|

جلال زنكَابادي
zangabady@gawab.com
Jalal
Zangabady
" كلّ متفرّج: جبان
أو خائن"
(فرانز فانون)
بمثابة استهلال:

"...ليتني أستطيع
أن أتحدث بتجرّد عن إنسان قدّم كلّ شيء للغير ولم يأخذ شيئاً...عن
إنسان ضحّى بالكثير ممّا يتمسّك به ويتكالب عليه آخرون؛ من أجل شعبنا
العراقي الكريم، ومن أجل مستقبل وآفاق ثقافة تقدّمية عراقية(.......)
ليتني أستطيع أن أتحدث عن ذلك الإنسان، الذي ظل يدافع بعناد وصلابة عن
خطّ إختطّه لنفسه، في مجالات نشاطه العام، ولم يبال في أيّة فترة من
مراحل حياته الصعبة بما يلاقي من عدم فهم، أو من نكران وجحود. ولم يهتم
كثيراً أن يعي البعض تلك المواقف، أو لايعيها؛ إيماناً منه بأن شمس
الحقيقة تسطع رغم الغيوم، وانه في النهاية لايصح إلاّ الصحيح..."
(1)
لم أجد البتّة أنصف،
أصدق وأبلغ من الفقرة السالفة ؛ لأستهل بها هذا المبحث، والتي إستذكرت
بها المربية الفاضلة د. سعاد محمد خضر رفيق حياتها وكفاحها الفكري
المديد والصديق الصدوق لشعبنا الكردي، فقيدنا الغالي د. صلاح خالص،
صاحب إمتياز مجلة(الثقافة) ورئيس تحريرها.
وهنا لابدّ من الإشارة
إلى أنني استقيت أغلب المعلومات الواردة عن مجلة(الثقافة) ومسيرتها
الظافرة طوال عقدين تقريباً؛ بصفتي قارئاً متتبعاً لها منذ صدورها في
1971، ثم مساهماً فيها منذ أوائل1973 ، ومن ثم محرراً متطوّعاً (بلا
راتب) فيها خلال السنوات(1977-1988) حيث حصلت على عضوية نقابة
الصحافيين العراقيين؛ لعملي فيها (وأُنهِيت عضويتي النقابية فور احتجاب
المجلة *) وهو العمل الصحافي
الوحيد، الذي مارسته منذ انخراطي في عالم الثقافة حتى انتفاضة1991
المجيدة. ولقد حظيت بعشرات اللقاءات والحوارات الحميمية الصميمية مع
الأفاضل: د. صلاح خالص، د. سعاد و نجلهما الموهوب والنبيه سعد (الذي
غدا كاتباً قديراً ناشطاً على صفحات الإنترنيت، والذي هبّ مشكوراً
لتزويدي بسيرتيّ والديه...) بل أصبحت منذ تدشين التواصل معهم بمثابة
ابن عزيز موثوق به لعائلتهم المثقفة الكريمة(**)
ولقد أضطررت؛ لتعددية مساهماتي وتنوعها في بعض الأعداد، إلى
النشر بهذه الأسماء المستعارة: ديوجينوس/ أبو أورفيوس/ أبو وضاح/
(الثقافة) / وحتى بلا إسم/ بالإضافة إلى أسمائي الإعتيادية : جلال حسين
ورده/ جلال ورده/ وجلال زنكَابادي... وأرجو المعذرة لهذه الإشارة، التي
أضطرّني إليها الإلتزام بالأمانة الأدبية والعلمية، وإلاّ فأنا لست ممن
يستسيغون الحديث عن ذواتم بمناسبة وبدون مناسبة؛ فكلّي يقين راسخ من ان
أعمال المرء تظل أقوى وأبلغ وأفصح لسان له؛ مهما تفاقم واستفحل الجحود
ونكران كفاح جندي مجهول مثلي! ويكفيني الشرف أن بضعة أدباء مغاربة
وجزائريين، ومنهم الأديب الكبير الراحل محمد زفزاف قد ذكروا لبعض
الأدباء الكرد(خلال أحد مهرجانات المرابد) بأن مجمل اطلاعهم على الأدب
الكردي يقتصرعلى مجلة(الثقافة) وخصوصاً ترجمات وكتابات جلال ورده ، في
حين نرى هنا وهناك من يطلق نعت(سفير الثقافة الكردية إلى لغة الضاد)
على نفر من كتبة (الفتافيت)!
(1)
لايخفى على الدارس
المتمعّن للمشهد البانورامي الثقافي الكردي المعاصر، أن المنجز الثقافي
في كردستان العراق والعراق عموماً هو الأبرز حجماً ونوعاً وتقدماً،
بالمقارنة مع سائر نظائره في الأجزاء الأخرى لكردستان، ويليه منجز كُرد
الإتحاد السوفياتي(البائد) لاسيما كُرد أرمينيا. وطبعاً يعود سبب هذا
الترتيب بالدرجة الأولى إلى تطوّر جناح الحركة التحررية الكردية في هذا
الجزء من كردستان الكبرى وتقدمه الطليعي على أجنحته الأخرى؛ بحيث أثمر
نضاله المتواصل: حكمدارية الشيخ محمود، وإتفاقية 11/آذار/1970، ثم
حكومة إقليم كردستان الراهنة إثر الإنتفاضة العظمى في ربيع 1991،ناهيكم
عن حجم الإنتلجنسيا( من الأرومة الكردية) المشهود على الساحة الثقافة
العراقية عموماً، أمّا بالدرجة الثانية فيعود السبب عموماً إلى الزخم
الملحوظ لحركة مجمل التيّار الوطنى، الديموقراطي والتقدمي على الساحة
السياسية العراقية، خلال بعض فترات تاريخ العراق الحديث، والذي تتوّج
بثورة 14تموز1958 المغدورة، والتي حرّفت لاحقاً عن أهدافها. ولقد
إفتقرت تركيا وإيران وسوريا إلى هكذا وضع، ففي تركيا مازال (منذ أواسط
عشرينات القرن العشرين) كابوس الأتاتُركية الطورانية جاثماً على صدور
شعوبها بلا محطات إستراحة للتنفس الديموقراطي الحقيقيّ، غير(الصوري
الوقائي) المكرّس لديمومة حكم السلطات العسكريتارية الفاشية.
ولايقتصر المنجز
المقصود طبعاً على ما في اللغة الكردية وإقليم كردستان حصراً، بل
يتعداهما إلى الكرد في عموم العراق وإلى منجزهم باللغتين الكردية
والعربية ذي العلاقة بالقضية والثقافة الكرديتين. ثمة ينسحب حكمنا
السالف أيضاً على تقدم المنجز الثقافي للكرد بالعربية على نظائره للكرد
باللغتين التركية والفارسية، في حين يليه منجز كُرد الإتحاد
السوفياتي(البائد) باللغتين الروسية والأرمنية على وجه الخصوص. وهذا
يعني من بين مايعنيه أن المثقفين الكرد العراقيين هم الأفضل استثماراً
وتكريساً للعربية(لغة الحكّام) في سبيل قضيتهم القومية بكلّ أبعادها
السياسية والثقافية والإجتماعية، بالمقارنة مع أشقائهم في تركيا وإيران
( في ما يتعلّق بمنجزاتهم باللغتين التركية والفارسية) وهنا تجدر
الإشارة إلى المنجز الثقافي الملحوظ (باللغة العربية) للمثقفين الكُرد
السوريين، والذي يجسّد نهوضهم العارم، خلال ثمانينات وتسعينات القرن
العشرين، والذي يُنتَظر منه الكثيرمستقبلاً. لربما يبدو حكمنا هذا
غيرمفهوم أو مجحفاً لدى البعض، بل لدى الكثيرين غير المطلعين بدقة
وشمولية على مشاهد الثقافة الكردية المجزأة؛ وهذا يتطلّب منّا مبحثاً
آخر يستند إلى استقراء الأمثلة والأدلة والقرائن الكافية، أمّا هنا فقد
اكتفينا بالإشارة الإستنتاجية.
وثمة أيضاً نقطة مهمة
جداً تستوجب ألا وهي، ليس هناك مثقفون ترك وإيرانيون(نقصد غير الكُرد)
يبزون نظراءهم من أشقائنا العرب( العراقيين خاصة) في مواقفهم الإيجابية
المحمودة وتناولهم لمواضيع الكرد وكردستان بموضوعية، إلاّ ماندر
كالمفكر التركي الكبير إسماعيل بيشكجي، والروائي الإيراني الكبير محمود
دولت آبادي. ففي العراق لم يعد " الجبل وحده صديق الكرد" حيث إنبرى
أصدقاء غير قليلين من المثقفين والساسة العرب يناصرون القضية الكردية
بأيّ شكل من الأشكال، ولأيّ مقصد من المقاصد، كلّ واحد منهم في مضماره
وحسب قدراته وإجتهاداته، حتى أن بعضهم ألّف أو ترجم كتباً تتعلّق
بالكرد وكردستان، ومنها تآليف قيّمة رفيعة المستوى لأمثال الأساتذة
الكبار: د. شاكر خصباك، عباس العزاوي، صديق الدملوجي، عبدالرزاق
الحسني، عزيز شريف، د. فوزي رشيد وزهير كاظم عبود.......ومنهم من أغدق
أكبر الأفضال على الثقافة الكردية كالمربي الكبير الدكتور صلاح خالص،
الذي كان وراء إرسال كوكبة من الطلبة الكرد العراقيين إلى البلدان
الأوربية (الإتحاد السوفياتي بالأخص) لإستكمال دراساتهم العليا في شتى
الإختصاصات : الأدبية والعلمية والفنية، بعد ثورة 14تموز1958 حين كان
مديراً للمعارف في العراق، ناهيكم عن فتح بوّابة مجلته( الثقافة) على
مصراعيها ، منذ مطلع سبعينات القرن العشرين، للمثقفين الكرد؛ ليصولوا
ويجولوا على صفحاتها، بكلّ ما في جعبهم وأحراراً من قبل ومن بعد.
إن ما أسلفناه يُعَدّ
علامة بارزة من علامات ثقل الشعب الكردي في مجمل مناحي الحياة الثقافية
والسياسية على صعيد العراق كله. ولئن سيكشف مبحثا هذا عن حجم النشاط
الثقافي للمثقفين الكرد في مجلة(الثقافة) فإنه سيصبح دليلاً وشاهداً
على جانب مهم من جوانب كفاح المثقفين الكرد لإيصال صوت الكرد على صفحات
مجلات وجرائد لم يصدرها الكرد أنفسهم، وبغير اللغة الكردية، وهو الذي
لم يوله الباحثون والمختصون الكرد وغيرهم أيّ اهتمام يُذكر للأسف
الشديد، في حين لم يزل جلّ اهتمامهم ينصبّ على الصحف الصادرة من قبل
الكرد أنفسهم باللغة الكردية وغيرها...وهو موضوع يستحق رسالة ماجستير
على أقل تقدير.
