قصص قصيرة
حاضن
الأسئلة
طامي هراطة عباس

( لقد أفقنا من كابوس وفتحنا أعيننا على جحيم أخر ....)
هذا المقطع من أحدى القصص
التي كتبها القاص طامي هراطة عباس ، وهو يشير بشكل مباشر إلى ثيمة النصوص . مما
يضعنا على حافة الاختيار لحظة نرمي إكمال المسير على درب طويل . في هذه الحالة
تواجهك عدة لافتات أو علامات تؤكد عنوانات الطرق . هكذا قالت لنا الحكاية ... لكن
ما يثير فينا التردد هو التوقع المخيف ، إن العنوانات رموز تواري طبيعتها ومصائرها
، لذا وأمام درب مسدود كهذا يكون الاختيار عشوائي أو محض استجابة لما هو متواري في
النفس ، فالاختيار يعني المصير ، والمصير يبقى غامضاً ، طالما لم تتبين ملامح
تحققه وكشفه .
هكذا يبدو لي أو كما ظهر لي
في تعامل القاص ( طامي هراطة عباس ) فقد انصاع لمتن الحكاية ودخل درباً واحداً ،
بدا له ولنا مخيفاً ومرعباً ، غير إن ما أسعفه هو استخدام المرايا لعكس محنة سارده
، وربما كان ذلك لاستمراء الحالة – الضياع – في خضم الاختيار فقاعدة إذا اخترت
تحمل ما تكون عليه النتائج ، قد وقعنا فيه جميعاً ، فما علينا في النهاية إلا تحمل
عذاب السرد ، فالثقل في المسرود والمسرود عنه ومن له السرد ، فهو وظيفة إبداعية
على أية حال، وجد القاص نفسه داخلها ، فهي اللعب مع الزمن ، بل وجدنا أنفسنا
موغلين فيه ، هكذا أرى الدخول فالكابوس الذي فتحنا أعيننا عليه ، غادرناه تماماً ،
لكن المحنة في كوننا دخلنا – جحيماً – أخر ، فقول أنت لا تدخل النهر مرتين .. كان
انفتاحا أخر يؤشر قدرنا ، لكوننا توأم العذاب والمحنة ....
أحلام الصقيع
حملت إلينا تلك العاصفة كل صقيع العالم وتمكنت من عزلنا تماماً، في يومها
السادس خف عويلها المدوي لكن ندفاً كبيرة من الثلج كانت تنهمر بغزارة حتى خيل لذلك
النصف مجنون إن هناك محلجاً عملاقاً للقطن في مكان ما من تلك السماء القاسية ...
لا أذكر متى كان ذلك في منتصف النهار أم بعده
حين بدأت عوارض السقف تنوء بحمل الثلج المتراكم فوق صفائح الجينكو المضلع ، أذكره
جيدا ذلك الجندي ، أذكر سحنته وعرجه الخفيف ، كان صياداً بارعا في هور
العمارة ، في الصيف عندما كنا نستحم بأسفل الوادي اكتشفت
ندوباً داكنة لجروح ملتئمة في فخذه الأيمن
همس وكأنه يعتذر ....
-: انها الفالة ، كان ذلك نزاعاً من أجل امرأة
... ثم أنشغل عني بغناء حزين ...
موضعنا البارد الذي همدت نار موقده منذ أربعة
أيام كان ثقبا أسوداً في جحيم لم نألفه من قبل ، ذواتنا المتسربلة بالقنوط والجوع
والخوف تتغذى على صور باهتة لدفء السهول النائية وتستجمع نثار مقاومتها لإيقاف ذلك
الموات لبطيء ...
تقوست أحدى الصفائح وصرت الألواح ، قال الصياد: سينهار السقف ... ثم ألقى
بالمجرفة في حضن النصف مجنون ، لكنه أعادها إليه وهو يصرخ : إنها ليست حربي ..
أتفهم ؟
كنا نسمع حركته فوق السقف وهو يزيح ضغط الكتلة
الباردة وكنا عاجزين تماماً عن دعمه ، قرب الموقد البارد أختلط اصطكاك الأسنان
بتمتمة كتلة مغطاة بمعطف ثقيل :
-:
لم نحتطب جيداً .. يا لسذاجتكم ...
كان ذلك يشبه تأنيباً متأخراً لتلك الطمأنينة والاستكانة التي منحتنا إياها
بضعة أيام صيفية بدت الآن مثل حلم غير قابل للتكرار ...
أزاح مراسل ((الآمر)) البطانية التي تغلق منفذ الخروج ، فسال
ضوء رمادي من سماء داكنة ، كان والنور خلفه يبدو مثل شبح أسود...
-:
عاصفة مباركة ، لقد تجمد كل شيء ، أعملوا بذات السياقات ، إنها الأوامر لا
شيء من عندي ...
اعترض الجندي الموشوم :
-: ما أسوء أوامر سيدك يا ولد!! ذق معنا طعم هذا الجحيم ...!
كنت أحسد ذلك الموشوم ، أحسد جرأته وفورات غضبه
المتفجرة‘ كان بوسعه وهو في أوج انفعالاته أن يشتم كل الدنيا وأن يطلق سيلاً من
بذاءات غير مسموعة ، لكن الأمر كان ينتهي به دائما إلى أحد السجون الصغيرة في
مؤخرة القطاعات ، ومثل كل مرة كان يعود وهو يحمل وشماً جديدا على جسده وكدمة زرقاء
في موضع ما من وجهه تمنح سحنته المتجهمة ملمحا قاسيا أخر .
نشر نصف المخبول أخمص بندقيته بحافة الحربة
المسننة ثم ألقاها في الموقد ، ثم تبعه الآخرون وانشغلوا سوية بالنفـخ ، تشـبع
المكـان برائحة الخشب المحترق المشبع بزيت البنادق ، كان تحلقهم حول الموقد يمنع
الدفء عني ومع ذلك فقد كنت سعيداً بذؤابات اللهب الأرجواني المنعكس على السقف.
أشعل الجندي البناء سجارته : ألا تقترب من النار
أيها العريف المعلم ؟ ضحك نصف
المجنون ، كان سعيداً بذلك الدفء الزائل :
-:
مدهشة جهنمنا الصغيرة هذه ..!
ما عاد السقف يعكس صورة اللهب ، كانوا منحنين على الجمرات
وأجسادهم تمتص تلك اللذة المنبعثة منها
بشره غريب ، أذكر ساعتها إنني كنت تحت وطأة جوعي أتقصى مصدر رائحة غمرت موضعنا
البارد :
-: أتشمون ..؟
اعتدلت ظهورهم المتقوسة على جمرات أعقاب البنادق
وتساءل الجندي الصياد : أهي رائحة
السمك ، السمك المجفف .. أجل إنها
.. قاطعه الموشوم : إنها رائحة خمر ، خمر وشواء ... ضحك المجنون حتى دمعت عيناه
وحين توقف قال : إنها رائحة أمي .. صفعه الموشوم على قفاه بقوة واندفع خارج الملجأ
غاضبا وراح يخبط السقف بقوة ويدكه بكل ثقله وهو يصرخ :
-:
أريد جمراتي . ..الآن !!
حيث كان يقيـم بدت
الحياة ممكنة ‘ ثمة دفء وضـوء يغذي حياتـه بانتظام ‘سـيدي ((الآمر)) ذو الرأس
الصغير يبهرني علـى الـدوام بـفعلـه المفاجئ ‘ في اليوم السابع استبدل نجومه
المطرزة بالأصفر بنجوم ذهبية ‘ كان مبتهجاً على غير عادته وراح يختطف نظرة سريعة
إلى أكتافه المثقلة بالنجوم ‘ كان رأسه الصغير يبدو مثل مركز كوني معتم تدور في
فلكه نجوم باردة لا حياة فيها ‘ وربما كانت تلك الرؤية هي التي جعلتني أعتقد إنه
إله صغير عابس يمسك بمصائرنا ويتفوه بأشياء تصعب مناقشتها :
-: لا تبدل في سياقات عملنا ‘ ولا
تتوقعوا دعماً قريباً ‘ إدارتك سيئة سأستبدلك بتيس أخر حالما تسمح الظروف ...
سياقات الغروب في
الشتاء تقضي أن نخرج دمى القش التي نحتفظ بها سوية مع جثث الجنود المجهولين التي
أصر على الاحتفاظ بها منذ مطلع الشتاء ‘ كانت متجمدة بفعل البرد ومنحتها العاصفة
ثقلا وصلابة قاسية ‘ خلف سياج الربيئة المنخفض بمواجهة القرى نشرنا قوتنا
وألعابنا : جثة ، دمية ، جثة ، دمية .. عرضناها أمام
أولئك القرويين الفزعين من وجودنا ،
كان يقف وسطنا مزهواً ويسأل بصوت عال :
-: هل يغامر أحدهم ؟
ساعتها كنا نشيخ
وسط الصقيع ونواسي أطرافنا العاجزة
بمراوحة لا طائل منها فيما راح يتفحص المحيط بمنظاره ، كانت الرؤية متدنية دون
الخمسين مترا فبدا استعراضه المهني بائساً ..
تكومنا داخل الموضع مثل
حيوات عتيقة استنفذت مقومات وجودها، نستمع لصرير العوارض وننتظر انهيار السقف ،
كنا معطلين وغير قادرين على الحركة كنت أشعر إننا متواطئين مع بعضنا ومستعدين
لتقبل فكرة الموت تحت كتلة ضخمة من الثلج ، موت قاس بلا مجد ولا مراسم ، وإذا كان ثمة من يهتم فيما بعد ‘ فلن يعدو
الأمر عن بضعة جثث مزرقة في توابيت من خشب الجام الرخيص .. وقتها كنت أبحث عن صلة
بين شكل النعش الذي يشبه الزورق وبين تلك الرحلة المشوبة بالهواجس والغموض ، ولم
أكن أفهم تلك الفجاجة المنفرة التي يبعثها شكله المقرف، كانت الأشياء والأسئلة تفد
تباعاً وتخبط الداخل العكر المكتنف بالحيرة والخوف ، أشياء من قبيل : الموت بسلام ! موت لا يحتمل خطأ النتائج ،
نهاية مطمئنة لمخاض دنيوي عسير...لا أحد فينا على الأقل كان واثقاً من أي شيْ ،
ربما أولئك الصغار الغير مدنسين أو أولئك الذين لم أصادفهم ، أولئك الناس الذين
يعيشون في مكان ما ويحملون قلوبا ًمن بلور... أذكر عندما كان الموشوم يفلح بتهريب
زجاجة عرق إلى ربيئتنا ، ويغرق في غناء وثرثرة طويلة يختمها ببكاء مر يندب فيه
صاحب حانة يدعى (سرجون) يفعل ذلك وهو يخرج صوراً مجعدة من محفظته ويتوسل أن ننظر
... وأنظر :
كانت نعوش الآخرين
جذابة وأنيقة ومتقنة الصنع ، وهي
تبدو مثل خزائن مترفة ومهيأة لإيداع أشياء حساسة وثمينة ، أشياء أكثر قيمة
من جثة باردة في طريقها للتحلل ، وكان ذلك الداخل المبطن بالساتان أو القطيفة
الناعمة يبدو مثل تقدمة متفائلة لمرتحل وحيد...
لم يحمل إلينا مساء
اليوم السابع أية هواجس، لم تعد مخاطر الحرب الصغيرة تستفزنا أو تثير قلقنا ،
ساعتها كنا نحمل قدرا ضئيلا من الضغينة نحو الأعداء، ذلك لأننا لم نكن مستعدين ولم
نكن محترفين ، كنا خليطاً من كل شيء التصقنا بالبنادق والجبهات بفعل ذلك التهديد
الكامن بقوة البيان الرسمي ، ولم تثر الحرب الطويلة فينا غير جدل سري بين مبادئ
وأخلاقيات متعارضة كانت إحداها تهمس بشكل سري ، فيما تندفع الأخرى لإشهار نفسها
مثل إعلان تجاري ممل ، وربما كان ذلك ترويجاً وتوطئة لتلك الأحلام السرية التي نمت
في عقولنا بحلول صيف ساخن وغروب
سريع للإلهة العابسة على الدوام.
بعض ما حدث
كان بوسعه أن يتحمل أي شيء ، إلا نزق
ذلك الضوء المحير وتحولاته من السطوع الباهر المفاجئ إلى الخفوت التدريجي ، أو
انتقالاته المعذبة في عالم الألوان الحارة أو الباهتة ، وفيضه السخي على جسده
الممدد العاري ، ولم تكن ثمة مصابيح ، أو كوى منيرة تعلل تدفق الضوء أو تبرر
انغماره المحير والكلي فيه ، في تلك اللحظات كانت قدرته على الاستيعاب تتدنى على
نحو مريع ، إذ لم يجد أية معالم للمكان وزمانه ، وكان دوران عينيه المتسارع في
محجريهما يفضح حيرته وبلادته ، لكن الخبرات الجديدة التي أكتسبها زادت من فجوة
ارتباكه وتخبطه ، فحين فقد قدرته على المشي ، راح يتدحرج في كل الاتجاهات ليصل إلى
مكان ما ، لكنه اكتشف انه عالق في متسع من الضوء لا يمكن حصر نهايته ، أو فراغ
مضيء بلا حدود ، فأدرك إنه عالق في متاهة غامضة ومبهمة ، بوسعه فقط أن يتدحرج أو
ينقلب على أحد جنبيه أو يراقب حركة أطرافه الثقيلة ويفتح عينيه أو يغمضهما ،
مستسلماً لانتظار سائب في مكان يخلو من أية مقاييس ، فليست هناك نهارات ولا أماسي
فسطوع الضوء المتقلب ينفي أية صلة بمكان محدد ، ومثلما يهيمن الصمت والسكينة
المريبة على المكان ، كانت أحاسيسه وغرائزه صامتة ومجدبة ، فلم يعد يشعر بالجوع أو
العطش ، انه بالكاد كتلة مشوهة مركونة في انهمار الضوء .
كانت ذاكرته مشوشة تماما ، يلتقط أصداءً
وأصواتاً وبقايا صور موحلة ، يزيل ما علق بها من وحل ، يعيد تركيب رموزها وفهرستها
، لكنها تبدو غير موحية وشديدة الإبهام ، تجوس مخيلته إشارات متقطعة وراعشة لملامح
امرأة متوسطة الجمال ، وامتداد رملي طويل يعج بالصخر النابت ، وقاطرات صغيرة بهيأة
لعب , وأخرى ضخمة وعملاقة ، ولم يكن قادرا على التمييز بين الإيقاع الرتيب لعجلات
القاطرات على القضبان ووقع حوافر الخيول على الأرصفة الحجرية .
كانت ذاكرته وعاءً ضخماً من الأصوات والصور
والروائح ، ارتجت بقوة فصارت خليطاً غريباً من تراكمات الطفولة والمراهقة والنضوج
، امتزجت ببعضها فشكلت تصوراً فوضوياً مبهماً عصيا على فهمه . ولهذا فقد بدت له كل
تلك الأشياء جديدة وغريبة تماما ، وكأنه يتلقاها لأول مرة . وكان بعض الإشارات
والصور المزدوجة تأتيه أحيانا مثل قيء عاصف يهز بدنه فتعتصره موجاته المندفعة ،
وحين يفقد القدرة على قطعها أو فهمها ينقلب على جنبه بعنف متدحرجاً بسرعة شديدة
فتبدو تلك المحاولة أشبه بردة فعل اكتسبت اشتراطها من الانهيار الفوضوي لخزين
ذاكرته المتناثرة .
تستفزه الروائح المتسربة ، يملاْ تجاويف رئتيه
المحتقنة بأبخرتها المتكاثفة في فضاء المكان ، فيطبق جفنيه متفحصاً التضاريس
المعتمة في ذاكرته الممزقة ، ثمة أصداء بعيدة تنبعث على مهل ، تتجاوز الصور
العابرة والمضللة لوعيه المنهار ، وفي اللحظة التي يحاول التقاطها وتصنيفها ، يضوع
في المكان شيء جديد ، عطر غامض ، ترتخي شفتاه المزمومتان يحس بدفء يقترب من وجهه
ويكاد يلامسه ، يستشعر لهاثاً فاضحا قرب أذنيه فتجتاحه ارتعاشه مفاجئة ، تحرقه
الرغبة حين يداهمه إغتلام عنيف يحاول الإمساك بالرغبة الطيف التي تفترسه دون طائل
، يتحسس نصفه السفلي بسرعة وعنف ، يقبض على عضلات فخذيه الهزيلين بقوة ، ويغرز
أظافره النامية فيهما ، ثم يسحبها بعنف شديد ، فتتخلف أخاديد قصيرة من دم وقيح ...
ينوء بألم فخذيه ورغبته المضنية ويعتريه ارتعاش عنيف يكوي جسده فيتدحرج على جنبه
محاولا النفاذ من محبس الضوء الذي يزاد سطوعا كلما اندفع جسده العاري متقلبا في
مداه اللامتناهي .
