مهاباد قرَداغي

 

 

 

 

 

 

 

ســـــنة في الجحيم

(مذكّرات)

 

 

 

 

 

 

 

ترجمة:جــلال زنكَابادي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  مهاباد قرَداغي

 

 

 

ســـــنة في الجحيم

(مذكّرات)

 

 

 

 

 

 

 

ترجمة:جــلال زنكَابادي

 

 

وزارة الثقافة والشباب

المديريّة العامّة للصحافة والطباعة والنشر

مديريّة النشر- أربيل

 

 

× إسم الكتاب: سنة في الجحيم

× المؤلّفة: مهاباد قرَداغي

× المترجم: جلال زنكَابادي

× التنضيد والتصحيح والتدقيق:ج.ز

× التصميم: محمّد فيصل زنكَنه

× عدد الصفحات(214 قطع كبير)

× الطبعة الأولى(2010م)

×عدد النسخ:(500)

× مطبعة الثقافة

× رقم الإيداع في المديريّة العامّة للمكتبات(594) لسنة2009

 

 

حقوق الطبع محفوظة لوزارة الثقافة والشباب والناشر

 

 

إقرأ كتب الوزارة على موقعنا

www.kurdchap.com

 

 

 

 

 

الإهداء

 

      إلى حليلتي الحبيبة(خولة)التي خاضت معي عباب جحيم العراق بصبر أيّوبيّ قلّ نظيره لأكثر من ثلاثة عقود، بل ولم تكف عن مؤازرتي أثناء ترجمتي لهذا الكتاب وهي تصارع السرطان العاتي!

وإلى أرواح جميع ضحايا الطاعون العفلقي والمناضلات والمناضلين ضده، ثم إلى الشاعرة الباسلة مهاباد قرَداغي من قبل ومن بعد.

(ج.ز)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شهادة دامغة

   ثمّـة عبارة أثيرة لـ (هرمن هسه) راحت تلازمني منذ الإنقلاب العفلقي في(17تمّـوز1968) ألا وهي"خير للإنسان أن يقتله الفاشست من أن يستحيل فاشياً" وظلت تحضرني أثناء قراءتي وترجمتي لـ (سنة في الجحيم)* كما لو أنها لسان حال الأديبة مهاباد قرَداغي وكل إنسان كردستاني وعراقي لم يتعفلق؛ مهما دفع الثمن باهظاً.

   أجل؛فقد غرس الوحش البعثي براثنه وأنيابه، قرابة أربعة عقود، في كيان المجتمع العراقي، وراح يزدرده بطغيانية همجية بشعة تفوق حدود التصوّر البشري؛ إذ تفنن العفالقة السفلة في الإستحواذ على ثروات العراق الهائلة، وإهدار الكثير منها في مضامير إضطهاد المواطنين وإنتهاك سائر حقوقهم الإنسانية وإمتهان كرامتهم، مبتكرين أدوات وآلات وطرق تعذيب جديدة جهنمية أكثر بشاعة من كل ماهو متعارف عليه، ناهيكم عن الإبادات الجماعية بالأسلحة الكيمياوية وغيرها، وتهجير الكرد من ديارهم، وسياسة الأرض المحروقة، وتدمير البيئة العراقية، ثم الحروب المجانية الداخلية والخارجية...

   لقد بزّ العفالقة الجبابرة أسلافهم وأساتذتهم النازيين والفرانكويين والفاشيين والبولبوتيين في ممارسة شتّـى صنوف التعذيب والتنكيل والإغتيال والتقتيل على هواهم، بدون أن يرفّ لهم جفن؛ فقد دأبوا يستبيحون الحرمات/يعدمون الناس شنقاً أو رمياً بالرصاص أو تذويباً في أحواض التيزاب أو طعاماً للكلاب البوليسية الجائعة/يدسّون الثاليوم في الطعام والشراب/ينحرون الرقاب/يصلمون الآذان/يجدعون الأنوف/يقطعون الألسنة/يبترون الأكف والأقدام/يقلعون الأسنان/يستنزفون دماء الضحايا/يهتكون الأعراض/يغتصبون العذارى والنسوة والفتيان والفتيان والرجال إغتصاباً جنسياً بهيمياً/يستوفون من ذوي المرميين بالرصاص أثمان الخرطوشات/يستخدمون آلاف الضحايا موادّاً لتجارب الأسلحة الكيمياوية والبايولوجية/يعلّقون جثث الضحايا في الساحات العامة/يشيّدون المقابر الجماعية/يستدعون المواطنين شهرياً وحتى أسبوعياً للتوقيع على تعهّدات الإعدام في حالة الإنتماء إلى غير حزب البعث، بل مارسوا بعض ماأسلفناه في مهرجانات شعبية! فلاعجب إذنْ؛إن عمّـت الكوارث والويلات والفجائع والمحن ربوع بلاد وادي الرافدين؛ حيث أصبح العنف العفلقي البربري، وخاصة منذ (1968) ظلاً ملازماً للمواطن يشاركه كل لحظات حياته اليومية، لاسيما وقد قذفه هذا النظام الفاشي العسكريتاري في أتون عدة حروب طاحنة، بينما كان يزوّر حقيقته الإجرامية، بل وتاريخه العفن بأضاليل ودعاوى قومانية وعراقوية وديموقراطوية وإشتراكوية وحتى دينوية إيمانية! فكيف ترى لايغدو البلد جحيماً لايدانيه(جحيم دانتي) ولا حتى إنفلات الخيالات الدادائية والسوريالية؟! ثم كيف لايفر من ويلات جحيمه ماينوف على أربعة ملايين من أهله لاجئين حتى إلى بلدان بائسة وتعيسة كالبوسنة والهرسك وباكستان وجنوب إفريقيا؟!

   لقد إبتلى العراق منذ أواخر خمسينات القرن الماضي بشوفينية وفاشية العفالقة، الذين فرضوا ومارسوا وراء أقنعتهم وشعاراتهم الزاهية والبراقة شتى صنوف الإضطهاد والإستبداد، بل طالما إنتهكوا لائحة حقوق الإنسان غامطين حقه البسيط في الإختلاف، مانعين ممارسة حريته في التعبير عن أفكاره وآرائه حتى في أدنى الحدود، بل طالما إعتقلوا المواطنين بتهم شتى أو حتى بعشوائية ومجانية، واستهتر زبانيتهم الأوغاد بمصائرهم ملتذين، لاسيما وإن جلّ جلاديهم الشرسين الدمويين كانوا من حثالات حضيض المجتمع: من المجرمين والساقطين أخلاقياً والمرضى الساديين بليديّ الإحساس، والذين كانوا دون وازع من ضمير ودون حسيب أو رقيب يصبّـون جام عقد شعورهم بالنقص وهمجيتهم على الضحايا،كما لو أنهم روبوتات، ممارسين شتى أفانين العسف والتنكيل والتمثيل الفنتازية الرهيبة،التي لامثيل لها إلاّ في أفلام سينمائية نادرة؛ حيث كانوا يتلذذون ويتندّرون بكل برودة دم؛ لاسيما وقد بلغ التعذيب على أيديهم أعلى مراحله الإبتكارية، ألا وهي مرحلة التعذيب من أجل التعذيب كهواية محببة تبدد مللهم وتروّح عن نفوسهم المريضة، وليس لإنتزاع الإعترافات فحسب!

    معلوم أن التعذيب يتغيّـا مسخ شخصية الإنسان وتحويله إلى حيوان مشوّه بلا إرادة ولاحول ولاقوة، بتشويه جسده وتفريغه من محتواه المعنوي؛ بغية تشويه روحه وإغتيالها، ومن ثم تدمير ضميره كحد أدنى؛ حتى ينبذ كل المباديء والقيم النبيلة.

   لئن يهدف التعذيب إلى جرح كرامة الإنسان وتشويه وتحطيم ماهيته الإنسانية؛ فغالباً ما نلمس آثاره الرهيبة على أجسام ضحاياه ونفوسهم وتصرفاتهم...طبعاً ليس للضحايا المغلوبة على أمرها سوى الصراخ والصمت، ولعل الصمت هو السلاح الأقوى؛ مادام يحرم الجلادين الأراذل من متعة التعذيب، بل ويحطم أعصابهم ويذكّرهم بخسّتهم وصغارهم، وهو سلاح متوافر دوماً ومجرّب كثيراً ومضمون النتيجة.

   برغم انتشار وطغيان وباء التعذيب والسجن في العراق، لاسيما في النصف الثاني من القرن العشرين، لم يتصدّ لتوثيقه مذكّراتياً أو قصصياً أو روائياً أو مسرحياً أو سينمائياً أو مبحثياً سوى بضعة أدباء وكتاب، منهم: شاكر خصباك بـ (الحقد الأسود)، فاضل العزاوي بـ (القلعة الخامسة)، رفعة الجادرجي وبلقيس شرارة بـ (جدار بين ظلمتين)، كاتب مجهول بـ (عالم صدام حسين) و جين ساسون بـ (ميّادة بنت العراق) ولعل السبب الرئيس لتحاشي هذا الموضوع الثري والمثير هو خوف الأدباء والكتاب من إنتقام وأذى العفالقة الأوباش حتى بعد سقوط نظامهم في ربيع(2003)! في حين تعرض للإعتقال والتعذيب مئات الألوف من العراقيين، بينهم المئات من الأدباء والفنانين والمثقفين البارزين...بحيث لاتكفي عشرات المجلدات لتوثيق جرائم العفالقة البرابرة؛ حتى تترسّخ صورتهم الحقيقية البشعة في ذهن القاصي والداني وذاكرة الأجيال القادمة؛ لئلاّ يتباك أحد على نظامهم البائد، ولكي ينبذ الجميع الركون إلى المقولة البالية "عفا الله عمّـا سلف" وإنما يجب أن يقذفوا بالعفالقة الأوغاد وإيديولوجيتهم الشريرة المقيتة إلى مزبلة التاريخ حتى الأبد بلا أيّ أسف.

   لئن "لم تحتضن المكتبة الكردية حتى كتابَ (مذكّرات) واحداً لإمرأة كردية" كما تقول مهاباد قرداغي نفسها( في مقدمة مذكراتها هذه) والأمر كذلك فعلاً؛ فإن كتاب (سنة في الجحيم) يعد عملاً إستثنائياً ورائداً لانظير له عن جدارة وإستحقاق؛ فقد حطّمت شاعرتنا العرف السائد في كتابة المذكرات، والقاضي بكتابتها في سن متقادمة وفي الشيخوخة،في حين لم يبلغ عمرها أربعين عاماً بعد. ولها طبعاً أسبابها في هذا التبكير. كما أنها هدمت حاجز الصمت النسوي على مستوى الحياة الشخصية والسيرة الذاتية، إضافة إلى إزالة الجدار السميك الذي أقامه البعث داخل نفسها بشتى صنوف التعذيب والتهديد والوعيد.

   إن (سنة في الجحيم) أبلغ شهادة صادقة ووثيقة دامغة عن زمن الرعب العفلقي؛ حيث أن المؤلفة الضحية/ الشاهدة توثّـق القمع وتكشف عن آلياته وتفضحه، فضلاً عن الإحتجاج عليه وإدانته وشجبه؛ بحيث أصبح كتابها بمثابة برزخ أو جسر يربط الماضي بالمستقبل عبر الحاضر شاحذاً ذاكرات أجيال شعبنا المتعايشة الآن وذاكرة أجياله الآتية كوثيقة ذات مصداقية تاريخية عن زمن البطش والرعب، وكصرخة إحتجاج ضد العفلقية (أعلى مراحل الفاشية-الشوفينية) خصوصاً وأن المؤلفة لاتتوانى عن عرض التفاصيل المؤلمة؛ مهما بلغت فظاظتها وبشاعتها واستفحلت كوابيس الرعب الطاغي الجاثمة على صدرها؛ فقد أفلحت في إستحضار لحظات الحالات الفريدة العصيبة والعصيّة على التعبير والتدوين! بل وباحت بالحقائق مهما كانت مريرة"...فإن المرء في نظري لايصبح بطلاً؛ إذا ما تحدث فقط عن لحظات قوته في مذكراته؛ لأن طبيعة الإنسان مركّـبة من جميع العناصر والحالات المتضادة" على حدّ قولها هي.

   إن "الذاكرة فنان عظيم" كما يرى أندريه موروا؛ فهاهي ذاكرة أديبتنا الباسلة مهاباد قرداغي،التي تراكمت فيها الذكريات القاسية لإعتقالها وسجنها وتعذيبها وحياتها من قبل ومن بعد، تنفجر تلقائياً في مذكراتها، منعتقة منها ومعبّـرة عنها؛ فيصبح كتابها (سنة في الجحيم) أفضل قناة تنفيس لها، بعدما طوت تجربتها الموجعة المريرة لأكثر من عقدين تحت وطأة كابوس نظام شمولي طغياني،يتضافر فيه الإستبداد السياسي والتخلف الإجتماعي والجمود الفكري؛ حيث لاضمان لأيّ حق من حقوق الإنسان، في حمأة سلطة شوفينية فاشية عسكريتارية مكرّسة لتقديس وتأليه الزعيم(الكاريزما)الأوحد!

   لقد عاضدت (الذاكرة الفنانة) كاتبتنا،التي استحالت سنة سجنها بؤرة لأشعة الماضي والحاضر والمستقبل، عاضدتها في استحضار المشاهد المهمة من طفولتها وفتوّتها، إضافة إلى مجريات تجربتها المريرة،التي عاشتها في الجحيم العفلقي معتقلة ومعذّبة وملاحقة ومناضلة، حيث تسترجع عبر ذاكرتها القوية والحادة شتى المشاهد المؤسية: الإستهانة بالإنسان، حفلات التعذيب، الوحدة والعزلة، الظلام، الروائح النتنة، القيظ الدبق، القمل وكابوس الصمت الثقيل، ناهيكم عن إنفعالات ومشاعر الخوف والرعب والقلق والأسى والإحباط والخيبة والغضب والتحدّي.. "...فعالم السجن دائماً (كما إستقصاه د.جابر عصفور) سواء في روايات السجن أو ذكرياته، هو عالم حدّي، القسوة فيه مطلقة، والعنف لاحدّ له، والظلمة مطبقة تماماً كأبواب الزنازين المغلقة، والضيق هو الشعور المقموع المناقض تماماً للشعور بالحرية، والقذارة منتشرة كالحشرات، والطعام هو مرآة المكان الضيق المحاصر، والمراحيض ممتلئة بالبقايا الآدمية التي تزيل الفارق بين الإنسان والحيوان. فالمطلوب من زنزانة الإعتقال في النهاية هو تحويل الإنسان إلى حيوان، أو شيء لاإرادة له، ولاقدرة له على المقاومة، ولاأمل له إلاّ في مكرمة من سيّد المكرمات الأكبر، الحاكم الأوحد الذي لاحاكم سواه، وماعدا الصمت الذي يمتدّ ثقيلاً، لزجاً، دبقاً، كثيفاً، يمكن أن يُرى ويُحَسّ خصوصاً في تثاقله الذي يهبط على الصدر؛ فيكاد يخنقه"

   لم يقتصر(سنة في الجحيم) على تقديم مشاهد الإعتقال والتعذيب وصور قلمية لنماذج من السجينات والسجناء والجلاّدين والمسؤولين فحسب، وإنما تعدت ذلك إلى عرض مشاهد حاضرة وماضية ومستقبلية لخارج السجون التي تنقّلت فيها الكاتبة، ومنها المشهد الرحيب لنضال كُرد كَرميان وتضحياتهم الجسيمة في الثورة والمقاومة خصوصاً. وكذلك معاناة ومحن الشعب الكردي عموماً كوقائع تسفير الفيليين وحجز وتغييب الآلاف من شبابهم، وأنفلة آلاف البارزانيين، وحجز مئات العوائل الكَرميانية كرهائن، ثم إبادة آلاف الكرد بالأسلحة الكيمياوية وأنفلة أكثر من مائة وثمانين ألف كردي وكردية، بل وكيف أن الكردي كان متهماً بل ومجرماً؛ بجريرة كونه كردياً ليس إلاّ، أو لمجرد عدم إنخراطه في صفوف القتلة! كما تحدثت المؤلفة عن إعتقال الشيعيات والشيوعيات، وجرائم البعث البشعة في جحيم السجن الأكبر(العراق) وإنتفاضة (1991) العارمة، من منظور فكري إنساني لحمته وسداته الإنفتاح والتسامح والدعوة إلى التآخي القومي والتعايش السلمي؛ مبرهنة حقيقة تكريس وجودها للنضال من أجل قضيتها القومية وقضية المرأة الكردية والقضية الإنسانية.

   لقد إتخذت مذكراتها عن سنة سجنها وماقبلها ومابعدها شكل رواية تسجيلية ممزوجة بسيرتها الذاتية " لقد أخذت بصورة عفوية وتلقائية شكل رواية نوعمّا، لكنما لم أشأ فرض طريقة معيّنة وقالب محدد عليها؛ فقد إنصبّت كشلاّل هادر في شكلها الحالي" على حدّ تعبيرها. ولقد أعانتها موهبتها وجرأتها الأدبيّتان فضلاً عن صدقها التاريخي، في بحثها الجسور عن الحقيقة بإستحضارها وتجسيدها لمشاهد العنف والضراوة والقسوة ولحظات الضعف والقوة لديها ككائن بشري من لحم ودم وأعصاب، مؤكّدة بسردها الصادق عبارة "السيرة إستغراق الذهن وتطييب الخاطر في الشك، وليس في اليقين" لنيكلسون.

   لقد كشفت مهاباد قرداغي في (سنة في الجحيم) عن حس وإدراك مرهفين وهي تغوص في شتى الحالات النفسية المتباينة، وتصوّر اللحظات الإستثنائية الحبلى؛ بمثابة بؤرة للتعبير عن آلام التعذيب والسجن وحتى اللوذ بحنو الخيال. وقد تجلّت قدرتها الفنية في انتقاء أهم الأحداث والوقائع والتفاصيل الدقيقة وأكثرها جذرية وضرورية، بوصفها حقائق موثقة.

   ومثلما تبدد هذه الشهادة الدامغة كل ضباب زيف العفالقة؛ فهي تكشف أيضاً عن حقيقة تغيّر وتطوّر شخصية شاعرتنا مهاباد ونضجها المبكرخلال سنة واحدة ، بصورة جذرية؛ إذ أثار القمع ونمّـى وأنضج شعورها وإدراكها ووعيها، فتطوّرت كإنسانة وأديبة قاطعة أشواطاً طويلة في غضون فترة قياسية آنذاك ولاحقاً. فرغم كل ما مارسه البغاة البرابرة من تعذيب جسدي ونفسي ضد الصبية اليافعة مهاباد لم تخنع ولم تنهزم، بل لم تكف عن نضالها السياسي والثقافي ضدهم ؛ ممّايذكّرنا موقفها ووضعها بعبارة همنكَواي الذائعة "قد يتحطّـم الإنسان، لكنه لن ينهزم أبداً"

   لقد دعت المؤلفة كتابها بـ (مذكّرات) أي بكتاب سِيرَوي، وقد أصابت في تصنيفها؛ مادامت "السيرة هي قصة تطوّر نفس بشرية، والتاريخ بالنسبة إلى هذه النفس مثل الخلفية التي يضع رسام البورتريت نموذجه أمامها" كما يقول أندريه موروا.

   فلا غلوّ إذنْ؛ إن قلنا أن(سنة في الجحيم) يضاهي (تحت أعواد المشنقة) لفوتشيك و(كتاب لمانويل) لكورتاثار و(مذكّرات في سجن النساء) لنوال السعداوي، والكتب العراقية في هذا المضمار؛ وعليه فهو يستحق الترجمة إلى اللغات الأخرى، والمسرحة، وتحويله إلى فيلم سينمائي أو مسلسلة تلفزيونية.

   إن كتاب (سنة في الجحيم) وأمثاله أدلّة ملموسة على قدرة (الكلمة النبيلة) على كشف (المسكوت عنه سكوت أبي الهول!) وعلى حفظ الحقيقة حاضراً ومستقبلاً؛ مهما بدت الكلمة عاجزة أمام براثن الجلادين/ زبانية الجحيم وآلات تعذيبهم وأسلحتهم الفتاكة؛ ولذا فقد "بدا لي أننا تعلّمنا ممّـا دفعنا ثمنه غالياً؛ فالتاريخ لايقدّم دروسه مجاناً" على حدّ تعبير الأديب المبدع فاضل العزاوي.

جلال زنكَابادي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*من منشورات مؤسسة آراس،ط 1أربيل2005 باللغة الكردية.

 

 

مقدمة

 

     إن ذاكرة أيّ واحد منّا مكتظّة بالأحداث، المآسي، الحالات الحلوة والمرّة، الشعور والخيال، الحب والحقد، الغضب والتسامح، وكل الظواهر المتعلقة بالإنسان.

  وفي حياة كل إنسان لحظات عمومية جداً، وأخرى خصوصية جداً. ثمة لحظات يمكن التعبير عنها بيسر، وأخرى يكون التعبير عنها أقرب إلى المحال. إن مجمل تلك اللحظات الإعتيادية واللاإعتيادية، الهيّنة والعصيبة يشكل عمر الإنسان، ولولاها لما استحالت الحياة مكوكاً للكفاح. إن حياة كل إنسان تشبه الملحمة بشكل من الأشكال؛ إذ "في مقدور كل إنسان أن يكتب رواية من ثلاثة أجزاء؛ بشرط أن يكون على دراية تامة بكليهما:الأدب والحياة" على حد قول أوسكار وايلد.

  ثمة لحظات ماضية مستحيلة التدوين، والإنسان يستغرب إنْ وجد تدوينها عصياً للغاية؛ فكيف إستطاع أن يعيشها؟! فمثلاً : كيف يمكنك التعبير عن لحظة إلتياع جارف جداً،تلك اللحظة التي تفكر فيها بإنسان عزيز عليك، وتكاد أن تجن للقياه، بينما يكون في تلك اللحظة بعيداً جداً عنك، وأنت معتقل، ولاتستطيع الحركة؛ لتذهب إليه، وهو محظور من لقياك؟! فالسبيل الوحيد للقائه إذن؛ هو عالم الخيال، وأنت تدرك بأن الخيال مجرد عالم سرابيّ ليس إلاّ، وهو فقط تنفيس وتسكين مؤقت؛ فبعد خروجك من عالم فانتازياك؛ ستمتليء بالحسرات من جديد. إن التنهيدات والحسرات والزفرات الحرّى لن تُروى بالكلمات، ولن تُكتب!

  ليس صعباً أن تقيس أغوار بحر، إرتفاع جبل، ورحابة فضاء، إنما صعب، بل وصعب جداً أن تقيس الوجع والألم، العشق والجيشان والهيجان، ونكهةالموعد. أجل؛ بأيّ مقياس يمكنك أن تقيس هذه الحالات؟! كيف تستطيع التحدث عن مدى جمال وحلاوة الحب، إذ يبدو محبوبك في عينيك هو الأجمل، وفي قلبك هو الأحلى، وينبوع النقاء ومهابة الحياة؟ في حين قد يكون عن ذلك الإنسان إنطباع آخرعند الآخرين الذين لايرونه بعينيك، ولاتراه أنت أيضاً بعيونهم. فالنظر والإبصار مقياس كلا الطرفين، لكن الرؤيتين مختلفتان.

   الحقد مثل الحب لايُروى بالكلمات ولايكتب، ومن الصعب جداً رواية وقياس غضب وانزعاج لحظات الحقد؛ إذ كيف يمكنك أن تدوّن حقد جلاد ضار في غرفة تعذيب لايستبقي أيّ معنى لحياتك ولإنسانيته كذلك؛ حيث ينهال ضرباً على كل بقعة من جسمك؟! ثم كيف يمكنك أن تدوّن حقدك ضده، بينما تشعر بعبثية الوجود وهمجية الإنسان؟ ومع كل تلك الصعوبات في التعبير عن كل ذلك، إلاّ أن الإنسان لن يكفّ عن محاولاته، بل طالما يروم إيصال تلك الأحاسيس، والأفكار، وذكريات اللحظات الإستثنائية المعاشة إلى الآخرين؛ لكي يتذوقوها، أو يستنتجوا منها الخبرات والعِـبَـر.

 

      إن الكثيرين، لاسيما الذين عملوا، وناضلوا في الجو العام لمجتمعنا يدوّنون مذكراتهم؛ ساعين إلى تقديم صور ملتقطة من تلك اللحظات الكامنة في ذكرياتهم بالعدسة المقرّبة لكاميرا شعورهم ولاشعورهم ووعيهم ولاوعيهم، حيث ظلت محفوظة ومتراكمة في مكان لامرئيّ، تملأ اللاشعور باللحظات العاتية الموجعة، والذكريات المتشنّـجة، الهشة والشتيتة، والمواضيع الكامنة غير المستثارة. فهم يسعون بتدوين ذكرياتهم إنتزاعها من غور مكامنها، وإخراجها إلى السطح الخارجي للنفس وعرضها كفلم تراجيدي تتخلله اللقطات الكوميدية، ويخلّصون في الوقت نفسه أنفسهم من تلك المشاهد المتكدّسة. فمن الضروري تصوير وسرد مشاهد الزنازين وأمكنة التعذيب، سواء من حيث أهميتها التاريخية للأجيال القادمة؛ للتعرف على حيوات ونضالات الأجيال السابقة وتقييمها؛ حتى تنضاف إلى خبراتهم، أو من حيث الأهمية النفسية؛ إذ سيتخلص ذلك الإنسان المعذب من تلك المشاهد الجوّانية الموجعة على الدوام، أو قد تهدأ آلامه نوعمّا.

   يمكن أن تكون المذكرات جزءاً مهماً من التاريخ الإجتماعي والسياسي للمجتمع؛ لأنها تشتمل بطبيعتها على سيرة حياة كاتبها والمرحلة التاريخية والبيئة التي عاش فيها؛ إذا ما تمكن من إلتقاط صور ظواهر مجتمعه، في تلك المرحلة التاريخية، وأوصلها بأمانة؛ لأن المذكرات تتناول السير الحقيقية للناس والبيئات، التي عاش فيها كتابها والمحيطون بهم؛ وذلك مهم جداً، وتستوجب المسؤولية التاريخية أن يسجّلوا الأحداث كما حدثت فعلاً. علما بأن في مقدور الإنسان أن يختار أيّ أسلوب يحبّذه لكتابة مذكراته، وأن يستخدم أية كلمات جميلة للتعبير، لكنما بشرط أن يقدم الحقائق كما هي في الواقع، بلا تردد في سرد أيّ حقيقة مهما كانت مريرة وصعبة البوح والإعتراف!

   لقد شغفت بقراءة مذكرات الآخرين؛ للإطلاع على التفاصيل والجزئيات الصغيرة وأطياف الأحاسيس واللحظات المثيرة والراجّة....،أي تلك التفاصيل التي تكشف عن الحالات النفسية لكاتبها في شتى اللحظات المختلفة والمتباينة في حياته، بما فيها حالاته النفسية القوية والضعيفة، بكاءاته وضحكاته. كل لحظاته، حين يكون حزيناً، فرحاً، آملاً، يائساً، خائفاً وجريئاً، ثم لحظات: الحقد، الحب، الشفقة، النسيان، و...الخ، فجميعها يحدث في حياة كل إنسان، سواء أكان رجلاً أو إمرأة.

   وكتب المذكرات بالكردية مؤلفة من قبل الرجال لحد الآن، ويندر فيها الحديث عن لحظات الضعف، البكاء، النشيج، والخوف، بل بالعكس تعرض حالات البطولة، الإقدام والجرأة؛ فساورني التساؤل: ترى لماذا لايتحدث هؤلاء عن الحالات الأخرى، خصوصاً وان الرجال الكرد قد مرّوا بها وعاشوها: لحظات الرهبة في الخنادق، لحظات الإنتحاب عند التعذيب، هُـنَـيهات اليأس عند الشعور بالعجز أمام الأعداء؟ بل يخامرني تساؤل آخر: ترى لماذا لايتحدث هؤلاء الرجال عن الحب في سِيَرهم الحياتية؟ إنهم يتحاشون الحديث عن تجربة الحب،التي هي أسمى التجارب الإنسانية في حياة الإنسان؛ فلا أحد في هذه الحالات ينعدم عنده حب الحياة ! ومهما كان الإنسان شجاعاً؛ لايمكن ألاّيعتريه الخوف؛ لمّا يواجه الموت، ولو للحظة واحدة، إذ يظفر به شبح الموت ويرهبه؛ فلذا من الضروري والأهمية الفائقةً أن يتناول صاحب المذكرات تلك اللحظات الفريدة، حين إجتاحه الخوف، حين بكى، حين أحس بالإختناق، وحين فقد الأمل. لأن كلها حالات طبيعية في حياة الإنسان، فإذا لم يتحدث عنها؛ فلا يعنى ذلك أنها حالات غير طبيعية.

   ومن وجهة النظر هذه، التي جعلتني أتأمّل المذكرات التي قرأتها؛ شعرت أن عليّ أن أحاول التحدث عن تلك التفاصيل النفسية المتعلقة بتلك الحالات الواقعة في حياتي عموماً، وفي سنة سجني خصوصاً؛ ولذا حاولت منذ شروعي بكتابة مذكراتي هذه أن أستحضر لحظة بلحظة سائر حالاتي وإنفعالاتي النفسية: البكاء، الخوف، الرعب، الشجاعة، النسيان، اليـأس، الأمل، الحقد، والحب، سواء أكانت حسنة أم سيئة، مدعاة للفخر أم للعيب والخجل، سواء أكانت جميلة أو قبيحة؛ مادامت هي التي كوّنت شخصيتي كمُحَـصّـلة؛ يجب أن أعرضها كما هي؛ فمهما كانت، لست أنا المسؤولة الوحيدة عنها، ولست وحدي التي قررتها؛ لكوني فرداً من عائلة، من مجتمع ومن أمّة. بل وكان للناس المحيطين بي ولمجتمعي وللبيئات الحياتية التي عشت فيها تأثيراتها فيّ، كما كنت مؤثرة فيها؛ ولذا من الطبيعيّ جداً أن أتحدّث دونما خجل ووجل عن حالات الضعف في حياتي.

   في مجتمعنا، للأسف، كان الاشخاص البارزون في الأجواء العامة هم الرجال؛ فكانت المذكرات باللغة الكردية هي مذكرات الرجال من الساسة والمثقفين. أمّا المرأة الكردية فلكونها مجبرة دوماً على العيش داخل المنزل كحريم في جو خاص ومغلق؛ فقد إزدحمت ذاكرتها بالأشياء الخاصة، لكنما ثمة نسوة أخريات، لاسيما حالياً، بمثابة شخصيات عامة، حيث يعملن ويناضلن في المجالات العامة، في ميادين السياسة والأدب والفن والثقافة، ونضالهن ملحوظ. ومع كل ذلك لم تحتضن المكتبة الكردية حتى كتابَ(مذكرات) واحداً لإمرأة كردية! لكي يطّلع الآخرون على جوانب حياتها ونمط شخصيتها، وكيف تنظر إلى الوجود، وأية تجارب وخبرات لديها وكيف تستحضر تجربتها الحياتية.

   إن أحد أسباب ندرة التأليف لدى المرأة، هو كون اللغة أداة في حوزة الرجل المحتكر لحقّ الكلام طوال التاريخ، وللّغة الكردية النمط نفسه من التكوين، وحتى عندما تستخدم المرأة لغتنا الكردية، فهي تقع  دون أن تدري في الأسلاك الشائكة الموضوعة في تكوين لغتنا،التي هي لغة بطريركية(أبوية)؛ لذلك أعتقد أن المرأة حينما تكتب؛ ينبغي أن تنتزع اللغة من ذلك الغلاف،الذي يمثل كسوة الثـقافة الذكورية، وأن تستخدم لغة حيادية، لغة كردية جديدة، تخلو من الصور التي تعرض المرأة كأمَة (عبدة). إن هذه الأداة مهمة ونادرة؛ لأنها(أي اللغة) في حد ذاتها موجّهة للفكر أيضاً.

   للمرأة ما هو مهم وذوقيمّة للقول، ولها سيرة تستقطب المسامع، ولها أفكارها وفلسفتها الخاصة الجديرة بالتأمل، وعندها تكنيكها الخاص للتعبير عن كل ذلك؛ فلماذا لاتكتب إذاً؟ وممّ تخاف وإلى متى؟!

   لقد إنخرطت كعضوة في الجو العام لمجتمعي في سن مبكرّة، مشاركة في الأنشطة السياسية والأدبية والإجتماعية؛ ومن ثم قدّمت نتاجي الفكري بصورة كتب: شعراً، قصةً، روايةً، دراسات وأبحاثاً إجتماعية وتربوية...الخ. لربما كان أسلوبي وفحوى أفكاري جليين إلى حد ملحوظ، إلاّ أن حياتي الخاصة والأصح حياتي الخاصة المتواشجة مع الحياة الإجتماعية العامة رغم إنعكاسها في بعض أعمالي، ماتزال مجهولة بتفاصيلها الدقيقة؛ ولذا قد تكون هذه المذكرات عوناً لمن يهمهم التعرف على أديبة كردية، كيف كانت بداياتها، وطبيعة البيئة القومية(الإجتماسياسية)التي نشأت فيها.

   بمثابة عُرف سائد؛ تكتب المذكرات في سن متقادمة، فأصحابها قد تناهز أعمارهم الستينات والسبعينات، لكنني لم أبلغ الأربعين بعد! وفي رأيي إذا كان لدى المرء مايقوله، وانوجدت أحداث يرويها، وحاجة للتعبير، لصب جام آلامه؛ فليس من الضروري أن ينتظر سنوات الشيخوخة، حتى يصوغها...! ثمّ هل سيتاح لي أنا الكردية، أنا الكاتبة الحرة، أنا المرأة ذات الصوت والنشاط أن أشيخ، ومن ثم أدوّن مذكراتي؟! ثم هل ستظل في ذاكرتي هذه الأحداث الطازجة الحية بكل تفاصيلها الدقيقة حتى ذلك المستقبل البعيد؟ وهل سأستطيع في المستقبل أن أصوغها بنفس قدراتي الحالية؟!

      ربما سأصيب بهذه المذكرات ثلاثة أهداف:

   أولها: هدم ذلك الجدار السميك الذي أقامه البعث داخل نفسي؛ بشـتّـى صنوف التعذيب.

   ثانيها: تحطيم العُرف المتبع، ألا وهو كتابة المذكرات في الشيخوخة.

   ثالثها: هدم حاجز صمت النساء على مستوى الحياة الشخصية وسيرهن الذاتية، وفتح الباب أمام نساء المجال الإجتماعي العام لكتابة مذكراتهن، دونما تهيّب وخجل في الحديث عن تلك اللحظات التي ربما تُحسب عيباً وعاراً ومدعاة للخجل. ففي رأيي أنه ماعدا خيانة الوطن، خيانة الإنسان، موت الضمير، الكذب، والسرقة وماشابه ذلك، ليس ثمة في حياتنا ما يدعو إلى الخجل، إنما بالعكس علينا أن نفتخر، لاسيما بالحب والجوانب العاطفية في حياتنا، بالضد من التقاليد والعادات البالية المنافية للمنطق، والتي تحسب الحب عيباً وعاراً!

  سبق أن نُشِرت هذه المذكرات مسلسلة في صحيفة (ميديا) ولأن للكتابة في الجريدة تقاليدها الخاصة؛ فلم أولِِ التفاصيل الدقيقة الإهتمام الكافي الذي تستحقه وقتذاك. وحينما راجعتها وأعددتها ككتاب؛ إهتممت بها، مالئة ثغراتها، مستدركة إضافة ماكنت قد نسيته وماقد فاتني؛ فأصبح الكتاب الحالي بمثابة طبعة مزيدة ومنقحة.

   لقد أفلحت في كتابة هذه المذكرات؛ إثرمعاناة وعذابات طويلة مع لحظات آلامي في السجن، ومحاولة التعبير عنها بضع مرات؛ إذ ولد الفصل الأول منها بعد مخاض مبرّح جداً، لكن فصولها الأخرى ولدت بعد حين بصورة طبيعية دون عسر يُذكَر. ولقد أخذت بصورة عفوية وتلقائية شكل رواية نوعمّا، لكنما لم أشأ فرض طريقة معينة وقالب محدد عليها؛ فقد إنصبت كشلال هادر في شكلها الحالي، ومع ذلك كنت واعية لحقيقة ألاّتكون مذكراتي من أجل المذكرات فقط؛ إنما من الضروري أن تشتمل أيضاً على رسالة؛ فقد كنت صبية كردية يافعة حين سجنت؛ ولذا على الشبيبة الكردية الشبان والشابات أن يستشعروا ويستشعرن وجود رسالة خاصة بهم/ بهن. ثم انني إنسانة كردية، صاحبة قضية كبيرة ومهمة، هي قضية الكرد وكردستان، وهي قضية لن أرتاح ولن يقر لي قرار؛ مالم تعالج؛ فما هي رسالتي إلى الإنسان عموماً، وإلى أبناء وبنات أمتي؟ يمكن أن يتبيّن ويتجلّى كل ذلك في هذه المذكرات.ومن ثم إنني إمرأة وصاحبة قضية هي قضية المرأة؛ فما هي رسالتي للنسوة عموماً وللمرأة الكردية خصوصاً؟ وهنا وجب عليَّ حسب اعتقادي ألاّأتناس وأتجاهل هذا الجانب.

    لقد كتبت مذكرات سجني،التي ذكّرتني للأسف بصنوف تعذيبي؛ لذا أعرف أن قراءتها صعبة ومؤلمة، مثلما كانت كتابتها موجعة. ثم أنني شئت التحدث بصدق عن لحظات البكاء والإنقباض والتشنج والإختناق والإنزعاج والخوف والرعب، ولحظات الإنفعالات الحبلى بالخضّات والرجّات والهزّات؛ فإن المرء في نظري لايصبح بطلاً؛ إذا ما تحدث فقط عن لحظات قوته في مذكراته؛ لأن طبيعة الإنسان مركبة من جميع العناصر والحالات المتضادة، فمن الطبيعي أن يخاف الإنسان أثناء القتال، أو في غرفة الإعدام، أو أمام الجلاد العاتي. إنما لايدل ذلك الخوف على الجبن، بل هو خوف إعتيادي وطبيعي؛ فلماذا لانتحدث عنه؟! ليس البكاء في نظري عيباً، وليس إعتيادياً ألاّيصرخ شخص عند تعذيبه، وأن لايبدي حزنه وهو منقبض القلب ومكسوف البال. وألاّيبكي وهو يشعر بالغربة...وليس البكاء في نظري علامة ضعف، بقدر ماهو حاجة نفسية للتنفيس، وآلية للدفاع عن النفس؛ لابد أن يحدث وهو يحدث حتماً؛ حتى لانجنّ..إذ طالما أعبر بالبكاء عن شعوري العميق جداً حين أتذكّر عزيزاً فارقني، من المحال أن أراه في تلك اللحظات، أو لمّا كنت أتذكّر الوطن وأنا في المنفى، شاعرة ببركان يتفجّر في أعماقي. إن الكلمات نوع من الدموع، وأنا أكتب بلاوجل، وأكتب بعشق وحب للقضايا التي إستحالت مباديء لي، حيث تتدفق كلماتي في بودقة: الشعر، القصة، الرواية، المقال، والدراسة. أجل؛ إن الكتابة نوع آخر من البكاء، لكنه بكاء ينبع من مكمن القوة مانحاً القوة، وليست كلتا قطرة ماء العين والكلمة الدمعة علامة عجز؛ فالأولى تغسل أغوارالنفس، والثانية تبث روح المقاومة وتوقظ الوجدان، وتبحث عن الحقيقة، وتسعى إلى إقامة صرح العدالة.

   لقد إتخذت من سنة زجّي في سجون البعثيين، والتي كانت أشدّ سنوات عمري جحيميةً، إتخذتها مركزاً ومنبعاً لتدفق هذه المذكرات. صحيح إنها ذكريات سنة واحدة في زنازين البعث، لكنما تسللت وانزلقت فيها أحياناً طفولتي وذكرياتي الماضية؛ لأنها كانت ضرورية، وهي متآصرة ومتواشجة جميعاً؛ حتى تقدم صورة متكاملة عن حياتي. وفي أحيان أخرى، وجدت من الضروري والأهمية، أن أهتم بحالات ما بعد سنة الجحيم، والتي حدثت ووقعت لاحقاً، ولها علاقة بي، وأقصد أنني تحدثت بوعي عن بعض لحظات أحداث السنوات السابقة للجحيم ومستقبل مابعد الجحيم عبر سنة الجحيم.

  وها أنا قد خفّفت الكثير من أعباء نفسي الجريحة المعذبة؛ بكتابة هذه المذكرات، فمنذ سنوات طويلة وأعماقي ترزح تحت ثقلها، وطالما إستحالت سبباً لكوابيس رهيبة ولجفلاتي من نومي وأرقي. وهكذا فقد تبلور عندي شعور جديد بعد إنتهائي من كتابتها، ألا وهو الشعور بأني قد نجوت إلى الأبد من السجن وكوابيسه الرهيبة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأرق

 

   الساعة الآن الثالثة وخمسون دقيقة صباحاً، فقد إستيقظت منذ أكثر من ساعة، ولم أبرح أتقلّب على جنبيّ، رغم أن مكاني الآن ليس بجحيم، وان غرفة منامي هادئة، والبلد الذي أنا فيه لم يشهد حرباً منذ قرنين، وأشبه مايكون بميناء مستقر هاديء، وان هذه القارة التي أنا فيها الآن بعيدة جداً عن "البلوى الطارئة، ظلم الظالمين، فتنة آخرالزمان، الكلب المسعور، والمصيبة الوضرة و...الخ" كأن أدعية وإبتهالات وتضرعات أمي وكل الأمهات الكرديات إلى الله؛ قد تحققت لهؤلاء (السويديين) و(السويد) التي باتت ميناءاً مستقراً هادئاً..ولكنني الآن مؤرّقة فيه، لربما ثمة الكثيرون من الكرد يستغربون هذا الهدوء وينتابهم الأرق في الوقت نفسه. والكثيرون منهم يفكّرون في الوطن ويحنّون إليه، إلى الوطن الذي أُحيل جحيماً، وتابوتاً مقيتاً، ورغم ذلك نظل نتذكره ونفكر فيه ونحنّ إليه؛ مادام قد عقد أرواحنا بذكرياته الحلوة.

  لعشرات المرات شرعت بكتابة ذكريات الجحيم، وبعد كتابة بضعة أسطر، أو أحياناً بعد صفحة، إجتاحتني الرجفة والقشعريرة؛ فلم أستطع مواصلة الكتابة لإختلال خفقان قلبي المضطرب، والأصوات الغريبة لحراس الجحيم وجلاوزته وجلاديه! فكنت أضع القلم جانباً في كل مرة، وأهرع إلى إبتلاع قرصين ضد الصداع، وأحاول تناسي تلك الأوقات الرهيبة التي محال أن تُنسى!

   وها أنذا الليلة مستفيقة مؤرقة، وقد إنتابني حال الدروشة في معمعة هاتيك الآونة، وأجدني من جديد في حالة أحّبذ كتابتها، بل أن أضع ولو رؤوس أقلام؛ لأستأنف تكملتها لاحقاً؛ إذ لابدّ  لي من أن أكتبها، أجل؛ ذلك ماقررته، والآن أجدد العهد لنفسي وللآخرين؛ مهما كانت رهيبة وجهنمية؛ فلابدّ من أن تدوّن، ولكن متى؟ ينبغي أن يحين وقتها، فأنا متيقنّة من أنها سوف لن تستغرق وقتاً طويلاً؛ إذا ما أزف مولدها، وسيفرّغني منها مخاض موجع مكثف لبضعة أيام. ففي الأيام الماضية، مثلاً، أدى مخاض مكثف ومركّز مثله إلى ولادة روايتي الشعرية (الحب ماء الحياة) النابعة من الجحيم أيضاً، وأحداثها متدفقة من :الأنفال والعشق والصحراء والمقابر الجماعية؛ فقد آن أوانها. فمنذ سنوات وأحداثها كانت تدور في رأسي، وكلّما شرعت في كتابتها، سرعان ما كنت أتركها بعد أسطر معدودات، أو بعد بضع صفحات؛ حيث كان قلبي يبدأ بالخفقان الشديد؛ فكنت أهرع إلى إبتلاع قرصين ضد الصداع، وأحاول تناسي أحداثها، لكنما حالما آن أوان ولادتها المحتّمة؛ لم أستطع الصمود أمام وابل مطر الكلمات وومضات الفلاش باك (الاسترجاعات) وأحداثها المتدفقة؛ فأنجزت كتابتها دفعة واحدة بلا أيّما توقف. بل ولم تستغرق كتابتها، أو بالأحرى مخاض ميلادها أكثر من عشرة أيام!

  والآن تشير الساعة إلى الرابعة وست وعشرين دقيقة، وأنا مازلت أتلوّى وأنقلّب في فراشي متوجعة من أرهب ساعات ذكرياتي؛ ولذا فقد قررت أن أشغل كومبيوتري، وأشرع فوراً في الكتابة، وبالذات تدوين ماجرى لي خلال أرهب لحظتين متشابهتين سمّرتا وقتي في درجة الصفر. وهما لحظتان كانتا تقتلان سائر اللحظات الأخرى، لاسيما لحظات السعادة في حياتي، وأنا أدرك حالما سأنجو من تينك اللحظتين، سيستحيل مضمار كتابة هذه المذكرات فلاة خضراء، سأذرعها بنزهة عادية درباً درباً حتى نهاية المطاف.

-         تكلّمي يا مهاباد! وإلاّ سنقطع لسانك!

-         لاتتكلّمي يا مهاباد! وإلاّ سنقطع لسانك!

   خلال سنة واحدة، فرض العفالقة عليّ هذين الأمرين! كانت المرة الأولى في 27 نيسان1980 والمرة الثانية في 25 شباط 1981 كنت في الأولى في الرابعة عشر من عمري، وفي الثانية كنت في الخامسة عشر. وقد صدر الأمر الأول عن مديرية أمن مدينة كفري، والثاني عن مديرية الأمن العامة في بغداد عاصمة الجحيم. وقد أسمعني الأول شخص نحيل، مصفر الوجه، ثقيل الظل، جاهل وسافل، هو(المفوّض نجيب) مدير أمن كفري، والثاني أسمعني أيّاه شخص ضخم مسودّ الوجه، غليظ الرقبة،لم أعرف إسمه، إنما كان أزلامه الحثالات يخاطبونه بـ (سيّدي) وكان سيّـدهم فعلاً!

   وفي كلتا المرّتين شعرت حتى النخاع ووجع الموت الزؤام بصوت قرض لساني؛ إذ سحبوا في كلتيهما لساني، ووضعوه بين فكّي مقصّ كبير حاد، ولم يكن التنفيذ يلزمه سوى ضغطة يد! وكنت في كلتا الحالتين أغمضت عينيّ وسمعت صوت قرض لساني!

   كانت المرة الأولى في كفري، وفي الأيام الأولى لإعتقالي، عندما كانوا يحققون معي ويرهبونني؛ لأعترف بأسماء الآخرين، وهم يدونون المحضر.

-هل لكِ علاقة بخالد كَرمياني؟

    كان ذلك الإسم في كَرميان يرعب العفالقة آنذاك! وقد ورد في مفكّرتي (يومياتي)التي وقعت بيد الجلاوزة؛ فاتخذوها مع بضع قصائد لي أدلةً ثبوتية ضدّي. كنت يومياً أدوّن فيها أنشطة وعمليات البيشمركَه والحوادث والوقائع المفجعة والمثيرة.حينما فاجأني الجلاوزة بإقتحامهم غرفة شقيقي، كنت مشغولة بالتحضير إستعداداً لأحد إمتحانات نصف السنة، إذ كنت في الصف الرابع الإعدادي، وكان المفروض أن أؤدّي ذلك الإمتحان بعد الظهر. كانت الغرفة غرفة شقيقي الأكبر قيس (قيس قرداغي:كاتب وصحافي كردي معروف-المترجم) ولم يكن فيها غير سرير وكرسي ومنضدة ومكتبة غنية. كان شقيقي قيس يدرس في بغداد، ويعود أسبوعياً مرّة واحدة، ليوم أو يومين، ثم يغادر...وكنت أقضي جلّ وقتي مع كتبه الثمينة،التي قرأت أغلبها، وبعضها مرتين وثلاثاً، بل كنت أحفظ بعض فقراتها عن ظهر قلب! وعندها إلتقط (نجيب) مفكّرتي اليومية، وتصفّـحها. ولأن المكتوب فيها كان بالكردية؛ لم يستطع أن يقرأ منه سوى الأسماء. وبعد أن وقع نظره على إسم الملا مصطفى البارزاني في أحد أيام آذار، وعلى إسم خالد كَرمياني في أحد الأيام ومفردة (قائممقام) شوّفني الأسماء وقال:

- سنأخذك وهذا الدفتر معنا.

   فشحب وجه أمي،التي هبّت تتوّسل بعربية مكسّرة، لايتضح فيها سوى (خاتر الله) وهي العبارة الملازمة لألسنة جميع الأمهات الكرديات،اللواتي كان أبناؤهن وبناتهن يتعرّضون ويتعرّضن للإعتقال، ولكن هيهات أن يكترث البعثيون الأوباش بـ (خاطرالله) إذ سرعان ما كانوا يقتادوننا إلى المجاهيل، إلى الجغرافيات المفقودة، وإلى دهاليز العالم السفلي!

   ومن ثم كثفوا تفتيشهم؛ فوجدوا بضع قصائد لي. كانت إحداها عن (الشهيد سيروان الطالباني) والباقية عن كردستان والبيشمركَه والثورة..كانت تمثل بداياتي الشعرية؛ إذ كنت قد نشرت قصيدتين قصيرتين حينذاك، وكدت أن أطير فرحاً لنشرهما، ولا أتصوّر وجود صبية مثلي مسرورة وشاعرة بالزهو آنذاك، إذْ كنت أكتب مزهوة إسمي تحت كل قصيدة لي، بل وأرفقها بتوقيعي وتاريخ كتابتها؛ فهل هنالك إذنْ أدلة أفضل وأدمغ ممّا وقع تحت أيديهم؛ لكي يتيقّنوا من أنها أشعاري،ومكتوبة بخطي، وبهذه الأصابع ، لكنهم مع ذلك ظلّوا يسألونني، فكان السرب الأول من أسئلتهم:

-                     هل هذه الأشعار لك؟

-                     نعم.

-                     هل كتبها أحد لك؟!

-                     كلاّ

-                     هل شجّعك أبوك وإخوتك على كتابتها؟

-                     كلاّ، ولاعلم لهم بها.

-                     هل شجّعك عمّك على أن تكتبيها؟

-                     كلاّ

-                     هل تعرفين خالد كَرمياني؟

-                     كلاّ

-                     إذن، لماذا كتبت إسمه في مفكّرتك؟

-                     لا أعرفه، سمعت بإسمه فقط، كل الناس سمعوا بإسمه، أنا لاأعرفه شخصياً، أعرفه مثلما يعرفه الناس.

-                     كيف يعرفه الناس؟

-                     ....

-                     وأنت كيف تعرفينه؟

-                     ....

