ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

iraqiwriter@ymail.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 09, 2010 11:31 PM

Detroit Michigan U.S

 

      

د. عبد العزيز علي

 ماجد الحيدر..... الخلاصة الرائعة للشعر العربي الحديث

 

 

د. ماجد  الحيدر

Majid Alhydar

majidalhydar@yahoo.com

 

 

الذي يقرأ أية مقطوعة شعرية جديدة لماجد الحيدر سيصاب، ككل المرات، بالشيء الكثير من الدهشة! وهو ما أسميه بالأثر الأقوى، والجوهري في الشعر. وإصابة المستمع بالدهشة، هو جوهر الاكتشاف الأول لعالم محجوب عن الأنظار، إلا أنظار الشاعر المبدع، الذي يستلهم الكلمات والصور والإيقاعات من عمق مجهول للكل، ولكنه حديقته التي يرتاض إليها كل ساعة... وهو مرة أخرى الوظيفة الجوهرية للشاعر في كشف المستور. وهنا تمتلئ دهشة القارئ الفطن بشيء كثير من الغبطة الداخلية ومزيج من الحزن والسرور وبشيء من الحسد على هذه اللغة السهلة الممتنعة، والممتعة، والعميقة في تأثيرها البنيوي في هيكل القصيدة وهي لغة لا يجيدها إلا المبدعون والعارفون بجوهر الشعر. القصيدة لدى الحيدر، في كل مرة تقرأ له فيها..عالم كامل... محاط بسياج رائع من هيكلية البناء المتدرج، والذي يحتوي في كل مرحلة منه ذات الإيقاعات الإنسانية الأصيلة ولكن بتصاعد موزع توزيعا هرمونيا متجانسا بدون إخلال في أي مقطع من مقاطعه، ولذلك فان قصائد ماجد المليئة بالوجدان المرهف، تصلح وبشدة للغناء الشجي على أعتاب الزمن الوقح...

المدهش في قصائد الحيدر هذا الترابط بين الثيمات الواقعية البحتة وبين الذعر الداخلي (إن جاز التعبير) في صميم الذات الشاعرة والذي ينهل منه الشاعر المبدع إحساسه بوحدانيته وفرادته وشعوره المبجل بالحضور الملائكي وبما تحاط به روحه من حياة الحب والتلاحم والصعود المثالي الى عالم لا يولد إلا بين أيدي الشعراء وبحضورهم .

كنت أود أن تتاح لي فرصة من العمر لأقوم بدراسة شاملة لشعر الحيدر، وهو وبكل جدارة يستأهل أن يتوقف عنده النقاد والباحثون طويلاً، لما يمثله من امتداد فذ لمسيرة الشعر العربي الحديث انطلاقاً من السياب وبلند والبياتي مروراً بالأجيال المتعاقبة، الذي يمثل الحيدر في هذه السلسلة حلقة لامعة في زمن كاد أن يكون فيه دور الشعر ضئيلاً حد التهميش. إن الحيدر يعيد في قصائده مجد الشعر الذي خبا ذات أصيل شتائي عاصف وأهوج، ومجد الطبقات المسحوقة والمغلوبة على أمرها وهي تناضل بأصالة وإصرار من اجل وجودها الإنساني، فهو صوت ثوري، إنساني عميق في زمن تتهم فيه الثورية والإنسانية بشتى التهم الباطلة. إن ما قادني الى هذه المقاربة الأولية هي قصيدته الأخيرة المنشورة في جريدة (طريق الشعب) بعنوان (أغنيات ) والتي اعتقد جازماً إن النقد والدراسة يمكن أن يقفا عندها كثيراً عبر محتواها وبنائها الذي يتوزع على مساحة هائلة من الموضوع الإنساني، وهيكلها الذي يتكون من ستة محاور هي أغنية لعامل بخبز يومه، أغنية الى صورة أخي، أغنية لربات الفنون، عصيان أو أغنية ثانية لربات الفنون، أغنية تحت المطر، أغنية أخيره.. هيكل تلاحظ فيه القدرة على جمع ديوان شعري كامل في قصيدة واحدة ضاماً بين دفتيه لوعات العامل البسيط الذي يعمل بأجره اليومي والذي يناجي أولاده بلغته البسيطة ومفاهيمها الشعبية العميقة الدلالة:

 

كلوا كثيراً يا صغاري

واملؤوا البيت بالضجيج

مادمت حياً.....