استنزفه ذلك الجهد فأستشعر عجزاً هائلا يعتريه
ويقيد حركته ، فأطبق جفنيه محاولا درء نفاذ الضوء الموجع إلى عينيه الملتهبتين لكن
ذلك الإطباق لم يوقف اختراقه ، فمضى يتقصى عبر غشاء جفنيه المنفرجين قليلا
انعكاسات لصور ومشاهد مريعة مطبوعة بلون دموي احمر ، فمنحه ذلك شحنة من سكينة
طارئة أوقفت هذيان جسده المرتعش ، فتصلب في كلية ساكنة ، متوافقا مع صمت الفراغ
الذي يحيط به مؤملا بانفراج قريب يلتقطه من هذا الجحيم الذي يفترسه بطرق تدفع به
للسقوط في دوامة من العذاب الذي لا ينتهي ، وحين استشعر حركة حية في الجوار القريب
فتح عينيه مستقبلا ضوءً يتدنى سطوعه بالتدريج ، فاقتربت منه بعض الكائنات وحلقت
فوقه ، حط بعضها على جسده ولم تكن لديه أية ردة فعل اتجاهها كان مستسلما على نحو
كلي ، حين لم يتعرف على ماهية أشكالها الغامضة شعر إنها تجوس في جسد وتعبث به وان
هناك قوة تعتصر رأسه بضغط متصاعد يكاد يخرج عينيه من موضعهما فيطلق صرخة حادة
يبتلعها الفراغ ...
استقر لاهثا على قفاه وراحت أنفاسه تهدأ
بالتدريج فأحس أن فضولا يتنامى في داخله لمعرفة ما حدث ، وحين عجز عن فهم ذلك ،
قرر أن يتفحص جسده فمضت أصابعه تلامس وجهه وتنحدر إلى صدره ثم إلى فخذيه ، شعر إن
جسده تناثر في زمن ما وأعيد تركيبه على نحو فض ، كانت أصابعه تكتشف تشققات جافة
وأثار جراح ملتئمة وأضلاع وعظام منحرفة . انتظمت ذاكرته على نحو بطيء أدرك انه ليس
بالمكان الذي رغبه بقوة فدهمته مرارة قاسية وخذلان مروع ، فانخرط في نواح طويل
وهستيري فراحت أظافره وأسنانه تستبيح جسده وتمزقه بعنف مخلفة جروحاً دامية جديدة ،
داهمه وهن شديد فكف جسده عن الحركة واستغرق طويلا في تأمل غير مجدي لرحلته
بنهايتها المروعة فأيقن انه اندفع خلف وهم أسقطه في متاهة من عذاب لا ينقطع ، فأحس
بجوع شديد ، وفيما كانت حاجته للأكل تتعاظم كانت هناك كتلة حمراء لزجة تقترب منه
على مهل وحين أصبحت بمتناول يده اقتطع جزءً صغيرا منها ودسه في فمه لكنه لم يكن
قادراً على بلعه ، إذ كان المريء مغلقاً بقطعة صغيرة من حزامه الناسف .
بذور
قلب الأرض المعتمة لم
ينبض بعد , مكوناتها المنتصبة أو
الهامدة على سطوحها السود والتي تلصف بشدة كانت مجرد عواكس للضوء المنهمر على حافاتها الحادة أو
المسننة ، وربما كان ذلك وحده المؤشر الوحيد على وجودها ، فلم يكن ذلك الارتداد الراعش الموحي بحياة زائفة غير رجع للضوء
القادم من الغيوم المجدبة التي تبرق دون توقف على سطوحها البلورية أو الصخرية
الملساء .
ثمة ما يوحي بأن الأرض الداكنة كانت متحررة من
احتواء العروق الضخمة والجذور المتينة المفترضة لتلك الكتل المنتصبة والتي تبدو
مثل غرس عشوائي إذ بدت بعض الحفر المتاخمة لتلك الأشياء المتعامدة مثل تجويف صخري
مجدب خال من أية جذور . لم تتبلور بعد قاعدة تقاسم الأشياء فمازالت الظلمة تزحف على المكان من كل الاتجاهات
فيما يجهد النور هو الأخر لاختراق تلك السحب الكثيفة مرسلاً خيوطاً واهنة لا تكفي
لإضاءة العالم الجامد في الأسفل فكان المشهد برمته معلقاً وسط هذا التنازع . الصمت
العميق الشامل هو الأخر يهيمن على الامتداد الغائر لذلك التكوين ولم يكن الشك سوى
بذرة صغيرة كامنة في رحم هذا السكون الثقيل , كانت خيالاته الرخوة تنزلق أحيانا من
باطن هذه الأشياء الميتة لتجوس حافات المكان بحثاً عن حيوات تستقر فيها , فكان
يتشمم التربة المحيطة بالمكان كما لو إنه قطع وعداً بأن يستنبت البتلات اللامرئية
التي تعبث بأحشاء ه كي تستوطن أية حياة تصادفها ....
الفضاء القريب المزدحم بالأبخرة والغازات
العقيمة ينسج من غيومه البيضاء أعشاشاً تأوي الخيوط البيضاء المنفلتة من السطوح
المالحة والعذبة , يغريها بالارتفاع والتسامي إلى أمداء أبعد إلى كمائن البرد
المتسرب من مجاهل الأزلية الغامضة , هناك وسط الصمت المتعالي يجرى التحول ، إذ
تستبدل الخيوط البيض بشرتها الرقيقة الترفة وتتحول إلى بلورات صغيرة مائعة ، كروية
مرة وبيضاوية مرة أخرى لكن هذا الارتفاع الباعث على الدوار والغثيان المقزز يفزعها
فيعصف بها الحنين فتندفع جزعة نحو الأسفل ملتحمة ببعضها أحياناً فتغدو قطرات كبيرة
ناضجة عذبة أو ذرات هائمة بلا خيار ، لكنها تفلح مع ذلك بالتماسك لتشكل خيوطاً
وحبالاً من ماء هابط من الأعلى نحو الأسفل المريب المغاير أحياناً لموطنها الذي
حلقت منه خيوطاً واهنة وعادت بهيأة أخرى لكنها مازالت تقبض على كيانها المتشكل من
ذرتين مختلفتين لم تنفصلا رغم ارتطامهما بتلك السطوح القاسية .
الأرض الهشة ابتلت فأنتفض الغبار قليلا ثم عاود
الهبوط مثقلا بالبلل ليستجلي حقيقة هذا الوافد المحير الذي أشاع في المكان رائحة
لم يألفها من قبل ، تلك الرائحة التي أغرته على معاودة اكتشاف هذا الأتي من السماء
والالتحام به : كان هاجس الشك الكامن في تلك الأنحاء ، فأندفع عارياً مواجهاً
الانهمار الرتيب مصغياً بتوجس لإيقاعات لم يألفها من قبل لكنها رغم غرابتها بدت
محببة وحميمية ، فأرتفع قليلا بجسده الأثيري وراح يتفحص المكان باحثاً عن وجود
جديد أو نظير أخر قد يوقضه هذا الطارئ الجديد .
اتخمت الأرض الهشة بماء المطر وتراجعت الغيوم
لحين مفسحة الطريق لهبوط النور كي يضيء الشقوق المعتمة ويبعث الدفء في الأماكن
الرطبة والمتجلدة كانت بعض البرك الصغيرة قد جفت وأحتفظ البعض منها بقليل من الماء
، لكن الأماكن الظليلة الدافئة كانت تخبئ الصلصال الوليد بلونه البني المائل
للحمرة ، فكان هذا الحنو الفخم مظلته ودرعه الواقي من الجفاف والتعفن وربما كانت
الصدفة وحدها هي التي جعلت حاجته للماء والنور المنهمر من كتلة السماء الملتهبة
مقننة فلم يكن متخماً بكل الأحوال فقد بدا طرياً وقابلا للتشكل وظل يحتفظ بخلاف
الموجودات برائحته الخاصة إذ كانت شيئاً جديداً فهي لم تكن تشبه رائحة الصخر
المنصهر أو التراب المختلط بالحصى وجزيئات الرمل ، هذه الميزة صارت تؤنس الهواء
البارد المستتر بالظل فكان يلامس سطحه برفق وحين تكون الفرصة مواتية يطبق الصلصال
على بعض منه فتغوص تلك النفحة التي لا تملك رائحة ولا لون في أعماقه الباردة لتخرج
بعد حين بهيأة فقاعة صغيرة حاملة معها رائحة مسكرة فتندفع نفحات أخر معاودة الهبوط
من جديد حتى تضوع في المكان أنفاس الصلصال المميزة....
لم يكن هناك عد تنازلي لليقظة كان السبات طويلا
ومكلفاً استبدلت خلاله كل الأشياء قشرتها وجلودها القديمة بشفرات الرياح والعواصف
ومرارة القيظ اللاهب واستسلمت أخيراً لمنطق الصدفة ومساراتها المكتنفة بالمفاجآت
وقيود الانتظار. في الأيام الصامتة
يتقصى الشك المعمر الوجود المتناثر حوله وكانت المياه التي يتوسد الضباب سطوحها
الساكنة تبعث فيه إثارة مستديمة فاعتاد أن يندس بين الضباب وسطح الماء المتجلد
مفتشاً عن أية رعشة أو رفيف يمكن أن يؤنسـه أو يحتويه إذ كان مكتنزا ببذور الأسئلة
والريبة المضنية ، لكن التجوال في ذلك المتسع كان يعيده دون أن يفهم نحو نقطة
البداية ، كان ذلك الفشل المتكرر هو الذي يدفعه إلى تقصي أماكن أخرى منساقاً خلف
حلمه باختزال معاناته من تلك الوحدة الأزلية التي تعبث به دون توقف ، فحدد أماكن
أخرى لبحثه إذ كانت رغباته هي الأخرى عرضة للتغير الذي تمليه العصور والسنوات التي
كرست نفسها لخدمة الموات والصمت ....
الخيبات المتصلة جعلته ينأى عن وجه الماء، فمضى
يتحرى القفر منجذباً نحو ألاماكن التي عافها لدهور لا يمكن عدها إذ كان توالي الأزمنة وخواءها وضيقه بوحدته القاسية
يراكم في داخله أسئلة جديدة ساخطة ومشبعة بالمرارة والقرف من هذا العالم الجامد
المحير ، فلم يعد يذكر عدد خيباته والأوقات التي تلاشت فيها أماله حين تهيمن
الظلمة على المكان لزمن يفوق معارفه وخبراته البدائية التي نحتت إحساسها بالزمن
على الصخور والكهوف أو طمرتها الزلازل وتصدعات التربة في الأعماق السحيقة متأملة
أن تفكك شفراتها في عصر ما ....
الأماكن الدفيئة التي تضوع منها رائحة الصلصال
استرعت انتباهه ، حط خفيفا على حافاتها تفحصها دون أمل ، فكر إنها خيبة أخرى شأن
الأخريات ، كان محبطاً ومرهقاً فانزوى على الجرف الرطب متأملا ضوء النجوم الفتية
اللامعة وذيول النيازك الملتهبة الباهرة ، كانت فكرة الهجرة تراوده كلما تضخم
إحساسه بالتعاسة ، لكن حدساً قوياً كان يوحي له بأن تلك النجوم الراشحة بالألوان
المثيرة كانت أكثر جدبا من هذا المكان، ومع ذلك فقد كانت أماله التي روضتها الدهور
بالخواء المجرد من أية رفة أو همسة واعدة
تحتضن في أعماقها أحلاماً ضامرة لكنها حية ....
ووسط هذه الانشغالات كان ثمة كائن صغير بلا وزن
أو حجم يذكر يتخلق في عمق الصلصال الدافئ ورغم حركته الضعيفة إلا إنه استطاع أن
يلتقط نبض الحياة في داخله ، تجمد لزمن
، خضه فرح باعث على القشعريرة ، هبط إليه مخترقاً دفء بركة الطين تأمل
الكائن الرخو كان ضعيفاً وهائما دون وجهة محددة لكنه لاحظ إنه اصغر بكثير من أن
يحتوي بذور الأسئلة التي تملأ دواخله المعبأة بألغاز الوجود العصية ، ومع ذلك فقد
كان سعيدا وهو يراه يكبر قليلا وينشطر إلى كائن أصغر ، وراح توالي الانشطار يبهره
، فمضى يسبح وسط ملايين الحيوات الصغيرة ، وكانت ترتعش وتنبض بلا قلوب ، وتتهرب من
ملامسته لها ورغم ذلك فقد صار منتشياً بهذا العالم الخام والحي المتشكل حوله ....
منحه هذا الحدث الفرصة في أن يسترخي قليلا قرب
المكان وأن يشحذ أماله الضامرة ويوقظها وأن يجد من يحتضن هذه الإلغاز التي يكاد
التقادم يفسدها ، إنه يحس بثقل جسده وربما هو الآن أكثر حاجة لوريث جديد أو شريك
قادر على التواصل معه إذ كان يدرك على نحو ما إن جسده الأثيري غير قادر على الطواف والعيش في هذا المكان إلى
الأبد .
لم يكن يعرف كم استمر هذا الاسترخاء لكنه كان
مهتما بتلك الأشياء التي تخرج من بركة الطين ، يتأمل زحفها البطيء أو قفزاتها
الصغيرة المنهكة واحتضارها على الحافات الندية ، ويصبح عرضة للإحباط عندما تفشل
هذه الكائنات بحمل أسئلته وتنهار حالما يودعها في عقولها الصغيرة ، ولم يعرف على
وجه التحديد من أين تأتي تلك الصور والإيحاءات الغامضة التي جعلته يلبث منتظراً
لدهور موقناً بأن حامل الأسئلة سيكون جميلا وفارعاً ومنتصباً على ساقين قويتين
....
غفا على حافة الصلصال حالماً بأن يوكل المهمة
للكائن الجميل القادم وربما يهاجر فيما بعد لإيقاظ أكوان أخرى .
حدود الصمت
دقات الساعة الجدارية تعلن عن الثانية عشر مساءً ، لكن عقاربها لم تتسلق
الثامنة بعد ، مفرش المائدة الكبير لم يكن على المنضدة ، كان يتوسط أرضية الغرفة
التي بدت خالية من الأثاث ، تسربت الكراسي وصحون الخزف والفضيات الصغيرة ،
تلاقفتها عربات الباعة المتجولين ، عشاء الليلة الذي طالما امتدحها من أجله لم يكن
بالإمكان تمييز شكله إذ كان ضوء
مصباح النيون المعطوب يخفق مثل قلب طائر صغير ، فيكرر ظلالهم السوداء على الجدار
المتسخ دون توقف .
كانت تعتقد إنها ربما ارتكبت حماقة صغيرة ، لكن الأمر يبدو أكبر من ذلك ،
تذكرت إنها باعت معظم مدخراتها الثمينة دون أن يكترث أحد للأمر ، وحين قرر أن يبيع
أثاث غرفة النوم ، طلبت منه على استحياء أن يعوضها بخزانة صغيرة لتحفظ ملابسها
القديمة التي لم تعد تناسب مقاسها لكنها كانت مجرد تلميح باهت لمكونات جسدها
الجميلة التي قضمتها سنوات المعاشرة والحمل وكدح قاس في منزل كان محطة للأقارب
القرويين القادمين من المناطق النائية ...
صحن ثريد الفاصوليا الكبير يكاد يبرد , كانت هناك طبقة سميكة من النشأ
المصفر قد تشكلت فوقه لتحول دون تسرب أية رائحة يمكن أن تفتح شهيته للطعام ، خمنت
إن تكرار اعتذارها قد يساعد على كسر رغبته في العزوف عن الطعام ...
_: بوسعي أن أستعيده ، لم يكن أمامي أي خيار ، لقد فاجئني حضورهم ...
لم تكن هناك أية تعابير مرضية على وجهه ، كانت بشرته الدهنية تلصف تحت وهج
النيون المرتعش فتكشف عمق الأخاديد العابسة المطلة عل المائدة البائسة ، فكرت إنها
ربما صاغت كلاماً سيئاً وأن ما قالته كان تبريراً ينقصه الاعتذار ...
_ : إذا تدبرت بقية المبلغ ربما سأشتري ما هو أفضل منه ...
الساعة تعلن مرة أخرى عن
الواحدة بعد منتصف الليل ، يرفع رأسه نحو ميناء الساعة العريض كانت هناك غلالة
رمادية تتلبس الكيانات المحيطة به ، ولم تكن تلك محض رؤية طافحة من دواخله
المحتفظة بإرادة تتحايل على التشذيب والتكيف ، لكن الأشياء هي التي اختارت ألوانها
الكابية ، بالنسبة إليه لم يكن الأمر سوى مفارقة باعثة على الحزن احتمل وقعها على
مضض ، لكنها كانت تهرسه كلما دلف بعض الشوارع والأمكنة ليصدم بذلك الصراخ الفوضوي
الذي تتقيأه الجدران ، أو ذلك الاحتكاك المنتج للتوتر المؤسس على خلفيات عتيقة
باهتة أعيد إحياءها بألوان صارخة مستفزة ، كلام يسمعه في الباصات ويحسه بانشطار
المقاهي ، وثرثرة المتقاعدين بطوابيرهم البائسة والمهملة ...