- لن ينجيك الصمت، فلست في مكان يفيدك الصمت. من الأفضل لكِ أن تتكلمي؛ ثم نعيدك بأنفسنا إلى البيت.

   كنت أرتعد، وهو يقلّب صفحات مفكرتي ويسألني، ناظراً إليَّ باستخفاف واستهزاء. ثم نادى على فتى ضخم إسمه (نجاة) آمراًً : " إقرأ لي هذه الكتابات وترجمها لي" وراح يشير إلى ما في بعض الصفحات؛ ليترجمه(نجاة) له إلى العربية:

   "اليوم: تحل الذكرى الأولى لرحيل زعيم الكرد، الملا مصطفى البارزاني...."

   "اليوم: نفّذ خالد كَرمياني والبيشمركَه الشجعان من الفوج (51كَرميان) عملية لامثيل لها، فقد ألقوا القبض على إبن القائممقام وآخرين من حزب البعث الفاشي..."

   "اليوم: خيّطت أختي ليلى ثوباً لي"....

  لم يكن إستخدام المفكّرات اليومية شائعاً آنذاك، لكنني كنت أحبّذ إستعمالها؛ لتدوين بعض الأحداث، التي قد لاتبقى في الذهن. وكانت تلك هي السنة الثانية لإستخدامي لها، إذ كنت أدوّن فيها الأحداث السياسية والوقائع الخاصة بي. كانت تلك المفكرة بالذات مهداة إليَّ من صديق إسمه (طارق) واسم أبيه (عزيز) وقد إستدرك موضوع إسمه لاحقاً؛ فغيّره إلى(خبات- نضال) و ( خبات عزيز) هذا يعيش الآن في إيطاليا ويعمل في صحيفة إيطالية.

   في آذار1979 لسع خبر رحيل البارزاني مسامع الكرد عبر الإذاعات العالمية؛ فبكى أبي حينما سمع الخبر من الراديو، وبكينا معه. وطغى جوّ الحِداد على بيتنا ليلتئذ. وإذا بمدينة كفري بأزقتها وشوارعها وسوقها في صباح اليوم التالي تبدو كما لو أنها في حِداد عام؛ فقد كان الناس يرتدون الملابس السوداء. كنت في الصف الثالث المتوسط، وإذا بي أرى الطلبة بنيناً وبنات بملابس الحِداد! بحيث أخذ المدير يفتش الصفوف، ويهدد بطرد كل من يجيء غداً إلى المدرسة بملابس سوداء. فسجلت في مفكرتي تلك الواقعة. وفي الذكرى الأولى لرحيل البارزاني الخالد، لم أكتف بالكتابة عن المناسبة، بل كتبت أيضاً قصيدة ثورية. قد يستغرب البعض الآن ويتعجبون كيف عبّرت صبية يافعة عن عواطفها تجاه البارزاني الخالد آنذاك. لقد كتبت في الوقت نفسه شعراً عن (سيروان الطالباني) أحد أبرز شهداء (تجمع كادحي كردستان) لكن هذا لم يكن عجيباً آنذاك؛ لأن الكردايتي كانت هي الغاية، وكان البارتي (الحزب الديمقراطي الكردستاني) أداة لتحقيق تلك الغاية؛ فقد تربينا منذ نعومة أظفارنا على الكردايتي، وعلى النضال في سبيل تحقيق تلك الغاية المقدسة؛ حيث كان منظور والدي هكذا، وربّانا عليه. لقد بدأ حبي للبارزاني في صغري، بل حين لم أكن أعرف ما هي السياسة؛ إذ كنت أشاهد أحياناً أبي في وقت متأخر من الليل يغلق كل الأبواب جيداً، ثم ينزل لوحة (منظر طبيعي) معلقة في بيتنا، ويفكك إطارها على مهل كما لو انه يقلّب صفحات كتاب مقدس، ثم يستخرج من خلف المنظر الطبيعي صورة رجل عمره مابين الخامسة والعشرين والثلاثين مرتدياً بدلة أوربية خضراء اللون، وهو جالس على كرسي.وكان يتمعّن في الصورة بلوعة وغبطة، وهو يشوّفها لنا قائلاً : " هذا هو الملا مصطفى البارزاني" فكانت الغبطة تعتري قلوبنا أيضاً وتشع عيوننا بالألق. ومن ثم كان يعيدها إلى مكانها خلف المنظر الطبيعي ويثبتها جيداً، ويعلق اللوحة من جديد. في الحقيقة لم أكن أفقه كُـنْـه المسألة، إنما أدركت حسب مستوى وعيي آنذاك أن الرجل الموجود في الصورة شخصية مهمة، وهو محرر الكرد؛ ولذلك يحبه أبي وعمي ويتحدث عنه الناس بالتبجيل نفسه. ولأنهم كانوا يتهامسون بأسمه؛ فقد أدركت أنه ليس مهماً فحسب، بل ويقع ضمن المحظورات!

   وهنا أتذكّر حين كنت طالبة في الإبتدائية، وفي الصف الرابع بالذات، قد إختفى أخي الأكبر فجأة، كما إختفى الرجال من جيراننا وبعض أقربائنا وجيراننا مع عوائلهم، وكنت أسمعهم يتهامسون مع أمي : " فلان صعد إلى الشمال" كانت مفردة (الشمال) في كفري رديفة لمفردة (جبل) وبالذات لعبارة (الثورة الكردية) كان أخي الأكبر آنذاك في الثالثة عشر ومع ذلك فقد إلتحق مع زملائه الطلبة بالشمال. وكان عمي عبد الله أيضاً في(الشمال) ومع مضيّ الوقت، كانت المدينة تفرغ أكثر، والريف يمتليء! حيث راح الأطباء والمهندسون والمعلمون والمدرسون والطلاب والحرفيون يلتحقون بصفوف الثورة الكردية. وراحت الثورة تكبر وتكبر...ولكن فجأة حدثت نكبة كبيرة بحجم الثورة نفسها! لايمكنني أبداً نسيان ذلك المشهد؛ يالها من ذكرى حيّة، مريرة، ملؤها الكدر والغم! لقد كان أهالي كفري مصطفين على جانبي الشارع العام قرب الكَمرك منتظرين ذويهم البيشمركَه العائدين من(الشمال) كنت متعجبة؛ حيث رأيت الناس غيرمبتهجين بعودة ذويهم. كانت السيارات تعود تَـترى، وينزل من كل واحدة بضعة أشخاص عزّل، إذ كانوا قد سلّموا أسلحتهم في مكان آخر. كان جميع الناس يبكون؛ فأدركت أن فاجعة هائلة قد وقعت، لكنها لم تكن واضحة لي تماماً. وفي مساء اليوم نفسه وقفت سيارة، وإذا بشقيقي الاكبر ينزل منها بزيّه الكردي المغبر وشعره الطويل، كئيباً مكسوف الخاطر، فاستقبلناه مع أمي وعانقناه، ثم عدنا إلى البيت. وفي الليل جاء الأقرباء والأصدقاء والجيران لزيارته، وبعد مغادرتهم، بقينا وحدنا، فأمسى أبي يسأل أخي الأكبر السؤال تلو الآخر، وهو يجيبه. كنت أصغي للأسئلة والأجوبة ولحوارهما. وقد طلبا مني بضع مرات أن أذهب وأنام، لكنني لم أذهب، وظللت جالسة بينهما، وكنت سعيدة جداً، فقال أخي:

 "لابأس، لتبق"

ثم دعاني إليه وعانقني، وقال:

 "كنت أفكّر طوال الوقت في مهاباد، وقد إشتقت إليها كثيراً، وخاصة لمّـا كنت في مدينة مهاباد"

  وبينما كانا يـتحدثان عن تذويب الثورة، وإتفاقية الجزائر المشؤومة ودفن أحلام الكرد وهي حيّة؛ شعرت بحزن عميق جداً يتلاطم في قلبيهما، لكن جواب أخي عن سؤال أبي في نهاية الحوار،قد نمّى أملاً جديداً في وجهيهما:

-                     هل تتصور أن الثورة ستندلع من جديد بعد هذه الإنتكاسة الكبيرة؟

-                     بالتأكيد، فأنا متيقن من أن الثورة ستندلع من جديد، بعد سنة أو سنتين.

   ثم أخرج من جيبه مدالية فيها صورة البارزاني وأعطاها لي. لقد أصبحت صورة البارزاني في السنوات اللاحقة من أخطر الممنوعات في عرف البعث، لكنني ظللت محتفظة بتلك المدالية، وكنت أحملها معي حتى في المدرسة! ولم أشوّفها سوى لصديقتي العزيزة جداً (روناك جمال) بل وظلت عندي حتى فترة إعتقالي! ومن حسن الحظ أنها لم تقع بأيديهم؛ إذ كانت في جيب أحد قمصاني في الدولاب. وعند إعتقالي أخذ (نجيب) يسألني أثناء التحقيق بعد إطلاعه على الأسطر التي كنت قد كتبتها في الذكرى الأولى لرحيله:

-                     هل تحبين الملا مصطفى؟

-                     .....

-                     هل تحبين خالد كَرمياني؟

-                     .....

-                     السكوت من الرضا، أي أنك تحبينهما.

-                     ....

-                     هل تشجعك أختك ليلى على كتابة هذه الأشياء؟

-                     كلاّ

-                     إذن، لماذا كتبت إسمها؟!

-                     لقد خيّطت لي ثوباً، وهي غير مطلعة على ما كتبته.

   ثم فتحوا الباب، وأدخلوا معتقلاً بدت عليه آثارالتعذيب. كان وجهه متورّما. تعرفت عليه بالكاد؛ بسبب الكدمات الحمراء والزرقاء على وجهه. لم أره منذ أسبوع، إذ كانوا يعذبونه خلاله. كان يكبرني بسنتين فقط، أي كان في السادسة عشر من عمره.

-                     أتعرفين هذا الولد؟

-                     كيف لاأعرفه؟ إنه أخي صلاح!

-                     إذا بقيت صامتة ولم تتكلمي؛ سنفعل بك ما فعلناه به!

   وعندها أجلسوه أمامي على كرسي. كان رغم كل ذلك التعذيب ينظر حواليه بعينيه المفتوحتين على وسعهما، كما لو أنّ شيئاً لم يحدث له. ثم ورّث (نجيب) سيكَارة وناولها له، وأمره بالتدخين، فراح يدخنها، ثم خاطبه:

-                     قل لأختك أن تتكلم

-                     عمّ  تتكلم؟!

-                     لتعترف بأنها تعمل مع المخربين، وفي التنظيم، ولها علاقة بخالد كَرمياني نفسه.

-                     لا أعتقد ذلك.

-                     لقد جلبتك لتقنعها أن تتكلم ، لا لتعبر عن رأيك؛ فقل لها أن تعترف.

  لم يقل صلاح أيّ شيء، إنّما ألقى عليّ نظرة ذات مغزى؛ فشعرت عبر خلجات عينيه بمعنوياته العالية، وأدركت من نظراته أنه يشجعني على المقاومة والصمود. ثم أخذوه. لكن رؤيته كانت ذات تأثير إيجابي عليّ. فرغم أنني رأيته بوجهه المتورم،الذي شابته البقع الحمراء والزرقاء؛ غرست عيناه الطمأنينة والعزم بين جوانحي. هكذا إذن؛ فالتعذيب ليس ذا أهمية؛ فهاهو أخي بعد إسبوع من التعذيب لايبالي بشيء، ولايهابهم. لكنما ثمة فرق بيني وبينه؛ فقد كان صلاح فتى عجولاً جداً، حركاً ومشاكساً ومجازفاً وشرساً. كان يتسلق الشجر، وينطح الحجر! وطالما تعرض للضرب على يديّ أبي، أمّا أنا فلم يضربني أبي ولا مرة، بل لم يوبّـخني ولو بكلمة بتاتاً. وحتى في المدرسة الإبتدائية لم أتعرض للضرب سوى مرة أو مرتين خلال العقوبات الجماعية؛ لأنني لم أكن وقحة ولا كسولة.

   فتحوا الباب مرة أخرى، وإذا بأبي يدخل؛ فقد إستدعوه من دكانه في السوق. كان الحزن الطاغي عليه لايوصف؛ فقد شحب لونه وبدا وجهه كالليمون الأصفر. كان أبي يحبنا كثيراً. نادراً ماكان الآباء الذين رأيتهم يقبلون أطفالهم، لكنما مامرّ يوم إلاّ وقبلنا أبي، ثم انني كنت الأكثر دلالاً من بين أبنائه وبناته (كنّا سبعة) كان أبي يناديني ثم يقبلني؛ كلما عاد متعباً من العمل أو من السفر، ويردد مراراًَ:

"مهما كنت متعباً، فإن تعبي يزول؛ حالما أعود وأرى مهاباد"

أجل فقد كنت محظوظة جداً؛ ليس عند أبي فحسب، وإنما عند أعمامي أيضاً؛ فطالما قال عمي الأكبر:

"أطفالي في كفة ومهاباد في الكفة المقابلة"

بل كان يبالغ، ويتطرف أحياناً قائلاً:

"أولادي الخمسة فداء لمهاباد"!

   لم أمتلك آنذاك تفسيراً مقنعاً لمواقفهم، إذ كانت محبتهم لي في أوجها، وكنت أشعر بكوني طفلة محظوظة، فهل هنالك أحلى من أن يسبغوا عليك كل تلك المحبة؟ كنت مازلت في الثانية عشرة. وكنت خلال الصيف أذهب إلى بغداد، إلى بيت عمّي لأقضي عندهم شهراً أو شهرين. كان عمي كلما عاد من العمل؛ نجلس في الحديقة أثناء الأماسي، وهو يروي لي ذكرياته، وبعض ما حدث له فعلاً، وهو يقول:

"ألّـفي من هذه الأحداث قصصاً..."

والعجيب في الأمر هو أنني لم أكن قد كتبت شيئاً يذكر؛ كي يتكلم عن موهبتي في هذا المجال. فقد كتبت بعض الأشياء، لكنني لم أعرضها على أحد. وفي بعض المرات حينما كان الصداع يؤلم رأس عمي؛ كان يتوسّد فخذي، فأدلك فروة رأسه. لقد ساورني الخوف في المرة الأولى؛ حيث وجدت رأسه مليئاً بالحفر الصغيرة، ولم ألحظ ذلك من قبل؛ لأن شعره كان يغطيها؛ فسألته:

"عمي العزيز لماذا هذه الحفر في رأسك؟"

فأجابني:

"إنها من آثار التعذيب عند إعتقالي في 1963"

ثم روى لي كيف أنهم جلبوا صديقه المقتول (عبد الرحمن) وبتروا ذراعيه وساقيه أمامه؛ ليجبروه أن يعترف بأنه عضو في(البارتي). كانوا قد عذبوه كثيراً، وقد وعدوه بالإفراج عنه؛ إذا ما سبّ وشتم الملا مصطفى، ولكنه لم يفعل..كان يروي لي كل ذلك ويتحدث معي في السياسة بحماس، كما لو أنه يتحدث مع شخص كبير! وكنت بدوري أصغي إليه جيداً، وأشاركه الحديث وأسأله. وكان يفرحني جداً؛ إذ كان يسألني أحياناً:

"وماهو رأيك؟"

فكانت الغبطة تطغى عليّ؛ إذ كان يبدو لي أن رأيي ذوأهمية عنده، أي عند عمي إسماعيل،الذي أعتبره إنساناً خالداً في أعماقي، رغم رحيله الأخير في1984

  كان وضع أبي النفسي يومئذ عسيراً على الوصف؛ فلما أدخلوه الغرفة لم يسمحوا له أن يحضنني ويقبلني، بل لم يكن في مقدوره أن يكلمني بلا أمر منهم، ثم خاطبوه:

-                     يا إبراهيم! قل لبنتك أن تتكلم وتعترف.

 كان أبي مصدوماً، مشدوهاً ومبهوتاً. لم يكن يعلم لماذا إعتقلوني؟ وكان قلبه منذ أسبوع طافحاً بكرب وكمد إعتقال شقيقي صلاح، وهاهي إبنته العزيزة تلتحق به، إبنته التي يحبها بقدر الدنيا كلها، وهي موئل إستراحته، فنظرني أبي مذهولاً وسألني بالكردية:

-                     ما فعلت يا حياتي؟ لماذا أوقفوك؟!

  فأجهشت في البكاء. لم أستطع السيطرة على نفسي. كان بودي أن أرمي بنفسي في حضنه؛ ليدللني كما عهدته؛ وإذا بوضعه المزري يؤجج نشيجي. حاول أبي أن يتمالك نفسه سدى؛ فأنهمرت دموعه على خديه، فاقترب منه نجيب، وقال بعصبية:

-         يا إبراهيم! بنتك تعمل في تنظيم سرّي، وهي متعاونة مع المخربين؛ فقل لها أن تعترف؛ ثم يمكنك أن تصطحبها إلى المنزل، وإلاّ سنشنقها!

  فاضطرب أبي إضطراباً شديداً، وانعقد لسانه، في حين كان دائماً متحدثاً لبقاً، فصيحاً وبليغاً، فإذا به يعجز عن النطق، وهو يرمقني بعينيه المذهولتين ووجهه الشاحب، بينما كنت أنشج وهو يذرف الدمع الغزير. لقد كان في حيرة من أمره، لايعرف ماذا يقول لي، وماذا يقول لهم...وها أنا الآن أدرك بأنه كان وقتئذ نهباً لحالة جهنّمية!

   ثم سمحوا له بالإنصراف، لكن قدميه كانتا مترددتين؛ إذ كيف يذهب ويتركني فريسة لبراثن الوحوش؟! وكيف لايذهب وقد أمره أولئك الضواري؟!

  ما إن غادر أبي الغرفة، حتى جلب نجيب كيبلاً مسمّراً، ووقف أمامي وقال:

-                     شوّفيني يديك

 ففتحت يديّ وشوّفته راحتيهما.

فقال:

-                     لا، شوفّيني ظهر كفّيك.

فقلبت يديّ وأنا خائفة، وإذا به ينهال عليهما ضرباً؛ فأخذت أصرخ وأولول، فقال لي:

-         تأكدي أن هذا لاشيء، فهو للتذوق فقط، سنشوّفك جهنّم الحمراء؛ إذا لم تتكلمي، فقولي لي الآن من معك؟ من الذي شجّعك أن تكتبي الشعر؟

وظللت أبكي مرتعبة، فضغط على زر جرس، فدخل نجاة.

-                     هاتِ المقص يا نجاة!

-                     أمرك سيّدي

   فإجتاحني الرعب؛ إذ كان شعري طويلاً؛ فخشيت أن يقص شعري، إذ كنت قد سمعت من قبل، أنهم يقصون الشعور في السجون. لكنه لم يطلب المقص لقص شعري، إنما طلب من نجاة أن يمسك بلساني ويسحبه إلى الخارج، ويثـبته بين فكّـي المقص؛ فصرخت، وكدت أصاب بالسكتة القلبية وأنا أرى الموت بأمّ عينيّ، وأتحسس صوت قرض لساني يتناهى إلى أذنيّ، وهو يردد:

-                     مهاباد! إذا ظللت صامتة ولم تتكلمي؛ سنقطع لسانك.

 ثم تركوا لساني منتظرين أن أتكلم، بينما رحت أقسم بالله والقرآن بأني لست في التنظيم، ولا أحد معي، وقد كتبت وحدي كل ما كتبته بدون تشجيع، أو إطلاع أحد. لكنهم كرروا لعبة المقص معي بضع مرات. وفي النهاية طلب نجيب من نجاة أن يأخذني إلى غرفة أخرى، واستبقى المقص لديه. فأمضيت تلك الليلة في غرفة بالطابق السفلي من مديرية أمن كفري. لم أنم ولو لحظة واحدة، لكنني كنت مرهقة جداً، بحيث كان يُغمى عليّ أحياناً، ويعاودني الوعي.

  في إحدى الليالي الفائتة، عرضت فضائية (كردستان) في برنامج عربي مقابلات مع بعض الذين صلم البعثيون الفاشست آذانهم، وجدعوا أنوفهم؛ فإضطربت كثيراً. وقد عرضت أيضاً إحدى القنوات الفضائية العربية رجلاً مقطوع اللسان؛ فكيف لا تجن من هي مثلي عند مشاهدة مثل هذا المنظر؟! ورغم أنني أغيّر القناة فوراً، لكنما الذكريات الجهنمية تظل تنقضّ عليَّ. هنالك آلام لايمكنك التعبير عنها؛ لكبرها وهولها؛ حتى لو كنت أحد عباقرة الكتاب العالميين! إن ذكريات سنتي الجحيمية صنوة لتلك الآلام المبرحة. ليس لعجزي عن سرد ووصف صنوف التعذيب، وإنما لأنه بعد سنة من الآلام المبرحة وفي يوم إطلاق سراحي، بعد أن حكمت عليّ محكمة الثورة السيئة الصيت بسنة حبس ومبلغ من النقود كغرامة، وثلاث سنوات تحت الإقامة والرقابة، لم ينس الجلاوزة الأوباش تكرار لعبة المقص معي، لكنما بصورة معكوسة؛ إذ قالوا:

-                     إذا تكلمت عن تعذيبك، أو عن السجن بسوء؛ سنقطع لسانك. إذا تكلمت يا مهاباد؛ سنقطع لسانك!

   وهاهو نظام قطّاع الألسنة قد ولّى منذ أكثر من سنة، بينما طفحت أغواري بالآلام الجهنمية خلال الأربع والعشرين سنة الماضية، بعد أن إكتويت بها في أرق سنوات عمري، ولم أبرح بعد الإنتفاضة أحاول عشرات المرات، التهيّؤ لكتابتها، غيرأني لم أفلح، لكنني متيقنة من أنني سأكتبها حتماً؛ مادمت قد قررت ذلك منذ أمد بعيد، إلاّ إذا حال موتي المفاجيء دون ذلك.

  هاهي الساعة تشير إلى السابعة صباحاً...حسناً؛ فقد أفلحت في أن أتحدث لكومبيوتري عن تينك اللحظتين الجهنميتين على الأقل..أجل، حسناً فعلت إذ غادرت فراشي ولم أبق مؤرقة أجترّ تلك الذكريات المريرة.

   ألا ماأحلى الكتابة! أشعر الآن بأن عبئـي الثقيل قد خف. أجل..ما أحلى أن تتمكن من التعبير عمّا حدث وعمّا يحدث؛ فليسقط المقص القاطع للألسنة، وليسقط مقص الرقابهّ...

يا لهول التهديد بقطع لسانك!

والأشد هولاً هو أن تجبن وتمتثل لهم ولا تنطق بعد تلك التهديدات!

إنما السكوت عن الباطل كارثة!

والكارثة الأشدّ هولاً هو أن تمارس الجور بنفسك، أو أنت تكون واحداً منهم!

 

 

 

 

 

البلوى الطارئة

 

   قضيت ليلتي الأولى في غرفة غير إعتيادية، في سجن مديرية الأمن بكفري. كنت أرتدي الزي المدرسي: قميص أبيض، وتنورة زرقاء. كانت الغرفة رطبة، نتنة الرائحة. لم يكن فيها شيء. مجرد أربعة حيطان وسقف وباب مغلق. كان يتناهى إلى مسمعي صوت غيرإعتيادي: صرخات واستغاثات كبار وصغار، رجال ونساء. كنت على علم بوجود فتيان معتقلين، وكوني الفتاة الوحيدة المعتقلة في المدينة آنذاك؛ فما هي هذه الأصوات ولمن؟! ففي الصرخات أصوات نسوة ينتحبن ويولولن! كان جسمي يختضّ ويرتجف هلعاً، حيث تختلط قشعريرة الخوف بوحشة الغرفة الرطبة. كانت أسناني تصطك؛ فأسمع صريرها. كان ظلي يتراءى لي على الحائط كشبح كبير؛ لوقوع نور ضئيل من مصباح معلق بالسقف. كانت أذناي مصعوقتين ومبهوتتين؛ بتأثير تلك الأصوات الزاعقة؛ وطالما حاولت سدّهما بيديّ دن جدوى؛ إذ كانت تعلو أكثر فأكثر! ثم رحت أدرك تدريجياً أنها أصوات مسجّلة؛ تستخدم لتحطيم معنويات المعتقلين وتعذيبهم نفسياً. ويبدو أنهم كانوا يراقبونني بطريقة ما؛ ولذا كانوا يرفعون الأصوات؛ كلّما غطيت أذنيّ بيديّ. ولئن كان كل ذلك ثقيلاً وصعباً على فتاة في الرابعة عشر؛ إلاّ أن صوتاً متمرداً في سويدائي كان يتحدّى ويحثني ويشجعني على المجابهة والمقاومة؛ فرحت أتذكر ليلتئذ كل الأناشيد والقصائد،التي قرأتها وحفظتها من قبل؛ فإذا بها تشجّعني على قهر خوفي. ولأنني شككت بمراقبتهم لي؛ فقد شجعت نفسي على أن أكون طبيعية وإعتيادية، وأنا أحدّث نفسي أنهم سيسرّون؛ إذا ما شاهدوني خائفة؛ فيجب عليّ أن أحرمهم من تلك المسرّة. لقد آزرتني تلك الفكرة كثيراً، واستطاعت أن تشحن روحي بمزيد من القوة والطاقة. كما غصت في تفكير عميق؛ لأحرر خيالي من ذلك السجن؛ فراح يحلّق بي تارة إلى صديقاتي الطالبات، وتارة إلى أبي وأمي وإخوتي وأخواتي، وتارة أخرى إلى عمّي، ومن ثم إلى الفتى الذي كنا قد تبادلنا رسالتيّ حب قبل أسبوعين من تلك الكارثة. كان ينبغي لذلك العمر الغض أن يمتليء بالمحبة والعشق، لا بالتعذيب والأذى والألم. كانت نظرتي للحب آنذاك مغايرة؛ فقد كان شعوراً مندمجاً بحب الوطن والكردايتي؛ إذ كنت أقرأ الحب وأراه بذاك المنظار. كان ذلك الفتى يكتب الشعر مثلي. وكانت قصائده زاخرة بمشاعر حب الوطن وجماله، بل وحصل تعارفنا عن طريق الشعر، رغم أنه كان يعيش في كركوك وأنا في كفري. وقد بدأ تعارفنا بواسطة أختي ليلى،التي كانت تدرس في كركوك، حيث أخذت قصائدي؛ ليطلع عليها الفتى، كماجلبت قصائده لي. وبعد مرور فترة طويلة على تبادل أشعارنا، أرسل لي رسالة يفاتحني فيها بحبّه؛ فاستجبت لدعوته. برغم أن علاقتنا لم تكن قد توطّدت بعد؛ إذ لم ألتق به من قبل سوى مرة واحدة، ولم يتجاوز لقاؤنا أكثر من خمس دقائق؛ فقد كانت تلك العلاقة ذات أهمية كبيرة لي وأنا معتقلة؛ فقد إستمددت من ينبوع ذلك الحب قوة باطنية كبيرة. في الحقيقة مازال الأمر هكذا لحد الآن في مجتمعنا، حيث تتعذر اللقاءات والحوارات الكافية بين الشبان والشابات؛ للتعّرف على بعضهم البعض بصورة معمقة. وكان ذلك أفضل لي؛ إذ لم أتعمق أنا المراهقة آنذاك في تحليل تلك الظاهرة، بل أصبح ذلك الحب مصدر قوة لي، فطالما كنت أفكر فيه؛ فيحملني على جناحيه إلى خارج الزنزانة، إلى حيث واحات الملتقى الخضر! فكان خوفي يتبدد ويتلاشى؛ كلما إستغرقت في تلك الأحاسيس والخيالات، بل لم أكن أشعر بوجود الأصوات والصرخات المسجّلة. وكنت أفزّ بين الفينة والأخرى؛ فأدرك بأنني قد غفوت هنيهة.

   كانت تلك الليلة الليلاء من أطول ليالي عمري، حيث رقدت متكوّرة على الأرض الرطبة. فالزمن في مثل تلك الأماكن بطيء جداً، وهو غيرإعتيادي؛ فأنت تشعر بكبر غيرإعتيادي؛ كلما مرّ عليك يوم في السجن، حيث تتحسس فعّـالية خيالك وأحاسيسك، وحيث تجبر حاسة بصرك على مشاهدة أدوات التعذيب، وحاسة سمعك على سماع صرخاتك وإستغاثاتك، ثم صرخات وإستغاثات زميلاتك وزملائك في السجن، وكذلك الأصوات المسجلة؛ بغية الترهيب، أمّا حاسّة شمّك فلها المزيد من الروائح النتنة للغرف الرطبة الضيقة والمظلمة وبقع الدم المتيبّسة على الجدران وركامات الغائط وبقع البول على الأرضيات. ثم يبقى لحاسة لمسك أن تتلقى السياط والكيبلات والمكواة والسكَائر. ومن ثم تبقى حاستك السادسة(الحدس) ناشطة أكثر من سواها؛ لتجعلك ترى في كل ثانية سيماء الجلاّدين المسعورين، وتوحي إليك بأنك ستنتهي وتغادر الحياة لامحال!

   بعد تلك الليلة الإستثنائية، إبتدأ نهار غيرإعتيادي؛ حيث أفزعت صلصلة دورة المفتاح في قفل الباب قلبي، فهاهم يأخذونني للتحقيق مرة أخرى. ومع شعوري بالفزع، ظلت في داخلي قوة خفية تشجعني على الصمود والمقاومة. ثم وجدت نفسي في غرفة مفوض الأمن بالطابق الثاني، حيث كان المفوض نجيب يجلس خلف مكتبه، فأجلسوني أمامه على كرسي، وراحت أسئلته تنهال عليّ:

-                     ما إسمك؟

-                     مهاباد

-                     إسمك الثلاثي ولقبك؟

-                     مهاباد إبراهيم محمد القرَداغي

-                     رائع! هل يمكنك أن تقولي لنا ما معنى(مهاباد)؟

-                     مدينة في كردستان إيران.

-                     رائع! ومن سمّاك (مهاباد)؟

فساورني الخوف، واحترت كيف أجيب؛ إذ خشيت القول (أبي) لئلاّ يعتقلوه. ورحت أفكّر بسرعة لتدبير جواب آخر. لم يستغرق صمتي أكثر من نصف دقيقة، فكرر:

-                     ألم تسمعي سؤالي: من سّماك (مهاباد)؟

-                     لا أدري.

-                     تاريخ ميلادك باليوم والشهر والسنة؟

-                     22/1/1966

-                     ماذا يعني 22كانون الثاني في تاريخ الكرد؟!

-                     لا أعرف.

-                     إنك تعرفينه جيداً؛ فأنت لست بلهاء ولا مغفلة، بل أنت الأولى على صفّك سنوياً!

-                     والله لاأعرف.

-                     إذن سأعلّمك أنا، إنه يوم ذكرى تأسيس جمهورية مهاباد، فهل تعرفين الذي أسسها؟

-                     كلاّ.

   لقد تعجّبت واستغربت من أين له كل هذه المعلومات والتفسيرات بخصوص يوم ميلادي والمناسبة المقدسة التي سمّيت بها؟!

    فاستطرد حانقاً:

-         كلكم مخرّبون! فأبوك يتمنى تأسيس دولة كردية؛ لذا سمّاك مهاباد. سوف لن تتحقق أمنيتكم أبداً ولن تروا أيّة جمهورية كردية بعيونكم، سنقتلكم جميعاً..!والآن قولي لي أنتم قرداغيون؛ فماذا تفعلون في كفري؟!

   ربّاه! أية أسئلة جدّية وعجيبة يسألون صبية في الرابعة عشر! فهاهي المرة الأولى أواجه مثل هذا السؤال:- أنت قرداغية؛ لماذا تعيشين في كفري؟! أمّا فيما بعد، فقد كرر عليَّ أصدقائي وقراء أشعاري نفس السؤال مراراً:

-كيف ولدت في كفري وأنت قرداغية؟

   فأجبت نجيباً:

-                     سمعت أن جدي جاء من منطقة قرداغ واستقر في كفري.

-                     من أيّ مكان بالضبط؟

-                     من قرية(باخان)

-                     هل عندكم أقرباء هناك؟

-                     كلاّ

   كنا في الحقيقة كذلك. لم يكن أبي يكترث بالمسائل العشائرية. لربّما كان لنا أقرباء هناك، ثم إنقطعنا عن بعضنا البعض؛ إذ لم يكن أبي يتابع مثل تلك الأمور، وكانت عنده مقولة مؤثرة فيَّ، طالما رددها: "ليس المهم إبن أو إبنة مَنْ أنت، إنّما المهم مَنْ أنت" وكان يسعى عملياً لغرس الثقة في أنفسنا والإعتماد على أنفسنا،وليس عليه.

   لقد حّبذت أن أعرف لمجرّد الفضول إنحدارنا العائلي وجذورنا وكيف قدم جدي إلى كَرميان وإستقر في كفري. ولقد وجدت جوابي لدى عمي عبدالله،الذي كان بالعكس من أبي، قد إستقصى جذور وإنحدار أسرتنا؛ فأخبرني أن جدّي قد غادر قرية باخان بسبب القحط واستقر في كفري،التي كانت آنذاك مزدهرة نوعّما؛ لكونها مدينة تجارية ومحطة للقوافل..كما أخبرني عمي أيضاً: "لقد نزح أسلافنا أصلاً من كردستان تركيا إلى قرداغ، حيث أسسوا قرية باخان. ومازال في كردستان تركيا أقرباء لأجدادنا، ولولا الظروف الإستثنائية للكرد؛ لكنت ذهبت إلى هناك؛لألتقي أحفادهم" ولم تتبين لنا مصادر معلومات عمي، ولم تكن لدى إخوانه وأخواته الرغبة في مثل تلك الاستقصاءات،التي كانوا يعتبرونها غير مهمة. وهي لم تكن مهمة في الحقيقة؛ فمازلت مناصرة لرأي أبي: " ليس المهم إبن أو إبنة من أنت، إنما المهم من أنت"

  على أيّ حال، كان حسناً جهلُ الجلاوزة بالمعلومات الكاملة عن إنحدارنا وجذورنا؛ وإلاّ لكانوا سيحققون معي بصددها. ياللعجب! إنهم لمستعدون للتحقيق معك بخصوص أعمال وأفعال أجدادك، بل ويعاقبونك عليها! ولكن ماالذي إقترفه أجدادنا؟! ماالذي فعله جدي سوى أنه إنتقل من مكان إلى آخر داخل كردستان؛ قاصداً تدبير لقمة العيش له ولعائلته،لكنما البعثيون الشوفينيون الفاشست، كانوا ينظرون بعين الشك حتى إلى الإنتقال والرحيل من مكان إلى آخر!!

-                     هل كان جدّك شاعراً؟

-                     أجل

-                     إذن؛ فأنت تشبهينه. كان جدّك صاحب حجرة (كتّاب لتعليم الصبيان) أليس كذلك؟

-                     بلى، يقولون ذلك، أمّا أنا فلا اتذكر شيئاً من ذلك، فقد توفي وعمري سنتان.

-         نحن نعرف كل شيء عنك، عن أبيك، عن أخوتك، عن أعمامك، حتى عن أجدادك؛ ولذا لا داعي أن تكذبي علينا، إن عليك أن تجيبي عن جميع أسئلتنا بلا إنكار ولاعناد.

-                     ....

-                     عندك إرتباط مع زمرة المخربين، نحن نعرف ذلك، لكننا نريد أن نعرف مع من منهم بالضبط؟

-                     والله ليس لي أي إرتباط بأحد منهم.

-                     متى إتصلوا بك؟

-                     والله لاأعرف أحداً منهم.

-                     أين تلتقين بهم؟

-                     أيّ لقاء؟! لم ألتق أحداً منهم.

-                     من معك في التنظيم؟

-                     لست في أيّ تنظيم، والله صدّقني.

-                     أيّ إله؟! كيف أصدقك؟ قلت لك لدينا المعلومات الكاملة عنك؛ وماعليك سوى أن تعترفي بها!

-                     كيف أعترف؛ وأنا لاأعلم شيئا، ولاأعرف أحداً؟ وكيف أعطي أسماء ناس لاأعرفهم؟!

-         يا مهاباد! عائلتكم ذات صيت وسمعة حسنة في هذه المدينة، والناس يحترمونكم، فإذا لم تعترفي ولم تزودينا بأسماء من معك، أتدرين ماذا سنفعل معك؟

-                     ....

-         سنعرّيك ونلتقط لك صوراً...ثم نوزّعها على كل بيت في كفري؛ ستدركين بنفسك ما سيحدث بعدها، وماذا سيصيب سمعة عائلتكم!

     كان ذلك التهديد مؤثراً جداً؛ فقد أصاب الذعر أعماقي، لكنني حاولت تجاهله وكتمان ذعري، ولاأدري هل أفلحت أم لا؟ هل بان في وجهي أم لا؟ إذ قلت بكل هدوء:

-         مهما فعلتم بي؛ فأنا لاأعلم شيئاً، ولاأدري ماذا أقول، ولايأتيني أيّ كلام من تلقاء نفسي. كل مالديّ هو ماقلته بالأمس؛ فتلك الأشعار لي، كتبتها بنفسي، وكذلك الكلام الموجود في المفكّرة، كتبته بنفسي ولم يطلع عليه أحد.

   كنت أرطن بعربية مكسّرة؛ إذ لم أكن أجيدها؛ لأنني كنت قد درست تسع سنوات باللغةالكردية، ثم ألغوا الدراسة الكردية في السنة التي أُعتقلت فيها؛ فاضطررنا إلى الدراسة بالعربية. ويعود الشيء القليل الذي كنت أعرفه من العربية إلى زياراتي الصيفية إلى بيت عمي في بغداد.

-                     هل أنك مصرّة على ألاّ تتكلمي؟

-                     كنت سأتكلم لو عرفت شيئاً، لكنني لا أعرف أيّ شيء.

-         كل من نجلبه إلى هنا، يقول: "لاأعرف أيّ شيء"لكننا نعلّمهم؛ ليفهموا ويعرفوا. لن أسألك اليوم أيّ شيء آخر، إنما فكّري جيداً في كلامي. سنعيدك غداً. ولأن لامكان عندنا لك هنا؛ سنرسلك إلى بيت المختار، حيث ستسجنين هناك؛ فعليك ألاّ تتكلّمي مع أحد؛ زين؟!

-                     زين(حسناً)!

  وإذا بهم يكبلون يديَّ ويصعدونني إلى سيارة، يرافقني شخصان، رغم قصر المسافة بين السجن وبيت المختار،التي لاتتجاوز مائتي متر.

   أوصلوني إلى بيت المختار،الذي كان إسمه (حكمت أفندي) وهو تركماني. تركوني هناك،بعد أن أمروهم بالتكتم على وجودي عندهم "سنأخذها غداً" فوجدتني كما لوأنني أحلم؛ فها أنذا سجينة في بيت المختار...

   بعد رحيل الجلاوزة، سألني المختار: "بنت مَنْ أنت؟" مع أنني تذكرت مقولة أبي الشهيرة،إلاّ أنني أخبرته بإسم أبي؛ فتمعّن المختار فيّ وتنهّـد متحسّراً، ثم خاطب زوجته همساً. كنت خائفةً، ولكن وضعي كان أفضل من قبل؛ حيث كنت جالسة على فراش. بعدئذ سألتـني المرأة:

-هل معك ملابس إحتياطية؟

-لا

  كنت أعرف القليل من اللغة التركمانية منذ صغري؛ حيث كنت أتنصّت لما كان يدور بين جدتي وأمي وأبي من كلام بالتركمانية لايرغبون فهمه من قبلنا نحن الأطفال، ومع ذلك كنا نفهمه! فتبيّـن لي القصد من الهمس الذي دار بين حكمت أفندي وزوجته، وهو أن تذهب المرأة؛ لتخبر أمي بوجودي عندهم كي تجلب لي بعض الملابس الإحتياطية،وتلتقي بي.

   في وقت متأخر من الليل، جاءت أمي جالبة معها الملابس. وعندما تعانقنا وإحتضنـتـني؛ شعرت بالطمأنينة أكثر، وتصوّرت المختار وزوجته كالملائكة. ولكن لم تمض غير خمس دقائق، إذا بهم يطرقون الباب؛ فشحب وجها المختار وزوجته وأرتبكا وإضطربا، وقالا: "يبدو أنهم يراقبون بيتنا، فعرفوا بمجيئك" ثم سارعا بأخذ أمي إلى السطح،حيث يمكنها العبور إلى بيت جارهم؛ إذا ما فتشوا بيتهم. ثم فتحوا الباب، وإذا بإثنين من رجال الأمن يدخلان. كانا ضخمين قبيحين. سأل أحدهما، إن كان قد دخل أحد بيتهم ومن هو؟ أنكر المختار وزوجته، وقالا: "لم يجيء أحد إلى هنا"

ثم خرجا بعد تفتيش البيت. ومن ثم نزلت أمي بعد فترة، لكنها لم تبق معي أكثر من ساعة؛ خوفاً من مداهمة الجلاوزة. وكانت طوال الوقت تتلو(آية الكرسي) بل مازالت منذئذ وحتى اليوم تقرأ (آية الكرسي) يومياً أثناء صلواتها خمس مرات، وترسلها إليَّ نفخاً مشفوعة بدعائها العتيد: "الله يبعد عنك البلوى الطارئة، فتنة آخرالزمان، الكلب المسعور، المصيبةالوضرة، وظلم الظالمين"فياترى ألم يؤثر دعاء تلك المرأة - الـفـراشة؟ ثم ألم ينقذني من الجحيم؛ ولمّـا أزل على قيد الحياة؟!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

غرفة الإعدام

 

   قبل أن تغادر، نفخت عليّ لآخر مرة بكلّ ما لديها من قوّة. بدت نفخاتها كما لو أنها تهب من حشاشتها، من سويداء قلبها، ومن أعمق أعماقها. برغم أن اللقاء بيني وبين أمٌي قد ملأه القلق وتبادل النظرات، نظراتي المليئة بالألم ونظراتها المليئة بالغم؛ فقد هدٌأ نوعمّا من احتدام حالتي النفسية المأزومة؛ فبتٌ أهدأ من الليلة البارحة،التي فززت فيها وجفلت أكثر من أربعين مرٌة، في حين لم أفز ولم أجفل أثناء ليلتي في بيت المختار سوى ثلاث أو أربع مرات. إذ كلما تذكٌرت تهديد (نجيب) الشيطاني، وتصوٌرت نفسي عارية أمام فلاش الكاميرا؛ كنت أفز وأجفل مذعورة على صرختي! ولكنني أخذت أهدٌيء نفسي قائلة: "إنه مجرد تهديد،لن ينفذٌوه"

 لقد كانوا يعرفون جيداً أيٌ التهديدات يؤثر أكثر ويدمٌر معنويات الإنسان؛ فمابرحوا يمارسونه.

   في مجتمع متخلف،لاسيما في مدينة صغيرة مثل كفري، حيث تهيـمن العادات والتقاليد والأعراف البطريركية؛ ترتبط قيم الأخلاق والشرف بأجسام نساء العوائل؛ ولذا يكون مثل هذا التهديد مؤثراً جداً. ونحن مادمنا متربيات على تلك العادات والتقاليد منذ الصغر؛ فإن تفكيرنا يكون نتاجاً لتلك التربية، ثم إنني كنت في بدايات حياتي ونضالي، وكان عمري أربعة عشر شتاءاً؛ فلم يُتح لي بعد تحطيم سلاسل وقيود تلك العادات والتقاليد البالية للثقافة البطريركية. أجل؛ كنت ماأزال في بداية حربي ضدها.

   وفي الصباح، أعدت زوجة المختار الفطور، ثم نادت عليُ لأتناول الفطور معهم. ذهبت إلى المغسلة لأغسل وجهي ويديّ؛ فوجدت أصابعي تتحرك بصوبة بالغة؛ من ألم ضربة الكيبل بالأمس. وماإن جلست؛ لآكل معهم، حتى طُرِق الباب، وإذا بشرطيي أمن بعثيين ثقيليٌ الظل قد قدما ليأخذاني.

   كنت قد استبدلت ملابسي. إذ كنت مرتدية بنطلوناً وقميصاً بدلاً عن الزيّ المدرسي. وكان المتفق بيننا أن أقول: "حصلت عليهما من بيت المختار، ولم تجلبهما أمٌي لي" إذا ما سألوني، لكنهم لم يسألوني؛فقد علموا بمجيء أمي ولقائنا! والعجيب أنهم لم يحققوا معي في اليوم الثاني. وبعد بقائي بضع ساعات في الغرفة، التي قضيت فيها ليلتي الأولى، أخذوني بسيارة إلى بيت مختار آخر إسمه (كريم بكَـ) الذي كان أيضاً تركمانياًً. وكان بيته يقع بعيداً عن مديرية الأمن في حيٌ قريب من نهر كفري،الذي يتراءى بعده جبل بابا شاسوار وسلسلة جبال كفري،التي كانت المنطقة المحررة تقع وراءها، حيث كان البيشمركَه ينحدرون ليلاً من تلك الجبال؛ لينفذوا العمليات داخل مدينة كفري. لقد غمرني قرب الحيٌ من تلك الجبال بإحساس من الفرح والهدوء والسلوى. لكنما المختار(كريم بكَـ) لم يكن كالآخر؛ إذ كان هو وأبناؤه مخلصين جداً للبعث؛ ولذا فقد شددوا عليّ المراقبة، حيث منعوني من الخروج إلى باحة البيت؛ لئلاٌ يعرف جيرانهم بوجودي. لكنما لكون كفري مدينة صغيرة،وأهاليها يعرف بعضهم البعض، ولضيق زقاقهم ، وكون المنازل متلاصقة؛ فقد لمحني بعض الجيران عند جلبي؛ فكان ذلك يكفي؛ لكي يعرف كل أهالي البلدة بوجودي عندهم؛ بل ويبلغ الخبر إلى المنطقة المحررة، فيعلم البيشمركَه بمكان وجودي.

   عندما حلّ المساء، طُرق الباب، فذهب كريم بك وفتحه؛ فإذا بأختي ليلى تدخل معه إلى غرفتي، فقال:

 "لاتخرجا من هذه الغرفة"

 فخلت أن أختي قد جاءت لزيارتي بعد أن علمت بمكاني، لكنها قالت لي غاضبة:

 "لقد قبضوا عليّ  أيضاً"

 فقد ذهبوا إلى كركوك، وإقتادوها مخفورة إلى كفري. كانت ليلى طالبة في إعدادية صناعة كركوك. وقد إعتقلوها لمجرد ورود إسمها في يومياتي. كانت ليلى كبرى شقيقاتي، وهي تكبرني بخمس سنين، لكنما لأنني كنت أطول وأكبر حجماً منها؛ كان الكثيرون يظنونني أكبر منها! ثم إننا كنا مختلفتين جداً منذ الطفولة في طبائعنا ورغباتنا وهواياتنا؛ إذ كانت ليلى تحب الأعمال اليدوية كالخياطة والحياكة منذ الطفولة، في حين كنت أحب الكتابة والرسم والخط. ولقد أخذوها في البداية إلى هيئة كركوك، ثم جلبوها إلى مديرية أمن كفري. ومن ثم حققوا معها في كفري. كان أحد الأسئلة وجواب ليلى عنه ملفتين للنظر؛ فقد سألها مفوض الأمن:

-هل تعرفين شخصاً شيوعياً؟

-نعم

عندئذ قال لها مشجعاً يحدوه السرور؛ أنه سيقنص طريدة أخرى:

-أحسنتِ! كنت أعرف أنك لست بلاعقل كمهاباد، بل تتعاونين معنا. فمهاباد لاتدرك مصلحتها. يبدو أنك بنت طيبة، هيٌا قولي لي من هو ذلك الشيوعي؟

وإذا بليلى تجيبه بكل هدوء وبرودة دم:

-لقد سمعت بأن سكّان الصين كلهم شيوعيون!

   فراح مفوض الأمن يقهقه ضاحكاً، ولم يستطرد في التحقيق معها. ومن ثم أرسلوها إلى بيت المختار، حيث إلتقتني. في الحقيقة لم يكن جواب ليلى ذاك نابعاً من بلاهتها، وإنما كانت تستهزيء وتستخف بهم، بينما حسبوها بلهاء؛ فجاء الجواب في صالحها!

   بإعتقال ليلى؛ تضاعفت آلام أبويَّ؛ فقد بات ثلاثة من أبنائهما السبعة رهن الإعتقال، بنتان وولد. كلما كنت أفكر فيهما؛ كنت أتساءل: ترى كيف حالهما وماذا يفعلان؟ لم أكن أتألم فحسب، بل وكنت أشعر بعذاب روحي رهيب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أُُُعتقلت أختي بسبب بضع كلمات لي! فلم تكن على باطل؛ إذ كانت تدمدم متذمٌرة منٌي! ومن حسن الحظ أنهم أفرجوا عنها بعد يومين بكفالة أبي.

   تركوني هنالك بضعة أيام، ولم يأخذوني إلى التحقيق؛ ففسٌرت الأمر على أنهم سيفرجون عنّي أيضاً بكفالة؛ فراح خوفي يقل تدريجياً، لكن تعليلي لم يكن صائباً؛ فقد كانوا فترتئذ يستدعون بعض الأشخاص؛ للإستفسار وجمع المعلومات عني، خصوصاً من مدرستي. ومع ذلك لم يظفروا بأيّ دليل ضدي، ماعدا مفكرتي وأشعاري.

   خلال الأيام التي كنت قد قضيتها موقوفة في بيت المختار كريم بكَـ، كان البيشمركَه قد خططوا لتحريري ولم يفلحوا، كما علمت لاحقاً. كان مخطط العملية زميل دراستي في المتوسطة لثلاث سنوات، وكان يجلس على الرحلة الواقعة أمامي وإسمه (جمهور رستم) وقد ترك الدراسة منذ بضعة أشهر؛ ليلتحق بصفوف البيشمركَه. كانت خطته تقضي بالمجيء وتحريري من  بيت المختار، لكنما الخطَة لم تتكلل بالنجاح.

   كانت أمي قد ذهبت لزيارة أخي صلاح في التوقيف؛ إذ كان من المفروض تسفير مجموعة من الموقوفين، ضمنهم صلاح إلى بغداد، إلى محكمة الثورة السيئة الصيت. كانت أمي قد أخذت إليه حقيبة صغيرة فيها ملابس ومأكولات وكمية من النقود، لكنهم لم يسمحوا لها بالإقتراب منه، إنما تعهدوا بإيصال الحقيبة والمأكولات والنقود إليه، في حين سمحوا لها فقط أن تقف أمام بوَابة مديرية الأمن ليكلمها أخي بجملة واحدة فقط وهوعلى سطح البناية،ولقد سألها:

-                     ماما هل أفرجوا عن مهاباد؟

   وإذا بأمي المعذبة وقد رأت ولدها على وشك التسفير إلى بغداد، حيث ينتظره مصير مجهول؛ تحتار كيف تجيبه دون أن تثقل عليه أكثر. ويبدو أنها فضلت أن تجيبه بلوعة تشوبها سخرية سوداء:

-                     أجل،أجل؛ بعون الله.

   فلم يدرك أخي  فحوى جواب أمي المنطوي على (التهكم المرير) وإنما حسبه حقيقة واقعة؛ ولذا بات ليلتئذ ينفذ الخطة المرسومة في ذهنه بكل راحة بال وإطمئنان!