حاملاً غير محمول!

 

إنها أغنية بقدر ما تحمل من فرحة مؤقتة بيومٍ مرزوق فأنها تحمل الوجع المر بغدٍ مجهولٍ قد لا يكون فيه حيا ليطعم أولاده.. لقد جسد الحيدر معاناة الطبقة العاملة بالخوف الأزلي من البطالة بتجسيد قل نظيره.ثم ينتقل الى أغنية ثانية أكثر لوعة مليئة بفجيعة الشهادة وعبقها العطر، والوجع المر الذي يذكر بأمهات قصائد الرثاء ولكن عبر أسلوب مبتكر مستخدماً تقنيات تيار الوعي السردي، وهذا المقطع من القصيدة قصة كاملة هي الأخرى تذكرنا بالطروحات التشيخوفية في المسرح بدون أن نشعر:

 

ألانك لا تشيخ....

ألانكم كلكم....لا تشيخون

أيها الفتية العنيدون

الملفوفون بالحياء....والصبا...والأحلام

 

ثم هذا المقطع الثالث المبني على الاستشراقات الميتافيزيقية، حيث ربات الفنون قد هرمن وتعفن من الزمن المتكرر الإيقاع ويحسدن الشاعر على استمرار قدرته على الغناء....أنها مقاربة –الموت والميلاد-  والفناء-والخلود تلك الموضوعة الفلسفية الأثيره يحسمها الشاعر لصالح خلوده بعد تعفن الخالدات من ربات الفنون:

 

نحن الخالدات

نجلس عند أقدامكم ونضرب الأوتار...

عجباً...

من منا السيد

ومن الإله؟!

 

وفي مقطع جديد يستدعي الشاعر ذاته ويواجه ربات الفنون ويستهزأ بهن:

 

أي ربات الشعر ذوات الحول.....سأعصيكن

ولن......لن اكتب شيئاً!

 

انه رفض للحظة الكتابة بالجملة حيث ما لم يذكره أو ذكره في قصيدته من الم مر... من لوعة الحرمان والانسحاق الطبقي الى عبق الشهادة الى صراعات الذات المبدعة مع مواضيعها كل ذلك يجعل القصائد تعبيراً ساذجاً وقاصراً، يجعل الشاعر واقفاً في موقف الرافض لرنات الأوتار...

وأرواح الليمون وأشباح الليل..وهمهمة الخيل.....

فكلها..

لن تغريني..

لن تهزم قلبي أو تفرج شفتيا!

 

وفي مقطع أروع ما يكون، تأخذ صور الماضي ثم الحاضر فالمستقبل تتوالى في مخيلة الشاعر والقارئ لموضع مكاني واحد ولشخصية محورية واحدة هو عازف الجلو الملتحي رمزاً للفنان والحياة التي يحلم بها دوماً، وكل ذلك عبر حركات وجدانية بكائية رهيبة:

 

مرة كنت طفلاً

هكذا قيل لي..

فجأةً صرت كهلاً

أين ما بين عمرين ....ضاع؟!

 

انه عمر الخيام يتجسد جالساً الى كامو يبحثان في الغربة والاغتراب الروحي، وكل هذا الجو الفلسفي (فلسفة الزمان) يعبر الى حلم مستقبلي مازال متقداً بعنف في ضربة وتر فنية معبرة شوارع مبتلة بالسلام:

يومها....طفلتي

ربما..سيعود

 

وفي المقطع الأخير من القصيدة- الملحمة – يعود الشاعر الى ذاته ويبدأ في غناء وجداني حزين، يبدأ بمناجاة قلبه الذي ضاع منه ؟! في خضم كل هذه الأحداث:

 

آه ما ابعد قلبي!

كم مرت من أعوامٍ

لم أره فيها؟

 

وأخيرا أقول لولا أن أوخذ بجريرة تمجيد الذات لكون الحيدر أخي وتوأم روحي... لقلت شيئاً أكثر، ولكنني مدرك بان بصمةً كبيرةً يتم بصمها في سجل تاريخ الشعر العربي الحديث هي بصمة الشاعر ماجد الحيدر!