أصبحت قدرته على التواصل مع
العالم تتأرجح ، أدرك هذا حين تفحص المسافة التي تفصله عن الأشياء والناس الذي
يسبقونه أو يتراجعون منكفئين خلفه ، فمضى يتعامل مع الزمن المندفع أمامه والذي
يجرف معه الأشياء الجيدة والرديئة تاركا فرصاً ضئيلة يتقاتل البعض من أجلها ،
بوصفه شذوذا عن المسارات الحالمة التي ينتظرها .
ولم يكن الانزلاق يثير قلقه حين أصبح القيم على نصف قرن أو يزيد من الكبوات
والانتصارات الصغيرة التي لم يسجلها على أحــد ، كانت تلك النجاحات ابتكاره الخاص
لتحجيم رغباته وطموحه ,اختياره الغريب في أن يكون بذات الموقع ، في منتصف الطريق
بين النجاح والفشل بين السقوط في الفخاخ أو الالتفاف بحذر حولها ، كان ذلك مكلفاً
أيضا مع إدراكه بأن منتصف الأشياء ووسطها ليس أفضل النعم ، وحين يكون في أفضل
حالاته كان يواسي ذاته يتحايل عليها يعدها بأن القادم أفضل ، لكنها تحاججه بنصف القرن المنصرم من
الوعود المغبرة وتناكده بفتح مغاليق الاكتئاب المحزن ...
أحزنها ذلك الانقباض الذي يطبق على ملامحه لم تكن تتصور إنها سببت كل هذا
الألم ، كانت تراقبه وهو يلوك ببطء قطعة الخبز المنقوعة بالمرق وهي تدرك جيداً أن
لا سبيل للمصالحة هذه الليلة ، فهي لم تعتد هذا المستوى من الغضب الذي يفيض من
دواخله ، في الماضي الذي يبدو ألان لها مجرد محطات غريبة توقفت عندها وهي بين
اليقظة والحلم ، كانت قادرة على إزاحة بعض همومه وامتصاص جزءً من نقمته ولعناته
التي يصبها على الدنيا المشاكسة وأولئك الذين تسببوا بكل هذا الألم المزمن ،
ساعتها كان تحت السيطرة بشكل ما ، لكنها لم تكن تتصور إن بيع جهاز راديو عتيق يمكن
أن يتسبب بكل هذه التعاسة التي أغرقته طيلة اليوم ...
_ : إنني آسفة... أنت تدري إن نصف ثمنه كان لإطعام الضيوف ...
أصبح الضيوف من الأقارب القادمين من القرى والقصبات النائية هوامش لصلات
عائلية مجردة ، وكانوا مواساة للبراءة التي تفتقدها المدن ، تذكرة بالأشياء التي
لم تعد لها طراوة في مخيلته ، كان بوسعه أن يستجمع ذاكرته ليعتصر منها رائحة حقول
الرز ، وتحولات ألوانها من الأخضر إلى الأصفر الذهبي في موسم الحصاد والابوذيات
المحمومة الطافحة بالغزل والتوجع ، لكن السمات الأخرى انفصلت بالتدريج مثل مشيمة
فقدت وظيفتها شيء ما راح يحول بينه وبين تلك الحياة، لم تكن الهجرة وحدها سبب
الانفصال كان روافد فهمه تتغذى من ينابيع عميقة أخرى ...
اكتشف انه بحاجة لترويض وجوده كي يتواصل مع هذا العالم المندفع ، رغم شكوكه بأنه غير قادر على ذلك وهو ينوء بنصف قرن من
الإحباط والإخفاق والرغبات المطوية ، كان بوسعه فقط أن يتشبث بقوة بحافات طبقته
التي تتآكل من حوله والتي راح يتفحص أسباب تفتتها بمنطق رياضي لاغياً العواطف
والمبررات الذابلة ، كان اندفاع الأشياء لتشكيل نفسها على جذور ميتة ظاهرة تثير
قلقه ، ولم يعد من الممكن أن يقنع الآخرين بأن ثمة مفارقة غريبة بين ما يحدث هنا
وهناك ، ما يثيره حقاً هو تلك المكونات المرتدة أو المنكفئة نحو عوالم هجرتها
وعادت مرة أخرى تنقب في باطن أروقتها بحثاً عن الرقم الطينية ونبوءات عودة
المخلصيين والخيام المصنوعة من شعر الماعز التي طمرتها الرمال ...
ساعة الجدار تعلن عن الثانية بعد منتصف الليل لكن عقارب الميناء السوداء
مازالت تقترب من العاشرة مساءً ، لم يرفع رأسه هذه المرة ، ذكرته بأن قدح الشاي
يكاد يبرد ، لمس حافته الدافئة ، امسك بالملعقة الصغيرة وراح يصنع دوامة صغيرة في
باطن القدح ...
الحراك ... الحركة ... دوامات صغيرة عابثة تجعل الأشياء تصطدم ببعضها حيث
تتنحى القطع الهشة أو تذوب وربما تختفي أو تنهار وقد تكون مخادعة فتستقر هناك في
الأسفل بلا حراك منتظرة أن يتوقف هذا الدوران لتطفو مرة أخرى على سطح المشهد ، لكن
الأشياء الطافية غالبا ما تفتقد للجذور ، الجذور التي تكبلنا بالمكان أولا ثم
تمنحنا الفرصة لكي نستظل بزمن ما قد لا يترك أية فرصة للتسكع والمراوحة التي تخفي
خلفها طمأنينة مريحة ووعوداً زائفة
، الزمن مخادع كبير حتى ابتكاراتنا الدقيقة لم تعد قادرة على ضبطه شأن هذه
الساعة التي تهذي دون طائل ...
_: أترغب بقدح أخر ؟
أدرك إنها تجاهلت عاداته التي درج عليها منذ سنوات ، فلم يحصل إلا في حالات
نادرة أن تناول قدحين من الشاي ، وهو يعي إنها تحاول أن تختلق أية مناسبة للحديث ،
السؤال المنكسر الذي اجتاز حبال الحنجرة المرتبكة حمل معه كل ألمها الداخلي ،
ولأول مرة شعر إنها متخمة بفيض من الحزن العميق المذل ، ولم يكن راغباُ بالحديث
مرة أخرى عن الموضوع ، لكنه أيقن إن تجاهلها في هذه اللحظة بالذات سيشرخ شيء ما في
داخلها ولم يكن ذلك هدفه على الإطلاق...
_: كان مجرد نافذة ، لكن الأمر لم يعد مهماً ، الأشياء الصغيرة يمكن أن
تعوض ، ليس هذا ما يشغلني ... يجب أن تتوقفي ، إن ذلك ... يذلني ...!
انسحبت إلى الداخل كتلة صامتة متوترة بلا أجوبة محددة ، لكنها خمنت إنها
واحدة من دورات الاكتئاب التي يمر بها بين فترة وأخرى ، ومع ذلك فلم تتمكن من منع
الصحون والأقداح من الارتطام ببعضها بقوة ، كان التوتر ينفلت من داخلها عبر يديها
المشبعتين برغوة مسحوق الغسيل ، وكان ذلك مثل مراسلة بشفرة ( مورس ) تفصح عن
الكثير من القلق ...
إجابة خاطئة ، رمية غير موفقة ، لم ترعبها بما فيه الكفاية ، عليك أن
تجعلها ترتعش ... كان ذلك صوت الداخل المستفز الرابض في أعماقه ... ارفع صوتك دعها
تفهم ، إننا صرنا مجموعات محتقنة ننشطر مثل الحيوانات المجهرية تحت ذات السقف الذي
خوزقنا تحته ، وأبحث عن عدة ممثل ميت واستفد من خبراتك ، وشم صغير على الجبهة
ومسبحة في اليد ، في الأماكن المزدحمة اربت على مؤخرة من تشاء ، لا تقلق فأنت تحمل
رموز براءتك ، بوسعك أن تلبس بدلة متسخة وتحدث عمال المسطر عن جيفارا والأول من أيار ، فكر أيضا ببدلة جميلة
وربطة عنق لفنادق الدرجة الأولى وصالونات الباشوات الجدد حيث يتسلى الجميع بتبيض
أمولهم ، حدثهم عن بورصة نيويورك ومؤشر نيكي ومنطق ( الوشاة) وتراويح الأمراء
ووضوءهم الدموي ، ابتعد عن أماكن العبادة وتجمعات المثقفين ، عد لبيتك قبل الغروب
اقعي أو اضطجع مثل كلب حراسة هرم ولا تتساءل كيف بدأ هذا ومتى ينتهي ، افعل ذلك
لتنجو ...
_: ليست الأمور بهذا السوء !
_: تأمل العالم الآن ... تجاهل الماضي ومنطق الآخرين ...
_: أنت لا تتفهم الوضع ... عندما يكون المرء نتاج قرن مضى بكل هفواته
وحروبه الباردة والساخنة ، ثم يطل فجأة على أرضية قرن جديد ومختلف ، لا احد يستطيع
أن يتبين كيف التبست الأمور الى هذا الحد ، إن هذا المأزق هو طفح رغباتنا ، هوسنا
المنفلت ، نحن مازلنا نحمل في داخلنا سحر السطوة الغاربة ونمجد روح الهراوة
الأولى التي شجت أول رأس ، لقد
أفقنا من كابوس وفتحنا أعيننا على جحيم أخر ، أعترف إننا ننكمش ونميل للصمت ، لكنك
مستتر في داخلي محمي بهذا الجسد والرأس المطل على الشوارع المقفلة بالحواجز
الإسمنتية والذي سيقطع في يوم ما دون سبب ، نحن نصوت وننتخب بالمدارس التي تحولت
إلى ثكنات ، لم يكن ذلك الذي غمسنا فيه أصابعنا حبراً ... أنت تعرف ما يكون !!
وتعرف كيف يروضوننا !!
_: آه كم تبدو صغيراً وأنت تتدثر بلحاف المؤامرة العتيق !!
_: كانت ذرائع غيري ، لكنها اليوم هاجسي ..
_: هكذا بلا يقين، تجعل الأمل يتخندق بالصمت !!
_: لدي ، لدى البعض حدس قوي .. .. لدي .. ومضت نبراته
تعلو ...
بدا صوته مثل نداء استغاثة منهك طوته دقات الساعة وهي تعلن الثالثة بعد
منتصف الليل , تحركت باتجاه الغرفة وهي تسحب قدميها المتورمين ، كان يعتصر رأسه
بين ركبتيه ليخرج شيئا محتبسا هناك ، لم تألف هذا الاضطراب من قبل ، وضعت يدها على
رأسه رفعته بلطف ، تأملته ، كانت عروق جبهته الساخنة تخفق مع ضوء النيون المعطوب
...
_: ليلة سيئة !! أنت محموم ، هل ترغب بشيء ؟
كان راغباً في سحق تلك
الساعة المخادعة وان يحصل على حبة أسبرين وقدح من الشاي و .. و .. ، لكنه فضل
السكوت منتظراً أن يكسر في يوم ما رتابة عاداته ووقاحة صمته .
بوابة الحناء
انحسرت إشراقه وجهه التي فردها قسراً وهو يواجه ذلك الحشد المتدافع في
الزقاق المهجور‘ إحساسه بأنه طارئ على هذا المكان ‘ جعله يراوح في مكانه ‘ بوسعه
الآن وهو في ذلك الموضع أن يرصد أثار الكآبة والملل التي فرضها الانتظار الطويل
على المحتشدين المتطلعين نحو أخر الزقاق حيث البوابة الصغيرة التي كادت أن تغطيها عجينة
الحناء الجافة والمتقشرة ، أمعن في وجوه النساء المطبوعة بذلك الرجاء التوسلي ‘
الرجال المتعبين بلحاهم النامية ‘ تأكد إنهم أمضوا بضعة أيام في هذا المكان
ومازالوا يتطلعون نحو بوابة الحناء وخمن إنهم يمتلكون دوافع متدنية ‘ وإن من العدل
أن ينظر في دوافعه التي تشغل البعض وتجعل مصائرهم معلقة ومتأرجحة على بوابة زمن
مرتد ابتلع مسراتهم وسخر من ملاحمهم التي مجدت كل حروبهم الخاسرة وصراعهم الطويل
مع أعداء الداخل العزل ‘ ثم نشرها مثل غسيل متسخ أمام الآخرين ‘ كان هذا التذكر
الموجع كافياً ليحرك الغضب المحتبس بداخله والذي مهد لنهوض أحاسيس اعتزازه بنفسه
وخبراته المختزنة في اختراق الآخرين وتفتيت صفوفهم ، فأندفع يزيحهم من أمامه
مستفيدا من انشغالهم بمراقبة البوابة الساكنة ، فنجحت أكتافه العريضة وساعداه
الضخمان في نقله إلى وسط الجمهور ، ومع ذلك لم يقترب كثيرا من البوابة إذ ما زال
في منتصف المسافة ، لكن صار بوسعه الآن أن يتفحصها دون أن يشغل ذهنه بقراءة الجمل
والكلمات المحفورة أو ذلك الكم من الرسوم التي حالت ألوانها ولا تلك النجوم الخشبية النافرة بحوافها المثلمة
والنقوش النباتية التي تحيطها والتي لا تسمح لغير الخبير بالتعرف على نقطة
ابتداءها ، ثمة ما يشده بقوة إلى الناس المرابطين في زقاق البوابة ، أستنفر كل
حواسه للتعرف على سبب قدوم الأصحاء منهم إلى ذلك المكان إذ كان متلهفا ًللتعرف
بأولئك الذين يتقاسمون معه مرارة هذا الانهيار‘ لكن دواخله المتوترة كانت تغلق
بوابات الاستنتاج ولهذا فلم يجد غير تراكمات اليأس الطافح على ملامح المعاقين وتلك
الفرادة التي تميز السحن المنغولية ‘ وفكر:
إنهم في الطريق إلى مقاطعة الأمل وولوج
بوابة القنوط ... وتسأل: متى سأصنف
معهم؟
ورغم شعوره بالترفع عن السؤال لكن مخاوفه من
وجوده محشورا بينهم لمدة طويلة قد يفتت رغبته بدخول البوابة ولهذا فقد بدت ملامح
الرجل الملتصق بكتفه الأيسر أكثر ودية ومشجعة للحوار . .
-: هل ثمة نظام للدخول ؟
لم ينتبه الرجل لسؤاله كان ساهماً وهو يواجه
البوابة لكنه فهم القصد بعد تكرار السؤال ..
-: ليس هناك نظام معين ‘ لكن لو حالفك الحظ سيطلبونك
بالاسم من خلف البوابة .
أنهى الرجل حديثه بابتسامة باردة لا تفصح عن شيء
لكنه شعر إن عليه أن يكشف عما يشعر به ...
-: أتمنى أن لا يتسمر الناس هنا من أجل إشاعة أو
خدعة صغيرة .
هز رأسه موافقا وشغل نفسه بمتابعة الوافدين
الجدد وحين لم يجد من بينهم وجها يعرفه دهمه إحساس ممض بالوحدة والضياع وكان هذا
الإحساس يستفز الجزء الساكن في داخله فبدا وكأنه منشطر على ذاته وهو يحاور الجزء
الساخط...( أعترف إنني أكاد أضيع وسطهم فيما أتوجس أن يرتبك هذا الحشد ويندفع بشكل
هستيري فأسحق تحت أقدامهم .. ميتة شنيعة تتفتت فيها العظام وينهرس اللحم تحت وطأة
أحذيتهم البالية .. لكن الأمر يستحق المخاطرة ‘ إن ما أحتاج إليه فعلا هو ضربة حظ
عادلة وان لم تكن فبضع ساعات أو بضعة أيام أخرى أضع فيها حدا لهذا الجنون ) .
لكزة المرفق الخفيفة سحبته من تهويماته . كانت
يد الرجل الواقف إلى يساره تلوح بلفافة تبغ . التقطها دون رغبة وبعد بضعة أنفاس
شعر إن من اللياقة أن يتحدث قليلا ..
-: لديك حكاية كما أعتقد !
تردد الرجل قليلا قبل أن يجيب إذ اعتقد إن من
المخجل أن يقص حكايته لكنه توسم إن محدثه ( أفندي محترم) وأن القصة قد شاعت منذ
فترة ومن المؤكد إن الرجل التقطها من إحدى الصحف ..