   كان أخي صلاح مع صديقيه الآخرين (صباح) و(عادل) في زنزانة واحدة. ولما علموا بتسفيرهم صباح غد إلى بغداد، حيث ينتظرهم مصير أسود؛ فقد قرروا ألاَيستسلموا للأمر الواقع.

   كان أخي صلاح عجولاً وشاطراً جداً حتى في طفولته. ولكونه عجولاً؛ فقد كان يتعرض أحياناً للضرب من قبل والدي،الذي كان يحبسه أحياناً في غرفة مقفلة الباب؛ عقاباً له! وإذا به يفلت دائماً بأعجوبة، مرة من الشباك ومرة بفتح الباب بملعقة أو بسلك معدني!

   كان صلاح وصديقاه قد خططوا للفرار من سجن أمن كفري؛ بتحطيم باب زنزانتهم، ثم الوصول إلى بيت المختار لتحريري، لعلمهم بوجودي هناك، ومن ثم الإلتحاق معاً بالمنطقة المحررة وبصفوف البيشمركَه. ولقد نفذوا الخطة فعلاً ماعدا الفقرة الأخيرة؛ بعدما سمع صلاح خبر الإفراج عني من أمي، ولم يعد يحمل همّـي!

   ذات غبش، لم يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود بعد، جاء رجال الأمن وأخذوني من بيت المختار إلى مديرية الأمن، حيث رأيت المفوض نجيب متوتراً مشوّشاً وغاضباً جداً، يتطاير الشرر من عينيه، وهو يلوّح بكيبله الرهيب، فسألني فوراً:

- أين صلاح الدين؟

فأجبته بإستغراب؛ إذ كنت أجهل حيثيات ماجرى لهم، ومرعوبة من إضطرابه وغضبه الشديدين:

- أيّ صلاح الدين تقصد؟!

   لم أتذكر، أو لم أنتبه في معمعة الإضطراب والرعب إلى أن إسم أخي الكامل في هوية الأحوال المدنية كان(صلاح الدين) إذ سمّـاه أبي تيمّـناً بصلاح الدين الأيوبي، بينما كنا جميعاً ندعوه بـ(صلاح) ماعدا أبي في حالات قليلة. وهكذا لم نكن نناديه بإسمه الطويل، بل كنَا نبتـلع(الدين) ونكتفي بـ (صلاح) وإذا بالمفوض نجيب يباغتني؛ فيضربني بالكيبل على كتفي اليسرى، فيذيقني عذاب الموت المبرح، وهو يصيح بغضب هستيري:

-         يعني أنك لاتعرفين أيّ صلاح الدين؟ فهل أعني صلاح الدين الأيوبي؟! ألا تعرفين أن أخاك المنحط وسافلين آخرين قد كسروا باب زنزانتهم وفرّوا؟! سوف لن أدع أحداً منكم في كفري، سأرسلكم جميعاً إلى الإعدام. كل الكرد قوّادون وقحاب، لاشريف بينكم. كلكم تستحقون الموت. إنكم حشرات رجالاً ونساءاً؛ يجب أن تُبادوا...!!

كانت عيناه محمرّتين جداً. تقيَأ عباراته السالفة، وغادر الغرفة. ثم جاء آخر وأخرجني، وأركبني سيارة (لاندكَروز) حيث رأيت في المقعد الخلفي أربعة شبان مكبلي الأيدي، خائري العزم وشاحبي الوجوه. بدوا لي أنهم قد ضُربوا بالكيبل وقيل لهم: "سنأخذكم إلى الموت"!

كان الشبان مع حارسين من الأمن في المقعدين الخلفيين. وكنت أنا في صدر السيارة بين السائق وحارس. كان الوقت غبشاً. كانت كفري تبدو كمدينة أشباح، وقد إنطلقت السيارة تنهب الأرض نهباً، وهي تقصينا عن موطننا كل دقيقة أكثر فأكثر. لم أكن أعرف بمَ كان يفكر أولئك الشبان الصامتون. لكنما المرء في مثل هذا الوقت يستحضر ذكرياته الحلوة في تلك المدينة، فبالنسبة لي كان ثمة شعور طاغ بالغربة يكبر داخل نفسي. وكلما كنا نبتعد أكثرعن موطن أعزائنا؛ كان إحساسي بمرارة الغربة يكبر ويكبر. وحالما إجتازت السيارة جبل حمرين؛ شعرت بإنفصال قدميّ عن الأرض وانني معلَقة في الفراغ. ورحت أتذكر كيف كان أبي أوعمي يقول لي، كلَما بلغنا ذلك المكان:

 "ههنا حدود كردستان"  كما تذكرت شعار ثورة أيلول،الذي سمعته مرات عديدة من أبي وعمي "إمّا حمرين،أو الموت"

       وها نحن نعبر حمرين، وقد بقي جسمي وحده في السيارة المنحدرة جنوباً، بينما كانت روحي تعود إلى الوراء،إلى هناك، إلى تلك المدينة التي أحبها، والتي لم أشهد ولم أذق فيها المسرّة!  ثم راحت ذكريات سنواتي الماضية تتراءى أمام بصري: البيت، الزقاق، الشارع، النهر، وجبال كفري، كانت تعود بأسرها إلى خيالاتي المركّزة المكثفة. كانت الأحداث والوقائع والظواهر تتسابق فرادى وأفواجاً للوصول إلى مسرح مخيّـلتي، فجاهدت ألاّ أنسى أيّ واحدة منها.كنت أفكَر فيها كلَها، منذ أولى لحظات طفولتي،التي ترسّخت في ذاكرتي، حتى اللحظة،التي زجّوني في تلك السيارة، وراحوا يبعدونني عن وطني، وهي تحل عليّ الواحدة تلو الأخرى كضيفة عزيزة، حتى تلك المتعلقة بماقبل ميلادي، ولها علاقة بي، من خلال أحاديث أمي وأبي، بينما كانت دموعي تنهمر معها الهوينى أحياناً.

  كانت أمي تقول: "في حالات حملي السابقة لمهاباد، كنت أتوحّم دائماً بأشياء حامضة الطعم، أمّا لمّا كنت حُبلى بمهاباد؛ فقد توحّمت بأوراق الكتب والصحف! فكنت أمضغ قصصات الورق جيداً، ثم أبتلعها!" ولذا كانوا يقولون أحياناً " يبدو أن إبنتنا هذه مغرمة جداً بالكتب والأوراق؛ بسبب ذلك التوحّم العجيب!"

   في الحقيقة كنت عاشقة مجنونة بعالم الكتب، وقد أصابني سهم هذا العشق مبكراً جداً. أتذكر كيف كنت أحبّذ الذهاب إلى المدرسة، طالبة إدخالي إليها قبل بلوغي الخامسة من عمري؛ لظمئي الشديد إلى التعلم؛ ولذا فقد قال أبي لأمي "ما دام الأمرهكذا؛ خذيها، وسجّـليها في المدرسة" ولأنني لم أبلغ سن السادسة بعد؛ فقد تحايل أهلي على مديرة المدرسة وكان إسمها(حربية) فلم يقدمّوا لها هوية أحوالي المدنية، وإنما قالوا: "هويتها موجودة في بيت عمها ببغداد.سنجلبها بعد فترة..." فإقتـنعت الست(حربية)وسجّلتني في الصف الأول. ولمابلغت السادسة من عمري، كنت في الصف الثالث، فقدّموا هوية أحوالي المدنية إلى الست(حربية) فإنذهلت،وقالت، كما أتذكر:

 "كيف وصلت إلى الصف الثالث وعمرها الآن ست سنوات؟! والعجيب أنها كانت الأولى على صفها في السنتين الماضيتين؛ لذا لايجوز أن نعيدها إلى الصف الأول"

  لقد تعلمت جميع الحروف وحفظت عشرات الأناشيد حتى نصف السنة وأنا في الصف الأول، بل ومثـلت دور(وردة حمراء) في الأوبريت،الذي قدمته مدرستنا، في الإحتفال بعيد نوروز1970 وكانت مدربتنا الست (بخشان) قد قسّمتنا إلى مجموعتين (الورود الحمر) و(الورود الصفر) وقد إرتدينا نحن،أي (الورود الحمر) الزيّ الكردي ذا اللون الأحمر. وكانت كل واحدة منا تحمل سلَة من الورود الحمر، أمّا مجموعة (الورود الصفر) فكانت ترتدي الزيّ الكردي ذا اللون الأصفر، وقد حملت كل طالبة سلَة من الورود الصفر. كانت تلك تجربتي الأولى في الصعود على خشبة المسرح؛ وقد أصبحت بداية مشجعة لي في مساهماتي اللاحقة. وكان أول مشهد يعاود ذاكرتي وخيالي وأنا في سيارة الإعتقال هو حين أصبحت (وردة حمراء) أردد مع الورود الحمر الأخرى:

وردتي الحمراء،هي وردة البستان

ملهوفة وتوّاقة للــشعب الكرديَ"

ثم كنَا نقول ونحن ننثر ورود سلالنا على المسرح:

"ها نحن ننثر الورود، ننثر الورود

لشـباب كردســــــــتان"

   ثم راح خيالي يحملني على أجنحته إلى سوق كفري، ودكان أبي الصغير،الذي كان نصفه مكتبة لبيع الكتب والصحف، ونصفه الآخر لبيع القرطاسية والنمنمات الصغيرة والمرطبات. رحت أتذكر كيف كنت أذهب لمساعدة أبي وأنا في الصف الثاني؛ لأدير قسم المكتبة، حيث كنت أتصفح جريدة (برايتي-التآخي) وأقرأ متهجّية جميع مواضيعها، لاسيما الشعر والقصص، وكذلك بعض الكتب، وأنا لم أكمل السادسة من عمري؛ فاستلفتّ أنظار أبي،الذي أخذ يشجعني أكثر وخاصة بالسماح لي بأخذ بعض الكتب لقراءتها في البيت. أمّا في البيت؛ فقد كانت مكتبة أخي الأكبر قيس تحت تصرّفي. وكانت تشتمل على الكثير من كتب الفلسفة والتاريخ إضافة إلى الأدب فضلاً عن مخطوطات جدّي باللغات الأربع: الكردية، العربية، الفارسية والتركية؛ إذ طالما إنذهلت بخطَه الرائع القشيب،الذي غرس فيّ رغبة ممارسة فن الخط. وهكذا غدوت شغوفة وهيمانة بقراءة الكتب، دون أن يشفى غليلي. لقد أدّى هذا الولع مع تفوّقي في المدرسة إلى الإهتمام الخاص والمركّز بي، وإلى المزيد من التشجيع؛ ممّا دفعني كل ذلك قدماً أكثر فأكثر، وأنا أسير بخطى حثيثة؛ حتى وصلت إلى ذلك المصير المجهول! ومع ذلك لم يكن في مقدوري ان أندم ولو للحظة واحدة على عشقي للكتب وكتابة الشعر،الذي ورّطني بهذه البلوى!

   في تلك السيارة،التي كانت تأخذنا إلى المجهول، ونحن لانجرؤ أن نسأل "إلى أين؟" كنت قد حلَقت بخيالي نحو كفري متنزّهة فيها...ألا ماأحلى تلك الصباحات، لمّا كنت أرتدي الزيّ المدرسي، وتمشّـط أختي ليلى شعري، وتعقده بقرديلة بيضاء! بينما كانت أمَي تصب لنا الشاي، لنتناول معه فطورنا من الخبز واللبن الرائب، فكنت أسارع بتناوله، ثم أقبض الـ (خمسة فلوس) مصرفي اليومي، وأمضي مسرعة إلى صديقتي العزيزة (روناك/أقدم صديقاتي) فنمضي متشابكتيّ اليدين إلى مدرسة (هتاو/الشمس) ثم كانت الظهيرة أكثر روعة وأحلى، لمّا كنا نغادر المدرسة، ونختلط مع تلاميذ مدرسة (نيشتمان/الوطن) في مسيرة شبيهة بتظاهرة عفوية صغيرة، كنا غالبا ما نبدأها نحن البنات بترديد هتافات الكردايتي عن البيشمركَه والثورة، حيث كان أحد التلاميذ يأخذ دور الطليعة هاتفاً؛ فيستكمل باقي التلاميذ والتلميذات هتافه:

"نحن إتحاد الطلبة/بيشـمركَه كردســـــتان"

"الكرد،الكرد وكردستان/ملاّ مصـطفى البارزاني"

"ماذا تريدون أيها الكرد؟/إسـتقلال كردســتان"

"من ذا تريدونه كرئيـس؟/أبو إدريــس ولقمان"

   لقد كانت تلك الشعارات تلازمنا خلال النصف الأول من سبعينات القرن العشرين، في البيت، المدرسة، الزقاق، السوق، بل في كل مكان وأوان؛ إذ كانت تعبيراً صادقاً وحميماً عن كرديتنا، وأمجادنا، ليس لدى الكبار فحسب، بل ولدى الأطفال،الذين شرعوا يرضعون السياسة والكردايتي مع لبن أمهاتهم، بل مع أول رضعة من أثداء أمهاتنا!

   وهكذا راحت العشرات من الوقائع والأحداث والمشاهد تتراءى أمام عيون خيالي. كان الجو يزداد حرارة؛ كلَما إبتعدت السيارة، ولم نعد نشاهد إلاّ القليل من الخضرة، حيث  كانت تمتد الفيافي الشبيهة بالصحراء. كانت الجبال تبتعد عنا كثيراَ، وتبقى وراءنا بعيداً بعيداً. ومن ثم وصلنا إلى مدينة قبيحة المنظر، فدخلت السيارة باحة مبنى مخيف، فأمرونا بالنزول، حيث أخذوا الفتيان إلى مكان ما، وأنا إلى مكان آخر داخل المبنى نفسه، وبعدها لم ألتق أولئك الفتيان أبداً!

   أدخلوني إلى غرفة فيها كرسي ومنضدة، حيث كان يجلس أحدهم، بدا لي أقبح من الآخرين. راح يتصفح ملفّـي، ثم حدّجني شزراً وقال بغضب:

-                     مازلت بحجم إيري (قضيبي) وتعملين في السياسة؟! اللَعنة عليك وعلى أبيك؛ أنت تستحقَين الإعدام فوراً!

   لئن كان كلامه الجارح للمشاعر أقبح منه؛ فقد ساءني كثيراً؛ لربما حبذت عليه القتل لحظتئذ. في الحقيقة كلّـما تسمع مثل تلك الشتائم والإهانات؛ تفضّـل الموت في تلك اللحظات العصيبة. ولأنهم قد ردووا بضع مرَات "سنعدمك" وكررها هذا الوغد عليّ بصورة أكثر جدّية؛ فقد تيقنت من دنوّ أجلي، بل وتركتني تلك العبارة نهباً لإنتظاره! ثم أمر الحارس أن يأخذني، فمسك هذا بذراعي وأخرجني، حيث عصب عينيّ بخرقة سوداء وسخة؛ فقلت لنفسي "إنهاالنهاية؛ فهاهم يأخذونني إلى الموت" راح الحارس يقتادني وأنا معصوبة العينين، وبدا لي الدرب زقاقاً متعرجاً. ثم سمعت صوت إنفتاح باب، ودفعني إلى داخل غرفة، وأغلق الباب "ياترى أين يقع هذا المكان؟ أين أنا؟ ماذا سيفعلون بي؟ لست أدري!" كانت الوصلة السوداء تضغط على عينيّ، وقد تعطَلت حاسة بصري تماماً؛ فرحت أتصوّر المكان عبر حواسّي الباقية؛ فكانت روائح الدم السائل والدم الجاف مختلطة؛ فأدركت أن المكان محطَة للموت حتماً! بقيت هنالك فترة طويلة، ثم بدا أن أحدهم قد دخل الغرفة، وبعد مضيّ قرابة دقيقة،أزاح العصابة السوداء عن عينيّ، ومع ذلك ظللت لاأميّز أيّ شيء لدقيقة أو دقيقتين، ثم عاودتني الرؤية، ولكن ماذا رأيت؟! أبداً لن أنسى ذلك المشهد فنسيانه محال! لقد رأيت أمامي جلاداً عملاقاً مقنّعاً بلثام أسود، وحبلاً متدلّياً من خطّاف معلَق بالسقف، ولا شيء غيرهما؛ فارتعبت بكل معنى الرعب شاعرة بقشعريرة هلع في داخلي. لا، لم تكن قشعريرة، أو رجفة، بل كان زلزالاً باطنياً؛ حيث كان الجلاد وحبل المشنقة بيني وبين الموت؛ فكدت من شدة الصدمة أن يُغمى عليّ، وبعد فترة من تسارع نبضات قلبي، أخذ قلبي يتراخى، وقبل أن أغيب عن الوعي، رأيت أمي، كما لو كنت في حلم يقظة، وشفاهها تختلج وهي تنفخ عليّ نفخات متتالية سريعة، وبعد بضع نفخات لم أعد أعي مطلقاً وجود حبل المشنقة والجلاد وتلك الزنزانة الرهيبة في مديرية أمن بعقوبة!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إستعلامات الموت

 

 

   إن أهدأ وأهنأ الحالات في غرفة التعذيب (إستعلامات الموت) هي لحظات الإغماء والغيبوبة. تلك اللحظات التي يودّعك فيها الوعي آخذاً معه آلامك. أجل؛ تلك اللحظات التي رحلت فيها ولم ترحل، تعيش ولاتعيش، باقٍ وليس بباقٍ! المهم، إنك بلا تفكير، ولم يبق لك أيّ إحساس بالتعذيب، ولاتسمع أذناك الشتائم، ولايتلاطم باطنك متماوجاً كالبحر. إنه أوقيانوس أهدأ من الهدوء! والأوباش يدركون جيداً كم يحبّذ معتقل حالة الغيبوبة؛ ولذلك يحولون دون استمرارها بطاسة من الماء المثلَج، أو الساخن جداً؛ مستقبلين وعيك، الذي سرعان مايعود حاملاً إليك المزيد من الأذى والآلام!

   حالما عاودني الوعي، وشاهدت بخار الماء المغلي المصبوب على رأسي ورقبتي وكتفيّ؛ حتى عادت أوجاعي بلمح البصر، وانضاف إليها وجع وحرقة رقبتي وكتفيّ بسبب الماء الساخن؛ أوّاه كم كانت توجعني! لربّـما ذلك هو مايُسمّى بعذاب الموت.

   كنت أبكي، لكنما بلادموع! كنت أحس بنضوب نبع دموعي؛ من فرط ما ذرفت الدمع طوال الطريق الطويل وأنا أعايش ذكرياتي في أحلام اليقظة الحلوة. كما كان حقدي الدفين على جلادي يكبر ويتكابر؛ بحيث لاَأجعل البكاء والتوسَل الذليل موقفاً لي، إنما أدافع عن نفسي وعن القضية،التي أُعتقلت في سبيلها. والحق أن الإنسان يكبر بسرعة في السجن؛ حيث تستحيل الأيام سنيناً، وتستحيل حالات التعذيب المريرة دروساً وتجارب وخبرات. أجل؛ تصوّروا صبيّة مدللة في الرابعة عشر، لم يوبّـخها أو يعنّـفها أحد بكلمة جارحة بتاتاً داخل عائلتها وخارجها، وهاهي فريسة وضع رهيب وعصيب وخطير، تنهال عليها الشتائم والمسبات والإهانات؛ فماذا سيحصل ويحدث لها؟! ألا شكراً لتلك الإنسانة الكبيرة ذات الأربع عشرة سنة،التي كانت تشجّعني على أن أكون قوية، وأن أعتمد على نفسي، ساندةً نفسي بنفسي، بل وأن أكون أنا نفسي! أجل؛ فتلك القوّة الباطنية هي التي راحت تقهر تدريجياً رهبتي وعزلتي ووحشتي، بل هي التي راحت تربّيني داخل المعتقل، مثلما رحت أربّيها! ألا وهي القوة التي إستمددتها من أبي وعمي، وظللت بدوري أنمّيها في داخلي:

- مَنْ أنا؟

- لماذا أنا هنا، وفي هذه الغرفة؟

- ماذا اقترفت؟ ولماذا يعاملونني هكذا؟

- أنا صاحبة ماذا؟ ولماذا كتبت تلك الأشعار؟

- ومن يكون هؤلاء؟ لماذا يمنعوننا من حب أرضنا وإنساننا، ومطالبتنا بحقوقنا؟

   وهكذا كان السؤال يتلو السؤال، وأنا أتأمّل بصمت في: الوجود، وكون المرء كردياً، والإستعباد، وذاتي وكل ما حواليّ، أي محيطي،الذي كان مظلماً وعفناً وجلادين رهيبين وأدوات تعذيب.

   لقد غدا التفكير شغلي الشاغل؛ فكان يزيدني خبرة لحظة بعد لحظة، بل ويغيّرني تغييراً جذرياً، من مهاباد رقيقة ومدللة، إلى مهاباد أخرى رافضة ومتمردة ومتحدّية؛ وهكذا وُضع حجر الزاوية الأساس في ذلك السجن لرفضي وتمردي على الجور والإضطهاد والإستبداد والظلم. وشكراً لشاعرنا (قانع) الذي كان يحضر في تفكيري دائماً ويشجّعني بأبياته مانحة القوة؛ كي أحوّل التعذيب إلى تجربة، والأوجاع إلى دروس والسجن إلى مدرسة:

رغم أنّ العدوّ يظـــنّ أنني ســأصبح أبكم بالأســـر

فَـلْيعـرف جيداً أنّ غيهـب الســــــــجن مدرسة

فأنا اليـوم قانـع أن أحيـــــــا حـرّاً في  الزنزانة

إنّما مائة ألف لــــعنة على عمـــــــيل الأجنبي!"

   كنت قد حفظت هذه القصيدة كاملة؛ من فرط ماسمعتها بصوت (حمه جزا) الشجيّ، وتكراري لها؛ فإذا بفكر(قانع) وصوت (حمه جزا) يغيثانني وينجدانني، ويستحيلان عوناً لي في تحدّي ومجابهة الجلادين. أجل؛ فقد إلتحق الشاعر والمغني بخندقي، ورحنا نحن الثلاثة نحارب الجلاوزة الأوباش؛ لذا عليّ أن أعترف بأن تلك الأبيات قد حوّلت سجني إلى جامعة حياتية، وراح فناننا المبدع يهدهد آلامي؛ فكنت أغفو على هدهداته الحميمة، وبعدها كنت أحسّني ممتلئة بطاقة المقاومة والدفاع؛ كلما استيقظت. وهكذا فإن آليّة الدفاع عن نفسي، والتي كنت أمارسها في السجن ذوداً عن ديمومة كينونتي، كانت عبارة عن قصيدة قانع السالفة وبضع قصائد ثورية لشعراء آخرين وأناشيد الكفاح لبعض مغنّينا.

   مسكني الجلاد من ذراعي، أنهضني، وأوقفني في وسط الغرفة، تحت الكرسي المربوط بالحبل المتدلي من خطّاف(كلاّب) السقف؛ فقلت مع نفسي "لقد قضي الأمر" ولحظتئذ إجتاحت موجة خاطفة من الجزع واللوعة قلبي؛ إذ تراءى لي أهلي، صديقاتي، حبيبي، وكفري. لكنما سرعان ماتلاشت تلك الموجة الآسية،وضجّت الغرفة بأنشودة (أيها الشهداء) بصوت (ناصر رزازي) الجهير والحماسي المؤثر؛ فامتلأت زهواً، بينما كان الجلاد منشغلاً بإعداد الحبل، إذ توقعت أن يلفه حول عنقي، لكنه لم يفعل ذلك، إنما رفع كلتا يديّ، وشدّ رسغيّ بالحبل، بطريقة لم يعد الدم يجري في عروق كفيّ؛ فادركت في الحال أنها غرفة للتعذيب، لا للإعدام، ولكن ربّـاه! ماذا سيفعلون بي؟!

   كان ذلك أول يوم لتعذيبي في (أمن بعقوبة) بعد أسبوع في السجن، حيث كنت قد وهنت خلاله؛ بسبب الخوف والترهيب والألم والغم، وقلة نومي وأكلي، بل ولم يعد لي سوى تلك القوة الباطنية،التي تمدّني بطاقة المقاومة. تبّاً لـ (بعقوبة) ذلك الإسم الذي يصيبني سماعه بالغثيان! بل يذكّـرني بمحطة الموت، ويُشهدني صورة الجلاد والقناع!

  بعد أن شدّ الجلاد معصميّ بإحكام، خرج، فوجدتني شبه معلقة. خمّنت الوقت مساءاً؛ ففي غرفة مثل تلك عديمة الشبابيك والنوافذ، لايوجد أيّ مقياس لتقيس به الوقت، أو لتعرف أيّ يوم من الأسبوع، وأي أسبوع في الشهر، وأيّة ساعة من النهار أو الليل، إنما يمكنك أن تحدس وتخمّن أوقات الليل والنهار؛ مادام فن التعذيب القاسي يحيل ليلك نهاراً ونهارك ليلاً!

   لم تمر سوى فترة وجيزة، وإذا بالرجل القبيح الذي شتمني من قبل، يدخل الغرفة، حاملاً بيده سيكَارة، نافخاً دخانها بغطرسة واستخفاف،مبحلقاً فيَّ، ثم قال:

   - لقد قرأت ملفك. كان المفروض أن يهتم رفاقنا في كفري بهذه المهمة وينجزوها، ولكن لأن شقيقك الحقير القذر ورفاقه قد حطّموا باب السجن هناك وفرّوا ملتحقين بالمخرّبين؛ فقد أرسلوك إلينا؛ لنستكمل معك التحقيق. لقد ورد في ملفك أنك طالبة متفوقة جداً، وقد شهدت لك مدرساتك بأنك مهذّبة جداً وعاقلة وشاطرة، بل وكلّهن مستغربات من أن تفعل بنت مثلك عملاً غيرلائق، ألا وهو الإرتباط بالمخرّبين. وهن مع مديرة مدرستك يتوقّعن أن تنالي أعلى الدرجات التي تؤهّلك للدخول في أفضل الكليّات. حسناً، مادمت بنتاً شاطرة إلى هذه الدرجة؛ فلماذا تحرقين مستقبلك وتتفسّخين في السجن، ويموت أبواك حزناً وكمداً عليك؟! فإيّاك أن تمتنعي عن الإجابة! أجيبي بصدق عن كل ما سنسألك.

   قال تلك العبارات بكل هدوء، ومع ذلك كان وجهه مريعاً جداً. لم يسبق لي أن رأيت من قبل إنساناً دميماً مثله، بحاجبين كثّـين متشابكين فوق عينين سوداوين رهيبتين، وأنف كبير مكوّر، وشارب شبيه بمكنسة بغداد (المعروفة آنذاك) وبراطم متدلية، وأسنان كبيرة متباعدة عن بعضها البعض، مصفرّة من أثر التدخين، وحنك قصير، يليه لغد متهدّل . أجل؛ لم يكن في ذلك الوحش أيّ شيء يمت بصلة إلى الجمال قطعاً! لاأدري هل أن سبباً باطنياً جعلني أراه هكذا، أم كان كذلك في الحقيقة؟! في الواقع كان جميع العاملين في أجهزة الأمن البعثية قبيحين، ولكن هذا الرجل كان أقبحهم بامتياز!

  فأجبته بصوت هاديء وخافت:

- كل ما سألوني عنه، وكل ما كنت أعرفه، أجبت عنه في كفري؛ فليس لي أكثر من تلك الأجوبة، وليس عندي ما أضيفه؛ حتى لو قتلتموني!

   لم يطل هدوؤه إذ استشاط حنقه؛ فتشابك حاجباه أكثر وانهمر الغضب من عينيه:

-         لن نقتلك، ولكننا سنجعلك تتمنّين الموت. ألم تسمعي بنا، من نحن؟ ألم تسمعي أن أيّ معتقل لن يفلت من أيدينا دون أن يعترف؟! والآن يجب أن تعترفي يا مهاباد: كم مرّة إلتقيت بالمخربين؟ أين رأيت خالد كَرمياني؟ عمّ تحدثتما؟ مَنْ من الآخرين معك؟ أجيبيني عن جميع الأسئلة.

- والله لم ألتق أحداً منهم وليس معي أحد. إنْ كنت لاأعرف أيّ شيء؛ فماذا يمكنني أن أقول؟ والله لاأدري ماذا أقول.

- إذا كنت مرتبطة بعلاقة حب مع خالد كَرمياني؛ فلا دخل لنا بذلك؛ سنطلق سراحك. فقط نريد أن نتأكّد بأنك لاتعملين في السياسة؛ أمّا المسائل العاطفية فلاتعنينا.

- أنا لاأعرف ذلك الولد قطعاً، فأيّ حب وأيّ أرتباط؟!

- هل تحبّينه؟

- قلت لاأعرفه أصلاً.

   وفي تلك اللحظات، أشعل سيكَارة ثانية، وإمتصّ دخانها مصّة عميقة ونفخه في وجهي؛ فشعرت بالإختناق، وقال:

-         أنتظر جوابك الصحيح؛ فقد أجبت عدة مرّات في كفري هذا الجواب نفسه. نحن نعتقد أنك تكذبين؛ ولذا أنتظر أن تقولي الحقيقة لي.

-                     لقد قلت لك الحقيقة.

-                     كلاّ، تكذبين.

-                     لاأكذب.

    وعندها قرّب جذوة السيكَارة من صدري، وكرر السؤال نفسه. ظللت صامتة مذعورة، أتراءى لنفسي وأنا شبه معلّقة مثل كتكوت منتوف الريش، وإذا به يضغط رأس السيكَارة على صدري؛ فعلا أزيز الحرق،الذي توغل في جلد صدري مخترقاً قميصي، حتى انطفأت جذوة سيكَارته. بدا لي أن جذوتها بقيت منغرسة في جلدي. لربّما خبـر كل واحد أزيز الإحتراق ووجعه، ولكن كيف كان حالي وأنا شبه معلقة أتلوّى وأتكوّر من الألم المبرّح؟! وإذ تلوّيت وتكوّرت ورفعت قدميّ عن الأرض؛ سمعت طقطقة عظام كتفي المنخلعة، فشعرت بألم أشدّ! ومازلت بعد مضيّ قرابة ربع قرن أعاني من ألم كتفي المنخلعة،والذي يعاودني ويهجّـج نومي أحياناً. إنه بعض من ضريبة كون الإنسان كردياً!

  خرج الجلاد، بعد أن تركني مع أشدّ الأوجاع. بعد هنيهة دخل الجلاد الملثّـم، حاملاً بيده علبة سكَائر، فأشعل سيكَارة، وشوّفني العلبة قائلاّ:

-                     مهمتي هي أنْ أطفيء سكَائر هذه العلبة كلها على جسمك.

   وسارع بفتح أزرار قميصي، وراح يطفيء السيكَارة تلو الأخرى على لحمي مباشرة. أوّاه..أوّاه!بأيّة كتابة،بأيّة لوحة،بأيّة موسيقى، بل بأيّ شيء؛ يمكن أن يستحضر المرء هذا المشهد معبراً عن أوجاعه وآلامه المبرحة؟! لاأعتقد أن في مقدور أيّة كتابة أن تعبر عنه، وأيّة لوحة أن ترسمه، وأيّة موسيقى أن تعزفه، وأيّ مقياس أن يقيسه!!!

  لقد تحوّلت إلى كورة نيران، أحترق والأزيز يتصاعد من جسمي...وأيّ إحتراق! تبّـاً وسحقاً للكلمات العاجزة عن وصف هذه الحالة! وهكذا استحال صدري، وبالأخص نهداي منفضة سكَائر يومئذ، لكن ليست لأرمدة أعقاب السكَائر المُـطفأة، كما جرت العادة، إنّما كمِـطفأة لجذوات سكَائر الجلاد،الذي كان يؤجّجها بمصّاته العميقة، ثم يطفئها على جلدي! يبدو أن الجلاد قد إلتذ كثيراً بممارسة مهمته؛ إذ كان يطفيء سكَائره على جسد صبية في الرابعة عشر بكل هدوء وأقصى لامبالاة، بينما كنت أتلوّى وأتكوّر وأصرخ ألماً، وهو يقهقه جذلاً منتشياًً!

  كانت قهقهاته تدمّر أعماقي، وتثير غضبي وحقدي إلى أقصى حدّ؛ فجاهدت كي ألجم إحساسي بالألم، ولكن وجع إطفاء السكَائر المشتعلة على صدري لم يكن هيّناً، بل محال أن تستطيع الكلمات التعبير عمّا حدث لي في الواقع. ومحال أن ينقضّ وحش ضارٍ على فريسته بتلك الشراسة واللامبالاة! كل ما أستطيع قوله هو أن الجلاد قد أطفأ خلال ساعة علبة سكَائر كاملة على صدري وعنقي، ثم كل ما أتذكّره هو أن الغيبوبة قد أنجدتـني مرة أخرى!

   عندما فتحت عينيّ؛ وجدت نفسي في غرفة أخرى، وحيدة مع حروق جسدي وأوجاعها. لكنما راقت الوحدة لي؛ كي لايراني أحد وأنا أبكي. كان ضرورياً جداً أن أبكي، فلو لم أبك؛ لمتّ.لكنني لم أشأ البكاء على مرأى ومسمع من الجلاوزة الأوغاد؛ كي لايضحكوا ولايلتذوا بآلامي ونواحي، وقد استفدت من تلك الوحدة؛ للبكاء والتنفيس، فرحت أبكي حتى نعست ونمت، لكنما الفزّات تخللت نومي؛ من أثر كوابيس التعذيب، وأوجاع صدري ورقبتي ودفـة كتفي،التي إنخلعت عضلاتها، كما بانت لي.

   بمضيّ أسبوع واحد؛ شعرت بالكبر بضع سنوات! أجل؛ فقد كبرت عمراً وتأمّلاً وتفكيراً، أمّاً جسمياً، فبالعكس؛ إذ كنت أتصاغر حجماً ويعتريني النحول والوهن يوماً بعد آخر!

   كانت زنزانتي تخلو من مغسلة ومرحاض؛ فكانوا يفتحون بابها، ويقتادونني إلى المرحاض الواقع على بعد عشرة أمتار تقريباً، ويقابله سُـلّم، حيث أرى تحته كرديّاً كَرميانياً؛ بدلالة زيّه الكَرمياني. كان معصوب العينين، مكبل اليدين ومغلول القدمين، مرمياً هناك. كان حارسي الجلاد،الذي يقتادني إلى المرحاض ويقف أمام الباب حتى أقضي حاجتي، يركل الكرديّ في كل مرّة؛ فكنت أكاد أنفجر حنقاً وكمداً. مازالت مشاهد إهانة الكرد بشتى الأساليب تلاحقني وتعذبني. وبعد كل مرة من المرات الثلاث، أي عند ذهابي إلى المرحاض ورؤيتي للكردي المطروح وركله، وعودتي إلى زنزانتي، كانوا يجلبون لي طعاماً مقززاً مقرف المذاق، ناهيكم عن مشهد الكردي المذل المهان،الذي كان يعمي شهيّتي! فلم أكن آكل شيئاً يُذكر، ولم أكن أشعر بالجوع! كنت أشعر أن جسمي لم يبق منه سوى قلب ينبض بوهن، ورئتين تمتصان هواء الزنزانة النتن بعسر. بل كنت أشعر بجسمي قالباً فارغاً؛ فروحي لم تكن تستقر هناك، إنما يحملها خيالي المجنح إلى موطني. فأصبحت منذئذ أشعر أن خيالي وفكري قد تعلّـما قهر الحدود وتحطيم الأصفاد والأغلال، وعلّما روحي أن تصول وتجول، وراحا يصطحبان عينيّ إلى أوقات الطفولة، وإلى قراءة أولى رسائل الحب، ويحملان أذنيّ إلى سماع هدهدات أمي، وحكايات جدي (والد أمّي) الذي كنّا نتحّلقه أنا وإخواتي وأخواني مصغين إليه في ليالي الطفولة...فأتذكر كيف كنت أخال جدي إلهاً؛ ولاأدري لماذا؟! لقد كان لطفه وحنانه بلاحدود؛ فكان في نظري بلامثيل ولانظير. كان أقرانه يدعونه بـ (صوفي) والآخرون بـ (مام صوفي) ونحن بـ (بابا-جدّو).كان (جدّو) لايحسب سوى اللطف والمحبة والمرح ثروة للإنسان. لم يكن يكترث بالنقود والمال. كان يؤذن ويؤمّ المصلّـين في مسجد قرب بيتنا.لم يكن ملاّ، ولم يكن يتعبّد أو يؤذّن بالنقود. كان المسجد الذي يديره بسيطاً جداً بمبناه وأثاثه، حتى أنه لم يكن يحتويِ على مكبّـرة صوت! فكان جدي يصعد إلى سطح المسجد ويضع كفّـيه على أذنيه ويؤذّن للصلاة. وما أكثر ما كنت أثناء أذانه أصعد إلى سطح بيتنا؛ كي أراه. كان بعد الأذان يلوّح لي بيده على أنه سرعان ما سيعود بعد الصلاة. وكان يجلب معه في كل مرّة الحلويات واللبّـان(العلك) والحامض حلو.

   كان جدي يتحدث بلهجة كردية مختلفة عن لهجة أهل كفري. كانت لهجته أحلى وأنقى. فقد نزح جدّي وشقيقان له مع أمهم (بيروز)من شهرزور إلى كَرميان؛ في زمن القحط والغلاء، حيث استقرّوا في كفري، وأمي هي بنته الوحيدة، وهي تشبهه بجمالها وحنوها ولطفها. وقد كتبت أولى قصائدي مرثية له في  1978حين كنت في الثانية عشرة من عمري. لقد بات جدي ملاكي الحارس الحاني عليّ في زنزانتي، فهوالذي تعلمت منه أول دروس المحبة والوجدان والإخلاص. ولو لم يكن معي أولئك الناس القدوة في الزنازين الإنفرادية؛ لكان من المحال عليّ أن أحيا؛ حيث لم يتركوني هنالك وحيدة؛ فقد كانت ذكراهم بمثابة البلسم الشافي لجراحاتي.

   بعد إحراق جسمي بالسكَائر، ورميي وحيدة في تلك الغرفة، كانت تأتي مضمّدة يومياً لمعالجة حروقي، وقد سألتني في المرة الأولى أثناء تضميدي:

-                     أنت صغيرة جداً، ماهي جريمتك؟

-                     لاشيء

-                     لايمكن أن يفعلوا بك هكذا؛ إنْ لم ترتكبي جريمة ما.

-                     لقد كتبت الشعر

-                     شعر سياسي؟

-                     ...

-                     ما شأنك بالسياسة؟ كان عليك أن تحبّي وتكتبي شعر الحب.

-                     ...

   كان دواؤها شافٍ جداً؛ فقد إندملت حروقي القديمة، وتماثلت الجديدة إلى الشفاء في بضعة أيام، لكن الذي كان يؤذينني أكثر من حروقي وجراحي، هو مشهد الرجل الكردي المهان،الذي كنت أشهد ركله ثلاث مرات يوميّاً.

   - إيه أيّهاالكردي!أيّ مستعبد أنت! أيّ حشرٍ يحشرونك!

   - إيه أيتها المرأه الكردية! أسيرة أيدي أيّ رجال أسرى ومستعبدين أنت!

   بقيت وحدي في تلك الغرفة أسبوعاً. وذات منتصف ليلة رموا بصبية في الغرفة. بدت من شكلها وسحنتها غيركردية، وبدت عليها آثارالتعذيب الشديد، لكنها لم تُـحرق مثلي. بقينا لفترة ننظر إلى بعضنا البعض صامتتين، لا تنطق أيّة واحدة منّا بكلمة؛ فقد كنت قد سمعت أنّهم في سبيل خدع وإستدراج المعتقلين يدسّون بينهم عملاءهم أحياناً، وربما تثق تدريجياً بأحدهم؛ فتبوح له بأسرارك...هذا ماتراءى لي في خيالي وقتئذ؛ ولذا كنت أتصرف بيقظة وحذر على سبيل الإحتراز، لكنها بعد فترة، حطّمت الصمت بيننا، وسألتني بالعربية:

- هل أنت هنا منذ فترة...؟

- منذ أسبوع، لكنني موقوفة منذ أسبوعين.

- ألست عربية؟

-لا،أنا كردية.

- من الشمال؟

   فأومأت لها برأسي بالإيجاب بدلاً عن الكلام. كمْ كنت أتألّم لعدم تسمية وطني بإسمه الحقيقي (كردستان)!

   على أيّ حال، كانت الفتاة شيعية، وقد إعتقلوها أثناء توزيعها لمنشورات حزب الدعوة الإسلامي. كانت فتاة سمراء خفيفة الظل. كان شعرها أسود وطويلاً. كانت عيناها سوداوين. كانت في السادسة عشر. وكان إسمها (جنان) وظللت أحاورها بحذر، مكتفية بما كنت أقوله للجلادين. وفي الأيام التالية، راحت جنان تروي لي تدريجياً كل شيء عن نفسها وأبيها وذويها. كان خوفها الأكبر من أبيها،الذي سيعاقبها عقاباً شديداً؛ إذا ما أفرجوا عنها؛ لأنها إرتبطت  بحزب الدعوة بدون علمه، بينما كان أبوها عضو شعبة حزب البعث في بعقوبة!

 

 

 

 

 

 

 

الإنبعاث بعد الموت

 

   أنا أحب جسدي؛ فجسدي مقدس عندي كإمرأة، وجسدي مقدس عندي ككردية، وكإنسانة، لكننا للأسف كشرقيين نفتقر عموماً إلى أيّ وعي يُذكر إزاء قداسة الجسد، وككرد خاصة، وكنسوة بصورة أكثر خصوصية، بل اننا لاندرك أهمية أجسادنا في تكوين هويّتنا. إنّما يحدث أحياناً أن تزيد حادثة، فاجعة، أو أزمة خاصة أو عامة نسبة وعينا إزاء أجسادنا، فتـنمّّي أهميّتها لدينا. لقد عرّفتني نكبة اعتقالي وتعذيبي على جسدي، وجعلتني أقدّسه، بل وشعرت بالزهو؛ لكوني صاحبته.

  يعجز الجلاّدون عن النيل من الأسرار الكامنة في أذهان الناس؛ إذ لايمكن تدجين الفكر؛ فهو لامرئي، وغيرملموس، كروح الإنسان، كالعقيدة والموقف والأمل وتباريح الإنسان؛ حيث يمكن الإحساس والشعور بكل ذلك فحسب، ولايمكنك أن تقيّده. لكنما الجسد بصفته دليلاً لوجود الإنسان؛ يكون ملموساً، ومن السهل إلحاق العطب به بأدوات القمع، إلاّ أن هذا الجسد المقدس نفسه يمكنه أن يقاوم ويصمد ويذود عن كيان الإنسان وأفكاره ومواقفه وآماله؛ فيجعله جديراً بالوجود والمجد؛ فحمداً لجسدي الذي حمى كياني وفكري منذ حبسي في سجون الفاسشت، ومنحني هويّة أزهو وأفتخر بها مادمت حيّة.

   في أواسط (1999) ولدت إبنتي (شاكار) ولمّا رأيت إنسانة قد إنفصلت عن جسدي، وراحت تعمّر الدنيا؛ أحسست في اللحظة الأولى،التي إحتضنتها فيها أن لاشيء أقدس من جسد المرأة! ورحت في الوقت نفسه، وأنا فخورة بتلك الحالة الطافحة بالزهو؛ رحت أتذكّر السجن وصنوف تعذيب عام (1980) لجسدي؛ فشعرت أنّ لاشيء أقدس من الإنسان. إن جسد الإنسان ليستحق أقصى تقدير وتبجيل؛ فكيف يجوز إمتهانه وتعذيبه؟! أنا ضد التعذيب على الإطلاق؛ فحتى العدو يجب ألاّ يُعذب. وأنا ضد عقوبة الإعدام؛ فحتى القاتل يجب ألاّ يُقتَل. هذا ما أؤمن به. وفي رأيي أن عقاب الجسد بالتعذيب سواء أكان لرجل أو لإمرأة، جريمة كبيرة تُرتكب ضد الحياة، تلك الحياة النابعة المتدفقة من جسد الأم. إن تعذيب الإنسان تسميم لذلك النبع العذب، وقتل الإنسان سمل لينبوع الحياة.

   في10آذار1991 أثناء تحرير كفري، كان عدد من رجال الأمن البعثيين قد قُـتلوا، وفرّ بعضهم أو إستسلموا؛ فإذا بصديق مطلع على مجريات سجني وتعذيبي، يجيئني بعد يومين أو ثلاثة، ويقول لي:

-         أتدرين أن(نجاة) الأمن(المخبر) البعثي،الذي عذبك، مقتول وجثـته المتعفنة مرمية قرب(سرقلعة) فهل تحبذين التفرّج عليه؟

-                     كلا،لاأريد، لاأريد بتاتاً أن أرى أيّ قتيل.

      فتعّجب صديقي من جوابي؛ لأنّه كان يظن أن تعذيبي في السجن قد غرس فيَّ بذرة الظمأ للثأروالإنتقام. في الحقيقة يجب أن يُعاقب أولئك المجرمون، لكنما ليس بالقتل؛ فلست أعتقد أن القتل والعنف يمكن أن يعالجا أيّة مشكلة. ولاأعتقد أن التعذيب يمكن أن يصيب الهدف، ويحقق الغاية المبتغاة. إن الإنسان ليس شرّيراً بطبعه، إنّما يُجعَل كذلك؛ ومن ثم ينتج أولئك الأشرار الثقافة الشريرة وكل الشرور. ولايمكن أبداً أن تصلح الحياة بممارسة الشر.

   في المرّة الأولى،التي قرأت فيها عن الثقافات والحضارات القديمة في بلاد الرافدين، في كتاب التاريخ وأنا في الصف الأول المتوسط؛ إسترعت شريعة حمورابي إنتباهي، لاسيما ماورد فيها بخصوص الجرائم والعقوبات: "العين بالعين والسن بالسن" كما إطلعت على العقوبات الواردة في الشرائع الدينية، كقطع يد السارق ورجم المرأة الزانية، لاسيما رجم المرأة،والذي مازال  يُمارس في إيران لحد الآن! فأيّة ثقافة عنف مبنية على الأساس الخاطيء! وهي لما تزل تُـدمَّر إنسان هذه المنطقة باطنياً، أي من داخل النفس؛ حيث نجد النفس المريضة،التي ترتاح وتتمتع بتعذيب الآخر! فأيّ ماء أسود سكبه حمورابي اللاّمبارك في هذه المنطقة، وراح الملك تلو الملك والحاكم بعد الحاكم يزيده سواداً وعفونة، حتى جاء صدّام الدكتاتور؛ فأحاله أوقيانوساً من الدماء، ومافتيء هو وحيتانه يعومون فيه!

   لقد عذّبوني بصفتي كردية، فصيّروا جسدي محكّاًً للعقاب؛ بسبب كرديتي، وأحالوه (مصبغة نيلة) لقد كان عقاباً لجناية كوني كردية، ولم أبرح أذوقه آنذاك؛ فيا إلهي لماذا يجب أن يحسب مجرد كون الإنسان كردياً جريمةً وعقوبتها قاسية إلى هذا الحد؟!

   ظللت أفكّر في تلك الزنزانة، وأتأمّل بعمق، سائلة نفسي:

-                     لماذا أُعاقََـب؟

-                     أيّنا المجرمون؟ نحن أم هم؟

-                     أيّنا إحتلّ وطن الآخرين؟

-                     أيّنا هضم حقوق الآخرين؟ نحن أم هم؟

-                     من هو المجرم، ومن هو المقتص؟

-                     لماذا يجب أن يستحيل مجرد وجودنا كشعب آخر في حد ذاته جريمة وتصبح أجسادنا حلبات للتعذيب؟!

   لقد كان جسدي هنالك جسد كردية، وكان يُعذب ويتعذب؛ بجريرة الفكر والحب للإنسان الكردي، والعاطفة الجّياشة تجاه وطني، مثل ذلك الرجل الكردي المطروح تحت السلّم قرب المرحاض، والذي كانوا يركلونه عشرات المرات يومياً ويهينونه؛ لمجرد كونه كردياً!

   لَكَمْ هو مهم أن ينتصر الجسد في تلك التجربة الجهنّمية ويندحر الجلاد! لذا فأنا والآلاف المؤلفة من أمثالي ممّن إجتازوا تلك التجربة القاسية الشائكة في أقبية التعذيب البعثي؛ يحق لنا أن نقدّس أجسادنا.ترى ما الذي لم يفعلوه بنا؟! كم مرّة قتلونا؟! وكم مرّة إستقبلت جهنّم أرواحنا وأجسادنا! ثم عدنا من يوم الحشر، ولم نزل أحياء..فأيّة معجزةٍ هو بقاؤنا على قيد الحياة!!

   مضى أسبوع. قلّت أوجاعي بالكاد، لاسيما وقد إندملت نوعما حروق السكَائر على صدري ورقبتي وكتفيّ. ومع ذلك كانت تؤلمني جداً؛ كلّما مسستها بأصابعي، بل كانت روحي تكاد تنزهق، وإذا بي أفز وأجفل على صلصلة دورة المفتاح في قفل الباب؛ إذ كانوا يقتادونني إمّا للتعذيب، أو للمرحاض، حيث يعذبني أيضاً مشهد الكردي المرميّ تحت السلّم!

   فتح الأوباش الباب، ونادوا عليَّ أن أخرج، وعند الباب ألبسوني فوراً عوينات بلاستيكية سوداء معتمة جداً؛ بحيث تتعذرعبرها رؤية أيّ شيء؛ فأدركت في الحال أنهم يأخذونني للتعذيب حتماً؛ فعاودت الأوجاع مواضع حروقي، وأنا أخطو كالعمياء نحو المجهول، والجلاد ماسك برسغي نحو مكان محظور عليّ أن يتبيّن لي الدرب إليه؛ لأنه كان يقتادني، وأنا معصوبة العينين.

   الزمان والمكان هما ذينك البعدان المهمان،اللّذان نواجههما دائماً في الحياة، ونحن نعيش ذكريات تلك الأوقات والأزمنة،التي عشنا فيها في الفترات الماضية؛ فتنعكس آثارهما على شخصياتنا؛ وعليه أرى أن كل من خبر السجن وذاق التعذيبين النفسي والجسدي؛ يحب الحرية أكثر من الآخرين، ويتعامل مع حريته وجسده بحكمة ورويّة أكثر من سواه.

  حالما نزعوا العوينات عن عينيّ؛ وجدت نفسي في غرفة تعذيب أخرى، لكنني لم أنصدم ولم أنذهل ولم أنبهت كما في المّرة الأولى، لاسيما لم أر في الغرفة سوى كرسيّ صديء. ولم يصدمني وجود الجلاّد الملثّـم كما في المّرة الأولى؛ فقد تعوّدت على شكله الرهيب. ومع ذلك كنت أخاف، بل وأخاف كثيراً؛ ياترى ماذا ينتظرني؟ أيّ صنف آخر من التعذيب؟! أيّ صنف آخر من الإهانات، ثم الأشذّ إيلاماً من كل ذلك لماذا يعذبونني؟! أمّا السؤال الأخير، فقد كنت أعرف، بل كلنا نعرف جوابه؛ لأنك كردية! والكرد عبيد للأجنبي المحتل، ليس عندهم حق الحريّة في الكلام، ولا حق السؤدد والسيادة والإفتخار؛ لأن المحتلين إغتصبوا كردستان؛ فلا حق لنا أن ننطق حتى باسمها، ولا أن نحبها، ولا أن نطالب بها! وهو الجواب،الذي رفضناه أصلاً، ولم ولن نمتثل له؛ فقد ضحىّ الآلاف، بل الملايين منّا بأرواحهم؛ لكي نستعيد سيادتنا ونصبح أصحاب أرضنا وهويتنا وأمجادنا.

