في مبحث (ألايجب دقّ الناقوس...؟!) باســـم (هفال لُرستاني) على صــفحات جريدة ( نداء الشغيلة)

*حسناً ماهي علّة أسمائك المستعارة؟

- أسمائي المستعارة تناهز الأربعين؛ علّتها تعددية وتنوع مساهماتي ، لا التخفي وراءها خشية أو خوفاً من أيّما سلطة أو أحد، ودليلي على ذلك هو خوض أعنف سجالاتي الأدبية والصحافية باسمي الصريح...أجل؛ يعود اتخاذي للأسماء المستعارة إلى النصف الثاني من ستينات القرن الماضي وتكريسها في سبعيناته لنشر أكثر من مساهمة في العدد الواحد من جريدة أو مجلة مثل  (الثقافة) منذ 1973 حتى احتجابها في 1988 وفي الصحف والمجلات الكردستانية بعد انتفاضة 1991مثل: خبات، وطن الشمس، كَرمسير، كَولان العربي، باريش ..حيت احتضنت غالبية أعدادها (مساهمتين- سبع مساهمات) لي!

* هل عندك أيّة إضافة ؟

- أرى من الحكمة ومن أجل خدمة اللغة والثقافة العربيتين وحوار التآخي المنشود بين الشعوب والأمم الإسلامية وغيرها؛ أن تكترث وترعى وتعنى الجهات الرسمية واللارسمية العربية من المحيط إلى الخليج بالمبدعين الناشطين باللغة العربية (من الإثنيات غير العربية) بشتى الطرق والأساليب المتاحة كتعضيدهم في طبع ونشر تآليفهم وترجماتهم، ودعوتهم إلى المهرجانات الثقافية وتخصيص جوائز تقديرية لهم حسب الإستحقاق، وليس  وفق آفات المحاصصات والمحاباة والمحسوبية والمنسوبية المقيتة...يقيناً ان كل ذلك سيعود في نهاية المطاف بالفوائد الجمة على لغة وثقافة أخوالي العرب ؛ إذا ما اختاروا الإنفتاح و نبذوا الشوفينية المدمّرة...  

* شكراً للمبدع الجسور جلال الفيلي ، فعلاً إنك مثقف متفرّد ومنشق! سأسعى مخلصاً لنشرهذا الحوار الفريد المثير وكذلك  قصائدك وترجماتك في المغرب، بل حيثما يتاح لي...   

- شكراً لإستفزازك لي وإستنطاقي ولعنايتك النبيلة، إنّما يظل شرطي الأول والأخير هو نشره بلا أيّ تصرّف.