(2)
كانت مجلة(الثقافة)
ثقافية عامة، تصدر شهرياً " لاتقتصر على جانب واحد من جوانب المعرفة،
وإنّما تهتم بقضايا الثقافة المعاصرة، التي يعنى بها المثقف عموماً،
وقد قسمت أبوابها إلى ماتراه مهمّاً وحيوياً من هذه الثقافة"
(2)
وكانت ملتزمة بالإتجاهات العلمية التقدّمية في الفكر والمعرفة، كما
انها تميّزت بديموقراطيتها؛ حيث كان مايُنشَر على صفحاتها " يعبّر في
الأساس عن آراء الكتّاب ومواقفهم.."
(3)
إنطلاقاً من إيمان المجلة " بالديموقراطية وحرية الرأي والتعبير"
(4) وهكذا
ضمنت تعددية الأصوات، في ظلّ جناحيها المتجسّدين بالإتجاهين العلمي
والديموقراطي، بل وأفلحت في إستقطاب " كوكبة من الأقلام النظيفة
الشريفة، التي لاتنتظر جزاءً"
(5)
وبذلك قدّمت تجربتها " دروساً بليغة على إمكانية إستقلالية النظرة،
وقهر الرعب والخوف، ومجابهة الواقع بالمبدئية"
(6)
" رافضةً كلّ وصاية فارغة المحتوى ممّن يقدّم نفسه صاحب الحق الوحيد في
إبداء الرأي، والذي يرى ان الجميع على خطأ.."
(7)
ولقد واصلت المجلّة " نضالها ضد الأحادية الفكرية والوصائية على كلّ
مايخصّ الفرد في أكثر خصوصيّاته حميميّة.."
(8)
و " ضد كلّ مصادرة لحرية الإجتهاد وإبداء الرأي؛ في سبيل الوصول إلى
الحقيقة"
(9)
ولأن للكلمة الشريفة،
الصادقة والنبيلة حضورها وتأثيرها الفعّال وسط بيادر النفاق والإبتذال؛
فإن ثمنها باهظ جداً؛ ولذا أصبحت (الثقافة) وغدت وظلت محفوفة بصعوبات
جمّة، وطالما اعترضت العراقيل والعقبات المفتعلة مسيرتها الدائبة، بل
وتعرّضت غير مرّة إلى المساءلة مباشرة من قبل أعلى أزلام السلطات
الإعلامية العفلقية، كلطيف نصيف جاسم وزير الثقافة والإعلام ،الذي
إستقبل الدكتور خالص وأسمعه كلاماً غير لائق بمربّ ومفكر مثله، وهاني
وهيّب السكرتير الخاص للدكتاتور صدّام... وعليه فقد تعرّضت للتعتيم
والتحجيب والإيقاف بصورة غير مباشرة، بحيث توقفت عن الصدور ثلاث سنوات
كاملة(حزيران1984- حزيران1987) طبعاً لأسباب خارجة عن إرادة وطاقة أسرة
تحريرها والكتاب المواظبين على النشر فيها. أجل؛ فقد كفّت وزارة
الإعلام ( المهيمنة على كلّ شيء)عن تجهيزها بالورق اللازم الذي كانت
تزوّد به المطبوعات بسعر مناسب، وقطعت مبلغ الـ (800 دينار) ثمن نشر
إعلانات مطبوعات وزارة الثقافة على صفحاتها الأخيرة، وهو الدعم الوحيد،
الذي كانت تتلقاه المجلة(حسب علمي) وكانت بدورها تحوّله إلى مطابع(دار
الحرية) الحكومية مقابل طباعة المجلة، والتي كفّت أيضاً عن طباعتها،
مثلما كفت ماتسمّى بـ (الدار الوطنية للنشر) عن توزيعها بإيعاز غوبلز
العفلقي، وكان التوزيع يتم بمخطط خبيث لتحقيق غاية السلطة العفلقية،
حيث كانوا يرسلون أكثر من ثلثيها إلى البلدان العربية(وخاصة شمال
افريقيا) والبلدان الشيوعية والإشتراكية؛ لإعطاء صورة ديموقراطية
وانفتاحية عن النظام العفلقي، في حين كان تداول المجلة ممنوعاً في
القوات المسلحة، بل و في المعاهد والكليات، فضلاً عن ان رجال الأمن
كانوا يبلغون أصحاب المكتبات والأكشاك بحجبها وعدم عرضها في الواجهات،
وتزويدهم بأسماء متابعيها! أمّا بث الإشاعات المغرضة ضدها من قبل
الكثيرين من (حشع) ومن الكرد المتعفلقين ، بل من العاملين في أجهزة
النظام البعثي ومؤسساته الثقافية وحتى الإستخبارية والقمعية ؛ فهي من
العجب العجاب، ومنها ان جهاز المخابرات هو الذي يقف وراء إصدار مجلة
(الثقافة)!! وذلك في محاولة لئيمة وخبيثة منهم لتشويه سمعتها في أوساط
الإنتلجنسيا الجامعية والثقافية العراقية والعربية، في حين أراد أصحاب
القرار الثقافي البعثي لها أن تكون بمثابة (مانعة صواعق) وعلامة دعائية
دالّة على ديموقراطيتهم...وهنا يمكن تصوّر حجم المفارقة المخزية؛ حين
سارعت جريدة(طريق الشعب) غير مرة إلى إعادة نشر مقالات الدكتور خالص
الداعية الجسور إلى حرية الفكر والديموقراطية وإصلاح الأوضاع التربوية
والجامعية والإقتصادية، في 1977-1978 أي بعد خفوت شموع سنيّ عسل
(الجبهة الوطنية)! وبالطبع دسّ العفالقة بعض أزلامهم من الكتاب وحتى
الأساتذة الجامعيين (من ذوي الماضي الشيوعي، ومن الألوان المغايرة
للونهم ظاهرياً) ( ومنهم قاص وصحافي هصور بارز في جريدة (الثورة/ لسان
حال البعث) لمايزل يصول ويجول بانتهازيته الحربائية المكشوفة للقاصي
والداني) والباحث القدير الدكتور واثق الدايني؛ بغية إحتوائها وتحريفها
عن مسارها الفكري المبدئي، ولكن هيهات هيهات؛ فقد إحتوتهم المجلة بحيث
تعرضوا للمساءلة من قبل أربابهم إثر فشلهم في تحقيق المهمة المنوطة
بهم! وهنا سأكشف أيضاً النقاب عن إحدى المؤامرات الخبيثة ضد المجلة
ومصير رأسها المدبر( د. ج. ك) والذي كان من أبرز المساهمين فيها!
فبعدما لم يمتثل المفكر الجليل خالص لتنفيذ مقاصد السلطة العفلقية
الغاشمة؛ توقفت المجلة عن الصدور لثلاث سنوات؛ فسعى العفالقة إلى إيجاد
البديل الممتثل؛ فوجدوه في (الدكتور ج. ك) وبضعة من أشباهه، منهم
الشاعر المغمور(د. س/ شيوعي سابق) و الناقد والروائي (س. ب/ درويش
عبدالرحمن الربيعي) ولقد أولمني (الدكتور ج.ك) مرتين؛ لجسّ نبضي
متحججاً بالإطلاع على عدد من قصائدي، التي قيّمها قائلاً(بحضور صديقنا
المشترك الوسيط ع.ح.أ/ المقيم في هولندا):- " حسب إطلاعي الواسع على
الشعر باللغات : العربية، الروسية، الفرنسية والإنكَليزية؛ إنك شاعر
لاتشبه أحداً، ولايشبهك أحد" وبالطبع عرض عليّ موضوع إستئناف إصدار
المجلة من جديد؛ بصفتها منبراً منحته الدولة للمثقفين التقدميين
والديموقراطيين المستقلين، وليس لفلان من الناس حصراً، وعارضاً عليّ أن
أكون سكرتير تحرير لها، لكنني شكرته واعتذرت في الوقت نفسه برويّة عن
المشاركة بحجة مقنعة جداً، ألا وهي كوني جندياً إحتياطاً بالإضافة إلى
سكناي في أربيل. ويبدو أن الدكتور(ج.ك) وصحبه الموالين كانوا قد وعدوا
أيضاً بتأسيس (حشع كارتوني) خادم لتكتيكات البعث وستراتيجياته، ولمّا
فشلوا كـ (مقاولين) في في تنفيذ المهمة ؛ تعرض قائدهم (ج.ك) فترة سنتين
أو أكثر للسجن، الذي أثر في وضعه النفسي تأثيراً مدمراًً، وفي كتاباته
التي راح يحشوها بالشعارات والطروحات العفلقية بمناسبة وبدون مناسبة،
بل ولم يتوان عن تدبيج التقارير المؤذية(كما حصل للمترجمة والكاتبة
الكبيرة المغدورة د. حياة شرارة، ولوالدها ) وان ما تعرض له
الدكتور(ج.ك) يجلو ديدن البعث مع عملائه الراسبين في امتحان
العمالة!
و " هكذا توقفت المجلة
عن الصدور، وخسرت الصحافة في العراق والأدب والثقافة الأصيلة منبراً
حرّاً رفيعاً نزيهاً بعيداً عن الإسفاف والتهريج، ودون أن تسير في خط
لايليق بنهجها" كما يقول الأستاذ مثري العاني
(10)
وهنا لابدّ من وقفة
تجلو تفاصيل وملابسات إصدار هذه المجلة في مطلع سبعينات القرن العشرين،
حتى احتجابها أو حجبها النهائي في1988 ، وهي بالتأكيد خافية على غيري
وغير أمثالي القلائل، القريبين جداً من المربي الكبير خالص والمفكرة
الفاضلة د. سعاد، حيث اطلعت على الحقائق التي طالما حاول وسعى البعض
إلى تشويهها. وهاهي خلاصة قصتها بكل أمانة :
كان الدكتور صلاح
خالص، بعد نيله شهادة الدكتوراه من باريس، وعودته إلى العراق، واشتغاله
بالتدريس الجامعي، وانخرط مع أبرز المثقفين المتحمسين أمثال:
مهدي
الرحيم، صفاء
الحافظ، إبراهيم
كبة، فيصل
السامر، عبد الملك نوري ومحمود صبري..؛
لإصدار مجلة (الثقافة
الجديدة) في 1953، والتي تكرّست بصورة غير مباشرة لخدمة(حشع) وقد صدر
منها 3أعداد إبان العهد الملكي، وعددها الرابع بعد قيام ثورة14تموز
1958 وحينذاك أيضاً عيّن الدكتور خالص مديراً عاماً للمعارف في وزارة
المعارف، ولكنه بعد انحراف قادة الثورة واستفحال الهجمة الرجعية الشرسة
أُقيل في 1962 من منصبه، وعيّن ملحقاً ثقافياً في الإتحاد السوفياتي؛
فشد الرحال مع عقيلته الدكتورة سعاد إلى هناك، ولكن انقلاب 8شباط
الأسود في1963حال دون استمراره في وظيفته؛ فبقيا هناك يمارسان التدريس
الجامعي، حتى عودتهما إلى العراق في أواخر1968 أو أوائل 1969 لممارسة
التدريس ومواصلة إصدار مجلة (الثقافة الجديدة) حين أخذ العفالقة بعد
انقلابهم الثاني في 17تموز1968 يستبدلون تكتيكاتهم لتحقيق ستراتيجيتهم
الشوفينية- الفاشية البميّتة،بطرق وأساليب ماكيفلية، إستمرأتها فصائل
القوى الوطنية التقدمية؛ لنيل مكاسب آنية تافهة، مخدوعة بالعفالقة
الذين كانوا يتقنّعون بشتى الأقنعة يغازلون (حشع/ جناح اللجنة
المركزية، الموالي للسوفيات) ويضربون(حشع/ جناح القيادة المركزية/
الكفاح المسلح)، يقرّبون (جناح مام جلال الطالباني) ويضربون (حناح
البارزاني) ثم يبرمون إتفاقية مع الجناح الأخير، ثم ينقلبون عليه بعد
ابرام صفقة(الجبهة الوطنية) وخاصة مع(حشع/ ذي التبعية السوفياتية)
ووووو....ينقلبون على حشع بعد تقوية شوكتهم ؛ إثر انتكاسة الحركة
الكردية المسلحة في آذار1975 ؛ بفعل إتفاقية الجزائر المشؤومة،
المباركة من قبل تحالف القوى الإمبريالية وغير الإمبريالية، كالإتحاد
السوفياتي المشيد بخرافة (التطوّر اللارأسمالي!) في العراق وغيره.
