طامي هراطة عباس

الأشياء الناقصة

قصص قصيرة

 

 

السيرة الذاتية

                                

                                       عشــرون عاماً من الصمت

الاسم / طامي هراطة عباس .

التولد /بغداد – المحمودية /1950

الصفة / قاص                                         

الإصدارات : حاضن الأسئلة / قصص قصيرة / عن دار الشؤون الثقافية / وزارة الثقافة العراقية 2009

              الأشياء الناقصة / قصص قصيرة / عن دار الينابيع بدمشق 2009 .

والمحمودية مدينة صغيرة كانت وما زالت متعلقة بأثداء بغداد ،هي طفلتها تلتصق بخاصرتها وتلوذ بها ، لم تكن يوما ضلعاً في مثلث الموت (المدينة ) كما روج البعض ، لكنها ومنذ أن مرت عربات القطار والسيارات الصاعدة والنازلة الى بغداد بشارعها الوحيد ، كانت ساحة للحركة الوطنية والتقدمية ، وهي شأن المدن الصغيرة تخبو وتضمر فيها الحياة عندما يجتاحها أي وباء ، ولم تكن على الإطلاق مدينة عقيمة إذ رفدت الحركة الثقافية والفنية بالعديد من الأسماء المعروفة ...

كنت من جيل الخمسينات هذا الجيل الذي بهر (روجيه غارودي ) وقال عنه ( هو الجيل الذي ولد في منتصف القرن تماماً ، وقد بلغ الثامنة عشر عام 1968وسيبلغ الخمسين عام 2000 ولقد عرف المخدرات واشترك في حروب العصابات وعرف طريق " كاتماندو" ، وعانى أحلام تشي جيفارا ، وكذلك قلق العصر النووي... ) بوسعي أن أضيف أشياء أخرى غفلها ( جارودي ) بالنسبة لجيل الشرق الأوسط المشتبك ومنذ نمو الحضارة في هذه الأنحاء بحروب ومجازر مفتوحة على كل الاحتمالات سواء كان ذلك بشدتها ومستوى عنفها المدمر أو بامتداداتها الزمنية المخيفة التي افترست العديد من الأجيال .

في عام  1977 نشرت أولى قصصي ، مازلت أذكرها ( خيول فولاذية ) كانت تلك هي البداية ثم توزعت اهتماماتي فيما بعد بين المقالة النقدية الصغيرة والقصص القصيرة وقصص الأطفال ، كنت أكتب في طريق الشعب وجريدة العراق ومجلة الطليعة الأدبية والفكر الجديد ، ثم استمر ذلك حتى عام 1983 والذي كتبت فيه أخر عمل لي وهو مسرحية من فصل واحد ( حوار ساخن في ملجأ ضيق ) والتي نشرت في مجلة الطليعة الأدبية العدد الخامس ، وأذكر إنني أهديتها الى زملائي في وحدة الميدان الطبية /37 ... وكان يجب أن اصمت وأتوقف تحت ضغط تلك الإشكالية التي عانى منها الكتاب والمثقفون ، إشكالية الحرب العراقية الايرانية .

كانت مدينة كربلاء وستبقى أيضا واحدة من أهم محطات التغيير الرئيسة في حياتي ، هنا في هذه المدينة المترعة بالحياة والقداسة والسكينة تمكنت من إعادة ترتيب أوراقي ، صار بإمكاني أن  اقرأ وأفكر بشكل أفضل ، هنا أيضا توطدت علاقتي بالشاعر المبدع محمد علي الخفاجي والشاعر هادي الربيعي وتعرفت بشكل أفضل على الروائي والناقد الأستاذ جاسم عاصي الذي مازلت مدينا له بالكثير ، لاسيما اهتمامه بإبداء العديد من الملاحظات المهمة عن نصوصي سواء كان ذلك عبر اللقاءات المباشرة أو من خلال ما كتبه من دراسات نقدية عن إصداراتي .

ترى دوريس لسنغ الفائزة بجائزة نوبل ( إن أول المصابين في الحرب هي الحقيقة ... ) كانت الحقائق غائبة في حربنا الطويلة مع إيران ، ولم يكن هناك ما  يستحق أن يموت الناس من اجله ، انه أمر صعب أن أستمر بالكتابة فيما عربات القطار الصاعد نحو بغداد مليئة بجثث الجنود ، وكانت مشاهد الاختطاف الأبدي والعوق الدائم للأصدقاء تتكرر في تلك المحرقة المخيفة دون توقف ولهذا فقد كانت بالنسبة لي حربا بلا معنى بين طرفين متخاصمين للأبد ، وكانت فضيلتها الوحيدة بالنسبة لصناعها أنها حصدت بضعة أجيال رافضة كانت الحرية هاجسهم الأبدي : أولئك الذين ساندوا الدكتور محمد مصدق وأولئك الذي احتفوا بعبد الكريم قاسم ، كانت توقفي عن الكتابة ضرورة ...

زلزال عام2003  الذي أطاح بنظام صدام خلق إشكالية بالغة التعقيد في مسار الثقافة العراقية وأحدث لدى البعض صدعاُ كبيرا وسبب إرباكا في التعامل مع الراهن الجديد ، ومع ذلك فقد كان ذلك الحدث الكبير قادرا على تحريك الوسط الثقافي وإعادة هيكلة بنية الثقافة العراقية على نحو مغاير ، ورغم المهيمنات الراديكالية الضاغطة على بعض الاتجاهات الثقافية فقد عاودت كتابة القصة القصيرة ، نشرت في المدى والصباح الجديد وجريدة طريق الشعب وجريدة الصباح ، وفي بعض المواقع الالكترونية . تجربة النشر الالكتروني كانت جديدة علي تماما ، كنت بلا خبرة بهوية العديد من المواقع ، أذكر إن الصديق الفنان والمبدع فؤاد ميرزا كان له الفضل الكبير في توجيهي .

بودي أن اعبر عظيم امتناني لكل أولئك الذين ساندوني ودعموا عودتي للكتابة مجددا  وبمختلف الطرق اخص بالذكر منهم الناقد الراحل شاكر رزيج فرج ، الناقد والروائي جاسم عاصي  والقاص والروائي الأستاذ حنون مجيد، والكاتب والإعلامي عامر بدر حسون والناقد علاء مشذوب والكاتب والإعلامي أحمد المهنا والناقد الأستاذ محسن حسين عناد والأستاذ سلام القريني والأستاذ علي السومري , والأستاذ اسعد اللامي والصديق الشاعر عقيل أبو غريب وأخيرا الصديق والشاعر المبدع بولس آدم ..

       نيسان / 2010                                                                

 

 

جاسم عاصي

 

الأشياء الناقصة ... وشعرية السرد

 

يمكن للوهلة الأولى أن تقودك القراءة إلى ما هو مثير للانتباه  , غير أن  القراءة بمثابة نظرة إلى  بركة  ماء ساكنة يـُرمى على سطحها حجر صغير , سرعان ما يترك الحجر أثرا ً على السطح , عبارة عن دائرة صغيرة , سرعان ما تتسع , و تتسع , فيكون مشهدك عبارة عن تداول تحصل عليه من خلاله  الدوائر . وبرغبة شديدة تكرر الرمي , لتحقق معادلا ً موضوعيا ً جديدا ً . في هذا الفعل السردي كما أراه , تكتشف السردية البكر التي ما أن تنفتح كوتها عليك حتى تطل منها على نسق آخر فائق الانبهار وهو يبث الضوء من جديد .

هذا ما بدا لي وأنا أتواصل في قراءة مجموعة القاص ( طامي هراطة عباس ) الموسومة ( الأشياء الناقصة ) . وهذه القراءة قادتني أيضا ً بسبب ما بدا من خلال قصصها تلك المثابرة والإصرار على تطوير بنية السرد , وملامسة ما درج عليه القاص , المنقطع عن ــ الكتابة ــ , منذ أكثر من عشرين عاما ً , كما كان يـُخيل للآخرين ,  غير أني كنت أرى عكس ذلك تماما ً , بسبب معرفتي بعشق القاص للسرد , ومحبته للمعرفة , التي قادته للعودة للنشر , باقتدار وتمكـّن واضحين , ولا أقول : كانت عودته بموهبة كبيرة مضمرة , خوفا ً من اعتبار مثل هذا عند الآخرين نوعا ً من الانحياز والمجاملة . لذا يمكنني أن أدرج وجهة نظري في ما قرأت ببساطة متناهية وكالآتي :

الأشياء الناقصة .. توحي بمشروع كتابة , بما تضمره من رؤية تكشف الممكن من وجهة نظر الذات . فالناقصة .. لا تعني مثلبة بقدر ما تحاول أن توحي بالمضمر الذي يبشر بمستقبل المشروع القصصي . وهو نوع من التواضع وان كانت عتبة المجموعة هذه مستلة من إحدى القصص , غير أنها أصبحت بمقام الدالة على الكل , بعد أن كانت دالة على الجزء . هذه العتبة تقودنا إلى عناوين القصص  , التي هي الأخرى لعب اللاــ وعي بمهارة لصياغتها كمؤشرات بنيوية تقود إلى بنيات أخرى أكثر سعة , فهي بلاغة تضاف إلى بلاغة المعاني التي ضمتها قصص المجموعة , ولنر ما نفترضه ممكنا ً :

ــ حساء جميلة الأسود ---------- يوحي بترادف ثلاثي في اللغة , فمفردات ثلاث , استطاعت     أن تكشف بعضا ً من المعاني . فالحساء أسود دال على بنية سلبية المعنى , لكن علاقة هذا السواد بجميلة , يوحي بصورة لابد من الوقوف عندها من باب الأنوثة .

ــ أسوار من كوابيس ---------------  يعطي صفة جديدة لظاهرة القلق التي يـُحدثها الكابوس بما يحمله من صور بشعة ومنهكة . فالسور إطار ملغـّم يصعب اجتيازه . لذا غدت للكوابيس خاصية محدد .

ــ رائحة الظل -------- اتصال شيء بشيء آخر لا يمت له بصلة , غير أن البلاغة ما يـُسفر عن استخدام يضيف  حالة توصيل متجددة بين مفردات اللغة . لأن السرد هنا بناء .

ــ شرفة على ساحة الحرب ------- وهنا يظهر المفارقة بين الحرب والتطلع . فكأنها من خلال مفردة ــ شرفة ــ نوع من النزهة تلك الحرب , لكن بلاغة العنوان أفادت في المفارقة بكناية دالة .

ــ شركاء --------- يوحي بتوقع , , ربما يـُسفر المعنى بعكسه , كما ظهر لي أثناء القراءة . وهنا تكمن قوة العنوان .

ــ  شفرة المرتحل ------- حين تتواصل مع القصة , وتعطي للمخيال السردي تفويضه        الممكن , تدرك أن الشفرة هذه لا تصلح إلا ّ مع من يـُقدم سَفرا ً من العالم الآخر المتخيـّل .

ــ ما بعد الهطول -------------- كذلك يـُسفر المخيـّاّل عن وجه الفانتازيا كوجه من وجوه التعبير عن بشاعة الحياة .

ــ مخيلة الربيع ---------- إضفاء وظيفة وصفة بما يشكـّل ثنائية في القص .

ما نريد أن نتوصل إليه من خلال عرض كهذا ؛ كون العناوين للقصص  اختيرت بروية ودقة لتحقيق الدلالة , سواء المطابقة لإشارة العنوان أو المفترقة عنه .

إن قصص ( الأشياء الناقصة ) خضعت في مجملها لآثار الحرب , وإن لم تعلن عنها في بعض القصص . وهذا ما يكشفه المشهد القصصي العراقي الذي سيستمر بخضوعه لمهيمنة الحرب لفترة قد تطول . غير أن ما يتبدل في هذا المسعى الأدبي الكاشف للحياة ؛ إنه يعطي خطابا ً مغايرا ً ومستجدا ً في الأساليب والنظرات . وهذا ما رأيناه في واقع القصص هذه التي وشمت الحرب حتى جملها وتراكيبها البلاغية , وذلك من خلال محددات رؤيوية خالصة . فالأزمة التي يعيشها النموذج كانت من جرّاء التراكم الذي أحدثته الحرب كظاهرة مدمرة تترك آثارها على كل البنيات في الواقع .

 إن الذي نلاحظه على القصص , كونها كـُتبت بسردية عالية ورؤية شعرية , اعتنى الكاتب  من خلالها بالمبنى والمعنى في النصوص . وهذا المنحى كان مشحون بقدرة السارد على تحليل الشخصية , أو تناولها وهي في  أشد حالات التوتر بسبب وجودها الحرج في الزمان والمكان الصعب , أو بسبب التراكم الشعوري الذي خلفته الحروب وظواهر الاضطهاد الاجتماعي والسياسي . إن القاص استطاع من خلال بنيتين أن يحقق معادلا ً موضوعيا ً لنصوصه ؛ الأولى : ترادف الأفعال وتواليها في حالات السرد الموضوعي , بحيث استطاع أن يخلصنا من رتابة الوصف والسرد الثقيل , وثانيا ً : حقق شعرية السرد عندما تناول الشخصية بسرد ذاتي , وهنا حقق موازنة بين الإسهاب  والإغراق في الذات وانثيال ذهنها وبين توازن مثل هذه الإنثيالات , وكانت الكفة تميل إلى الثاني . وبهذا حقق السرد توازنا ً واضحا ً .