-: ملخص الحكاية إن عجزا جنسيا أصاب الرجال في( حارة الزعفراني
) ولك أن تتخيل خطورة موضوع كهذا ‘
فلا أحد يستطيع أن يضع عينه بعين امرأته ، بحثنا الأمر مع الحكومة وطالبنا برفع
الحجر الصحي عن الحارة وتوفير الأدوية المناسبة ، لكنهم مصرين على ضرورة التداوي
بالأعشاب فهم يعتقدون إن الطب العربي هو الأفضل .
لم تدهشه حكاية الزعفراني لكنها رفدت مخاوفه بأن
هذا العالم سوف يتفتت وينهار بفعل تناقضاته ‘ ففيما يصيب الآخرين عجز غريب تفجرت
في مدينته فورة إخصاب مقلقة ‘ كل شيء يتناسل فيها بشكل مريب ‘ فلم تسجل مستشفيات الولادة والقابلات
المرخصات أية ولادة مفردة منذ اجتاحت فورة الإخصاب المدينة وأطرافها ‘ وكأن قلب
العقم انفطر وتشظى فمالت الأشياء مجتمعة نحو تناسل غير مألوف ، فامتلأت الأرحام
العقيمة بالتوائم واجتاحت الفحولة أصلاب الشيوخ ‘ هذا التحول مسٍ بجنونه كل
الأشياء فتدفق الماء من الينابيع والعيون الناضبة ‘ ومالت الأشجار وانحنت جذوعها
المستقيمة من فرط ثقل ثمارها ‘ وتضخمت أثداء المرضعات وغاصت حلماتها في الأفواه
الورديـة التي لا تكف عن الصراخ ...
فوضى الإخصاب هذه هي التي قادته إلى زقاق
البوابة وكان يأمل أن توقف بكل قدارتها التي تناقل الناس أخبارها شفاها منذ قرون‘ ذلك التصدع الذي يشرخ كيانه وأن تمنحه فرصة استعادة حياة
كان ينعم بالجانب المنضبط والصارم فيها ، إذ لم يعد الوقت يسمح بأية مناورة صغيرة
فكل الأشياء تزحف نحو الحافة , ولهذا وعندما كانت تجتاحه حالات الانقباض النفسي
كانت شرفته العالية تبدو مثل عين جديدة يتأمل من خلالها المدينة الساكنة قبل طلوع
الشمس ويتمنى أن تظل هكذا إلى الأبد غارقة في صمتها وموات حركتها وربما كانت تلك
هي اللحظات الوحيدة في يومه الطويل التي يشعر فيها إن المدينة كفت عن جنونها وعادت
إلى رشدها واستعادت حياتها القديمة فينسحب من شرفته وحيدا ليغرق في حلم طويل ...
توقف المرضى عن التوجع والشكوى وأقفلت أفواه
الممسوسين وغرق الحشد في الصمت عندما أعلن أحدهم من خلف البوابة بصوت واضح ..
-: سيجد المرضى والمحتاجين من يهتم بشأنهم في دار الإحسان .
تململ الناس وأحتج بعضهم بصوت خافت ‘ لكن حركة
انسحابهم من مؤخرة الزقاق باتجاه دار الإحسان بدأت بالتسارع وكانوا يمرون من أمامه
دون أن يعيروه انتباههم تاركين سحابة من غبار أقدامهم تحوم ذراتها في فضاء المكان
، أخرج علبة سجائره وأشعل واحدة منها ثم مال على إذن الزعفراني هامساً .
-: هل تفكر بالانسحاب ؟
-: ربما !
كانت ظلمة المساء الزاحفة تلتهم بقايا نهارهم
المرهق وتمحي معها ملامح البوابة ودور الزقاق المهجورة ومع ذلك فقد بقيا وحيدين
ومتصلبين وكأنهما يتممان عتمة المشهد .
* استفاد النص من دالة
العجز في رواية ( وقائع حارة الزعفراني ) للروائي الكبير جمال الغيطاني
المسرات المفتقدة
في السنة (صفر ) كانت الآلهة فتية والكون متسع بشكل مفرط ، ولم تكن
النهارات تشبه بعضها ، كان الزمن يسيل من إناء الكون الشاسع بقدر ما يريد محتفياً
بهذه الأزلية الناشئة : توأمه الفريد والغامض ، كانا منبهرين بهذا النشوء المتزامن
، متماهين مع لهو الآلهة الطويل وتنقلها بين المجرات النائية. وحين يدركهم الملل
قبل التعب ، يتقلص رحم النور الكوني الآتي من شموس المجرات المتباعدة بمسافات
هائلة ، لتحط العتمة على أكتاف الوجود الهائل فيتجلد كل شيء ، عندها تدرك الآلهة
إن هذا الكون اللامتناهي لم يعد سوى زرقة معتمة وصقيع ونيازك ضالة تتحاشى غضبهم
شاقة طرقاً مجهولة نحو المجرات القصية ، فيهرعون إلى ذلك المجمع الترف والفريد ،
حيث يتسلون بحساب النجوم الجديدة والهالكة ، ويدفعون عن بعضهم سورات الاكتئاب
والملل بعروض القوة والتذاكي ، ثم
يستسلمون واحداً تلو الآخر لإغراء النوم ، فيسبتون دون حساب عندها تزدحم الفراغات
والثقوب السوداء بالسكينة المريبة وتتناسل بهدوء نجوم جديدة وتذوي أخرى مخلفة ضوءً
باهتاً لا يعني سوى حياة غاربة ، ساعي الآلهة القيم على أسرارهم لا ينام فهو
الموكل بتدوين تفاصيل الجمل
والكلمات التي تنفلت من أفواههم خلال سباتهم الطويل ، وكانت الكلمات والتأوهات
المنفلتة من بين شفاههم تفاقم إرباكه وتجعله يتساءل عن تلك المعاني الغامضة
والمتكررة التي استهلكت آلاف المجلدات الضخمة وظلت تعبث بعقله لدهور ...
في الأسفل حيث يفترش الماء معظم الكوكب المعتمد على شمس وحيدة ، كان الجليد
يزحف على الأراضي والغابات البكر فتشحب الخضرة المنفتحة على الوجود الجديد المفعم
بالحياة البكر ، وتنهار الكائنات
التي لم تتسلح بفطرة المواجهة .
الكائن المنتصب الماشي على اثنين راح يتقهقر نحو الجنوب ملتقطا أخر الثمار
المثلوجة التي ضربها البرد ، تاركاً خلفه ملايين الحيوات النافقة ، كانت ريح
الشمال تدفع رائحة الموت خلفه وهو يجوس متاهة عالمه الذي لم يحدد أبعاده بعد ، ولم
تكن الملاذات الدافئة المفتقدة غير حلم عصي يوخزه كي يندفع بمغامرة الهبوط من
الشمال المتجلد نحو الجنوب الغامض ، رحلة الكائن ذو القدمين المفلطحتين المعصوبتين
بفراء الماعز تزامنت وذلك السبات الطويل لآلهة المجمع السماوي ، كانت ألازمان تتدحرج
على سطح الكوكب الصغير والكائن الفارع يتناسل مثل فطر ألاماكن الظليلة الرطبة دون
توقف وينسج قراه وفخاخه في الأحراش والغابات ويلج البذور في رحم الأرض ، وحين
يرهقه الكد اليومي ويتسلل الوهن إلى عضلاته يحتويه المساء فارشاً دثار المخاوف
القديمة التي تمكن من ترويضها بإطلاق ضوء مشاعله .
كانت المساحات المنارة
بالضوء تشتت صور الأشباح والكائنات المنبجسة من مخيلته المزدحمة بالصور والمكتنزة
بالريبة ، وبات الضوء المتولد من ركام الحطب المشتعل تعويذة لطرد الرؤى والهواجس
المتخفية في كثافة الغابات وظلمتها, وكان تعاقب الضوء والظلمة قد توج في داخله
فكرة ان ذلك الظلام محض ستارة سوداء يمكن إزاحتها بقليل من الضوء، ومع ذلك فلم يكن
ذلك كافياً لإشاعة السكينة في دواخله التي لم تراكم ما يكفي من اليقين الذي مازالت
جذوره تمد شعيراتها على سطوح وعيه ، وكانت أيامه أحياناً تلفظ العديد من المصاعب
لتجعله ينام مرهقاً دون إضاءة ، فالصباحات المشرقة والدافئة تبدو أكثر إثارة حين
يتأمل جسده وسط مساقط النور المنهمر من الشمس المتوحدة في مدارها ، كانت قامته
المنتصبة وساقيه القويتين وتراكيب جسده المتناسقة تثير إعجابه فيجتاحه هوس اسر حيث
يطلق العنان لفرحه فيدور حول نفسه منتشياً فارداً ذراعيه فتنبعث من حنجرته صرخات
منتشية مجنونة يرفس الأرض على إيقاعها المتغير وحين يدركه التعب يسقط على الأرض
مواجها السماء المفتوحة على سعتها ويفكر : ما من كائن يشبهني ...
ولدت شموس جديدة وشاع الدفء في الكون البارد المزرق واستيقظ الآلهة تباعاً
ومضى الساعي ينفض غبار الأزمان المتراكم على الأجساد التي سبتت لدهور ، وتحسست
الإناث بشرتهن الشاحبة التي أطفأها النوم الطويل ، ثم انزلقت أيديهن متحسسة بطونهن
الضامرة وحين اكتشفن خواءها همدت فيهن الشرارة التي تشعل الأمل فواسين بعضهن بصمت وتوارين
في الأركان المتباعدة للمجمع العالي ...
تأمل الآلهة بعضهم بعد اليقظة كانت فترة النوم الطويلة قد استنفذت نضارتهم
فغارت عيونهم في محاجرها وفقدت تلك الحيوية التي تميز عيون الآلهة المتعالية ،
كانوا بحاجة إلى رؤية ملامحهم بعد ان غزاهم الوهن والتغضن ، ورغم ترف المكان
وبهائه اللافت لكنه كان يفتقد لوجود المرايا ، ولهذا كانوا يرون أنفسهم بعيون
بعضهم البعض ، شاكين من مذاق المرارة والجفاف في أفواههم المطبقة منذ زمن طويل ،
كان ساعي المجمع ينصت لتذمرهم ويراجع تلك الرغبات المكررة التي دونها خلال سباتهم الطويل والتي تصدرتها مفردات
السطوة والقوة والفحولة المفرطة والتي كان يرى في بعضها تعارضاً وذلك التناسق
الجسدي الجميل والرقيق لإناث المجمع ، كن بالنسبة إليه أكثر من أجساد بالغة
النعومة والإثارة ينبغي أن تعامل بمنتهى الحساسية والحذر، وخلال ذلك السبات الغريب
كان يتابع هيمنة البرد الكوني على أسرتهن الإلهية وتوقهن إلى الدفء والمعانقة حين
تنطلق تأوهاتهن المحتبسة بين جدران المجمع والمعبرة عن خواء أرحامهن التي عافها
الخصب ، وأرواحهن التي فتتها الملل من تلك الصلات الفارغة التي لم تنجب غير اللذة
العابرة ، فكانت ولادة النجوم الجديدة تتزامن مع طغيان رغبة الجسد وتوقه للحب
والتناسل فيما تحتضر النجوم القديمة وتذوي عندما يطبق اليأس على أرواحهن اللائبة..
لم يكن بوسع الإله الساعي غير الاستجابة لرغبات الآلهة حين توافقوا على
اكتشاف مسرات كونية جديدة تذيب هيمنة الرتابة والملل وتزيح طعم العلقم من الأفواه
التي تنطق بالقليل مما تختزنه العقول التي يتجاور فيها الطيش والحكمة وتمور
بالألغاز والأسئلة المؤجلة ...
على الكوكب الصغير الذي تشكل اليابسة جزءً صغيراً منه كان القحط يدفع
الكائن المنتصب إلى التهام مخاوفه التي شيدها من ثمار الفواكه الجافة ، كانت نصباً
ضخمة لكائنات هبطت للوجود من أعماق مخيلته المنتجة بسخاء لأحلام
مخيفة لا تتوقف وبحيرة مقلقة تعتريه حين ينفلت زمام العواصف الثلجية
أو تلتهم النيران غابات بأكملها ، فيزحف الجوع والجدب وتتراكم في مخليته رؤى
وتساؤلات جديدة وجريئة فتتمرد روحه التي لم تألف الترويض ولم تتبين طرق التأمل
والحكمة ، فيلجأ إلى مشيداته العملاقة ليتدفأ بخشبها حين يكرهه البرد على ذلك ،
فكانت أجساد أوهامه المدهونة بالزيت تبعث الضوء والدفء في المكان فينصت لهسيس
النار في الموقد دون أن يسمع أية آهة أو شكوى فيغفو عازماً أن يستعيد نذوره وهدياه
فتدهمه رعشة مؤقتة ويشعر بالندم لحين...
كان شديد المرونة في التعامل مع أوهامه المصنعة من كل الأشياء التي تحيط
بوجوده وصار بوسعه ان يتحكم في حجمها من نصب صغيرة إلى تمائم وقلائد معلقة في
الأطراف والرقبة والحقل . ظل الزمن الأرضي شديد الاتساع وغير قابل للحصر تزدحم
الرغبات الجامحة في نهارا ته المشرقة وتستحوذ الليالي الصافية المكتظة بالنجوم
النشطة على العقول مخلفة تراكماً من الدهشة ظل يعزز الحيرة ويحرر صوراً غير قابلة
للتفسير والفهم وحين يدركه العجز ويتلبسه الحزن كان ينحني لذلك الكون المترفع فوقه
الذي ظل مصدر تأملاته وكان ذلك الأنحاء المعبر عن خوفه واحترامه لذلك البهاء
الغامض يشكل هاجساً آخر كان يتساءل كيف بوسع ذلك الانحناء الذي يجعل رأسه قريباً
من الأرض أن يكون مصدراً لكل تلك الراحة التي يشعر بها وذلك السلام الداخلي الذي
يغمر أعماقه...
مضى الإله الساعي يجوب الحقول والقرى الصغيرة ويتأمل أفعال الكائن المنتصب
، أدهشه أن الأشياء لا تسعى إليه مثلما يحصل مع الآلهة , وان أحلامه ورغباته
العلنية أو المطمورة في أعماق صدره ليست بمجملها قابلة للتحقيق ، وتعاطف مع ذلك
الكدح اليومي الذي لا ينقطع ، كان شديد التأثر بتلك السعادة التي تغمره حين ينجح
في إنجاز عمل شاق ، وكانت طقوس الحب والتناسل وأوجاع المخاض ومراحل نمو نسل الكائن
تدفعه أحيانا للتفكير بمصائر آلهة المجمع المسترخين والمطمئنين إلى وجودهم الأزلي
، وتنبه إلى أن لهوه القصير واحتفالاته وساعات صخبه كانت مصدراً للفرح فمضى يستمع
لأغانيهم وراحت البهجة تجتاحه هو الآخر فتعلم منهم كيف يبدد الملل ويزيح رتابة
الأيام ، وصار بوسعه أن يفهم العديد من الأشياء ويفسر ذلك السعي المتواصل لتطويع
المظاهر القاسية في الحياة اليومية ، وبالرغم من انتمائه إلى طبقة الآلهة كان يعجز
عن تفسير مغزى ذلك الموت الذي يلف بصقيعه الجسد الإنساني الحار ، كان فقط قادراً
على تلمس ذلك الجزع والألم العميقين الذين يسيطران على الأرواح المطعونة بالأنصال
اللامرئية للوعة الغياب الأبدي ، وحين حاول أن يتدخل مدفوعاً بذلك الإحساس العميق
بالتعاطف اكتشف مقدار عجزه عن فعل أي شيْ فولد ذلك في نفسه الحساسة شرخاً مؤلماً
وأيقن انه غير قادر بعد على فهم كل ما يجري حوله رغم وجوده الطويل بينهم وتأكد انه
مجرد اله ساعي لا مرئي يفتقد للإعجاز المبهر .
ظلت تلك الحياة التلقائية
رغم نزاعاتها الصغيرة وأزماتها المباغتة تمنحه فهماً لتلك الذوات البسيطة المنطوية
على رغبات محددة ، وكان تراكم العمل اليومي وقسوته لا يفسح مجالا كبيراً للعبث
واللهو ... ولم يعد ثمة ما يكفي من الوقت لسبر أغوار تلك الأرواح الصغيرة ، لكنه
كان يعتقد إنها قادرة على استيلاد رغبات جديدة غير معلنة وهي تنتظر النضج قبل الإفصاح
، وحين اختمرت فكرة العودة في ذهنه كان الانقباض يلف كيانه وهو يشق طريقه نحو
الآلهة المنتظرة.