لنعد إلى قصة
ميلاد(الثقافة) بعد ترك صاحبها لمجلة (الثقافة الجديدة) العائدة إلى
الصدور في1969 وبعد سنة دبّ الخلاف بين الدكتور خالص والدكتورة سعاد،
اللذين كانا يبتغيان تعريق الماركسية والشيوعية ومراعاة الخصوصيات
العراقية، أسوة بالشيوعية الأوربية(الفرنسية والإسبانية والإيطالية..)
وبين أغلب قادة حشع المتزمتين الذيليين للسوفيات، ممن كانوا يريدون
لمجلة (الثقافة الجديدة) أن تكون نسخة كاربونية طبق الأصل لمجلتي
(قضايا السلم والإشتراكية) و(الوقت) لاجمين أفواه المجتهدين...ولرجحان
كفة الستالينيين المتصخرجين؛ أضطر الدكتور خالص وعقيلته الدكتورة إلى
الإنسحاب من حومة الصراع اللامتكافيء....ولئن كان صدّام الشاب الظاميء
إلى أعلى عليين السلطة بأيّ ثمن حسب " الغاية تبرر الوسيلة" و " فرّقْ؛
تسُدْ" فقد سارع إلى التقرّب من الدكتور خالص وراح يجامله أقصى مجاملة،
بل زاره في منزله مغدقاً وعوده المعسولة؛ طمعاً في تكريس صيته الحسن
ونشاطه الثقافي المشهود لمراميه الستراتيجية المبيّتة، ومنها فبركة
(حشع كارتوني) بديلاً لحشع الحليف للبعث( في الوقت المناسب) على غرار
(الأحزاب الكردية الكارتونية: الحزب الثوري...والحزب الديموقراطي..)
وهو الأمر الذي رفضه الدكتور رفضاً قاطعاً، مكتفياً بإصدار
مجلة(الثقافة) بشرط ستراتيجي(وافق عليه صدّام تكتيكياً) ألا وهو عدم
خضوع المجلة لأية رقابة...وعليه ورد ذكر مجلة (الثقافة) في (التقرير
السياسي) لحزب البعث عام 1974 كمنبر ممنوح للديموقراطيين
المستقلين....وهكذا فقد " أريد لمجلة (الثقافة) أن تكون خطاً مغايراً
لخط مجلة(الثقافة الجديدة)"
(11)
أي ان السماح بإصدار
(الثقافة) " كان محاولة من سلطة البعث لدق إسفين بينها وبين
مجلة(الثقافة الجديدة) إلاّ أن ذلك لم يحصل؛ فقد إلتزمت مجلة(الثقافة)
خطّاً وطنياً تقدمياً لايتلاءم مع ما خطط لها الآخرون؛ لذا بدأت المجلة
تتعرض لمحاولات الإحتواء، ووضع العراقيل في طريقها؛ لحرفها عن الخط
الذي إختطته، خاصة بعد توقف مجلة (الثقافة الجديدة) عن الصدور"
(12)
برغم ما أسلفناه؛
ظلت مجلة(الثقافة) " نبراساً للفكر العلمي التقدمي، الذي إختارته
شعاراً وهدفاً لها"
(13)
خصوصاً في أواخر سبعينات القرن العشرين وثمانيناته، حينما خلت الساحة
الصحافية من نظيراتها. ولم تتوان عن تأدية رسالتها الأدبية- الفكرية
بكل أمانة ، وطالما كانت تنتقد بجرأة نادرة الأجهزة والمؤسسات الثقافية
والتربوية والإقتصادية، والظواهر السلبية على الصّعد كافة؛ فلاعجب إن
طغى عليها التعتيم حتى في الصحف، التي كانت تتحاشى نشر أخبار صدور
أعدادها، ناهيكم عن تقديم عروض أو قراءات لأعدادها، بالإضافة إلى سحب
بعض أعدادها من المكتبات بعد توزيعها، وشحنها إلى معمل الورق في
البصرة! وكانت كما أسلفنا محظورة التداول في أوساط القوات المسلحة،
وشبه محظورة في الأوساط الأخرى التربوية والثقافية..وكذلك محاولات
احتوائها والإلتفاف عليها لإصدارها من قبل أسرة تحريرأخرى(إنتهازية
عميلة للسلطة العفلقية) وهي المحاولة التي باءت بالفشل وهي قيد
التخطيط. أجل؛ ظلت (الثقافة) محافظة على استقلاليتها، و " استطاعت
بمساعدة كتابها وقرائها المؤمنين برسالتها؛ أن تذلل العقبات التي
اعترضت سبيلها، وأن تشق طريقها وتحقق تقدماً ملحوظاً ، في كل عدد من
أعدادها، نحو الهدف، الذي وضعته نصب عينها، ألا وهو خدمة الفكر العلمي
والثقافة التقدمية، والإلتصاق أكثر فأكثر بمشاكل العصر ومعالجتها بشكل
علمي موضوعي.."
(14)
حتى غدا في مقدورها أن ترفد فعلاً " الثقافة العلمية الحقيقية، التي
لاتزيّف الواقع، ولاتغيّر الحقيقة، ولاتجعل من الفكر مجرد وسيلة
للإستغلال والإبتزاز.."
(15)
إذنْ؛ كان لابدّ
لمجلة(الثقافة) من أن تكافح كفاحاً مريراً؛ في سبيل برهنة مصداقية
رسالتها الفكرية، وهي مدركة بعمق " ان الوصول إلى الحقيقة العلمية؛
لابدّ أن يمر عبر حرية الفكر والتعبير"
(16)
فليس صدفة أو اعتباطاً؛ إذ اجتمعت على صفحاتها أقلام خيرة الكتاب
والمترجمين التقدميين- الديموقراطيين من العراقيين عرباً وكرداً
وآشوريين وكلداناً...بل من الأشقاء العرب المصريين والجزائريين...بصورة
نادرة المثيل؛ ممّا منحها هذا الإحتشاد مكانة مرموقة ومتميزة في أوساط
قرائها العراقيين وغيرهم ، في شتى الأوساط : الأكاديمية، الإنتلجنسية
والشعبية.
ولإستكمال
صورة(الثقافة) وتوضيح هويتها الصحافية؛ سندرج مواصفاتها أدناه:
مجلة ثقافية عامة، مقرها
بغداد، حيث تطبع فيها. صاحب امتيازها ورئيس تحريرها: د.صلاح خالص.
سكرتيرة تحريرها: د.سعاد محمد خضر، وقد تسنمت رئاسة التحرير بعد وفاة
الأستاذ خالص، وصدرت في عهدها تسعة أعداد. كانت المجلة تصدر شهرياً
بصورة منتظمة في بداية كل شهر، حيث كان عددها الأول في كل سنة يصدر في
شهر كانون الثاني، وغالباً ما يصدر في كل تشرين الثاني عدد مزدوج حامل
لرقم(11-12) أمّا شهر كانون الأول من كل سنة فكان بمثابة عطلتها
السنوية. ولم يقتصر الإزدواج العددي على شهر تشرين الثاني من كل سنة،
وإنما تعداه أحياناً إلى أعدادها الأخرى؛ لأسباب ذاتية وموضوعية. ولم
يكن عدد صفحاتها ثابتاً، بل متفاوتاً يتراوح بين(140-256صفحة) من
(القطع المتوسط: 14×21سم تقريباً) وكان عدد نسخها المطبوعة يتراوح
بين(5000- 6000 نسخة). كان تصميم غلافها الأول ثابتاً على مدار كل سنة،
ولكل شهر لونه الخاص: الأحمر للعد الأول، الأصفر للثاني، الأخضر
للثالث....والرصاصي للعدد الأخير، لكن هذه الوتيرة لم تكن ثابتة
دائماً. أمّا غلافها الأخير فكان يحمل في أكثر الأحيان لوحة فنية أو
تخطيطاً لفنان عراقي، بالإضافة إلى إسم المجلة باللغة الفرنسية، ورقم
عددها وتاريخ صدورها بالشهر والسنة. بدأ ثمنها بـ (100فلس) ثم زيد إلى
(150فلساً) ثم إلى (250 فلساً) ومن ثم إلى(750فلساً) ولقد صدر أول عدد
لها في شهر كانون الثاني سنة1971 وآخر عدد لها في شباط 1988وتخللت
سنوات صدورها فترة التوقف التي دامت ثلاث سنوات كما ذكرنا سالفاً؛
وبذلك يكون المجموع المجازي لأعدادها الصادرة (180عدداً) وعليه تعد
(حسب اطلاعي) أطول المجلات الأهلية(غير الحكومية) عمراً في العراق خلال
النصف الثاني من القرن العشرين، وأكبرها في مجموع صفحات أعدادها،
وأكثرها تنويعاً ثقافياً(14)
وهنا علينا أن نأخذ
في الحسبان بأن المجلّة قد توقفت عن الصدور ثلاث سنوات بالتمام
(حزيران1984- حزيران1987) ولم يصدر منها غير(5 أعداد) في 1984
و(7أعداد) في 1987 و (عددين) في 1988 واحتوى عددها الصادر في ايار1983
(السنة الثالثة عشر) ستة أعداد ضمنياً(6-12)
(3)
جليّ ان اهتمام
مجلة(الثقافة) - بصفتها منبراً مستقلاً، ديموقراطيا وتقدمياً- بالكرد
شعباً و قضيةً وثقافةً، نبع أصلاً من موقفها المبدئي، الملتزم بقضية
حقوق الإنسان والديموقراطية المترابطة جدلياً مع القضية القومية. ومن
هذا المنطلق كانت تنفرد بين سواها من الصحف العربية- العراقية بتهنئة
شعبنا الكردي بمناسبة أعياد نوروز وذكرى اتفاقية آذار 1970كل عام، وفي
مايلي مقتطف من إحدى تلك التهاني:
" تنتهز(الثقافة) فرص
قدوم المناسبات السعيدة في شهر آذار، شهر المحبة والإخاء والسلام؛
لتقدم لشعبنا الكردي أعمق التهاني وأطيب التمنيات، راجية له المزيد من
التقدم والإزدهار وتحقيق مطامحه القومية، في إطار عراق ديموقراطي متقدم
مزدهر، ووحدة صلبة متينة مع الشعب العربي في العراق وجميع الأقليات
القومية..إن مجلة (الثقافة) تكرر بهذه المناسبة تصميمها وعهدها بأن
تكون أداةً لتعميق الأخوّة العربية الكردية..."