إن ما يميز المجموعة هو ؛ قدرتها على استخدام اللغة , من خلال الصعود بها نحو الشعرية من خلال الاقتصاد ثم مراعاة إمكانياتها في الدخول إلى ثيمات الحياة من زوايا متعددة , وفي هذا انعدم التكرار . كذلك حقق السرد نوعا ً من بناء الجملة القصصية التي يهم فيها الترادف في الأفعال والتوائم البلاغي بين المفردات من جهة , واستحداث التركيب البلاغي الجديد من جهة أخرى .

أما في مجال المعنى , فقد عكست القصص فضاءات واسعة لظواهر مشتبكة ومعقدة , بسبب تعقد الحياة ما بعد الحرب . والقاص لا يسمي الأشياء والظواهر بأسمائها , وإنما يدلل عليها , بما يخلقه من رموز في أحداث , أو يستخلص أحداث من رموز . ففي قصة ( حساء جميلة الأسود ) نرى العالم المعقد , ونوع الانتهاك الذي تتعرض  إليه الفتاة , والحدث بجملته نوع من أنواع الدلالة الرمزية . أي أن القراءة في هذا تتصل بما وراء الحدث . إن قصص المجموعة سارت على منوال منضبط , فإذا كشفت القصة المذكورة عن عالمها بهذه الوسيلة القصصية , فأن غيرها كانت لها خصوصية في الطرح والغنى الدلالي للوصول إلى معاني جديدة ومؤثرة .

                                                                        ---------- شباط 2009ــ كربلاء            

             --------------------------------------------

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                              حساء جميلة الأسود

نبتت صورة تلك الظهيرة في مخيلة جميلة مثل وشم داكن الزرقة ، تذكرت زوايا البيت الذي تحول إلى مشغل نجارة صغير فتحت بعض غرفه على بعضها ، مازال ضحك العميان وهمسهم طرياً في ذاكرتها ، دش الماء البارد في الحمام الذي غلفت جدرانه بالسيراميك مصحوباً بذلك الإحساس الغريب بالنظافة والخفة ، أواني المطبخ البراقة ، قطع اللحم والخضار الطازج التي يجلبها يومياً صاحب المشغل ، الأجر الأسبوعي المنتظم ، هدوء المكان ، تلك الأشياء لا يمكن مقارنتها بماضي جميلة الذي انقطعت عنه منذ بضعة شهور، إذ كانت تقضي كل نهارها على ظهر حمارها المنهك تجمع وتبيع نفايات المطاعم وخضار البقالين التالفة حيث ينتهي نهارها بغرفة من الصفيح في أطراف المدينة ، تبدلت حياتها فجأة عندما تكفلت بخدمة الرجال الأربعة ، انفتحت على حياة رخية هبط فيها معيار شقاءها اليومي ، وصاحب المشغل الدمث دائم التأكيد :

- : قدمي أفضل ما عندك يا جميلة إنهم ثروتي .

تتطلع إلى ثروة الرجل ، كانوا أربعة رجال عميان ، تحملق بالهالات الحبرية التي ساحت من تحت نظاراتهم السوداء ، الابتسامات البلهاء التي تترسم على وجوههم ، إنهم يبتسمون دائما كاشفين عن أسنانهم البيضاء ، يفعلون ذلك وهم غارقين في عمق ظلمتهم ، تلك الظلمة التي لم تستطع تقصيها ، أصابعهم المدربة والرهيفة تحيك مقاعد من القش للكراسي المكومة في زاوية الغرفة ، أو تصنع سلالاً للورد من عيدان الرمان الرفيعة وتسف زنابيل من الخوص ، حارت في البدء وتسأ لت كيف ينتقون الخوص المنقوع بأواني الأصباغ الموزعة عشوائياً في كل مكان ؟ ذهلت عندما اكتشفت إنهم يشمون رائحة تلك الألوان ويميزون رائحة كل لون ، وحين أغمضت عينها وانتقت بضع خوصات مختلفة الألوان وخلطتها عشوائياً ، لم تتمكن من تحديد لونها الحقيقي فصنع إخفاقها ذاك جداراً من القطيعة حال دون أية محاولة أخرى .

تلك الظهيرة التموزية بهوائها الجاف فجرت شيئا في دواخلها الساكنة منذ زمن طويل ، الحجر الكبير الذي هوى في نبع روحها المتماهية مع الشقاء اليومي ذهب إلى ابعد نقطة يمكن الوصول إليها في مسارب الروح حيث تتآلف الرغبات المتناقضة وتستكين في الصمت الجليدي للأعماق السحيقة ، هناك ضُربت عند الظهيرة ...

- : الهواء الجاف يجعل العيدان والخوص يتكسر رشي الأرضية بالماء يا جميلة حتى ترتفع الرطوبة .

ابتلت الأرضية بالماء ، والمروحة السقفية تدور ، صار جو الغرفة خانقاً ، ولم تعد تطيق الجلوس ، شعرت إنها تزفر بخاراً من رئتيها المشبعتين بالرطوبة فاستسلمت لخطواتها العجولة وهي تقودها إلى الحمام ، هبط الماء البارد على رأسها والتصق ثوبها بجسدها ، لم تفكر بخلعه أول الأمر لكن حين شمت زفر الطبخ الملتصق بثوبها وشعرها المجعد لم تبق أية قطعة من ملابسها ، هبطت رغوة الصابون السائل من رأسها متلمسة طريقها إلى كل ثنية وموضع مكتنز في جسدها العاري ، هي لا تدرك على وجه التحديد لم يضفي عليها هذا التوحد بين جدران السيراميك الملساء هذا القدر من الشعور الطاغي بالأنوثة ، ربما استيقظت في داخلها أنثى أخرى كانت مطمورة تحت ركام كدحها ، وربما لأنها لم تر جسدها عاريا في المرآة على الإطلاق ولم تستحم وقوفاً طيلة حياتها ، كانت أصابعها المشبعة بالرغوة الكثيفة تُُمسدُ القطبين المتكورين أسفل عنقها وتهبط إلى فخذيها الصلبين وكان ذلك كافيا كي يجعل الإثارة تتفجر في عمقها المنقطع عن التواصل منذ زمن فمضت ترتعش وتسخن تحت انهمار الماء البارد ، ومن مكان قصي أتتها حشرجة جافة وأنصتت لنواح كاد يطيح بها ...

باغتها صوت الأعمى البدين وهو يلح بطلب الغذاء ، كانت ملابسها المنقوعة بالماء وصابون الاستحمام أسفل قدميها ، رفعتها عن الأرض وحاولت ارتداءها لكنها فكرت إن الوسخ العالق ورائحتها ستفسد كل شيء ، التقطت منشفة صغيرة وحارت أي جزء تستر من جسدها لو خرجت هكذا ، ارتبكت وفتشت عن قطعة ما دون جدوى لكنها انساقت خلف ضحك طويل وسخرت من نفسها حين تذكرت إنهم لا يبصرون وأن لا احد في هذا المشغل المقفل يبصر غيرها ، ومع يقينها المطلق فقد كانت خطواتها حذرة ومرتبكة وهي تدلف للمطبخ ، وضعت الرز المطبوخ مع اللحم في صينية كبيرة وتقدمت صوبهم متوجسة ، كانت تراقبهم بحذر شديد وهي تستنفر كل قواها كي تهرب بعريها ، رؤوسهم المطأطئة المهادنة والمتقابلة منحتها حساً مؤقتا بالأمان دفعت الطعام أمامهم وتراجعت على مهل ، امتدت أيديهم إلى الصحن الكبير ، وضع الأعمى البدين لقمة كبيرة في فمه ومضى يمضغها برضا وعلى مهل :

- : مذاقه رائع ، والرائحة !!  آه هذه الرائحة !؟  هل لي بقدح من الماء يا جميلة ؟

دهمها شيء من الفرح إنها المرة الأولى التي يمتدح احدهم طبخها فأسرعت لتملأ القدح بالماء ، كانت مخاوفها قد اندثرت حين انحنت لتضع القدح بيده ، في تلك اللحظة لم تدرك حجم تلك القوة المخيفة التي طرحتها على الأرض ولم تتخيل إنها غير قادرة على الحراك ، أمسك اثنان منهم بساقيها المنفرجين فيما كان الثالث يمسك بيديها بقوة ، تخثرت الكلمات في فمها وخرج القليل منها رائباً مبحوحاً وبلا معنى والأعمى الرابع يلهث ويهذي فوفها ....

- : إنها رائحة عريك وهمس الرغبة الضاجة في جسدك ، نحن اشد جفافاً مما تتصورين ولم نحصل على  أية فرصة من قبل ، يا لهذا الفردوس الغامض يا جميلة !!  

بدت الأشياء مختلفة وملتبسة تماماً حين انتهوا من موقعتها ، كانت تجهل لم كانت مقاومتها ضعيفة لهذا الحد ، وتساءلت فيما إذا كانت تلك اللذة الجوانية التي خفقت في داخلها للحظات هي التي حبست صوتها وقيدت  أطرافها ، تذكرت كيف كانوا يمسكون بها لاهثين ملتصقين بجسدها بقوة نافثين نحيب أوردتهم وأخيلة ظلمتهم الساخنة والغامضة في داخلها ، لم يكن ذلك يشبه عدد المرات القليلة التي منحت فيها نفسها طوعاً بعد وفاة زوجها المصدور، كانت تلك المغامرات الصغيرة قد خضعت للعديد من المناورات والإغراء  من عمال النظافة وندل المطاعم الصغار ، ثمة رهبة وخوف في تلك الأماكن التي كانوا يصطحبونها إليها إذ كانت تتم في الغالب بغرف التخزين بالمطاعم الصغيرة أو خلف حاويات النفايات في الأماكن المنعزلة ، لكنها هذه المرة أيقنت إنها تناولت طعماً دسماً علقت صنارته في حلقها فلم تعد قادرة على إخراجها ولن تقو على ازدرادها  حتى إنها لم تستطع أن تقرر فيما إذا كان بوسعها أن تستمر بخدمتهم أم تتوقف عند هذا الحد ، لكنها شعرت إنها اليوم أكثر انشطارا من أي يوم آخر في حياتها ، ما لذي يحصل لو تركت خدمتهم ؟ ما لذي تجنيه لو استمرت...

انقطعت بضعة أيام عن خدمتهم ، وحين دخلت المشغل بدا لها المكان مختلفاً ، كانت عدد الكراسي المنجزة كبيراً وهي تتكوم فوق بعضها مثل تلالٍ عظمية لعضاءات منقرضة فيما اختلطت أكداس السلال وسُفر الخوص الملونة

ببعضها وكادت تتصل بالسقف ، ثمة ألوان تكتنز بهجة مدهشة ونقوش جديدة وبراعة دقيقة تميز المنتوج كله ، وأصابعهم تتحرك بخفة ورشاقة وسرعة غير مألوفة ومع ذلك فقد كانت الفوضى تهمين على المشغل المتخم بالبضاعة ، لكن حضورها الذي حاولت إخفائه عنهم بالتزامها الصمت لم يدم سوى دقائق حين رفع احدهم رأسه وابتسم : 

- : لقد افتقدناك يا جميلة ، هل يمكنك إعداد الشاي ؟

على منضدة المطبخ المصنوعة من الفورميكا كانت هناك ورقتان نقديتان من فئة كبيرة وضعتا بجوار إناء السكر ، ومع إنها لم تتخيل إن أحدا قد نسيهما في هذا المكان وأن سقف المشغل لا يسقط نقودا إلا إنها لم تستطع أن تشيح ببصرها عنهما طيلة فترة إعداد الشاي ، وخمنت إن هاتين الورقتين الحمراوين قد يكونا ثمن ذلك الانتهاك ، وقبل أن تنساق خلف تخميناتها جاءها صوت احدهم :

- : إنها هديتك يا جميلة ، لن نكون قاسين معك على الإطلاق ، اتفقنا على أن نكون أكثر تهذيباً وكرماً ، لكن بوسعك ترك المكان إن لم يعجبك الأمر .

كانت تراقبهم وهي تدس أوراق النقد في صدرها ، شعرت إن ذلك تعويضاً مناسباً عن انكسار الظهيرة وابتهجت عندما تخيلت المزيد ، لكن صاحب المشغل كان هاجسها فأرادت أن تطمئن :

- : ليكن ذلك سرنا إذن !!

- : انه سرنا الكبير .

أنفقت الكثير من الوقت وهي تراقب التناسل الغريب لإعمالهم ، وغمرتها الدهشة لتزامن ذلك مع رغباتهم المفتوحة لكل الأشياء ، وجميلة صارت تطبخ ما تشتهي ولبس ما يرغبون وصاحب المشغل لا يكف عن مناداتها بالمبروكة كلما تدفق ذلك السيل من المنتجات، ارتفعت أجورهم ورفعت جميلة أجرها قليلا لكن مخاوفها كانت تتصاعد أيضا ، وعرشت في داخلها هواجس ومخاوف أخرى ، كانت رغباتهم تتضاءل صاروا أكثر ميلا للحديث والمزاح ورؤوسهم منحنية على الأشياء وكأنهم يتفحصون هيأتها وصارت الهالات الزرق المحيطة بأعينهم تتقلص ببطء ، وفي فترة الاستراحة القصيرة بعد الغذاء كان شباك المشغل المُطعم بالزجاج الملون يسمر رؤوسهم وهم يرتشفون شايهم بصمت ، كانت تتأملهم جيدا ورغبت بالغور في عمق تلك الرؤوس كي تتقصى جذر ذلك التحول المقلق.