   ثم رأيت الرجل الدميم المخيف،الذي شتمني أول مرّة واقفاً أمامي، فقال لي:

"إجلسي"

فجلست على الكرسي الصديء.وإذ لمحت بيده سيكَارة؛ أخذت كل عروق جسدي تتألم، وأنا متوترة في إنتظار إطفاء جذوتها على جسمي، وشعرت بالغثيان، وغطّت الغشاوة عينيّ، وأخذ رأسي يدور، واشتد خفقان قلبي، وكانت أذناي تسمعان دوّيه، لا نبضه! يقيناً إن تلك اللحظات لايمكن أن توصف، بل عسير جدّاً أنْ تستحضر على الورق؛ فمثل تلك اللحظات تشبه لحظات الإحتضار ولاتشبهها! إذ يتحسس الإنسان الألم والحياة، لكنهما عصّيان على التدوين!

   وبسبب خوفي من السيكَارة وتداعياتها؛ لم ألحظ الكيبل بيده الأخرى. كانت بيده ورقة، باليد الماسكة للسيكَارة بين السبّابة والأصبع الوسطى،والتي كان يمتصها بعمق بين الفينة والفينة، وينفث دخانها في الهواء؛ فكنت أشعر بالإختناق. ولحد الآن مازال دخان السكَائر يصيبني بالغثيان...

   كان الجلاد يتمعّن فيّ. ثم خاطبني:

    - لدينا الأدلّة القاطعة على إرتباطك بالمخربين.

  ففزع قلبي متوجّساً، ولاأدرى إلى أيّ مدى بدا الفزع على وجهي، ولاريب في ذلك. لم أقل أيّ شيء، إنّما كنت أنتظر التعذيب، بل أتعجله في أعماقي؛ فقد حبّذت أن يسألني السؤال تلو الآخر بأقصى سرعة، وأن يبدأ التعذيب، وأن يُغمى عليّ؛ فأنجو سواء أجبته أم لم أجبه! لأن إنتظار التعذيب أشدّ ألماً من التعذيب نفسه؛ فألمه حاد وساطوريّ!!

-                     مادامت لدينا الأدلّة القاطعة؛ فلاداعي للأنكار، فاعترفي؛ حتى نطلق سراحك. لاحلّ لك إلاّ الإعتراف.

-                     أعترف بماذا؛ إذا لم أكن مرتبطة؟!

-                     لك إرتباط مع خالد كَرمياني نفسه، وعندنا الدليل.

-                     حتى لو كان عندكم دليل؛ فهو مزوّر؛ لأنني أعرف أن لاعلاقة لي بأيّ شخص كان.

-                     يا بنت القحبة! أتظنّـين أنّك ستستطيعين أن تنكري حتى النهاية وتخدعينا؟!

وإذا به، وهو يتفوّه بتلك العبارات والشتائم، ينهال بالكيبل على وجهي بلمح البرق؛ فاظلمت عيناي تماماً، فظننت أنني عميت. لكنما لاأدري كم ثانية أودقيقة مضت؛ حتى عاودت عيناي الرؤية، وكانت رؤية معتمة. ثم شعرت برطوبة وسخونة على حنكي وسيلان الدم على رقبتي من فمي ورعاف أنفي، فرفعت رأسي قليلاً، ومددت يدي إلى أنفي؛ لأوقف رعافه، وإذا بي أحس بشيء صلب في فمي، فأخرجته ونظرت إليه بعينيّ المتضببتين؛ فرأيت كسور أسنان، فتفحصت بأصابعي أسناني، فإذا بقواطعي قد تكسّرت وسقطت منها تلك الكسور! فانطرحت على الأرض متكوّرة، والدمع يسيل من عيني والدم من فمي وأنفي، والوجع والألم يتفجّران متدفقين من أغواري.

   لم يقل أيّ شيء آخر، إنما حملق فيّ شزراّ بعينيه الجاحظتين الرهيبتين، الطافحتين بالحقد والحنق، ثم خرج بسرعة، وسرعان مادخل الجلاّد الملثم، فمسكني من ذراعي وأنهضني وأجلسني على الكرسي الحديدي، لكنما بالمقلوب، بحيث كان صدري على مسنده الخلفي وكانت ساقاي متدليتين على الجانبين، ثم كبّل يديّ مع الكرسي، وربط  قدميَّ بقائمتيّ الكرسي. وهكذا تسمّرت دونما قدرة على أيّة حركة. ولأن صدري قد إنضغط بقوة على مسند الكرسي؛ فقد تنكّأت جراحاتي وقروح حروقي، فضلاً عن وجع كتفي المخلوعة، ناهيكم عن آلام فمي وأسناني وأنفي وأذنيّ، وهل بقي مني عضو لم يتألّم؟ ثم كيف كان وضعي النفسي؟!

   كنت أشعر أنني في غابة، والضواري تمزّقني بأنيابها وبراثنها إرباً إرباً، وتقضم عظامي. كنت أشعر بعبثيّة ولاجدوى الوجود، بل كنت أشك في حقيقة كوني موجودة في تلك اللحظات العصيبة. كنت أشعر بأني في حالة الموت. وكيف يكون الشعور بالموت؟ فالميت تنطفيء حواسه جمعاء، لكنني كنت أشعر بموت جسدي، بالقتل، بكوني قتيلة ميتة، بل كنت أشعر بالإستشهاد. ومازال لدي حتى الآن إحساس بكوني قد إستشهدت ذات مرة في حياتي، ثمّ انبعثت حيّة من جديد! ومن هنا أرى أن الكثيرين من الكرد،الذين نجوا من أقبية التعذيب العفلقي، عائدين إلى محفل الحياة لديهم الإحساس نفسه، ألا وهو أنهم قد ماتوا وإنبعثوا من جديد. إن لحياة مابعد الموت مذاقاً آخر؛ فأنت تشعر أن من الضروري ألاّ تمضي سُدى وعبثاً، وتشعر أنه يجب أن تكون في كل لحظة أنشط وأكثر فعالية. إنّ من خبِر السجن؛ يشعر بغبطة لحظات الحرية ضعفيّ أيّ شخص آخر. ولقد بلغت غبطتي أوجها في إنتفاضة 1991وكنت أعتقد بأن الشهداء مبتهجون مثلي؛ إذ رحت منذ فجر10آذار 1991 يوم تحرير كفري أتجوّل في مدينة كفري في سيارة إسعاف شارعاً فشارعاً، زقاقاُ فزقاقاً، وأنا ألقي أشعاراً ثورية وهتافات تحريضية من مكبّرة صوت. كان شعوري عجيباً، وكنت جذلى ثملة بلحظات الحرية،التي لاتوصف، وأنا منخرطة في حشود الناس،التي تجمعت لحرق صورة الدكتاتور صدام. كنت متحمسة غير هيّابة ألقي الخطب والهتافات والأشعار الثورية، وقد جاء إليّ رفاقي البيشمركَه،الذين كناّ منقطعين عن بعضنا البعض منذ سنوات عديدة، ماعدا تواصلنا عن طريق الرسائل الجكليتية (قصاصات صغيرة ملفوفة كالجكليت-المترجم) التي كان السعاة السرّيون يقومون بإيصالها، و كانت آخر رسالة قد وصلتني بواسطة العم رشيد قبيل الإنتفاضة ببضعة أيام من رفيقي القديم اللطيف عثمان الحاج محمود،الذي أعتز به وافتخر حتى هذه اللحظة بنقائه وإخلاصه، ويسعدني أن انساناً مثله صديقي، فقد جاءني يومئذ، وانا وسط الحشود، ومعه (حمه رش) والبيشمركَه الآخرون المحبوبون، بوجوه مستبشرة؛ فأسعدوني بلقياهم. في تلك اللحظات التاريخية من الحرية، كان كل شيء يفوح بشذى الورد، فقد سكّرنا جميعاً عبق قرنفل الحرية وأبهجنا، فكنّا نشبه الفراشات، وهي نحط على زهورعباد شمس الهدأة ونطير من جديد. كانت البسمات تجمّـل شفاهنا، والحبور يوشّح قلوبنا. ألا ماأندر تلك اللحظات! وما أقسى أن تنطفيء تلك الغبطة بسرعة! فيستحيل العرس مأتماً!

   وللأسف في اليوم نفسه، وبعد أن تغدّى معي الرفيقان العزيزان عثمان الحاج محمود وحمه رش، ودّعاني قاصدين تحرير مدينة طوزخورماتو، وقد طالت هنالك المعارك؛ حيث لم يستسلم الأعداء بسرعة، ثمّ إذا بخبر استشهاد (حمه رش) يلسع مسمعي في اليوم التالي. لكم كانت تلك الأخبار موجعة؛ فقد إستشهد في اليوم نفسه والد وشقيق عثمان، في مدينة طوز. ومن ثم عاد الأخ عثمان في مساء اليوم التالي لعيد نوروز؛ إذ كانت الهجمات المضادة قد بدأت، وراح (مجاهدو خلق المنافقون المرتزقة) يحتلّون المدن والمناطق المحررة شبراً شبراً لصالح النظام العفلقي. كان أهالي كفري قد نزحوا منها، وكنا في إحدى غرف مدرسة (سرقلعة) ولمّا إلتقاني الأخ عثمان بعد يومين أو ثلاثة أيام من معركة طوز وإستشهاد والده وشقيقه، كنت قد توقعت إنهيار معنوياته، لكنه مع كل تلك الفجيعة الهائلة؛ بدا رابط الجأش وصامداً! أجل؛ فقد رأيت إنساناً عالي الهمة ذا معنويات عالية جداً. حقاً إن الإنسان يتعلم الصمود من هكذا رفيق.

   في غرفة التعذيب، كنت مربوطة بالكرسي، مشلولة الحركة، وإذا بي أسمع صوت تمزيق قميصي من دبر، لكنني لم أستطع الإلتفات؛ لأرى أي نوع آخر من التعذيب ينتظرني. وما هي إلاّ لحظات حتى تصاعد الأزيز من ظهري؛ حيث راح الجلاّد يطفيء عليه السيكَارة بعد الأخرى: واحدة، إثنتين، ثلاثاً.....عشراً.......يذيقني عذاب الموت الأليم. ثم لم يتبيّن لي هل خدّرني الألم الهائل المديد، أم غبت عن الوعي. لقد شعرت بألم هائل ورهيب لايطاق إلى حد لايمكن التعبير عنه لا بالبكاء ولا بالصراخ، بل ولا بأيّ شيء... ومن ثم لاأدري هل غبت عن الوعي أم لا؟ فكل ما أتذكّره هو أنني لم أبك ولم أصرخ، إنما كانت دموعي تنهمر بصمت وتختلط بدمي النازف.

   كانت(جنان) جالسة عند رأسي، وعيناها مغرورقتان بالدمع. كنت مستلقية على بطني، وعليّ قميص آخر. كانت أوجاعي هائلة إلى حدّ لم يسعني الشعور بوجع إضافي، وكما لو كان وضعي طبيعياً! فقد نهضت لأستند إلى الحائط؛ فتعذر عليَّ ذلك، إذ تذكرت حروق ظهري وصدري ورقبتي على الشاكلة نفسها، ولكن كانت جراحات الحروق القديمة ملتئمة نوعمّا؛ ولذا ظللت أنام على بطني لفترة طويلة، ولم أكن أسند ظهري إلى الحائط. كانت الممرضة تأتي لتضمّد جراحي. كنت أعرف بأنهم يعالجونني؛ لكي يعذبوني من جديد! فأضطررت ألاّأكترث بالأمر. كنت مصدومة ومشدوهة وصامتة، لاأتكلم مع جنان إلاّ ماندر؛ فقد تضاءلت قدرتي على الكلام، لكنني كنت أفكر بصورة متواصلة. كان الحزن يطغى عليّ أثناء التفكير:

- ترى ماهو حال أبي وأمي وإخوتي وأخواتي وأعمامي الآن؛ إذ يجهلون أين أنا،بل ويجهلون أيّ أثر لي؟!  لم أكن وحيدة أبويّ، لكنني كنت إستثنائية عند جميعهم، كما لو أنني الوحيدة؛ فقد كنت محبوبة الجميع. أجل؛ تلك الفتاة التي كان تعب أبيها يتلاشى بمرآها، والبنت التي كان يحبها أعمامها بلا حدود، والتي كانت أمها تدللها كثيراً، بل وكل ذويها، فياترى أين هم الآن؛ليشهدوا مافعل بها التعذيب؟! وماالذي سيصيبهم؛ إذا ما رأوا جسدها المتحوّل إلى منفضة سكَائر، وينقض عليها الجلاّدون الأوغاد؟!

  ثم رحت أفكر في حبيبي، الفتى الذي كنا قد إرتبطنا بعلاقة حب، منذ فترة وجيزة، ولم نكن قد تبادلنا بعد عبارتي حبّ وجهاً لوجه، ياترى ماذا يفعل الآن، وكم يتعذب؟!

  كنت على يقين بأن الجميع محزونون، وهنالك حالة شبيهة بالمأتم في بيتنا وبيوت أقربائي. كنت أعرف أن قلوب الجميع تهفو توّاقة لرؤيتي، وينتظر الجميع ظهور أثر ما لي.

   لقد كان الأمر كذلك فعلاً، فقد كان أخي الأكبر(قيس قرداغي) الذي وضع بمكتبته بين يديّ عالماً جميلاً، كان يدرس حينذاك في معهد النفط ببغداد. وقد أخذ إجازة، وراح يتحرّى ويفتش باحثاً عني في جميع دوائر الأمن والشرطة العراقية، حتى في البصرة، لكنما بلا جدوى؛ حيث كانوا يحوّلونه من هنا إلى هناك خادعين إيّاه. لقد كنت بالنسبة إلى أهلي وأقربائي بلاأثر، بل ومفقودة حسب العبارة الكردية "بلا رأس ولا مكان" فقد كنت فعلاً كذلك؛ فأيّ مكان ذاك الذي كنت فيه؟! وأيُّ رأس ذاك الذي بقي على جسمي؟!

   كان أبي قد صرف كل مدخولاته في الذهاب والإياب بحثاً عني. وكانت أمّي قد قصدت الشيخ (إبراهيم) صاحب تكية في (قادر كرم)؛ إذ كانوا قد سمعوا أن(عزت الدوري) هو أحد دراويشه! وقد توسّلت إليه؛ لعلّه يستعلم فقط من درويشه (الدوري) عن مكان وجودي! وكان عمي بدوره قد ذهب حاملاً(علشيشاً) إلى بيت (محمد سعيد الجاف) في بغداد؛ لعله يتوسّط لإنقاذي. وهكذا راحوا يقصدون ويتوسّلون أيّاً كان من ذوي النفوذ والعلاقات بكبار مسؤولي البعث، حاملين معهم ماتيسّر من الهدايا؛ لعلهم ينقذونني، أو يدلّونهم على مكاني لاأكثر! لكنما سُدى! فالشيخ إبراهيم، مثلاً، كان قد إلتقى عزت الدوري- حسب روايته لأمّي في زيارتها الثانية له - وقال له:

-         إنها بنت صغيرة، عمرها أربع عشرة سنة، أُعتقلت منذ شهرين، وهي بلا أثر، وأهلها يبحثون عنها بلاجدوى؛ لعلكم تطلقون سراحها؛ لأن طفلة كهذه ماذا ستحرق حتى لو إستحالت ناراً؟

فأجابه الدرويش الورع(الخاشع لله!) بلامبالاة وبكل برود:

-         كانت ليلى قاسم أيضاً بنتاً وطفلة، في حين كادت أن تفجّر بغداد. إن هاتيك البنات نيران، وفي مقدورهن إحراق الكثير من البلدان!

ثم لم يَعِـد الدرويش شيخه بأيّة محاولة. وعندها ناشدت أمي الشيخ نفسه:

  - شيخي العزيز! مادام الأمر هكذا؛ فلتدعُ بنفسك من الله خيراً للطفلة، وعهداً عليّ أن آتي بها لزيارة تكيتك.

    وكذلك راحت زوجة عمي (درويشة الشيخ حمه هزاركاني) تتوسّل شيخها؛ للدعاء من أجلي، واعدة إيّاه بأخذي لزيارة تكيته. وهكذا بينما كنت تحت التعذيب، كان أهلي وأقاربي يراجعون التكايا والخوانق(التكايا) واعدين الشيوخ بزيارتي إليهم بعد الإفراج عني!

    لم أحبّذ زيارة قادر كرم وتكية شيخها، لكن أمي كانت تقول "لقد تعهّدت ولابدّ من أن آخذك" بينما حبّـذت زيارة تكية الشيخ حسين هزاركاني، متمنية أن تفي زوجة عمي بوعدها للشيخ؛ فقد كانت قرية (هزاركاني) ضمن المناطق المحررة، وكنت أعرف بأنني إذا ذهبت إليها؛ سأرى البيشمركَه؛ وبذلك أحقق حلمي المقدس. ولمّا عرضت زوجة عمي طلبها على أبي؛ لم يرض وقال "أخشى أن تلتقي البيشمركَه، ثم ينكشف أمرها؛ فيعتقلونها ثانية" إضافة إلى أن أبي لم يكن يؤمن بالشيوخ والسادة والملالي والدراويش ولا بأساطيرهم وخرافاتهم. لكن زوجة عميّ ظلت مصرّة، وهي تقول: "إذا لم أف بعهدي؛ سيحدث لها مكروه" ومن ثم ذهبت معها إلى بيت الشيخ، حيث تحقق ما كنت أتصوّره، فمع المغيب نزل البيشمركَه إلى القرية؛ فأمست التكية في نظري مهرجاناً للأنوار. كان كل آت يقبل كتفيّ الشيخ، أمّا أنا فقد صافحته مصاحفة حميمة؛ فأبطلت وضوءه! حين كنت أسمع بالشيخ من قبل؛ كنت أتصوّره رجلاً نورانياً ذا لحية بيضاء، وإذا بي أرى شاباً أنيقاً ذا زوجتين وبضعة أطفال! وفي المساء عقدوا حلقة الذكر في دهليز منزل الشيخ وأمام منزله، حيث إنعقدت حلقة الذكر النسوية في الدهليز،وحلقة الدراويش في الساحة أمام المنزل. ثم تصاعد حال الدروشة؛ إذ راح الجميع يهزّون رؤوسهم يميناً ويساراً. كان المشهد في نظري- أنا الذاهبة من المدينة - عجيباًغريباً، حيث كانت الدرويشات يهززن رؤوسهن فقط وهن يرددن "حيّ الله" لكنما الدراويش كانوا يغرزون السيوف في بطونهم والسفود في خدودهم، ويضربون بطونهم بالبلوكات السمنتية، ويفعلون الأعاجيب، فاقتربت للتفرج عليهم، لكن زوجة عمّي نادت عليّ بالعودة: "لايجوز للنساء الإقتراب منهم؛ لأن ذكرهم يبطل عند رؤيتهن" لقد شاهدت الشيخ جالساً بصورة طبيعية جداً، لايذكر ولايفكر! إنما كان يدخن السيكَار، نافثاً الدخان في الهواء، وبدا لي ساخراً منهم ومتهكّماً عليهم!!

   للأسف الشديد، تعرضت قرية هزاركاني في1988 للأنفال بشيخها وكل أهاليها. ومايروى عن شيخها لافت للنظر جداً؛ فقد حاول بعض أقربائه المتنفذين إنقاذه مع زوجته وأطفاله؛ فلم يرض، إنما قال: "لاأريد التفريق بيني وبين أهالي قريتي؛ فإمّا أن ننجو معاً، أو أن نهلك معاً"! وهكذا إختلط رفات الشيخ برفات رعيّته، ولا أحد يعرف في أيّة مقبرة جماعية يرقدون!!

   مضى أسبوع آخر، وإزدادت حرارة جو بعقوبةً، رغم كوننا في أواسط شهر حزيران. فقد كان الجو يغلي، وأخذت قروحي تنزّ قيحاً أصفر اللون. ومافتئت الممرضة تعالجني. كنّا وحدنا أنا و(جنان) في تلك الغرفة، بعد ورود جنان منذ أسبوع، وإذا بهم يفتحون الباب ويدخلون بنتاً أخرى، فنهضت جنان فوراً، وعانقتها، وتبادلت الفتاتان المزيد من القبل. كانت تلك الشابة خالة جنان، وهي تكبرها بسنتين. كانت (سلوة) قد وزّعت في المدرسة مع بنت أختها رزمة من منشورات حزب الدعوة، وقد إعترفت عليها جنان تحت التعذيب؛ فاعتقلوها لاحقاً، لكنها لم تتعرض لأيّ تعذيب. لقد عمّت فرحتهما باللقاء. كانتا من أهالي ضواحي بعقوبة، ولاتشعران بالغربة. وهكذا تغيّر حال جنان بورود سلوة، وانتعشت نفسياً إنتعاشاًً واضحاً. أمّا أنا فقد كنت وحيدة فريدة، وقد حفر إحساس عميق بالغربة والنفي سويدائي.

   لئن كانت سلوة قد أعتقلت بعد جنان بأسبوع؛ فقد حملت أخبار الخارج إلى جنان، وطمأنتها أن أباها قد بذل مساعيه، ومابرح يسعى لإطلاق سراحها، حتى أنه قصد صداماً نفسه. ولقد وعدوه بالإفراج عنها عمّا قريب. بينما كانت تروي هذه الأشياء؛ ساورني الخوف وخامرني الشك في أمرهما؛ فتصوّرتهما مدسوستين أساساً، وهما تمثلان دوريهما للإيقاع بي! ومع ذلك قلت لنفسي "ثم ماذا؟ فأنا لم أبح بأيّ شيء لهما " كانت جنان قد عُذبت مرة واحدة، أما سلوة فقد حققوا معها فقط. وقد نقلت سلوة تهديدات أبي جنان إليها، والذي أقسم على أن يسجنها في البيت شهراً، وأن يمنعها من الدوام في المدرسة.

   على أي حال، مع كونهما صديقتين وقريبتين لبعضهما البعض، وتتحدثان فيما بينهما أكثر ممّـا معي ؛ فقد كان وجودهما أفضل لي من عدمه وأنا في تلك الزنزانة الضيّقة والظلماء.                                   

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة والمرآة

 

 

   مرَّ شهران وأنا مازلت مفقودة بلاأثر؛ فلم يكن أهلي وأقربائي وصديقاتي وأحبتي وأعزائي يعرفون أين أنا، ولا حتى أنا نفسي!

   ولأن العفالقة الأوباش كانوا يقتادونني دائماً معصوبة العينين إلى أقبية التعذيب؛ لم أستطع تشخيص مكاني؛ فلم أحظ بأيّ عنوان لي، ولم أكن أعرف عنواناً لي في هذا العالم؛ كي أرسله ولو عبر الأحلام إلى أحبتي الباحثين عني في المتاهات بلاجدوى! لعله كان: الشرق الأوسط/ جمهورية الموت/ مدينة الرعب/ حيّ الظلام/ دار المعتقل الحديدية/ زنزانة التعذيب!!!

   لم يكن لي سوى هذا العنوان؛ لأعطيه لذويّ عند مجيئهم في أحلامي، خلال هنيهات الغفوة أو النوم مابين الفزّات والجفلات.

   لقد أفرجوا عن(سلوة) و(جنان) فوجدت نفسي مرة أخرى وحيدة مع بعض النمال والصراصر المتراكضة على حيطان زنزانتي. منذ شهرين والجرح هو لسان جسدي الوحيد،الذي كنت ألهج به بصوت عال ترانيم كَرميان الحميمة ومقام(الآي آي) منذ شهرين لم يمس الماء جسدي؛ فبات الوسخ والدهن والدم والدمع بقعاً متيبّسة على جسدي وملابسي وخرائط عجيبة! كانت الحروق تندمل، ثم تتنكأ، ثم تندمل...وهكذا دواليك. كان قيظ صيف بعقوبة في حد ذاته تعذيباً رباّنياً للمعتقلين والسجناء؛ فحتى لولم يعذب المرء؛ كان تنفسه يضيق بذاك القيظ ، ويختل نبضه، ويرتفع ضغطه؛ فكيف يكون حال مَنْ يتعرض للتعذيب في ذلك القيظ؟!

   ذات صباح، فتحوا الباب، وقالوا لي:

 "إستعدّي،سنأخذك إلى مكان آخر"

كنت أعرف أنه محظور عليّ أن أسأل:

"إلى أين؟"

وحتى لو سألت؛ فهم لن يجيبوني.فلماذا أسأل؟ فهيّأت نفسي. ثم ماذا كان لديَّ لأهيّئه؟! فمن حسن حظي؛ لم تكن عندي حتى مرآة؛ لأنني كنت مدركة بأني سأضطرب، وأتألم أكثر إن رأيت نفسي! فمنذ شهرين لم أستحم بتاتاً، لم أمشّط شعري، لم أتناول طعاماً كطعام البشر، بل ولم أنم كإنسان. ورحت أتصوّر منظري كمْ هو مخيف! ناهيكم عن كل حروقي وآلامي!

   لم يعصبوا عينيّ هذه المرة، وقد أجلسوني في القسم الخلفي لسيارة صندوقية مغلقة؛ بحيث لم أكن أرى أيّ شيء عدا أسيجة السيارة الحديدية. بعد فترة وجيزة، أنزلوني، وإقتادوني إلى المكان المقصود، وهو(مديرية شرطة بعقوبة) وحالما أنزلوني من السيارة المغلقة وتعرّضت لشمس حزيران اللاهبة؛ كدت أصاب بالعمى، وأصابت الدوخة رأسي؛ فكدت أسقط أرضاً؛ لأنني لم أر منذ شهرين سوى نور مصباح ضئيل، فكيف بهذا النور الساطع الوهّاج؟! منذ شهرين لم أتعرض لأشعة الشمس. ولمّـا رآني حارسي دائخة وعاجزة عن المشي؛ أمسك برسغي حتى بلغنا داخل مبنى كبير، ثم أدخلني إلى غرفة، حيث كان يجلس مفوّض شرطة، يتراوح عمره مابين الأربعين والخمسين. لم يكن مظهره مخيفاً، بل بدا لي إنساناً إعتيادياً، لكنني بدوت له غيرإعتيادية؛ فما إن ألقى عليّ نظرة؛ حتى شعرت بعينيه تخضلاّن بالدمع. يبدو أنه قد رقّ لحالي، وأشفق عليّ؛ فاستغربت، وتعجبت؛ لأن جميع الذين إلتقيتهم من قبل، كانوا يستقبلون المعتقلين باستخفاف واستهانة، بينما لم يكن هذا الرجل مثلهم. عندئذ سلّم مأموري ملفي إليه، وقال:

- هذا ملفها. يجب وضعها في زنزانة إنفرادية، وزيارتها ممنوعة؛ حتى يأتيكم أمر منّـا.

   ثم أخذني المأمور والمفوض (جاسم) عبر ممر طويل، على جانبيه زنازين السجناء،الذين كانوا ينظرون إلينا من وراء القضبان. كانوا كلهم رجالاً. لم ألمح أية إمرأة. وفي نهاية الممر وصلنا إلى بابين حديديين، يعلو شباك أحدهما بمسافة نصف المتر، أما الباب الآخر فكان مغلقاً لاثغرة فيه للتنفس سوى ثقب مفتاحه. كان الباب مطلياً باللون الرمادي، ففتحاه، وأدخلاني غرفة صغيرة مربعة، طول ضلعها حواليّ المترين ونصف المتر، لها نافذة قرب سقفها مساحتها قرابة نصف المتر، في الحائط المطل على الخارج؛ فكان بالإمكان أن يميّز المرء عبرها الليل والنهار. وضعاني هنالك، ثم غادر مأموري الأمن، فودعه المفوض جاسم حتى الباب، ثم عاد، وقال لي:

- سنجلب لك بطانية ووسادة ودوشكَاً، فماذا تطلبين بعد؟

- راديو؟

- للأسف.. الراديو ممنوع؛ لأنك معتقلة سياسية ومحسوبة على مديرية الأمن، بل كل شيء ممنوع على السجناء السياسيين: الزيارة والراديو والصحف و...!

- إلى متى سأبقى هنا؟

- لست أدري؛ فليس بيدنا أيّ قرار. إنك مجرد أمانة لدينا، حتى تقديمك للمحاكمة. والقرار هو قرار مديرية الأمن، ولكن.. الله كريم! هل تريدين شيئاً آخر؟

- لا، شكراً.

- إذا شئت؛ يمكنك أن تعطي نقوداً للكنّاس؛ ليشتري لك الفواكه من السوق، فهو يأتي إلى هنا يومياً في الصباح، للكنس وحمل الأزبال، فيمكنك تكليفه، وسيجلب لك ماتريدينه في صباح اليوم التالي. هل عندك نقود؟

- نعم، عندي خمسة عشر ديناراً.

   كان ذلك الرجل يتحدث بلين ورقة، رغم زيّه البوليسي ونجماته! أجل، فقد شعرت في الحال بالفارق الكبير بينه وبين أولئك الجلاوزة. بعد فترة وجيزة جلبوا لي دوشك إسفنج ووسادة وبطانية، ولكن مانفع الدوشك الناريّ والبطانية في ذلك القيظ؟! لكن ماالحل؟ وجب عليّ الإستلقاء والنوم عليه، ففرشته في طرف من الغرفة. كانت ثمة صفيحة للقمامة في إحدى الزوايا. كان كناس مسن يجيء كل صباح، ناقلاً أوساخ الصفيحة إلى كيس كبير، ثم يعيد الصفيحة إلى مكانها. لم يكن في الغرفة مرحاض أو مغسلة؛ كان عليهم أن يأخذوني ثلاث مرات يومياً إلى الغرفة المجاورة،التي كانت تحتوي على مغسلة ومرحاض وحمام. في المرة الأولى، حين فتحوا الباب وقالوا "هّيا إلى التواليت" فزعت متوجّسة وأنا أتذكّر المرحاض المقابل للسلم، حيث كنت أشهد الرجل الكردي المعصوب العينين،والذي كانوا يعذبونني بمرآه نفسياً؛ حيث يعذبونه جسمياً ونفسياً. ثم فتحوا باب الغرفة الأخرى،التي كانت مساحتها أربعة أضعاف غرفتي، وكان في وسطها باب يفضي إلى غرفة أخرى فيها التواليت والحمام والمغسلة؛ فرأيت ثلاث نسوة. طبعاً لم أكن أعرفهن، ولماذا وجدن هنالك؟ حيث لم يكن يُسمح لي بالكلام مع أحد، ولم تكن فرصتي لتزيد على عشر دقائق لقضاء حاجتي، وإعادتي إلى غرفتي.

  ذات مرة إنتهيت بسرعة، فتوقفت عندهن. كانت إحداهن إمرأة عربية في الأربعين من عمرها، وفي أنفها خزّامة متدلية، وعلى حنكها وتحت عنقها وصدرها خيلان زرقاء، فإقتربت مني، وسألتني:

- لماذا سجنت؟

- أنا سجينة سياسية.

- ما اسمك؟

- مهاباد، وانت؟

- فهيمة، ويدعونني (أم صدّام)

- إبنك إسمه صدّام؟!

- أجل

- لماذا سجنت؟

- قاتلة.

- حقيقة؟! (بعد أن جفلت غيرمصدّقة)

- أجل، وهل أمزح؟!

- قتلت من؟

- ضرّتي..وكانت حبلى؛ فحسبوها عليّ جريمتيّ قتل!

   لم يبق لي مجال لأيّ سؤال آخر؛ فقد فتح حارسي الباب، وقال:

- هيّا، ألم تنتهي؟!

   عدت إلى غرفتي، واستغرقت في التفكير بقضية أم صدّام، هل تصدّق فعلاً؟ وكيف قتلت تلك المرأة؟ في المرات اللاحقة توضحت لي القضية تدريجياً.

   كان لفهيمة سبعة أطفال: ست بنات وصدّام،الذي ولد بعدهن. كانت سنوياً تضع بنتا؛ فغضب عليها زوجها، ثم تزوّج من أخرى؛ فبدأت مشكلتها. وإذا بها تلد طفلاً قبل ضرّتها الحامل، فسمّوه (صدّام) ورغم ذلك عجزت أم صدام أمام زوجها،الذي كان يفضّل ضرتها عليها؛ فحقدت على ضرّتها، بل كانت تبتغي هرس رأسها، وراحت تتحيّن الفرص. كان الجميع يعيشون في بيت واحد. وبعد فترة حملت الضرّة، وإقترب شهر وضع حملها. وصادف ذات يوم أن جاءتهم دعوة لحضور حفلة زفاف في قريتهم القريبة من بعقوبة؛ فطلب الزوج من زوجته الكبرى فهيمة إعداد بندقيته؛ لأن من عادات عرب الأرياف إطلاق العيارات النارية أثناء الزفاف إبتهاجاً، لاسيما بعد إنتهاء دخلة العريس؛ إذ يرمز ذلك إلى تحقق الرجولة! ويحدث أحياناً أن تقتل رصاصة طائشة أحدهم؛ فينقلب العرس مأتماً!

   عندها خرج زوجها. جلبت أم صدام البندقية، بينما كانت الضرة تـنشر الغسيل؛ إذن هاهي الفرصة الذهبية. وبعد تنظيف البندقية وحشوها بالطلقات؛ إذا بالرصاصات تنطلق واحدة، إثنتين، ثلاثاً...فتصرع الضرّة مع جنينها فوراً.مع ذلك ظلت فهيمة أثناء التحقيقات مصرة على أن قتلها لم يكن عمداً، إنما حدث سهواً، أي قضاءاً وقدراً أثناء تنظيف البندقية، ولكن من ذا يصدّقها؟! وعليه فقد حكمت المحكمة على أم صدام بالسجن (15سنة)

   لقد كنت وحيدة، لكنني كنت خلال فترات ذهابي إلى التواليت أسمع قصص هاتيك النسوة بصورة خاطفة؛ فكنت أحزن لبعضها وأتعجب لبعضها الآخر؛ فقد كانت تلك القصص غريبة وجديدة في نظر فتاة عمرها (14سنة)! أجل؛ كنت ماأزال أحلّق كالطير في عالم الشعر والحب والخيال، بل كنت ماأزال أحبذ اللعب بالدمى والخرز! كنت أفتقر إلى أيّة تجربة من تجارب الكبار؛ بل كان إعتقالي أول تجربة كبيرة لي، واجهتها في مراهقتي. لقد طفحت أغواري بالأحاسيس والمشاعر والأفكار؛ فأصبحت على وشك الجنون لامتلاك قلم؛ بغية التعبير عمّا يجيش ويتلاطم في أعماقي من أحاسيس وإنطباعات وأفكار؛ حيث لم يكن القلم يفارقني بتاتاً منذ تعلمي الأبجدية، إذ كنت أرسم، إن لم أكن أكتب. كنت أرسم وجوه البنات بتعابير شـتّـى، ومناظر طبيعية زاخرة بالجبال الشاهقة، وكذلك الأشياء المحيطة بي. لقد أشقاني غياب القلم منذ شهرين، وكان وقتي يمضي بدونه عصيباًَ!

   كانت حيطان غرفتي مليئة بالأسماء والذكريات والتواريخ الخاصة بالسجناء السابقين، بالأيام والشهور والسنين...وفي صباح اليوم الثاني من وجودي هناك، لمّـا حضر الكناس مبكراً، سلّم عليّ مذهولاً، فرددت له التحية، فسألني:

- هل جئت حديثاً؟!

- أجل، ولماذا العجب؟!

- هل أعدموا الولد؟

- أيّ ولد؟!

- الولد الذي كان في هذه الغرفة، فبالأمس طلب مني أن أشتري له البرتقال، وها أنني قد جلبته.

   وأخذت دموعه تسيل على خدّيه، وانهمرت دموعي تلقائياً، فقلت وأنا أغص بالعبرات:

- هل كان محكوماً عليه بالأعدام؟!

- أجل..كان شاباً وسيماً جداً.

   ثم ترك كيساً في غرفتي، وأخذ الزبل، ومضى. عندئذ نظرت إلى ما في الكيس؛ فرأيت أربع برتقالات؛ فرحت أنوح على تلك البرتقالات بصوت عالٍ ماشاء لي النواح...أهو الآن مشنوق؟! بالأمس كان يشتهي البرتقال، فأيّ شيء إشتهى هذا اليوم في اللحظات الفاصلة بين الحياة والموت، وحرموه منه؟! من يكون ذلك الشاب الجميل،الذي ربّما لايسلّمون حتى جنازته لأمه؟! لقد بللت الدموع المالحة وجهي واحمرّت عيناي. وإذا بالباب ينفتح ويدخل المفوض جاسم،الذي عرف في الحال أنني كنت أبكي. ولمّا شاهدني على تلك الحالة والبرتقالات جنبي؛ سألني بهدوء:

- عيناك محمّرتان جداً، هل كنت تبكين؟

وبدلاّ عن الجواب؛عادت دموعي تنهمر. لم يكن الأمر بيدي؛ فقد سالت دموعي بصورة تلقائية بدون إرادتي. وإذ لمح البرتقالات جنبي،قال:

- يابنتي! كفّـي عن البكاء. حسناً فعل الكناس بجلبه البرتقال لك. كلي البرتقالات. الله كريم. أنا الآن ذاهب، سيحل آخر محّلي، سأعود بعد غد، فقولي لي ماذا تريدين. عندي بنت في عمرك، سأجلب لك بعض ملابسها بعد غد.

   كنت أغصّ بالعبرات وأنشج؛ فلم أستطع إجابته. ودّعني وذهب. كان ذلك الرجل رحيماً وعطوفاً. بعدما ودّعني، أغلقوا عليّ الباب؛ فرحت أبكي يومذاك بكل ما فيّ من قدرة على تلك البرتقالات وعلى رفيقي السجين المجهول. وفي الظهيرة إقتادوني للتواليت، وعند عودتي كانوا يوزّعون الغداء: صمّونة وماعون صغير من التمن المخلوط بالمرق. لم أكن أشتهي أيّ شيء. عندما شطرت الصمونة وجدت فيها صرصراً (يــيــع!) إنتابني غثيان شديد؛ فوضعت الصمونة على التمن وأبعدت الماعون عني. كنت مستلقية على فراشي، ثم بدا لي أنني نمت لفترة ما، وإذا بالباب ينفتح، ويدخل مفوض آخر إسمه (حسن) للتفتيش. ألقى عليّ نظرة، وسألني عن إسمي، ثم مضى. لم يكن مثل المفوض جاسم؛ إذ لم يُبدِ أيّ تعاطف معي، إنما سألني؛ حيث رأى الطعام الباقي بقربي:

- لماذا لم تأكليه؟

- لا أشتهي، لست جائعة.

- كيف لست جائعة؟ هل أكلت شيئاً آخر؟

- لا؛ لست أشتهي أيّ شيء، لا أستطيع أن آكل...

- هل أضربت عن الطعام؟

- كلاّ، لست مضربة عن الطعام، لا أقدر أن آكل.

ذهب المفوض ورفعوا الطعام. وعند المساء جاؤوا بطعام مماثل؛ فلم أمسه، ثم جاء الحارس وقال:

- إذا لم تأكلي؛ سأخبر المفوض حسن. لايجوز أن لايأكل المسجون؛ ستموتين ويحاسبوننا؛ فأنت أمانة في رقبتنا.

     فقلت لنفسي:

 "ماشاء الله من حرصكم على الأمانات، أيّ أمانة عزيزة وقيّمة مؤمّنة عندكم! فلو متّ؛ ماذا سيفعلون بكم؟ هل يبالي العفالقة الأوغاد بحياتنا ومماتنا؟"

  لقد إستغربت كثيراً لعباراته. وبعد فترة وجيزة، جاء المفوض حسن وقال بعد رؤية الطعام:

- إذا لم تأكلي؛ سأتلفن إلى مديرية الأمن، وأخبرهم بأنك مضربة عن الطعام؛ قد يستعيدونك ويجبرونك على الأكل.

- لست مضربة عن الطعام، إنما لاأشتهي شيئاً. مع ذلك سأحاول وأجبر نفسي على تناول لقمة منه.

  فخرج. وعندها راودتني فكرة وضع الطعام في كيس البرتقال ورميه في الصفيحة؛ حتى يبدو لهم بأني أكلته. وعندما قلبت الكيس لأفرّغه؛ سقط درهم (عملة معدنية) يبدو أنه قد بقي من نقود الشاب فأعاده الكناس إليه. وضعت الطعام في الكيس ورميته في الصفيحة. وحين جاؤوا، أخذوا الماعون الفارغ؛ ظانين أنني أكلت...

   ظل الدرهم في راحة يدي طوال ذلك المساء وأنا مستلقية أتفرّج على الحيطان، وإذا بي أنهض ذات لحظة، وأبدأ برسم صورة بنت بالدرهم. وبالأحرى حفرت به الصورة. كانت جميلة جداً، وكبيرة. كانت البنت بحجمي، بوجه حزين، لكن عينيها كانتا متألقتين وطافحتين بالأمل. وقد إنشغلت بحفرها حتى الهزيع الأخير من الليل،على النور الضئيل لمصباح (صفر) موجود في الغرفة. ولمّا هدّني التعب؛ إضطجعت وبتُّ أتأمّل الصورة؛ حتى غفوت ونمت.

   في الصباح الباكر، جلبوا لي صمّونة وقطعة جبن مثلثة مع شاي في زجاجة معجون الطماطة، لكنني رميت الصمونة والجبنة في صفيحة القمامة. ومازلت لاآكل جبن المثلثات لحد الآن بعد مضيّ كل تلك السنوات.

   كان الدرهم في كفي، والبرتقالات في نفس موضعها قربي. جاء الكنّاس وحّياني، وعندما أفرغ الصفيحة؛ وجد الطعام باقياً، فنظرإليّ وقال:

- بنتي! لماذا لم تأكلي طعامك؟

- بالله عليك ياعّمي العزيز لاتقل لهم أنني لم آكل الطعام؛ فلست أشتهي شيئاً، ولا أستطيع أن آكله.

- إذا أردت سأشتري لك الطعام من الخارج وأجلبه لك صباح غد.

- شكراً جزيلاً عمي العزيز، لاأريد طعاماً، لكن إذا إستطعت، أعطيك النقود؛ لتجلب لي مشطاً ومرآة وعلبة كلينكس؛ فرأسي يحكّني كثيراً، وأريد أن أرى نفسي في المرآة؛ ماذا حلّ بي؟!

- هذه الأشياء ممنوعة، لكنني سأشتريها وأجلبها لك بصورة خفيّة.

  ثم أعطيت النقود للعم الكناس وخرج. كان المفروض به أن يعود في الوقت نفسه جالباً ماطلبته. لم أستطع أيضاً تناول الغداء والعشاء يومذاك؛ فرميت الطعام في صفيحة القمامة.جاء المفوض حسن لتفتيش الزنازين قبل إنتهاء خفارته، وإذ إنفتح باب غرفتي؛ رأى الصورة فوراً، فأخذ يتمعّن في كلتينا مذهولاً مبهوتاً:

- هل أنت رسمت هذه الصورة؟

- نعم.

- بماذا؟ هل عندك أداة حادّة؟

- بهذا الدرهم

- لكن.. ألم تعرفي أن مثل هذا العمل ممنوع؟

- وهل حتى الرسم ممنوع؟! لم أكن أعرف ذلك.

- يجب أن تمسحيها.

- لكن كيف أمسحها؟ فقد حفرتها في الحائط، فهي لاتنمسح.

- إنتبهي، لاترسمي مرة أخرى!

- زين

- سأذهب أنا ويعود المفوض جاسم، وهوالخفير، وقد كتبت له، بأنك مضربة عن الطعام ولم تأكلي أيّ شيء. هذه مشكلة كبيرة لنا. يجب أن تأكلي...!

   وكما وعدني المفوض جاسم؛ فقد جلب لي بعض ملابس إبنته.عند العشاء لم يجلبوا لي شيئاً.وبعد فترة وجيزة، جاء المفوض جاسم ودخل الغرفة ومعه حارس يحمل كيساً،فناولني إيّاه،وقال المفوض جاسم:

- بنتي!هذا كباب. أعرف أنك لاتشتهين طعام السجن؛ فكلي هذا الكباب. يجب أن تأكلي؛ وإلاّ فإن مديرية الأمن ستستعيدك. هنا أفضل لك؛ فاسمعي نصيحتي لأنني أعتبرك مثل بنتي.

- شكراً جزيلاً..حسناً، إطمئن بأني سآكل الكباب.

   ذهب المفوض جاسم. فأخذت أتناول الكباب، لكنني لم أستطع أن آكل غير نصفه، رغم أني أحبّ أكل الكباب؛ ثم شعرت بانتعاش جسمي، فقد نحلت كثيراً في تلك الفترة.

  وفي صباح اليوم التالي، جلب لي العم الكناس مشطاً ومرآة وعلبة كلينكس، فأخرجت المرآة من الكيس وأنا متوجّسة ومترددة جداً، وتسارعت نبضات قلبي، فنظرت إلى نفسي؛ هل كنت أنا أم لم أكن؟! لقد وجدتني غريبة أمام عينيّ؛ فقد تغيّر شكلي ولوني كثيراً، وثمة ثلمات في أسناني الأمامية، وقد شابت الصفرة لون وجهي الأبيض، وطال شعري وصار أشعث ومنفوشاً. أوّاهِ! متى كنت هكذا؟ لقد كان لون وجهي وردياً دائماً، وكان وجهي متألقاً، وكانت البسمة لاتفارق شفتيّ. أجل،كنت صبية محبة للحياة، بل كنت أدندن بالأغاني في غدوّي ورواحي وأثناء العمل. كانت عندي صورة (منشورة على غلاف هذا الكتاب-المترجم) إلتقطتها قبيل إعتقالي ببضعة أيام. وكانت معلقة على جدار غرفتي في بيتنا بكفري، حتى أيّام إنتفاضة1991 وعندما إنخرطنا في المسيرة المليونية؛ نهب البعثيون أثاث منزلنا، ومزّقوا صورتي تلك، بحيث لم يبق منها سوى أقل من نصفها، ومازلت محتفظة بها كذكرى، بل كذكرى وحيدة لتلك المرحلة من عمري الغض! أجل، تلك الصورة التي مزّقها البعث،والتي أرى في ما تبقى منها نفسي آنذاك، كمْ كنت منشرحة وكم كانت عيناي طافحتان بالأمل!

  علِقَ المشط في شعري؛ فقد تعقّـد شعري المنفوش، فسحبت المشط بعسر؛ فإذا بقملة سمينة تسقط في حجري! سرت قشعريرة باردة في جوانحي؛ إذن فقد تقمّلت، ولذا يحكني رأسي؛ فاستأت وإنزعجت جداً؛ إذ كان ذلك نكبة كبيرة بالنسبة لي. ثم رحت أمشطّ شعري أكثر فأكثر؛ والقملات السمينة العجولة تتساقط، فخفت كثيراً، ولكن ماذا أفعل؟ كيف أنجو من جحافل القمل؟!

   مضت ثلاثة أشهر على إعتقالي، ولم أبرح تلك الزنزانة الإنفرادية، بينما كان أهلي وأقاربي يبحثون ويفتشون عنّي في كل زوايا البلاد طولاً وعرضاً. وذات ظهيرة تمّوزية، كنت كالعادة جالسة كئيبة ومتألمة وأنا أتأمّل حيطان زنزانتي، لكنني كنت عائدة عبر خيالي إلى كفري، فإذا بي أفزّ وأجفل على صلصلة مفتاح الباب، منتظرة العجب العجاب! ولكن هذه المرة حالما إنفتح الباب؛ دخل أخي الأكبر قيس إلى الغرفة مع المفوض جاسم؛ فتعانقنا بكل مافينا من قوّة ولهفة، وأجهشنا بالبكاء، ورحنا ننشج عاجزين عن الكلام لأكثر من خمس دقائق؛ حتى قال المفوض جاسم:

- وقتكما ضيق، فالأفضل أن تتكلما ولاتبكيان.

  ولقد كان المفوض نفسه متأثراً جداً للمشهد وكانت عيناه دامعتين.

  في تلك الهنيهات القصيرة، عرفت فقط كم كان يبحث أخي ويفتش عني، فقد قدّم عشرات الطلبات؛ حتى يسمحوا له بزيارتي، إذ قرروا السماح بزيارتي أسبوعياً، في كل يوم ثلاثاء من قبل واحد فقط من أهلي وأقربائي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مرحلة العثور

 

   بعد ثلاثة أشهر إنتهت مرحلة فقداني ومجهوليّة مكاني؛ باللقاء الذي إستغرق عشر دقائق بيني وبين أخي الأكبر(قيس) وبعده رحت أحسب الثواني في انتظار أوقات المواجهة؛ لرؤية أمّي وأبي وأخواتي وأخواتي، وكنت ملهوفة أيضاً للقاء أعمامي، لاسيما عمي الأكبر إسماعيل وعمي الأصغر عبدلله؛ فقد كان كلاهما مهمّاً وذا مكانة خاصة عندي؛ إذ كانا يحبّـانني حبّـاً جمّـاً، مثلما أحبّهما كثيراً. لم يكن عمّي الأصغر عمّـاً فحسب، وإنما كان صديقاً عزيزاً لي، بل كان مشجّعي الأول على الكتابة، وهو الذي أخذ قصيدتي الأولى إلى جريدة (هاوكاري/التضامن) التي نشرتها في عددها (153) أمّا عمي الأكبر فكان أكبر من أبي بعشر سنين. كان إنساناً عطوفاً ومتواضعاً ووطنياً. كان بيتهم في بغداد. كان مسجوناً حين ولدت، وكان أبي جندياً هارباً من الخدمة العسكرية، وبيته في بغداد، حيث كان يبيع الخضار في إحدى ساحات بغداد؛ لإعالة كلتا العائلتين،أي عائلته وعائلة عمي السجين آنذاك. ولمّـا أوشكت أمي على وضع حملها عادت إلى كفري؛ لتلدني في بيت أمها. وقد بقيت حتى مضيّ أربعينية ولادتي، ثم غادرت إلى بغداد، حيث كانت تعيش مع زوجة عمي وأطفالها في بيت بسيط، في حيّ البيّاع. عندما ولدت كان لي شقيقان وأخت: (قيس، ليلى وصلاح الدين) فأنا الوسطى بين بنين وبنات عائلتنا، وقد ولد بعدي شقيقان وأخت: (فريدون، دلشاد ونوروز)...يُـقال أن الطفل الأوسط لايحظى بالدلال والإهتمام الكافيين، لكن هذه القاعدة قد إنعكست في حالتي؛ إذ كانت أشعة المحبّة تنهال عليَّ من كل صوب أكثر من أيّ شقيق وشقيقة لي! وعند الإفراج عن عمّي، كان عمري سنتين، حين عاد أهلي إلى كفري نهائياً.