قبل العجلة كانت هناك أقدام
متعبة ، وقبل الأرقام ذات النهايات السائبة كانت هناك عبارات مثل كثير وقليل ،
والأيام دائرة مغلقة متصلة ببعضها ، قلادة من المواسم الطيبة والسيئة ، لم يكن ثمة
البارحة وليس هناك ما يشير إلى المستقبل
ولم يكن هناك من ‘‘تحترق
روحه لمعرفة الزمن‘‘ وكانت الإجابات والحلول البسيطة تلد أسئلة صعبة وحين تتفكك
وتنجلي عتمتها تكون الأسئلة القادمة أكثر تعقيداً ، وكان ذلك يدفع البعض للانزواء
والعزلة في ألاماكن النائية ، عندها تفشى وباء الأوائل ، أوائل العرافين
والممسوسين وأوائل السحرة والمشعوذين ، كانوا قلة متنوعة الأهداف احترفوا تسويق
الدهشة وعندما تعفنت وفقدت مذاقها اكتشفوا ان المستقبل أكثر سحراً من الماضي ،
فأصبح الغد وبعده سلعة يمكن مقايضتها ورغم بعض السوء الذي يعتري هذا النهج إلا انه
حرر الرغبات المطوية من ملاذاتها الغائرة أزال عنها غبار التحفظ والقناعة وصار
للأقوياء سحرة وللسحرة أقوياء وقوى سرية تمسك بالمصائر والأقدار، فالتصقت بالغد
كنى جديدة فكان هناك غد جيد ورديء وطيب وقاسي ، فصارت الأيام بشكل ما بقبضة
الأوائل فراح مخيلته تتلبس رؤاهم وتحفظ كلماتهم ويرتعش جسده ويخضه الخوف حين
تتوعده لعناتهم وتطارده أشباحهم ويستبيح إتباعهم ثمار حقله وتضعف قواه من طول أيام
السخرة المضنية ، كانوا يروضون عقله وينهكون جسده دون مقابل ، وفي أيام الراحة
القصيرة كان يتوسل الى أوهامه الجديدة أن تعتق روحه من هذا القهر والإذلال الذي لا
ينقطع وحين تتهاوى أماله كان يفر لائذاً بالغابات البعيدة أو مختفياً في الوديان
العميقة تطارده أوجاع السخرة والكد المجاني ، كانت الطبيعة اقل قسوة من هيمنة
الأوائل إذ تمنحه الأيام الصيفية فرصة استعادة طاقته المستنزفة وتعينه أماسيها
الصافية على رؤية الكون المزهر بحقول كثيفة من النجوم التي تمنحه متعة فريدة وتثير
ذكرياته المختزنة عن تلك الراحة السخية التي لا تطلب شيئا لنفسها غير الاحترام
الوافر ، وراح ينظر لتلك الصلة الجديدة التي تربطه بتلك السماوات بمزيج من الحب
والإعجاب ، وكان ذلك التكوين المدهش الذي يواجهه كل يوم : الاصطفاف العشوائي
للنجوم ، شلالات النور الهابط ، القمر بتحولاته ، الارتفاع الشاهق للسماوات الذي
تجاوز قمم الجبال ، السخاء الغريب للطبيعة الواهبة ، كل ذلك منحه أفقاً جديداً
يتطلع إلى ما وراءه ويسعى للوصول إليه ، ورغم تنامي تلك الحاجة مضت حياته في ظل
هذا التأمل الجديد تستأنس لهذا الكون المهيب وتتعلق به كل يوم ، وكان ذلك يقيم
حاجزا بينه وبين أوهام الأوائل البارعين بالكلام ، وأكتشف أن بوسعه وحده ان يصل
لذلك السلام وان يقارن وجوده بما حوله دون تدخل ، فبدت له تلك الوسائط القديمة محض
حواجز تحول بينه وبين توقه للتواصل والكشف ، فراح يغفو دون كوابيس مريعة وخيل إليه
ان ثمة من يرعاه ويحرس حياته شيء أكبر من مساحة عقله ، شيء غير الحظ الطيب يصعب
تفسيره ...
كان العتق ينفث أنفاسه اللامرئية في فضاء مجمع الآلهة ولم تفلح البرودة
المهيمنة على المكان بإخفائها ، أجسادهم التي استسلمت لذلك الخدر اكتسبت لوناً
شمعياً مطعوناً بزرقة خفيفة ، تذكر الإله الساعي كيف تنهار الكائنات البشرية حين
يخترقها الموت ممتصاً تلك الحيوية النضرة مخلفاً ذلك الاصفرار المخيف ، فامتدت يده
تلتمس الحياة في أقرب جسد إليه ، وصلته وعبر أصابعه الرهيفة نبضة حياة واهنة تكاد
لا تحس ، أفزعه هذا الانهيار ودار على الأجساد السابتة يتفحصها جزعاً ، فكر إن بعض
الدفء وشيء من النور قد يوقف هذا لانهيار ، فحل الدفء سريعاً وأزاح النور الظلال
والعتمة المتعلقة بالزوايا والأركان ، وراح يستخدم كل مهاراته كي يوقظهم ، كانت
أجسادهم تستجيب ليديه وهي تضغط وتدلك المتيبس من المواضع التي هجرتها الحركة
واستكانت للتليف والصلابة .
احتاج لبعض الوقت كي يوقظهم ، كانت أجفانهم متهدلة وتفوح من أجسادهم رائحة
النوم الطويل ، من خلفه كان ثمة صوت أنثوي يكرر : حسناً لقد ذهب البرد فلم تجتاحني
هذه القشعريرة ؟
التقطت آذان الآلهة أخر الجملة ، كانت مثل موجة برد مفاجئة اكتسحت أبدانهم
ومضوا يختضون مع ذؤابات النور الطالع من المشاعل الضخمة ، كانوا بحاجة لمزيد من
الدفء فحل بينهم ، وأصبحت الفرصة مواتية ليحدثهم ...
-: ليس هناك ما هو أكثر ثراء
من ذلك المكان ، حتى اله ساع مثلي ليس بوسعه أن يصف كيف تشق كل تلك الحيوات طريقها
في ذلك الوجود المضطرب ، ثمة إرادة لا تتزحزح تكمن في أعماق تلك المخلوقات إنها تبتكر ميلاً قوياً للتمسك
بالنوع ، وهي تقاوم لتصنع حياتها مع إدراكها المسبق لنهايتها الفاجعة ، لكن ذلك
ليس بلا جدوى إنهم يعتصرون سعادة وشيء لا ندركه اسمه الفرح ، نحن أسرى هذا المجمع
، اشعر أحيانا إننا محض وهم يطوف في هذا الكون الشاسع ، وهم عندما لا يشعر بك
مخلوق من غير نوعك وأن تكون بلا سمة وبلا بصمة...
العيون المتطلعة بشيء من الريبة منحته شعورا بعدم الرضا من ذلك الأداء الذي
أظهره ، ومع ذلك فقد كاد يغرق في طوفان الأسئلة واستشعر مرارة عميقة من تلك
السخرية التي تنطوي عليها ، الآلهات اللواتي عاف الخصب أرحامهن كن أقل ضجيجا
وسخرية من أولئك الآلهة ، وكان بوسعه وهو يتفحص كل تلك الوجوه العابسة أو الهازئة
أن يتلمس ذلك الشوق المتراكم في عيونهن لمعرفة المزيد ، كن بحاجة للانعتاق من أسر
هذا الحصار أكثر من أي اله أخر ، وصار بإمكانه أن يتذكر تلك اللقاءات الفاترة بعد
عودة الآلهة من تجوالهم الرتيب في المجرات المحيطة ، لقد أيقن إن كلماته أذكت فيهن
كل الرغبات التي لم يشبعها الآلهة وصارت أرواحهن تهفو لتلك الحرية المفتقدة وذلك
الشيء الغامض الذي يحرك خيالهن ويدفعهن لمعرفة المزيد عن تلك الحياة المثيرة .
توقفت الأسئلة وحل الصمت في المجمع ، هبط اله غاضب من أريكته وخطا باتجاه
الساعي :
--: لم تأتنا بما يسر ، إن كل هذا لا يفتت الملل والرتابة التي تطبع حياتنا
، طالما فكرت ، كيف ونحن نمتلك هذه القدرات ولا نستطيع الإفلات من هذه الدائرة ،
ثمة ما يعطل قدرتنا على إسعاد بعضنا ، وربما نحن هكذا مخلوقات جوابة مشبعة أيامها
بالرتابة يفترسها الملل في كل حين ، بوسعنا فعل العديد من الأشياء التي لا تستطيع
مخلوقاتك أن تفعلها ، وقد نعجز عن تفسير بعض الأشياء التافهة مثلما أعجز في هذه
اللحظة عن تفسير هذه الحيوية والطاقة التي جعلتك أصغر سناً من أي اله فتي في هذا
المجمع !!
حفزت هذه الملاحظة بقية الآلهة فأحاطوا بالساعي يتفحصونه عن قرب ، كانت
الأخاديد التي حفرتها ألازمان على محياه قد اختفت وحل بريق غامض في عينيه
الواسعتين فبدا بشكله الحالي أكثر إثارة وقبولا لدى الإناث ، لكنه كان وفق الترتيب
مجرد اله ساعي يمنع التواصل معه ، دفعه الفضول هو الآخر كي يتلمس وجهه ، مرت
أصابعه على جبينه ، لقد أمسى أكثر نعومة من ذي قبل ، ولم تعد هناك عروق نافرة في
يديه التي أتعبها التدوين الأزلي لأحلام الآلهة ، ثمة تناسق لم يألفه في عضلات
جسده ، وروحه تسعد باستذكار تلك ألاغاني التي سمعها هناك ، وفكر ما الذي يحصل لو
يغني !! لكنه أزاح الفكرة بعيدا كان عليه أن يفسر هذا التغيير الذي حل بجسده دون
أن يدري ، في أعماق ذاكرته الثرية
كان صور الحياة الأرضية تتوالى دون انقطاع كانت رائحة القمح والشواء والخمر
والنساء وخرير الجداول في الليالي المقمرة وأغاني الاحتفالات وصور الحب والموت
والبرد والجفاف والحروب والحرائق تولد ضغطاً يكاد يفجره ...
_: ربما لأنني كنت خاويا فحلت في أفنية روحي بعضاً من تلك الحياة ، ليست
ثمة غرابة في الأمر ، أن الأشياء التي نحبها أو نحلم بها يمكن أن تلتصق بنا أو
تغور فينا ، حتى الآلهة لديها أحلامها ، هناك في ذلك المكان النائي يسقط الكائن نطفته في أنثاه في احتفال
جسدي بهيج فتثمر تلك الرعشة الغامضة كائنا أخر ، تأملوا وجوه الالهات وشموا رائحة
الرغبات المجهضة ، كل الكائنات هناك تحتضن بعضها بود لا نعرفه ويفنى بعضهم من اجل
الآخرين ، ربما مستني بعض حيوانهم وطقوس محبتهم دون أن ادري ، ربما حل بي ذلك الحب
الذي لم أجد قرينا له في هذا المكان ، ما الذي نملك غير هذه النجوم المطفأة وغير
هذا النوم الطويل والطواف اللا مجدي في هذه الأكوان التي لا تنتهي ...
هبطت ألواح ثقيلة من الصمت أودعت في المكان سكينة غير مألوفة ،لم يكن ثمة
من ينطق ، كان الإله الساعي في منتصف دائرة الآلهة المستاءين من هذه الخيبة ،
كانوا يأملون بتسلية أكثر إثارة ، عوالم جديدة تتسع للهوهم كائنات بقدر سرعتهم
وقوتهم تمتلك القدرة على التحدي ، أشياء تجعل للمنافسة طعماً وتمنح للنصر مذاقاً ،
ثم توارت الأسئلة المريبة خلف السحنات المشككة التي ظلت تتفرس في هذا الإله العائد
تواً من رحلة طويلة ، كان بوسعه أن يقرأ أفكارهم لكنه فضل الاستسلام لغوصهم في
طيات عقله وانهماكهم في تقليب ذاكرته ورغباته المركونة أملا أن تستهويهم تلك الصور
المختزنة في ذاكرته ، أن تحل بهم عدوى الحياة الأرضية .
في لحظة واحدة ، وبعد تفشي الخيبة واليأس في كائنات الأروقة الصامتة ، كفت
الآلهة عن أن تكون موجودة ، فاخترقت كيان المجمع تاركة عصفاً خفيفاً عبث بأردية
الالهات الساهمات، كانت مخيلتهن في مكان أخر يتقصين تلك الصور التي أطلقها الإله
الساعي ، مخطوفات بذلك الوهج الذي أيقظ مشاعر من نوع جديد ، وحده الساعي كان يشعر
بدبيب اليقظة وتنامي الحلم في فصول حياتهن القادمة ، كان عرضه يمتلك قوة يقين
مفرطة تلمسن قوتها ورقتها عبر التواصل مع مخيلته المترعة ، فصار المكان النائي
حلماً للالهات الأسيرات .
مرقت بضع نيازك ضالة قرب المكان ، وانطفأت نجيمات بعيدة ، وأنسحب الساعي
إلى مكانه مدققاً في مدوناته التي عافها لزمن ، وامتصت الأسرة الباردة حرارة
أجسادهن المضطربة، ومضى ضوء المشاعل يخفت متوافقاً مع خدر النوم المزمن في أروقة
المجمع ، فيما انشغل بعض الآلهة بولادة كوكب مجدب أخر وأندفع الآخرون بحماس خلف
ضوء سطع بشدة من مجرة قديمة ، واستمرت الرتابة الأزلية تديم نفسها وفق الأنساق
المقدرة لمصائر الآلهة ...
وعلى سطح الكوكب الضارب للخضرة كان الكائن المنتصب يرقب بفضول كيف تزيح قوة
البخار أغطية الأواني .
أعراف المدن
متمهلين
نشق طريقنا نحو المدفن ، موكبنا الصغير تتقدمه السيدة بفستانها المصنوع من الساتان
الأسود ، بدت باهرة وهي تحمل صندوق أحلامها، خطواتها الوئيدة الواثقة، كانت تضفي
عليها مسحة من رصانة مميزة ، لاشيء يعكر صفو تلك الهيبة ، سوى ذلك الخوف الذي ينضح
من دواخلنا ونحن نشترع عرف وأد الأحلام المستعصية ، في البدء كانت مجرد فكرة
مجنونة لكسب بعض المال ثم اكتشفنا أن هناك من يرغب فعلا بدفن أحلامه العصية
والخطرة : كانت المدن المؤسسة على الأعراف الصارمة تستأصل أحلام الناس من وسائدهم
، تفلي رؤوسهم وتبقيهم مشدودين لبلاهة الاستكانة ، الأحلام الجيدة تقلق البعض
وكأنها تنفث أبخرة التوتر والزوال في عقولهم ، وليس هناك ما هو أكثر صرامة من
أعراف المدن المسورة بهواجس انقراض المضارب واندحار السلالات ...
لكن بعض الحالمين
القدامى أتقنوا تشفير أحلامهم الناضحة على شراشف الوسائد ونقلوا خبراتهم للحالمين
الجدد ، فصارت هناك لغة وشفرات ومواعيد وجلسات سرية لتحضير الأرواح ، كانت أرواح
فرويد ويونغ وأدلر ترف في أفنية التحضير السرية ، مقدمة العون ، لكن عبثا مضت كل المحاولات
للاستدراج روح ( ..... ) إذ يبدو إنه كرس حياته في المنفى الأزلي لاستقبال
الحالمين بالعودة لحياتهم الأرضية ، حيث يخفي الأحياء والموتى أحلامهم التي لم
تنفق بعد في برك صدورهم الموحلة أملين ان تتحرر فـي يوم ما قبل أن ينهشها دود
المدافن النهم أو يكتشفها المخبرون ....
حين اقترب موكبنا الصغير من موقع الدفن
كنت اقل قلقاً من تلك الأشياء التي يمكن أن تفسد تجربتنا الأولى ، الرجل الذي اشرف
على بناء قبر أحلام السيدة أظهر براعة مميزة في بنائه كانت الجلسات الطويلة معها
لسبر أحلامها ورغباتها الدفينة المحررة على أشرطة التسجيل الصوري قد منحته أفضل
فرصة لاستبطان تلك الأحلام ، وأحالتها مرمزة إلى نصب يرتفع لمترين ونصف: كانت
الأذرع الممتدة نحو السماء بكفيها الرقيقين المفتوحين تظهران تردداً أوحت به تلك
الأصابع الرقيقة المرتخية والمنحوتة ببراعة مميزة، فيما تحيط به من أسفل قاعدته
الرخامية أربعة أعين من حجر كانت تتطلع نحو المدى المفتوح بكثير من اليأس ، كـان ( القبر- النصب ) يبعث
برسائل عدة تستطيع أن تلتقط منها صورة كالحة لإحباط ضارب في العمق ، فيما يوحي من
بعض الزوايا بذلك الرجاء التوسلي الذي يطبع الروح البشرية وهي تحاذي النزع الأخير
.