أصبح الليل مصدر للرؤى المحبطة والمخاوف وزيارة ذلك الشيخ في بيته المنعزل وجرابه المليء بالأفاعي تشرخ ما تبقى من سكينة روحها ، كانت مترددة وغير واثقة وربما كانت تستشعر نهاية ذلك الترف كله ، لكن صوت الشيخ بنبرته العالية والواثقة يُقطر القليل من الأمل في إناء روحها المشروخ :

- : عليك بطائر الليل ، خفاش مفقوء العينين ورأس غراب ، احرقيهما حتى يتفحما واطحني الكل مع فحم بلوطة معمرة وقليل من دمك ، وضعي ذلك في حساءهم ، لن تطيب لهم رائحة امرأة غيرك وسيظلون أسرى ظلمتهم الأبدية ...

حملت خطواتها للمشغل أعباء ليلها القلق ، وراحت تتلمس كيس وصفتها السحرية الراقد في جيبها ، وصلت متأخرة ، سبقها صاحب المشغل ، فاجأها التوتر المهيمن على المكان تطلعت إلى وجوههم العابسة وصوت رب العمل الحاد وهو يترك المكان ، فهمت إن ثمة مشادة قد حسمت للتو ، لكن أصابعهم عاودت العمل بنسق بطيء وغير مألوف فيما رؤوسهم شاخصة صوب الشباك الوحيد ، لكن التجهم فارق سحنهم عندما بدأت تنقي العدس من الشوائب ، كانوا يتحدثون همساً ، بضع كلمات وصلت إلى سمعها أشياء من قبيل : أأه ، نعم ، نعم !!

انغمرت كلية بأعداد حساء العدس باللحم ، جعلت قطع اللحم الكبيرة تغرق بالزيت الساخن حتى تحمر انتقت التوابل بعناية وأضافت قليلا من الفلفل فصار مذاقه حريفاً بعض الشيء ، وقبل النضج بقليل وضعت وصفتها السحرية لاحظت إن لون الحساء قد تغير لكنه ظل محتفظا بنكهته ، فكرت قليلا قبل أن تضع شيئاً منه في طرف ملعقتها كان مذاقه رائعاً حتى إنها شكت بمفعول وصفتها .

بضع دقائق تفصلها عن موعد الغذاء ، تسارعت ضربات قلبها ، شعرت بجفاف في حلقها وخوف غريب يتلبس كيانها ، خشيت أن يتحول الحساء إلى سم فيضيع كل شيء إلى الأبد ، لكنها تذكرت إن الوصفة لا تحوي ما يهدد صحتهم ، هدأت قليلا وانهمكت بأعداد الطعام ، كانوا متقابلين كالعادة شموا بخار الحساء الذي توسط سفرتهم ، تراجعت قليلا إلى الوراء وهي تراقبهم ، أدار البدين رأسه ناحيتها وأبتسم :

- : حساءك اسود يا جميلة !!

- : لم أنت شاحبة بهذا الشكل ؟

- : كنت أحسب إن بشرتك بيضاء !!

- : دعونا ننتقل إلى مطعم قريب .

خلعوا نظاراتهم السوداء ، بدت عيونهم جميلة وواسعة وشديدة الصفاء ، أحاطوا بها قبل أن يغادروا المشغل ، كانت تمثالا من الشمع الأصفر يتنفس ببطء ، امسك احدهم بيدها الباردة ضغط عليها برفق وقال مشجعا :

- : لقد كنت معبراً رائعاً ، أنت مبروكة يا جميلة .

ثم طبع قبلة على جبينها البارد ....

         ـــــــ تمت ـــــــ       

                                            

                                                 

الأشياء الناقصة

 

 كان نصف وجهي مضاءً ، وسقط النصف الأخر في الجانب المعتم من مرآة الحمام ، خطوط الجبهة العميقة المستعرضة تنقطع فجأة تلتحم بالعتمة الكامنة في المكان ، لا أعرف بالتحديد إلى أين تنتهي خطوطها ، هل تكمل مسيرتها نحو صدغي أم إنها تتوقف عند حدود الرؤية المتاحة . نصف وجهي يحمل ندوبا وحفراً اصطنعتها تواريخ أجهضتها التحولات العاصفة ، مضت الأشياء مخلفة حفرياتها على جانب وجهي الأيسر ثم تسربت إلى نصف جسدي بأكمله، ابيض نصف شعري ، وتراخت ساقي اليسرى لم تعد تستجيب تماما لرغباتي ، اشعر أحيانا إني مشطور إلى نصفين نصف ابيض شوهته الندوب وحفريات البثور العميقة والنصف المتردد الأخر يجاهد للانفلات من تلك الدعوات الملحة والهروب نحو المناطق المضاءة بعناية والمفرغة من الجاذبية ، كان يغريني : هناك ستكون خفيفاً ومحرراًً ستحلق وحدك إن شئت ، وستنجو من خطيئة هدرك لكل هذه السنوات ، ولن تكون مشروعاً لأحد ...

خزانة الملابس بلونها البني الداكن تحتضن كل ملابسي ليس لدي الكثير منها امتلك بضع بدلات قاتمة الألوان ، لم ارتدي إلا القمصان البيضاء ، كانت الألوان الأخرى تبدو لي لافتة للنظر أما القمصان المخططة أو الملونة فقد كانت فكرة ارتدائها ترهبني وتشعرني إنني في الطريق إلى غواية الانجرار خارج حدود الرتابة التي تعايشت معها !! لكن أحيانا حين يسلقني حر الصيف ويسيح العرق من رقبتي إلى أسفل ظهري ، أتمنى أن امتلك الجرأة الكافية لارتداء قميص خفيف ، وأتحرر من سماكة قماش بدلاتي ، كنت أتساءل فيما إذا كنت قد فقدت كامل جرأتي وحماسي القديم ، أم إن رتابة العمل بمهنة المحاماة هو الذي أورثني هذه السمات ، ولهذا رحت اهدد ذاتي المتوارية خلف قناع الرصانة هذا بأنني في يوم ما سأترافع ضد مظهري الكئيب هذا ... 

في صالة المطار الباذخة لمحت صورتي في الزجاج الصقيل والنظيف إلى حد لا يمكن وصفه ، لم تكن بدلتي الرمادية  قديمة ومجعدة وحدها ، على نحو ما كان ذلك التجعد يتسرب إلى داخلي ، كنت مجعدا في حشد غريب ومتأنق ، لا تشبه حقيبتي كل حقائبهم ، كان ذلك وحده كافيا كي يجعلني مختلف ، الاختلاف النافر مثل حدبة في ظهر معاق  لا تثير غير الأسى ، من بعيد لمحت اسمي مكتوبا بالعربية في لافتة صغيرة تحملها امرأة ، تبادلنا التحية ثم تشاركنا الصدمة أدهشتها هيأتي وندوب وجهي ،  ثم صدمني كل شيء فيها ، تحدثنا قليلا قبل صعودي إلى غرفتي في الفندق ، كنت بحاجة للاستحمام وحين طالعت وجهي في المرآة أدركت عمق الخراب الحاصل فيه ، كانت الإضاءة وافرة فتقزمت ضلالي وأمست بقعة صغيرة واهنة تستقر بين قدمي شعرت إنني تحررت من ملابسي القديمة ، ثم أمعنت بتلك التفاصيل التي لم أشاهدها في ألاماكن المعتمة وأطفأت المصابيح ...

قبل انزياح النهار ، كان الزحام والأكتاف المتدافعة العجولة هي التي تقودني ، تمنيت أن أضيع وسط الحشد ، أندغم فيه ، أو أتيه مثل ولد صغير بتنازعه الخوف والدهشة العميقة ، لكن ذلك لم يحدث ، كنت متدرعاً بوعي ورصانة كرهتهما ، لم تستوقفني محلات المثلجات ، ولا الرغوة الطافحة على الكؤوس الكبيرة ولا حشد المصطفين أمام محلات الوجبات السريعة ، ولا عناق المتحابين في محطات المترو ، ولا و لا.. .

كنت أمر مسرعا مبتلعا ريقي ، مثل كلب مشرد استنفذته رائحة الشواء فغطس بخيوط لعابه اللزجة ، أسرعُ ، ثم أعدو مزيحا خبيئتي الضاجة إلى الأعماق ، متوجساً من تلك العيون المرتحلة معي إلى هذه الأصقاع النائية ، متعثراً بنصفي العنيد المولع بالتصدي للغوايات التي تفطر المظهر الرجولي ، لم افرح حين ابتسمت إحداهن ، ربما كانت تحمل أجمل عينين شهلاوين اعتقدت إن ذلك محض مواساة لهذا المظهر الشرقي المذيل بهذه الندوب ومخلفات البثور المتوحشة ، مرثية لهذا الهارب من تفاصيل الولع بالحياة السوية ، كنت اعزي نفسي وأنا احتبس غصة عميقة ، بأن اللهاث خلف الأشياء المفتقدة فات أوانه ، فيما كان نصفي الآخر  يردد ساخراً : أجل مٌت مكتنزا برغباتك أيها ... !! 

ـــــــــــــــــ تمت ــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                       أسوار من كوابيس

     

       يصرخون : تعفن الوقت في ماعونك يا بغداد

      اتركي الدود للطين ،

      اتركي الأخطاء لجمجمة الماضي .

      وتعالي إلى الماء ....

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من المقامة البغدادية للشاعر يحيى البطاط .

 

المشهد المتعالي للسماء المثقلة بالنجوم لم يمنحه غير ضوء المتوهج  منها ، فيما توارت المليارات الأخرى خلف غشاوة ضبابية زرقاء ، لكن هذه العظمة الباهرة تبدو مختلفة هذا العام ! نظارته الطبية التي ارتكزت على قصبة أنفه الكبير أزاحت بعضاً من تلك العتمة لكنها لم تفسر كل الأشياء ، لقد انتصف الشهر العربي لكن لم يعد  ثمة قمر في هذه السماء ، الطبل الكبير المعلق بسير جلدي إلى كتفه  يدور معه ويتقصى ذلك القمر المفتقد ، دار حول نفسه بضع مرات وهو يقاوم انقباض نفسه القلقة ، ثم انتزع سير الطبل من رقبته واقتعد الرصيف ، غمره شعور بأنه يَهرم بسرعة وان قواه تنفرط وتسيح من بين يديه دون أن يتمكن من الإمساك بأي منها ، وتحت وطأة هذا الهاجس تراخت أصابع يده اليمنى فانفلتت عصا القرع الرفيعة وسقطت بين ساقيه ، توهجت جمرة لفافته في الظلمة ، أنارت نصف وجهه السفلي لكنه استحال إلى كتلة معتمة اندمجت مع الليل حين سحق العقب تحت قدمه .

نهض متثاقلا ونقل أقدامه على مهل محاذراً الانزلاق أو السقوط ، الحي المتواري خلف ظلال المدينة الكبيرة صامت منذ أول الشهر ، قرع الطبل هناك طيلة أسبوعين ، لكن البيوت الملتصقة ببعضها كانت تلوذ بالصمت وتطرد وحشة ما بعد منتصف الليل بإحكام منافذها ، فبدت مثل قلاع صغيرة سوداء تتكئ على بعضها حيث  تنكمش الحياة بداخلها وتنبض  ببطء ...

تتقاطع الأسئلة في رأسه ، تتناحر، يأكل بعضها البعض ، لكن الأسئلة الكبيرة والمشككة تفتح قيعان الخوف المخزون منذ الأزل حيث تحتبس الصور المشفرة التي تصله متشابكة مرمزة ، فيسيح عرقه البارد ، يبلل صدغيه ، يطرد خوفه وارتباكه بالبسملة والتعاويذ ، يضرب الطبل بذات الإيقاع الذي ألفه ويطلق صوته : اصحا يا صايم ...سحور ... اصحا يا ...

تخذله عتمة البيوت المسورة بالظلمة والسكون ، والنوافذ التي قاطعت الضوء ورائحة الأطعمة الرمضانية التي هجرت الموائد الصغيرة ، فينجذب للضوء المنبعث من الدور الكبيرة ، ويسأل نفسه ما الذي يفعله في هذا المكان المتماوت ؟ تشتبك رغبته المتولدة من هذه المقاطعة بنور تلك المنازل ، التي استحالت إلى فنارات واعدة تجتذب أقدامه إلى دعتها .