  مضى أسبوع. وحلّ يوم المواجهة، وقد إستيقظت مبكراً جداً، مسرورة القلب وشاعرة بخفـة أعبائي. كنت أشعر بأني فُقدت ووجدت. كنت أشعر بالإنبعاث وبميلاد جديد. وقد غسلت وجهي مرتين؛ كي لايتأثر أبواي لمرآي كثيراً، فلم أحبذ أن يعلما بأوجاعي وآلامي، ولم أشأ أن يشعرا بأن الأوغاد قد عذبوني بقسوة بالغة. رغم أني كنت أدري أنهما يعرفان حتماً أن لا أحد يفلت من ذلك المكان سالماً، لكنني أردت ألاّأثقل عليهما أكثر ممّا يحملانه في سويدائهما. لقد كنت أشعر بعذاب الضمير إزاءهما. كنت أدرك مدى تألمهما؛ لكوني معتقلة وكيف يصرفان كل ما لديهما؛ في سبيل إنقاذي من ذلك الجحيم. ومع ذلك كنت أعزّي نفسي قائلة:

"لم أرتكب أيّ خطأ، ولم أعمل ماهو شاذ ومشين؛ حين أناضل. ثم أن أبي نفسه كان يعلم بنضالي بصورة غير مباشرة، ولم يمنعني، بل كان يشجعّني حتى..."

   أتذكر حين عاد أبي من العمل ذات ظهيرة، نادى عليّ قبل الغداء، فدخلنا غرفة كنا ندعوها بـ (الغرفة الخلفية) وطلب من أمي ألاّ يدخل علينا أحد، ثم أستخرج من عبّه كيساً صغيراً يحتوي عدداً من مجلة (كومه له) ناولها لي وقال :

"إجلسي وإقرئي لي..."

   كان أبي قد درس بالعربية، وكان يقرأ أيضاً بالكردية، لكن ليس بالمستوى المرجو. فقرأت له المجلة من الغلاف إلى الغلاف. وظننت أنه يعمل في تنظيم (تجمع كادحي كردستان) لكن إرتباطه كان غيرمباشر به؛ فقد كانت الكُردايتي، لا التحزب، هي غايته من قبل ومن بعد. كان أبي متضامناً مع (كومه له) غيرمنتم إليه. وكان الشهيد سيد محمد مسؤول التنظيم السرّي للـ (كومه له) في كفري، والعامل في فرن للخبز حينذاك، كان صديقاً مقرّباً وحميماً له، و يزوّده بجميع منشورات (كومه له) وكنت بدوري أقرأ له كل المنشورات الكردية. ولقد وصلتني بواسطته لاحقاً رسالة رائعة من الشهيد خالد كَرمياني، إذ سلّمها إلى أبي، وأبي إليّ؛ فأمسى المعتقل كرنفال أنوار في نظري. فقد كان يهمّني جداً، وأنا في المعتقل، أنهم يفتخرون بي، ولاتذهب عذاباتي أدراج الرياح. كان يهمني جداً أن أعرف بأن بيشمركَه كَرميان يتحدثون عنّي بإهتمام وتقدير مشيرين إليّ كفتاة نموذجية؛ فكان ذلك أعظم تشجيع لي، وأنا في ذلك العمر الصغير، ويخفف آلامي كثيراً. كما تبيّن لي خلال زيارة أبي الثانية لي بأن شهيدنا الخالد قد خطط لينقذني من الإعتقال، لكن تسفيري من كفري قد حال دون ذلك.

   لقد حدث ما كنت أنتظره؛ إذ جاء أبواي. كان لقاؤنا صعب الوصف؛ فقد إحتضتنتي أمي، ثم أبي كطفلة لفترة ونحن نبكي؛ حتى غسلت دموعنا مساحات كبيرة من أعماقنا. ومن ثم إستطعنا أن نتكلم. كان هنالك شرطي يراقبنا ويأمرنا بإنهاء اللقاء بأسرع مايمكن، أمّا نحن فكنا نشعر بأننا لم نقل أيّ شيء بعد، بل ولم نرَ بعضنا البعض! لقد ظننت أن أبويّ زعلانان عليّ؛ لأنهما تعذبا كثيراً بسببي، لكن أبي قال لي بصوت كله رقّـة وحنان ويده ملتفة حول عنقي وعيناه متألقتان:

-         لاتغتمّـي يا حياتي، إطمئنّي أنك ستنجين. أنت مدعاة لزهونا. إن جميع أهالي كفري يتحدثون عنك بفخر؛ فلا تحزني، فأنت لم تُعتقلي لسبب مشين.

ثم أكملت أمّي عبارات أبي، وهي تسلّيني بأسلوبها الخاص:

-         عزيزتي، أدعو الله بالخير لك ليل نهار، وأقرأ آية الكرسي، وأنفخ عليها؛ ليحفظك الله، فلاتحزني أبداً، ستغادرين السجن إنشاءالله. لقد تعهدت ونذرت أن آخذك إلى تكية الشيخ إبراهيم.

  عند جلوسي، أردت الإستناد إلى الجدار، فآلمني ظهري المحروق؛ فإستدركتُ وضعي معدّلةً ظهري؛ فشعرت أمي بوجعي، فسألتني فوراً:

-                     ماذا حدث لظهرك؟

-                     لاشيء، إنما طلعت دمامل في ظهري وصدري ورقبتي؛ بسبب الوساخة المتراكمة، حيث لم أستحم منذ ثلاثة أشهر.

-                     أوّاه! ماتت أمّك، خلّـيني أشوفها.

تمعّنت أمي في الحروق،التي استحالت مثل دمامل تنزّ دماً وقيحاً؛ فظنّت مع أبي بأنها فعلاً دمامل ً. لم أحبذ أن يتألم قلباهما أكثر ممّـا تألما، ثم أن الزبانية الأشرار قد حذروني من البوح بتعذيبي لأيّ شخص كان، حتى لو سئلت في المحكمة؛ كان يجب عليّ القول بأنهم لم يعذبوني! لقد تشوّشت أمي لمنظر ظهري وصدري؛ فأخذت أطمئنها أنها مشكلة هيّـنة، وسأشفى بمجرد الإستحمام؛ إذا سنحت لي الفرصة.

   قال أبي:

"سأتحدث معهم؛ لعلهم يسمحون لك بالإستحمام"

   وقالت أمي:

"في زيارتنا القادمة سأجلب لك ملحماً أسود وهو جيد جداً؛ سيشفيك بسرعة"

   ثم فتّشت أمي شعر رأسي، وإذ رأت إصابته بالقمل؛ إنزعجت وتألّمت كثيراً.

  لقد جلب أبواي لي العديد من المأكولات والملابس النظيفة الجميلة الجديدة، وطلبت أمّي مني أن أغيّـر ملابسي؛ كي تأخذ الملابس الوسخة لغسلها. وهكذا فعل أهلي أسبوعياً؛ إذ كانوا يأخذون ملابسي الوسخة للغسل.

 بعد ذهابهما، جاءني المفوض جاسم مساءاً، وقال لي:

-                     يمكنك الذهاب غداً إلى حمّـام الغرفة المجاورة، ولك مهلة ساعة واحدة للإستحمام.

   وفي صباح اليوم التالي، ذهبت مابين الساعة العاشرة والحادية عشرة؛ لأغتسل آخذة معي الصابون والليفة والخاولي والملابس النظيفة التي جلبتها أمي، غير ان الماء سرعان ما انقطع وأنا مازلت أغسل رأسي؛ فناديت على النسوة لمساعدتي، ولكن لم يكن هنالك ماء إحتياط، ماعدا القليل المتبقي في الأباريق، فسكبته (أم صدام) على رأسي؛ فجرف نوعمّا وغف(رغوة) الصابون العالق بخصلات شعري، ثم جففت جسمي. كان نصف وقت مهلتي قد فات، وإذا بالماء يعود؛ فقررت أن أستحم بسرعة كيفما إتفق، فأزيل بالليفة الخشنة بعض الوساخة المتراكمة على جلدي. رغم أن إستحمامي كان مجازياً! فقد شعرت  بخفـة العبء عليّ. ولمّا عدت إلى زنزانتي الإنفرادية، ونظرت في المرآة؛ شاهدت وجهاً ولوناً آخرين مغايرين؛ حيث شعرت بالعودة إلى شكلي الطبيعي نوعمّا وعلى وشك أن أشبه إنسانة! كما إنفتحت شهيتي؛ فرحت آكل حتى الشبع من أصناف مأكولات أمي اللذيذة،التي كنت توّاقة إليها، ومحرومة منها طوال ثلاثة شهور.

   كانت جميع الأحاسيس والعواطف المتراكمة في داخلي تريد التحرر من قفص نفسي. لقد كنت ملهوفة إلى التعبير والكتابة؛ إذ كانت تجيئني عشرات المقطوعات الشعرية، فأرددها مع نفسي، لكنني كنت أفتقر إلى القلم والورق لأدونّها؛ فكنت موشكة على الجنون؛ توقاً إلى قلم وورقة بيضاء.

   كان قيظ تموز بعقوبة يكاد يخنق الإنسان. وبعد إغتسالي غدوت أنضح عرقاً؛ فتبللت ملابسي. ومن حسن الحظ أن أمي قد زوّدتني بملابس كثيرة؛ فكنت أستبدلها يومياً؛ فقلّـت رائحة عرقي ووساختي إلى حد ما.

   حين كانوا يأخذونني يومياً إلى التواليت ثلاث مرات، ماكنت أرفع رأسي أو أتلفت البتة، ولم أتعرف على أولئك السجناء الواقفين وراء باب الزنزانة المقابلة، وهم ينظرون إليّ. فكل ما كنت أعرفه هو أنها زنزانة للرجال، ولم أنظر إلى أيّ واحد منهم. وفي ظهيرة تموزية لاهبة، كنت مستلقية على فراشي ضجرة، وأنا أفكّـر في خارج السجن؛ إذ طالما سرح فكري مع(مصطفى) الشاب الذي إرتبطت بعلاقة حب معه قبيل إعتقالي. مع أننا لم نلتق سوى مرة وبصورة عابرة، إلاّ أن(مصطفى) قد تعذب وتألم كثيراً لما أصابني؛ فقد إعتاد على التدخين منذ ذلك الوقت، كما قال لي لاحقاً، وعجز عن الإقلاع عنه رغم كل محاولاته. وبينما كنت شاردة مع أفكاري الكثيفة والمتلاطمة،التي يؤانسها وحي الشعر، دخل شيء إلى الغرفة متدحرجاً عبر فراغ ماتحت الباب، والذي كان بضعة سنتيمترات، ووصل حتى وسط الغرفة؛ فنهضت فوراً، ناظرة إليه، فإذا به سيكَارة مفرّغة من التبغ، ومحشوة برِسالة ملفوفة، فأخرجتها. كانت مكتوبة بالعربية:

   "إسمي إسماعيل. مهندس. سجين سياسي. في الزنزانة المقابلة لك. واقف ليل نهار أعد الثواني، منتظراً أن يفتحوا بابك؛ لأراك قليلاً. أحبك كثيراً. أنا عاشق لك. أجيبيني رجاءاً..رجاءاً..أنتظرك"

   ووجدت داخل فلتر السيكَارة بقية قلم رصاص طولها قرابة سنتيمترين؛ فكدت أطير فرحاً لرؤية القلم، حيث كنت توّاقة إلى كتابة الشعر، وأكاد أموت كمداً لكتابة قصيدة، وللتعبير عن الأحاسيس والأفكار المتزاحمة في سويدائي وذهني، ولكن الورق كان يعوزني؛ فجئت بباكيت الكلينكس فوراً، وأفرغته من مناديله الورقية، ثم قطّعت كارتون الباكيت، ورحت أكتب عليه شعري بخط ناعم: قصيدة، قصيدتين وثلاثاً...وظللت أكتب وأكتب؛ حتى إكتظًت قطع  كارتون الباكيت، وإنتهى رأس القلم،وحل المساء, ثم خبّـأت الأشعار بين المناديل الورقية ووضعتها في ثنايا وطوايا ملابسي الوسخة،التي كنت قد هيأتها لإرسالها إلى البيت. بعد كتابة القصائد شعرت بانشراح ارتياح هائلين، ثم اضطجعت على فراشي ونمت نوماً هانئاً، حتى فززتني صلصلة المفتاح، التي كانت تجفلني كل مرة حتى لو كنت يقظة. لقد حان موعد أخذي إلى التواليت، فخرجت، فألقيت لأول مرة نظرة على الزنزانة المقابلة؛ لأتعرف على عاشقي، فرأيت شاباً واقفاً ينظر إليّ مبتسماً، يبدو من سحنته ودشداشته البيضاء أنه عربي؛ فأدركت أنه صاحب الرسالة الغرامية. كان شاباً وسيماً خفيف الظل، لكنه لم يعن أيّ شيء لي؛ ففضلاً عن حبي لشاب آخر، كان لي مفهومي الخاص للحب. أجل؛ حتى لو لم يكن هناك إنسان آخر في حياتي، كان لديّ قسط من الوعي؛ لأدرك أن مثل هذه الحالة الحادثة بين شخصين داخل السجن لاتمت بصلة إلى الحب، إنما هي مجرد صبوة أو نزوة للمحرومين من محبة أهاليهم وأحبتهم وأصدقائهم، وهم بحاجة عاطفية وروحية لشخص قريب منهم، يحبهم ويحبونه. لقد كان حبي آنذاك ممتزجاً بحب كردستان والقضية الكردية؛ فقد وجب على من أحبه أن يكون عاشقاً لكردستان، وإذ عقدت ميثاق الحب مع مصطفى دون أن أعرفه عن كثب ودون حوار واف معه؛ فلأنني كنت مطلعة على أشعاره الزاخرة بحب وطني والمشاعر الإنسانية الرهيفة، ثم أننا كنا قد إلتقينا لخمس دقائق، وكان شاباً وسيماً ومهندماً أنيقاً. وهكذا ولد ونشأ ذلك الحب. لقد كان العشق في منظوري آنذاك عبارة عن الشعر وكردستان والبيشمركَه والنضال. ولذلك فقد أشفقت على ذلك الشاب ورثيت لحاله من سويداء قلبي، لكنما لم يتبلور لديّ أي إحساس تجاهه؛ وعليه لم أستطع أن أجيبه ولو بإبتسامة. وظللت كما في السابق أروح وأغدو من دون النظر إلى أحد؛ ففهم، من ثم، جوابي وكفّ عن هيامه بي.

   رغم عمري الصغير،أي عمر المراهقة؛ كنت أدرك كوني ممثلة لقضية، ألا وهي قضية أمتي؛ فوجب عليّ ألاّأتصرّف هنالك أيّ تصرّف طائش أو مشين. وكنت أقول لنفسي:

 "لست مجرد وحدي؛لأتصرف على هواي، فيُحسب عليّ وحدي؛ إنما أنا عيّـنة من الفتيات الكرديات؛ فيجب أن أكون مرآة أعكس صورة تليق بشابات كردستان؛ فمن خلالي تتشكل صورة عن المرأة الكردية؛ فعليّ ألاّ أقوم بأيّة حركة تضر إسم المرأة الكردية والأمة الكردية"

   وفي ذلك العمر الصغير، كان شعوري بالمسؤولية أمام قضيتي وجدانياً؛ فهاب بي ألاّ أتصرف كمراهقة، إنما كمسنّة. ولقد أفلحت إلى حد كبير في تحقيق المبتغى؛ حيث كان جميع المفوضين والشرطة يعبّـرون عن ذلك الإنطباع أثناء المواجهات أمام أبي وأمي، كلّ واحد بطريقته، فحتى المفوض حسن،الذي لم يكن متعاطفاً معي، قال ذات مرة لأبي بحضوري:

-         حقاً،أحسنتم؛ إن بنتكم مؤدبة ومحترمة جداً، وعندما نراها؛ نقول حقاً أن الكرد محترمون ومرفوعو الرؤوس، فثمة في الطرف الآخر بضع نسوة عربيات؛ نخجل حين نراهن...!

   كانت هنالك نساء وبنات مختلطات، سجن بعضهن؛ لجرائم السرقة والقتل وبعضهن ألقي القبض عليهن وهن سكرانات، بينهن أختان هاربتان مع شابين، وقد ألقي القبض عليهما في أحد الفنادق!

  لقد كانت كل واحدة من هاتيك النسوة ضحية وضع إستثنائي، وقد نكبت كل واحدة وتلوّثت بطريقة ما. وطبعاً كان بين السجناء مثل تلك التهم والجرائم، لكنهم كانوا يعتبرونها غيرطبيعية في حالة النساء! أجل؛ كان هنالك تمييز حتى بين جرائم الرجال وجرائم النساء؛ إذ كان أيّ رجل مجرم أكثر إحتراماً من أية إمرأة مجرمة لدى السجّانين!

  لقد كنت هنالك السجينة السياسية الوحيدة طوال بقائي؛ ولذا فقد إستبقوني فترة طويلة في زنزانة إنفرادية.

  ثم عاد الثلاثاء، وحانت الزيارة. ورغم أن الأوامر كانت تقضي بالسماح لشخص واحد بزيارة السجين في كل مرّة، لكن المفوض جاسم لم يكن يلتزم بذلك؛ إذ كان يسمح لجميع من جاؤوا لزيارتي بالدخول على دفعات تباعاً. وهكذا فقد زارني في الدفعة الأولى أبي وشقيقاي الأصغر منّي وأختي الصغرى: (فريدون)،(دلشاد) و(نوروز) فاحتضنت الصغار وأمطرتهم بالقبلات، ومن بعدهم أبي،الذي إستلفت نظري وجود قلم جاف في جيبه؛ فقلت لنفسي: "سأطلبه منه عند الوداع" لكنني خشيت ألاّ يلبيّ طلبي؛ تحاشياً لكتابة شيء ممنوع يضاعف التهم ضدي. ومع ذلك كان لابدّ من الحصول على قلمه بأية طريقة كانت؛ فقد إنتهى رأس قلم السيكَارة من فرط ماكتبت به. وهكذا ظل بالي معلقاً بقلم أبي. ثم جلسنا معاً للفترة المسموحة، وتحادثنا، ثم سلّمني المأكولات والملابس، وكنت قد أعددت ملابسي الوسخة المحشوة بأشعاري! كنت أعرف أن شرطة الإستعلامات كانوا يفتشون الزائرين ومايحملونه تفتيشاً دقيقاً عند الدخول، أماعند الخروج فلم يكن هنالك أي تفتيش يذكر؛ وعليه فقد تيقنت من أن أشعاري ستتحرر من الإعتقال وسترى النور. وإذا ما تحررت أشعاري؛ فإن ذلك يعني أن بعضاً منّي قد تحرر ورأى النور فعلاً!

   عند توديع أبي، نشلت القلم من جيبه دون أن يشعر، ودسسته تحت وسادتي. وبعد ذهاب أبي ومن معه، سمحوا للآخرين بالدخول: أختي الكبرى وأمي ومصطفى،الذي أصبحت زيارته تلك أول لقاء معه منذ إرتباطنا بعلاقة حب. ولأننا لم نكن منفردين؛ فلم نتحدث بأيّ شيء خاص. كان مصطفى قد جلب لي هدية، وهي ساعة مربوطة بقلادة. لمّـا رأيت مصطفى؛ إعتراني إحساس عجيب جداً؛ فها هو الإنسان،الذي إرتبطت معه بعلاقة حب بصورة خاطفة، ولم نلتق لقاء حب ولا مرة، هاهو يزورني بعد ثلاثة أشهر ونصف الشهر وأنا في السجن، وعيناه المتألقتان طافحتان بالحب. لقد رسّخ موقفه الرائع حبّه في قلبي رسوخاً لايتزعزع.

   وحسبما علمت منهم فقد جاء مصطفى مع أختي ليلى من كركوك، والتقيا أبي وأمي وإخوتي أمام بوابة السجن في بعقوبة. وطبعاً ماكان الأمر يبدو إعتيادياً لدى أبي وأمي؛ لو انهما علما بعلاقة حبنا، بينما كان الأمر لديهما طبيعياً جداً أن يزورني مصطفى كزميل وصديق. ولقد قدم مصطفى نفسه إليهما كزميل وصديق لي.على أي حال ظللنا نتحدث في العموميات، وكنت أسألهم دائماً عن أخبار الخارج، مستفسرة عمّا يحدث وأنا أنتظر سقوط حزب البعث بفارغ الصبر. ويبدو في نظري أن كل معتقل ومعتقلة وسجين وسجينة يخامره/ يخامرها الشعور نفسه، متوقعين أن النظام سيسقط عمّا قريب؛ فيتحررون!!

  وخلال تلك الأحاديث، همست في أذن أختي ليلى أن تسلّم أشعاري المخبأة داخل ملابسي الوسخة إلى مصطفى؛ ليحتفظ بها لي.

   وهكذا إستحال ذلك الأسبوع إسبوعاً آخر مغايراً لسابقه؛ فقد حصل مايستلفت النظر؛ إذ أصبحت صاحبة قلم جاف، لكنني كنت مفتقرة إلى دفتر، فاضطررت إلى تجريب الكتابة على المناديل الورقية؛ فنجحت نجاحاً باهراً!

  ولقد فرحت فرحاً مابعده فرح، ورحت أستعمل المناديل الورقية للكتابة فقط: شعراً، نثراً، ورسائل إلى مصطفى وصديقاتي...

  حقاً أصبحت تلك المرحلة مرحلة جديدة لي وذات خصوصية نادرة؛ بحيث يمكنني الكتابة داخل السجن، وأن أهرّب كتاباتي إلى كفري وكركوك؛ محررة بها بعضاً من كياني المعتقل!

لقد ظلت تلك الأشعار والرسائل محفوظة لدى مصطفى حتى1982؛ حين أضطر إلى الفرار إلى الخارج تاركاً كردستان، وكان قد سلّم قصائدي لصديقنا العزيز(نوزاد أحمد أسود) والرسائل لأبنة أخته (فاطمة أحمد) وظلت تلك القصائد والرسائل عندهما حتى سنة 1986 عندما ساءت أوضاع كركوك كثيراً؛ فأضطرّا إلى إتلافها، إلاّ أن الصديق نوزاد أحمد أسود كان قد إستنسخ القصائد (المكتوبة على المناديل الورقية) في دفتر بخطه الجميل، ومازال الدفتر محفوظاً لديّ.

 

أنا و(أنفال)!

 

   كان الوقت مطلع آب(1980) والبخار يتصاعد منّي، وأنا في زنزانتي الجهنّمية؛ فكنت مستاءة ومتبرّمة جداً من وضعي المقرف. زارني عمي الأكبر أسبوعئذ؛ فكاد يجن لمرأى وضعي المزري. كان يحبنّي بلاحدود، وراح يردد مراراً:

 "أفديك بروحي؛إنك مدعاة فخرنا وزهونا؛ فقد رفعت رؤوسنا عالياً"

وقد أسمعني المزيد من العبارات المؤازرة والمشجعة،ثم قال:

"غرفتك تغلي؛ سأذهب إليهم؛ عسى أن يسمحوا لي بجلب مروحة لك"

وسارع بالذهاب إلى المفوض جاسم،الذي رافقه إلى غرفتي وقال:

-                     غيرمسموح بالمروحة، لكنني سأسمح بها على مسؤوليتي، ولكن ثمة مشكلة أخرى.

-                     ماهي؟

-                     ليس في هذه الغرفة بلاك كهرباء ماعدا ذلك المصباح وزرّ تشغيله في الخارج.

-                     ليست هذه بمشكلة، إسمح لي فقط وسأتدبّر الأمر بنفسي.

-                     كيف؟!

-                     أنا مهندس كهرباء، سأربط المروحة بذلك السلك.

-                     حسناً؛ مادمت تستطيع ذلك.

   فخرج عمّـي، ثم عاد بعد أقل من ساعة جالباً معه مروحة أرضية، يرافقه المفوض جاسم. لم يكن مع عمّـي سوى مطواة (سكين صغيرة) فقطع بلاك المروحة، وأخرج رأسيّ السلك،وقال:

-                     ينبغي الآن أن أقطع السلك الواصل إلى المصباح بالطريقة نفسها.

-                     لكن كيف ونحن لانستطيع أن نقطع القوة الكهربائية عن السجن كله؟

-                     لاضرورة لذلك؛ سأتدبّـر الأمر.

-                     لخاطر الله، ستصعقك الكهرباء!

-                     لا، لن تصعقني؛ عندي مناعة طبيعية!

-                     كيف يحصل هذا؟ كيف لاتصعقك الكهرباء؟!

   لم يصدّق المفوض جاسم عمّي؛ وخشي كثيراً أن تصعقه الكهرباء؛ فيتحمّل مسؤولية موته! لكن عمّي سرعان ما قطع السلك بالسكين وإستخرج رأسيه. وفي تلك اللحظات لم يكن المفوض جاسم خائفاً وحده؛ فقد خفت أيضاً كثيراً من أن يحدث بسببي مكروه لعمي ويموت! فقال المفوض:

"لنخرج أنا وانت؛ حتى ينتهي عمك من ربط المروحة"

ولقد علم السجناء الموجودون في الزنازين المقابلة؛ فوقفوا وراء الأبواب ذاهلين في إنتظار حدوث فاجعة، غير أن عمي كان يربط رأسيّ السلكين معاً ويلفّـهما بالشريط اللاصق بثقة عالية بالنفس دونما أيّ حرج ووجل! ومن ثم شغّل المروحة وسط ذهول الجميع!

   وهكذا قدّم عمي العزيز خدمة هائلة لي؛ حيث منحث المروحة شهيقاً جديداً لزنزانتي الجهنمية رغم هوائها الساخن؛ مادام هواؤها يخلّصني من عرقي الكثير الناضح ويجففني.

   كان عمي من النمط الذي يستثقل الإستنجاد والتشبث بالآخرين، في طلب أيّ شيء، وكان بطبعه ضد اللّجوء إلى الوساطة والرشوة، لكنه لحبّه الجم لي؛ أضطر إلى اللجوء إلى العديد من الأشخاص هنا وهناك؛ لإنقاذي من ذلك الجحيم، ومنهم: الشيخ عبد الستار طاهر في كركوك والشيخ عطا الطالباني في كفري ومحمد سعيد بكَـ الجاف في بغداد وغيرهم...ممّن لم يبخلوا ببذل الجهود والمساعي، لكن جهودهم قد ذهبت أدراج الرياح؛ لعدم إستجابة النظام البعثي لتوسّطاتهم رغم أنهم كانوا يبدون من المقربين إلى السلطات العفقلية!

  بعد الإفراج عني ببضع سنين، ذات يوم جاء رجل إلى بيتنا سائلاً عني:

-                     أهذا هو بيت مهاباد قرداغي؟

-                     نعم، تفضّل.

-                     هاكم هذه الرسالة من السيد محمد سعيد بكَـ إلى مهاباد.

   فاستلمتها وفتحتها ورحت أقرؤها، حيث ورد فيها بعد التحية والإحترام ومدح كتاباتي،التي كانت تظهر آنذاك في جريدة(هاوكاري/ التضامن) ومجلات(به يان/ الصباح) و(شمس كردستان) و(كاروان/ القافلة) ورد عتابه:

   "حين كنت معتقلة مع بضعة شبان من كفري، كنت قد سعيت وبذلت جلّ جهودي؛ لإطلاق سراحكم. وبعد أن أطلقوا سراحكم؛ زارني الجميع، أو كتبوا لي شاكرين مسعاي ماعداك، في حين بينك وبينهم فرق آخر، ألا وهو أنك متقدمة بصورة ملحوظة، وأنا أطلع على نتاجاتك المنشورة هنا وهناك...أجل لم يصلني أيّ خبر، بل حتى رسالة شكر منك! ولذا أتساءل: هل كنت مطلعة على مساعيّ؛ في سبيل إطلاق سراحك، أم أنك تعتبرينني خصماً لكوني مقرباً من السلطة؟!"

   في الحقيقة، كنت مطلعة على لجوء أهلي وأقربائي إلى مَنْ كانوا في نظرهم مقرّبين من الحكومة ومؤثرين في أصحاب القرار؛ لعلهم يسعون إلى إطلاق سراحي. ولقد بذل أولئك السادة كل ما في وسعهم، لكنما دون جدوى؛ فمثلاً قال الشيخ عبدالستار طاهر شريف لعمي بكل صدق وصراحة:

-         "سأبذل كل ما في وسعي، ولكن في الحقيقة، لاتأثير لكلامنا ولا رواج له لدى البعث؛ ففي حين يمكننا أن نحرّضهم على إعتقال مائة شخص يومياً، نجد أنفسنا عاجزين عن إنقاذ شخص واحد!"

   وكان يعني بذلك؛ ألاّ يبني أهلي وأقربائي الآمال على وساطات الكرد المقربين من النظام البعثي، وكان الواقع كذلك.

   جواباً على رسالته؛ شكرته كثيراً، وأخبرته بإطلاعي على مساعيه الحميدة، لكن للأسف لم يكن لمساعيه ومساعي الآخرين أيّ دور مؤثر في الإفراج عني!

  رغم فرحي العظيم بتلك الزيارات، وإنتعاشي جسديّاً بمأكولات أمي الآتية من كفري ومأكولات زوجة عمي من بغداد، وكذلك الملابس النظيفة، والمرهم الأسود الذي جلبته أمي في زيارتها الثانية، والذي كان مؤثراً جداً؛ إذ أشفى جراحي وقروحي إلى حد كبير. إلاّ أنني كنت لمّا أزل أشعر بوهن جسدي إلى حد كبير؛ فقد هزلت وتضاءل حجمي!

   ذات صباح، تناهت إلى أسماعي أصوات أقدام الحراس، الذين كانوا يؤدون التحية العسكرية، وقعقعات بنادقهم المضروبة أخامصها بالأرض؛ فتبيّن لي قدوم شخصية كبيرة كما خبرت من قبل، ثم عرفت من خلال الأصوات الآتية، أن القادم هو المحافظ؛ ليتفقد أوضاع السجن. بعد حوالي نصف الساعة، جاء دور تفقّـد زنزانتي، وقبل ان يفتحوا الباب، سمعت المحافظ يسأل:

-                     مَـنْ في هذه الغرفة؟

-                     فتاة سياسية.

-                     ها! سياسية؟ ماالقضيّة؟!

-                     سيّدي! إنها شاعرة،وعملت في تنظيم سرّي، وكان إرتباطها المباشر بأحد قادة المخربين.

   ثم فتحوا الباب، وإذ رآني أنا الصبية الصغيرة قابعة في إحدى زوايا الغرفة، ألقى عليّ نظرة استغراب واستخفاف وسأل:

-                     أهذه هي الفتاة السياسية؟! هذه طفلة؛ كيف تفهم معنى السياسة؟ أهذه شاعرة؟!

فأكّد معاون الشرطة المرافق له كوني شاعرة وسياسية قائلاً:

-                     نعم،سيّـدي! بل شتمت حتى حزب البعث وكتبت أنه فاشي!

فكررالمحافظ النظر إليّ بدهشة وإستخفاف،مكرراً:

"كيف تفهم هذه الطفلة في السياسة؟!"

ثم خاطبني:

-                     ما اسمك؟

-                     مهاباد.

-                     ها..جمهورية مهاباد! هل أنت شاعرة؟

   للمرة الأولى نعتوني في ذلك السجن بالشاعرة والسياسية! في الحقيقة لم أكتب حتائذ أكثر من بضع قصائد، ولم أنشر سوى قصيدتين؛ فكان عليّ ألاّأسمّي نفسي شاعرة، لكن ماداموا قد أكّدوا على ذلك؛ فقد وجب عليّ أن أجيبه مزهوة:

-                     أجل؛ أنا شاعرة.

-                     وقلت عنّا: "فاشست؟!"

   فهززت رأسي بإيماءة (نعم) فكاد أن يقهقه ضاحكاً؛ إذ لم يأخذ الأمر بجدّية كوني شاعرة وسياسية؛ ويبدو أنه قد تصوّرني صبية صغيرة؛ لاأهمية لما تقوله؛ ولذا رحت أجيبه بدوري بلا وجل مثل طفلة،منتهزة فرصة إعتباري طفلة،ثم سألني ممازحاًً:

-                     نحن الفاشست أم أنتم الكرد؟

-                     أنتم!

-                     منذ متى وأنت في السجن؟

-                     منذ أربعة أشهر.

-                     متى ستخرجين؟

-                     أنتم تعرفون

-                     إذا أفرجوا عنك؛ هل ستفعلين هكذا مرة أخرى؟

-                     ومالذي فعلته؟!

-                     ألم تتوبي؟

-                     وماذا فعلت لأتوب؟!

   ثم خرج محافظ ديالى، وأغلقوا باب الزنزانة على الصبيّة السياسية. يبدو أن المحافظ كان قد أمر عند تفقـده السجن بالسماح للسجناء بالخروج أحياناً إلى الباحةً؛ ليتعرّضوا لأشعة الشمس؛ ولذا فقد جاؤوا بعد الغداء، وقالوا:

 "هيّا أخرجوا إلى الشمس"

 رغم علوّ حيطان السجن وتعذر فرار السجناء؛ فقد توزع العديد من رجال الشرطة حول باحة السجن للمراقبة. كان الرجال في طرف، وأنا وبضع نسوة في الطرف الآخر. شوتنا شمس آب لمدة ساعة. لم أكن قد تعرّضت لأشعة الشمس منذ أربعة شهور؛ فوهنت عظامي، لكنني دخت دوخة قوية إثر ضربة الشمس،التي لم أقاومها؛ فمسكت إمرأتان من يديّ وأعادتاني إلى زنزانتي، حيث تركتاني، وعادتا إلى غرفتهما المجاورة. إستلقيت على فراشي، كنت أشعر بأني لست نائمة ولا غائبة عن الوعي، إنما شاعرة بإنحلال ووهن شديدين، كما لو كنت شبه ميتة، وكنت أشعر بتثاقل هائل، عاجزة عن الحركة وٍالنهوض.

  كلما كان المفتاح يصلصل؛ كنت أنهض فوراً، حتى لو كنت في سابع نومة، وأجلس في مكاني، بل لم يسبق لهم أن شاهدوني ولو مرة واحدة وأنا مستلقية أو نائمة، حتى أثناء تفتيشات منتصفات الليالي؛ فكانوا يتعجبون من أمري، بل يتصوّرون بأني لاأنام قطعاً! ومع ذلك لم أستطع النهوض مساءذاك، لا عند وقت التواليت ولا عند الإتيان بالعشاء؛ فقد كنت شبه ميتة، لكنني كنت ألمح مَنْ يأتي وأسمعه دون أن أفهم مايقوله، ودون أن أستطيع الكلام، ومن ثم كنت أسمع الباب ينغلق...كل ذلك كان يجري وأنا عاجزة عن النهوض أو تحريك ساكن. وفجأة شعرت بالإختناق، بشيء يسد بلعومي، ولاأدري كيف عادت إليّ القوة لأنهض، فإذا بالدم ينزف من أنفي ملطّخاً ملابسي. ياله من رعاف! فقد لطّخ الدم النازف منشفتي الكبيرة ولم ينقطع. لم أدرك ما أصابني؛ هل حدث الرعاف بسبب ضربة الشمس الحارقة أو لسبب آخر أجهله؟! كنت حائرة في أمري، لاأدري ماذا أفعل؟ فكلما كنت أرفع رأسي ليتوقف الدم؛ كان بلعومي ينسد، فأكاد أختنق بسبب الدم النازل فيه. بدا الوقت متأخراً جداً، لربما كان منتصف الليل، فأخذت أطرق الباب بقبضتي مرّة..مرتين وثلاثاً...ولم يجبني أحد! فنظرت من ثقب المفتاح؛ فرأيت الشرطي الخفير يحملق في الباب بلامبالاة ودونما إكتراث بأمري؛ فزاد موقفه من كمدي وغضبي. كان رعافي يتدفّـق؛ فعدت أطرق الباب بكل ما عندي من قوّة، وإذا بالشرطي يسألني متذمراً:

-                     ماذا تريدين في منتصف الليل هذا؟!

   فأجبته غاضبة:

-                     إفتح الباب، أنفي ينزف، خذوني إلى المستشفى؛ وإلاّ سأموت؛ وتتحمّلون أنتم المسؤولية!

   ففتح الباب؛ فتبيّن له صدق كلامي؛ إذ تلطّخت الغرفة بالدماء: ملابسي، فراشي والمنشفة، فقال:

-                     سأذهب وأعود حالاً.

   أغلق الباب، ثم عاد بعد خمس دقائق يرافقه المسؤول الخفير،الذي جلب معه قطعة ثلج ووضعها على جبيني؛ فقلّ الرعاف تدريجياً. ولكن يبدو أنه إنقطع بسبب قلة دمي المتبقي؛ من فرط ما نزفت! قال لي:

-                     للأسف لانستطيع نقلك إلى المستشفى؛ لأنك سجينة سياسية!

   مرّت بضعة أيام. وذات صباح، فتحوا باب زنزانتي، وأدخلوا إمرأة وطفلة صغيرة، ثم أغلقوا الباب. كانت المرأة متلفلفة بعباءة سوداء، لايظهر منها للعيان سوى وجهها. سلّمت عليَّ؛ فرحّبت بها، وقلت:

"تفضّلي إجلسي"

كان عمر طفلتها ثلاثة أشهر. كانت جميلة جداً، بل لم أر طفلة في جمالها من قبل؛ كانت تشبه الملاك. كانت أمّها أيضاً حسناء فاتنة، لايتجاوز عمرها الثالثة والعشرين. وقد شعرت في الحال أنها إنسانة طيبة، حتى قبل أيّ حوار معها، ويبدو أنها كانت تبادلني الشعور نفسه، وسألتها:

-                     هل أوقفوك اليوم؟

-         كلاّ،منذ شهر. بيتنا في البصرة، لكننا من أهالي قرية تابعة لبعقوبة، وقد ألقوا القبض عليّ في البصرة، وبقيت هناك شهراً، ثم سـفّـروني اليوم إلى هنا، وأنت؟

-                     مسجونة منذ أربعة أشهر ونصف الشهر. كنت في مديرية الأمن سابقاً، وهنا منذ فترة.

-                     إذن؛ أنت سجينة سياسية؟

-                     أجل؛ وأنت؟

-                     أنا وهذه الطفلة سجينتان سياسيتان! ولي بنت أخرى عمرها سنتان في بيت والدي.

-                     وماهي تهمتك؟

-         زوجي هارب إلى إيران، وقد أوشكوا على إعتقاله؛ بصفته من حزب الدعوة، لكنه إستطاع الإفلات؛ فإعتقلوني كرهينة.

-                     وهل يدري بإعتقالك؟

-         كلاّ.زوجي إسمه(قاسم) كان طبيباً في بعقوبة، وقد إرتابوا بإنتمائه لحزب الدعوة؛ فلاحقوه؛ فأضطررنا إلى أن نهرب إلى البصرة، حيث أخذ يبيع(اللفّـات)على عربة يد، وقد إكتشفوا أمره هناك أيضاً، لكنه من حسن الحظ تمكن من النجاة بنفسه؛ وإلاّ كانوا سيعدمونه.

   كانت تلك المرأة جريئة جداً وغيرهيّابة ومعنوياتها عالية. لقد كان إسمها مطابقاً للمسمّاة؛ فقد كان أملها في المستقبل كبيراً. أجل؛ كان إسمها(أمل).

  كانت طفلتها الصغيرة حلوة جداً، سرعان ما تآلفت معها وتآلفت معي؛ كنت أقبلّها مئات المرات يومياً؛ بحيث تعلقت بي أكثر من تعلّقها بأمّها. كانت تلعب في حضني وتداعب شعري. لقد أحببتها حبّاً جمّاً، ومازلت أتذكر محياها الفاتن وبسمتها وعينيها الجميلتين، بل مازلت توّاقة لرؤيتها وتقبيلها كما كنت أفعل وقتذاك. وهي الآن في الرابعة والعشرين، وحتماً تجهلني ؛ إنْ كانت باقية على قيد الحياة، ولم يقتلها البعثيون؛ لأننا قضينا ستة شهور معاً، ولم نلتق بعدها إطلاقاً. لكنني متيقـنة من أن أمّها ستتعرّف عليّ إذا ما رأتني. ولكن مالاأحبّذ تذكّره من تلك الطفلة الحلوة هو إسمها فقط والذي لايمكنني نسيانه أبداً! للأسف الشديد كان إسمها (أنفال)! لقد سمعت بهذا الإسم لأول مرة حينذاك. وفي المرة الأولى التي سألت أمها عن إسمها وأجابتني أنه (أنفال) لم تكن عندي أيّة حسّاسية تجاه تلك اللفظة، إنمّا سألتها:

-                     ما معنى(أنفال)؟

-                     إسم إحدى سور القرآن.

   لكنني الآن ذات حسّاسية لاتوصف إزاء هذه الكلمة؛ إذ تتألم روحي ألماً مبرّحاً بمجرّد سماعها؛ لأنها تذكّرني بمأتم كردستان قاطبة، في الأيام المنحوسة لسنة1988 إذ كنّا في كفري نصعد إلى سطوح المنازل سرّاً، وننظر بقلوب متألمة ومنكوبة إلى شارع كفري-كلار، حيث كانت سلاسل الدبابات تحفرها متوجهة نحو القرى لإحتلالها وأنفلة أهالي كَرميان الأنقياء والبسطاء الأبرباء. أوّاهِ كم كانت تلك الأيام رهيبة وعصيبة! ثم إن لفظة (أنفال) تمزّق روحي وتذكّرني أيضاً بنكبة أخرى في نيسان 1988إذ كان أبي قد أُطلق سراحه من السجن منذ فترة وجيزة. لم يكن قد سجن للمرة الأولى؛ فقد دأبوا على اعتقاله؛ كلما دوّت طلقة في كفري، أو نفّـذ البيشمركَه عملية، إذ كان رجال الأمن يسارعون بتفتيش بيتنا. أمّا السبب؛ فلأننا كنا نملك حقل دواجن وبستاناً في (دربند تاله) شمالي كفري، طالما ارتاده البيشمركَه ليلاً، ويتناولون الطعام فيه، وإذا بالخبر يصل إلى السلطات البعثية في كل مرة، أمّا كيف؟ لقد كان هنالك خونة وجواسيس للبعث مندسين بين صفوف الثورة؛ ولذا كان رجال الأمن يسارعون باعتقال والدي. أمّا هذه المرة فقد إعتقلوه مع شقيقيّ صلاح وفريدون، وعذبوهم كثيراً في سجن أمن كفري. وفي بداية نيسان 1988حين أفرجوا عن أبي بدا إنساناً آخر؛ فقد تغير كثيراً جسمياً ونفسياً، ولقد شهدت حزناً عميقاً في عينيه؛ فحدست حدوث شيء غيرإعتيادي وغريب جداً؛ فسرعان ما تمرض مرضاً شديداً، وراح جسمه يهزل وينحل يوماً بعد آخر، وكان مع ذلك يذهب إلى العمل. ولأنه شعر حينذاك بدنوّ أجله؛ فقد كتب بعض الوصايا لنا فرداً فرداً، في دفتر وجدناه في دكانه بعد وفاته؛ فمثلاً كتب لي:

  "لقد خُلقت للكتابة يامهاباد! فواصلي الكتابة، فأنا متيقـن من أنك ستنجحين. إنني أفتخر بك كثيراً؛ لأنك فتاة مناضلة. وأطلب منك أن يكون قلمك في خدمة الشعب والوطن دوماً، وألاّ تهابي أيّ شيء"

  وفي أواخر نيسان،تفاقم مرضه، ومازلت أشك بأن البعثيين الغدارين قد سمموه في السجن، وإلاّ كيف كان ذلك الرجل القوي الجسم والنشيط يتداعى في غضون فترة وجيزة، ويموت؟! وعند إستفحال مرضه؛ أخذه أخي الأكبر وأمي إلى مستشفى كركوك، وفي الطريق صادفوا قوافل الأنفال؛ فتألم أبي وبكى كثيراً لذلك المشهد. وبعد عودته كان يتحدث عن ذلك المشهد وهو يبكي، ويردد عبارة مؤثرة ملفتة للنظر:

-                     كانت صرخات الأطفال وولولات النساء تبلغ أوج الفلك؛ وتحيل الكافر مسلماً!

   ثم إشتد مرضه مرة أخرى في27نيسان؛ فنقلوه إلى كركوك، ولم يكن ثمة طبيب يسعفه؛ فسلّم روحه وهو مفتوح العينين، ولم يتجاوز عمره (52عاماً) بعد. وقد صادف يوم رحيله الذكرى السنوية الثامنة لإعتقالي وعيد ميلاد الدكتاتور الأهوج صدام!!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

علامات الحرب

 

   لم أعد في أيلول(1981) سجينة إنفرادية؛ فقد كانت معي طفلة صغيرة وأمها. لم تكن (أمل) قد تعرضت لأيّ تعذيب، إنما كانت رهينة محجوزة. كانوا يقولون أنهم سيفرجون عنها؛ إذا سلّم زوجها نفسه. كانا من أهالي (جديدة الشط). كانت أمل تتلفع بالعباءة ليل نهار، حتى أثناء النوم؛ فكنت مستغربة من أمرها، حيث لم يكن سوانا موجوداً في الزنزانة، ولاتقع عليها عينا أيّ رجل! لقد كان تحجّبها إلتزاماً بالعادات والتقاليد الإجتماعية أكثر من كونه إلتزاماً دينياً. وكانت زائراتها على الشاكلة نفسها، إذ كنّ متلفلفات بعباءاتهنّ سواء أكان الرجال موجودين أوغيرموجودين.

   ثم إستلفتت كيفية وضوئها نظري؛ فقد كان جدّي يستعمل للوضوء نصف برميل من الماء في وضوئه، بينما كانت أمل تبلل بالكاد يديها بالماء، ثم تمسح بهما وجهها وساعديها حتى المرفقين وقدميها وساقيها حتى الركبتين. وقد عللتُ ذلك بقلّة الماء في السجن، لكنها قالت إن وضوءهم هو على هذه الشاكلة دائماً! وكانت عند الصلاة لاتضع يديها على صدرها، بل كانت تقف منتصبة. كما كانت تضع أمامها حجرةً(تربة) يلمسها جبينها عند السجود. ولقد أجابت عن تساؤلاتي المتعلقة بكل ذلك:

- لأن الإمام علي(كرم الله وجهه) إستشهد أثناء الصلاة؛ فوضع يديه على بطنه إثر الضربة على رأسه؛ لذلك فنحن نخفض أيدينا بالعكس من أهل السنة. أما الحجرة (التربة) فهي ليست حجرة، وإنما هي من تراب كربلاء والنجف، وهي مقدّسة عندنا؛ لذا فنحن نسجد عليها.

   وعلمت من خلال أحاديثها أن الشيعة يعتقدون بعودة (المهدي المنتظر) إمام الزمان؛ لينقذهم، ويقضي على الجور والظلم، وينشر العدل والمساواة في الأرض؛ فأصبحت توّاقة وملهوفة جداً لأعرف متى سيعود المهدي المنتظر. لقد بانت حينذاك علامات ظهوره ومجيئه حسب إعتقادهم؛ مادام صدام وأزلامه الأوباش قد صعّدوا الظلم حتى قمّته، إذ إعتقلوا أناساً مثل آية الله محمد باقر الصدر، الزعيم الشيعي وشقيقته آمنة الصدر(بنت الهدى) وراحوا يعذبونهما أبشع تعذيب؛ فقد عذبوا(بنت الهدى) تعذيباً وحشياً لم يسبق له مثيل،على حد قول أمل. ولمّـا إستفسرت عمّا فعلوا بها؛ أجابتني أنهم إحرقوا بالسكَائر جسمها كله؛ فأخبرتها أن بنت الهدى ليست الوحيدة،التي عذبوها هكذا، ثم شوّفتها آثار حروقي، لكنني رجوتها بالكتمان الشديد؛ لكون الجلاوزة الأوغاد قد هددوني ألاّأبوح بتعذيبي بتاتاً!

   لقد إطلعت تدريجياً من خلال أمل على عادات وتقاليد الشيعة وثقافتهم،التي تختلف إلى حد ملحوظ عمّا لدينا نحن الكرد. وظللت أسألها كثيراً وهي تجيبني برحابة صدر، محبّذة التأثير فيّ، بل حدست أنها تسعى إلى تنظيمي في حزب الدعوة،الذي كنت قد سمعت بإسمه من قبل فقط، لكنني إطلعت على المزيد من التفاصيل عنه وعن الشيعة خلال فترة سجني مع العشرات من النسوة المعتقلات بتهمة الإنتماء إليه.

   ولقد صارحتني أمل ذات يوم بكل جدّية:

- مهاباد! أنت بنت طيبة وممتازة، وقد شعرت منذ اللحظة الأولى لرؤيتك بأنك إنسانة رائعة، لربّما ينقصك شيء واحد.

- وماهي نقيصتي، قولي؟

- إنك لاتصلّين..فالصلاة فريضة على كل مسلم ومسلمة.

- صحيح أن الصلاة فريضة، إنما كان ينبغي فرض الإلتزام الوجداني؛ فماأكثر الذين يصلّون لكون الصلاة فريضة، لكنهم بلا وجدان ولاضمائر حيّة! لقد رأيت الكثيرين من أمثالهم!

- بل حتى صلواتهم غيرمقبولة، لكنما الأفضل للإنسان الصالح أن يصلّي ويتعبّد.

- عزيزتي أمل! أتدرين بأنني أحبك حباً جمّا؟ لقد أحسست أنك إنسانة طيبة، ولاتعنيني مهما كانت عاداتك وتقاليدك ولغتك وقوميتك؛ مادمت إنسانة طيبة. أجل؛ فأنا أحبك حتى لو لم تكوني تصلّين. أتعلمين أن  احد جدّيَّ ملاّ والآخر صوفي، والصلاة والعبادة ليستا غريبتين عليّ؟! ففي أسرتنا جدي يصلي وجدتي وأمي تصلّيان، وأبي لايصلّي، لكنه إنسان نزيه صادق مستقيم يحب العدالة ويدافع عن الحق، وضميره حيّ؛ وقد علّمنا وربّانا على سلوكه الذي أراه الأفرض!

- إنها مباديء حميدة وجيدة جداً والدين يدعو أيضاً إليها.

- إذنْ فأنا لست زنديقة، إنما ينقصني فقط أداء الصلاة.

- فعلاً إنك لست بلا دين، لكنما بلا إيمان!

- كيف أكون بلا إيمان؟! أعتقد أنني لست كذلك؛ فأنا مؤمنة بالعدل والحق.

-إن أدّيت فرائضك؛ ستصبحين ذات إيمان، فلماذا لاتجرّبين؟

- أجرّب ماذا؟

- الصلاة

- أفي هذا المكان القذر، وبكلّ وساختي وقملي أوجّه وجهي إلى الله؟!

- لابأس؛ فهو يتقبّلها! فلتجرّبي.

- ولمَ لا؟ فالتجربة شيء جيد, وكي تقتنعي بأنني لست متعصّبة؛ سأجرّب، بل سأصلّي مثلك، أي مثل الشيعة.

   وعندها تذكّرت عبارة طريفة لعمّي الأكبر، لما حدثني ذات زيارة عن صلوات أمي وأدعيتها وتضرعاتها:

- هل تدرين يا مهاباد أن أمك تحرج الله إحراجاً..؟!