صندوق أحلامها الفضي
الذي صنعناه بعناية فائقة ضم نفائسها السرية : رسالة الحب الأولى ، منديل رجالي
حال لونه من كثرة الشم ، الوصفة الطبية الأولى لأوجاع الطمث ، أحلامها المنثالة
على شرائط التسجيل ، صور ورسائل عشاقها الموتى والأحياء ، دفاتر يومياتها ، حين
قدمت إلى مكتبنا الصغير مستفسرة ، أخبرناها ، ان بوسعنا أن نستأصل أحلامها ونجعلها
تغفو مثل كائن وحيد الخلية ، ان عليها فقط أن تثق بنا وتبوح بما تختزنه في غرفة
منفردة وان تتحرر كلية من أوهام أحلامها ، أقنعناها ان الحلم ليس اكثر من حياد عن
الوعي ، تهويمات مضللة واهانة مطلقة للوعي البشري الذي يتوجب أن ينصرف لمواجهة
الواقع ، ولأنها زبونتنا الأولى فقد توجب أن نفعل كل ما هو ضروري لكسبها .
بين الزهور المحيطة
بالمدفن انفتحت حفرة صغيرة أودع فيها الرجل المكلف صندوقها الفضي وقبل ان يهيل
التراب ويغلقها بالاسمنت أنشد الصغار أغنية الوداع :
إليــك أيها الرحــم
المبتـلى بـجنوننــا
الـتقدمـــة الأخـيرة
للسيــــدة الحالمة
امرأة الرؤى المـطفـأة دون مـنـــازع
لسنابك خيــلك القاسـية
نهـدي ذكريـاتـها
لملكوت نسيـانك الأزلـي
نبتـهل ونتـوسـل
كي تُعرش بنياسـم
روحـها بـلادة مطلقــة
مكبرات الصوت الصغيرة
المخبأة بعناية فائقة كانت ترسل موسيقى جنائزية مهدت لانسلاخها العاطفي عن المخبوء
في ذاكرتها ، كانت تطبق عينيها مصغية لمرثية الموسيقى ، وعلى نحو ما اكتشفت أنها
تقاوم انشطارها ، إذ كانت ترتعش منسجمة مع بعض الجمل فيما كانت الأخرى تصلب جسدها
وتحيلها إلى قطعة مرمر صامتة ، وحين كفت الموسيقى وحل الصمت أيقنت إنها مثقلة بحزن
أطفأ فيها جذوة التهويمات الحالمة ، واسقط عنها قناع المرأة المندفعة خلف رؤاها
التي ادخرتها بسرية لسنوات ، الموت المبكر لأحلامها جعلها تتصلب ، كانت تجد صعوبة
في الإمساك بقبضة من ذلك التراب الذي يحيط بالحفرة كي تواري أشياءها حسب عرفنا ،
فبادرنا إلى إهالته بدلا عنها .
المراسل الوحيد المكلف
بتغطية المراسم من خلال بث حي بدا أشدنا تأثراً كانت يده ترتعش وهو يغطي الحدث ،
كان سرده المصاحب للمشاهد مشحونا بعواطف مؤثرة كادت تفسد العمل برمته ، فاتنا أن
نوضح له إننا نرغب بالترويج لعملنا ولسنا مستعدين لرثاء أحلام زبائننا ، ومع هذا
فقد كنت أعتقد إن هذه التغطية الرائدة ستجلب العديد من الزبائن .
ابتكرنا آلية جديدة
للعودة ، اخترنا أن نعود خافضين رؤوسنا تتقدمنا جوقة الأطفال المنشدين ، وأن تكون
السيدة في مؤخرة الموكب ، فكرنا أن نمنحها فرصة التراجع كي تستعيد إن رغبت بعض حياتها المودعة هناك ، كانت فسحة الأمل
الأخيرة تتضاءل كلما تقدم الموكب ، اختلست النظر إليها بضعة مرات ، بدت ملامحها
أكثر قسوة من ذي قبل ، اختفت تلك الملامح الطفولية المحببة التي تطبع ملامحها
والتي تجعل من الصعوبة تخمين عمرها الحقيقي ، عندما زارتنا في المرة الأولى وقبل
أن نعقد اتفاقنا ، لم نسألها عن عمرها ليس لان ذلك غير لائق بالنسبة للعديد من
النساء ، لكنها كانت بالنسبة لنا امرأة تجاوزت عقدها الثاني بقليل ، أما الذي
شاهدته خلفي فلم يكن يعود للسيدة بشيء ...
كل شيء كان يسير حسب
توقيتاتنا : أن تنتهي المراسم ساعة الغروب تماماً ، كانت الخشية أن تنفعل السيدة
أو يصيبها الجنون فعمدنا الى إغلاق أذنيها بالقطن المنقوع بماء السدر والكافور،
كانت حمرة الغروب تضرب المكان ، وكان ظلها وهي تواجه الشمس التي يقرضها الأفق يمتد
متشبثاً بقاعدة النصب كلما تقدمت ، فبدا مثل كائن حـي يمتد ليستعيد حياة مفتقدة
...
وحدها الأحلام الدفينة
كانت تستنجد بالسيدة ، كنا مصدومين من هول الاستغاثة المخيفة المنبعثة من أعماق
الأرض ، وخشينا أن يصدمها ذلك بعنف ، وحين التفت جزعاً لأتطلع إليها ، كانت تسير
خلفي بآلية رتيبة وكأنها تنقل أقداما من حجر.
مـدن البخور
قبل
أن يتسلل محملا بولع الاكتشاف، كانت الفواصل التي نسجها الآخرون بين الممكن
والمحال تبدو له مثل وهم مبتكر ومخادع‘ سور المدينة الحجري يتراجع على مهل حين
يشيح ببصره إلى الخلف‘والماضي يتهافت على نحو قابل للزوال ‘ لكن صورهم مازالت
عالقة وتصعب إزالتها ‘ وكلما فكر بأنهم عالقون هناك ‘ حيث تركهم مسمرين على رتابة
عاداتهم ‘ كان الدم يتدفق إلى صدغيه فيجتاحه ذلك الصداع الذي استحال إلى صدع يتسع
بالتدريج لينفتح على عوالم جديدة لا تمنح نفسها بسهولة‘ لكنها مكتنزة بحيوات ضاجة
وآسرة تتوافق وتتنافر أحيانا مع أحلامه ورغباته التي غفلها الآخرون .... وهم
مازالوا هناك : يلتزون بسور المدينة مسترخين تماما أو غارقين في نوم عميق تاركين
الهواء ينث دبقه على أجسادهم النحيلة، في الضحى عندما تجتاز الشمس سورهم وينحسر
الظل على مهل ويتفاقم طنين الذباب والحشرات الهائمة ‘ يجتاحهم ذلك التثاؤب المزمن
كطقس متوارث ثم ينسحبون على مهل مشبعين بدبق الرطوبة الليلية والتي تنز حموضتها
حولهم منتقلين صوب بيوتهم المنحنية‘ حيث تتلاقفهم حجراتها المعتمة فيتجدد طقس
التثاؤب المتوطن ويتفشى الاسترخاء لتبدأ جولة جديدة من أحلام صغيرة ‘ بائسة ومكررة
....
لم
يعد ثمة سور خلفه ‘ والبرية تنفتح أمامه بسعة مريبة ‘ كانت دابته الهجين تسبقه
أحيانا لتتشمم رائحة عشب غير مألوف ثم يجتازها منساقا بهم الوصول لذلك المكان الذي
تفصله بضعة أيام عنه ‘ والذي أنكره الجميع ‘ إلا (عارف الوراق) الذي حدثه عنه
مختتماً حديثه بتساؤل ماكر:- سيكون تماماً في
منتصف المسافة بين المدينة العتيقة والغابات الملتفة حول المدن النائية ‘ حيث
لا (خانات ) تأوي المسافرين ولا
رفيق يدفع وحشة الطريق ستكون وحدك تماماً وستضمر فكرة المعجزة بالتدريج ‘ مسيرتك
الشاقة والطويلة ستتلف بعضاً من هذيانك القديم ‘ ستتعرف على رغبات جديدة غير قابلة
للقسمة وأخرى منفتحة ودافئة وممتلئة بحميمية لم تعرفها من قبل ‘ إنها ليست نتاج
ذاكرتك المهتزة وليست رواشح تجربتك المعتمة ‘ إنها رموز الآخرين الهائمة وملكاتهم
‘ ستبدو لك عنيدة وبغيضة عندما تعجز عن تفكيكها،هل تدربت جيداً على التفكيك
..؟
القليل
من أحاجي الماضي وبعض الكدمات الملغزة في عقد تفكيره واستئصال فكرة البلاء
المستديم التي شغلته لبعض الوقت هو كل ما أستطاع تفكيكه‘ ولهذا فقد بدت
فكرة تجزئة الأشياء مجتمعة أطروحة محبطة ومنفرة ‘ إنه بصدد الإصغاء وهو
مكرس كلية لتقبل الاستماع والتأمل بكل تلك الأصوات التي تطلقها الغابات والأماكن
النائية صوب المدن أو تلك التي تخرج
مختنقة ومذعورة من أقبية الحواضر المتآكلة فتضيع وتتشتت في الفضاءات السرية
لتلك البرية الموحشة‘ إنه معني فقط باكتشاف الأشياء التي حجبها السور وأنكرها
العامة والنساخ والوعاضين والتي تجذرت لسنوات في نياسم عقله فلم يعد يحفل
بنداءاتهم ومناظراتهم المشروطة بقيد الكتابة على رقعة بحجم الكف ....
تقسو
قشرة الأرض، لحوافر دابته صدى غريب يجهض صفاء المكان ، يتوقف ليستمع لذالك الإيقاع
المعدني ، ثم ينحني ليلمس سطح الأرض الصخري الأملس ‘ ليست هناك نتوءات أو شروخ ،
يقفز مذهولا لموقع آخر تداهمه
الريبة
وهو يتأمل المكان ، إنها بلاطة ضخمة ولامعة من الصخر الأملس تمتد بعيدا خلف حدود
الأفق ‘ كان راغبا في أن يشاركه شخص ما لغز هذا المكان ‘ أو يقتسم معه المخاوف
المبكرة والمطلة من أعماقه ،يتنفس بعمق محاولا درء ذلك الغثيان الذي يخيفه ، يندفع
مهرولاً خلف دابته يتشبث بالخرج محاولا انتزاعه من على ظهرها، ينهكه الغثيان
والدوار فيتداعى ساكنا فوق خرجه....
كان
جسده يتقبل طاقة المكان بشكل بطيء ، بوابات عقله تفتح كوى صغيرة لاستقبال الطاقة
الوافدة إذ تنفذ مجالاتها إلى خلايا جسده ، عقد الرفض الضامرة في باطن عقله لا
تستجيب ‘ إنها أكثر حيادية من أي وقت أخر ‘ تتشبع أعماقه بصفاء فريد، تركيبة
متوافقة من اللذات الحسية المنتزعة من الأحلام المستعصية والمهذبة تدفعه إلى ابعد
حدود الانتشاء. رغبة الاكتشاف
المتأججة توقظ أعضاء جسده المسترخية ، تلتقط عيناه الإشارات الأولى لسماء جديدة
تشعره انه اقرب إليها من أية سماء أخرى حلم بها .
ينهض
على مهل ويستدير متأملا هذا العالم الجديد ، تأسره شدة التماثل بين السماء التي
يتطلع إليها وصورتها المنعكسة على الأرض الصقيلة ،فتتعزز قناعته وهو يتحسسها برفق
إنه يقف فوق سطح عاكس هائل ‘ مرآة عملاقة بسعة المكان الذي يحتويه ‘ هو الآن خارج
زمن السور ‘ حيث كان اليوم يسجل حضوره بشروق الشمس وغروبها ‘ لا شمس تضيء فضاء هذا
المكان ‘ إن الأشياء تطلق حضورها وضوءها الخاص بآلية سرية منحازة لتصعيد صفاء
المكان بذلك الضوء الأبيض المشوب بزرقة واهنة ....
خطواته الصامتة على ارض
تلصف نجومها تبدو أكثر ثباتا ، بوسعه أن يخطو صوب ذلك الكوكب الذي ينبض ضوءه مثل
قلب متعب ‘ صورته الراعشة على الأرض ليست بعيدة ‘ يحيطه بكفيه ويسدل أجفانه مستعدا
بشكل كلي للتواصل معه ‘ تتسرب البرودة إلى كفيه ثم تتوغل صعودا إلى جسده المنحني ،
في رأسه تجول عاصفة ثلجية وأصوات
مخيفة لحناجر غليظة لم يألف اهتزاز أوتارها ‘ ألم عظيم يجتاح الكوكب المرتجف يتسرب
إلى جسمه مجلدا مفاصله وأعضاءه ‘ لم يعد بوسعه أن يستمر ، يتراجع بضع خطوات ويتنفس
بعمق مزيحا صفير الريح من رأسه ومستعيدا دفء جسده المرتجف ...
مازال محتفظا بقدرته
على تحديد الاتجاهات ، ومحاكاة الأصوات والرموز القادمة ، صار بإمكانه أن يطلق
الأسئلة التي يشتهيها والتي ترد أجوبتها دون تحفظ ، وكان مندهشاً وهو يواجه الشمال
ساكنا مثل حجر صامت وهو يتلقى ذلك الكم الهائل من الإشارات والأخيلة المتدفقة
والجمل التي تحبرها الحروف المعدنية المسبوكة على رقائق ناصعة البياض . يتعاظم فيه
هاجس الاستكشاف والإصغاء لتلك الإيقاعات الراقصة المسكرة التي تطلقها دون توقف
سماوات المدن أو ذلك الانحسار الغريب لمديات الألم والتوجع ‘ والليل المشبع
بالألوان وغرائب الملذات التي لم يتخيلها ، وكلما امتدت فترة هذا التصفح في أروقة المدن
المحمية بالسكينة والمتدرعة بتعدد أصواتها الذي أورثها هذا اليقين الجديد والصلب ‘
كانت رغبته بالاستدارة تشتد صوب المدن التي تطرد الوحشة وفصائل الجن بالبخور ،
فاستدار مدفوعاً بذلك الحزن الذي خلفه مذاق ورائحة البلدان القصية ‘ ورغم شدة تعبه
فقد أستطاع أن يزيح ضبابية المشاهد والإشارات الواردة كانوا هناك مثلما تركهم
متدرعين بالتثاؤب والصمت المزمن .
يوم واحد للحزن
الليل سطوة داكنة تهيمن على الوجود المنكمش
تحتها ، في ظله القاتم تتخثر الشوارع والدروب الصغيرة ، تجف ألسنتها وينحسر اللغط
لائذا بعلب الصمت المتخندقة بالاسمنت والطابوق، فتصبح مجرد شبكة من الخطوط السوداء
المتفحمة ... في علبة صمته المطلة على الشارع ، حيث يتعثر بجلباب أحلامه التي لا
تحصى والتي تنسحب غالبا إلى ما وراء وعيه ، إلى مناطق النسيان الداكنة ، حيث يصعب
تمييز الألوان والرغبات المنفية .
لكنه وعلى غير العادة أصبح مهتما بتلك الشفرات
التي تنتجها المناطق القصية بهيأة أحلام صغيرة لكنها كانت تكفي لضغط جسده وجعله
يتخبط بذلك البلل المالح المتدفق من ملايين المسامات الصغيرة التي لا تكف عن
النزيز ، وقبل أن تجفف حرارة جسده تلك الرطوبة الباعثة على القشعريرة يشرع
بالمكاشفة ....
شتلة الورد الأبيض التي غرسناها معاً قبل
عشرين عاماً لم تمت لكنها شاخت بما فيه الكفاية ، في اللحظة التي أدركتْ فيها
هرمها ، اعني تلك الأيام الربيعية التي يطفح فيها رحم الأرض وتشم منها رائحة
رغباتها ، كانت فروعها الشاحبة تتدلى نحو الأرض وهي تحاول اجتذاب أبخرة الخصوبة،
كنت أدرك حاجتها تلك ، بوسعي أن اكتشف رائحة الخصب أينما حلت... هل رأيت المحراث
وهو يقلب الأرض، هل تأملت يوماً خيوط البخار الصاعدة توا من الأخاديد البنية
الداكنة المنفتحة مثل جرح ، تلك الرائحة المنبعثة من الأرض والمتسربة قصداً والتي
غفلنا تسميتها ، هي رائحة الخصب: أبخرة الرغبة المودعة في الجوف الأرضي ، هل
تصدقين إن الهواء وتلك الحشرات بأرجلها البغيضة المشعرة هي التي تخصب أرحام الزهور
...
عبثاً كانت كل محاولاتي باستنبات زهور أخرى من
شجرة الورد تلك ، كانت الأقلام الرفيعة المنتقاة تطلق برعمين صغيرين في أول الربيع
وسرعان ما يتسلقها الشحوب، يأتيها من الأسفل بصعود بطيء حتى يتمكن منها فتصبح مجرد
عيدان رفيعة مغروسة في الأرض ، لكن ذلك لم يعد يثير عجبي أو تساؤلاتي ، لم اعد كما
كنت كثير الأسئلة ، ألان علي أن أتجاهل أشياء كثيرة ، لاحظي إنني لا انهي أسئلتي
بعلامات الاستفهام ولا علامات
التعجب حيثما يتوجب أن تكون ، هل ثمة ضرورة لذلك ، إن الكون يفغر فاه مندهشاً منذ
الأزل فما الذي حصل ...