(17)
وهنا لايهمنا الخطاب
السياسي الوارد في افتتاحيات المجلة، التي شبهها الفقيد العظيم د. خالص
نفسه ذات مناقشة بيننا، في فترة (الجبهة الوطنية)؛ بخصوص مديحه الطفيف
للحكومة، شبهها بحدوة الحصان التي تعلق على الأبواب درءً لخطر العيون
الحاسدة، بل وقال مفحماً إيّاي : " دعك من الإفتتاحيات التي لاتتجاوز
الواحدة منها ثلاث صفحات؛ فهي باسمي وعلى مسؤوليتي، وهي بمثابة صمام
أمان وتمرير ويقع وزرها عليّ ، أمّا أنتم الشباب إذا فيكم خير؛ هاتوا
مافي جعبكم ، وصولوا وجولوا على ماتبقى من صفحات أعداد المجلة "
حقاً لاتعدو الكتابة
السياسية غالباً أكثر من معالجات آنية تكتيكية ؛ مقارنة بالطروحات
الثقافية ذات البمدى الستراتيجي، وهو ماتحقق في احتضان (الثقافة)
لثقافتنا الكردية كمّاً وكيفاً، لايدانيه أيّما احتضان لمجلة عربية
أخرى، حتى (الثقافة الجديدة) لحشع طوال تاريخها، بل ولايضاهيه في
المستوى المرموق حتى الأقسام العربية الملحقة بالمجلات والجرائد
الكردية، خلال تلك الفترة؛ فقد استطاعت(الثقافة) تغطية أكبر مساحة
ممكنة من مشهد الحياة الثقافية الكردية: المشكلات، الندوات، المناقشات،
المؤتمرات، الحوارات، اللقاءات، المهرجانات الأدبية والفنية، المعارض
الفنية، العروض المسرحية، الإصدارات الجديدة، المقالات والدراسات
النقدية،بالإضافة إلى ترجمات النصوص: الشعرية، القصصية والمقالية
والبحثية، بل ثمة مذكرات رفعها اتحاد الأدباء الكُرد لم تستطع الوصول
إلى مرأى ومسمع الرأي العام؛ لولا صفحات(الثقافة) مثلما حصل في أوائل
سبعينات القرن العشرين وأوائل ثمانيناته(18)
وتكمن الأهمية الكبرى
للمساهمة الكردية في مجلة(الثقافة):
1-
لأن المجلة لم تخضع للرقابة المباشرة، بموافقة الحكومة، وهو
الشرط العظيم، الذي إشترطه الدكتور خالص على صدام (دكتاتور المستقبل)
منذ البداية، بل حسب حزب البعث ونظامه المجلة من العطايا الديموقراطية،
لتكون لسان حال المستقلين الوطنيين من الديموقراطيين والتقدميين، ثم ان
الدكتور خالص لم يلزم أحداً باتباع طروحاته المتناثرة في مقالاته
الإفتتاحية. ولقد توافرت الحرية للمثقفين الجريئين لنشر ماتحسبه الصحف
الأخرى محظوراً، أو شبه محظور، ثمة عشرات الشواهد والقرائن، لعل
أسطعها: مذكرتا إتحاد الأدباء الكرد، مقالة للأستاذ عبدالمجيد لطفي،
فصول كتاب (كردستان في عهد السلام/ للدكتور احمد عثمان ابي بكر)، قصائد
وقصص لأدباء كرد مغادرين العراق أو ملتحقين بالكفاح المسلح، وعشرات
المقالات والدراسات الناقدة والمنتقدة للأوضاع الثقافية والإجتماعية من
نقد الجامعات حتى المسلسلات التلفزيونية مروراً بالظواهر السلبية كافة،
وكذلك العديد من مقالات ودراسات وترجمات وقصائد كاتب هذه السطور(ج.
زنكَابادي) ومنها مقالة( طوبى لمن؟!) المنشورة في خاتمة هذا المبحث.
2-
لكون خط
(الثقافة)الفكري مغايراً لخط النظام الحاكم وأذياله؛ فقد حظيت المجلة
بحضور جيد، وكانت مقروءة في الوسط الجامعي ووسط النخبة الأدبية
والفنية، فضلاً عن وصولها إلى غالبية مدن العراق وقصباته، بما فيها من
مكتبات وأكشاك بيع الصحف ومكتباتها العامة....وكذلك إلى نخبة من قراء
ومثقفي مصر وبلدان الشمال الإقريقي، والعديد من المستشرقين السوفيات
والفرنسيين والطليان والإسبان...وقد افتقرت غالبية الصحف العراقية
الأخرى إلى هذه الميزة.
3-
كانت
(الثقافة) من المجلات القليلة المعترف بها في الجامعات العراقية؛
والتعويل عليها في الترقيات العلمية الأكاديمية.
حصاد الثقافة الكردية
في(الثقافة)
والآن حان تقديم
تفاصيل حصيلة جردي التمشيطي لأعداد المجلة كافة من أولها حتى آخرها
خلال (كانون الثاني1971- شباط1987) على الوجه الآتي:
الشعر:
قيّض لأكثر من (60
شاعراً) كردياً، قديماً وحديثاً، كلا التعريف بهم والترجمة لهم، أو
التعريف بلاترجمة، أو الترجمة بلاتعريف، ومنهم:
الملا الجزيري/ علي
الحريري/ فقي طيران/ عبدالرحيم مولوي/ نالي/ حاجي قادر كويي/ مهري/
قانع/ دلدار/ كامران موكري/ محمد صالح ديلان/ علي فتاح دزيي/ حسيب
قرداغي/ عزيز سليم/ ع.ح.ب/ احسان فؤاد/ شيركو بيكَس/ محمد حمه باقي/
انور قادر الجاف/ فرهاد (انور)شاكلي / لطيف هلمت/ احمد تاقانه/ عبدالله
بشيو/ محمد البدري/ صلاح شوان/ سامي شورش/ مدحت بيخو/ جلال البرزنجي/
مارف كَول/ نوزاد رفعت/ عبدالرحمن مزوري/ حسن سليفاني/ خليل دهوكي/
محسن قوجان/ احمد قرني/ تيلي امين/ بهجت هروري/ بدل رفو المزوري/ جوهر
كرمانج/ هاشم سراج/ دلشاد مريواني/ محمد امين بنجويني/ دلشاد عبدالله/
كريم دشتي/ عباس عبدالله يوسف/ محمد باوه كر/ نجيب بالايي/ سعدالله
بروش/ انور مصيفي، عالية عبدالكريم وجلال ورده زنكَابادي. ولقد بلغ عدد
القصائد والقطع الشعرية(199 قصيدة وقطعة) ترجم (ج. ورده زنكَابادي)
أكثر من(70) منها، وكان بعض الشعراء منهم ملتحقاً بالحركة التحررية
المسلحة، أو خارج العراق! ويتجلى من قائمة أسماء الشعراء مدى الإحاطة
بالمشهد الشعري الكردي( العراقي خاصة) والديموقراطية السائدة في
التعددية الجيلية والمشارب السياسية والفكرية والمذاهب الأدبية..
وهنا تجدر الإشارة
إلى ملف ( هذه بعض الأصوات وهذا بعض رنينها) الذي أعده ترجم قصائده:
آزاد مولود، والذي راجعه ونقحه(ج. زنكَابادي) وكان وراء نشره(دون أن
يذكر اسمه) والمنشور على الصفحات (210-238) في العدد السادس (ت2سنة
1987) والذي ضم اصوات النخبة الطليعية من الشعراء الشباب آنذاك، فلولا
مجلة(الثقافة)؛ لما رأى النور في تلك الفترة الحالكة من تاريخ كردستان
العراق، وقد برز أولئك الشعراء لاحقاً، متصدرين المشهد الشعري، بعد
إنتفاضة آذار1991 ومازالوا...
ولو قيّض جمع وتحرير
هذه القصائد والقطع لإصدارها في كتاب بعنوان(ديوان الشعر الكردي / في
الثقافة)؛ لكان أكبر وأفضل بانوراما(في 500صفحة من القطع المتوسط، على
الأقل) للشعر الكردي خلال عقديّ السبعينات والثمانينات من القرن
العشرين،ناهيكم عن القدامى، لاتنقصها سوى بضع قصائد لبضعة شعراء آخرين
مهمين.
القصة القصيرة:
نشرت(الثقافة) (25 قصة
قصيرة) لخمسة عشر كاتباً، من شتى الأجيال والمذاهب الأدبية، وقد ترجم
منها (ج.ز) (12 قصة) ويمكن جمع وتحرير واصدارها في كتاب كبير:
د.معروف خزندار/ حسين
عارف/ محرم محمد امين/ د. كاوس قفطان/ محمد موكري/ رؤوف بيكَرد/ احمد
محمد اسماعيل/ احلام منصور/ سلام منمي/ مصطفى زنكَنه/ صدرالدين عارف و
عبدالله طاهر البرزنجي....
وهنا تجدر الإشارة إلى
نشر ترجمتي لقصة( الأرجوحة) للكاتب القدير محمد موكري، قبل نشرمتنها
بالكردية؛ والذي أضطر القائمون على مجلة (بيان) أو (روشنبيريي نوي)
نشرها بعدما أسقط في أيديهم؛ إثر نشرها بالعربية!
المقالات والدراسات:
بلغ عدد المقالات
والدراسات المؤلفة والمترجمة، والمتابعات(التقارير الخبرية) المنشورة
على صفحات(الثقافة) (132....) وأبرز المساهمين في هذا المجال هم:
د. احمد عثمان ابو
بكر:
(31حلقة) من كتابه الوثائقي المهم (كُردستان في عهد السلام، بعد الحرب
العظى الأولى) والذي رفضت المجلات الأخرى نشره، بالإضافة إلى العديد من
المقالات والدراسات...
جلال وردة زنكَابادي:
(13) مقالة ودراسة مترجمة ومؤلفة، في شؤون الثقافة الكردية،بالإضافة
إلى العشرات من المقالات والترجمات في شؤون الثقافية العالمية.
الأستاذ زبير بلال
اسماعيل:
(10) مقالات ودراسات.
الكاتب عبدالغني علي
يحيى: (32)
تقريراً (رسالة كردستان الثقافية) مع بضع ترجمات لنصوص شعرية وقصصية.
وهنا تجدر الإشارة إلى
أسماء آخرين رفدوا المجلة بمساهماتهم رغم قلة عددها: د. كمال مظهر
احمد/ دز معروف خزندار/ د. عبدالستار شريف/ د. فؤاد حمه خورشيد/ د.نافع
عقراوي/ شكور مصطفى/عبدالله قادر كَوران/عبدالرقيب يوسف/ عبدالمجيد
لطفي/ اسماعيل رسول/ محمد الملا كريم/ نورالدين محمد سعيد/ فاضل كريم
احمد/ ابراهيم باجلان/ آزاد مولود/ عادل كَرمياني/فيصل دباغ/ رمزي
الحاج عقراوي / د. عبدالله حداد/ كمال غمبار/ محمود زامدار/ وعبدالله
قرداغي....