- كيف؟

- بعد كل صلاة تروح تبتهل وتتضرّع بصوت عال وبكل حرقة وحسرة، مستطردة في إبتهالاتها أحياناً؛ حتى يحين موعد الصلاة اللاحقة، وهي لمّا تزل غير متزحزحة عن المصلّى؛ بحيث تستأنف صلواتها، رابطة بين السابقة واللاحقة، فأسألها ممازحاً:

"هل ستواصلين صلواتك على الشاكلة نفسها؛ بعد الإفراج عن مهاباد؟!

"لقد سمّيت صلاتها بـ (الصلاة المهابادية)!

    ثم صلّيت مثل أمل بضعة أيام. ولقد تبيّن لي بأن (الشهادة) عند الشيعة تزيد بجملة على ما لدى أهل السنة، فهم يضيفون إليها الجملة الختامية "وأشهد أن عليّاً وليّ الله"    

   ومن ثم دعتني أمل إلى تجربة التحجّب "هه! لم يبق لي إلاّ هذا!" وبدا لي كيف ستفضي هذه التجربة إلى أخرى..وهلمّ بنا جرّاً؛ فقلت:

- التجربة شيء جيد، إنما ليست كل تجربة.

أجل؛ لماذا أتلفلف بالعباءة؟ كنت أشعر بالضيق وأنا أراها متلفلفة بعباءتها السوداء ليل نهار، بل وتشد أيضاً رأسها بطرحة، وفي ذلك القيظ الجهنّمي! لم أر في تحجبها أيّ شيء معقول؛إذ كيف تنال أعضاء الجسم المسكينة حتى النزر اليسير من الأوكسجين في ذلك المكان الخانق،الذي يسوده أصلاً سوء التهوية وأزمة الهواء النقي؟! وهكذا كففت أيضاً عن التجربة الأولى،التي كانت إحدى تجاربي الحياتية، حيث مارست طقوس العبادة على الطريقة الشيعية، لكنما لم يتبلور في نفسي أيّ شعور خاص بالميل إليها؛ لأنني كنت منذ البداية أعي موقفي، ألا وهو خوض التجربة من أجل التجربة ليس إلاّ.

   لي بعض الذكريات فيما يتعلّق بالعباءة والحجاب، ففي كفري كانت النسوة حتى أواسط سبعينات القرن الماضي يرتدين العباءة بما فيهن الموظفات والمدرسات والطالبات في المرحلة الإعدادية. أما المرأة التي لاترتديها؛ فكانت تدعى بـ (السفورة/السافرة) ثم إن أول إمرأة تخلّت عن العباءة في كفري كانت الست (أديبة) ولكي لاأتناسى دور رجل تقدمي في كفري؛ حتى يدوّن التاريخ ذلك السطر المتألّق على صفحاته؛ أقول أن أستاذي الموقّرعبدالله صابر مدرس اللغة الإنكَليزية، كان المؤازر لرمي العباءة؛ فأول شيء فعله عند إقترانه بالست أديبة، هو رمي عباءتها في التنّور طعماً للنار! فأصبحت الست أديبة الرائدة الأولى في التخلّي عن العباءة، ثم إقتفت خطاها الأخريات تدريجياً، حتى إستحال السفور موضة في كفري!

   في أوائل سبعينات القرن الماضي، حين كنت أذهب إلى دكّان أبي في السوق؛ لمساعدته، كانت النسوة نادراً مايترددن على السوق، وهن متلفلفات بالعباءات ومحجّبات. كانت أعقاب أقدامهن هي البقع الوحيدة غيرالمحجوبة من أجسامهنّ، وحتى هذه الحالة كانت نادرة؛ فقد كنّ غالباً ما يلبسن الجواريب السود. وكنت ألاحظ كيف أن بعض الرجال يرمقون بلهفة أعقاب النسوة غيرالمرتديات للجواريب!

   ذات يوم جمعة جاء أهل أمل وذووها لزيارتها، إذ كانت زيارتها مسموحة في أيام الجمع. وقد إصطحبوا معهم إبنتها الأخرى(زينب)التي كانت في الثانية من عمرها. ورغم قصر فترة تعارفنا،الذي لم يمض عليه أكثر من ثلاثة أسابيع، فقد كانت علاقتنا الحميمة تبدو وكأنها قائمة منذ فترة طويلة، تسودها الثقة الراسخة. كنا نتكلم دائماً وعن كل شيء، بل يمكنني القول بأني قد تعلمت اللغة العربية منها بصورة جيدة. ولكوني سجينة إنفرادية؛ فقد كنت محرومة من الصحبة والأنس والكلام، ولذا فقد كنت متلهفة جداً للتحدث. لقد زارها يومئذ شقيق زوجها،الذي كان إبن عمها في الوقت نفسه، وقد لاحظتهما وهما يتهامسان...وبعد إنصرافه، راحت أمل تصفه وتمدحه كثيراً. كان إسمه (مهدي) في الثالثة والعشرين من عمره، يدرس في كلية طب الأسنان. لقد وصفته أمل بالمتعبد والمؤمن جداً، ثم قالت:

- يسعدني جداً أن تصيري عروسنا.

- أنا؟! ماذا يعني أن أصير عروسكم؟!

- أن تتزوّجي من شقيق زوجي.

- هل أنت جادّة، أم تمازحينني؟!

- بل أنا جادّة.

- أي أنك تخطبينني الآن؟

- أجل؛ لمهدي الذي شافك وشفتيه.

- هل قال لك ذلك بنفسه؟

- أجل..فقد سمع أيضاً عنك من أمي والأخريات اللواتي رأينك من قبل.

- لكن هل تعتقدين بأن هذا القدر من الرؤية كان يكفي لمعرفتي، فيكلّفك أن تطلبي يدي له؟!

- لقد تحدثت إليه عنك، بأنك فتاة طيبة، وهنا أطمئنك أيضاً أنه شاب ممتاز. أحبك حباً جمّاً يامهاباد؛ وبودّي ألاّتنقطع علاقتنا، فنصبح أقرباء.

- شكراً جزيلاً..وأنت تدركين كم أحبك! لكن هذا لن يحصل.

- لماذا؟! أتحبين شاباً آخر؟!

- أجل..وحتى لو لم يكن الأمر كذلك؛ إذ كيف يعرف الإنسان مصيره في السجن؟ من ذا يقول أنهم سوف لايحكمون عليّ بالموت؟! أتدرين أية وقائع عجيبة تحصل؟! فالأمر يدعو للضحك؛ فها هي المرة الثانية يطلبون يدي في هذا السجن وأنا بهذا الوجه الشاحب وهذه الأسنان المكسورة مع كل قمل رأسي! يبدو أنني مازلت ذات رواج ومحظوظة، ثم هنالك شاب ينتظرني في كركوك وقد تواعدنا وتعاهدنا...

- أخشى أن يكون السبب كوننا عرباً؟!

- كلاّ، لاتخشي ذلك؛ فعندي أيضاً جذر عربي!

- صدقاً؟! كيف؟

- إحدى جدّتيَّ عربية.

   كانت والدة أبي (قدرية خلف) عربية الأصل، لكنها لم تكن تعرف حتى اللغة العربية. وقد كانت من أهالي قرية (علي خلف) في أطراف كفري، ومن عشيرة (الدهلكَي) فقد تزوجها جدي بعد وفاة زوجته الأولى، ثم تزوّج بعد وفاة جدتي قدرية من(ناسكه) الحيّة لحد الآن، والتي هي من قرية (دي بنه) ورغم وفاة جدتي قدرية منذ سنوات طويلة، فقد ظل أخوال أبي يزوروننا كثيراً، وكانوا يرتدون الزيّ العربي ويتكلّمون باللغة الكردية! وهنا إذ أشير إلى جدتي العربية؛ أتذكّر حكاية طريفة رواها الأستاذ إبراهيم أحمد في(1998) عند لقائنا في بلجيكا؛ للإحتفاء بالذكرى السنوية الثالثة لتأسيس قناة فضائية (MTV) وهي من إحدى طرائف (بشير مشير) المليحة:

   "بعد خمس وعشرين سنة من الحياة الزوجية، طلّق بشير مشير زوجته. ولمّا سألناه عن السبب؛أجابنا:

- تبيّن لي أن إبنة.....عربية!

وهكذا تبيّن له بعد ربع قرن أن زوجته عربية!" 

   على أيّ حال، لم يكن سبب رفضي لطلب أمل كونهم عرباً، ولا قبولي إفتراضاً؛ من أجل ذكرى جدتي؛ لأنني لم أرها البتة، بل وكان حتى أبي صغيراً لمّا توفـيت، إنّما كان عمّي الأكبر وحده الذي يتذكّرها ويقول لي: "إنك تشبهين أمي" فالناس الصالحون والطالحون موجودون في كل شعب وأمة، ورغم أن النظام البعثي الذي يضطهدنا عربي؛ يجب ألاّ تسوَدّ قلوبنا تجاه كل العرب ونحقد عليهم. إلاّ أن ثمة حقيقة يجب ألاّ تنسى، ألا وهي إن العادات والتقاليد بين الكرد والعرب مختلفة جذرياً، ونقاط الإلتقاء بينها نادرة، وخصوصاً مع عادات وتقاليد العرب الشيعة.

   لقد رأيت خلال فترة سجني العشرات من العرب المعارضين والمناوئين للبعث، وهم يذوقون الأمرّين على أيدي البعثيين الأوغاد، وكان جلّهم من الشيعة،الذين بدوا لي متزمّتين جداً في معتقداتهم وممارساتهم الدينية، بل وأحاديّ النظرة في تفسير وتقييم كل صغيرة وكبيرة. وإذ أروي هنا إنطباعي عن الشيعة؛ أتذكّر ماروته لي حديثاً إحدى صديقاتي، وهي (نازنين) التي رافقت منظمة بريطانية خيريّة إلى البصرة، عقب سقوط النظام البعثي ودكتاتور بغداد بفترة وجيزة، حيث إلتقت هنالك أعداداً كبيرة من الناس، وتبيّن لها أنهم جميعاً ينظرون إلى كل شيء من منظور ديني، ليس الأمّيون والجهلة منهم فحسب، بل حتى أساتذتهم الجامعيون، لاسيما فيما يتعلّق بالقضايا المهمة!

   وعندها طلبت منها أن تضرب مثلاً يبرهن على حكمها؛ فقالت:

- مثلاً، سألتهم عن قدوم الأمريكان وتحرير العراق وإسقاط صدّام؛ فلْـتتصوّري ولْـتحزري تعليل أستاذ جامعي لرأيه: "لم يأت الأمريكان لإسقاط صدّام،لكنما..."

- هل قال "أتوا من أجل البترول"؟

- كلا

- "لإحتلال العراق ونهب ثرواته"؟

- ولا هذا

- لماذا إذن؟ قولي ماقاله!

- محال أن تحزري ماقاله؛ حتى لو فكّرت حتى الغد!

- حسناً أنقذيني؛ فقلبي يكاد ينفلق!

- "جاء الأمريكان؛ ليقتلوا المهدي"!

- المهدي المنتظر صاحب الزمان؟!

- أجل هو بالذات!

   إن مارويته عن التطرّف الشيعي الديني لم يمسه أيّ تغيير يُذكر لحد الآن.

على أيّ حال، لم يؤثّر رفضي سلباً على علاقة أمل بي؛ فقد دامت الثقة بيننا. حقّاً كانت أمل إنسانة رائعة وأمينة وأهلاً للثقة. كانت إبنتها (أنفال) تتعلّق بي أكثر يوماً بعد آخر.

   وفي تلك الأيام عمّ الصخب والضجيج سجننا، حيث كانوا يزجّون نسوة كثيرات في الزنزانة المجاورة صباحاً، ولاتبقى أية واحدة منهن عند المساء. وكذا كان الحال مع الزنازين الأخرى،التي كانوا يزجّون فيها الرجال والأطفال والشيوخ والنسوة والفتيات من جميع الأعمار. وكنا أنا وأمل نرى كل هؤلاء الناس عند أخذنا إلى التواليت؛ فقلت لنفسي لابد أن أسأل إحداهنّ عن خطب هؤلاء الناس: من هم؟ لماذا يجلبونهم؟ وإلى أين يأخذونهم؟ وإذا بي أرى إمرأة يناهز عمرها الأربعين وبنتين يتكلمن باللغة الكردية، لكن بلهجة مختلفة عن لهجتنا الكَرميانية؛ فسألتها بالكردية:

- لماذا إعتقلوكن؟ ومن أين جلبوكنّ؟

- والله ياعزيزتي لقد دمّروا حياتنا وطيّنوا رؤوسنا. جلبونا من بغداد. نحن كرد فيليّون. إستحوذوا على كل مانملك، بل ومنعونا من حمل حتى ثوب معنا!

- لماذا يعتقلونكم؟ ماذا فعلتم؟

- يقولون: "إنكم إيرانيّون" ويسفرّوننا إلى إيران. يقذفوننا عند حدود إيران بعد سلب كل شيء منا،ويقولون:- ولّوا..إغربوا عن وجوهنا!!

   لقد حدث حينذاك إلقاء قنبلة يدوية في جامعة المستنصرية، فاتهموا شاباً فيليّاً إسمه(سمير) بذلك؛ فأعدموه. كما أقسم صدّام ألاّيذهب الدم المراق في جامعة المستنصرية هدراً؛ فبدأت حركة غيرإعتيادية بعد قسمه؛ إذ إستهدف العفالقةُ الكردَ الفيليّة في أول خطوة من حملاتهم، حيث قرروا إعتقالهم وتسفيرهم جميعاً إلى إيران. كان أكثرهم من سكنة بغداد، ومن الرأسماليين والتجار الكبار، بل كانوا يهيمنون على سوق صياغة الذهب، بحيث إستولى البعثيون على عشرات الكيلوغرامات من الذهب في دكاكين بعضهم! ولقد شاهدت بنفسي إحداهنّ تتقلّد قلادة منتهية بعلبة لحفظ القرآن وزنها قرابة نصف الكيلوغرام، وقالت لي أن البعثيين إستحوذوا على خمسين كغماً من الذهب الموجود في دكانهم وبيتهم، ثم سلبوا منها لاحقاً حتى علبة حفظ القرآن!

   في الحقيقة، إتخذ البعثيون الشوفينيون الفاشيون من تلك القنبلة ذريعة وحجة لتهجير الكرد الفيلية إلى إيران. وقد شك البعض في تدبير أجهزة قمعهم للحادثة؛ لإتخاذها ذريعة لتحقيق مآربهم الدنيئة؛ خصوصاً وإن الفيليين كانوا آنذاك من أغنى أغنياء بغداد؛ وعليه فقد أصابوا عصفورين بحجارة واحدة: الإستحواذ على جميع أموالهم وثرواتهم من جهة، ثم ترحيلهم إلى إيران من جهة ثانية كإشارة حرب لإيران. وهكذا لم يكن قد مر أكثر من عام على حكم صدّام، وإذا به يضع أساساً جهنّـميّاً لحكمه الدكتاتوري المديد!

   لقد جلبوا خلال ثلاثة أسابيع أكثر من ألف شخص إلى سجننا، حيث كانوا يستبقونهم لليلة أو لليلتين، ثم ينقلونهم إلى (ميدان) قرب خانقين، ويرمونهم على الحدود العراقية-الإيرانية؛ ليعبروها إلى إيران مشياً على الأقدام، أو كانوا يستبقونهم لبضع ساعات، وسرعان ما يسفّرونهم. لكنما الأغرب من كل ذلك هو غياب الفتيان والشبان والرجال (من الذين تتراوح أعمارهم ابين الرابعة عشر والأربعين) فقد حجزهم وإعتقلهم البعثيون الفاشست كرهائن؛ ولذا كانت العوائل المسفّرة قلقة جداً على مصير شبانها ورجالها، كما حدث لاحقاً في عمليات الأنفال (1988) إذ أنفل العفالقة الأوباش (182ألف) من النسوة والرجال والأطفال الكرد، وإقتادوهم إلى مصير مجهول، وكذا الحال مع ثمانية آلاف بارزاني في (1983) فهكذا حجز البعثيون الفاشست شباب ورجال الكرد الفيليين كرهائن في (1980) ومازالوا مجهوليّ المصير!

   لقد منعوا زيارات ذوينا فترتئذ؛ حيث عمّت الفوضى سجننا؛ بسبب تسفير الفيليين، وخامرنا شعور بأن الوضع يسوء يوماً بعد آخر. وبعد مضيّ ثلاثة أسابيع هدأ جوّ السجن بضعة أيام، ولكن أحداً من أهلي وأقربائي لم يأت لزيارتي؛ فقلقت كثيراً، هاجسة أن مكروهاً قد حدث لهم، وإلاّ لماذا لايزورني أيّ واحد منهم؟! فطالما سألت الحراس في أيام المواجهة وتوسّلت أن يذهبوا إلى الإستعلامات والبوابة؛ لعلّ أحدهم قد جاء لزيارتي؛ فكانوا يذهبون ويعودون ويخبرونني بعدم قدوم أحد!

   فراح قلبي يحدثني بأشياء عجيبة، وتستحضر مخيّلتي صوراً سوداء، بل كنت أخال أن أهلي قد ملّوا وضجروا من زيارتي في كل أسبوع! كانت (أمل) تواسيني، تسلّيني وتطيّب خاطري كثيراً، لكن القلق ماانفك ينهش قلبي...

   وذات صباح، لم يكن يومئذ يوم مواجهة، ولم أكن أنتظر مجيء أحد، فإذا بلغط وضجيج يتناهيان إلى مسمعي: أصوات مختلطة لرجال ونسوة وأطفال؛ فظننا أنا وأمل قدوم وجبة جديدة من الكرد الفيلية، لكن ماإن إقتربت الأصوات وأصغيت لألفاظها جيداً؛ تعرفت عليها؛ إذ كانت لمتكلمين ومتكلمات بكرديّة كَرميان، بل وطرق مسمعي إسمي الجاري على ألسنة النسوة بضع مرات، حتى أن إحداهن قالت: - يقال أن مهاباد موجودة أيضاً في هذا السجن!! 

 

 

 

 

 

 

من(ميدان)إلى المعتقل

 

    كان قلبي يكاد ينفجر خفقاناً وخوفاً، وكان نبضه المدويّ يملأ أذنيَّ؛ فقد إستفحل قلقي وأنا أسمع اللغط والضجيج المتصاعدين عبر الدهليز؛ ترى لمن هي هذه الأصوات؟! ثم أخذت أتعرف عليها تدريجياً، منذهلة لماذا يتواجد أصحابها وتتواجد صاحباتها ههنا؟! أجل، فذاك صوت العمة(زكية) والآخر صوت إبنتها (هدية) وذاك صوت العمة (جان) والآخر لـ (فوزية) وهكذا تعرفت على أصوات جاراتنا النسوة كافة، بل وسمعت صوت أبي فجأة وهو ينادي عمي(محمود)! مما فاقم ذلك صدمتي وخوفي، وحرت ماذا ينبغي أن أفعل وأنا في تلك الزنزانة المغلقة؛ كي أعرف ماالخطب؟! لماذا تواجد أبي وعمي وجيراننا وجميع هؤلاء الناس في هذا السجن؟! وإلاّ هل من المعقول أن سائر أهالي كفري قد أتوا لزيارتي؟!

   ثم أخذت أنظر من ثقب المفتاح، وإذ لمحت بضع نسوة وبضعة أطفال؛ تيقنت فعلاً أنهن من أهالي كفري بالذات. كان الوقت يقترب من الظهيرة، أي وقت أخذنا أنا وأمل إلى التواليت، فكنت على أحر من الجمر؛ لكي يفتحوا الباب فأخرج. وحالما فتحوه؛ رأيت الدهليز مكتظاً بأهالي كفري: نسوة، رجال، أطفال، فتيان وشيوخ...وإذا بأبي يلمحني وألمحه، ولكن قبل أن نتعانق، إلتمت عليّ النسوة يقبلنني، كما تحلقني الرجال يصافحونني بكل حميمية وإحترام، بل راح العم رشيد المعروف بـ (رشه بلكَه) يهزج إبتهاجاً برؤيتي! مايزال العم رشيد في كفري، وهو يناضل من أجل الكُردايتي بالنفَس والعزم السابقين رغم إستشهاد ثلاثة من أولاده! لقد كان في الفترة،التي عملت فيها ضمن(تجمع كادحي كردستان) ساعي بريد بيننا وبين البيشمركَه، وأنا أحبه حباً جماً.

   ومن ثم راحوا يروون لي كيف أنهم أُعتقلوا منذ أسبوع، وأخذوهم في البداية إلى معسكر في(ميدان) شمالي (خانقين) قرب الحدود الإيرانية، ومن ثم سفّروهم إلى بعقوبة. ولأن السجن قد إكتظ بهذا الحشد الهائل؛ فقد عمّـته الفوضى، وعجزت إدارته عن تدبير أمور هذه الجمهرة الهائلة من المعتقلين، حيث حشروا ستين فرداً في الزنزانة المجاورة،التي لاتستوعب أكثر من عشرين فرداً في أسوأ الأحوال. وقد نقلونا أنا وأمل من زنزانتنا؛ ليحشروا فيها عشرين شخصاً! كانت كل نزيلات زنزانتنا الجديدة من أهالي كفري. أما لماذا إعتقل الفاشست كل هؤلاء الناس؟ فالسبب هو إلتحاق إبن أو أخ أو زوج بصفوف البيشمركَه؛ إذ كانوا يحجزون أفراد العائلة جميعاً كرهائن! أما الإفراج فقد كان مشروطاً بتسليم ذلك البيشمركَه نفسه للسلطات البعثية، أو إذا تأكد خبر إستشهاده. لقد إبتكر العفالقة هذه الخطة ضمن خططهم الجهنمية؛ لتدجين الشعب الكردي وإستعباده! برغم أنه قد ساءني جداً إعتقال كل هؤلاء الأبرياء والبريئات، لاسيما الأطفال والشيوخ والعجائز؛ فقد عوّضني قدومهم عن مجمل حالات وحدتي وعزلتي الموحشتين وآلام تعذيبي خلال الشهور الثمانية-التسعة الماضية.

   أهالي كفري بطبيعتهم أنقياء، طيّبو القلوب، مضحون، ويود بعضهم البعض عموماً. لقد قبلتني النسوة كافة، ورحن يدللنني مثل أمي. أما أمي، فقد لعبت الصدفة دورها في إفلاتها مع شقيقاتي وأشقائي الصغار من مصيدة الإعتقال؛ حيث لم يجد رجال الأمن سوى أبي وعمي عند مداهمة منزلنا؛ ليحشروهما في سيارة الزيل الواقفة أمام منزلنا، بينما كانت أمي مع فريدون ودلشاد ونوروز في طريق عودتها من بيت خالتي، وما إن لمحت الزيل على بعد عشرين متراً؛ حتى عادت القهقرى فوراً إلى بيت خالتي، ثم سارعت في صباح اليوم التالي بالسفر مع الأطفال بسيارة تاكسي إلى بيت عمي الأكبر في بغداد. ومع ذلك فقد حظيت بعشرات الأمهات والأخوات والأخوة والآباء، كأننا أسرة واحدة؛ فأدركت حقيقة أنه لم يعد يهمني حتى لو متّ؛ مادمت قد ناضلت من أجل هؤلاء الناس،الذين يعترفون بجميل كفاحي ويقدّرون نضالي...وهنا لايسعني إلاّ أن أشكر من صميم قلبي أهالي مدينتي المخلصين،الذين مافتئوا يقدرون نضالي آنئذ وبعدئذ، بل في كل أوان ومكان؛ فهل أُلام على حبي الكبير لهم ولمدينتي كفري؟!

   كانت زنزانتي وزنزانة والدي متجاورتين، لايفصل بينهما سوى حائط. كان فراشه لصق الحائط،الذي سبق وأن فتح فيه السجناء السابقون كوة صغيرة؛ للتحدث معاً عبرها...وهكذا رحنا أنا وأبي نتحاور عبرها. حدث ذات يوم إنتابتني كآبة كابوسية دونما سبب محدد، من النوع الذي ينتاب الإنسان أحياناً؛ إذ ينقبض قلبه، ويحار في أمره. ورحت أبكي، في حين كان أبي يكلمني، يواسيني، يسلّيني ويحثني ويشجعني على الصبر والصمود.

   كان الرجال يأتون في أوقات المواجهة إلى طرفنا، ليلتقوا بزوجاتهم وبناتهم وأطفالهم. وكان أبي وعمي يأتيان إليّ. كان عمي محمود يدمدم طوال الوقت متذمراً من أبي قائلاً:

"إبنك بيشمركَه؛ ويعتقلونني أنا!"

فقد إلتحق أخي صلاح بعد هروبه مع أصدقائه من السجن ببيشمركَه (الفوج 51كَرميان) ولذا إعتقلوا أبي وعمي.

   كان عمي محمود ذا طباع خاصة؛ فقد إختلت حالته النفسية والعصبية قليلاً منذ طفولته. كانت حالته المرضية بسيطة في البداية، وكان في المقدور علاجها ببساطة؛ لو كان في بلد آخر متقدم، تزدهر فيه الرعاية الصحية. أما في مجتمعنا المتخلف؛ فتكفيك نقيصة ضئيلة؛ ليلاحقك الناس: "مجنون...مجنون" حتى يجنّنوك فعلاً! وهذه للأسف إحدى سلبيات ثقافتنا الكردية،التي يجب الإعتراف بسوءاتها، وأن نسعى إلى إزالتها. لقد غدا عمي محمود أحد ضحاياها؛ فقد أصابته الشيزوفرينيا، ومازالوا في كفري يدعونه "ملازم محمود" وأحيانا ً"دكتور محمود"؛ لأنه حسب أوهامه الشيزوفرينية، كان ذات فترة ضابطاً، وطبيباً في فترة أخرى! لقد كان هذا المنعوت بالمجنون يقرأ الصحف يومياً، ويستمع إلى الإذاعات، متابعاً أخبار العالم أولاًً بأول، مطلعاً على مايحدث فيه، بل ويخمن ماسيحدث لاحقاً! كما كان دائماً نظيف الملابس وأنيقاً. أجل؛ لم يكن لدى ناعتيه بالمجنون نصف وعيه ومعلوماته، ولا ربع نظافته وأناقته، لكنهم تمادوا في ملاحقته؛ حتى جُنّ فعلاً!

   بعد أسبوعين، أخذ الجميع أمي وعمي وإخوتي وأخواتي يأتون لزيارتنا من بغداد. وكذلك أخي الأكبر الذي يدرس في بغداد. وكانت أختي ليلى تأتي لزيارتنا من كركوك، ومعها مصطفى أحياناً، وكذا الحال مع أبناء أعمامي وخالاتي وعمي الأصغر وعمي الأوسط،الذي كان قد بحث عني كثيراً مع أخي الأكبر، منذ بداية إعتقالي حتى العثور عليّ. لم يبق أحد من أقربائي لم يزرني سوى خالي الوحيد،الذي كان جباناً بطبعه، بل كان يخشى التقرب من أمثالنا المحظورين المغضوب عليهم! إلى حد-كما قيل- كان يخشى حتى المرور أمام باب بيتنا بعد إعتقالي! لقد كان من النمط المحافظ الحريص على سلامة طاقيته من مهب أيّة ريح، بينما كانت طاقياتناً في مهب عاصفة البعث العاتي دوماً! ومع ذلك كنت أقول أحياناً: "معه الحق"؛ فقد دأب نظام البعث القرقوشي على غرس الخوف في أعماق الناس؛ فلو كان خالي متواجداً في بيتنا أثناء إعتقال أبي؛ لكانوا يعتقلونه كعمي؛ فتطيّر العاصفة طاقيّته!

   لقد فاتني أن أروي حكاية حصولي على مذياع (راديو) فحينما كنت وحيدة في زنزانة إنفرادية، رجوت المفوض جاسم أن يسمح لي بامتلاك راديو، وجلب الكتب والمجلات والجرائد لي عند المواجهات؛ فسمح لي بذلك، فكلفت العم الكناس الحنون بشراء راديو صغير لي، ثم إنهم سمحوا بجلب الروايات والقصص والصحف والمجلات الكرديـة:(هاوكارى/التضامن)،(باشـكوى عيراق/ملحـق العـراق)،(به يان/الصباح)و(روشنبيرى نوى/المثقف الجديد)؛ ماداموا يرون صور دكتاتور بغداد على صفحاتها الأولى عند التفتيش! ولقد نشرت(باشكوى عيراق) إحدى قصائدي بإسم مستعار(هتاو كَرمياني) وهي من الأشعار،التي سبق أن كتبتها على الكلينكس، ثم هرّبتها إلى مصطفى بكركوك؛ وعندها أدركت بأنه قد أرسلها إلى تلك الجريدة،التي نشرت أيضاً بضعاً من قصائده بإسمه (مصطفى كَرمياني) معبراً فيها عن حبه لي؛ ممّا سرّني كثيراً. ولقد نشرت لاحقاً إبّان الثمانينات الكثير من نتاجاتي بأسماء مستعارة كـ ( زاله، آلا، هتاو...) في مجلات الجبل (المقاومة): (كَزنكَـ، نووسه رى كوردستان، ته وار...)

   ذات مساء فتحوا باب زنزانتنا المكتظة بالمعتقلات، وزجوا معنا فتاة إسمها (شازاد) وهي من قرية (دوانزه امام) إذ أُعتقلوها مع والدها؛ لكون أحد أشقائها بيشمركَه. لم أتعرّف عليها من قبل، لكنها كانت قد سمعت باسمي وقصتي. ولما عرفت بوجودي هناك؛ قصدتني فوراً، وقبّلتني، وفرشت فراشها جنب فراشي. ولأنها كانت معتقلة حديثاً؛ فقد كانت معها أخبار الخارج.

   كانت شازاد شابة مناضلة وجريئة جداً. كانت تساعد البيشمركَه؛ فكان سؤالي الأول عن البيشمركَه، خصوصاً خالد كَرمياني،الذي زلزل خبر إستشهاده أعماقي. لم يفجعني الخبر المؤسف وحدي، بل جميع النسوة؛ بحيث استحالت الزنزانة بصورة عفوية مأتماً لخالد كَرمياني، واندلعت مناحة مابعدها مناحة! كانت ندابتنا شازاد ذات الصوت الشجي الحنون، تنافسها الأخريات. ولأن النسوة الكَرميانيات قد فجعن كثيراً باستشهاد أعزّائهنّ؛ فقد إستحالت كل واحدة منهنّ ندّابة ومنّـاحة؛ فأدركت وقتئذ بأني لست الشاعرة الوحيدة، فهاهنّ نسوة بلادي كافّة شواعر، إنما الفرق الوحيد بيني وبينهنّ، هو أنني كنت أدوّن أشعاري بالقلم على الورق، أما هنّ فينطقنها ويسجلنها في صدورهن. لما تناهت المناحة المؤسية للنسوة الكَرميانيات إلى أسماع الشرطة؛ فتحوا باب الزنزانة ظناً منهم أننا نغني؛ فقالوا: "الغناء ممنوع"! ثم علموا أنه مأتم ونحن نبكي، وقد إستحالت عيوننا بركاً دامية؛ فمنعوا حتى البكاء!

   لئن كان عدد المعتقلين والمعتقلات هائلاً؛ فقد أخذ الطعام يقل ويسوء؛ مما ساءني الوضع المزري المهين، واستشاط غضبي؛ حيث كنت أرى الأطفال الجائعين؛ فخطرت لي فكرة القيام بإضراب عن الطعام؛ عسى ولعل أن يحسّنوه ويزيدوه. ولذا رحت أفاتح النسوة بذلك واحدة فواحدة قائلة:

"لنضرب عن الطعام حتى الموت؛ إذا إقتضى الأمر، مطالبات بزيادة الطعام وتحسينه"

 فاقتنعن رغم أن بعضهن كن مترددات في البداية، لاسيما وأن أمهات الأطفال كنّ يحملن همّ الصغار ويخشين موتهم جوعاً.

   على أيّ حال، بدأنا الإضراب، ففي الظهيرة حين جلبوا الطعام، ونادوا:

"هيّا جئن بصحونكنّ..."

لم تحرك أية واحدة ساكناً،ثم كرروا النداء سدى،ومن ثم سألوا:

-هل أضربتنّ عن الطعام؟

   فأجابتهم إمرأة إسمها (غزال) بلغة عربية جيّدة:

- أجل؛ أيّ طعام هذا الذي تقدمونه لنا؟! فإذا لم تحسّنوه؛ لانريده، ولْنمت!

    عندئذ تيقّنوا من حدوث إضرابنا عن الطعام؛ فشاعت الهمهمات داخل السجن؛ فذهب شرطي إلى المفوض الخفير،الذي جاء مستفسراً عن المشكلة، ولماذا الإضراب؟! فأجبته أنا، وبلّغته بمطاليبنا؛ فلم يقل شيئا، ومضى.

   بعد فترة وجيزة، إستدعوني إلى غرفة المفوض (عدنان) حيث قدم إثنان من مديرية الأمن؛ للتحقيق في قضية الإضراب، بعد علمهم به، وكوني أنا المحرضة عليه، والمنظمة للمعتقلات...

   وهكذا بدأت التحقيقات معي...!

 

 

 

 

 

 

 

 

الكرسيّ الرهيب

 

 

   أخذوني في سيارة إلى مديرية الأمن،التي كانت تتنافى ممارساتها كافة مع إسمها الدال على ضمان الأمن والأمان للمواطنين! أجل؛ فقد كانت أحد أجهزة القمع الرهيبة،التي تعرّض أمن وأمان الإنسان، بل وحياته إلى أخطر الأخطار،ولاتتوانى عن كبت أنفاسه وقمعه بأحدث آلات وأجهزة التعذيب!!

   برغم قصر المدة،التي إستغرقها سير السيارة مابين مديريتيّ الشرطة والأمن، رحت أتذكّر كل مالاقيته من أشكال التعذيب والإهانات والشتائم والآلام المبرّحة من قبل، بل كادت روحي تطير ذعراً وهلعاً من قفص جسمي! أما لماذا أقول: "قفص جسمي"؟ فلأنّ الإنسان يشعر في مثل هذه اللحظات أن جسمه في الحقيقة يشبه قفصاً حديدياً وروحه تشبه طائراً من نار يكابد من أجل الخلاص من الحبس؛ بسبب مايتعرّض له من إحراق وإمتهان لكرامته.

   يا إلهي..ماذا سيفعلون بي هذه المرة؟! سؤال طالما رددته عشرات المرات؛ وأنا أتلقّى جوابه فعلاً: الإحراق بالسكَائر(آييششششششششششششش) يالهول وجعه الرهيب! إن مجرّد ذكره يؤلمني ألماً مبرّحاً؛ فكيف إذا أحرقوا جسمي هذه المرة أيضاً؟!

   إلى أين أخذوني؟ أتدرون؟

إلى الجلاّد المقنّع،الذي كنت أرتعب من منظره؛ حيث كان يتراءى قطعة من جبل لعينيّ أنا الصغيرة في الرابعة عشر! وإذا به يتلقّفني من ذراعي ويجلسني على كرسي، وإذا بالكرسي يرجّني، لكن أيّة رجّة؟! رجة عجيبة هائلة لامثيل لها سوى الزلزال! وهكذا أذاقوني صنفاً جديداً من التعذيب؛ حيث لم يشرّفني الكرسي الكهربائي بضيافته الكريمة من قبل! وإذا بي أرتطم بالأرض وأنطرح جثة هامدة، وقلبي يخفق خفقاناً شديداً، كما لو أنني قد خضت سباق الماراثون؛ فقد تصاعد لهاثي وإختل تنفسي إختلالاً شديداً، وكانت رأسي دائخة، وانتابني الغثيان؛ فأخذت أتقيّأ...

   تركوني وحدي هنالك فترة ليست قصيرة ولا طويلة، وأنا متضعضة الجسم، مضمحلّة خائرة القوى، والغشاوة تحجب رؤيتي. كنت مرتعبة جداً إلى حد لم يسبق له مثيل خلال فترة إعتقالي؛ خوفاً من إصابتي بالعمى، حيث كان الدخان يتراءى لعينيّ، فقلت لنفسي:

 "إنه العمى؛ فقد فقدت بصري"

لم أتذكر إن كانوا قد فعلوا شيئاًما بعينيّ؛ ولذا إستغربت التأثير الهائل لجلوسي على ذلك الكرسي على عينيّ!

   (جييرررر) إنفتح الباب؛ فلمحت إمرأة بيضاء الزي بصورة غائمة، لم تتضح ملامحها لي، أهي جميلة، أم قبيحة؟! جلست جنبي وهي تهييء سرنجة (إبرة تزريق) بينما كانوا يمسكون لها ذراعي، وأنا ألمح شبح الموت الرهيب بصورة غائمة، وألمح وراءه وجهاً ملائكياً نورانياً وحزيناً، ألا وهو وجه أمي،التي كانت شفتاها تختلجان لاهجتين بالدعاء من أجلي!

   لقد حدثني قلبي: "إنها تزرقك بإبرة مميتة" لم أحس بأيّ شيء ماعدا الخدر الساري في أوصالي، ولم أتألم عند غرز الإبرة في ذراعي، لكنني شاهدت كيف تمتص الإبرة دمائي؛ فاعتراني شعور بخواء في داخلي أخذ يتسع وأنا أضعف وأضعف...إذ سحبوا من دمي أربع قنان حتى لحظة غيبوبتي! أما بعدها فلست أدري كم قنينة أخرى...؟!

   كان أبي الجالس أمام قضبان باب زنزانة الرجال ملولاً مبهوتاً منتظراً إعادتي. وحين أعادوني في وقت متأخر مساءاً وهم يقتادونني أمام زنزانته إلى زنزانة النساء؛ لمحت عينيه المخضلّتين بالدموع. ثم راح يواسيني، يسلّيني وينصحني عبر الكوّة الموجودة مابين الزنزانتين. لم أبح له بأيّ شيء عن الكرسي الكهربائي، إنما أخبرته أنهم سحبوا عيّنة من دمي بإبرة تزريق؛ بغية التحليل! فأدرك الحقيقة في الحال، فقال لي:

- من حسن حظنا أنك نجوت هذه المرة أيضاً وعدت حيّة إلينا؛ فتعقّـلي يابنيتي العزيزة، وإلاّ فإن أولئك البرابرة العتاة سيقتلونك!

   لم يبد أثر لأيّ تعذيب على جسمي، غيرأني عدت إلى وسط النسوة واهنة محطّمة. جلست على فراشي، ولم أجرؤ على التفوّه ولو بكلمة واحدة عن الكرسي الكهربائي والإبرة مصّاصة الدماء! تناهبني الوهن؛ فتوسّدت فخذ (شازاد) الجالسة جنبي، وهي تمسّد رأسي بأقصى حنان، وتمشّط وتفتّش بأصابعها خصلات شعري...ولم أدر كيف نمت؟! ولما إستفقت كانت قد مضت ثلاث ساعات ورأسي على فخذ (شازاد)التي لم تحرك ساكناً رغم تخدّر ساقيها؛ فقد حال قلبها الرؤوم دون ذلك!

   لقد تعرفت على(شازاد) في ذلك السجن. كانت تدللني كثيراً، وتقدرني تقديراً إستثنائياً، وأنا كذلك. مازلت أحبها حباً جماً، بل وزرتها في الصيف الماضي في قصبة (الصمود/ مجمع قسري) قرب كلار؛ فوجدتها نفس الرقيقة الحنونة كما كانت في الماضي، ورحنا نذكّر بعضنا البعض بوقائع تلك الأوقات السالفة العصيبة.

   كانت علاقاتي ودية مع نسوة وبنات كفري المعتقلات كافة، لكن بعضهنّ كنّ الأقرب إليّ، ومنهنّ (هدية) الصبية،التي كانت تصغرني عمراً بسنتين، بينما كانت أختها (فوزية) تكبرني بسنة واحدة. كانت تينك الأختان من أمّين؛ إذ كان والدهما العم رشيد متزوجاً من إمرأتين:(زكية)و(جانه) ولقد أُعتقل العم رشيد مع زوجتيه وبنتيه وبعض أولاده الصغار والفتية، حيث كان: آزاد وفاروق وطارق مع الأمّين في قاووش النساء، وهاشم وصلاح معه في قاووش الرجال. ولقد أُعتقلوا جميعاً؛ لكون إبنه(ناظم) بيشمركَه!

   في طفولتي كنت أرى(ناظم) أحياناً؛ كلما ذهبت للعب مع صديقتي فوزية، في بيتهم المجاور لبيتنا، والذي لم يكن يفصله عن بيتنا سوى حائط. فقد كان أهله مستأجرين داراً لجدي. كان ناظم طفلاً أشقر، أزرق العينين. كانوا ينادون فوزية بـ (فوزة) لذا لم أكن أعرف لفترة طويلة إسمها الحقيقي؛ فالكرد بطبيعتهم يصغرون ويختصرون الأسماء إلى حد تتوارى فيه الأسماء الأصلية. أما أنا فلم يكن أبي يصغّر إسمي أو يختصره بتاتاً، لكن أمي كانت تناديني(مهه) كلما غضبت عليّ، إن لم أُلب نداءها أو طلبها مرة أو مرتين، كما كانت تناديني أحياناً بـ (مهه)؛ تحبباً وتعبيراً عن حنوها.

   لم أكن في طفولتي عجولة، إنما كنت خجولة إلى حد ما. كنت ألعب مع فوزية في زقاقنا بعد العودة من المدرسة. لم تكن فوزية تلميذة؛ إذ لم يلحقها أهلها بالمدرسة.كانت (روناك جمال) صديقتي الحميمة الأثيرة في المدرسة، حيث كانت معي في الصف نفسه، وعلى أول رحلة، بل وكلتانا كانت شاطرة الصف، لكنها كانت أحلى مني. كنت أشعر بالتمييز الذي تمارسه معلماتنا؛ إذ كن يولين الإهتمام أكثر بالتلميذات الأجمل! كانت كلتانا تحب الأخرى حباً جماً. ومع ذلك كنا نتزاعل بسرعة، لكننا لم نكن نتحمل الأفتراق البتة؛ فكنا نتصالح في أول فرصة متاحة، بل وكنا نتخاطب حتى في حالة الزعل، لكن دون نطق إسمينا، وإنما بصيغة: (أنت يابنت..!) هكذا كان أسلوب زعلنا نحن وتلميذات المدرسة كافة! بل كنا في فترات الزعل أشد تلهفاً لبعضنا البعض، منتظرتين على أحر من الجمر توسّط إحدى الزميلات؛ لنتصالح. وغالباً ماكانت (نسرين كامل) قريبة روناك وزميلتنا في الصف تبذل مساعيها الحميدة، مؤدية ذلك الدور. وبعدها كنا من فرط الإنفعال بالصلح وحميميته؛ لانكترث بسوانا في البداية!

   لئن كانت فوزية صديقتي بالجيرة؛ فقد كانت تحرضني على ضرب روناك! حيث كان بيت خالة روناك جيراننا، فكانت فوزية تعتدي على روناك؛ كلما مرت أمام بيتنا، بل وتحرضني على ضربها فأمتنع. كانت فوزية عنيفة، فقد إنتزعت ذات مرة خصلة من شعر روناك؛ ولما إحتجت خالة روناك وعاتبت أم فوزية، إتهمتني فوزية بأني الفاعلة!

   مازالت روناك إحدى صديقاتي الرائعات رغم البون والبين منذ سنوات. والجدير بالذكر هو كون الأخ محمود زامدار خالها. عندما كنت في الصف الثاني المتوسط، كتبت بضع قصائد في دفتر صغير أخذته روناك وشوّفته لخالها،الذي إطلع على أشعاري، بل وكتب في إحدى الصفحات البيض عبارات تشجيعية حلوة:

"قرأت أشعارك باهتمام ودقة؛ أبشرك بكل ثقة وإطمئنان بأنك ستكونين في المستقبل  شاعرة وأديبة جيدة"

لقد أثرت فيّ تلك العبارات تأثيراً مباشراً؛ إذ لم أكن قد نشرت أيّ شيء. وقد إهتم بي الأخ محمود فيما بعد. فبعد سنوات من ظهور أشعاري على صفحات المجلات والجرائد؛ أقام زامدار في أربيل ندوة شعرية لشباب كفري: (عمر فارس،فاتح سلام،وأنا) وخصّني بالإهتمام.

   لقد إستلفتت أنظاري طبائع وشخصيات بعض النسوة الكفريليات المعتقلات، منهنّ: العمة(خجي) الزوجة الكبرى لـ (فقي علي) المعروفة عائلته في كفري. والتي كان أربعة من أبنائها في صفوف البيشمركَه؛ ولذلك فقد أُعتقلت مع ضرّتها(غزال) وابنها وعدة بنات كنّ في قاووشنا، بينما كان فقي علي وإثنان من أولاده: (آزاد) و (وريا) في قاووش الرجال. لقد إستلفتت العمة خجي نظري بجرأتها وجسارتها الهائلتان وثقتها الفائقة بنفسها، والتي كانت تتجلى في كل حركاتها وسكناتها. كانت ذات صوت جهير رنان، وتدخن كثيراً نافثة الدخان في الهواء. ولم أرها البتة واهية المعنويات، إنما كانت تزهو بكل صراحة وفصاحة:

- ما همّي؛ ولي أربعة وعول في جبال كردستان؟!

   أجل...فقد كان أحدهم البيشمركَه المقدام الشهير(قاسم فقي علي) في منطقة كَرميان، وقد إستشهد عامئذ للأسف الشديد.

   كانت العمة خجي تروي لي كيف كانت تنشط في صفوف الثورة الكردية كعضوة إرتباط وساعية بريد، وهي تنقل الرسائل والأسلحة والأعتدة مابين المدن والجبال. حقاً كانت تضاهي بنضالها نضال أيّ بيشمركَه همام رغم كل الأخطار المحدقة بها! أجل؛ فالنسوة الكرديات باسلات ومضحيات، بل وتبيّن لي في ذلك المعتقل كمْ كان وجودهنّ ضرورياً ومهماً، وكمْ كانت مساهماتهنً مؤثرة في الثورة الكردية!

     ثمة كانت إمرأة أخرى إسمها العمة تاوس (طاووس) لها إبن إسمه (اسكندر) كان إسكندر فتى وسيماً يدرس معنا في المدرسة نفسها، ثم ترك الدراسة ملتحقاً بصفوف الثورة الكردية، لكنه للأسف الشديد سرعان ماوقع أسيراً في قبضة الأعداء في إحدى المعارك، فاقتادوه إلى سجن الموصل، حيث أعدموه. وقد علمنا جميعاً بخبر إستشهاده، ماعدا أمه الثكلى التعيسة،التي لم يخبرها أحد؛ إذ لم يكن في مقدور أحد تحمّل مشهد رد فعلها على الخبر المؤلم. وسرعان ما أفرجوا عنها وهي تجهل السبب، ولا تدري بالفاجعة حتى وصولها إلى البيت! وهنا أذكر أن اسكندر كان يكتب الشعر أيضاً؛ فكانت أمه تطلب مني أن أقرأ لها أشعاره المدوّنة في دفتر، كلما زرتها لاحقاً بعد إطلاق سراحي. كانت أشعاره ثورية ورومانسية جميلة.

   كانت ثمة أيضاً أربع ضراري! غالباً ماتنشب بينهنّ المشادات،  والمشاجرات أحياناً. وكذا كان حال النسوة الأخريات،اللائي كن يتشاجرن أحياناً بسبب ضيق المكان وشحة الطعام والأمور البسيطة الأخرى؛ خصوصاً وقد حشرن بعددهن الكبير حشراً في قاووش صغير، وفي وضع مزر يؤدّي بسرعة إلى النزاعات والمشادات الكلامية وحتى الشجار!

   لئن كنت هنالك أقدم سجينة؛ فقد كان مكاني في الصدارة، وجنبي مكان (أمل) وطفلتها (أنفال)؛ حتى الإفراج عنها، إذ سكّنت مكانها (شازاد) التي جاءت حديثاً مع أختها(هدية) وهكذا تراصفت أفرشتنا حتى باب الزنزانة،الذي كان ينفتح بعسر!

   كانت العمة (صبرية) أيضاً ملفتة للنظر؛ فقد كانت خبيرة جداً في المساج ومعالجة الصداع وتشنج الصرّة وإلتهاب اللوزتين...؛ حيث كانت تهرع إليها كل واحدة تشكو من ألم في الظهر أو الرأس أو البطن أو الحلق؛ فتعالجها عمتنا صبرية بكل حنو وأريحية، بأساليب الطب الشعبي. وهنا أتذكر كيف عالجت شاباً كان يحتضر! كانت معنا إمرأة من مندلي، لها إبن في الخامسة والعشرين، كان سجيناً في الزنزانة المقابلة لنا، وقد تمرض مرضاً شديداً فترتئذ، وبات قاب قوسين أو أدنى من الموت، بحيث جلبوه إلى أمه المسكينة وهو يحتضر؛ لتلقي عليه نظرة الوداع الأخيرة؛ فهبّت العمة صبرية إليه، وفحصته بطريقتها الخاصة، ثم قالت:

- لاداعي للقلق؛ فقد أصاب التشنج قلبه؛ سأعالجه بكل بساطة!

   في الحقيقة، كان وضع الشاب مزرياً جداً، بل كان جثة شبه هامدة حين حملوه إلى زنزانتنا؛ فلم يكن ثمة من يصدّق البتة بشفائه بمساج العمة صبرية،التي إنكبّت على تزييت صدره وظهره، وشد رأسه بفوطة، وتدليكه لمدة ساعة؛ فإذا بالشاب ينهض معافى، بل ويعود على قدميه إلى قاووش الرجال! لقد ضاعفت تلك المعجزة الإعتراف بتخصص وقدرات العمة صبرية،التي سرّها شفاؤه كثيراً. كانت العمة صبرية ثقيلة السمع؛ فوجب علينا أن نكلمها بصوت عال.

   كانت للعمة(آمين)أيضا خصوصيتها المشهودة. كانت فارعة ونحيفة. وقد إعتقلوها بسبب إبنها(مصطفى) البيشمركَه. كان مصطفى زميلي في الصف بالمرحلة المتوسطة. كان لها إبن آخر معلم إسمه(علي عبدالله) إلتحق أيضاً بصفوف البيشمركَه، بعد أول زيارة لأمه الرهينة، حيث ودّعها قائلاً:

 "لابد أن ألتحق بصفوف البيشمركَه"

 كان علي أحد كوادر(كوملَه)الناشطين وكاتباً جيداً أيضاً.

   لقد كانت العمة(آمين) أبيّة لاتقبل ضيم أحد، وعصبية سريعة الغضب وعنيفة الرد؛ بحيث كانت الأخريات يسمّينها(آمه المجنونة)! كان معها إبنها الصغير(هورام) الذي تحبه كثيراً وتغمره بالدلال، بل كانت تغضب وتلج في الإحتجاج؛ إذا ما أساءت أية واحدة أدنى إساءة إليه. ذات مرة كنت جالسة معها، ولاحظت هورام يرمقني، متمعّناً في شامتي السوداء الناتئة على عنقي، وإذا به يستغفلني وينقض عليها؛ ليقتلعها بأظافره؛ فجفلت من شدة الألم، وندت مني صرخة، بل لم أتمالك نفسي؛ فصفعته كرد فعل منفلت سريع! برغم ذلك لم تنبس العمة آمين ببنس شفة، بل ساءها جداً أن هورام قد آلمني! فلو كانت الصافعة سواي؛ لما نجت من لسان العمة آمين، بل ولا من يديها أيضاً! طبعاً سرعان ماندمت ندماً شديداً، لكن بعد فوات الأوان؛ لاسيما وأنني كنت أحب هورام حباً جماً، فسارعت بإحتضانه وتقبيله؛ لأسترضيه...أما شامتي التي جرحها بأظافره؛ فقد ظلت تؤلمني لفترة طويلة.