 أدار ظهره للبيوت المنخفضة منقادا لذلك الوهج لكنه لم يتوقف عن ضرب طبله وظل نداء اليقظة يتردد دون توقف ، في سره كانت المخاوف الصغيرة تنبجس وهو يضع أقدامه على الطريق الموصل لتلك الإحياء ، كان عليه أن يجتاز مكبات النفايات المحاذية للمبزل الكبير ويخترق الشارع الجديد الذي شق المقبرة القديمة إلى نصفين ، كان ذلك أكثر يسرا في النهار ، لكن هذا الليل الجديد الملغم بالمجهول والمتماهي مع المباغتات يبعث خدراً خفيفاً في أقدامه المتعبة ، فراح يطمئن داخله المضطرب بسيل من السور القصيرة والأدعية ، ويجهر بندائه الطويل الممطوط دون أن يتوقف عن ضرب الطبل .

ريح المكبات الفاسدة ورطوبة المبزل تعبث برئتيه فتدهمه نوبة من سعال طويل ، ينتزع سير الطبل ويتقوس مثل هلال فتي نافذا سوائل لزجه تندلق مثل خيوط من بين شدقيه ، تفارقه النوبة يضع منديلا حول أنفه ، ويعاود سيره ناقلا بصره بين المكبات والسماء التي لم تلد قمرها بعد . تقترب الساعة من الثالثة بعد منتصف الليل ، يحاصره زمن الإمساك عن الطعام وطول الطريق ، يهرول مسرعاً مطلقاً نداءه وإيقاع طبله ليكسر وحشة الدرب ، تتصاعد أنفاسه يلهث ، يسعل ، تطلق أكوام النفايات أخيلتها وهو يقترب من صفوف القبور المتراصة على الجانبين ، يحاجج ذاته التي سربت قشعريرتها الى جسده بمنطق متزن : لكنهم مجرد موتى ، أجل في يوم ما كانوا ...

ما زالت الأضواء بعيدة ولا شيء ينير عتمة هذا الطريق سوى خيط النور الضئيل الساقط من السماء ، كان يتعثر أحيانا بالحفر الصغيرة ويباغته سلك رفيع يلتف حول قدميه فيضطرب قلبه وتخور قواه ، وحين يفكه من رجليه يتنفس بعمق : أنه مجرد سلك مرمي على الطريق ، وهؤلاء محض موتى ، لقد سَبتَ الأحياء فهل يمكن للموتى أن يستيقظوا ، لقد تفتت أجسادهم تحت ذلك العمق الأسود ، حسنا : ... اصحوا أيها الموتى !! وراح يقرع بقوة .. دُم .. دُم .. ثم .. اصحووو ..!!

اختلط ضحكه المتقطع بلهاثه ، ثم استهوته لعبة إيقاظ الموتى وأنغمس فيها ، كان ضربات طبله المتعالية  تستنفر المكان وتفض غشاوة سكونه وتبعث في الأرض الرملية الرخوة شيئاً من الاضطراب ومن خلفه كانت طبقات القمامة المتراكمة تتشقق وينبعث المطمورين تحتها ويضطرب ماء البزل...

على طول الطريق كان الرجال يحملون رؤوسهم وأعضاءهم المقطعة ، يتقدمهم طابور من الشهداء مثقوبي الرؤوس والصدور، كانت الاشنات المتعلقة بالمقذوفين في أعماق المبزل تعيق حركتهم قليلا لكنهم ظلوا محافظين على انتظام النسق .

كان صوت الأقدام التي تضرب الأرض على إيقاع طبله قد خثر الدم في عروقه ، جف حلقه عندما استدار ليصطدم بالطابور المتراص خلفه ، خيل إليه إن صدره سينشق ويلفظ قلبه على التراب ، وأن الأرض تمسك بأقدامه وتمنعه من الانفلات ، فكر أن يستغيث لكن شيء ما كان يطبق بإحكام على فمه ، تمنى  أن ينهار ويغمى عليه كي تنمحي هذه الصورة المروعة ، كان مصدوماً وعاجزا ولم يكن بوسعه أن يفعل شيئاً غير انتزاع الطبل المعلق من كتفه ووضعه على الأرض ..

- : لقد استيقظنا فما الذي تنتظر ؟

باغته السؤال فتت أخر قواه المختزنة ، توقع أن تخونه ساقاه في أية لحظة بعد أن استحالتا إلى خرقتين مرتعشتين وغير قادرتين على دعم هيكله الطويل ، لكن السؤال ظل يتكرر دون أية عدوانية مثلما ثقب وعيه في المرة الأولى : هادئاً وجلياً ...

تكاثفت العتمة غزيرة محكمة السواد ، يفتح عينيه بكل سعتهما مفتشاً في الوجوه التي  انثلمت من تفجر الرصاص وصدمته الخاطفة ، عن سحنة مألوفة ومؤازرة ، أو صفعة شديدة تمنحه القدرة على العدو الخاطف والانفلات من هذا المكان ، لكن الرغبات تفر لحظة ولادتها وتنزاح فلا يجد غير همس سنوات طفولته حيث يتخدر رأسه الصغير بحكايات الجن وشبق المرأة التي توعدت بفتح بوابات العالم السفلي كي يلتهم الأموات أحياء الأرض ...

- : كنت أحاول الالتفاف على مخاوفي ، لكن صدفة خرافية اقتنصتني ...

كانت أوتار صوته تتخبط وتشتبك مع لهاثه وصفير صدره ولم يكن متأكدا من قدرته على التوصيل ، لكنه أيقن إن غشاءً رقيقاً يفصله عن عالم حي ماثل أمامه ، حياة أخرى قابلة للتصديق ، دملة كبيرة حمراء أو سرة رقيقة يمكن أن تندلق الأشياء من تحتها عند أول ملامسة .

 - : أزح مخاوفك ، تقدم موكبنا ، فطبلك الوحيد وصوتك الواهن لن يوقظ السابتين ، اعلم إن السبات هو محض احتيال وهروب من مواجهة المصير وفساد العصر .

فكرَ : المصير كلمة شاحبة تشج الوعي تنقب عن المعنى في أروقة المجاز ، لكنها دائما تواجهك بقسوة كشفها الذي لا ترغب بمعاينته ، لأنه قادم من ذلك اليقين المتأرجح بين الطراوة والذبول...

- : لكنكم ستروعون الأحياء !!

- : سنوقظهم لأنهم أدمنوا الصمت ، سنعلق أطرافنا المقطعة عند شارات المرور ، تذكارات يقتنيها السياح الفارين من بوابات المتاحف ، تعويذة لبوابات الجامعات المرتجفة ، ولدينا ما يكفي من قطع اللحم لإشباع تلك الضواري السائبة ، سنسمعهم صوت الألم لحظة تشظي الرؤوس ، سنفتح نوافذ الوجع المحتبس بهذه الصدور ، وجع الموت المبكر دون أوانه وبلا سبب...

كان يصغي بانتباه لتلك الكلمات التي لا تحمل أية عدوانية تجاهه ، ويمد بصره الضعيف الى عمق الطابور المتشكل أمامه عله يطال نهايته الممتدة على طول الدرب ، وحين عجز رفع نظره نحو السماء مفتشاً عن القمر المحتجب ...

- : إنها نذر موتنا ، لا قمر بعد الآن !!

- : ومن يهتم ؟ لقد خلت الشرفات من كراسي الاستغراق الهزازة ولزم الخواء ضفاف النهر، لكن بوسعي أن أنقل رسالة ...

تملل الحشد ، أزاح بضعهم ركام الوجع الفائر في الداخل الغاضب المحتقن ، وجع الذين أخذوا غيلة ، روعته شدة الأصوات ووحشيتها ، كان لزاما على بعض ذلك الألم أن يتحرر وينفلت من ضيق المكان ربما لينشد تعزية ومواساة من كائن ما ، أو يتيه دونما وجهة في فسحة الكون الأبدية اللامتناهية ...

- : لن تقوى على حمل رسالتنا ، دعنا نوقظهم قبل الفجر ، ولن نتمكن من فعل ذلك دون رجل حي يحترف اليقظة ، افعلها قبل أن يكبر هذا الطابور ويلتف حول البلاد .

أفزعته تلك الصورة صورة البلد المسور بالجثث ، تأمل طبله الراقد في الفسحة التي تفصل بينهم ، وتسأل إن كانت هذه الآلة سبباً لكل هذا الخوف والتعاسة التي تعتريه والتي ستضاعف ذعر المدينة لو استخدمها ، لم يعد يتصبب عرقاً ، سرى الجفاف في جسده ، عبث بجيب ثوبه الطويل أخرج علبة تبغه أشعل قداحته ومج نفساً عميقاً ، انتابه دوار خفيف ، تقدم خطوتين والشعلة الصغيرة في يده ، تأمل وجوه الصف الأول وعاين الثقوب المغلقة بخثر الدم الجاف ، أغرقه الأسى وهو يتأمل وجه محدثه ، لم يكن كبيراً في السن كان يملك وجه رجل متمسك بأطراف حياة مندثرة ، أومأ له برأسه مشجعاً وهو يبتسم ، فبدا ضوء عينيه الصغيرتين مثل قنديلين صغيرين معلقين في فناء بعيد ، لسعته نار مقدحته ، أطفأها ، بلل إصبعه المكتوي بالرطوبة الشحيحة المتبقية بلسانه المتيبس ، طمر هاجس الكابوس الذي كان يراوده ، علق الطبل في كتفه ، لم يتعلم في يوم ما كيف تضرب طبول اليقظة كان مجرد ( أبو طبل .. مسحراتي .. أبو طبيلة ) لكن الإيقاع كان يأتي من مكان ما فينصب في ذهنه قوياً وجديداً وباعثاً على الحماس لينتقل سريعا إلى يده المدربة فتلسع وجه الطبل الجاف بعصا القرع الرفيعة...

كانوا يراوحون خلفه مثيرين غبار الطريق ، كتائب من الرجال الغاضبين تستعد للصولة ، كان واثقاً بأنهم سيوقظون المدينة اللائذة بالصمت ، وكم تمنى أن تعينه قواه الضامرة على المطاولة . 

 

ـــــــ تمت ـــــــ

  

 

 

 

 

                                           صورة رمزية

 

كانت سعة الفضاء الرقمي أبعد بكثير من تصوراته ، إبحاره المتردد الأول ، وخشيته من ضغط الأزرار والتعرف على ذلك العالم كانت تنهل من موروثاته المُقيدة ولهذا فقد بقي لأكثر من عام ملتصقاً بخانة المتفرجين مكتفياً بوجوده الهامشي على الشبكة ، ومع ذلك فقد كانت مهاراته تنمو وهو يستنهض اللغة الثانية التي هجر متونها عندما تخثر على كرسي الوظيفة .

لن يكتفي هذه الليلة بالفرجة ، قرر أن لا يمارس الاخصاء على عقله وأصابعه وأن ينساق هذا المساء خلف رغباته ويفلت فضوله المحتبس ويستجيب لذلك ( الإطار المنبثق ) الذي لازم كل جلساته " هل أنت وحيد ، أتشعر بالحزن الليلة ؟ هل أنت محبط ومهمش ؟ وهل جرفك اليأس وأقعدتك الخيبات المتصلة ، منذ متى وأنت مهجور .. سجل معنا واكتشف عالم الصامتين والمقذوفين على الضفاف .."

لامست أصابعه مفاتيح اللوحة ، ادخل بريده الالكتروني وراح يفتش في جهازه عن الصورة البديل ، عن ذات كبيرة مٌقنعة برمز ما ، صورة يَلبد في ظلها ليدخل هذا الفضاء الشاسع ، كانت ملفاته مزدحمة بالعديد من الصور وراحت حيرته وتردده يتكاثفان بشكل مزعج وهو يقلب تلك المواضيع ، لكنه أدرك إن بداخله رقة عذبة وشغف حقيقي بالجمال وإن أية زهرة برية يمكن أن تعكس الكثير من رؤاه ، وراحت صور الزهور التي يستعرضها تشذب كآبته النافرة وهو يندفع للمشاركة بحماس..

التصقت زهرة حمراء وحيدة من شقائق النعمان على سطح الشاشة ، وكانت تلك الوردة المنتقاة من بين المئات تذوب تحت شمس نيسانية ملامسة رؤوس الأعشاب الغضة ، خيل إليه إن تلك الصورة هي أفضل تعبير عن ذاته التي تعتصرها كآبة أول المساء ، وفي الدقائق القليلة التي يستغرقها التحميل البطيء لمنظومة الانترنيت المتهالكة في بلده الخارج تواً من  اشتباك مُسير بين الطوائف والأعراق ، كان معيار رغبته بالتواصل مع هذا الموقع يميل للبرود كلما زاد الانتظار ...

" الصورة الرمزية غير مقبولة ، جرب نموذجاً أكثر واقعية للتعبير عن نفسك ، إن زهرة قصيرة العمر وهشة وقابلة للزوال في أية لحظة ليست بالرمز المناسب ، بوسعها أن تعبر عن لحظة عاطفية أنية ومجردة ، ولهذا فنحن نعتقد إنك تحاول تسطيح ذاتك على نحو مؤسف ، حاول مرة أخرى . "

حملت الرسالة بضع إشارات استفزازية لكن انفتاحه لحظة قراءتها فوت الفرصة على أية إثارة عصبية يمكن أن تفسد تواصله ، كان يدرك إنه يختزن كتلة كبيرة من العواطف إزاء الأشياء وإنه بدد الكثير من زمنه وهو يستقبل ردود الأفعال السلبية التي رافقت قراراته المشوبة بالكثير من العاطفة .