اللقاءات
والحوارات:
نشرت (الثقافة) الكثير
من اللقاءات والحوارات مع أبرز الوجوه الأدبية والفنية الكردية، ومنهم:
د. معروف خزندار/ احمد
سالار/ حسيب قرداغي/ كريم شارزا/ طلعت سامان/ عبدالرقيب يوسف/ محمد
صالح ديلان/ عزيز كَردي/ بيربال محمود/ محمد توفيق وردي/ عبدالعزيز
خانقاه/ خورشيدة بابان، مصطفى صالح كريم و كَزيزة...
اللوحات والتخطيطات:
نشرت (الثقافة) على
الأغلفة الأخيرة لبضعة أعداد بضع لوحات وتخطيطات للفنانين الكرد: محمد
عارف/ عزيز سليم/ دارا محمد علي/ و اسماعيل خياط...وآخرين، والتي زوّد
كاتب هذه السطور، المجلة بها.
مساهمات الكتاب العرب
وغيرهم في الشأن الكردي:
ساهم بعض الكتاب العرب
والآشوريين في تناول الشأن الكردي الثقافي خاصة وفي مقدمتهم المغفور له
الدكتور صلاح خالص في العديد من الإفتتاحيات، والأساتذة : علي منهل،
جليل كمال الدين، ابو دعد، ناظم متي ، ناصر يوسف وسعدي المالح.
مساهمات الكرد في
شؤون الثقافة العربية والعالمية:
ساهم الأدباء
والباحثون والمترجمون(من الأرومة الكردية) ممن يكتبون بالعربية
ويترجمون إليها عن اللغات الأخرى، ساهموا أكبر مساهمة (خارج إطار الشأن
الكردي) في رفد المجلة بالكثير من: النصوص الشعرية والقصصية والمسرحية
والمقالات والدراسات ذات المستوى الرفيع، ومنهم: د. حسين قاسم
العزيز(الفيلي)/ د. احمد عثمان أبو بكر/ نورالدين محمد سعيد(الراحل
المأسوف على شبابه)/ الشاعر عبدالستار نور علي(الفيلي)/ عبدالمجيد
لطفي/ جودت بلال اسماعيل/ يوسف الحيدري/ ابراهيم باجلان/ هيرو كَوران/
ابراهيم سعيد الجاف/ فائز محسن/ عبد الرزاق الخالدي(الكلهري)/ جلال
جميل الخالدي(الكلهري)/ ريدار انور محمود/ محمد احمد العلي(المندلاوي)/
عبدالرحمن عبدالقادر/ محيي الدين زنكَنه/ ومدوّن هذه
السطور(ج.زنكَابادي) ولقد ناهزمجموع صفحات مساهماتهم أكثر من ألف صفحة.
لقد برهنت (الثقافة)
بإحتضانها الحميم لشتى جوانب الثقافة الكردية، وبهذا الحجم والنوعية؛
ان ثمة تفهماً جيداً محموداً للقضية الكردية من قبل شخصيات ثقافية
وطنية كبيرة، لها وزنها وصيتها المشهودان داخل العراق وخارجه؛ ممّا
يُعد مكسباً كبيراً وخطوة جريئة وواسعة على درب الحوار الثقافي وتدشين
التآخي المنشود، محطمة لقماقم غيتوات الشكوك والظنون المتبادلة!
ورغم ان المساهمة
الكردية في (الثقافة) لم تبلغ مستوى الطموح المرجو؛ لكنها كانت ومازالت
هي المتميزة عددياً ونوعياً وسط نظيراتها في سائر الصحف
العربية(العراقية) منذ ولادة الصحافة في العراق حتى الآن، بل وتعد من
أسطع الأدلة على ثقل الكرد وحضورهم في شتى محاور الحياة الثقافية في
العراق. ولعلها تعد أيضاً من أهم المصادر والمراجع للباحثين العرب وحتى
الكرد أنفسهم لدراسة جوانب مهمة من حركة الثقافة الكردية المعاصرة،
خلال أحرج الحقب!
أمّا لماذا لم تبلغ
المساهمة الكردية مستوى الطموح؛ فلغياب التنسيق نهائياً حتى بين
المثقفين الكرد المساهمين فيها، فلم يتم استغلال تلك الفسحة الكبيرة
الحرة المتاحة بصورة مبرمجة، حيث ظل نشرهم فيها إنفرادياً، متذبذباً،
متفاوتاً ومتبايناً في عدد المساهمات ومستواها النوعي، ثم إن القاريء
اللبيب الحصيف سيدرك حتماً علل وأسباب قصور المثقفين الكرد، بل حتى
قصور زملائهم العراقيين الآخرين في استغلال منبر(الثقافة)، وذلك عبر
مجمل مبحثنا، والتي شخصناها بذيلية بعض المثقفين الكرد للحزب (القائد!)
وجبن بعضهم الآخر، و بالنسبة لبعض آخر إنعدام الرواتب والمكافآت
والأضواء المنشودة ، المبذولة ببذخ في صحافة الدولة والحزب؛ مادام حتى
حاملو الهوية الصحافية للعاملين في (الثقافة)، وأنا منهم، لم يحظوا بأي
مكسب يُذكر من النقابة، بل حتى لم يشملهم تخفيض أثمان مطبوعات وزارة
الثقافة والإعلام بنسبة 50% حسب التقليد المتبع في مكتبات(الدار
الوطنية) المتناثرة في بغداد ومراكز المحافظات! وأعتقد بأن الكاتب
الوحيد الذي إستفاد استفادة هائلة من تلك الهوية الصحفية(الخلّبيّة) هو
الزميل شاكر نوري، الذي ساعدته،الهوية التي دبّرت الحصول عليها
وأرسلتها إليه بالبريد المسجّل، في أواخر 1977 أو أوائل 1978 ساعدته في
الحصول على إقامة عمل في باريس، ريثما حصل على إقامة دراسة، حتى نيله
شهادة الدكتوراه! أمّا أنا فقد سبب لي لونها الأحمر غير مرة وجع رأس في
(سيطرات الإنضباطية)! لكوني عضوا ًمشاركا، حيث كان لون هوية العضو
العامل المتفرغ للصحافة أخضر، ولمّا علم زميلي الشاعر اللطيف المعشر
صلاح شوان بمحنتي (حين كنت مساقاً لخدمة الإحتياط وبأمس الحاجة إلى
هوية مجدية أعبر بها السيطرات) قال:
-
أعطني فقط صورتين؛ سأدبّر لك هوية تجديك حتى لو كنت هارباً!
-
أخشى أن
تدبر لي هوية(جحش)!
(أي هوية الأفواج
الخفيفة التي إنخرط فيها مئات الألوف من الفارين الكرد وغيرهم، بينهم
الكثير من المثقفين، وكانت تسمي بأفواج الدفاع الوطني!)
-
لا
ياعزيزي ، سأدبّر لك هوية جحشية أخرى أفضل، خلال يومين أو ثلاثة.
( وإذا به يجلب لي
مشكوراً هوية إتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، والتي كانت مجدية فعلاً
في اجتياز السيطرات...علماً بأني لم أحبّذ البتة الإنتساب لذلك
الإتحاد، ولا لنقابة الصـحفيين إلاّ اضطراراً وعلى مضض...حيث أجبرتني
السيطرات اللعينة على حمل تينك الهويتين ، بل ولاحقتني مفارقة منغصة
بفعل هوية الإتحاد؛ إذ طالما أدرجوا اسمي في قائمة أعضاء الإتحاد،
طبعاً مع أغلب الأدباء العراقيين المدعويين (دعوة خلّبيّة بمعنى
العبارة) إلى مهرجانات المرابد ، و " الذي يدري؛ يدري. والذي لايدري؛
قبضة عدس" !
لقد كانت (الثقافة)
بإلتزامها المبدئي برسالتها التقدمية الديموقراطية، وجديتها المشهودة
رئة سليمة وقوية نادرة لتنفس الثقافة الكردية الحقيقية؛ فلاغرو إن صارت
مصدراً ومرجعاً وسجلاً حافلاً لحركتنا الثقافية إبان سبعينات وثمانينات
القرن العشرين، مهما غدرها التعتيم والتجاهل ، بل بات مصيرها مصير كل
جندي مجهول جريء مستبسل ومستميت، يطوي الطمس والجحود والنكران دوره
وذكره وذكراه!
أجل؛ إن مسيرة
(الثقافة) الظافرة ونهايتها المؤسية ستظلان من أهم الدروس والعبر
المأثورة، لا في تاريخ الصحافة والثقافة العراقيتين فحسب، بل وفي
حياتنا الثقافية الكردية؛ حيث هدمت المجلة أسوار الغيتو الثقافي بجرأة
، مدشنة الحوار الثقافي بكل مافي وسعها بين إنتلجنسيا القوميتين
الرئيستين في العراق، و ساعية بكل حرص وصميمية إلى تعزيز وترسيخ أواصر
ومداميك التآخي بين إثنيات وأطياف العراق كافة.
عراقيل ومعوّقات :
لإفتقار مجلة(الثقافة)
إلى التمويل المناسب والدعم الكافي؛ لم يكن في مقدورها صرف الرواتب
والمكافآت لمحرريها والمساهمين فيها(إلاّ ماندر) وللسبب نفسه؛ كان
إخراجها الفني متواضعاً جداً، حيث لم يكن في المقدور نشر الصور
والخرائط والرسومات التوضيحية فيها إلاّ ماندر. وكانت الأخطاء المطبعية
تشوب صفحاتها بصورة ملحوظة؛ حيث لم يعمل فيها مصححون ومدققون لغويون،
بالمفهوم المتعارف عليه في العمل الصحافي، علماً بأن المغفور له
الدكتور خالص والدكتورة سعاد وأولادهما والقلائل من المتطوعين(أحياناً)
يقومون بالعمل الروتيني المجهد آنذاك.
يمكننا القول الجازم
: لم ولن توجد لحد الآن مجلة أخرى صادرة من قبل العرب العراقيين
وغيرهم، قد أسدت مثل هذه الخدمة الكبيرة التي أسدتها مجلة(الثقافة)
للثقافة الكردية المحاصرة، في أحلك الفترات( ثمانينات القرن العشرين
بالأخص) حيث أتاحت الفرصة لإطلاع قراء ومثقفين حتى في مصر والشمال
الافريقي والعديد من المستشرقين الفرنسيين والروس وغيرهم، على مشهد
الثقافةالكردية عبر قرابة ألفي(2000 صفحة) : 199قصيدة وقطعة شعرية،
25قصة قصيرة، أكثر من 150 مقالة ودراسة ومقابلة وحوار وبضع لوحات
وتخطيطات فنية، فضلاً عن قرابة ألف(1000) صفحة أخرى في شؤون الثقافة
العربية والعالمية لأدباء وباحثين ومترجمين من الأرومة الكردية، أي
مايمكن نشره في ثلاثين كتاباً من القطع المتوسط، على الأقل.