   الطفل كائن جميل، طاهر وبريء، وكل مايفعله غيرمقصود ودون سبق إصرار؛ حتى لو كان مؤذياً ومؤلما؛ً فالأحرى بنا أن نتلقى أفعاله بصورة طبيعية، ولانمارس معه العنف، لكننا من فرط ممارسات العنف والقسوة ضدنا؛ غالباً ما يجيء رد فعلنا فظاً وقاسياً؛ فليتنا نستطيع أن نزيل عن نفوسنا بوعي، هذه الرواسب والآثار.

   ثمة كانت معنا إمرأة من مندلي مسكينة جداً. معها بنتاها اللتان تكبرانني عمراً بسنة أو سنتين. كنت أتعجب وأستغرب من وقاحتهما ومعاملتهما السيئة لأمهما؛ فهما غالباً ما كانتا تغضبان عليها وتشتمانها شتائم بذيئة ولاذعة:

- بنت القحبة! بنت الكلب!

   أما نحن في كفري، فلم تكن تربيتنا الأخلاقية تسمح بالوقوف البتة في وجوه أمهاتنا؛ وعليه كانت علاقات البنات الكفريليات بأمهاتهنّ في ذلك السجن طبيعية جداً، يسودها الود والوئام والإحترام؛ مما زاد ذلك من عجبي وإستغرابي لوقاحة وصفاقة تينك البنتين حيال أمهما الرقيقة الرؤومة!

   لكي لايفقه سوانا ما نتحدث به من أسرار وخصوصيات؛ عرضت عليّ(شازاد) إستعدادها لتعليمي اللغة(الكزيبزية)التي كلمتني بها في الحال؛ فبدت لي أصعب من السنسكريتية! فقلت:

- مستحيل أن أتعلّمها ياشازاد!

- كلاّ، ليس تعلمها مستحيلاً؛ فهي بسيطة جداً، إنها لغتنا الكردية نفسها، فقط ضعي حرف(ز) بين كل حرفين في كل كلمة، فمثلاً تستحيل كلمة (خه ون/حلم)(خزه وزن/حزلزم)

وسرعان ما رحنا بعد ذلك المثال نتحاور كالبلابل باللغة الكزيبزية، دون أن يفقه أحد كلمة واحدة مما نقوله! خصوصاً وان شازاد لم تعلمها لغيري؛ فظلت الكزيبزية لغتنا السرية الخاصة بنا، وهاكم المثال الآتي:

- "ئزلزين شزرزي بزوزه" بالكردية،أي "يزقزوزلزون وزقزعزت مزعزرزكزة/ يقولون وقعت معركة" بالعربية!

   وعلى هذه الشاكلة، رحنا نتحدث على هوانا بلغة الشفرة هذه عن أخبار البيشمركَه الواردة عن طريق زوارنا القادمين من القرى، لاسيماً زوار وزائرات شازاد، في حين كان أهلي وأقربائي يأتون من بغداد لزيارتي.

   عندما كنت سجينة إنفرادية؛ كان وقتي يمضي ببطء شديد وكآبة كابوسية، في حين لم أعد أشعر ببطء سير الزمن وأنا مع معتقلات ومعتقلي مدينتي ومنطقتي، برغم كل أزمات وسوءات الزحام في السجن! أجل؛ لم تعد أوقاتي تمضي ببطء وكآبة خانقة.

   فيما بعد، أخذوا يطلقون سراح بعض الرهائن من أهالي مدينتي؛ كلما إستشهد أو إستسلم بيشمركَه إبن هذه أو ذاك، أو شقيق هذه أو ذاك، أو زوج هذه أو تلك، وعلى هذه الشاكلة أطلقوا سراح شازاد؛ إثر إستشهاد شقيقها البيشمركَه (أحمد)

   كان مع الرهائن المحجوزين شيخ معمّر(120سنة) حسب قوله، وهو سيد محيي الدين،الذي كان يروي ذكرياته عن مطلع القرن العشرين؛ مصداقاً لقوله. لقد إعتقلوه بسبب إبنه سيد محمد مسؤول التنظيم السري للـ (كومله) في كفري، والذي أصبح لاحقاً مسؤولي في التنظيم نفسه بعد الإفراج عني. كان مع الشيخ حفيده (شاخوان) وعمره زهاء الخامسة، وقد ولد أصلاً في أحد السجون!كان شاخوان محروماً من الحنان والدلال، حيث لم تكن أمه معه؛ فكان أبي يحاول تعويضه عن رعاية أبيه،الذي كان صديقه الحميم. لقد أسلفت أن سيد محمد قد جلب أول عدد من مجلة(كومله) لأبي وقرأتها له. ولأنهم كانوا يسمحون أسبوعياً، في يوم المواجهة، بالتزاورالداخلي في السجن، أي بزيارة الآباء والإخوة والأزواج لقريباتهم النسوة والبنات والأطفال الصغار؛ فقد كان أبي يصطحب معه شاخوان وجده عند زيارتي، بل ويتركان أحياناً شاخوان معي بضعة أيام، فكنت أرعاه وأعنى به كأخ صغير لي، ساعية إلى تعويضه عن حرمانه من حنان ودلال أمه،التي كانت آنذاك مع أطفالها الثمانية الآخرين، في إحدى قرى كَرميان المحررة. تبّاً وسحقاً لك أيتها الأنفال البشعة! فقد إبتلعت الأنفال لاحقاً أم شاخوان مع أطفالها حتى شاخوان! أما سيد محمد فقد قبضوا عليه وشنقوه، وله الآن تمثال في كفري.

   نادراً ما كنا نستحم في السجن؛ فكانت رؤوسنا دوماً وسخة شبه مزيّتة وتحكّ حكاً مزعجاً، بل وتقمّلت رؤوس الأخريات كرأسي، وطالما كنا نفتش خصلات شعور بعضنا البعض؛ لقنص القمل، إذ أضحت شازاد وهدية صيادتيّ العشرات من قملاتي المحظوظات البدينات! وطالما غفوت ونمت هانئة متوسّدة فخذ هذه أو تلك، وهي تصطاد قملات رأسي!

   لقد إكتشفت النسوة طريقة لحمي الماء، ألا وهي ربط بضع شمعات معاً على شكل حزمة، ثم إشعالها، ووضع أثاف حواليها، ومن ثم قدور الماء فوقها، وهي القدور التي كان أهالينا يجلبون الأطعمة بها. أما الشموع فكنا نكلف الكناسين بشرائها لنا. وعلى هذه الشاكلة، كنا نغسل أحياناً رؤوسنا، ونادراً ماكنا نغسل أجسامنا ولو غسلة خاطفة.

   أما شغلنا الشاغل فكان(الحياكة)التي لم أكن أجيدها قبل إعتقالي وسجني. من طبيعة السجينات أنهن يعلمن زميلاتهن كل مايعرفنه؛ مادام الإنشغال الجماعي يمنح السجينات بعض التنفيس والراحة؛ فتعلمت بدوري شيئاً من هذه السجينة وشيئاً من تلك. كنا نكلف الكناسين بشراء أشياش(سفود) الحياكة والصوف. لقد حكت العديد من البلوزات والستر والثياب والطواقي. ولقد اتفقنا أنا وهدية على حياكة بعض الأشياء كهدايا للبيشمركَه، وأن ترسلها هي إلى شقيقها ناظم.

   وفي(1988) وقع ناظم وشقيقه فاروق مع ثمانية عشر بيشمركَه آخرين في حصار؛ فاستشهدوا جميعاً، ودفنهم الأعداء في قبر جماعي.وفي(2004) أُكتشف قبرهم الجماعي قرب نهر(آوه سبي) في طوزخورماتو، وقد تمكن أهاليهم وذووهم من التعرف على جماجمهم ورفاتهم. لقد شاهدت بأمّ عينيّ على شاشة(كُردسات) جمجمة الشهيد ناظم تحضنها كفّا العم رشيد؛ فأجهشت في البكاء. ولقد أخبرتني هدية لاحقاً بأنهم تعرفوا عليه بواسطة بلوزه،الذي حكته له بيديّ هاتين. مازالت أعماقي تلتهب؛ كلما حدثتني هدية عن الشهيد ناظم؛ إذ يحضرني مشهد تلك اللحظات التي زرت فيها ناظم عند عودته في1984 أثناء المفاوضات بين الإتحاد الوطني الكردستاني والحكومة العراقية. كنت أعرفه منذ الطفولة. كان ناظم شاباًً مهذباً وودوداً. كان أمياً، لكنه كان يحاول فهم الواقع السياسي، وكان ناشطاً في المجال العسكري أكثر.أجل؛ كان بيشمركَه مقداماً.

   كان لديّ في السجن، كما أسلفت، راديو صغير؛ حبث سمحوا لي بسماع الأغاني فقط. لكنني كنت آخذه معي إلى الحمام؛ لأسمع سراً أخبار العالم. كنت أعرف محطات إذاعات : لندن، صوت أمريكا، صوت إسرائيل...؛ فقد كان أبي يضع الراديو قربه ليلياً مستمعاً إلى الأخبار حتى نومه. وكنت أطفئه؛ كلما أجده نائماً، فإذا به يستفيق فوراً، وبشغله من جديد! وهكذا بات سماع الأخبار إحدى عاداتي، فمارستها في السجن سراً. وهنا أذكر ان إذاعة بغداد قد أذاعت في تلك الفترة خبر موت الخميني؛ فراحت(أمل) تبكي وتنتحب دون إنقطاع؛ فخطر ببالي أن أسمع الخبر اليقين من إذاعة طهران نفسها. واستمعت بالفعل إليها سراً وهي تكذّب الخبر الزائف، إذ كان اليوم يوم الجمعة، وقد تحدثوا عن خطبة ألقاها الإمام الخميني، فأخبرتها بذلك؛ فكفّت عن البكاء، وسرّت سروراً عظيماً. بعد فترة أخرى، نشر العراق خبر موت الخميني مرة أخرى.لكن(أمل) لم تبك ولم تتأثر؛ إذ كانت تعرف أن الخبر مفبرك ومجرد دعاية مغرضة.

   ولكن ماكان يصلنا بعسر شديد هو أخبار كردستان، أخبار البيشمركَه والشهداء والثورة وخسائر الأعداء...والتي كنا نسمعها فقط من زوارنا وزائراتنا؛ فكان يساورنا الشعور دائماً أن صدّام على وشك السقوط!

 

 

 

 

كوّة

 

   في مطلع أيلول1980 شعرت بمتعة رؤية قبس من النور عبركوّة، لكننا بينما كنا آملين بسقوط صدّام بأسرع وقت؛ لحرماننا من الحرية وتوقنا الجارف إليها، كنا نيأس أيضاً في أغلب الأحيان؛ مادامت النهارات والليالي تمضي وتمضي دون أن يحدث أيّ شيء جديد من المأمول!

   ذات يوم جاء المفوّض جاسم حاملاً إليّ ورقة تبليغ؛ فقد وجب عليّ الإستعداد خلال أسبوع، لأخذي إلى بغداد؛ لمحاكمتي في محكمة الثورة، التي كانت أعلى المحاكم التي تنزل القصاص بالمعارضين السياسيين، الذين لم يكونوا في نظر النظام البعثي قادة الأحزاب المعارضة فقط، إنّما كل شخص يبدي أدنى معارضة...ولم يكن العمر ذا شأن عندها؛ فقد كانت تعاقب حتى طفلاً في العاشرة! فمثلاً: حين كنت نزيلة سجن بعقوبة، إعتقلوا طفلين يتراوح عمراهما بين العاشرة والثانية عشرة؛ كانت صورة من صور صدّام قد تمزّقت بيديهما خلال شجار أثناء اللعب، وقد عذّبوهما بمنتهى القسوة لفترة غير قصيرة؛ حتى يعترفا على من حرّضهما على تمزيق صورة الدكتاتور!

   كانت جملة واحدة تكفي؛ لتحسب مجرماً في نظر البعث الفاشي! فعلى سبيل المثال: إلتقيت في صالة الإنتظار بمحكمة الثورة رجلاً من كفري، كانوا قد إعتقلوه لأكثر من سنة في سجون بغداد دون أن يعرف أهله شيئاً عن مصيره؛ أما جنايته الكبيرة فقد كانت جملة واحدة فقط، كان قد تمتمها مع نفسه "أجل!ستتحرر فلسطين بهذه الشعارات!" ذات يوم، بعد سماعه لشعارات مؤيدة لفلسطين وضد إسرائيل، كان يرددها طلبة المدارس خلال إحدى التظاهرات الإجبارية في كفري!

   أما أنا فمع صغر سنّي وكل جريمتي: بضعة أبيات شعرية وبضعة سطور في مفكرة يومية؛ فقد كانت جريمتي أكبر من المثالين السالفين، بل ومن أكبر الكبائر في منظور العصابة العفلقية!!

   ومع كل ذلك، سرّني التبليغ؛ لعل مصيري يتبيّن في المحاكمة المنتظرة، وأنا أقول لنفسي:

 "من الأفضل أن يحكموا عليك الآن إمّا بالحبس لبضع سنوات، أو بالإعدام، أو بالبراءة"

  ورحت خلال أسبوع إنتظاري أعوّد تفكيري ونفسي على أيّ إحتمال من الإحتمالات الثلاثة! ورغم ذلك كانت المشاعر المتضادة تتقاذفني، إذ كنت أتعجل مضيّ المهلة تارة؛ ليتبيّن مصيري، وتارة أخرى كان يقلقني ويصعب عليّ مجرد التفكير في موتي وتصوّر مشهد جنازتي! أجل؛ كيف ستستقبل أمي جنازتي؟ وهل سيردّونها لأهلي ولو؟ فقد دأب العفالقة الغدّارون على عدم تسليم جنائز أكثر المعدومين إلى أهاليهم وذويهم، بل وكانوا يمنعون إقامة مراسيم المآتم والعزاء ومجالس الفاتحة على أرواحهم! ومن ثم أتراني أحظى بقبر تزوره أمي عصر كل يوم خميس؟!

   في أحد الأيام الأولى لإعتقالي،كان أحد أولاد العم رشيد، وهو طفل في حدود السنة الخامسة،قد هرع إلى بيتنا مخبراً أمي:

- أعدموا مهاباد وجلبوا جنازتها!

   فراحت أمي تعول وتنتحب وتلطم على رأسها وصدرها؛ ظانّـة صدق الخبر! ومن حسن الحظ سارع البعض إليها مكذباً الخبر،الذي جاء به الطفل من تلقاء ذاته!

   أمي إنسانة بسيطة طيّبة ونقيّة جداً. وهي أمّية مثل جميع النسوة في عمرها. ومع ذلك كانت تواقة دوماً إلى تعلم القراءة والكتابة، بل وسارعت بالإنخراط في صفوف محو الأمية،الذي بدأ آنذاك؛ بغية التعلم. وكانت مواظبة على الدوام ومثابرة جداً على تحضير وكتابة فروضها المدرسية بحماس منقطع النظير، كما لو أنها طفلة في بداية الصف الأول! وكنا بدورنا نهتم بشأنها ونساعدها في البيت؛ حتى تعلمت الأبجديّة، وراحت تقرأ الصحف بالتهجّي! وكنت كلما أراها وهي تقرأ بذلك العشق؛ أتذكّر طفولتي حين تعلمت الأبجديّة ورحت أقرأ الصحف بالتهجّي.

   لقد إلتحقت أمي بالمدرسة في طفولتها، لكنها تركتها منذ اليوم الأول، إذ كانت قد شخبطت بالقلم على حائط الصف؛ فأرهبها زملاؤها وزميلاتها:

- سيأتي المعلم الآن ويضع الفلفل اللاذع على لسانك ويغرزه بالإبر!

   فهرعت إلى البيت هلعاً، وخشيت العودة إلى المدرسة،التي تركتها. لطالما سردت أمي تلك الذكرى الأليمة المريرة...لكن الأمل بالتعلم ظل يراودها حتى وهي كبيرة السن، إلاّ أن إعتقال شقيقي صلاح وإعتقالي، ثم إعتقال والدي وتشتت بقية أهلي؛ قد حال مرة أخرى دون تحقيق أمنيتها القديمة، ومن ثم تركت مدرسة محو الأمية.

   لم تكن أمي وحدها هكذا، فقد كان والدها أيضاً عاشقاً للتعلم والقراءة. وقصة تعلمه طريفة. لقد كان جدي(والد أمي) ثقيل السمع بسبب مرض ما، وكان جدي(والد أبي) ملاّ عنده كتّاب لتعليم الصبيان،الذين كانوا يشرعون بقراءة القرآن الكريم بعد تعلم الأبجدية. ولقد قصده جدي(والد أمي)؛ ليتعلم على يديه، ولكون والدي في الثامنة عشر، وهي السن التي كان يتزوّج فيها أكثر الشبان الكرد آنذاك؛ فقد سأله جدي الملاّ:

- حسناً يا صوفي! هل تزوّج بنتك من إبني؛ إذا علّمتك القراءة والكتابة؟!

   فسرّ جدي كثيراً، لاسيما وأن جدي الملاّ كان يتمتّع بمكانة دينية وإجتماعية راقية فضلاً عن نفوذه ووضعه الإقتصادي الجيّدين...وهكذا تم الإتفاق بين جدّيَّ؛ فتزوّج من ثم أبي من أمي مقابل تعليم جدي للأبجدية!

   رغم أن أبي وأمي قد قرر غيرهما مصيرهما؛ فقد كانا منسجمين جداً ونادراً مايصطدمان أو يتشاجران...لعل حكمة السلام القائم بينهما كانت نابعة من طبع أمي الحليمة،التي لاأدري من أين كانت تأتي بكل هذا الحلم والهدوء؟!

   على أيّ حال، إنقضى أسبوع الإنتظار والقلق، فجاؤوا لأخذي، فودّعت أبي وصديقاتي وزميلاتي، ثم أركبوني سيارة صندوقية مربعة ومغلقة. كانوا يسفّرون وينقلون السجناء والسجينات بمثلها من مكان إلى آخر. إن المسافة بين بعقوبة وبغداد تستغرق زهاء الساعة بالسيارة، غير أن هذه الساعة تبدو عشر ساعات لمن يسافر بمثل هذه السيارة المغلقة وهو قلق ولايرى أيّ شيء!

   ثم توقفت السيارة. فتحوا الباب. أنزلوني، وكبّلوا يديّ بالجامعة (الكلبجة) وإقتادوني إلى داخل مبنى عال، ثم أدخلوني إلى غرفة بدت لي مكاناً لمدير تلك الدائرة، أو لرئيسها. كانت ثمة منضدة لامعة، يجلس وراءها رجل ضخم جداً، بدا لي بحجم أربعة رجال إعتياديين! كانت ثمة مقاعد طويلة وثيرة على جانبيه، حيث أجلسوني على أحدها. كان هناك رجلان آخران يتحدثان مع الرئيس، ويقهقهون جميعاً. لم يكلموني، بل ولم يلتفتوا إليّ؛ كما لو أنني لم أكن موجودة! كنت أسمعهم يتحدثون عن بعض المعتقلين، كيف عذّبوهم وأجبروهم على شرب بولهم وأكل خرائهم، وكيف كانوا يجلسونهم على البطالة(القناني الزجاجية)التي كانت تنغرس في طيازتهم(أدبارهم) وهم يبكون كالأطفال!

   وهكذا ظلوا يتحدثون متندرين عن شتى صنوف التعذيب وهم يتضاحكون ويقهقهون مرحين! وأنا مرتعبة، بل تكاد مرارتي أن تنفجر ذعراً! وأخيراً ألقى عليّ الرئيس نظرة، وراح يسألني عن إسمي وأسئلة أخرى روتينية تعوّدت عليها، كلما حللت في مكان جديد. كان ملفي بيده، يتمعّن فيه، ثم رفع رأسه ناظراً إليّ متسائلاً:

- لماذا أسنانك مكسورة؟ هل كسرناها نحن؟ أتدرين كم أنت دميمة؟! هل رأيت وجهك القبيح في المرآة؟!

   فانفجر الجميع مقهقهين قهقهات ثاقبة للقلب، محطمة للنفس! وإذا بقوّة باطنية خفيّة تحثني على مقاومتهم رغم وجع عباراته المهينة؛ فصمتّ ضابطة أعصابي؛ لكي لاأجهش بالبكاء فينتشون أكثر. مع ذلك ظلت عباراته المهينة الجارحة تلازم قلبي؛ حتى أجبتها بعد عشر سنين بقصيدتي (سيماء المرايا المغوّشة) أمّا وقتذاك ولاحقاً، فلم أستطع التحدث عن تعذيبي مباشرة؛ لكونهم قد هددوني تهديداً رهيباً بقطع لساني، ولاأظنهم كانوا مازحين! ورغم تهديدهم لم أبرح أصب عليهم جام غضبي وإحتقاري في أكثر قصائدي بالترميز والكناية وغير ذلك مما تتيحه طاقة اللغة الشعرية وفنونها. وقد قلت في قصيدة

 

(سيماء المرايا المغوّشة)

لست قبيحة

إنما المرايا تكذب؛

فهي المغوّشة!

منذ اليوم الذي حلقت الموسى شَعري

أحـالوا ضفائري حبلاً وشنقوا نحري.

كانت أحجار المسنّ تكوي جبل صدري

 وتبتر أغصن جسدي الغضّة

كانت الجمرات تحرق أناملي

كانت قبلاتي تتمرّد عليّ

وهم يمزّقون شــفتيّ!

وسرب غربان سود يحطّ على ركبتيّ

تنقر نخاع عظامي

فتدوّدت المرايا

منذ يومذاك

وفقدت حسن سيمائها

وألق عيونها،

إنما ظلت عيناي غيرهيّابتين،

تعقدان خنصريهما بالشمس متعاهدتين

بالسموّ والجمال،

فبات شَعري رفيق غابة كثيفة

لمنتصف ليل متجمّد،

لقد غرسوا الليل في كوّتيّ عينيّ!

فماذا دهاك يامقلتي المنهارة؟!

أجيبيني..أين أنت؛

لعلك تشهدين على جمال محيّاي؟!

لقد زرعوا النيران في غابة شَعري،

فأين أنت يا شعري المحروق الجذور؛

لعلك تخفي ماحفرت السكاكين

في رأسي من غضون

وتشهد على جمال رأسي المثقل بالآلام؟!

آه ..لو عاد بؤبؤاي المنهوبان،

لو عادت ضفيرتاي المجزوزتان؛

لتصدّعت المرايا خجلاً وعاراً!

إنّما الآن يحرق الشكّ قلوبها الصدئة!

آه..لو عاد بؤبؤاي

لو عادت ضفيرتاي؛

لبكت أوصال جسدي العجول جذلانة

ورقصت شلاّلات أغواري

وأنعشت الأنغام الحمراء

هوادج كون روحي الظمآنة!

فيا مقلتي!

لم أزل أرى بك الدنيا؛

فالمرايا تفتري

فهي المغوّشة!

أجل،لم يزل محجرا عينيّ يحتضنان

ويهدهدان شمسين في زيّ الحداد!

ولم يزل رأسي غابة أدغال وأشجار،

تشدو العنادل فيها،

لم يزل قلبي كوناً تنيره قناديل العشق

مسرحاً للعشّاق المحرومين من الشمس!

لم تزل أغواري طافحة بالأماني البيضاء

رغم إنغراز الملايين من رماح اليأس المسمومة فيها!

أجل،لست قبيحة!

فأناملي أحلى من الشموع،

تضيء قلب الدياجير!

وشفاهي أحلى من الأزاهير،

ترفرف شاديةً لفراشة الأمل التائه الزاهية الجناحين!

أيّتها الأنامل المتفتتة!

عودي إليّ

واجعلي الأقلام ندامايَ.

أيتها المحتضنة بسماتها

هلمّي إلى أسناني المصطكّة خفيرة المخاض؛

حتى تتصدّع المرايا خجلاّ وعاراً،

وتتدوّد،

وتسقط في هوّة الشكّ الأسود؛

فتترك الأشباح روحي!

   طالما راود ذلك المشهد ذهني؛ فانزعجت لألفاظهم المهينة؛ حتى قيّض لي في (2شباط1990) أن أنفض بالقصيدة السالفة بعض الغم عن نفسي، مع أني كنت في كل قصيدة من قصائدي أنفض بعض غمومي وشجوني تنفيساً عن ذكرياتي المريرة؛ فأشعر بعدها بالراحة النفسية.

   بعد ذلك الفاصل من الإستهزاء والإستهانة، ألبسوني عوينات قاتمة، وكبّلوا بالكلبجة يديّ، ثم إقتادني المأمور دون أن أعرف إلى أين؟ بدا لي الطريق حسب السير فيه شارعاً طبيعياً، لكنه كان خالياً من أية أصوات وزحام؛ فكان مثار عجبي! إذ كيف لاأتحسس الزحام ولاأسمع أي صوت في شارع ببغداد المعروفة بالهرج والمرج؟! عندها أدركت أنه ليس بشارع إعتيادي.

   عند الوصول إلى المكان المقصود؛ نزع المأمورالعوينات عن عينيّ، وحرر يديّ من الكلبجة، ثم فتح باب دار، وأدخلني فيها، فإذا بي أرى بضع نسوة مع طفل في السادسة وطفلة رضيعة! ثم تركني المأمور معهن ومضى، فتحلّقتني النسوة متسائلات، كل واحدة تطرح عليّ سؤالاً؛ ليعرفن:

من أنا؟ من أين جئت؟ ماالذي جنيته؟ منذ متى معتقلة؟ هل عندي أخبار عن الخارج؟ وماذا يدور هنالك؟

   كانت كافة هاتيك النسوة عربيات. إثنتان من البصرة، إحداهما مهندسة والثانية طبيبة، وشابة طالبة في قسم التاريخ بجامعة بغداد، وهي نجفية، وكانت أمّا الطفل والطفلة من بغداد. كنّ جميعاً شيعيّات ومعتقلات بتهمة الإنتماء إلى حزب الدعوة، ومابرحن يتحدّثن عن شتى صنوف التعذيب الهمجي على أيدي الجلاّدين البرابرة، وخاصة في بدايات إعتقالهن.

   كانت الطالبة الجامعية (يسرى) تروي كيف دأب الجلاّدون على إغتصابها بوحشية لامثيل لها؛ لذا كانت يائسة من ديمومة حياتها؛ مادامت المغتصبات يُعدمنَ، كما جرت العادة عند العفالقة! ولئن كانت تشعر بدنوّ أجلها؛ فقد دأبت على الحديث بكل مايسرّ الأخريات؛ فيضحكن، لكنها نادراً ماكانت تضحك!

   كان إسم الطفل(مهنّد) و(صدّام) أيضاً!! حيث كانت النسوة يسمّينه(صدّام) كلما دخل رجال الأمن الدار، أو جلبوا الطعام لنا، إذ كنّ ينادينه بغضب:

"تعال إلى هنا ياصدّام الضرّاط"

و

"صدّام إبن الكلب لاتفعل كذا.."

و

"إقعد عاقل ياصدّام السافل"!

ورغم إنزعاج أوباش الأمن، فقد كانوا عاجزين عن فعل شيء للحيلولة دون ذلك؛ مادامت أمه هي التي تخاطبه وتنهره هكذا! ومافتئن على هذه الشاكلة يصبـّن جام غضبهنّ وحنقهنّ وإحتقارهنّ على صدّام الكبير عبر صدّام الصغير! لكن ماإنْ كان رجال الأمن يغادرون؛ حتى يعود(صدّام)(مهنّداً) ويعاملنه بكل مودّة وإحترام! وهكذا فقد إستحال ذلك الطفل البريء المسكين قرباناً وسلاحاً ضعيفاً بأيدي أمه وهاتيك النسوة للمقاومة وسبّ الأعداء!

   كان إسم أم مهنّد(سعاد) وكانت طبيبة نسائية، وقد أُعتقل زوجها منذ ستة شهور، وحكموا عليه بالإعدام، وكان على وشك التنفيذ. أما هي فقد أُعتقلت مع مهنّد لاحقاً، ولم تُحاكم حتائذ.

   كان إسم الطفلة الرضيعة(نور) وقد قتلوا أباها، وكانت أمها قد أُعتقلت أثناء محاولتها الفرار إلى سوريا.

   هكذا إذن؛ كانت لكل واحدة منهنّ ملحمتها المأساوية. لم أبق معهنّ سوى ثلاثة أيام، شاعرة خلالها بالغربة بينهنّ، خصوصاً وأنهنّ كنّ يكبرنني سنّاً. لقد ظللت صامتة وكئيبة أغلب الوقت، رغم محاولاتهنّ للحوار معي. ولم أكن أدرك سبب صمتي وكآبتي، أهو قلقي بخصوص المحاكمة، أو الشعور بالإغتراب؛ لتفاقم غمّي؟

   كان هنالك حمّام في تلك الدار(السجن) ولئن لم يسبق أن أُتيحت الفرصة لي لأستحـم وأغتسل غسلة تامة مريحة؛ فقد تحمّـمت جيداً، لاسيما وقد دلكت إحدى البصريتين ظهري وغسلته جيداً. كانت تلك المرأة في عمر أمي، وكانت عطوفة وحنونة جداً، تغمرني طوال الوقت بمشاعر الأمومة الصادقة، وطالما كانت تشتّم البعثيين السفلة؛ لأنهم يعتقلون طفلة مثلي!

   وإذا بهم يأتون في صباح اليوم الرابع؛ ليقتادوني مرة أخرى إلى سيارة صندوقية إنطلقت بي إلى مكان آخر...!! 

 

 

 

 

 

 

 

 

ســجن الزّعفرانيّة

 

   حالما أنزلوني من السيّارة الصندوقيّة، ولمحت على المبنى قطعة(محكمة الثورة)؛ حتى إخترق الذعر قلبي وإجتاحتني القشعريرة. أدخلوني صالة كبيرة، لم يكن فيها أحد سواي؛ فتعجّبت من خلوّ محكمة كهذه إلى هذا الحد!

   ثمة كان شرطيّ واقفاً أمام الباب. دخل مأموري غرفة - بابها في داخل الصالة- وعاد بعد عشر دقائق وقال لي:

"يجب أن أعيدك؛ فقد أُجّلت محاكمتك"

 فسألته:

 "إلى متى؟"

فلم يجبني.ثم أعادني إلى السيارة الصندوقية وشغّلها وانطلق بها...وبعد فترة...أنزلني وأخذني إلى نفس الغرفة،التي إستهزأ فيها الرئيس بأسناني المكسورة. لكم كان مكروهاً وبغيضاً! لقد بدا لي أقبح مخلوق، بل حبّذت رؤية عزرائيل على رؤيته ثانية! لكنه لم يهنّي هذه المرة ولم يستهزيء بي، ولم يلتفت إليّ حتى! يبدو أن مشكلة ما قد أشغلتهم، ولم أعرف ماهي؛ فقد بدا الجميع غيرطبيعيين؛ كما لو حدث ما لايسرّهم، لكن ماهو؟! لست أدري!

   ثم أعادني مأموري الحامل ملفي بيده إلى السيارة الصندوقية، فسألته:

- والآن إلى أين تأخذونني؟

فأجابني:

- لاتستعجلي، حين تصلينه؛ ستعرفين!

   كانت الهواجس تنتاب قلبي، محدسة سوء العاقبة؛ كلما تكلّموا على هذه الشاكلة! لكنما لم يكن لي أيّ حل وحول إلاّ أن أنتظر إلى أين يمضي بي قدري. بعد أكثر من ساعة، أنزلوني أمام مبنى كبير مكتوب عليه (مديرية شرطة الزعفرانية) وإقتادني المأمور إلى غرفة مفوض شرطة، بدا لي المسؤول الأول هناك. ناوله ملفي، فأضاف إليه ورقة، ثم دوّن بعض المعلومات الروتينية عني: الإسم، اللقب، المهنة...وهي المعلومات،التي كانوا يسألونني عنها في كل مكان جديد، لكنما دوّنوا هنا معلومات أخرى أكثر خصوصية: لون البشرة: أسمر. لون الشعر: قهوائي. لون العين: أسود. العلامات الفارقة: شامة سوداء على الرقبة من الجهة اليسرى والأسنان الأمامية مكسورة. ومن ثم فهمت أن هذه المعلومات تعينهم في حالة هروب السجينة على ملاحقتها وإلقاء القبض عليها. أما المفوض نفسه، فقد كان أسود البشرة والعينين والشاربين، بل كانت شعرات رأسه القليلة سوداء. ثم أنه كان مخلوقاً غريب الأطوار؛ إذ فاجأني بصفعة قويّة دونما أيّ سبب! فكدت أنطرح على الأرض، لكنني تسمّرت في مكاني. كنت أعرف بأن الضرب والتعذيب ملازمان لمرحلة التحقيقات في دوائر الأمن، في حين حللت في هذا السجن كأمانة؛ ريثما تحين محاكمتي، وإذا بهذا السافل يصفعني هكذا، بل ويعلّق قائلاً:

- إنها هوايتي المحببة أن أصفع كل سجينة وسجين صفعة واحدة؛ للتلـذذ، وإلاّ فليس من حقّـي ضرب أحد!!

   لقد إٍجتاحني إستياء عارم، وفارت أعماقي، وأنا أحدّث نفسي:

"أيّ نمط من البشر هؤلاء؟! لماذا ينتهكون كرامة الإنسان ويستهينون به إلى هذا الحد؟! هل يمكن لمن يتـصف بحد أدنى من صفات الإنسان أن يستهين هكذا بكرامة إنسان آخر؟! حقاً إن الصفعة تؤلم، لكن ألمها لاشيء بالمقارنة مع ألمها المبرّح،الذي يلسع سويداءك؛ إذ تشعر أنك إنسان مذل مهان إفتقدت كل قيمة إنسانية!

   بعد صفعته وتعليقه، قال لي:

 "هيّا إتبعيني"

فمشينا عبر دهليز مسافة ما؛ حتى وصلنا باباً كبيراً من قضبان حديدية مشبّكة، ففتحه وأدخلني إلى قاووش النساء. كان القاووش كبيراً جداً، يضم زهاء ثلاثمائة إمرأة وصبية، من عمرالثانية عشرة حتى السبعين! فاجتاحني الذهول لمرأى هكذا حشد من النسوة؛ إذ لم أكن أتصوّر أبداً وجود سجن يضم كل هاتيك النسوة المختلفات! فمن هنّ؟ لماذا مسجونات؟ ومنذ متى...؟! لقد داهمني المزيد من هذه الأسئلة. ولأنني ظللت منصدمة وذاهلة ومتسمّرة؛ فقد نبّهني المفوض: "هيّا إذهبي..جدي مكاناً لك وافرشي فراشك"

   كانت عندي بطانيتان ووسادة طالما رافقتني محزومة من سجن إلى آخر. لم ألمح أيّ مكان شاغر؛ فقد كان القاووش مزدحماً جداً، بحيث لم ألمح ولو شبراً فارغاً أتخذه مكاناً لي! وعندها لمحتني فتاة، وأنا أبدو غريبة مصدومة ومبهوتة؛ فخمّنت كوني كردية؛ فنادتني: "تعالي..أعرف أنك تبحثين عن مكان..ما إسمك؟ "

فقلت:

 "مهاباد"

فسألتني بالكردية فوراً:

 "أنت كردية؟"

فإبتهجت أيّما إبتهاج؛ لمّا كلمتني إنسانة باللغة الكردية؛ فعانقتها مغتبطة، وأجهشنا بالبكاء. كان إسمها(بيمان) وهي من أهل الموصل. كانت تكبرني ببضع سنوات. لم تخبرني عن سبب سجنها، إلاّ بعد بضعة أيام؛ إذ قالت:

 "بتهمة تزوير هوية"

 زوّرها أخوها.على أيّ حال، لم يحسبوا قضيتها قضية سياسية. ولمّا علمت بأني سجينة سياسية؛ قدرتني، وكرّمتني كثيراً، بل وأفسحت لي مكاناً جنبها. ثم جلبوا إمرأة كردية أخرى إسمها(كبرى) بسبب مشكلة عائلية وشجار مع زوجها، وقد صعب عليّ أن أفهم قضيتها؛ إذ قالت:

"لقد إعتدى زوجي عليّ بالضرب وأهانني"

لكنني لم أفهم لماذا يجب أن تسجن وهي المظلومة؟!

  كان المفروض أن أبقى أسبوعاً هنالك، ثم يأخذونني إلى المحاكمة؛ فتبيّن لي فترتئذ أن لكل واحدة من هاتيك النسوة الثلاثمائة قصتها؛ إذ كنت أسمع في كل سويعة قصة جديدة من قصصهن في الحياة. كان لحياة كل واحدة منهن منبع عكر، وكانت كل واحدة منهن مبتلاة بيد رجل أو أكثر في العائلة. كانت هنالك فتاة في إحدى الزوايا، مضطجعة طوال الوقت، وتبدو شبه ميتة، فقالت بيمان:

"أنتما الإثنتان فقط سجينتان سياسيتان في هذا السجن، أمّا الباقيات فمتهمات بشتى الجرائم: السرقة، النصب، السّكُـر، العهر، والقتل"

 وساورني الخوف كثيراً؛ إذ قالت:

"ثمة مَنْ قتلت رجلين"!

وشوّفتني إمرأة إسمها(رحمة) وهي أقدم سجينة هناك، وقد صيّرت نفسها رئيسة للسجينات.كانت شرسة وقاسية؛ ترهبها الأخريات. كانت قد قتلت قصّاباً. كانت(رحمة) حسناء فاتنة، تشع كالشمس داخل ذلك السجن. كانت فارعة، ذات بشرة وردية اللون وشعر أشقر وعينين زرقاوين. أمّا قصتها فقد إبتدأت ذات صباح باكر، حينما ذهبت إلى تسوّق الخضار واللحم؛ لأعداد الغداء لزوجها وطفليها ولها. وبعد شراء الخضار، قصدت دكان قصاب، فقال لها:

"تفضّلي أنظري هذه اللحوم في الداخل فهي الأحسن؛ لتختاري ما يعجبك"

وحالما دخلت؛ إنقض القصاب عليها، ليعانقها ويقبّـلها ويضاجعها عنوة. وعندها حاولت(رحمة) إنتزاع نفسها من قبضتيه والنجاة منه بلاجدوى، وإذا بها تلمس سكين القصاب المعلقة بخاصرته؛ فإستلتّها فوراً وطعنت بطنه؛ فخر صريعاً على الأرض في الحال، فمات، فعلم الناس بأمرها؛ ثم قبض البوليس عليها، ومن ثم حكمت عليها المحكمة بالسجن المؤبد. كانت منذ أربع سنوات في ذلك السجن. لقد إرتكبت(رحمة) جنايتها؛ دفاعاً عن شرفها طبعاً، ولقد ثبّتوا ذلك في التحقيقات حسب الأدلّة القاطعة، لكنهم رغم ذلك حكموا عليها بذلك الحبس المديد جداً!

  كما هو معلوم، في المجتمع العربي يقتل الرجل زوجته؛ إذا أزنت، أيّ لو كانت (رحمة) ترتضي مضاجعة القصاب؛ لكان زوجها سيقتلها، إنْ علم بذلك. لكنما بالعكس من ذلك، لايُعاقب الزوج؛ إذا ما مارس الزنى. وفي حالة (رحمة) كان القصاب قد حاول إغتصابها عنوة، فرفضت، بل وقتلته دفاعاً عن شرف زوجها، إلاّ أن زوجها بدلاً عن التضامن معها وتخفيف عبئها، كان قد تخلّى عنها بعد أشهر معدودات وبعد زيارتها بضع مرات مع طفليها! وبعدها كان قد صارحها:

"يجب أن أطلّقك وأتزوّج من أخرى، ولن أجلب حتى الطفلين لزيارتك بعد الآن"!

ولذا فقد تزندقت (رحمة) ولم تبق عندها شعيرة ثقة بأيّ رجل؛ وكانت تقول:

-         ليتني مارست الزنى ولم أقتل. يا لعديم الشرف! لقد قتلت القصاب دفاعاً عن شرفه، وإذا به يتخلى عني ويتزوّج من أخرى!!

   لكم كانت رحمة إمرأة مهيبة مرهوبة الجانب، تخشاها السجينات كافة! ومع ذلك كانت نزيهة ذات وجدان حيّ ورحيمة بالقدر نفسه. أجل؛ كان إسمها على المسمّاة. بل كنت مستغربة من أن تتهم مثل هذه المرأة الشفوقة بقتل إنسان! لقد كانت رحمة عادلة جداً، بل إستحالت (قاضية) ذلك السجن، تقصدها كل مغدورة؛ فكانت تستدعي المعتدية، ثم تعقد محكمتها الخاصة، ومن ثم تعاقب الجانية بتنظيف مراحيض السجن.

   كنت لما أزل في اليوم الأول هناك، وشئنا الإفتراش والنوم متراصفات جنباً إلى جنب أنا و(بيمان) و(كبرى) فحذرتني بيمان:

"إحذري..خبّئي نقودك وأشياءك الثمينة جيداً؛ فهنا توجد حراميات يسرقن.."

كان معي أربعون ديناراً في محفظة صغيرة، فوضعتها تحت رأسي، وكانت عندي ساعة يدوية وخاتم ذهبي في إصبعي. وبعد حواراتنا وسرد حكايات هاتيك النسوة ليلتئذ، غفونا ونمنا. ولما إستيقظت صباحاً وأردت أن أعرف الوقت، لم أجد ساعتي في يدي؛ فأيقظت بيمان فوراً وأخبرتها بسرقة ساعتي. ورحنا نبحث ونفتش أفرشتنا وما حواليها؛ لعلها وقعت من يدي قبيل النوم، بينما كنت متأكدة من وجودها في يدي قبيل النوم؛ فقد نظرت إليها لأعرف الوقت. ومن ثم قالت بيمان:

"لنذهب إلى رحمة؛ لعلّها تجدها لنا"

فقصدناها وأخبرناها أن ساعتي قد أُنتزعت وسرقت ليلاً وأنا نائمة. عندها نهضت رحمة وألقت نظرة إلى القاووش، فشخّـصت ثلاث فتيات من بين الثلاثمائة إمرأة، واستدعتهن بأسمائهن،التي لاأتذكرها الآن، فقد نادت كل واحدة باسمها؛ فجئـن خائفات مرتعبات، وقلن بصوت خافت:

- ماذا سُرق هذه المرة؛ لتستدعينا؟!

   فقالت رحمة زاجرة:

- لدى أيّة واحدة منكن ساعة هذه البنت؟ أرجعنها إليها فوراً"

فحلفن أنهن لم يسرقنها، وأخذن يبكين، فقالت رحمة:

- هيّا إنزعن ملابسكن...

   فخلعن ملابسهن، ماعدا الداخلية، فأمرتهن بخلعها أيضاً، فخلعنها، ولكن لم تظهر الساعة عندهن؛ فغضبت رحمة وهددتهن:

- أقول أعدن ساعتها إليها بسرعة، وإلاّ سأنتف شعور رؤوسكنّ!

   فقالت إحداهن في الحال:

- والله لم أسرقها أنا، لكنني رأيت ساعة على حائط التواليت، ربما تكون هي نفسها، وقد سرقتها إحداهن ووضعتها هناك.

   قالت رحمة:

- هيّا إذهبي واجلبيها.

   فذهبت وجلبتها. كانت ساعتي نفسها، فأخذتها رحمة منها وسلّـمتها لي، ثم صفعت البنت بكل ما لديها من قوة!

  في مساء اليوم الثاني، قلت لبيمان:

"لنذهب إلى الفتاة السياسية. أحب أن أعرف من أين هي؟ ولماذا سجنت؟

فقالت بيمان:

"قد يسبب الكلام معها مشكلة لنا؛ فهي عضوة في الحزب الشيوعي العراقي"

فقلت:

"سنبقى معها مدة قصيرة؛ لأنني ألمحها على بعد، تبدو في وضع مزر جداً"

  كان إسمها(إفتخار) ذهبنا إليها، وسرّت كثيراً؛ لما علمت أنني كردية ومسجونة بتهمة سياسية. كانت إفتخار عربية ومن أهل بغداد. وقد أعتقلت وهي طالبة في المرحلة الأخيرة في كلية الآداب بجامعة بغداد. ولقد تحدثت لنا عن حبها الجم للكرد، بل وعن علاقة حب بينها وبين شاب كردي. لقد كانت آثار التعذيب بادية على جسمها، حيث شوّفتنا بقعاً عديدة من جسمها محروقة بالمكواة.كانت معذبة بهمجية مريعة؛ بحيث كانت تتحرك بصعوبة بالغة حتى بعد أربعة شهور من تعذيبها، لكن ألمها الأقسى من أوجاع التعذيب الجسدي كان نفسياً وروحياً؛ بسبب إغتصابها عنوة مراراً. لقد كان العفالقة الأراذل يغتصبون النسوة والبنات اللواتي يحكمون عليهن بالإعدام. ولقد روت إفتخار بألم ما بعده ألم كيف إغتصبها الجلاوزة بوحشية لامثيل لها! وعلى حد إطلاعي كان البعثيون العديميّ الشرف قد إغتصبوا شابة أخرى شيعية من النجف، وكانت أيضاً محكومة بالإعدام، وقد إلتقيتها في سجن مديرية الأمن العامة ببغداد.

   لمّا إطلعت على آلام وصنوف تعذيب(إفتخار) قلت لنفسي:

"كم أنا محظوظة بالمقارنة مع هذه التعيسة؛ إذ لم يعذبوني بقدر تعذيبها، بل ولم يغتصبوني"

ومع ذلك إجتاح الهلع قلبي،وأنا أقول لنفسي:

"مازلت سجينة، ومَنْ يقول أنهم لايفعلون بي الشيء نفسه؟ أجل،مَنْ يقول أنهم سوف لن يحكموا عليّ بالإعدام، ثم يغتصبونني؟!

  وهكذا أصابني قلق نفسي شديد؛ فكانت الكوابيس تجثم على صدري أثناء النوم وأنا أراهم يعذبونني بكل عنف وقسوة؛ فكنت أفزّ من النوم صارخة، وإذا بالبثور تنتشر حواليّ فمي، وكنت ألعب بتلك البثور لاشعورياً؛ فكان الدم ينزف منها وتتكاثر يومياً. وهكذا إبتليت بشبح صنوف التعذيب، ناهيكم عن إفتراقي منذ فترة عن أخبار أهلي وأقاربي،الذين ماإنفكّوا يبحثون عني ولا يجدونني.

   وفي يوم المواجهة وكان يوم الجمعة، جاء والد بيمان لزيارتها. وكان يرتدي زيّاً كردّياً جميلاً هو الزيّ الباديناني المخطط. كانت بيمان تقول أنهم من قبيلة (كَوران) لقد منحتني زيارة والد بيمان شيئاً من الطمأنينة، وقد أخبرها والدها أنهم سيطلقون سراحها بكفالة في غضون بضعة أيام.

   وفي وقت متأخر من نهار يوم الجمعة ذاك، نادوا باسمي؛ فخرجت، وإذا بي أرى بنت عمي وبنت خالتي قد جاءتا لزيارتي،وأخبرتاني أن ذويّ قد ذهبوا بضع مرات حتى إلى محكمة الثورة للسؤال عني دون أن يظفروا بأيّ جواب! كان بيت عمي وبيت خالتي في بغداد، أما الزعفرانية فتقع خارج المدينة. وقالتا لي أن عمي أيضاً في طريقه لزيارتي. ثم حدثتني بنت عمي عن أبيها كمْ كان قلقاً عليَّ ومهتماً بقضيتي! وكيف أن حزنه كان يتضاعف بعد كل محاولة فاشلة لإنقاذي! ياله من عم رائع عظيم! لكم كان يحبّني! وكم كنت أحبّه!

   مثل أيّة عائلة في المجتمع الكردي، كان أبي وعمي، يحددان على هواهما كل بنت لكل ولد. والكرد يقولون: "إبنة العم مفروضة لأبن العم" بل لم يقصّر حتى الغناء الفولكلوري في هذا المجال،لاسيما أغنية (يا بنت عمي العزيزة):

     "يا بنـت عمّـي أنت فـارعـة!

     يا بنت عمّـي أنتِ مفروضة لي"

   ووفقاً لذلك التقسيم الشفوي والإرتجالي، كان المفروض أن نتوزّع نحن الشقيقات الثلاث: ليلى لمحمد، أنا لفرهاد، ونوروز لسيروان. أمّا ماجدة بنت عمي فلأخي الأكبر قيس. وكنت في طفولتي أستاء جداً؛ كلما أسمع بذلك. والطريف في الأمر أن علاقتي كانت ودية جداً مع جميع أبناء عمي ماعدا فرهاد،الذي كنت أخجل منه؛ فمن فرط ماكانوا يرددون "مهاباد لفرهاد" أصابتني حسّاسية إزاءه، ولم أكن أحبذ رؤيته!

  وبينما رحنا نكبر الهوينى، وعمي يرى كم كنت متفوقة دراسياً وموهوبة في عدة مجالات، في حين كان فرهاد لايحبذ الدراسة ولايبالي بأيّة موهبة؛ كان عمي يقول:

"يا حيف أن تكون مهاباد لفرهاد؛ ينبغي أن تتزوّّج مهاباد من شخص شاطر مثلها"

كانت عبارته هذه تروق لي؛ إذ كانت من جهة بمثابة تشجيع لي؛ كي أجتهد أكثر، ومن جهة أخرى كانت تعني ماكان يجب أن يمنحوا الحق لأنفسهم حتى على سبيل المزاح لطرح ذلك التقسيم وتحديد كل بنت لأحد أولاد العائلة.علماً بأنني أحب أبناء عمي جميعهم حباً جماً، وعلاقة أسرتنا بأسرة عمي وطيدة ورائعة. ومع ذلك فأنا سعيدة إذ لم ينفـذوا التقسيم السالف؛ فقد قررت كل واحدة منا مصيرها بنفسها، ولم يعق ذلك أحد من أفراد العائلة.

   لقد كان هذا العرف شائعاً في المجتمع الكردي عموماً، حين كنت طفلة؛ فقد كان الآباء جادين أو مازحين، يوزّعون على هواهم البنات على الأولاد!

  لأعد إلى الجحيم، إلى الحديث عن سجن الزعفرانية العجيب،الذي كان يضم كل أنماط النسوة. فذات مساء بدا الإحساس بوضع غيرإعتيادي من خلال كلام وهمهمات الشرطة والمفوض والحراس؛ فإذا بهم يأخذوننا نحن السجينات جميعاً إلى فناء السجن، حيث نصبوا جهاز تلفزيون كبير،وقالوا:

- سيعرض شيء مهم؛فيجب عليكن الإطلاع عليه.