أجل اشعر بالوحدة أحيانا رغم انتمائي لهذه
الحشود المفرطة في التنوع، وأدرك متأخرا كيف يحدث الانفصام، بالخوف وحده يحدث
الانفصام، الخوف من أشياء محددة لا يثير الكثير من الرعب والهواجس، تلك الحروب
البغيضة مثلا لم تشوه إلا وجهي وانطوت صورها المرعبة في العمق المظلم من دواخلي
اختفت صور الجثث المبعثرة في ساحات المعارك، ربما لان ذلك كان موتاً حقيقيا في
مواجهة مع مغايرته لكل رغباتنا ولكل الأشياء التي أحببنها، إن الخوف من الموت هو
الذي يجعلنا نتناسل بهذا الإفراط ، شفرة أجسادنا الضعيفة غير قادرة على المطاولة
لكن حتى لو تجاوزنا هذه المشكلة كيف سنغلق بوابات الرتابة والحزن والملل والضيق
بالأشياء ، أظن أن قطع الحلوى الصغيرة تخلف مذاقاً أجمل ...
آه كم تبدو تلك الأشياء التي تقهرنا دون أن
نتمكن من دحرها مخيفة دون انقطاع ، إنها تحاول دائما أن تصطنع فجوة من النسيان
الذي هو شيء أخر لا علاقة له بتركيب الدماغ
وبقوة الذاكرة ، ربما يجب أن نبحث عن أوجه التشابه بينه وبين الخيانة ،
تخيلي عدد الأشياء التي يتوجب علينا تسميتها مجددا ، ترى هل ثمة مقاربة بين
النسيان والخيانة ...
حسنا لقد شاخت شجرة الورد لم تعد هناك زهور
بيضاء ولا زوار منتظمين ، الفراشات الصغيرة وبعض النحلات الهزيلة وحدها تخفق
بأجنحتها مرة أو مرتين ، أشعر أن في ذلك قليل من العزاء ، مواساة لطيفة لمواسم
خصبها وامتلاءها بحشد الورد الأبيض، هكذا تبدو الأمور ، ولكن ربما لم تعد ثمة
فائدة في التحليق حــــول الشجيرات التي تكاد - تذوي واقفة
- المحزن أن لا احد يفكر
بغرس شتلة ورد ، ينشغل يعضهم بزراعة أشياء أخرى يصعب عليك تخيلها ، أفكر كثيرا
بإعادة حرث هذه الحديقة بودي ان أقلب تربتها أجعلها تتنفس هواء جديدا ثم أعاود
تقليبها كي تصبح ناعمة حتى تحتضن البتلات الصغيرة ، اكتشفت أن هناك أعدادا لا تحصى
يمكن استنباتها ، حتى في ظروف المناخ الصعبة يمكن الاستعانة ببيت زجاجي ، انه فضاء
شفاف ومكيف يحفظ الحيوات الصغيرة النامية تحته ...
لقد شرعت فعلا بالأعداد لبناء هذا البيت أعددت
معظم التصميم وخمنت كلفة الإنشاء ، استعنت ببعض الخبراء أنت تدركين مبلغ حرصي على
ان تبدو كل الأشياء اقرب إلى الكمال ومع ان ذلك يبدو صعباً في هذا الراهن القلق
اقتصاديا ، لكن الصعوبة لا تكمن هنا ، أنها تكمن في فهم الناس أقصد جيراني
وأبناءهم ، فما زال العديد من الأولاد يهيمون بهذه المقاليع المزعجة ، فلا يكاد
يمر شهر دون أن تنكسر نافذة في احد البيوت ، وأخشى ان يفسد ذلك عملي . أفكر طبعا
بالحديث إلى كل أولئك المحيطيين بمنزلنا ‘ رغم ان البعض منهم يتجنب ذلك باستمرار ،
ثمة من يعتقد إنني مجرد عجوز خرف عانى طويلا من وحدة قاسية ، لكني لم أكن وحدي
طويلا كنت على الدوام وسط حشد رائع من الأصدقاء ، لكن أحيانا حينما تكون العزلة
خياراً لا فكاك منه يجب ان لا يقتل ذلك رغبتنا بالاتصال ، أتذكرين ذلك الجنرال
السيئ الحظ ، الجنرال ( اورليناو بويندا ) ما زلت أحترم إصراره وروح المطاولة التي
لم تفتتها أيام عزلته ، حقاً ان أحدا لم يكاتبه لكن يتوجب علينا ان نحترم تلك
الرغبة النابتة مثل صخرة في الغابات المطرية ، أنا لم اختبئ في مكان ما مثلما فعل
( هنري برابوس ) بحيواته التي صنعها في ( الجحيم ) تأملي كلام هذا الرجل ( ذهني
فارغ . قلبي نازف . ليس لي شخص يحيط بي ... إنني إنسان مسكين سقط ذات يوم على ارض
غرفة ، في فندق يقدم إليها جميع الناس ... ومع ذلك أنني أريد مجدا ً: مجدا ممتزجاً
بي كجرح رائع مدهش أحس به... ويهتف لاسمي هتافاً أشبه بصيحة جديدة تحت أديم السماء
... ) ، لم أكن تعساً بهذا الشكل ولم أكن أختزن هذا القدر من الحزن والتعاسة
واللاجدوى ، كنت ارتبط بشيء ما على الأقل ...
أنت تدركين جيداً أنني لم أضيع أية فرصة رغم
ضآلتها، لان الفرص كانت معدومة تماماً ، اليوم يجب أن اعترف إنني كنت إزاء أقدار
عظيمة ، حيث تبدو كل تلك القراءات والانشغالات محض محاولات عقيمة ، إنها تبدو لي
اليوم مثل نظارات بألوان غامقة حالت دون رؤية الأمور كما يجب ان ترى ، لكن ذلك لم
يكن عيباً ولا خطأ فادحا ، ربما كانت أخطاء الآخرين أشد قسوة وربما كانت مهينة
بشكل لا يغتفر ، بعض الخطاة الكبار ولدوا أصلا لاعتلاء عروش الخطيئة...
لم تكن إشارتك واضحة ، كان علي أن أتأمل تفاصيلها ، هي حتما لم
تكن مجرد حلم ، حسناً ربما كان ذلك تلميحا عن لا جدوى أقامة ذلك البيت الزجاجي ،
الموضوع برمته ليس اختراعي ، لقد فعلت ذلك أيضا من أجل تلك الوردة البيضاء التي
غرسناها معاً ستجد أقلامها الجديدة فضاءً رائعا للنمو لقد صار بالإمكان أن ننسج
سجادة زهور بالغة الجمال والتنوع في تلك الحديقة المهملة منذ زمن ، ليس ثمة خيال
واسع في هذا الموضوع ، ان الحياة تحت فضاء شفاف وأمن يمكن أن تبدأ بداية قوية ،
تخيلي كيف يمكن لهذا الهيكل أن يدحر زمهرير شباط ويمنع لهيب الصيف من شي الكائنات
الخضراء الصغيرة الواعدة ، ان ما افعله هو قلب المعادلة أن أمنح الأشياء الضعيفة
التي لم تتسلح شفرات تكوينها جيدا ، أمنحها فرصة ألامساك بالأرض عبر جذور قوية ،
هناك فرصة مؤكدة لردع تقلبات الطقس ، الأمر يستحق ان نشقى قليلا من أجله ، الزهور
وأشياء صغيرة أخرى هي من يمنحنا سعادة بالمجان ، هل طالبتك زهرة ما بثمن البهجة
التي تشيعها ...
ألان أصبح بالإمكان رؤية الهيكل الزجاجي من
خارج أسوار الحديقة ، آه أولئك الرجال الرائعون الذين علموا معي كم كانوا حذقين ،
لان المنجز لم يكن بيتا من زجاج عادي ، بوسع المرء أن يتلمس تلك البراعة والتفرد
التي طبعت هيكله الخارجي ، أحيانا تبدو بعض قطع الزجاج المثبتة على بعض جوانبه
والتي قطعت بهيأة نجوم صاعدة من الأسفل باتجاه السقف الذي ينفتح بصورة آلية على
السماء ، تبدو لي مثل جوقة من النجمات المتحفزة للوثوب إلى الأعلى ، في المساء حين
أطلق سراح الضوء المحتبس في باطن مصابيح النيون ، يتشح الهيكل اللامع بخضرة لاصفة
ينعكس ضوءها مندفعاً إلى مديات ابعد من السياج الخارجي بوسعي أن أرى تلك الأشجار
المغروسة في الساحات القريبة أو في البيوت المجاورة وهي تستقبل بدهشة انعكاسات
الضوء الأخضر على أوراقها المغبرة ، ثمة حياة أكاد أحسها يشيعها وجود هذا البيت في
قلب حديقتنا العتيقة ...
الفطريات والعناكب المجهرية وبعض الأمراض التي تصيب النباتات
داخل البيوت الزجاجية ، مشكلة يجب توقعها ‘ في الداخل حيث تكون درجات الحرارة
والرطوبة مناسبة للشتلات والبذور ، تكون مناسبة أيضا لتلك الكائنات المتطفلة على
المكان ، لا شيء يمنعها من التسلل غير الرغبة المتحفزة بإقصائها وإبعادها عن البيت
، لكن ذلك يبدو إطلاقاً غير معقول ، ان أفضل البيوت الزجاجية يمكن أن تنتج بعض
الشتلات الصغيرة المريضة ، فليس بوسعنا أن نتحكم بكل ما يحيط بنا لكننا نستطيع أن
نفعل أفضل ما يمكن ...
تبدو إشارتك ملغزة أكثر من ذي قبل ربما لان
فجوة صغيرة بدأت تتسع بيننا فجوة صنعها النسيان والتباعد المبكر ‘ ربما لان عدم
اهتمامك بالتواصل قد أضعف زخم ذلك الإحساس الذي نحتاجه لتقصي هذا المحيط الجديد
الذي بدأت موجاته تضرب جدران غرف نومنا مروجة إعلانات بارعة ومغرية تسوق الرغبة
الى أوعية دمنا بإصرار لا يضاهيه سوى ذلك الخدر والبلاهة التي تخلفها براعة الصنعة
التي لن نستطيع مواجهتها ونحن بهذا القدر من التراخي ، نحن لسنا بحاجة لحرق كتبنا
القديمة ولسنا بحاجة للاستئصال الأورام الحميدة مادامت غير ضارة ثمة ورم حميد في
كل مكان ، سنسقط في إغواء الجراحات العميقة والتجميلية ، علينا أن ننصت لدواخلنا
في لحظة هادئة حيث تكون مشاعرنا متوازنة بما يكفي لاكتشاف تلك الحكمة الخجولة
المتوارية خلف أقنعة التوتر ، سنكتشف إن الكراهية ليست أفضل ما نتبادله مع الآخرين
.
في تلك الحقبة ما كان بوسعنا أن نتأمل جيداً
هذا الباطن الذي لم يكتشف جيدا كنا دوما منساقين خلف هزائمنا الصغيرة فارين أبدا
من سيادة القسوة لائذين برطوبة البيوت كي تطرد جفاف أفواهنا المتيبسة من الأنين ،
هل تظنين أن هذا التفاؤل المفرط يتماها مع الثرثرة ...
بوسعنا اللجوء مرة أخرى للأرصفة ، نعيد ما
فعله " عامر بدر حسون "( من على الأرصفة جمعت وطني صورة صورة ...1 ) لن نجد صعوبة في جمع الرماد من تحت أقدام
الباعة المتجولين بعد أن نعيدهم لواجهات المحلات الفارهة ، سنجمع ما يكفي من
قوارير الرماد المختومة بخثرة دمنا ، ثم نسمي يوما واحد للحزن يوم واحد لا غير ...
ألان يتوجب علي أن اخفي كل ما كتبت لك ، أحفظه
في مكان يصعب الوصول إليه ، حتى لا يكتشف أحدهم في يوم ما إن الأحياء يكاتبون
الموتى ...
1 : العبارة وردت في كتاب " العراق " للإعلامي والكاتب العراقي عامر
بدر حسون .
امرأة من قصب
كانوا لاهين عنها منشغلين
باستنزاف طاقتهم المختزنة لإفزاع
العصافير اللاهثة في أعالي الشجيرات المغبرة أو سحق الزنابير الحمراء متلذذين بشد
إبرها الملتصقة بأمعاء ها ‘ منساقين خلف رجع مؤلم
لورم
حارق أورثهم ذلك الميل الطفو لي لقسوة مؤسسة على العبث المجرد...
كانوا جمعاً من الصبية والبنات الصغيرات ،
مكتملي الخلقة أو منغوليي السمات ‘ أكثرهم وداعة هم أولئك الذين اعوجت أوراكهم
فابتكروا طريقة سير مضحكة ، وهم مدينون بهذه الدعة والطرافة لفاتح مغمور ظل يتأمل
بوابة الأمراض الانتقالية الضالة قبل أن يقدم سيرته الذاتية إلى المولعين بتقصي
شؤون العرج المحلي ..
أبناء المرأة اللائبة تحت ظلال شجرة التوت
المعمرة لم يحفلوا بأمهم التي شقت ( زيقها) عند الفجر فتدلى ثدياها الكبيرين مثل
جروين صغيرين يصطفقان ببعضهما مستجيبين لحركة رواحها ومجيئها تحت ظلال شجرة التوت
المسنة، تطلع بعضهم ببلاهة إلى صدر ثوبها المشقوق ونهديها المرتجين ولم تستطع
ذاكرتهم المفرغـة من لـذة الرضـاعة أن تسترجـع حلماً زائلا لـدفء فاتهم التعـرف
على مذاقـه العـذب وكان ذلك كله لا يعدو بنظرهم سوى عضلة كبيرة متوجة ببرعم صغير
استعار لون القهوة ، ولهذا فقد فضل
بعضهم متعة التقاط حبات التوت من بين قدميها الملفوفتين بشرائط الكتان الأسمر
وازدرادها دفعة واحدة مع النمل المتشبث بها والمدافع عنها بقوة ، لكن هذه المتعة
أغضبتها فنهرتهم بقوة فانسحبوا فزعين من نبرة صوتها الراعدة لائذين بأجساد بعضهم
الناحلة أو متوارين بين نباتات الحلفاء المتعالية فوق كتف النهر .
استجمعت وهي تحتبس قهرها الموجع تلك الهفوات
الصغيرة وزلات اللسان التافهة المتوارية في الأعماق الكسيرة والتي استحالت في بعض
الأيام إلى مشاجرات بائسة تنتهي دائماً ببكاء طويل وعتب لا ينقطع ، ثم استردت
حصيلة أيامها الفائتة وفلتها مثلما تفلي فروة رأس كثة فلم تجد سوى بضعة بقع باهتة
في خط حياتها المولد لبضعة أجيال من الرجال والنساء يملئون الساعة مع أبناءهم
وأحفادهم قيعان المدينة الصغيرة المترددة . في لحظات الطلق الحاسمة حين تقترب
الحيوات الصغيرة من مشارف وجودها الذي تحكمه تقارير العسس والوشاة قبل النبوءات
، تهمس في إذن الرأس المحشور في
فتحة النسيج الدامي أسفل الحوض بوصايا أسلافها القابلات المتمردات على سطوة الألم:
:- أراغب حقاً بالهبوط إلى باطن هذه المحنة..؟
افهم إننا لا نحيك المصائر ، ربما ستترك أثر ما، لكنك عائد حتماً ، فكن أقل شغفاً
وولعاً بالأشياء التي لن يمتلكها أحد على الإطلاق حتى لا يلازمك النواح ..
في تلك اللحظات المتسربلة بالصراخ والدم ،
تسمع وحدها الإجابات المترددة أو
الحاسمة للوافدين الجدد الهاربين من ظلمة الأرحام الضيقة إلى سعة الوجود المزدحم
بالرغبات الفائضة والجنون الغير مقنن...
عندها فقط تحدث القطيعة حين تحز نهاية الحبل
السري عند اقرب موضع للصرة فتنهار تلك العلاقة القائمة بين الحياة المتكورة في باطن حياة أخرى معلنة فك الاشتباك مع
أنشوطات الحبال السرية وبدء الانغمار بجروف الوجد والمسرات المركبة والهذيان على
أرصفة البقالين وطرقات المدن المتربة .