فكر أن بوسعه الانسلاخ عن كل ذلك ليصطف إلى جانب الهموم والهواجس الإنسانية وان يسعى لتفويض نفسه بالحديث عما اعتقده الهم البشري الأكبر ، كانت عواطفه محجوبة ونائية وهو يعيد تصفح صوره المخزنة وكان مشدوداً بقوة لتجسيد فكرته الكونية بصورة واحدة قادرة على إعادة استفزاز أولئك المقصيين الهائمين في فضاء الشبكة الأسطوري .

بدا له ( تمثال الحرية ) بحجمه الكبير وبتلك الخليفة الواسعة من ناطحات السحاب إشارة رمزية مؤثرة، كانت الفتاة بمشعلها المتوهج تحتل مقدمة الصورة فيما كانت المدينة المتشحة بالضباب تبدو مثل مشهد سريالي مٌربك، والساحل الأمريكي العملاق يسترخي بطمأنينة تحت ظلال الحرية...

 " الرمز غير مقبول أنت تحاول مرة أخرى التعبير عن ذاتك باستخدام رموز الآخرين ، لقد وضع الفرنسيون روحهم على الشاطئ الأمريكي ، ضع روحك أنت في محل الرمز هذا ، دعنا نرى شيئاً منك ، انتزع أقنعتك رجاء ، وفكر بعدد الأرغفة التي يمكن أن تمنحها الحرية للجياع .. "

تناثرت فكرة الحرية بدت مقصية الساعة ، اندفعت من بطون معارفه المختزنة انفلاتات الحرية ، ثوراتها التاريخية والمعاصرة ، شهداءها النابتين في بطون الكتب أو أولئك الذين تضفي تماثيلهم مظهراً رصيناً على الساحات العامة ، كانت أفكاره تهاجر باتجاهات معاكسة لجروف الحرية ونياسمها الخطرة وفمه يمتلئ بمرارة التبغ المدبوغ بشاي البطاقة التموينية الفاسد ، ورغم ذلك فقد ظل يجتهد بالتعبير عن رؤاه ، كان يبحث عن رمز لافت يخوله الدخول إلى عالم المقذوفين على الضفاف ، هناك سيجد حتما القليل من المؤازرة وشيئا من الدعم ، وربما سيكون بوسعه الانفصال عن هذا العالم الذي يغرق فيه ، أن يتحرر من تلك الرتابة التي تطبع حياته ، إذ كان يشعر على الدوام إن هناك من يمسك به ، يعتقل أيامه ويبقيه رهينة في الشوارع ذاتها وفي الغرفة نفسها ، ذلك لان نهارا ته الباردة ولياليه الطويلة تستنسخ نفسها على نحو متقن ومتوالي ، ولهذا فقد بدت كل قناعاته تميل باتجاه إدانة غياب الانفتاح والتحكم البشري المفرط بالقوانين وكان يرغب بقوة بلوم جهة ما أو شيء ما ..

 

ثمة ميزان عملاق ينتصب على قمة جبل ، بدت كفتيه متساويتين ومتعادلتين على نحو الدقيق ، ورغم الغيوم الخفيفة التي أحاطت به إلا إن نوراً ساطعا كان يتدفق من جهة ما  فارضا هيبته ومعبراً بشكل قوي عن توازن العدالة الإلهية المطلقة ، كانت صورة لإحدى لوحات القرن السادس عشر نفذها فنان مجهول ...

" الرمز غير مقبول ، فتش عن طرق غير إلهية لتحقيق العدالة ، لقد كان الرب حاضراً بقوة حين ضربت هيروشيما وناكازاكي ، وسوف يكون كذلك في كل الكوارث والحروب والمجاعات القادمة ، ولن تجد عوناً لدى رجال الدين سوى مقولتهم الغامضة بحكمة الإله وإرادته .. جرب شيئاً مختلفاً لتنظم إلينا . "

تسلل الخدر إلى عجيزته ، كان المقعد صلباً وفي داخله موجة صغيرة من غيض بدأت بالتصاعد ، وبدا له إن الحوار بهذه الطريقة يجعله منساقاً خلف رغباتهم ، وقد ينطوي الأمر على حيلة ما ،فربما تتم الإجابة بشكل آلي ، ولهذا فقد بدت محاورة الآلة شيئاً مزعجاً ومُقبضاً ، لكنهم يعلقون ... فَكرَ :  الذكاء الصناعي غير قادر على التعليق والاستطراد ثمة أرواح حية تدير هذا الموقع ، إنهم في مكان ما من هذا العالم يعانون مثلي ويتنفسون هموم أيامهم الراكدة ، الأيام الراكدة لها رائحة النفايات العفنة ، تبعث على الغثيان ، تغلق رئة الروح ، فيستحيل الكائن الشفاف في الداخل إلى قطعة نتنة مزرقة ، عندها تكتسب الأشياء ذلك اللون الرمادي ، يختفي مذاق الأطعمة ، وتتبرأ الجعة الباردة من رغوتها وفقاعاتها ، فيما تغادر الأنوثة والرقة عالم النساء فيصبحن محض فروج صغيرة مهتاجة من ضغط الدورة النزوية ...

أوقف تدفق أفكاره وعاود العبث بلوحة المفاتيح ، كان يتصفح ملفات صوره بسرعة باحثاً عن صورة بعينها ...

التصقت الصورة في المكان المخصص للرمز ، كانت صورته هو: رجل شرق أوسطي ، ثلاثيني ، تفترش الكآبة معظم ملامح وجهه ، كانت له ابتسامة صغيرة وساخرة ، تهزأ من شيء ما ، ربما من ذاتها المهزومة والواهنة وفي عينيه الذابلتين نقطتين صغيرتين تجوسان المحيط البعيد ...

" الرمز مقبول، أهلا بك في عالمنا ، عتبة المستقبل الواعدة بالتغيير والانقضاض على القوانين والمؤسسات القديمة ، نحن نؤمن بأن العالم سقط بقبضة بضعة أشخاص أو بضع مؤسسات تتحكم بمصير هذا الكوكب ، ولم يعد التغيير ممكناً عبر الوسائل المتاحة ، وان كل موردنا الحالية بصفتنا أفراداً مقهورين لا تكفي لمواجهة علنية مباشرة ، لقد أصبحوا قادرين على العبث بقناعة الناس عبر موارد إعلامية هائلة ، حتى نحن العالقين في ظلال الأنظمة الديمقراطية ، لم نعد قادرين على التغيير عبر الأوراق التي نسقطها في صناديق الاقتراع ، لان خيارات الناس محددة مسبقاً ، لقد اختاروا لنا بدل الأحذية عجلات صغيرة تشبه عجلات القطار ، وهي لا تكف عن زجنا بالمسالك التي يختارها الكبار ، لقد فقدنا بالترويض المنظم والذكي كل خياراتنا ، صرنا نشرب ونأكل وفق ذائقتهم ، لقد اندثرت ودون أمل بالعودة تلك الخصوصية المميزة التي طبعت حياة الناس لقرون ، إن مجساتهم تلاحقنا في الأسرةِ والحمامات ، وليس أمامنا من خيار آخر غير هذه الشبكة الفسيحة ، منها سنبدأ جهدنا الكوني للتغيير .." 

لم يكن غاضبا عندما توقف عن القراءة ، لكنه كان تحت التأثير المتأخر للمباغتة ، هو لم يعد مهتما بتغيير العالم ، كانت رغبته تتمركز في نقطة واحدة ، إقصاء ذلك الملل والرتابة التي طبعت حياته هو وليست حياة الآخرين ، الآخرين سعداء بحياتهم ، يلتقيهم في المزارات والأسواق محملين بأكياس الفواكه والخضار قانعين بحياتهم الصغيرة ، متمسكين بعاداتهم اليومية ، لا يقرءون الصحف ، لديهم قناة إخبارية واحدة ، ينامون في العاشرة ويستيقظون في السادسة ، ويستمتعون بمضاجعة زوجاتهم كل ليلة ، هؤلاء الناس صلدون ومحصنون ضد الرتابة والملل ، لا يباغتهم شيء ، إنهم من عجينة أخرى ، ومع ذلك فهي حياتهم ويمكنهم الدفاع عنا وعليه احترامها ، ألان يتوجب عليه إيقاف هذه اللعبة ، هو قطعا ليس الشخص المعني بترتيب العالم ، بعد أن صار بركة وحل نتنة ...

أطفأ الحاسبة وهبط السلم المفضي إلى غرفته صار بمواجهة جهاز التلفزيون القابع بزاوية غرفة المعيشة ، التقط قطعة حلوى صغيرة من على المنضدة الجانبية ، كان مذاقها لذيذاً ، أزاح تلك المرارة التي خلفها التبغ في فمه ، وضع وسادة سميكة تحت ظهره ومضى يتجول بين القنوات ، لم يكن ثمة جديد في الأخبار ، تناهى إليه شخير والده من الغرفة المجاورة ، تراخى تحت ضغط النعاس وولج عالم النوم مكتئباً ، تاركاً محطات التلفزيون تعيد عرض أفلامها المكررة بتصميم لافت  .

 

ــــــــــــــ تمت ـــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                        شـفـرة المرتحـل 

 

في اللحظة التي اشتهيت فيها أن أموت بقوة صرت ميتاً ، لم أكن أتوقع شيئا محددا لكن الأمور بدت أفضل بكثير ، اختفى الألم ، اندثرت الكوابيس ، وغابت المشاهد المخيفة التي كانت تروعني وأخشى سماع أصواتها ولم يعد قلبي يفر هلعاً ويستقر في حلقي ، كل شيء صامت وساكن حولي ، لا اعرف بالتحديد كم استمر ذلك ، لكن فيما بعد شعرت إنني أتعثر بفيض من حرية وسكينة  غير مألوفة ، أطل على عالم جديد وأغور فيه ، لدي كيان خفيف وبصيرة نافذة ، بوسعي الآن أن اقرأ ما يجول في خواطر المحيطين بي ، لا يخفي الموتى أفكارهم لان الخوف مستبعد في هذا المتسع المحاط  بالغموض ، نحن نتخاطر من بعيد من مسافات نائية ابعد من أن يطالها أي خيال ارضي أو نتحدث عن قرب نختلف أو نتفق لكن الأمر برمته يجري بسياق مقبول ، ذلك لأننا انسلخنا عن عواطفنا وانفعالاتنا القديمة ، ربما شذبت ببراعة لم نكتشف كيفيتها بعد ، مثلما لم نكتشف حقيقة انتماء هذا العالم الذي نعيش فيه .

ليس هناك من يستطيع أن يخمن سعة هذا المكان ، إذ تبدو الأرقام وربما كل ما تعلمانه من الرياضيات محض حقول معرفية متواضعة ، نحن نتملك حرية التجوال في الكون بأسره كل المجرات النائية والعوالم التي لم تكتشف بعد  يمكن أن نطالها ، نتسكع أحيانا على سطح كوكب ما لم يدرج أصلا على خرائط الفلكيين الأرضيين ، نلامس رؤوس كائناته نتعرف عليهم دون أن يشعروا بوجودنا ، قد تبدو هيأتهم غريبة بالمقاييس التي عرفتها في حياتي السابقة لكنها تمتلك طاقة غريبة من المحبة شيء غريب أن يتوافر الحب بهذا القدر المفرط  في تلك المخلوقات القابعة في الأماكن القصية من الكون ، من السخف أن نعتقد إنها تنطوي مجتمعة على عدوانية مفرطة .

الموتى العظام أكثر تواضعا هنا من حياتهم السابقة ، بوسعك أن تحدثهم او تتصل بهم في أي وقت ، ولن تحظى بمحاضرة مملة أو جملة تنطوي على الكثير من الحكمة ذلك لان المرء هنا كتلة من المعارف والحكم والتي تبدو لي فائضة عن الحاجة ، في البدء عندما كنت جديدا على هذا العالم ، اعتقدت إن كل أولئك الرجال ذوي الهيئات المهيبة أو النسوة الجميلات اللواتي يحملن وجوها ملائكية ، هم من جنس الآلهة ، في أول الحلول تكون الخبرات محدودة ، حتى التخاطر والتجوال لا يسير بشكل منتظم ، وكما في الأرض ، هنا أيضا تتعزز الخبرة بالتواصل والتقادم ، اكتشفت إن كل أولئك الباهرين والباهرات ليسوا آلهة كما تصورت ، من المؤسف إن معارفي الأرضية القديمة خذلتني بصورة محبطة...

 - : مازالتَ أسير ذلك الماضي مع انك لم تعد جزء منه !

ذلك ما قاله الرجل الأسيوي ، وعندما ولجت عقله اكتشفت انه ضابط كبير بجيش مهزوم ولم يحتمل خسارة بلاده الحرب واستسلامها فأختصر وجوده الأرضي على عجل .