   وإذا بهم لأكثر من ساعة،يعرضون الأناشيد المتغنية بعظمة صدام حسين، وصوراً لسيوف قادة الإسلام: القعقاع وخالد إبن الوليد، ثم تعقبها مارشات الحرب، ومن ثم أخذ مذيع يلقي بصوت جهير وحماسي وغاضب، يلقي البلاغ الأول للحرب بين العراق وإيران. وهو ماحدث في(22أيلول1980)

 

 

عشــق أبديّ

 

    بقيت سجينة حتى نهاية(1981) بينما أفرجوا عن الشابتين الكرديتين،اللتين كان قلبي مسروراً جداً بوجودهما؛ فعلى الأقل كانت معي زميلتان من بنات قومي ومن لغتي، حيث كنا نتحدث معاً باللغة الكردية ونتمازح ونضحك...لم نبق معاً غير عشرة أيام، وبعدها أفرجوا عنهما. كان يحدث يومياً أن يطلقوا سراح العشرات من السجن، وأن يزجّوا عشرات أخرى فيه! لكنما المحكومات بالجنايات الثقيلة كالقتل والسياسة كنّ يبقين. بعد إطلاق سراح الكرديتين، لم أصادق ولم تصادقني أيّة واحدة؛ فقد كانت طبائع واهتمامات هاتيك السجينات ورغباتهن وشخصياتهن بعيدة كل البعد عني. ومع ذلك كانت هنالك سجينة واحدة إسمها(إفتخار) كنت أزورها إليها أحياناً، وأتحدث معها. ولكونها قد تعرضت كثيراً لتعذيب بشع جسدياً ونفسياً؛ فقد كانت دائماً واهنة جسمياً وكئيبة ذاوية نفسياً. ولأنها كانت محكومة بالإعدام؛ فقد كانت أشد إضطراباً مني، بحيث كنت أيضاً أضطرب ويجتاح الخوف قلبي عند مرآها؛ إذ كنت أتوقّع الحكم عليّ بالموت مثلها!

   حلـّت سنة(1981) والحرب العراقية-الإيرانية محتدمة الأوار؛ فإذا بصدّام يصدر عفواً عاماً عن السجناء؛ لجذب الأنظار إليه وكسب التأييد له. وهو العفو المعروف بـ(إفراج الشرطة) الذي لم يشمل غيرالمحكومين والمحكومات بجرائم السرقة والتزوير والنصب وماشابهها، أي أنه لم يشمل السياسيين والسياسيات. ثم غيّروا أماكننا؛ إذ أعادوني إلى سجن مديرية الأمن العامة. ولما وصلت إلى المكان السابق وجدت بعض النسوة قد غادرنه، وحلت محلهنّ أخريات. كان أكثرهنّ شيعيّات ومتهمات بالإنتماء إلى حزب الدعوة، ومنهنّ إمرأة طبيبة إسمها(سعاد) معروفة بـ (أم نور) ترتدي ملابس الحداد السوداء؛ إثر إخبارها بإعدام زوجها. كانت الطفلة الصغيرة(نور) تكبر في غياهب الزنازين دونما شمس وحرية! لقد كانت تلك اليتيمة التعيسة تبث البهجة والألق في قلوبنا المكلومة ووجوهنا الذاوية بعينيها المتألقتين وكركراتها وهي تضحك ببراءة. لست أعرف الآن كم بقي من هاتيك النسوة اللواتي إلتقيتهنّ في تلك السجون؟ وكم منهنّ قضين أعمارهنّ فيها؟ وكم منهنّ وجدوا رفاتهنّ في المقابر الجماعية المكتشفة بعد إنهيار النظام الفاشي البربري؟!

   في المرة السابقة، لما حللت في هذا السجن، كانت النسوة رغم أتراحهن وآلامهن وسرد شجونهن يتحدثن أحياناً أحاديث حلوة، لكن هذه المرة كان جو السجن ملبّداً بالكمد والحزن والألم؛ إثر ورود خبر إعدام زوج الدكتورة سعاد.

   كانت سنة(1981) سنة حرب...وقد جلبوا جهاز تلفزيون إلى قاووشنا. ماانفك يزعق ليلاً ونهاراً بأناشيد وأهازيج الحرب، ويعرض مشاهد من جبهات المعارك، وهي صور للقتلى المبعثرين هنا وهناك؛ مما كان يضاعف ضيق وحزن قلوبنا الجريحة. كما كانت الأخبار دائما هي أخبار إنتصارات هؤلاء وإندحارات الإيرانيين في تلك المعارك! فلم نكن نعرف أين تكمن الحقائق؛ فكل ما كنا نسمعه ونشاهده هو أكاذيب وتبجّح هؤلاء بالإنتصارات الساحقة؛ مما كان يخيّب أملنا ويصيبنا باليأس؛ فنقول: أن نظامهم لن يسقط! هوذا النظام الدكتاتوري لايسقط؛ حتى في حربه ضد بلد كبير كإيران!!

   لقد قضيت الشهر الأول من تلك السنة هناك. كانت زيارة الأهل والأقارب لنا محظورة؛ فانقطعت مرة أخرى عن أخبار أهلي، بينما كانوا أيضاً يبحثون عني هنا وهناك. لم يكن ذلك المكان(حيث تقع مديرية الأمن العامة) محظوراً على زيارة أهالي السجناء والسجينات فحسب، بل كان حتى مرور أيّ مواطن في أزقته وشوارعه محظوراً!

   كانت رهبة المكان تتفاقم في الأمسيات؛ إذ كان السكون المريع يطغى عليه، ولانسمع سوى صرخات السجناء تحت التعذيب؛ والتي كانت تنكّيء جراحنا.

   وهكذا إنضافت سنة إلى عمري؛ إذ مرّ عيد ميلادي وأنا سجينة؛ فعيد ميلادي(22/كانون الثاني1966) يصادف(2/ريبندان) ذكرى تأسيس جمهورية مهاباد. لم يكن الإحتفال بعيد الميلاد شائعاً في كردستان آنذاك. لربما كانت العوائل الأرستقراطية فقط تحتفل بأعياد ميلاد أبنائها، لكن رغم عدم الإحتفال بعيد ميلادي، كنت أشعر بأهمية ذلك اليوم التاريخي وقيمته في أوساط أمّـتي؛ فكنت سعيدة لميلادي يومئذ، بل وأسعد بتسميتي(مهاباد)! يالها من مصادفات عجيبة في الحياة! فقد ولدت إحدى شقيقاتي في يوم(نوروز) أي في رأس السنة الكردية والعيد القومي للكرد؛ فسمّيت بـ(نوروز). كما ولد أحد أشقائي في الحادي عشر من آذار(1970) إذ إعترفت فيه الدولة العراقية الكولونيالية لأول مرة بحقوق الشعب الكردي، وأُعلن بيان الحكم الذاتي لكردستان؛ ففرح الكرد يومئذ كثيراً؛ وعليه فقد سمّي شقيقي بـ(دلشاد/ فرحان، مسرور)!

   في عيد ميلادي الخامس عشر، كنت قابعة متكوّرة في زاوية زنزانة، جاهلة بمآل مصيري، وبما ينتظرني من أحداث. لم أكن أعرف كم عيد ميلاد آخر لي سيحترق في دياجيرالزنازين! أجل؛ فقد كان كل شيء مجهولاً...كان ثمة إنتظار يتخذ شكل فراغ هائل في أعماقي، فاتحاً ثغرة في روحي...لم أكن أعرف هل هو إنتظار أهلي وأقربائي وأحبتي، أم هو العثور على وطني؟! أجل؛ كان ثمة شيء في أعماقي، بل في كياني كله يحتل مكاناً رحيباً جداً، كنت أخاله بقدر وجودي كله. إنه حبيب عجزت عن تعريفه. عشق يتدفق من ينبوع أزليّ. إنه عشق وطني، عشق كردستان. لقد كان موعدي مع هذا الحب يغرس بين جوانحي إنتظاراً ملؤه الأمل؛ ولذا كنت أقول:

"ليس المهم كم سأظل في السجن، بل المهم ألاّ أموت هنا، وإنما ليتوقف قلبي عن الخفقان في وطني؛ فيحتضن ثراه جسمي"

ولم أبرح أفكر في أولئك الكرد المقتولين والمعدومين في سجون بغداد وبعقوبة والموصل وغيرها، أولئك الذين لم تكن جنائزهم تُسلّم لذويهم، إنما كانت تُدفن في أرض الغربة؛ فأيّة حسرات قد تزاحمت في قلوبهم! كم كانوا عشاقاً! حقّاً إن أولئك الذين كانوا يواجهون الموت بكل بسالة؛ من أجل أرضنا المقدّسة؛ هم وحدهم الذين يستحقّون نعت(العشّاق) وليس سواهم. لقد أدرك معظمنا فعلاً أن مثل تلك الحالات،التي نعيشها هي لحظات العشق الحقيقيّ؛ فهاهو(هيمن) الشاعر يحيا مع ذيّاك العشق حتى في شيخوخته؛ فانظروا واسمعوا مايقوله:

   "لست عاشقاً للعيون الشهل والعنق الملأى بالخيـلان؛

    فأنا عاشــق للجـبل والتـل والربـوة والحـجر"

   لماذا يجب علينا ألاّنكون كرداً؟! أو لماذا وجب علينا ألاّنحب وطننا؛ إن كنا كرداً؟! ثم لماذا كان علينا أن نسجن بجريرة عشق أرضنا، بل ونُقتَل وتُنتَهَك كرامتنا؟! لكم سعوا لإرغامنا على نسيان عشقنا! لكنهم خابوا وانخذلوا! فقد كانت هنالك من قبلنا قوافل عشّاق آخرين يحدون مسيرتنا ويعلّموننا أغانيهم الرائعة، ولقد علّمنا نفس الشاعر الثمل النشوان بذاك العشق:

   " لن أهاب الأغـلال والحـبال والمشـــانق والحجر؛   

    فحتّى لو مزّقتموني، قتلتموني، سأظل أهتف: كرديّ أنا"

   لقد نوّر هذا العشق العظيم فحسب، قلوبنا في دياجير ليالي الزنازين، ونحن نوقد دوماً في قلوبنا قناديل للمستقبل. لقد كان بيشمركَتنا ينهلون من النبع الخالد العذب الدفـاق لهذا العشق؛ فاستطاعوا أن يطردوا الحر والقرّ والظمأ والجوع والتعب من قاموسهم، ولم يستسلموا للعجز والإستكانة...

   هكذا إذنْ فاتت سنة وجاءت سنة، والحياة متوقّـفة؛ مادام مجرّد كون المرء كردياً في حدّ ذاته جرماً، وماانفكّوا يزجّوننا في السجون بجريرة كوننا كرداً!!!

 

 

 

 

 

 

 

محكمةالجحيم

 

   لم أنم ليلتئذ ولو ثانية واحدة؛ إذ كان ينتظرني غد عجيب وغريب! يا ترى أيّة محاكمة سأُحاكم؟ أيّ عقاب ساُعاقب، ولأيّة جريمة؟ من هم أولئك الذين يفصلون مابين الحقّ والباطل، ويحكمون بالعقاب والثواب؟

  لقد باتت ليلتي تلك خوفاً من الغد ليلة يلدا(أطول ليلة شتوية/المترجم) لم تكن تنجلي! أما السجينات الأخريات فرغم القلق الذي كان يومض من وجوههنّ، والغم العميق الذي يغضّن جباههن حتى أثناء النوم، كنّ مستغرقات في النوم ماعداي؛ حيث كان بين أضلعي قلب يخفق على إيقاع الخوف، وكنت أسمع دويّه اللاإعتيادي. لم أدر كيف إنقضت تلك الليلة الليلاء، وحلّ الصباح!

  جلبوا الفطور: جبن مثلّثات، شاي في زجاجة معجون طماطة وصمّونة يابسة بلا مذاق، مثلما في كلّ صباح آخر، لكنني لم أتناول أيّ شيء. كانت النسوة الأخريات ينظرن إليّ وهن يدركن مدى قلقي؛ فمابرحن يطيّبن خاطري، يواسينّني، يسلّينني ويشجّعنني قائلات:

- لكونك في الخامسة عشر، صغيرة العمر؛ سوف لن يحكموا عليك حكماً ثقيلاً؛ فاطمئني لاتخافي.

  لكنما رغم مايقلنه كنّ يعرفن جيداً، بأنا كنّا في قبضة نظام همجي لايكترث بتاتاً بالسنين والأعمار والزمن، بل يفعل كل شيء على هواه مثل هتلر ونظامه النازي البربري! وإذا بهم بعد فترة وجيزة ينادون باسمي،فتقدمت، فقالوا:

- إستعدّي..سنأخذك إلى (محكمة الثورة)

  كان إسم المحكمة في حدّ ذاته رهيباً؛ فقد كانت أعلى محكمة في البلاد تصدر الأحكام على الموقوفين والموقوفات بالتهم السياسية، ويخلو قاموسها من لفظة"براءة"! لذا كان الفزع يخضّ سامع وسامعة اسمها!

  ثم أركبوني كالعادة في سيّارة صندوقيّة مغلقة،كان فيها سجين مكبّل اليدين بجامعة(كلبجة) ومأمور يرافقنا، فارضاً علينا السكوت طبعاً! وإذ تمعّنت في وجه السجين؛ بدت لي سيماؤه غير غريبة عليّ، كما لو أنني كنت قد رأيته من قبل، ولكن أين؟ هنا خانتني الذاكرة! وبدا أيضاً من خلال نظراته الحميمة بأني لست غريبة عليه، بل يعرفني. وهكذا ظللنا نتبادل نظرات التعاطف دونما نأمة واحدة! بقيت السيارة تسير قرابة الساعة، ونحن صامتان والمأمور الصامت ينظر إلينا طوال الوقت.

   ثم توقّفت السيارة. نزل المأمور. وبينما كنّا مانزال داخلها لبضع ثوان؛ قيّض للسجين أن يسألني:

- ألست مهاباد؟!

- بلى

   لم يسعني سوى النطق بهذه اللفظة؛ حيث سارع المأمور بإنزالنا وإقتيادنا إلى صالة الإنتظار داخل المحكمة.كان ثمة عدد من الكراسي الخشبية المواجهة لبعضها البعض وقوائمها ملتصقة بالأرضية.كانت الصالة تخلو مما عدانا أنا ورفيقي السجين! كانت ثمة بضعة أبواب تفضي إلى غرف المحكمة. كان هنالك شرطي يقف أمام أحدها. بقينا هناك ربع ساعة دون أن يكلّمنا أحد، ودون السماح لنا بالكلام! رغم ذلك قيّض لي أن أختلس فرصة ما فأسأل زميلي السجين: من أين؟ لماذا؟ ومنذ متى؟ فتبيّن لي أنه أيضاً من أهالي كفري، وهو معتقل منذ سنة، دون أن يعرف أهله وذووه  أي ّ شيء عن مكانه ومصيره؛ وربّما قد أقاموا له مأتماً ومجلس فاتحة! (وقضيته مرتبطة بتظاهرة الطلبة في كفري من أجل فلسطين،كما تحدّثت من قبل...)

  رحت فترتئذٍ أتمعّن وأتأمّل بدقّة في كل صغيرة وكبيرة في تلك الصالة، فمثلاً إستلفتت نظري صورة لميزان متعادل الكفتين على واجهة الغرفة،التي يقف الشرطي أمام بابها. لقد شاهدت نظيرة لها أكبر حجماً على الواجهة الخارجية للمحكمة. كان ذلك الميزان رمزاً للعدل والمساواة طبعاً! لكنّما لابدّ للمرء من أن يتساءل مستغرباً:

- يا ترى أين العدالة؛ إذ يعتقلون صبيّة بجريرة بضعة أبيات من الشعر وبضعة أسطر يوميّات، كما لو أنها قد إقترفت أكبر الكبائر، ولايتوانون عن تعذيبها ماشاء لهم التعذيب، ثم يقدّمونها إلى مثل هذه المحكمة الرهيبة؟! أيّ عدل في أقبية التعذيب الوحشي؛ حيث يمتهنون كرامة الإنسان وقيمته؛ حتى يضيق ذرعاً بوجوده في الحياة؛ فيتمنّى الموت؟! ثم أيّ عدل وعدالة؛ بينما ينهال الجلاوزة الأراذل بالكيبلات والهراوات والركلات والسكَائر المتأجّجة على جسم الإنسان، كما لو أنّه أتفه شيء،ناهيكم عن الصعقات الكهربائية، وسحب الدماء منه وتكسير أسنانه ويديه وساقيه وأضلاعه وجمجمته، بل وإغتصابه جنسياً؟! ومن ثم أيّ شيء مقدّس ذاك الذي يستحق أن يعذبوا ويعاقبوا الإنسان من أجله بكل هذه الهمجية والخسّة؟! أهذا بلد، أم غابة وحوش ضارية؟! لماذا وجب علينا أن نبتلي دائماً في هذه الغابة المرعبة بفخاخ العقاب وشباكه؟! آه..أين كردستان الماثلة خارطتها في رؤوسنا جميعاً ومتى سنصبح أصحابهاالحقيقيين؟!

   لقد أثارت رؤية ذلك الميزان تداعيات وتأمّلات عميقة في ذهني؛ فأصبحت بمثابة المنطلق لتفكيري في قضيّة العدالة، بل والنضال من أجلها. أجل؛ فقد وجب ألاّ تتعادل كفّتا ميزان العدالة في الصور فقط! وإنّما على أرض الواقع وأن تطبّق العدالة في الحياة نفسها.

   حين زجّوني في المعتقلات، كنت يافعة ساذجة وعاطفيّة مرهفة الحس. وقد حثّتني صبوة ومحبة نقيّتان على كتابة الشعر، غير أنّي لم أعد تلك المراهقة الغريرة بعد سنة جهنّمية؛ بل تعلّمت التمعّن الحاد الدقيق والتفكير العميق. أجل؛ تعلمت كيف أحيا وأفكّر وأتعايش؛ وذلك من حالات وحدتي الرهيبة وعزلتي الموحشة، وحالات القلق المزلزل، والأوجاع والآلام المبرّحة، ومن صديقاتي وزميلاتي المعتقلات والسجينات.  لقد تعلمت التأمل من الصدمات القاسية المذهلة،لكنني أصبت أيضاً بحالات القلق والغضب؛ من ولولاتي وإنتحاباتي ونشيجي أثناء تعذيبي جسدياً ونفسياً.

    وإذا بصوت عال وحاد يفزّزني من شرودي في تداعياتي الذهنية وتأمّلاتي:

- محكمة!

  إذ نادى الشرطيّ الواقف أمام باب قاعة المحكمة بكل مالديه من قوّة.

 بعد ذلك النداء المفاجيء، تقاطر بضعة أشخاص داخلين إلى قاعة المحكمة، وكل منهم متسربل بعباءة سوداء، وحجمه بقدر رجلين إعتياديين! بينما كنت أبحلق فيهم منذهلة مشدوهة، ويبدو كل شيء لي عجيباً غريباً وطريفاً جدّاً، بل خامرني الشعور أن ثمة مايدغدغني في داخلي! لست أدري؛ إن كنت مسرورة أم لا؟ إنّما شعرت بالضحك يكاد أن ينتابني. لم يسبق لي طوال عمري أن شعرت ذات مرة بالعجب العجاب مثلما شعرت في تلك اللحظات الفريدة!

   بينما كنت ماأزال سادرة شاردة الذهن وغارقة في تلك المشاهد والتداعيات الصادمة والمذهلة، إذا بصوت عال غريب ينادي باسمي، إلاّ أنني لم أحرّك ساكناً، بل ماكنت أعي كنه ورود إسمي والقصد منه أن أمتثل أمام القضاة داخل قاعة المحكمة؛ لولا مجيء أحدهم؛ ليأخذني ممسكاً بيدي!

   لما إجتزنا الشرطي الواقف أمام الباب، دخلنا غرفة كبيرة مربعة الشكل. كان قفص الإتهام على جهتها اليسرى، فأوقفني فيه. كان القفص مصنوعاً من خشب جميل أظنه من الجوز أو الصاج، وإرتفاعه حتى منتصف قامتي. ثم أمروني بالجلوس على كرسيّ موجود في وسطه، غير أني لم أجلس إلاّ بعد التمعّن بكل ما حواليّ في قاعة المحكمة!

  كانت ثمة طاولة مستطيلة وعالية أمامي، يجلس وراءها ثلاثة رجال بمثابة قضاة. كانوا سماناً قصار الرقاب كالخنازير، وقد ضاعفت عباءاتهم الفضفاضة ضخامة أحجامهم المنفوشة! كانوا منكبّين على الأوراق الموجودة أمامهم، وهم  يتهامسون ويتمتمون أحياناً، كما لو أنهم يتشاورون فيما بينهم. كان على يمينهم يجلس وراء منضدة مربعة وواطئة رجل نحيف أسمر قاتم، ذو عوينات يدعى بـ (الكاتب بالعدل) كان يكتب دائماً وقلّما يرفع رأسه. كان على يمينه رجل آخر جالساً وراء منضدة مشابهة، مشغولاً بالكتابة طوال الوقت. وكان هنالك منبر عال على يمين القضاة، خشبه جميل بنّي اللون، حيث يقف رجل دميم متجهّم حانق يدعى (المدّعي العام) وكان متسربلاً أيضاً بعباءة سوداء. ولقد ظل يحملق فيّ شزراً حانقاً طوال المحاكمة! أمّا وراء ظهري والقفص فكان ثمة شرطيان يراقبانني متأهّبين!

   كانت موبيليات المحكمة من أجمل وأنفس أنواع الخشب؛ فالقفص،مثلاً، كان جميلاً إلى حدّ؛ كان المرء يتمنّى لو كان مهده من خشبه!

   أخذت دغدغتي الداخلية تزداد! كان يخالجني شعور عجيب جداً  يشحن باطني؛ لاأدري ماذا أسمّيه: مرح،سعادة، أم...؟! لم يكن قد قيل لي أيّ شيء، ولم أكن أدري هل سأُعاقب أم سيطلقون سراحي، بينما راحت دغدغتي الباطنية تمنحني شعوراً طافحاً بالقهقهة؟!

   كان القاضي الجالس في الوسط يتهامس مع زميله على يساره تارة ومع الذي على يمينه تارة أخرى. لم أتصوّر أبداً ذات يوم مشهدي وأنا في قفص الإتهام، إنّما كنت قد شاهدت المحاكمات في الأفلام فقط؛ ولذا راحت مشاهدها تتراءى في ذهني مختلطة بمشهد محاكمتي! في حين ظلت الدغدغة تتصاعد إلى حدّ الهيجان!

  ثم شرع القاضي الأوسط بإلقاء الأسئلة عليّ، مبتدئاً بالروتينيات: الإسم، العمر، مسقط الرأس، المهنة، وغيرها...وأنا أجيبه، ثم سألني:

- هل عذبوك خلال التحقيقات؟

   فتذكّرت تهديدهم بقطع لساني، ثم أجبت بعد وقفة:

- لا!

   عندها راح القاضي يطرح سلسلة جرائمي (المفبركة على هواهم!): كتابة قصائد ثوريّة عن البيشمركَه وذكرى وفاة قائد المخرّبين مصطفى البارزاني، وتوثيق أنشطة وعمليّات المخرّبين في مفكّرتها اليومية، والإرتباط بالتنظيم السرّي للـ(كومله) المحظور،....إلخ

  ثم إنبرى من بعده المدّعي العام مخوّناً عائلتي كلها حتى أجدادي:

- إن هذه الشاعرة خائنة لوطنها العراق؛ فقد مدحت أعداء حزب البعث العربي الإشتراكي، ووصفت المخرّبين بالأسود والنمور، وقتلاهم بالشهداء الخالدين. إن هذه المجرمة ربّتها عائلة خائنة للوطن؛ فوالدها وأحد أعمامها الآن نزيلا سجن بعقوبة، وأحد أشقّائها يحاربنا مع المخربين أتباع جلال الطالباني؛ ولذا أطالب هيئة العدالة بإنزال قصاص الثورة العادل بها، فهذه الخائنة تستحق الموت شنقاً.

   وبعد أن ناشد المدعي العام حضرات القضاة مطالباً بإعدامي، سألني القاضي الأوسط:

- هل أنت نادمة على جرائمك؟

   لم أجبه؛ لهول صدمتي وذهولي، ثم سألني:

- هل ستصيرين عاقلة؛ إذا أطلقنا سراحك، وتتعهّدين ألاّ تكتبي أيّ شيء مرة أخرى؟!

   وإذا بي لحظتئذٍ أفقد السيطرة على نفسي؛ فقد تبركنت دغدغتي الداخلية، فأخذت أضحك بشكل عجيب، مقهقهة بصوت عال؛ كما لو أن أحداً يتمادى في دغدغتي! بينما هبّ القاضي يدق الطاولة بمطرقته؛ لإسكاتي بلا جدوى! فقد كان الأمر خارج إرادتي؛ فلم يتوقـف ضحكي إلاّ بعد هنيهات مثلما غزاني تلقائيّاً!

   ومن ثم تشاور القاضي الأكبر مع الآخرين على يساره ويمينه، وأعلنوا ذهابهم  للمداولة فترة وجيزة؛ ريثما يتوصلون إلى قرار بشأني، يعلنونه عند عودتهم. ثم خرجوا واحداً تلو الآخر من باب آخر خلفي. أما أنا فقد بقيت داخل القفص، وظل الكاتب بالعدل يواصل الكتابة دون أن يرفع رأسه، وظل المدعي العام واقفاً في مكانه مخنزراً في وجهي! بينما كنت أتمعّن حواليّ مبتسمة، وعيناي تقعان عليه أحياناً. ولم يبرح الشرطي البوّاب مكانه واقفاً كتمثال، وكذلك الشرطيان حارساي المتأهّبان وراء القفص.

   ماانفكّت نظراتي تنغرس في صورة الميزان المتعادل الكفّتين. كنت أراني في حالة عجيبة وغريبة جداً. لم أكن أدري هل أنني أشاهد فيلماً، أم أعيش مشهداً حقيقياً من مشاهد حياتي وأنا في قفص الإتهام؟!

   مضت عشر دقائق، وإذا بالقضاة يعودون، ويجلس كل منهم في مكانه، ثم قرأ القاضي الأكبر قرار المحكمة،الذي لم أفهم سوى القليل منه؛ لصعوبة فهمي للعربية الفصحى. فقد فهمت فقط، تعاقب حسب الفقرة(كذا) من قانون العقوبات الصادر سنة(كذا) ولم يتوضّح لي هل حكموا عليّ بالسجن، أم سيطلقون سراحي؟ مادام قد ورد ذكر سنة حبس؛ فظننت أنه يتوجّب عليّ البقاء في جحر السجن سنة أخرى، لكنما بعدما غادر القضاة القاعة، وسمعت عبارة "مبروك" من حارسيّ الشرطيين؛ أدركت فهمي الخاطيء لعربية قرار المحكمة، بل وتوقّعت إطلاق سراحي. ثم أخذوني إلى صالة الإنتظار، حيث سألني الرجل الكردي:

- ماذا حصل؟ هل حكموا ببراءتك؟

   فأجبته مرتابة:

- والله لاأدري بالضبط؛ لأنني لم أفهم القرار جيّداً، لكن الشرطيين قالا لي "مبروك" ولا أعرف أكثر.

   ثم أخذوني إلى إحدى الغرف، حيث قام أحدهم بطبع بصمات أصابع يديّ وقدميّ بنسخ عديدة، فسألته مشدوهة:

- عمّي هل يسجنونني أم يطلقون سراحي؟

- إيـــــه  ألاتعرفين؟! كم أنت خطيّة! ألاتعرفين حكمك؟ محكوم عليك سنة حبس وثلاثين ديناراً غرامة وثلاث سنوات تحت المراقبة.

   فقلت بقلب محطّم:

- يعني أبقى سنة أخرى مسجونة!

- لا، لاتخافي، إنتهت مدة سجنك؛ فقد حسبوا لك فترة التوقيف.

   لم أصدّق ما سمعته؛ فسألته:

- يعني أنا حرة؛ بخروجي من هنا؟!

   فأجابني بهدوء:

- أولاً عليك دفع الغرامة...هل معك نقود؟

   ومن حسن الصدف كان معي أكثر من ثلاثين ديناراً؛ فدفعت الغرامة، وأنا على أحرّ من الجمر أن يطلقوا سراحي فوراً، وإذا بمأموري(رجل الأمن) يعيدني إلى مديرية الأمن العامة؛ حيث إجتاحني الهلع وأنا أقول لنفسي:

"لقد تحايلوا عليّ وخدعوني، بل وسلبوا حتى نقودي!"

   وفي مديرية الأمن العامة، مارسوا معي طقس التهديد بقطع لساني، حيث جاؤوا بمقص كبير حاد وسحبوا لساني، وهم يقولون:

- لاتتكلّمي ولا كلمة عن تعذيبك؛ وإلاّ سنقطع لسانك!

   وبعدها قالوا:

- أنت الآن حرّة..ولّي ..إكسري رقبتك!

   غيرأني لم أكن أعرف في بغداد أي مكان، وكان الوقت مساءاً متأخراً. ولحل المشكلة؛ أعادوني إلى بعقوبة بسيارة إعتيادية. عند وصولنا في وقت متأخر جداً؛ إحتار مأموري في كيفية تسليمي إلى أهلي وذويّ؛ فأوصلني إلى سجن بعقوبة، حيث يوجد والدي المعتقل. كان المأمول أن يسمحوا لي بالمبيت تلك الليلة هنالك، ثم إخبار ذويّ في كفري، في صباح اليوم التالي؛ لعل أحدهم يأتي فيأخذني، لكن شرطة السجن رفضوا مبيتي متحججين:

"إذا ماتت هنا هذه الليلة؛سنتورّط نحن ونتحمّل المسؤولية"!

ومن ثم رضخوا لتوسّلات والدي؛ وعندها إنطلق معتقلو مدينتي المسرورون جداً بمناسبة الإفراج عني؛ يغنون المقامات الشجيّة والبستات الكَرميانية الحلوة.

   في صباح اليوم التالي، حضر عمّي قاسم، فاستلمني وهو في غاية الفرح، كما كانت فرحتي بلقياه عارمة، ومع ذلك كنت أشعر بالإغتراب والإعياء والإرتباك، بل كان هاجسي المرتاب الطاغي عليّ في كوني حرة هو الذي يساورني! لقد أحس عمي بحالتي؛ فكان يقول:

- أنت الآن حرة يامهاباد! هيّا بنا نتمشّى...هيّا عبّري عن فرحتك.

   لكنني كنت أشعر بالكآبة؛ فبسبب تعوّدي على الزنازين بدت أجواء الخارج غريبة عليّ، ثم أخذ ذلك الشعور يتلاشى تدريجياً، وأخذت أدرك وأعي حقيقة كوني حرة فعلاً.

   ثم اصطحبني عمي إلى المرآب(كَراج النقليات) وسافرنا بسيارة تاكسي إلى بغداد، لا إلى كفري؛ لأن أمي وأخواتي وإخوتي كن متشتتات، حيث ذهبت أمي مع جدتي(آسكه) إلى قرى كَرميان؛ لعلها تقنع أخي صلاح بالعودة وتسليم نفسه؛ لكي يطلقوا سراح أبي المعتقل،الذي كان في حالة صحية مزرية وخطيرة؛ لإصابته بمرض السكر. وكانت أختي ليلى تدرس في كركوك ومقيمة في بيت خالتي(آفتاو) وكان أخي الأكبر يدرس في بغداد، ويزورنا أنا وأبي أسبوعياً ونحن في السجن، كما أسلفت من قبل. ولم يبق في كفري سوى الأطفال الصغار مع جدتي(سلمة)!

  وعند الظهيرة وصلنا بغداد، فنزلنا من التاكسي وركبنا باصاً إلى حيث يقع بيت عمي في حي(جميلة) ولم نخط سوى بضع خطوات، إذا بعمي عبدالله ينزل من باص آخر؛ فهرعنا إلى بعضنا البعض، وتعانقنا.وراح يدور بي في الشوارع، حائراً في كيفية التعبير عن مدى فرحته الطاغية. وكان السابلة ينظروننا بارتياب واندهاش واستغراب؛ إذ كيف يتجول شاب مع صبية بلاوجل ولاخجل؟! طبعاً لأن عمي كان في الثانية والعشرين من عمره وكنت أنا في الخامسة عشر. ثم إن بغداد كانت متخلفة من حيث العادات والتقاليد والعلاقات، رغم أنها كانت تعتبر أكثر تقدماً وتطوراً من بقية المدن؛ بصفتها عاصمة العراق!

   كانت عينا عمي دامعتين من شدة الفرح. وكانت المسافة إلى بيت عمي الأكبر تستغرق عشر دقائق مشياً على الأقدام، فارتأى أن يفاجئهم؛ فدخلنا البيت دون أن نطرق الباب، ووقفنا في غرفة الإستقبال؛ وإذا بالعجب والفرح المباغتين ينهمران من عيونهم وحركاتهم؛ حالما شاهدونا، وسالت الدموع من عينيّ عمي الأكبر المنذهل والحائر في التعبير عن غبطته العارمة.

   لقد كانت الحياة الطبيعية قد إنشلّت منذ سنة في أوساط عائلتنا المتوزعة بين كفري وبغداد، لاسيما وان عمي الأكبر كان طوال الوقت مهموماً ومشوّشاً بسببي.

  ثم زرت بيوت أقاربنا الآخرين كبيت خالتي وبيت بنت خالتي، خلال فترة بقائي في بغداد. وبعد بضعة أيام عدنا إلى كفري؛ فطالعني بيتنا البارد الموحش،الذي تشرّد وتشتت أهله، حيث لم يبق سوى ثلاثة أطفال مع جدتي. وعندها شعرت بتفكك أسرتنا، وفقدان مذاق العيش في منزلنا؛ وأنا أتذكر كيف كان يضجّ دائماً بالحركة والحياة، حيث كان يعيش فيه خمسة عشر فرداً، ويكتظّ  بالضيوف دائماً!

   ثمة كانت جدتي المسكينة تدير الدكان إضافة إلى إشرافها غلى شؤون الأطفال؛ لعلها تدبر لقمة العيش. علماً أن مصاريفنا كانت قد زادت كثيراً في تلك الآونة عن ذي قبل؛ إذ كان لابد من زيارة المعتقلين في بعقوبة أسبوعياً مع أخذ الأطعمة،فضلاً عن مصاريف التنقلات والسفر إلى القرى؛ حيث كان يتواجد أخي البيشمركَه.

   في الأيام الأولى لإطلاق سراحي، زارنا مصطفى بالمناسبة، ترافقه خالته، وقد جلب لي هدية وهي قلادة ومدالية (تمثال لنفرتيتي مربوط بسلسلة) ونفرتيتي معروفة كإحدى الملكات الفرعونيات في مصر القديمة، وهنالك إشارات تاريخية إلى كونها من أرومة كردية، وكونها شخصية قوية ذات نفوذ قوي وواسع في عهد أحد الفراعنة؛ بصفتها زوجته. وخلال الزيارة نفسها، تحدث مصطفى عن نيّته في السفر إلى الخارج؛ إثر إستدعائه إلى أداء الخدمة العسكرية،التي لم يشأ أداءها. لقد كانت تلك هي المرة الرابعة،التي ألتقيه حسب ظني؛ فساءني في قلبي أن يسافر، لكنني لم أمانع؛ لأنني كنت أكره أكثر منه أن يلتحق بخدمة الجيش في ظل النظام العفلقي. ثم سافر مصطفى، ولم أره حتى مطلع 1992 أي بعد عشر سنوات من الإفتراق، كنت إبّـانها أتسقّط أخباره عبر بنات أخته وهن من صديقاتي. وكان قد طلب مني قطع علاقتنا بعد سنة من سفره؛ متعللاً بمصيرنا المجهول، وجهلنا بزمن لقائنا لاحقاً! وفي الحقيقة كانت علاقتنا قد إنقطعت فعلياً منذ بداية سفره!

   خلال تلك السنوات العشر، وقعت أحداث عديدة، واستجدّت لكل منا قصة أخرى في الحياة وعلاقات وصداقات أخرى...ولكننا عند عودته بعد الإنتفاضة والإلتقاء بي من جديد؛ إستأنفنا معاً رحلة الحياة؛ إذ تزوجنا وسافرت معه، لنبدأ رحلة حياتنا المشتركة في مهجرنا(السويد)

   السويد بلد بارد المناخ جداً، لكن مدى إحترام الإنسان فيه؛ يعوّضك بالدفء الإنساني الحميم. لقد سألت نفسي هناك منذ البداية: من أنا؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ كيف أستغل الأوقات والفرص المتاحة لي؟

   وعليه لم أهدر ولا ثانية واحدة من وقتي خلال السنوات الثلاث عشرة والنصف وأنا في السويد، حيث رحت أنهل كظامئة من ينبوع العلم والمعرفة، إذ كنت أدرس وأقرأ، وأسافر إلى هذا البلد وذاك..كما إستأنفت بحماس وقوة رحلتي الأدبية وأنا أناضل مدافعة عن الكرد عموماً وعن نسوة بلادي خصوصاً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خارج الجحيم

 

 

   إذا كنت قد سمّيت سنة سجني بسنة الجحيم؛ فلايعني ذلك أن خارج السجن قد أصبح فردوساً لي؛ مادمت منتمية إلى شعب يستعبده نظام محتل يتحاور بالحديد والنار؛ بحيث يستحيل كل مكان وكل زمان طقسَ تعذيب لأمثالي، إنما الفارق في مديات حدود الأمكنة فقط؛ حيث تعيش في زنزانة ضيّقة مظلمة، أو خارجها في جحيم أكبر. ولأن محكمة الثورة السيّئة الصيت قد حكمت عليّ بثلاث سنوات تحت المراقبة إضافة إلى سنة بالحبس؛ فلم أعد أشعر وأعيش بأيّ أمن وأمان ولو للحظة واحدة، لا في تلك السنوات الثلاث ولابعدها؛ فقد كانت عيونهم تراقب خطاي دائماً! وهنا لاأعرف هل أنعت نفسي بالطائشة، المتهوّرة، المجازفة أم بالشجاعة، الجسورة أوالمجنونة؛ لأنني رغم كل تلك المراقبة والملاحقة رفضت أن أظل كسيحة مشلولة وميّتة دون نضال، بل عاجزة، منسحبة، منزوية ومحافظة على سلامتي الشخصية؟! أجل؛ فقد رحت أواصل نضالي بلاهوادة؛ فقد أصبحت عملياً عضوة عاملة في صفوف(تجمع كادحي كردستان) بل وكوّنت أول خلية نسوية في كفري، حيث إبتدأت من أقرب صديقاتي(روناك) و(شادية) كان موقف أهالي مدينتي وإحترامهم الفائق لي يفرحني جداً ويملؤني شعوراً بالزهو والفخار، أما الشيء الذي كان يعذبني دائماً؛ فهو خوف عائلتيّ صديقتيّ الحبيبتين روناك وشادية من التردد عليهما، كما كان أهلاهما يمنعونهما في الوقت نفسه من التردد عليّ؛ لأنني كنت تحت المراقبة بعد الإفراج عني حديثاً. لكنما لكوننا نحب بعضنا البعض وصديقات من نمط الروح بالروح؛ فقد كانتا تحطّمان كل المحاذير والمحظورات وتأتيان إليّ!

   لقد كانت ثمانينات القرن العشرين أصعب وأقسى مرحلة في حياتي؛ وقد مرّت عليّ تلك السنوات العشر كعشرات السنين! ولست أبتغي الحديث عنها الآن، بل سأتركها للمرحلة الثانية من رحلة حياتي.

   ولقد كانت سنة الإنتفاضة (1991) خاتمة مرحلة رهيبة في تاريخنا المعاصر؛ إذ كانت سنة وثبة وإنعطافة كبيرتين، وأنا سعيدة جداً؛ فقد إستطعت أن أُؤدّي دوراً فعّالاً في أيام الإنتفاضة، كما إنخرطت في مسيرة الهجرة الملايينية، مشاركة أفراح وأتراح شعبي. أجل؛ أنا سعيدة لأنني شاركت عامئذ مع البيشمركَه في أول ندوة شعرية، في(سرتك) القريبة من جبل(بمو) ثم إن هنالك الكثير من الأحداث والتفاصيل بحلوها ومرها، والتي عليّ أن أرويها في نزهة أخرى لذكرياتي. أما الآن فأنا محظوظة؛ إذ ودّعت مرحلة قاسية وعصيبة من حياتي دون أن تقهرني الآلام، بل وتمكنت من أن أشارك في صنع عصر الحرية في كردستان.

   بعد عام من الإنتفاضة، إبتدأت حياتي الزوجية، وقد عرّفتني قافلة حياتي،التي حطت رحالها في السويد بمحطة تجميد لثلاث عشرة سنة! إن هذه المحطة وحياة المنفى تتطلّبان في حد ذاتهما مئات الصفحات؛ فلتظل أيضاً لفرصة وآونة أخرى سانحة...

   ماأسعدني؛ إذ إستحالت الكلمة الأولى،التي هدّدوني إثرها بقطع لساني، إستحالت آلافاً مؤلفة من الكلمات،التي إحتضنتها العشرات من كتبي المطبوعة. والآن بينما أسطّرهذه الكلمات أجدني حرة مرفوعة الهامة، بينما يقبع المجرمون العفالقة في غياهب السجون. لقد تهافتت عليّ شتى التهديدات الرهيبة، وخابت في أن تحول دون مسيرتي الصائبة المفضية إلى تحقيق العدالة والإنسانية.

   إن ماأثّر فيّ، والذي نجم عن تعذيب النظام البعثي لي وآلامي وعذاباتي تحت كابوسه؛ هو قراري الذي كنت قد إتخذته بعدم العمل ذات يوم مع أيّة حكومة. فقد عملت من أجل مبادئي لسنوات طويلة خارج الأحزاب والتنظيمات السياسية، ومنهما مبدآن أساسيان يهمانني جداً، ألا وهما: النضال من أجل تحرير أمّتي المستضعفة من نير عبودية المحتلين، ثم النضال من أجل تحرير نسوة بلادي من نير عبودية العادات والتقاليد البالية والبطريركية. لعل أحد أهم المشاريع،التي إشتركت فيها بصورة مؤثرة جداً، هو وضع وصياغة(لائحة مطاليب المرأة الكردية) وهي اللائحة التي تجشّمت زميلتاي(شنه هدايتي) و(منيرة مفتيزاده) الكثير من العناء معي؛ حتى تبلورت كوثيقة شاملة لكافة مطاليب نسوة كردستان، وكذا الحال مع(منظمة النسوة الكرديات ضد العنف) عند مؤازرتي لصديقتي ورفيقتي في الفكر،والتي أعتز بها كثيراً(نزند بك خاني) الشاعرة والمترجمة.

   في(2004) عدت إلى كردستان؛ لكي أكسب مساندة المثقفين والنسوة وأصحاب القرار للاّئحة المذكورة، فالتقيت الكثيرين من مسؤوليّ الحكومتين في السليمانية وأربيل، ولن أنسى تضامن صديقي الموقر عثمان الحاج محمود في تلك الزيارة، والذي يسّـر لي الأمور كثيراً، بل وساندني بكل قوة. إن صديقي الموقر عثمان هو أحد القياديين المخلصين الأصفياء؛ مما يشرّفني الإفتخار بصداقته الحميمة. وكذلك إلتقيت آخرين من القادة والمسؤولين في السليمانية الجميلة؛ ولابدّ من عشرات الصفحات لرواية ذلك؛ سأتركها في ذمة الجزء الثاني من مذكّراتي.

   ثم قصدت أربيل ذات المنارة التليدة. وفي هذه العاصمة التاريخية الحلوة، رحت أقيم الأماسي والندوات وأعقد الإجتماعات؛ في سبيل توصيل رسالتي؛ حتى ضمنت المساندة الكاملة الداعية للطمأنينة، ومن دون قيد أو شرط؛ لما إلتقيت السيد نيجيرفان البارزاني رئيس الحكومة،والذي تشرفت بلقائه لأول مرة. لقد سمعت عنه من قبل رأيين متناقضين: فبعضهم وصفه برجل منفتح وداعية للتحديث ومساند للشريحة المثقفة التقدمية، أما البعض الآخر فقد وصفه بأنه ضئيل التجربة، ولايكترث بالفكر التقدمي، فضلاً عن أقاويل عجيبة وغريبة أخرى! للأسف الشديد بلغت التربية والثقافة الحزبية عندنا حداً من التخلف والتشويه؛ بحيث يتشدق بعضهم ويمارس المنافسة الخسيسة والدنيئة؛ في سبيل المآرب والمصالح الضيّقة والأنانية، خصوصاً وإن الإحتراب المديد بين الإخوة وبين الحزبين الكبيرين؛ قد نمّى ثقافة تحطيم الآخر، بل محوه وإبادته! ولكنني لمست العكس ممّـا قيل بسوء عن السيد نيجيرفان البارزاني، في أول لقاء وحوار معه؛ إذ إلتقيت إنساناً متعطشاً لتطوير وتنمية مجتمعنا الكردستاني وتقدمه، بل وعرض عليّ التضامن معه في تطوير قضية المساواة، لكنني تريّثت لفترة؛ ريثما أفكر وأمتحنه وأقيّمه. وبعد العديد من الحوارات المطوّلة؛ بغية التيقن من نواياه ورغبته الصادقة في التغيير والتطوير؛ توصلت إلى ثقة وقناعة تامّتين، وقررت العمل معه كمستشارة لشؤون المرأة ومساواتها.

   إن حكاية(لائحة مطاليب المرأة الكردية) طويلة؛ فلتتأجّل لفرصة أخرى، إنما كل قصدي مما ذكرته سالفا؛ هو أنا التي ذقت ويلات التعذيب على أيدي جلاوزة النظام العفلقي، وبعد إتخاذي لموقف مناويء من أيّة حكومة، أجدني الآن وكلي قناعة، مستشارة لشؤون المساواة لرئيس الحكومة الموقر،الذي أفلح بخلقه وسلوكه الحميدين في أن يغيّر رأيي تغييراً جذرياً، بل وكسبني كمتضامنة وعاملة ناشطة معه.

   هاأنذا إبتدأت شوطاً آخر من مشوار حياتي، معاهدة نفسي قبل الآخرين كدأبي أن أصون مبادئي وأذود عنها؛ حتى لو ضحيت بروحي من أجلها، وألاّ أهاب أيّ شيء؛ مادام المهم عندي هو أن أحيا بهذه المباديء وأموت في سبيلها...برغم أن عملي الجديد لم يلزمني أداء اليمين، مع ذلك فقد أدّيت اليمين أمام ضميري في اليوم الأول لمباشرة عملي، متعهدة ألاّأخون مبادئي أبداً.

   وختاماً أودّعكم مع أجمل الأماني والآمال والمودة حتى رحلة قادمة.

 

 

 

 

مهاباد قرداغي

 

   مهاباد إبراهيم محمود القرداغي: شاعرة، قاصة، روائية، مترجمة وباحثة في مجالات الإقتصاد والسوسيولوجيا وعلم النفس التربوي. تكتب باللغتين الكردية والسويدية، وتترجم عن العربية أيضاً. وتعمل حالياً مستشارة لرئيس وزراء حكومة إقليم كردستان لشؤون المساواة.

-22/ك2/1966 ولدت في كفري بمحافظة كركوك

-1980 نشرت باكورة أشعارها

-(1980-1981) إعتقلتها السلطات البعثية وسجنتها

-(1991-1992) عاشت في دمشق/سوريا

-(1992-2005) عاشت في السويد

أعمالها المنشورة:

في الشعر:

خارطة مستقبل العامل/

بانوراما/

الجبل حقل ذُرة/

مداليا/

هسيس الروح/

عنقود العشق/

طيور من ثلج(بالسويدية)

في القصة القصيرة والرواية والسيرة:

موت إنسان ونصف/

فنتازيا/

هجرة/

سنة في الحجيم.

في الترجمة:

الشعر نفَـس الكون(مختارات من الشعر العالمي المعاصر)/

الخبز المسموم، فيسيلين هانجيف(مسرحية)/

إعتراف رجولي، د.نوال السعداوي.

في الدراسة والبحث:

من أجل إحياء المرأة/

تحريرالتاريخ/

شرفنامه، الشرف مفتاح لإستعباد المرأة/

المرأة والمجتمع عند شيركو بيكس/

اللغة، تأمل وهويّة(بالكردية)/

اللغة،تأمل وهويّة(بالسويدية)/

كاتاسروف الأنفال والتأثيرات النفسية في المجتمع/

كَرميان/

بابا كَُركَُر/

ديلان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المترجم في سطور

 

* جلال حسين محمد زنكَابادي- لَُرستاني(1/12/1951كردستان العراق)

* شاعر وباحث عراقي باللغتين العربيّة والكرديّة ، ويترجم إليهما عن: الفارسية،الإنكَليزية،الإسبانية والآذرية...ينشر باسميه (ج ورده) و(ج زنكَابادي) وأكثر من عشرة أسماء مستعارة. وهو يعرّب أحياناً مايكتبه بالكرديّة، ويكرّد مايكتبه بالعربية،ويترجم أحياناً النصوص الأجنبيّة إلى الكردية والعربية كلتيهما في آن واحد.

* عصاميّ النشأة فبعد اغتيال والده في أواخر1960 لنشاطه الوطني؛ إسترجل مبكّراً وانخرط في شتى الأعمال والحرف: صانع تنانير، عتّالاً، عاملاً في مكافحة البعوض  وعامل بناء... ثمّ بائع كتب على الأرصفة في السنوات(1987-1997) وقد تعرض للترحيل والتبعيد وفقد دارين له حجزاً ونسفاً في العهد العفلقي البائد.

* تثقيف ذاتي موسوعي. إبتدأ القراءة الجادّة منذ(1961) و الكتابة منذ(1963) ثمّ النشر في الجرائد والمجلاّت منذ(1967) لكنّه لم ينشر حتى الآن إلاّ بضعة من كتبه المؤلّفة والمترجمة ، وهي بالعشرات.

* عمل معلّماً في التعليم الإبتدائي (1971- 1991) ثمّ في الجرائد والمجلات محرراً، مشرفاً ثقافياً ولغوياً، في الأقسام والملفات الأدبية والفنية والثقافية، وسكرتيراً ومديراً ورئيساً للتحرير لبضع مجلات في اقليم كردستان العراق.

* راجع ونقّح الكثير من النصوص الأدبية والبحثية والكتب المؤلفة والمترجمة لأدباء كرد وعراقيين ومنهم أساتذة جامعيون.

*ساهم في الهيئات التأسيسية لـ(جمعية مترجمي كردستان1992)و(الحركة الشعبية الكردستانية1996)،(المركزالثقافي والإجتماعي لكركوك1998)و(مجلة نه وشه فه ق2003بكركوك)

*شارك بدور شاهد رئيس في الفيلم التسجيلي(الأراضي الضائعة)وهو عن تدمير البيئتين الطبيعية والبشرية في كردستان العراق/في2000

* له مساهمات متواترة على صفحات بضعة مواقع إنترنتية منذ1999

 

 

 

 

الفهرست

 

 

إهداء

شهادة دامغة(المترجم)

مقدمة المؤلفة

الأرق

البلوى الطارئة

غرفة الإعدام

إستعلامات الموت

الإنبعاث بعد الموت

الصورة والمرآة

مرحلة العثور

أنا و(أنفال)!

علامات الحرب

من(ميدان)إلى المعتقل

الكرسي الرهيب

كوّة

سجن الزعفرانية

عشق أبدي

محكمة الجحيم

خارج الجحيم

عن المؤلّفة

المترجم في سطور