أسندت ظهرها إلى الجدار ووارت ثدييها في باطن
ثوبها المشقوق ومضت تحلم بيوم قريب تبتكر فيه مشدات صدر مخرمة تمسك بخناق الصدور اللاهثة خلف السورات المجنونة ،
وراحت مخيلتها المخصبة بأوهام الوحدة الطويلة تبتكر طرقاً مضمونة لمنع الحمل وكانت
فكرة العازل الذكري تجوس في مخيلتها قبل أن تحز جذوع أشجار المطاط لتندلق تلك
اللزوجة في الدلاء المرتحلة غربا لتحول دون تفاقم السفلس في عنابر السفن العابرة
للقارات.
عاينت الطريق الطويل المتصل بالبيوت التي عرفت كل ركن فيها ، كانت تأمل أن تستفز
المدينة وتوخز وعيها لتكف عن استغراقها بذلك الحلم المسترخي في باطنها وأن تلتفت
لهؤلاء الذين ألقت بهم في حوشها وحدا تلو الأخر بعد شيوع نبؤة الشارة ، ثم نبذتهم
كالمجذومين ، وأن تقر إنهم أبناء كبواتها المتكررة وإنهم لم يكونوا نتاج رحمها فهي
لم تزل محتفظة بعذريتها رغم طوفان هرمونات الخصوبة الضاجة ...
كانوا يأتون بهن سراً إلى دارها في منتصف الليل
أو عند الفجر مؤكدين ومبشرين إن الأتي من هذه البطون المنتفخة يحمل شارة الوعد ،
فكانت تحتفي بالقادم الجديد مفتونة بحضوره الواعد ، وتهمس بأذنه مرحبة ونافثة سيلا
من الأدعية والتعاويذ التي ورثتها عن بضعة أجيال من القابلات وتبدأ طقس التغذية
الأول بخلطة من ماء الورد والعسل الملكي حتى الشهر الثالث وهو ساعة البشارة وميقات
النبوءة ، فتلقمه ثديها البكر وتستحضر كل مشاعر الأمومة المدفونة في جوفها كي يدر
صدرها من أجل حامل الوعد مخالفة نواميس التكوين الأنثوي ، ويستمر طقس الرضاعة من
فجر يوم الشهر الثالث حتى أفول شمسه ، فتنهار عزيمتها وتذوي عندما يطلق ذلك الرضيع
فضلات جوفه بدلا من بشائر إعجازه .
وطوال تلك السنوات كان الاكتناز والاستدارة النافرة لصدرها
يذويان مخلفين ثديين مجدبين مترهلين لامرأة أخفت رأسها في رمل الأسطورة المندثرة
التي لم تمنحها غير أولئك اللاهين عنها بين أجمات بستانها الصغير الذي التهمته
الحلفاء والعاقول ...
هدلت بضع حمائم في أعالي الشجرة التي كثف انحراف
الشمس جزءً من ظلها ، ابتسمت المرأة بحزن معتبرة ذلك الهديل مواســـاة رقيقة
لخيبتها ...
فكت شرائط الكتان التي لفت بها أطرافها وطرحت
عصابة رأسها جانبا فتحررت جدائلها وتدلت ملامسة طرف عجيزتها الصلبة، لامس الهواء
المحتفظ بطراوة الصباح ساقيها الثلجيين وتسلل صاعدا باتجاه ثنيات بطنها الضامرة ،
وسال ظل بارد في مفرق شعرها مفترشاً مسامات فروة رأسها مزيحا دبق العرق وملوحته
فاضحا مشهد ذلك الماضي البائس الذي انساقت فيه خلف أهواء العشابين والوعاظ ومخترعي
النبوءات والأساطير والمنجمين الذين اخترعوا قاموس سباب الأرصفة لباعة الخضار
والسمك...
فارقتها صدمة الاكتشاف التي شقت ( زيق) ثوبها من
أجلها حين عرفت إن هؤلاء العابثين في أطراف بستانها لم يكونوا سوى أبناء غير
شرعيين لتجار الغلال وملاك الأراضي وأصحاب الخانات الكبيرة وكبار المهربين ، وإن
القادمات سراً إلى دارها كن مجرد زانيات صغيرات وأرامل ومطلقات عصف بهن الأرق
المضني , عندما استباحتهن سماكة الشوارب المفتولة
والسدائر والطرابيش والياقات المنشاة فأسقطن رذيلتهن بين يديها وانسحبن خلل العتمة
عبر المسارب والنياسم السرية المفضية إلى قاع المدينة ، فعلق هذا الجمع الصغير بها
والتصق بخاصرتها مثل القراد فدهمت سيرتها الريبة وفاض صبرها حين جعلها الصامتون
الكبار مكباً لنفاياتهم ...
اغتسلت بماء الورد المدخر للاحتفاء بأساطير
الوهم وارتدت ثوبها الأبيض ولم تفلح المرآة العكرة بكشف كامل بهاءها لكنها بدت
مختلفة وملغزة لأولئك الصغار الذين تحلقوا خلفها وتبعوها بصمت منساقين خلف رغبتها
بالسير صوب المدينة لتوجز تأريخها المحتبس في صدرها وتعيد جدولة الأنساب وتسمي
الأشياء بأسمائها علنا ودون مواربة .
قررت أن تفضح ذلك في الساحات العامة حيث يتسكع العاطلون عن العمل ، وأمام
المقاهي الكبيرة حيث يفترش الوجهاء المتخمون تخوتها الأولى وفي السوق الكبير حيث
تلتصق بائعات الخبز البائسات بالأرض منذ الفجر ستبوح بالمكنون المتعفن وتخرق
المألوف كانت راغبة باستعادة مجد مهنتها وأن تستل جيلاً لا يكف عن الصراخ والاعتراض ، فيما فضلت أن تكون منتجة حية
متماسكة وأن تكف عن أن تكون امرأة من قصب .
مأثرة اليوم السابع
تسلل غراء
الكآبة إلى حمام الساونا ، فتنفسه الجنرال مخلوطاً بذلك البخار الدافئ المتسلل من
الفتحات الصغيرة التي احتار في تحديد موضعها ، نفذ الخليط إلى حويصلاته الرئوية
المترعة بالريبة والتوجس ، فأنزلق ذلك سريعاً إلى باطن مخيلته فانكمشت عضلاته
المترهلة وتصلبت بدلا من أن تسترخي لتلك المداعبة العذبة التي تثيرها الغيوم
الصغيرة الدافئة المحتبسة بين بريق ألواح السيراميك الملونة وقتامة اللون الداكن
لخشب الصاج ، الوجه الشاحب لعاملة الخدمة الآسيوية بوجنتيه البارزتين يمنح الجنرال
ابتسامة محيرة قابلة للتأويل ، لكن طيات الشحم المتهدلة من خاصرتيه ، التي التفت
وزحفت نحو مؤخرته الضخمة لتتحول إلى لبادة سميكة من الدهن الملتحف بجلد المؤخرة
كان يثير فيه مشاعر سخط وقلق مزعجة ، فهو ومنذ إخضاع نفسه لبرنامج تنحيف قاسٍ ،
كان يتجاهل كلية تلميحات ومداعبات المدلكات المفضوحة مواظبا على تنفيذ البرنامج
القاسي الذي خطط له استشاري اللياقة البدنية ، كان عليه أن يتخلص من أربعين
كيلوغراماً من الشحوم الزائدة التي جعلته يبدو مثل كرة ضخمة بساقين قصيرين ، توجب
عليه أن يفعل ذلك خلال سبعة أيام وهي المدة التي تسبق مقابلته للرئيس .
منتصف اليوم السابع يكاد ينقضي وهو لم يخسر سوى
بضعة كيلو غرامات، أصابعه التي تتحسس المواضع الممتلئة تتوسل بالشحم الملتصق بجسده
المسلوق أن ينفذ سريعاً عبر المسامات التي ترشح دسم الولائم ببخل يضنيه ، تمنى لو
كان بمقدوره أن يحدث شقوقاً صغيرة في تلك الأماكن ليندلق هذا الشحم فيتحرر من هذا
الترهل إلى الأبد .
المرأة الآسيوية أضافت قليلاً من البودرة
الحمراء لتخفي شحوب بشرتها ، انتبه لذلك وهو يتناول منها قدح العصير فقد أدركت إنه
بحاجة لتعويض السوائل التي يفقدها وسط تيار البخار الساخن ، كانت هناك دوامات
صغيرة من الدوار تزحف من أسفله صعودا إلى قمة رأسه فتعتري عينيه غشاوة خفيفة باعثة
على الغثيان ، قدح العصير الذي شربه دفعة واحدة أوقف دواره فصار بوسعه أن يتأمل قوامها النحيف
ويتفرس بملامحها ، يده المستكينة على فخده امتدت لتلمس عضوه المختبئ بين فخذيه،
وحين اكتشف ضموره وانكماشه أشاح
بوجهه عنها وهو يدفع إليها كأس العصير الفارغ .
ساعة التوقيت الصغيرة ظلت ترن طويلا منهية
برنامج التنحيف ‘ المرأة المثقلة باللون الأحمر قادته وهي تحيطه بمناشف قطنية بلون
زهري كانت علامة المنتجع مطبوعة عليها بحروف سوداء كبيرة : ( منتجع أسيا ) ، أقترب
متوجساً من آلة الوزن وقبل أن يضع قدميه على أرضيتها أطلق زفيرا نتـناً وطويلا حتى
التصقت أضلاعه برئتيه كتمت المرأة أنفاسها متجنبة ذلك الزفير , وأنحت حتى تتجنب
تدفق أنفاسه ، لكن الأمر بدا له مجرد تحية تقليدية اعتادها منذ دخوله المنتجع. وجه
الميزان يشبه ميناء ساعة جدارية كبيرة ، المؤشر الصغير مستقر على الصفر جهة اليسار
فيما تتوزع الأرقام على محيط دائرته لتنتهي برقم اعتبره فلكياً ، ابتسمت المرأة
مشجعة فأستقر على قاعدة الميزان الباردة ، المؤشر الوحيد ذو اللون الأحمر يتحرك
صاعداً ببطء شديد ، كانت استجابة العتلات والنوابض في باطن الميزان ضعيفة إذ تبدو
وكأنها فوجئت بهذا الضغط المفاجئ لكتلة تجهل ماهيتها ، لكنها استعادة توازنها
وبرودها فقدمت بحيادية رقماً جعله يشعر بالإحباط المعزز لليأس والشعور المضني
بالضآلة ...
بمواجهة اللوحة كان يبتلع جرعات صغيرة من مشروب
خفيف ، فارس اللوحة يتأمل سيفاً طويلا وهو يبتسم ، فكــر : ابتسامة الفرسان
الساحرة !!
المرأة الضئيلة تواصل فرك قدميه السمينتين وهي
تهمس بلحن قديم : .. نصفين سأشطرك لو فارق الدفء موقدي !
تناهت إليه من باطن المطبخ القريب جلبة السواطير
الحادة وهي تهوي شاطرة كتل اللحم الممد على طاولات التحضير أبتلع كأسه دفعة واحدة
فنفذ الكحول سريعا عبرً جدران معدته الخاوية فاستحال إلى أبخرة غشيت عينيه وحين
عاد إلى تأمل اللوحة شعر إنها تخلت عن ملامح فارسها القديم وتبنت وجه الرئيس
الصارم ...
******
المشدات لا شيء غير مشدات البطن ، صرخت زوجته
وهي تدير وجهها صوب الخادمة السوداء ،
كان الجنرال يقف نصف عار مانحا جهته اليمنى للمرآة الكبيرة التي عكست
اندلاق كرشه الضخم ، وضع يديه أسفل بطنه وضغط بضع ضغطات سريعة ومتوالية ، فاهتزت
طيات الشحم والأمعاء مُظهرةً ثنيات صغيرة كانت تَبرز وتختفي على جلد بطنه
اللامع0ملاْت الساعة الكبيرة فضاء غرفته الواسعة بصدى ثلاث دقات رتيبة ‘ أيقن إن
بضع ساعات تفصله عن موعد اللقاء فأبتلع ريقه أكثر من مرة ليوقف سريان تلك
القشعريرة التي تخض جسده ، شعر إن هواء الغرفة بحاجة إلى تغيير فأشار بسبابته إلى
النافذة ، تسللت رائحة البحر القريب إلى المكان فأغرقته بطراوة عذبة وضجيج محبب
لصيحات النوارس المحتفلة ، لكنه أمر بغلق النافذة على الفور , إذ كان ذلك لا يمثل
لديه سوى زفر مقزز ونعيب باعث للكآبة...
خطوات الخادمة السوداء الرشيقة تسجل إيقاعاً
لحضور عاجل ، كانت مولعة بضبط حركة عجيزتها المكتنزة على إيقاع كعب حذاءها العالي
، سلمت مشد البطن لسيدتها التي طوقت كرش الجنرال وبدأت بشد الشرائط بقوة ، تراجعت
كتلة الشحم قليلا إلى الداخل واختفى المظهر المندلق للبطن خلف نسيج المشد المتين ،
لكن الأمر لم يعجبه تماما كان يفكر بشدة أقوى تمنحه شكل جنرال فتي وغير مترهل
فأمرها أن تشد الشرائط الخلفية بقوة أكثر ، هرعت الخادمة لتدعم سيدتها وراحتا
تجذبان خيوط المشد حتى التقت حافاته الخلفية ...
_ : هل تستطيع التنفس يا عزيزي ؟
هز الجنرال رأسه وراح يخطو أمام المرآة المذهبة كي يحصل على
أفضل مشهد لمظهره الجديد ، فقد نجح المشد بإخفاء ذلك الانتفاخ لكن عليه أن يقاوم
حدة الوجع الذي يعصف بأمعائه ويجعل تنفسه صعباً ، ومع ذلك فقد خيل إليه إنه حقق نصرا
صغيرا على المخاوف التي تعتريه عند تَذكر موعد المقابلة ، حين استبدل الخوف بقليل
من الألم المحتمل .
أحضر جندي المراسلة المكلف برعاية الجنرال بزته
العسكرية الجديدة ، كانت الخادمة تهمس بأذن سيدتها محذرة من تنقل لون بشرته بين
الأصفر الشمعي والأخضر الفاتح ، خمنت السيدة إن ذلك مجرد اضطراب نفسي يسبق مقابلات
الرئيس 0 أنهى الجنرال ارتداء ملابسه وتراجع جندي المراسلة إلى الخلف قليلا ليتأكد
من لياقة مظهر الجنرال ، كل شيء مكتمل ولا ينقصه غير النياشين وأوسمة الحرب .
كان المراسل دقيقا في صف وتثبيت الأنواط حسب
تسلسل منحها ، علق أولا أوسمة الوطن المقدس السبعة ، ثم نياشين الغابة المطرية
وأنواط الجبل المقفر ووسام حرب المستنقعات الأولى ثم نوط قمر أسيا ، مع هذا العدد
الكبير من النياشين صار للجنرال شكلا مهيباً جعل زوجته تصفق إعجاباً لمظهره الذي
بهرها ، جندي المراسلة انزوى في مؤخرة الغرفة لقد أحتاج لبعض الوقت حتى ينجز عمله
وخلاله كان ينصت بقلق للهاث سيده السريع واضطراب صوته وهو يقدم ملاحظاته الصغيرة
المتذمرة .
كل شيء على ما يرام سوى ذلك الوجع المتصاعد في
أحشائه والذي يسبب له شعوراً بالاختناق لم يعتده من قبل ، أشار إلى الخادمة فأحضرت
كأساً من مشروب قوي ليساعده علي تخفيف الألم ، الدفعة الأولى الكبيرة من المشروب رطبت حنجرته الجافة صار بوسعه
أن يتحدث دون بحة ظاهرة تشوب صوت ...
_ :حسناً إنها أفضل معاركي على الإطلاق ، إنها
مأثرة اليوم السابع.
على إيقاع تصفيق جمهوره الصغير عب الرجل بقية
كأسه، واستدار ليواجه المرآة للمرة الأخيرة فأصطدم بصورة مغبشة لكتلة أسطوانية
الشكل بحلة عسكرية مرقطة ، حاول أن يتعرف على ملامح صاحبها لكن غشاوة من ضباب كانت
تتكاثف أمامه حاجبة ملامح الصورة المنتصبة وسط المرآة ، لوح بيده التي استشعر
ثقلها ، وبالكاد شاهد ذراعاً تلوح بالمقابل ، دهمه دوار خفيف ، هبط نبض قلبه
وتضاءل جريان الدم في عروقه ، في داخله المضغوط بالمشد كانت الدماء المنبجسة من
كبده الممزق تصنع بركة صغيرة قاتمة ، ارتطم جسده بالأرض المرمرية بقوة فتناثرت
الأوسمة والأنواط محدثة رنينا معدنيا أفزع الببغاوات والخفافيش المعلقة
بأقفاصها،أيقنت الزوجة والخادمة الملتزة بجندي المراسلة المرتعش إنها السقطة
الأخيرة للجنرال الذي هزمه الفزع .
طباعة وتنضيد
مكتب رسالة للكمبيوتر
كربلاء / الحر