بعد أستقرائنا
لعطاء(الثقافة) الفريد على ساحة الصحافة العربية، ومن أجل استكمال
المشهد عبر المقارنة؛ لابد من ذكر المجلات الآتية، المجايلة لـ
(الثفافة) إذ شهد عقد سبعينات القرن العشرين بالأخص إزدهاراً صحافياً
عددياً ونوعياً نوعمّا ، بصدور مجلات تعنى بالثقافة الكردية، وأكثرها
مزدوجة اللغة، أي بالكردية والعربية:
1-
روزي كوردستان= شمس كردستان: بداية السبعينات- أواخر
الثمانينات.
2-
كَوفاري
كوري زانياري كورد= مجلة المجمع العلمي الكردي، مجلة الهيئة الكردية
لاحقاً: 1973- بداية التسعينات.
3-
ئوتونومي=
الحكم الذاتي: منتصف السبعينات- بداية التسعينات.
4-
كاروان=
المسيرة(الصواب: القافلة، لكن السلطة العفلقية فرضت مفردة تناسب
ايديولوجيتها): 1982- 1991، وقد إستأنفت وزارة ثقافة إقليم كردستان
إصدارها منذ مطلع 1993 باللغتين الكردية والعربية(على حدة) حيث أنيطت
سكرتارية تحرير(القافلة/العربية) بـ (ج. زنكَابادي) وسرعان ما اغتالها
الإحتراب الأخوي المقيت، وعمرها سنة واحدة (4 أعداد) أمّا عددها
الخامس فقد تمسخ على أيدي نفر من العفلقزادات، بحيث خجلوا حتى من
توزيعها في المكتبات! طبعاً إثر استقالتي منها؛ لكوني مستقلاً ورافضاً
لإحتراب الحزبين الكبيرين.
5-
باشكوي
نووسري كورد= ملحق الأديب الكردي: بضعة أعداد(1986- منتصف التسعينات)
6-
الثقافة
الجديدة(1969- حتى الآن)
يعد عطاء( الثقافة)
العددي والنوعي نداً لأفضل ما في أية مجلة من هاتيك المجلات، بل يتجاوز
أكثرها؛ بالرغم من توافر الدعم الكبيرالمادي والمعنوي والفني لهاتيك
المجلات، بالقياس إلى الإمكانات المتواضعة جداً لـ (الثقافة) فضلاً عن
محاربتها بشتى الأساليب الجهنمية!
إذنْ؛ أليس ظلماً
وإجحافاً لايغتفران أن يتجاهل الباحثون الكرد (الذين يكتبون في هذا
المجال) عطاء(الثقافة) الهائل والفريد؟ ثم أليس تناسي أهل(الثقافة)
جحوداً ونكران جميل، لاسيما من لدن العديد من الدكاترة الكرد ، الذين
حصلوا على شهاداتهم بفضل الدكتور صلاح خالص؟
لكي تتأكدوا من فحوى
تساؤلاتي المشروعة؛ إقرؤوا معي ماكتبه الأديب المعروف حسين عارف وآخرون
مشيدين بجميل بعض المجلات والمطبوعات لإيلائها الإهتمام بالثقافة
الكردية:
-
" ...لنتمعّن في المبادرة الفريدة ( و أقولها فريدة، لأنها
الأولى من نوعها حسب علمي) التي أقدمت عليها مجلة(الأقلام) الغراء
بعددها(2،3 شباط و آذار 1984) بتخصيص ملف للقصة الكردية"
(19)
إن (المبادرة الفريدة)
التي أشادها وهوّلها الأستاذ حسين عارف وتناسى فيض فضل(الثقافة) لم
تتعد 10قصص قصيرة مع مقالتين ودراستين، بغض النظر عن مستواها الترجمي!
ولقد عاود الأستاذ نفسه الكرة مبهوراً بإنجازات أخرى قائلاً:
-" ...وخلاصة القول اننا
بكتابنا الثالث هذا، إلى جانب كتابينا(عشرون قصة كردية مترجمة) و
(الذئاب) نكون قد أنجزنا حتى الآن فخورين بمهمة تعريفكم بنماذج من
نتاجات 21 شاعراً و 30 قاصاً و 10 كتاب من إخوتكم الأدباء الكرد"
(20) والكتاب
الثالث المقصود يضم 67 قطعة شعرية لواحد وعشرين شاعراً، 14 قصة قصيرة
لأربعة عشر قاصاً و 11مقالة لعشرة كتاب. وكل ماذكره هو مجمل المنجزات
(باللغة العربية) لـ (الأمانة العامة للثقافة والشباب) آنذاك على مدى
عشر سنين!
والأنكى من هذا الموقف
هو تجاهل ذكر مجلة(الثقافة) تجاهلاً لايُغتفر من قبل السيد عبدالكريم
فندي الدوسكي في دراسته (مسارات تطور الثقافة الكردية)
(21)
علماً بأنه تجشم عناء تمشيط سائر الصحف، وتوقف مشيداً حتى بأفضال
مجلات: وعي العمال/ التبغ/ المرأة/ الثورة الزراعية...والتي لم تخصص
أفضلها أكثر من بضع صفحات، ناهيكم عن مضمونها الدعائي ومستواها الهزيل!
ولعل مايحز في النفس
أكثر أن الباحث المؤرشف الدؤوب المعروف مصطفى نريمان، لم يتطرق ولو
بجملة واحدة إلى دور وفضل مجلة(الثقافة) في خدمة الثقافة الكردية!
وعليه مابرحت التساؤلات
الآتية تأخذ بخناقي:
-
هل يجهل هؤلاء وغيرهم من الأدباء والباحثين الكرد وجود
مجلة(الثقافة) وقد ساهم بعضهم فيها، أو نشرت فيها ترجمات لبعض نتاجاته
أو كُتب عنه فيها؟!
-
هل
تناسوا(الثقافة) وتجاهلوها عمداً، ولماذا؟!
-
هل كانت
(الثقافة) في قائمة التابوات و(المسكوت عنه)؟!
وهنا لابدّ أن أسترسل في
أحد تساؤلاتي:
- لقد كانت(الثقافة) غير
خاضعة لرقابة الدولة ومشرعة الأبواب دائماً لإستقبال ثمرات كل قلم
خيّر، وقد أكّد الراعي الكبير د. خالص لأكثر المثقفين الكرد الذين
إلتقوه وإلتقاهم ولي بالذات غير مرة بأنه مستعد لتخصيص ملف( 60 صفحة)
للثقافة الكردية، يحرره مثقفون كرد بلا أيّ تدخل منه؛ إذنْ لماذا كان
المثقفون الكرد القادرون على المشاركة الدائبة فيها قلائل، أو مقلين في
مساهماتهم، أو حتى مقاطعين لها، وخاصة قبيل وبعد انهيار الجبهة الوطنية
واعتلاء صدام الدكتاتور العرش العفلقي؟! أهو التقاعس، وكان أكثرهم
ناشطاً جداً في النشر على صفحات الصحف الحكومية؟! أهو الخوف؛
لكون(الثقافة) شبه ممنوعة، وكان مثل النظام العفلقي معها مثل(بلاّع
الموسى)؟! أهو فقر(الثقافة) المالي، حيث كان يتعذر عليها أن تدفع أيّة
مكافآت ولو رمزية، بالمقارنة مع سخاء صحف الدولة و(الحزب القائد!)؟!
أعتقد يمكن استنتاج
الأجوبة من التساؤلات نفسها، ناهيكم عمّا في المبحث عموماً؛ فقد تيقنت
فعلاَ ان الجبن كان له الدور الكبير؛ فقد كان أكثر المثقفين يخشون
شراءها واقتناءها! يليه انعدام المكافآت؛ فمثلاً كف كاتب مسرحي بارزعن
النشر فيها بعد مساهمة واحدة؛ لإنعدام المكافآت، كما بيّن لي شخصياً،
في حين واصل الأستاذ حسين الجليلي النشر فيها حتى الرمق الأخير، وكذا
الحال مع الأديب(المأسوف على شبابه) نورالدين محمد سعيد،
والأساتذة:عبدالمجيد لطفي، حسين العزاوي، قاسم عبدالأمير عجام ، خليل
الطيّار، كفاح محمود، عادل كامل، جمال جمعة، رسمية محيبس، رشيد مجيد،
د. خالد العزي، د. جليل كمال الدين، مثري العاني وآخرين لاتكفي هذه
الفسحة لدرج أسمائهم، راجياً منهم المعذرة؛ لأن مبحثي يتعلق بالثقافة
الكردية حصراً. والمفروض أن ينبري باحثون عراقيون (من العرب خاصة)
لدراسة المنجز الثقافي العربي في مجلة (الثقافة) خصوصاً في العهد
الدكتاتوري الذي إشتد سواده يوماً تلو يوم؛ فسيستنتجون ما يتجاوز بكثير
أستقراءات واستنتاجات الباحث القدير سلام عبود في كتابه المهم (ثقافة
العنف في العراق)
وهنا يكفي أن أقدم شهادة
الفنان الكارياتيريست المبدع كفاح محمود، الوفي (في زمن عزّ فيه الوفاء
والإعتراف بالجميل) لإلقاء الضوء على شخصية الإنسان والمفكر د. خالص
راعي (الثقافة) المنيرة:
" كنت في المرحلة الثانية من دراستي في اكاديمية الفنون الجميلة ، يوم
توجهت بصحبة صديقي المسرحي خليل الطيار الى مكتب مجلة الثقافة في الباب
الشرقي، والتي كان يصدرها الراحل الدكتور
صلاح
خالص، الذي كان يجلس وحيداً في البناية، ذلك الرجل الذي اسعده
قدومنا عليه، وكانت سعادتنا بذلك الشيخ الرائع اكثر واكثر حيث منحنا
الحب والتقدير وسلمنا المجلة كلّها.
وكان خليل الطيار
يحرر المجلة من الالف الى الياء، وكنت اصمم واخط العناويين الرئيسة مع
رسوم للسكيتشات الداخلية وارسم لوحة المجلة في الغلاف الاخير.
الدكتور
صلاح
خالص انسان بكل ما تزخر به هذه الكلمة من المعاني وهو يجسدها
سلوكاً فكرياً وحياةً احسسّناها لحظة ادخلنا الى بيته واحتضننا حداً
نحسد عليه في زمن كان الحديث والصحبة مع مفكر مثله اشبه بالحلم لشباب
في بدء الطريق. انه معلم كبير اتذكره واقول في حقه ماقاله احد الحكماء
"ابي جاء بي الى الارض، ومعلمي ارتقى بي الى السماء" المعلم
صلاح
خالص الذي فتح بيته وقلبه لي والذي تعلمت من سلوكه، العلمية
والدقّة الصحفية والامانة، اقول في حقه ماقالة افلاطون، الذي شكر ربه
على خلقه في زمن سقراط "
(22)
ولأعد إلى الجحود
الكردي بحق أصدقاء خلص عظماء للشعب الكردي وقضيته العادلة وثقافته
المجسّدة لهويته القومية، المتعرضة دوماً للغزو والطمس والتشويه. فقد
إستعدى المتعفلقون من الكرد العاملين في : مديرية الثقافة الكردية،
جريدة(العراق) و الأمانة العامة للثقافة والشباب في منطقة كردستان
للحكم الذاتي ، والأوساط الجامعية إستعدوا بضع مرات بتقاريرهم الخبيثة
واللئيمة أعلى أصحاب القرار الثقافي والإعلامي البعثيين على مجلة
(الثقافة) على انها وكر للمخربين والحاقدين على (الحزب القائد!)