بوسعنا أن نتحدث بكل اللغات ، لكننا نميل أكثر للتحدث بلغة المكان ، إنها بسيطة التراكيب وغنية وغير معقدة ، ليس لدينا مدونات نهتم بصياغتها ، الكل هنا ملم بما يحيط به ثمة حافظة عملاقة تقبع في كل رأس تختزن أرقام فلكية من المعلومات والمعارف ، لكننا منقطعون تماما عن حياتنا السابقة وليس بمقدورنا أن نتواصل ، بوسعنا الغناء بلغة الكون الموحدة ، ومع ذلك ننحرف أحيانا عن هذا السياق فنلجأ إلى لغاتنا الأرضية ، حنيننا الأبدي ننشد الأغاني التي نحب ، نُغني عادة عن الربيع والحب والشوق والجمال وعندما نفعل ذلك تنصت كل المجرات لغنائنا، تخيلوا حجم ذلك الكورال الكوني المتجانس الطبقات ، تخيلوا أداءه الرفيع  وتلك الأغاني العذبة المنتقاة ، إنها تغور وتندفع بعيدا في الأكوان السحيقة ، وعندما تفيض روح المجرات بالنشوة الطاغية تتوهج النيازك الضالة منذ دهور وتطلع أقمار جديدة ، يحتفل الكون بغنائنا وموسيقانا يثيره حماسنا حد الارتعاش ثم تتداخل أرواحنا ومشاعرنا ببعضها ونحن ننشد أغنية عن الحب ، إن تلك البهجة الباعثة على الإثارة تجعلني اشعر إن هذا الوجود مصمم من اجلنا من اجل فرحنا وليس لشيء آخر ، يستمر ذلك الغناء لزمن لا نشعر بطوله أو قصره إن النشوة تنساب حارة ومتوهجة من دواخلنا كي تبعث الدفء في الصقيع الكوني ، ساعتها تجتاحنا غبطة عاصفة عندما ندرك إننا صناع كل هذا الدفء الكوني ونحن من يمنحه لمسة الحياة الفذة .

حين رغبت بالغناء لوحدي كانت ذاكرتي تطفح بالأغاني الحزينة ، الحزن جثة طافية في نبع عذب ، لكن مغنيا من سومر القديمة أسعفني ومنحي أغنية جميلة لكنه اسر في أذني :

- ليس الحزن بالميراث الطيب أيها السيد ..

عندما رغبت بالموت كانت أطرافي مبعثرة أمامي ، اللغم الأرضي أكثر براعة من أي جراح ، بوسعه أن يقتطع أي جزء من الجسد ببضع ثوان ، لكنه مولع ببتر الأطراف السفلية ، الصدمة الأولى تشعرك وكأن كتلة ضخمة تندفع وتهرس جسدك ، في مفتتح الصدمة ليس هناك غير الذهول والدوار ، دوار مصحوب بغثيان شديد ، ووجع مرعب يفترس كل الجسد ، يستمر الأمر لبضع دقائق ، ثم تغييب ملامح الأشياء ، انه الانحدار نحو الغيبوبة ، لكنني حاولت التماسك ، كان الدم يشخب من فخذيي وأنا ازحف باتجاه ساقي المبتورتين ولم أعرف قط لم كنت ازحف نحو ذلك الحطام ، ثم تمكنت من استعادتهما ، وضعتهما في حجري كانتا دافئتين وشعرت بتلك الرعشة وهي تسري فيهما ، رعشة تودع الطرقات والنياسم وحافات الجداول المصفوفة بالعشب حيث تركنا أثارنا هناك . امتصت جروحي تراب المكان ، كانت هناك عجينة حمراء تلتصق بنهاية الأجزاء المبتورة ، تذكرت إننا كنا نعذب الديدان الصغيرة الحمراء عندما نستخرجها من الطين ، نلقي بها على الأرض المتربة فتحاول العودة زاحفة صوب الأماكن الرطبة ، لكن التراب الناعم يلتصق بجسدها الأحمر اللزج فيتضخم حجمها وتعجز عن الزحف وتظل تتلوى في مكانها تحت وهج الشمس حتى تجف . كنت أنحدر مستسلما إلى مكان ما ، اتكأت على ظل النخلة تخيلته جذعها ، هويت على ظهري وشمس الظهيرة تعشي بصري ومذاق الدم والتراب يملأ  فمي ،  في تلك اللحظة بالتحديد اشتهيت الموت بقوة ...

كانت البداية طيبة رغم ارتباكي ، هذا العدد الهائل من الناس المتوارين خلف ملايين الأسماء ومختلف الأجناس ، يشعرك بالاغتراب ، لكن الابتسامات الودودة تمنح الوافد شعورا بالراحة والطمأنينة ، حتى تلك اللقاءات البسيطة تمنحك إحساسا داخليا بالسلام ، السلام العميق مسألة يصعب وصفها ، انه نوع من الاندماج المطلق مع الحواس والأشياء ، ألفة حميمية تربطك بكل العالم الذي تعيش فيه ، إنه أكثر رقة وعذوبة من السعادة .

لم يكن بوسع المُرحل أن يخفي أي شي عن الآخرين ، كل شي مكشوف في هذا المكان ، ذاكرتك متاحة للكل يتسللون إليها متى رغبوا ، لا تستطيع أن تخفي أي من خصوصيات حياتك ، كما انك لا تستطيع أن تحلم ، شيئان افتقدتهما في هذا المكان ، الحلم والخصوصية ، من موضع ما كان هناك من يلج عقلي ويحاورني :

- : ما حاجتنا للحلم ، مادامت كل الرغبات والأشياء مطاوعة وقابلة للحضور، انه شماعة أوهامنا ...

أردت أن أقول ومع ذلك انه جزء من الخصوصية التي يجب أن نتمتع بها ، لكنه قاطعني ...

- : مع احترامي سيدي إن ما تفكر به محض هراء أن وجودنا هنا ميزة فريدة !

إن تلك الفرادة كانت تعني لي خرقا مهينا لتلك الحياة التي صنعتها ، هناك خبأت عواطفي وكبحت بصبر انفلاتها ، وأودعت في ذاكرتي لحظات ضعفي ، أخطائي  وخطاياي إن هذه الهبة الباذخة تشبه حال امرأة منحت حق الاحتفاظ ببكارتها بعد أن أجبرت على التعري أمام مئات النظارة المهتاجين ، ومع ذلك كنت اعتقد إن هناك من يتوافق معي ويجيد إخفاء بعض الأشياء ، إنها الفطرة البشرية ، شفرة الأحياء المنسوخة في الأرواح المهاجرة هي التي تحاول الالتفاف والنزوع نحو خصوصيتها حتى في مكان كهذا .

 فكرت قد يسعفني المسنون أولئك الناس الذين تطبع وجوه بعضهم سمات نبل عريق ، الذين ينتقون الأماكن المنعزلة ، إنهم نمط من الرجال والنساء فضلوا البقاء في أجسادهم الشائخة التي وصلوا بها إلى هذا العالم  مع إن خيارات دحر الشيخوخة قائمة .

صمتهم وتأملاتهم الطويلة جعلت من الصعوبة مخالطتهم ، تلك خياراتهم ولا أحد يستطيع الاعتراض ، كنت اشعر إنهم يفتقدون لشيء ما ، ثمة حنين لحياة نائية على كوكب أقصي من وجودهم ، اعتراض على رحيل مبكر وأسى فاضح يرثي مشاريع وأحلام لم تنجز ، كنت أحس ذلك ، لكن ليس ثمة يقين ، كانت محاولاتي للوصول إلى رغباتهم المختزنة تعبث بفراغ بارد ، بعض فراغات الذاكرة نقطة مصطنعة بيضاء وشديدة السطوع وغامضة في عالمنا هذا ، إنها يمكن أن تكون تورية لكم من الرغبات الخاصة ، او حياة رافضة لا تستطيع التواصل والتناغم مع هذا العالم .

هنالك دائما شيء ينقصنا يصعب تحديده شيء تسعى أرواحنا بشدة لامتلاكه  وتلوب وهي تتقصى ماهيته ، لكنه ينبثق أمامنا فجأة ونسعى لحيازته بقوة ونلهث خلف سرابه دون أن نتمكن من الإمساك به ، لا احد يدرك مغزى ذلك ، ولا يقترن هذا ببداية وجودنا أو نهايته انه يلتصق بنا دون فكاك ولا نعرف متى ينهض ليشغلنا ، لكن يبدو إن الأمر لا يحسه الجميع انه على الأغلب هاجس النخب المهروسة بضغط هذا الوجود المُعذِب ...

أقمت بالقرب منهم صنعت ليلي الخاص قبة واسعة داكنة الزرقة ونجوم تلهث دون توقف وهي  تحتفي بقمر فضي صغير ، أطلقت حزني ، صرت اغني بصوت خفيض ، استحضرت رائحة البساتين التي همت بظلالها  ومن موقدي فاحت رائحة القهوة ، كنت أعلن عن جذوري , وأرمم إرادتي حين عَبرتْ امرأة وحيدة من أمام قبتي ، احتفلت روحي بجمالها الفريد ، تجولت في داخل عقلي ثم اقتربت من الموقد ولامست رأسي شعرت إن أصابعها تستبطن داخلي وتنفث خدرا محببا في كياني ...

 - : باكرا حضرت ، فيك رائحة امرأة واحدة ، مجرد رائحة ، أليس هذا بغريب ؟

عرفت إنها استعادت ذاكرة ذلك الحدث الذي دام بضع دقائق فقط  وشَمتْ رائحة المرأة الوحيدة التي عرفتها أيضا ، كان ذلك محض عناق عابر، نزوة أبطلتها صرامة حياتنا ، هكذا ينفتح القلق فتشعرك هذه التعرية الفاضحة بالذبول والصغر ، وحين ربتت على رأسي شعرت بدفق مشاعرها المواسية ، كانت تحاول عبثا امتصاص شيء من حزني الراغب بالنمو في هذا المكان...

- : كان عشاقي بالعشرات ، لقد سخر البعض من سيرتي وأبحروا في حياتي المختزنة ، شيء مؤسف أن تُشرح ذاكرتك بهذا التفصيل ، أشعر إن تلك الحياة صارت حافظة صور متاحة للجميع ، إن الأمر برمته باعث على الإذلال ، مر زمن طويل قبل أن ابتكر مصداتي ، حاول لا تتوقف ، ستمنى ببعض الخسائر والوجع ، لكنهم في نهاية المطاف ستقبلون الأمر ، حتى في هذا المكان يمكن اختراق القواعد ، اعتقد انك في الجوار المناسب .

ثم أشارات بيدها صوب أولئك الطاعنين بالسن تاركة لي طيف ابتسامة غامضة ومخلفة عطر المرأة التي عانقتها ذات يوم، لكني نقبت في دواخلها التي لم تفصح عن أية رغبة ، كنت أشتهيها ، لكنها بدت مشبعة بماضيها ، ولا احد يلفت انتباهها هنا ، انه أمر غريب أن يجف نبع الرغبة فيها وهي لم تتخطى بعد سن الغليان . وحين حاولت المضي في اللعبة والتوغل إلى ابعد نقطة في ذاكرتها ، غرقتُ بدفق من الأصوات والصور المشفرة والتي لا يمكن فهمها وحين حاولت الوصول إلى ابعد من ذلك كانت البقع البيضاء تغلق منافذ الدخول ، وظلت رؤيتي تحوم هناك مستنفذة طاقتها وهي تصطدم بسطوع ذلك البياض المذهل ثم تتقهقر خاوية . متى فعلت ذلك وكيف بنت قدرتها على الصد وما لذي بقي هناك كي تدافع عنه ؟ وإذا قدر لي أن امتلك شيئاً من الخصوصية فمن أين ابدأ  وكم سيستغرق ذلك ؟

كانت نار موقدي تديم نفسها وتهس بلطف ، دهمتني رغبة مفاجئة بسبر داخلي كنت بحاجة لذلك التوغل ، كي أتعرف من جديد على ذلك الباطن المُحمل بالرؤى والشكوك والنوايا ، أفتش فيه عن مواطن القوة ثم أطلقها ، أجند رغباتي أحثها وأحصنها ، ثمة تغيير كبير طرأ على حياتي يجب أن أتقصاه علي أن افعل ذلك مبكراً قبل أن تتحول حياتي بمجملها إلى إرث مشاع ، ما دامت تعتصرني هذه الرغبة الجامحة في أن اصنع مصداتي وأحظى بخصوصيتي وتفردي.

كنت محاصرا بكم هائل من الأصوات الساخرة والمعترضة، لكنني كنت منجذباً بقوة لتلك الأصوات الخافتة التي تهطل برقة وهي تحثني مشجعة ، لم أتمكن من تمييز مصدرها او وجوه أصحابها ، كانوا متوارين خلف مصداتهم فخورين بخصوصيتهم ، كنت اشعر إنني سأكون بصحبتهم في زمن ما ، كان ذلك وحده كافيا كي يجعلني استمر بالتوغل ، حالماً في إننا سنصبح أغلبيــة مؤثرة بـوسعها أن تحدث بعض التغير في قوانين المكان الذي نجهل اسمه .

