|
ترجمة:جلال زنكَابادي
yousifayuob58@maktoob.com
Jalal
Zangabady
الموقد المطفأ
كانت عيناها موقداً لكوخي.
كنت أستمتع بمذاق الزاد
من أناملها.
كانت الشمس تبكي؛
كلّما تفرّجْني
على براعم النارنج،
لكنما بعد لحظة
كانت الريح تمضي
بكركراتنا الطليقة
إلى الساحل الصاخب..
كان جسدها قهوتي وسمكي
كان جسدها رغيفي الطازج
كان جسدها مهداً لخيباتي المستجدة
كان جسدها ملاذي الأخير..
بينما كنت أدعوها إلى الرقص
كانت عيناها تومضان
وهي تنفصل عن الأرض
كعشّ حمامة!
والآن
يتساءل إبني الصغير
وهو مازال نجماً شريداً:
-"متى ستعود أمّي؟"
فأجيبه وأنا أربّي ابن الليل
بصبر الأرض
على ضوء أغنية يترنّم بها:
-"ستكبر يا بني
وذات نهار مشمس
ستراها
تحت زهور النارنج!"
الحقيقة
ها أنت ذا تتأمّل يديك
بعينين مازالتا تذكران
شموس السنين السبعين اللامحدودة
ها أنت ذا تستنطق يدين
طالما نسيتا الأسمال..
إيه...
يا من لم ترتق أيّ جبل
يا من لم تخض عباب أيّ بحر
يا من لم تصمد أمام أيّ عاصفة
ولم تستضف أيّ داء
في دارة الجسد
ها أنك الآن تستقريء يديك
وتسألهما مالم نسأله منك بتاتاً
وليس ثمة من يجيبك أبداً
لكنّما ستمنح يداك جوابك للأرض؛
ستخجل الأرض في حضرة الشمس،
وسوف تنكفيء الشمس في العتمة
بينما تتلألأ أنت على أعتاب الحقيقة!
العانس العجوز
كان شعرها
أسود سرحاً وطويلاً
كانت عيناها
سوداوين واسعتين وهّاجتين
كان ثدياها
يكفيان لتنشئة أبناء ألف حبيب
وزجّهم في سوح الوغى
أو غياهب الزنازين
أو أزقة المنافي!
لكنّما
لم ترس لحاظ امريء في عينيها البتة
لم تدلل أنامل امريء ذوائبها قطعاً
ولم تداعب شفتا امريء نهديها أبداً
إذْ كان الفقر والجدري يتربصان بها
وظلت منذ الخامسة
منسية بلاملاذ ولامأوى..
ها هي الآن
تتذكّر حكايا الهوى؛
كلّما تتأمّل زهور الياسمين
وتحسب نفسها
أخت كل العوانس والتعيسات؛
كلّما تدفن جدائلها البيض في المرآة!
فإذاما إلتقيتها وهي تؤوب إلى البيت
وقد ناءت بصرّة السأم الأزليّ
محدودبة على عكّازة قصيرة؛
فتذكّرْ
ستموت الأرض في رمقها الأخير
ويقيم لها الحب مأتماً كبيراً!
التحوّل
حتى الأمس
كان يفكّر بالرأس
يبصر بالعينين
بالحنجرة يغنّي
كموسيقى خطاه المنداحة
على الثرى والإسفلت والحصباء
بنفس الوتيرة..
كان غافلاً عن الحذاء
ويعلم أن قدميه
تطويان الدرب طيّا
وهو يفكّر بضياع مسمار؛
كلّما تبدّدت نغمة من مارش مسيره!
كان يفكّر بانفصال نعليه عن أخمصيه؛
كلّما أضافت نغمة من فردة حذائه
قيمتها إلى نغمة الفردة الثانية
إذْ تجتاحه لحظتئذ
فكرة وجوب تغيير مهمة النقود
في قعر جيبه..
أمّا اليوم
فها هو يفكّر ببسطاله الثقيل،
يبصر بكعبيه،
ويهزج مع وقع خطاه الموزونة
وها هي الغابة تتفتت تحت قدميه
والمنازل تحترق بأحلى لهيب
أمام ومضات عينيه
عبر أصابعه الواغلة في رؤيا الكمّاشة
ومن كل صوب يسمع الصرخات المندلقة
من حناجر الجراح الجديدة،
حيث يتحلّقه الحفاة
وهم يطوفون بجباههم
حول محراب بسطاله!
وهنالك في البيت
ترمق أمه أحذيته القديمة
فتشهد حيّز الحياة الخالي
عبر هالة من الدموع
وتهمس متمتمة:
-"أوّاه!