و(الثورة العربية!) و( القائد الضرورة!) ناهيكم عن تعتيمهم الدائم على
صدور أعداد المجلة ونشر الإشاعات الخبيثة ضدها...وهكذا صب أعداء الفكر
الطيب والإبداع الحقيقي جام ضغينة حسدهم على (الثقافة) مثيرين حفيظة
السلطات الفاشية- الشوفينية؛ حتى اغتالوها.
ومابرح (مثقفو) فلول
العفالقة والستالينيين والطائفيين المخضرمين المتحاصصين يفبركون لهم
تواريخ نضالية زاهية(زائفة) ويعتمون في الوقت نفسه ماشاء لهم التعتيم
على كل نور أو بصيص حق في العهد العفلقي المباد، كمجلة(الثقافة)
المقاومة ذات الدور الفريد في حقبة الطاعون الفاشي وفي ظل الكابوس
العفلقي متناسين ، متجاهلين ولاغين لدورها الشريف.
لعلّ في التذكير
بالجحود ونكران الجميل دروساً وعبراً:
إنني لأتحدى إن كانت
جريدة (التآخي) في دورتها الجديدة بعد سقوط النظام العفلقي ولحدّ الآن،
وفي أجواء الحرية والديموقراطية، قد قدّمت مايضاهي ربع ماقدمته مجلة
الثقافة عدداً ونوعاً، في أجواء الكبت والقمع والإستبداد قبل عقود، حتى
مع استغلال رئيس تحريرها(التآخي) بإعادة نشر أحد كتبه المنشورة من جديد
في حلقات؛ ويا له من إفلاس شنيع!
و لعلّ ما يحزّ في
النفس أكثر ما نشهد هنا وهناك من تمجيد لهذه الجريدة أو تلك المجلّة؛
لأياديها البيضاء في احتضان الثقافة الكردستانية، وهي لاتستحقه!
فمثلاً، يقول الشاعر والكاتب حسن سليفاني عن جريدة (الأديب) البغدادية،
بمناسبة تدشين السنة السادسة من مشوارها الذي نتمنى دوامه : " بلاشك،
الأديب الآن هي أنموذج يٌقتدى بها في المجال الصحفي الثقافي بلامنازع
في العراق لجديتها وانحيازها التام للإبداع الثقافي أيّاً كان شكله
ولونه ومصدره، و بخاصة انها فتحت صفحاتها لنصوص الأدب الكردي برحابة
صدر وصدق، وساهمت بالتعريف لحد ما بأسماء ثقافية من الوسط الكردستاني"(23)
وهنا أيضاً
أتحدى إن كانت (الأديب) وعبر ست سنوات في أجواء الحرية والديمقراطية،
قد قدّمت للثقافة الكردية مايضاهي عطاء سنة واحدة من سنيّ عطاءات
(الثقافة) ناهيكم عن ان (الأديب) وأمثالها(حسب ستراتيجيّلتها الخفيّة،
لكن المتجلّيّة فعليّاً) لاتحتضن وبرحابة صدر وصدق إبداعات - المثقفين
الكردستانيين – ذات المستوى المرموق(الند أو المتخطّي لمستوى نظيره
العربي) إنّما تكتفي تكتيكيّاً بالنزر اليسير من المستويات غير المهددة
لمنزلات نجومها وخطف الأضواء منها( حتى في لغتها العربية نفسها) كقطع
في إكسسواراتها، وتحت وصاياتها، ليس إلاّ، ناهيكم عن نزعاتها الشوفينية
الإستعلائيةّ! وأغلبيتها ترحّب، وعلى مضض حتى، بالأدباء الكرد وغيرهم
من المندمجين، المنسلخين عن قضاياهم القومية، أي أولئك الذين يتماهون
مع قضايا(الأمة العربية) ولي مع بعضها تجارب مريرة، سأكشف عن تفاصيلها
في مناسبات أخرى مناسِبة!
وهنا ينبغي على
الأدباء والمثقفين الكرد عموماً، بما فيهم الساسة الوطنيون الشرفاء؛ أن
يدركوا جيداً حقيقة حجم المساهمة الكردية النوعية البارزة والمؤثرة على
صفحات (الثقافة) الغراء، وإنها ما كان يُقيّض لها أن تتجسّد بذلك الحجم
والنوع والحضور؛ لولا تفاني إخوتهم الكتاب والمترجمين والباحثين الكرد
والعرب والآشوريين....والذين طالما ظل أكثرهم ومازالوا جنوداً مجهولين
لايحظون بغير الجحود والنكران والتجهيل والإقصاء والتهميش، ويمثل كاتب
هذه السطور أبرز وأسطع الأمثلة. ليس هذا فحسب، بل عليهم أن يدركوا، من
قبل ومن بعد، انه لولا وجود مفكر متنور تقدمي ديموقراطي كبير مثل
الدكتور صلاح خالص ومفكرة تقدمية متحمسة كعقيلته الدكتورة سعاد محمد
خضر؛ لما كان ثمة لهذا المنجز الثقافي وجود أصلاً!
فمتى سيحتفي المثقفون
الكرد بأصدقائهم الخلّص أمثال: شاكر خصباك، عزيز شريف وصلاح خالص
وآخرين قدّم كلّ واحد منهم من العطاء الثقافي والموقف المساند ما لم
يقدّم عشره الشاعر الجواهري صاحب التمثالين المنصوبين في أربيل
والسليمانية، والذي إمتدح الحكام العفالقة بما فيهم: البكر وإبنه محمد
وصدّام الدكتاتور الأرعن..بمئات الأبيات!
طوبى لمن؟!
(في ذكرى د.صلاح
خالص)
جلال زنكَابادي
لم أحظ بالتتلمذ على
الدكتور صلاح خالص، لكنني حظيت بالتعرف إليه، منذ منتصف السبعينات، ثم
كانت لنا العشرات من اللقاءات الحميمة والحوارات العميقة، التي تجلى
عبرها عراقياً أصيلاً وبصراوياً صميمياً، تتجسّد فيه دماثة الخلق
والطيبة والصدر الرحب والرؤية الموضوعية والبصيرة الثاقبة والصبر
الأيّوبي...أجل؛ فقد شهدت عن كثب صراعه البطولي مع المرض والعمى وبتر
ساقيه، ناهيكم عن اللاإكتراث الصقيعي من قبل ناكري الجميل والجاحدين
وقوى الظلام ؛ ممّا جعلني أصدّق فحوى رواية " والفولاذ سقيناه"
لإستروفسكي ، وأدركها إبداعياً، بعد سنين طويلة من قراءتها!
يقيناً ان مسار هذا
المثقف الوطني الغيور قد تواشج مع تاريخ حركة التحرر الوطني في أنصع
صفحاته، لاسيما قبل ثورة 14 تموز 1958 ومابعدها...فمن يجرؤ أن ينكر
دوره المؤثر في المحافل الثقافية والوطنية، منذ أوائل الخمسينات حتى
رحيله المأساوي قبل سنة؟ أوَلَم يكن من أصدق وأخلص دعاة تحرر العراق
واستقلاله ووحدته الوطنية وتآخي قومياته؟ أوَلَم يكن من أشد المناهضين
لكل أنماط الثقافة المعادية لطموحات الشعوب المشروعة؟ أوَلَم يكن
مدافعاً مستميتاً عن الكرامة الإنسانية والعدالة الإجتماعية والثقافة
التقدمية؟ أوَلَم يكن ضد كل أشكال التمييز العنصري؟ وأخيراً وليس
آخراً، ألَم يكن صديقاً مبدئياً لشعبنا الكردي ومناصراً لحقوقه
وطموحاته المشروعة؟!
هكذا علمنا هذا
المربي الفذ أعظم الدروس: ان الإنسان موقف، المثقف موقف، الكلمة موقف
والفعل موقف ، في موقف شمولي هو الإيمان بعدالة المبدأ وعزة الذات
الإنسانية الخلاقة...ولذا أشهد الآن روحه الطاهرة مع كوكبة من الأرواح
المنيرة : حسين مروّة، جكَر خوين، فيض احمد فيض، معين بسيسو، يلماز
كَوناي، سعيد سلطانبور، نجيب سرور، عبدالخالق معروف، فكتور كَارا، هيمن
كردستاني، حسين الجليلي، بنيامين مولويز وغيرهم من أولئك الأحياء
بيننا، بل ومابعدنا حتماً؛ ماداموا قد اختاروا دحرَ الموت مع سبق
الإصرار! **
ومع ذلك.. ماأقسى
غياب أجساد أولئك الحاضرين في ضمير التاريخ والمستقبل! آه ! ليس في وسع
المرء إلاّ أن ينحني اعترافاً بالجميل أمام ثراكم الطاهر وذكراكم
الملهمة...
وأخيراً، لابدّ من أن
أسأل:
- أليس الشعب الكردي
مديناً لهذا الصديق المتفاني ؟ ألَم يكن لع الحق علينا في: نعي، أو
تأبين، أو أربعينية، أو رثاء.....وهذا كله ليس سوى بعض وفاء؟!
لكنْ واأسفاه!
واخجلتاه!
حقاً يظل المرء في حيرة:
-
أ هو نكران للجميل؟!
-
أ هو
التعتيم البليد؟!
-
أ هو
الجبن وأزمة الشجاعة؟!
-
أم ماذا؟!!!
إنّما يظلّ عزاؤنا ان
مربياً ومفكراً كبيراً كصلاح خالص يظلّ أكبر من أن يحتاج إلى كلمات
أشباه الأحياء، الذين هم الأحوج إلى ...والرثاء! ناهيكم عن كلمات من
يسفحون الأحبار الغزيرة من أجل التكسّب الوضيع!
ثم يظلّ عزاؤنا
الأكبر في ما تركه من تراث ثقافي كبير ورسالة سامية مقتفاة، ولعل ثمة
بعض العزاء أيضاً في عودة ابنته الكريمة (الثقافة) إلى استئناف مسيرتها
الظافرة، حيث ترعاها وتحدب عليها المفكّرة والأم الواعية، المستميتة
والدؤوبة د. سعاد محمد خضر...
فطوبى لكل من ينتصر على
موته يا أباسعد!***
(24)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدكتور صلاح
عبدالرحمن خالص
-
من مواليد
البصرة 1925
-
خريج دار
المعلمين العالية، وحاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب الأندلسي من
جامعة السوربون بباريس.
-
كان عضواً في الجبهة الوطنية (1957) عن اليسار المستقل، قبيل
سقوط الحكم الملكي. وقد شهدت خمسينات القرن الماضي نشاطاً سياسيا
وإعلامياً مشهوداً له.
-
عمل مديراً عاماً للمعارف بعد ثورة 14 تموز 1958 ثم انتقل إلى
التدريس في جامعة موسكو منذ مطلع الستينات حتى عودته الى العراق في
أوائل عام 1968، حيث عمل أستاذاً في جامعة بغداد حتى احالته على
التقاعد عام 1984 بقرار من مجلس قيادة الثورة "لمقتضيات المصلحة
العامة"! وقد تجاوزت خدمته الجامعية على الاربعين عاما، أشرف خلالها
على العشرات من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه.