 

 

ــــــــــــــ تمت ــــــــ

 

              

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                        شـركاء

في اللحظة التي تبعثرت فيها محتويات العربة ، اندفعت كتلة ضخمة من اللحم والعظام وسط الشارع الإسفلتي ناثرة قطعا من الجلد والشعر المنسلخ والضارب للحمرة ، كانت قوائم الحيوان تضرب الهواء بعنف وبدت وكأنها  المحاولة الأخيرة للنهوض واستيعاب الموقف ، لكن جسده المندفع بقوة الاصطدام انهار تماما عندما اصطدم رأسه بالرصيف الأسمنتي ، أحس انه لن يستطيع تخمين ما حدث وهو يندفع بسرعة نحو مجاهل الغيبوبة ، كانت قوائمه ترتجف وهو ينفصل عن محيطه ، فصار بعيدا عن ذلك اللغط والعراك الذي تشيعه حوادث الاصطدام ...

استنفر الليل تلك البرودة الكامنة في أواخر أيلول وحط بها على جسده ، فيما كانت أضواء الشاحنات وهدير محركاتها العاصف يستفزان ذلك الوهن المداف بالوجع والذي هيمن على كامل بدنه ، في داخله المشوش كان ثمة هاجس ينمو يدفعه للنهوض واجتياز عتبة الألم ، ولهذا لم تتوقف محاولاته التي بدت في الوهلة الأولى محض حركة راعشة لأطرافه المخدرة بوجع الصدمة إلا حين وضع قوائمه الأربعة على إسفلت الطريق ...

عند الفجر كان يسير ببطء محاذيا الحقول الصغيرة ، كان المشهد بالنسبة إليه يمضي بنفس تلك الرتابة التي ألفها طيلة حياته ، حيث تراوح الألوان في مكانها متنقلة بين الأبيض والأسود ويصدفُ أحيانا أن يواجه ألوانا تنحدر من تدرجات غامضة ، لكن ذلك لم يكن يعنيه كثيرا، إذ كانت آلية رغباته تميل لتقصي رائحة الأشياء المحيطة به ، لكنه توقف مذعورا حين غرق المشهد كله بذلك النور الباهر الذي تضفيه الشمس على المكونات الأرضية ، فقد اجتاح اللون الأخضر المكان وبدا لون الأرض مختلفا هو الأخر ، كانت هناك حياة جديدة تتفتح بكثافة فتكتسب الأشياء ألوانا جديدة لم بألفها من قبل ، لكنها أبدا متمسكة برائحتها القديمة ، ووسط انبهاره كان يفتش في ذاكرته عن معنى لكل هذا التحول ، لكن حيرته كانت تتفاقم فثمة كوى صغيرة تنبعث منها الآلاف الأفكار والصور والشفرات الجديدة ، فبدت مخيلته البسيطة التي حملت خبراته القديمة تضيق وهي تواجه ذلك الحشد المتدفق من المصفوفات الجديدة التي تغزو مناطق دماغه البكر ، كان يمتلئ بمعارف وخبرات جديدة ضَخمتْ وعيه ووضعته وسط موجة من الدهشة والارتياب فصار يصغي بانتباه شديد للمتغيرات التي يطرحها هذا العالم الجديد الذي انخرط فيه ، كل شيء مختلف الآن ، الأصوات ، الألوان ، إذ صار العالم شديد البوح ، حتى ذاته الملغزة أصبحت أكثر وضوحا ، حين اكتشف بحزن انه حيوان هجين يشغل مرتبة متدنية في سلم المصنفات ، وانه مجرد بغل حَمَلتهُ الصدفة وحدها بوعي فريد ...

استرد عافيته ببطء ، ولم يكن راغبا في أن يمضي بقية حياته التي خمن قصرها في  تجوال عبثي ، إذ كان منشدا بقوة للمكان الذي ولد وترعرع فيه ، ولهذا فقد اتجهت مخيلته صوب ذلك المكان القابع في الشمال الشرقي ، كان يخب متمهلا حين يستحضر رائحة العشب الغض ويتذكر عدوه الجنوني وسط الحقول الطافحة بشقائق النعمان ، لكن سرعته كانت تخف وتبدأ بالتراجع حين يدركه التعب فيسير متمهلا حتى يدركه المساء ...

على نحو ما كانت صفحة السماء التي تنكشف بوضوح في المناطق البعيدة عن المدن هاجسه الكبير ، ولم يكن لغز الوجود شاغله الوحيد ، كان محبطا من تكوينه المحير ، فهو المخلوق الوحيد الذي لا يستطيع التناسل ولن ينعم بأي نسل ، فكرة الأبوة تشغله كثيرا وهو واثق أيضاً بأن هاجس الأمومة هو الأخر يجيش في نفوس إناث جنسه وهن يتأملن برعب أرحامهن العقيمة ...

 فتش كثيرا عن معنى لهذا العبث ، ربما كررت الطبيعة خطأها في مكان ما وحدث الأمر ، لكنه لم يكن قادرا على الفصل بين الخطأ والخطيئة ، كان يعتقد إنهما شيء واحد طالما يورثان الكثير من الألم ، وحين يتقصى سلسلة الأخطاء المروعة التي أنتجت سلالته الزائفة والمجدبة ، كانت مسببات الحكمة والإرادة تنتفي لتستقر دائرة شكوكه في مسار معتم يعيده المرة تلو الأخرى إلى بداية وجعه المحمل بخيبة وجوده العبثي .

كان يعي تلك الكيفية التي مكنت الكائنات من التواصل والتناسل عبر كل ذلك الزمن الموغل بالقدم ، حيث تتشبث خلاياها بقوة محصنة كيانها باختزان شفراتها ناثرة رغبتها بالتواصل مع هذه الحياة المحيرة في كل مكان تصل إليه ، لكن كيف ستنجح سلالته العقيمة باجتياز معضلة البقاء في هذا العصر المحمل بأدوات الفناء المرعبة وهي مفرغة كلية من عوامل الإخصاب . وبشكل ما فقد صارت محاورة الذات المملة وتقصي دلالات الصدفة البغيضة التي أنتجته تنسحب من مناطق الحوار الساخنة لترقد في العمق المظلم والبارد من ذاكرته المتخمة بالرغبات المحنطة ...

جاء نهار أخر واضمحلت قامته وغارت بقاياه في نهاية الأفق العميقة ، في مثل تلك الأوقات كانت الوحشة تدفعه كي يلتصق بأي مكان يمنحه شيئاً من السكينة ، لم تكن ثمة أشجار يلتصق بجانبها ، كان هناك صوت ما يشبه نواحاً فائق الحزن يفتتح بوابات المساء ، قوائمه المنهكة كانت شديدة الحذر وهي تجوس الأرض الحصباء لكنه لم يخطأ مصدر الصوت ورائحة البشر المنبعثة من بضعة خيام متباعدة .

اقترب من المجموعة المتحلقة حول النار دون أن يثير حفيظتهم ، كان بالنسبة إليهم محض بغل تائه جذبه ضـوء نارهم وحـاجته للأكل ، ولم تكن وقفته القريبة منهم قادرة على إيقاف دفق ذلك النغم الحزين الذي يبعثه وتر  (الربابة ) الوحيد ، لكنه أدرك على نحو غريب عمق ذلك الحزن المنبعث من تلك الآلة البسيطة ، وتسأل من أين يجئ كل هذا الأسى ومن أين تنبعث كل تلك المراثي، من هذه الأصابع الجافة أم من تلك الجلدة الرقيقة الملتصقة بصندوق الخشب الصغير !! ، كانت السنة اللهب تشح بضوئها ولم تمنحه إلا القليل من التفاصيل ، ولم يكن بوسعه أن يمنع نفسه من شم تلك الآلة  واستكشاف رائحتها ...

تفرق الجلاس وظل وحيدا بمواجهة العازف العجوز ، حيث كانت أصابعه تلامس الوتر ناثرة أحلام صباه وأيام ضياعه الطويلة ، كان صدر الرجل محض مقبرة حزينة طمرت فيها ألاف الرغبات ، فبدت أيام الجوع والتشرد والخوف أكثر وجعاً حين يبثها وتر الربابة المرهف ، وأصبحت بالنسبة إليه رغم الشقة التي تفصله عن البشر مصدر حزن شديد ، ومضى يستقبل بتفهم رموز الألم التي تبثها أصابع الرجل على الطرف الأعلى للوتر ، ولم يفته إن ذلك الصوت كان نتيجة اهتزاز بضع شعرات من ذيل احد أسلافه ، ثم فاجئه العازف حين غير مسار عزفه ، إذ خيل إليه إن بقعة مشتركة ، جزيرة صغيرة في بحر من الوجع الكوني تجمعه وهذا الرجل العجوز ، دهمته رغبة ملحة في أن يعبر عن فيض حبه وإعجابه بهذا العزف الغريب وبهذه النشوة المحيرة ، لكن لسانه كان اكبر وأثقل من أن يسعفه ، إلا إن ضغط الامتنان والرغبة النبيلة الملتفة بالحزن وبقليل من البهجة أجبرته على أن يبتكر طريقة ما ، شيء متفرد يفهمه الرجل ، فبرك على قائمتيه الأماميتين ، وفعل ما لم يفعله أسلافه أقعى مثل كلب ودود واضعا رأسه بين قائمتيه .

سرد الرجل كل حكاياته وهو يصغي بانتباه شديد ، ولم تفته تلك النبرة المرتعشة وهي تغور في الماضي البعيد وتنقب فيه دون جدوى ، متقصية أصل تلك الحكايات المنقولة شفاها ، وكان يفهم لغة الرجل رغم تحولاتها الغريبة واشتباكها بلهجات ولغات أخرى ، واستنتج إن كل ذلك الترحال الطويل والمستمر ، لم يكن سوى محاولات مجدبة للامساك بالأصل ، الهبوط من المنفى والتشبث بالجذور...

في تلك الليلة حين عافه الرجل مع كومة من التبن الرطب ، شعر إن حزنه وحيرته يتفاقمان على نحو غريب ، ولم يكن بوسعه أن يتصور قبل هذا إن هناك من يختزن هذا القدر من الألم والخوف والضياع ، وخمن إن هذا الوعي الجديد الذي يتلبسه صار مصدر تعاسة لا تطاق ، وان فكرة ملحة تنمو داخل عقله ، بدت له وكأنها شفرة غامضة من شفرات أسلافه ، تدفعه لاختزال رحلة الوجود العبثي بالقفز من شاهق بلا قرار ، وبكثير من التكاسل حمل جسده الشائخ وتمعن بخيام الغجر البائسة مستسلماً لهوى غامض كان يقوده نحو الأماكن العالية .

      

                                    ـــــــــــ تمـت ـــــــــــ

 

 

 

                                                     

 

 

 

  

 

 

شرفة على ساحة الحرب

 ساحات المعارك : ارض مشوهة بحفر الانفجارات ، تجاويف طويلة وعميقة مبطنة باللحم البشري الدافئ ومسكونة بظلال الحشرجات الأخيرة ، خنادق مختومة ببقع الدم المتخثرة والجافة ، أطراف مقطعة دهمتها زرقة العفن ، أمعاء جافة عَلقتْ بلفائف الأسلاك الشائكة حين تناثرت ، جثث متهرئة طافية على سطح المحيطات والأنهار ، تفصيل صغير مقتطع من لوحة الحرب ، بانوروما الهلاك البشري المفتعل ...

يتأمل الرجلان كل ذلك من شرفة الحرب العالية المنتصبة فوق عمود في منتصف الساحة حيث تمر المشاهد المرعبة برتابة مملة وبطيئة ، حيث يُعرش ذلك المكان في خصوصية زمنية راكدة ، امتلك ثبات لونه ونوره المركب المستديم من حزم رمادية الضوء امتصت لون النهار الأرضي ودافته بسواد كوني معتم .

  إنهما منشدين بقوة إلى تلك التفاصيل المؤلمة ، إذ يراقبان شريط الموت المار من تحتهما طوال ذلك الزمن وتتكرر المشاهد الحية ذاتها دون توقف ، مجزرة تعقبها مذبحة ، ولا احد منهما يمتلك القدرة على إيقاف أي شيء ، إذ فرض المكان سطوته على إرادتهما مشيعاً عذاباته في البؤر العميقة والحساسة من روحيهما ، فصارا محض وحشين مروضين بوجع ماضيهما يتجرعان أسوء صفحات حياتهما تعاسة عبر شرفة لم تكن غير قفص كبير ومحكم يستقر بثبات لا يتزعزع على رأس عمود ضخم .

في الفترات القصيرة التي يجري فيها عرض مشهد حي جديد تندفع الريح الباردة لتجرف معها الأشياء الخفيفة من الخنادق الصامتة فترتفع في الهواء قصاصات رسائل مزقتها الشظايا وتَعلقُ في نتوءات الأسلاك المدببة مناديل حريرية مطرزة الحواشي تُلوحُ مثل اكف صغيرة ملقية بتحية الوداع الأخير، يهز الرجل المزين بالأوسمة والأنواط قضبان القفص بعنف نافثا غضبه وحنقه فتتدلى خصلة من شعره المفروق فوق جبينه المتغضن ، ثم يلقي برأسه إلى الخلف قليلا مطبقاً جفنيه حاثا كل حواسه لالتقاط رائحة معينة ثم يتدلى رأسه بعد لحظات ليردد بضع كلمات طالما سمعها الرجل الأخر والذي كان يحاول الإمساك بمنديل حريري يحوم حول الشرفة...

- : أتشم هذه الرائحة ؟ إنها رائحة ( .... ) التي تفاقم عذابي ...