لقد أرضع ثدياي الرصاصَ
وربّى حضني الحماقةَ
فلن يغفر الثرى ذنبي أبداً..
فلتبصقْ يا بني
على البطولة عند قدميّ قائدك
وعد إلى بيتك
حيث مسحتُ ولمّعت أحذيتك القديمة
بلحاظ وابتسامات ابنة الجيران"!
المجدلية العذراء
أنّى يتناهَ أنينها المتوسّل إليك؛
تنثرْ في قعر جيبك العملات الصغيرة
كالشفاء الأجوف بكبرياء مسيح زائف!
إن سعالها الموحش الأنغام
ليخدش صدرك بقسوة
ويقفوك سيل من القيح والدماء
كلّما تبصق على الأرض
وكلّما يشدّ المدى
خيط أنينها بالهواء؛
تتوجّسْ خشية أنْ يتحجّرَ
صوتك المطلسم في صدرك
فتتلفّت حواليك
وحيث تجد نفسك وحيداً
تحطّم كل الطلاسم
وتروح تكرر مرّة.. مرّتين..عشر مرّات:
-"إغفري خطاياها يا مريم العذراء"
بينما ترسم علامة الصليب على صدرك
لكنك قد تناسيت
كيف كانت تجتاز أزقّة فتوّتك
بسخاء الشمس
وتنوء وحدها بالأوزار
فهكذا هي الشافية
بقلب مريم،بيديّ المسيح،بضفائر المجدليّة
بالأرحام المغبونة لكل شقيقاتها
بحناجر كل الطيور الشجية الترانيم
في الحانات البرصاء
ستبريء العليلين من كل داء
بإلهام قدّها عند الرقص
ومكاشفة دمائها عند الغناء
في معابد المكائد والفتن!
أجلْ
فقد كانت حنجرتها
بوّابة لصدر بلاتخوم
يحتضن الليل والنجوم
ويكنّ الحب والغابات والبحار
فلْتغفر المجدلية العذراء خطاياك.*
ــــــــــــــــــ
*مريم المجدلية:خاطئة تابت وتبعت يسوع،ووقفت مع أمه مريم عند أقدام
الصليب،وعند دفنه وقيامته.وقد إستوحى أدباء وفنانون كثيرون حكايتها...
يهوذا والشجرة *
.......ثم سألته الشجرة:
-"حسناً..لماذا طلبت ثلاثين فضّة؟"
أجابها يهوذا:
-"لكي يعرفوا أنني طامع"
قالت الشجرة:
-"إن عزلتك لأثقل من
شقاء الآخرين وأسى المسيح
ولن يدرك أحد
أنك قد إخترت الواقع
مابين الحقيقة والخيال"
إستطرد يهوذا:
-"لفرط ما حيّرتني سذاجته؛
جاهدت ألاّ يبلغ مرام رؤياه
فلو قيّض له أن يستفيق؛
لشهد الظفر جلداً محشواً بالإبتذال
والمحبة أغلالاً في أرجل مريديه!"
-"وماذا بعد؟"
أجاب يهوذا:
-"في رؤياه سيلتقي النصر على الصليب
لكنما الإيمان سيورث الأغلال جيلاً تلو جيل"
قالت الشجرة:
-"إذنْ فقد قبلت الخيانة"
قال يهوذا:
-"طبعاً،الخيانة التي تليق بالأغنام
والوفاء الذي يليق بحبيبة علّمتني العشق"!
فقالت الشجرة:
-"حقّاً انّك شهيد العشق
وهو شهيد السذاجة والنقاء
والآن
سأستقبل روحك
وأودع حكايتك للثرى
ثم أجعل الماء شفيعك لدى الشمس"
ـــــــــــــــــ
*يهوذا الأسخريوطي:أحد تلاميذ المسيح الأثني عشر،باعمعلمه بثلاثين ليرة
فضية؛فاستحال رمزاً للخيانة.وقد كانت إشارته لكشف المسيح(ع)قبلته
الشهيرة بـ(قبلة يهوذا)ومن ثم شنق نفسه ندماً ويأساً بواسطة شجرة
أرجوان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*Jose
Amado Lopez:
شاعر معاصر،لم أظفر بأيّة معلومة عنه رغم كل مابذلته من جهود في البحث
عبر كل القنوات المتاحة كالكتب والإنترنت...وهو يقيناً(برتغالي أو
إسباني،أو من أمريكا اللاتينية)أمّا هذه القصائد فقد ترجمتها عن
الفارسية،من كتاب(از بنجره اى تاج محل)ترجمة الشاعر والمترجم الإيراني
المعروف محمود كيانوش.
|