-
ترأسٍ تحرير مجلّة (الثقافة الجديدة) منذ عام 1954، ثم مجلة
(الثقافة ) خلال الفترة (1971-1987)، حيث نشر عشرات الإفتتاحيات
والبحوث في مجلّتيّ (الثقافة الجديدة) و(الثقافة) كما نشرت له العديد
من المطبوعات العربية اقتباساً منهما...
-
عضو مؤسس في نقابة الصحفيين العراقيين واتحاد الأدباء العراقيين
واتحاد الصحفيين العرب وعضو جمعية المعلمين العراقية
-
أهم مؤلفاته المتخصصة: اشبيلية في القرن الخامس الهجري/ المعتمد
بن عباد/ محمد بن عمار الأندلسي/ وكتاب عن جان جينيه.
-
قضى
المرحوم حياته عاملاً بصمت ودأب وعناد؛ من أجل نشر الفكر العلمي
التقدمي. وكان عاشقاً لشتّى الثقافات ، وخصوصاً للثقافتين العربية
والكردية، إذ كان يحلم أن تتآخى تينك الثقافتان وتتآزرا لبناء عراق حر
وديمقراطي، ومن هذا المنطلق عمل على تكوين جبهة ثقافية تقدمية تروّج
لمفاهيم السلم والعدالة الإجتماعية، ضمّت الكثيرين من المثقفين
العراقيين عرباً وكرداً وآخرين...
*******
الدكتورة سعاد محمد
خضر
-
من مواليد الاسكندرية، مصر عام 1928
-
حاصلة على
شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة موسكو، وقد حصلت على
اللليسانس من جامعة الإسكندرية عام 1953.
-
درست في
جامعة بغداد/ كلية الادآب – قسم اللغة الفرنسية وفي المعهد الفرنسي
ببغداد خلال السنوات (1953 - 1958) وساهمت في تأسيس القسم الفرنسي
باذاعة بغداد والاشراف على تحرير المادة الاخبارية حتى السفر إلى موسكو
حيث عملت استاذا مساعدا في معهد اللغات الشرقية وجامعة موسكو، ثم عادت
إلى التدريس في جامعة بغداد خلال السنوات ( 1968 -1971) حيث أُحيلت على
التقاعد بقرار من مجلس قيادة الثورة "لمقتضيات المصلحة العامة"!
-
عملت سكرتيرة لتحرير مجلة (الثقافة الجديدة) حتى عام 1970 ثم
سكرتيرة لمجلّة (الثقافة) خلال الأعوام (1971-1984 ) ورئيسة لتحريرها
حتى اغلاقها عام 1987.
-
كانت
عضوة في نقابة الصحفيين و اتحاد الادباء ونقابة المعلمين
-
شدّت
رحالها إلى اليمن عام 2000 حيث تعمل أستاذة بجامعة صنعاء/كلية الآداب
لحد الآن.
-
نشرت العشرات من من الأبحاث والمقالات والكتب المؤلفة(بالعربية)
والمترجمة عن اللغات: الفرنسية، الروسية، الإنكَليزية والإسبانية ،
والتي تضيق هذه الفسحة بتعدادها، ومنها: الأدب الجزائري المعاصر/
الواقعية الإشتراكية كما يراها الواقعيون الإشتراكيون/ موجز نظرية
الدولة والقانون/ القاموس الروسي- العربي بالإشتراك مع شرباتوف/
الأوروشيوعية والدولة/ المرئي واللامرئي لميرلوبونتي/ الأكراد ومستقبل
تركيا...
هوامش
وإشارات:
* كنت أتتبع مجلة (الثقافة)
باحتراز(بتأثير إشاعات الشيوعيين وغيرهم ضدها) فلم أنشر على صفحاتها
شيئاً حتى 1973 ثمّ قاطعت النشر عموماً حتى أواخر 1976 كموقف من حرب
1974- 1975على كردستان، ثمّ التهجير والتبعيد اللذين تعرضت أنا وعشيرتي
إليهما...أمّا تواصلي الحميم مع المجلّة فيعود إلى الدعوات المتكررة من
أستاذيّ الأجيال الدكتور صلاح خالص والدكتورة سعاد محمد خضر، اللذين
تعرّفا إليّ عن طريق مواضيع صديقي وقريبي الكاتب والمترجم والروائي
شاكر نوري، والتي كانت أغلبيّتها تصل المجلّة ليس فقط بعد مراجعتي
وتنقيحي لها، بل حتى بخطّي الحسن! منذ أوّل موضوع له منشور فيها حتى
خريف1977 ومنها مايتعلّق بالأدب السوفياتي والفكر الماركسي.
** تأكيداً لزعمي هذا؛ في
1987 إعتمدت الأمّ المفكرة الكبيرة د. سعاد على تزكيتي لمليونير شاب
(ع. ب،أبو ر/ كان يدّعي كونه شاعراً شعبياً وتقدميّاً) بغية إبرام صفقة
لشراء مطبعة بإسم مجلة(الثقافة) من أوربا، على أن تؤول ملكيتها إليه
مقابل (100ألف دينار) وطبع المجلّة بالمجان لثلاث سنوات، لكنني لمْ
أزكّه خشية العواقب الوخيمة المحدقة بالعائلة المثقفة الكريمة؛ بعد
معايشتي ومراقبتي الدقيقتين خلال بضع لقاءات وحوارات وحتى سهرات في
بيته ومزرعته….علماً بأنه عرض عليّ منحي دار مشتمل وسيّارة، فضلاً عن
(10آلاف دينار) بالحلال من العائلة الكريمة حسب وعدها؛ بمجرّد توقيع
طرفيهما على العقود القانونية. ولقد لامني أقرب الأصدقاء والأقرباء على
تفويت تلك الفرصة الأسطورية، التي كانت ستحوّلني إلى شبه مليونير بين
ليلة وضحاها، قياساً بالوضع الإقتصادي آنذاك، دون التعرّض إلى أيّة
تبعات أو مساءلات قانونية في أسوأ الأحوال؛ إذ كان مثلي مثل الشعرة
المنسلّة من العجين؛ لكوني مجرد مزكّ بجملة أو جملتين حتى غير
مدوّنتين، ولكن هيهات أن يخون الأمانة من هو مثلي….وعليه فقد قاطعني
المليونير الشاعر نهائيّاً بعد أن أسقط في يده، رغم إنه كان يبدي لي
أقصى الإعجاب بي، بل التقديس! وهذه القصة واحدة من بضع أخرى من قبل ومن
بعد!
***
منشورة على (صص11و12) من مجلة (الثقافة) العدد الثاني /شباط/ 1988 وهو
العدد الأخير، الذي سحبت السلطات الأمنية نسخه من المكتبات، على حد
علمي، وكفت بعده عن الصدور نهائياً. وقد تقصّدت حينها ألاّ أوضّح
أيّاً من الأسماء
المختارة بدقة ؛ كتكتيك لتمرير غايتي الجلية لذوي الألباب والحصافة
والفراسة، أمّا الآن فيمكنني ذلك وأراه ضرورياً:
-
حسين مروّة: المفكر اللبناني المعروف وشهيد الفكر التقدمي .
-
جكَر
خوين: الشاعر والمناضل الكردي السوري، الذي قضى نحبه في منفاه بالسويد.
-
فيض احمد
فيض: الشاعر والمناضل الباكستاني المعروف.
-
معين
بسيسو: الشاعر والمناضل الفلسطيني المعروف.
-
يلماز
كَوناي: الفنان السينمائي الشهير والأديب المناضل، الكردي الأصل من
تركيا، والذي قضى نحبه في منفاه في باريس.
-
سعيد
سلطانبور: الشاعر والفنان المسرحي المناضل، الإيراني الذي أعدمته سلطات
آيات الله!
-
نجيب
سرور: الفنان المسرحي والشاعر والمفكر المصري المناضل المعروف.
-
عبدالخالق
معروف: الكاتب المناضل والعالم الكردي القدير، الذي إغتالته المخابرات
العراقية.
-
فكتور
كَارا: المغني المناضل الشيلاني الشهير، الذي أعدمته سلطات بينوشيت
الفاشية.
-
هيمن
كردستاني: الشاعر والمناضل الكردي الإيراني المعروف.
-
حسين
الجليلي: الكاتب والباحث الشيوعي، المناضل، الذي تمسّك بفكره حتى الرمق
الأخير، وقد عاش في بعقوبة، وهو من أهل (الشطرة) أصلاً.
-
بنيامين مولويز: الشاعر والمناضل ، الذي أعدمته سلطات جنوب
افريقيا الشوفينية.
1-
الثقافة/ ع1/ حزيران 1987/ السنة15(ص10)
تعود (الثقافة) ويرحل صلاح..../ بقلم: د.
سعاد محمد خضر.
2-
الثقافة/ ع2/ تموز1987/ السنة 15(ص159) إيضاحات.
3-
م.س، والصفحة نفسها.
4-
م.س، والصفحة نفسها.
5-
الثقافة/ ع7/ كانون الأول1987/ السنة15/
(ص6)
(الثقافة) وحصاد السنين/ د. سعاد محمد خضر.
6-
م.س والصفحة نفسها.
7-
م .س والصفحة نفسها
8-
م .س ( صص 7-8)
9-
م .س (ص7)
10-
مجلة الصوت الآخر/ ع/113 في 13أيلول2006)
أيام مع صلاح خالص/ مثري العاني.
11-
م.س/ مثري العاني
12-
م.س/ مثري العاني
13-
الثقافة/ع1/ السنة15(ص10) تعود.......
14-
الثقافة/ع1/ كانون الثاني1974/ السنة
الرابعة(ص3)
الإفتتاحية/ د.صلاح خالص.
15-
م.س، والصفحة نفسها.
16-
م.س، والصفحة نفسها.
17-
الثقافة/ع3/ آذار1977/ السنة السابعة
(ص16)
اعمق التهاني واطيب التمنيات لشعبنا
الكردي/ د.صلاح خالص
18-
الثقافة/ع2/ شباط 1983/ السنة13
19-
عشرون قصة كردية مترجمة/ ترجمة: جلال
زنكَابادي وآخرين/
منشورات مجلة كاروان/ اربيل 1985/ تقديم:
حسين عارف/(ص4)
20-
مختارات من الأدب الكردي/ نخبة من
المترجمين والكتاب/
منشورات مجلة كاروان/ اربيل1986/ تقديم:
حسين عارف/(ص6)
21-
مجلة( الأديب الكردي/ باللغة العربية) ع2/
1986 بغداد/
مسارات تطور الثقافة
الكردية/ عبدالكريم فندي الدوسكي.
22-
الإنترنيت/ الفنان كفاح محمود.
23-
جريدة الأديب/ ع(179) 17/ ك1/ 2008 بغداد
24-
الثقافة/ع2/ شباط1988/ السنة16/ (صص11و12)
في الذكرى الأولى لرحيل د.صلاح
خالص، طوبى لمن؟!/ جلال زنكَابادي.
|