ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

iraqiwriter@ymail.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 09, 2010 11:31 PM

Detroit Michigan U.S

 

      

(من شعر الأطفال الكردي)

ليتني كنتُ طائراً في البراري لا شريداً أدور بين الدروبِ شعر: مؤيد طيب ترجمة: د. ماجد الحيدر

 

 

د. ماجد  الحيدر

Majid Alhydar

majidalhydar@yahoo.com

 

 

ليتني كنتُ طائراً في البراري لا شريداً أدور بين الدروبِ[1] شعر: مؤيد طيب ترجمة: د. ماجد الحيدر

 

شريدٌ أنا

إسمي "كيفي"[2]

عمري تسعة أعوام.

ها قد مضت سنوات ثلاث

منذ أن صرتُ صباغاً للأحذية.

بيتنا كوخٌ صغيرٌ

من الحجارة والتراب

في أرضٍ مليئةٍ بالصخور

هو بيتٌ متجاوزٌ [3]

في أقصى بيوت كلها متجاوزة

لكنه الأكثر ظلاماً والتصاقا بالأرض

أما الطريق اليه

فوعرٌ .. مصَعِّدٌ.. عنيد..

أقسى من جبلٍ من رخام !!

**

متشردٌ أنا

صباغٌ للأحذية.

....

تحت أقدامِ "كاره"[4]

ثمة قرية لم أرها

لكنني من أهلها.

قبل سنواتٍ عشر

يوم لم أكن غير رضيعٍ ضئيل

باع أبي بستاننا

باع أغنامنا

وجاء بنا الى المدينة...

صرنا من أهل المدن!

**

متشردٌ أنا

صباغٌ للأحذية.

كان أبي كادحاً مسالماً

كان عاملاً.

قبل سنوات ثلاث

هوى من جدارٍ ومات.

وقبل عام تزوجت أمي

وهجرتنا أنا وجدتي العجوز.

جدتي كانت

عجوزاً عابدةً شَكوراً

تطيل ذكر الله

تمضي أيامها بالصلاة

وأعوامها بالصيام

شعرها كان في بياض الثلج

وقلبها أكثر بياضاً

قبل أيام ثلاث تركتني هي الأخرى

ورحلت عن هذه الفانية

**

متشردٌ أنا

صباغٌ للأحذية.

قبل أعوام أربع

كان لي شقيقة

أرقَّ من حبة عنب

تصغرني بعامين.

سمّاها أبي "كه ي"[5]

لكنه يدعوها "بدر التمام"[6]

في اليوم الأول سقطت فريسةً للمرض

في اليوم الثاني ساء حالها

في اليوم الخامس أسلمت الروح

في الطريق الى المستشفى.

من يومها

وفي كل ليلةٍ أتطلع الى السماء

وتملأ العبرات حنجرتي

وأكاد أغص بها

فأطلق العنان للبكاء

من يومها

كلما أبصرت بدر التمام

يعصرني الحنين

ويحزُّ كبدي

كطعنات خنجرٍ صقيل.

**

ليتَ أبي لم يمت

ليت أمي ......

ليت جدتي انتظرتني بضع سنين أخريات

ليت الحمى لم تخطف أختي

ليتني ذهبت الى المدرسة

ليتني تعلمت الرسم

لأرسم سرباً من الكراكي

تسبح في زرقة السماء

ليتني كنت أول الكراكي

لأطير في هذا الخريف

وأرحل عن هذه الأرض.

**

متشردٌ أنا

صباغٌ للأحذية.

لن أصبح رساما

ولا كركيا في أول السرب.

أتسمعني يا أبي؟!

لن أكون طبيباً.. لن أكون مهندساً

لأنني طفل دون أهل.

سأبقى جالساً أمام أحذية العابرين.

سأظل صباغا شريداً

دنياي كلها .. دهانات وأحذية

**

تحت أقدام "كاره"

ثمةَ قريةٌ..

ليتني كنت طائراً في سماها

أو سمكةً في نهرها

ليتني وحشٌ طليقٌ في براريها

لا متشردٌ ..

صباغُ أحذية في شوارع المدينة..


 

[1] في هذه القصيدة المكتوبة بلغة بسيطة ومباشرة ومؤثرة (التي ترجمناها ببعض التصرف) يتحدث الشاعر الكردي المعروف "مؤيد طيب" على لسان طفل يتيم شريد يعمل صباغاً للأحذية في شوارع مدينة كردية.

[2] "كيفي" أحد الأسماء الشائعة في كردستان وهو يعني في الوقت نفسه "متشرد، برّي، وعل جبلي، غير أليف..الخ"، وهذا ما استفاد منه الشاعر في إقامة الجناس بين اسم الصبي وحكايته الحزينة.

[3] البيوت المتجاوزة (وتدعى في الكردية ته جاوز)  أكواخ أو مساكن يبنيها الفقراء عادةً على أرضٍ مملوكة للدولة دون موافقات.

[4] كاره: جبل في كردستان العراق.

[5] وتعني بالكردية الثلج المتراكم

[6] في الأصل بدر أربع عشرة ليلة.