يهز الرجل رأسه نافياً ثم يتساءل هو الأخر ...

- : أتسمع هذا الرنين ، إنها أجراس الكنائس التي ...

يعيد الرجل خصلته المتدلية إلى موضعها ثم ينفي بصوت خفيض سماعه لأي شيء. 

الريح التي تعبث بميدان الحرب تحمل معها أصوات المارشات العسكرية ، ووقع أحذية الجنود الثقيلة وهي تضرب الشوارع المرصوفة بالحجر ثم يتداخل معها صوت رجل واثق ترتفع نبرته بالتدريج فينخفض صوت المارشات وارتطام الأحذية ليصبح خليفة واهنة تسمح للصوت المنفلت من مكبرات عملاقة أن يصبح صدى قوياً تردده الخنادق الطويلة المشبعة بالأوبئة والحزن ( إن الحـرب للرجـل مثل الأمومـة  للمرأة ) عندها يشبك رجل الأوسمة يديه خلف ظهره ويدفع صدره إلى الأمام ويسأل كما في كل مرة :

- : كيف استخرجت كل تلك الوحشية من أعماق الرجال  ؟

- : لقد أفرطت بمغازلة الماضي ...

تهدأ الساحة ويلف الصمت كل شيء، تتجمع بقايا الجثث تلتحم أجزاء اللحم والعظام ببعضها وتتشكل من جديد : جنودا يافعين بسحن شاحبة أيقظهم نشيد الحرب وبهرتهم أوسمة القادة اللامعة وبلاغة خطبهم ، بنادقهم الطويلة بحرابها المخيفة تستند إلى المتاريس أصابعهم المتوترة تلامس الزند المقوسة بانتظار لحظة المواجهة ، لكن مطر القذائف الثقيلة المروع يحيل التوتر رعباً فترتفع نافورات الدم المداف بالطين وهي تنفث الخوف في جوف الرؤوس التي تعلقت في يوم ما بأناشيد الحرب وأغانيها ، فتبدو البنادق والرشاشات محض أسلحة بائسة حين تجتاح الشظايا جوف الخندق الطويل ناثرة الأطراف والأمعاء من جديد على جنبات السواتر والأسلاك الشائكة وتتدحرج الخوذ الحديدية وهي تنوء بثقل الرؤوس التي انفصلت عن موضع ارتباطها .

تتكاثف رائحة البارود ودخان المعدات المحترقة لتشكل غيمة صغيرة تلتف حول عمود الشرفة ثم ترتفع حتى تحجب الرؤية عن الرجلين ويستمر مسموعا لحين صوت اطلاقات منفردة كانت رصاصاتها تستقر في رؤوس الجرحى المتوسلين ، ثم يطوي الموت أطراف خيمته مخليا الساحة ولا يترك شيئا سوى رائحته وصفرة لونه الكئيبة .

وفي كل مرة تقدم فيها ساحة الحرب مشهد تلك المجازر بتفاصيلها الدقيقة يتساءل الرجل المطارد بلعنات الأجراس وهو يغطي وجهه بكلتا يديه فيما إذا كان ثمة جحيما أقل وطأة من هذا المكان ، لكن الحليف المزين بالنياشين لا يجيب إذ كان منبهراً في تلك اللحظة بضوء شديد السطوع انبجس من أقصى طرف في ساحة الحرب الرمادية فهتك

 رتابة لونها واجتاحها مثل برق خاطف ولم يكن بوسعه أن يفعل أي شيء سوى حجب عينيه الواهنتين عن ذلك السطوع المخيف .

امسك الرجلان بقضبان الشرفة بقوة كانت الأرض تهتز بعنف والعمود المتين يقاوم عصفاًً لم يختبر شدته من قبل ، فيما نهضت كتلة عملاقة من الدخان الأبيض في موضع انبعاث الضوء راحت ترتفع في فضاء ذلك المكان النائي ومضت تتشكل على هيئة فطر عملاق ... ثم غرقت ساحة الحرب بمجملها بصمت مريب .

تراخت يد الرجل عافت قضبان الشرفة ، تأمل وجه حليفه أمعن النظر في عينيه المترعتين بالخوف والدهشة ، إذ كان كل هذا العصف والضوء الساطع وقبة الانفجار الهائل ، حدثاً جديداً هتك رتابة المكان المُعذبة ...

- :  ما لذي يحدث ؟ كيف اخترق هذا الانفجار المروع طوق عالمنا المحكم ؟

- : لا شك إنها طاقة خارقة ، اعتقد إننا سنحظى بصحبة سيئة وبعض الامتيازات ، وسيدرك أولئك الذين حل بينهم هذا الفناء الرهيب إننا محض مريضين صغيرين فتك بهما هوس الحروب وهوس الماضي ، وربما ... ربما يصلي البعض من اجل أرواحنا المعذبة... لكن أنتظر ربما اختلط علي الأمر أيكون هذا صدى حقيقة مروعة حدثت قبل وصولنا لهذا المكان ...

- : هذه النهاية الفاجعة شرخت تراتبية تلك الحياة ، كل شيء يبدو الساعة مشوشاً ، لكن ما قيمة ذلك إن حدث قبل أو بعد ، فنحن أبدا في صدر اللوحة ، يحرصون على بقائنا في المقدمة ، يفعلون ذلك بمناسبة أو دونها وكأننا اخترعنا الحرب ! إن من المؤسف أن تظل كل تلك الكائنات عرضة للخديعة والنسيان..

- : كنا قادة حرب معلنة انغمرنا بكل سيئاتها ووحشيتها ، ولجنا كل مخاضاتها القذرة ، لم تكن الفرصة مواتية لإحصاء كل ضحاياها ، ومن المؤكد إن الرقم كبير ... لكن هذا السلاح شيء مختلف بوسعه أن يختطف أرواح الملايين بدقائق ... اعتقد انك تدرك شمولية دماره المخيفة ...

أومأ الرجل برأسه موافقاً في اللحظة التي شرخ فيها ضوء باهر فضاء المكان الرمادي من جديد ، ثم تموجت ساحة الحرب ، هوت الحصون الصغيرة وسويت الخنادق والتحصينات ، دفعات متواصلة من الارتجاج قلبت المكان حرثته بمكائن عملاقة ، تشبث الرجلان بقضبان شرفتهما كان العصف الشديد يرفعهما عن الأرضية ، فيبدوان مثل دميتين صغيرتين محشوتين بالقش اليابس تخفقان وسط الزوبعة ، فيما تدفقت سيول من الجثث المشوهة عبر الثغرة التي أحدثها الانفجار في جدران البقعة الحصينة ، فضاقت الساحة بها وراحت تتراكم فوق بعضها أكداسا مقطعة ومحترقة .

ظل نور الشمس المنحدرة نحو الغرب ينفذ من تلك الفتحة الواسعة فتسربلت ساحة الحرب بحمرة دموية ، ومن مكانهما المرتفع بدا ذلك الموضع الواسع مثل بحر دم أسطوري تطفو على سطحه جزر صغيرة من اللحم البشري .

- : لن يلعنك احد بعد اليوم ، إنهم يفتتحون عصر الحروب الجديدة ، ولن تكون سوى حاشية غير لافتة في صفحات الكتب ، سيعيدون تقييمك بدرجة متدنية وستحظى بدرجة مبتدئ سيء الحظ كان يفتش عن مجد واهن في سوح القتال ، لكن هذا سيجعل وجعنا أكثر عمقاً ، في هذه الشرفة بالطبع !!

استنفر المكان كل طاقته وراحت تلك الثغرة التي تدفقت منها الجثث تضيق بالتدريج ، تراجع ضوء الغروب الأحمر ، والموضع يفيض بموجات متدرجة من الضوء الأزرق ، فيما راحت الأجساد المكومة فوق بعضها تتعلق بخيوط النور السابحة في الفضاء لترتفع بالتدريج  مستعيدة هيأتها السابقة ، فبدت ( الكيمونات ) لافتة ورائعة بالونها الحارة وهي تحتضن تلك الأجساد الأنثوية المتناسقة ، وظلت أيادي الصغار تطبق على خيوط طائراتهم الورقية المزينة بالتنانين الملونة ، كانا يراقبان ذلك منبهرين بغرائبية المشهد وسحره وقوة الصفاء الخالص الذي هيمن على المكان ، كانت الأجساد المحلقة تحاذي شرفتهم وترتفع بالقرب منهما ، وعندما فكراً بالتلويح للصاعدين شعرا إنهما مهملين وربما غير مرئيين لكنهما لم يتوقفا عن التلويح حتى انحسر الضوء وظهرت شرفة ثانية على مقربة منهما ...

- : إنها واسعة وأكثر متانة من شرفتنا ... لكنها خالية من النزلاء ، كنت اعتقد إن بوسعنا التنديد بفظاعتهم ، كنا اقل قسوة منهم ، سيكون ذلك مسلياً لو جيء بهم بوسعنا أن نشتمهم ثم نغرق في جدل لا ينتهي... آه كم يبدو هذا الغبن معذباً ، كيف استطاعوا تمرير فعلتهم ؟  

- : أنت الساعة تبدو لي اقل إدراكا من المتوقع ، ليس بوسع أحد تخليق المصائر والنهايات ، هل كنت تتخيل هذه النهاية ، لكن يجب أن تنتظر، لن ينجوا من شناعتهم .

- : أخشى أن يظل المكان شاغراً !!

- : ربما لحين .. إن للمنتصر سطوة ...

- : لكن الشرفة خالية !

- : نعم لبعض الوقت .

قال ذلك وأنشغل بملامسة شاربه المشذب بهيأة مربع صغير وقد فاته أن ينتبه لصوت حليفه الذي قُدر له أن يردد دون توقف :  لكن الشرفة خالية ... !

 

 

ــــــــــ  تــمــت ــــــــــ

 

                                     

 

 

 

 

 

 

 

                                                          

 

سيأتي في الرابعة

 

تلك المرأة التي تريح كيانها على مصطبة المتنزه بكنزتها التي استعارت لون الخضرة من حديقة ( الزوراء  )، المرأة التي تبدو نحيفة ورقيقة أكثر من المعتاد وقابلة للطي مثل صحف المعارضة ، تلك المرأة مازالت بانتظاري ، لقد هاتفتها قبل ساعات معلنا رغبتي بلقائها ، وأخرجتها من قلعتها الشاحبة تحت ضغط توسلاتي وتفجر لهفتي ، المرأة التي همت بها من عصر الكهوف حتى زمن ( الوشاة ) ستبقى متسمرة في مقعدها أملة أن اجتاز البوابة الكبيرة وأصل إليها ، كنت أود أن ابهرها منذ اللقاء الأول ، هي لا تعرف عني سوى أشياء قليلة وتضبط بدقة توقيتات مكالماتي الليلية المتأخرة ، كان صوتها ناعما وهادئا في تلك الساعات الساكنة من الليل وربما كانت تخفي رأسها تحت اللحاف مطمئنة من انفلاتها من تلك الرقابة الأسرية البغيضة والساذجة ، وكانت ذروة متعتنا تبدأ حين يلف الليل والبرد بغداد التي يعرش فيها الظلام المنفلت من مخبوءات الكون الغامضة فتبدو مثل لوحة سريالية عصية على الفهم ، هي تنتظر الساعة قدومي بلهفة قد لا استطيع تقدير حدتها ، ذلك لأنها تبدو لي وكأنها تتجه نحو عقدها الثالث ، في هذه المرحلة من العمر تبدو المرأة في ذروة نضجها بعد أن ذاقت أشرعتها طعم الملوحة وذاب الجليد المخبوء في عظامها ، ومن يدري لعل ما يهمها الساعة أن تريح جسدها المثقل على أية حشية ، وأن تلقي برأسها الذي ثقبته أحلام اليقظة على أية وسادة ولا أعرف حتى هذه اللحظة التي أتطلع إليها من ثقب ضيق بأنها ما زالت تعتقد أنني يمكن أن أكون الوسادة والحشية .

تبدو المراقبة من شرخ ضيق متعة بالغة أول الأمر لكنها تفقد بهجتها بالتقادم حين يصبح الحضور مقصياً وغائبا تماما ، فتنهرس البهجة وتذوي كلما امتد عمر الغياب ولن يكون بوسع المرء سوى الاصطفاف إلى جانب الحزن المدجج بالخوف والذي يجوب الكون منذ الخليقة ، لكنني أكاد أسمعها تهمس كلما تقدم الوقت ... إن لم يأت في الثالثة سيكون هنا في الساعة الرابعة ، إنها محض تخمينات مدافة بالشوق لرجل سمعت صوته على الهاتف وهي لم تمنح كامل فرصتها بعد شأن الملايين المتسكعة على أرصفة الانتظار ، فهي مازالت منساقة خلف تلك المثابرة البشرية التي نسجت أطول حلم مُشرف ...

ذلك الرجل المشحون بعواطف ما تزال غامضة بالنسبة لي والذي تسكره منبهات العجلات وضوضاءها ، الرجل المثقل بالقوافي والذي يهيم دون كلل على أرصفة الكتب المستعملة غزاني بصوته الذي يقطر رجولة ودفئاً . الرجل الذي يخبأ نفسه ويتنفس عبر رقم من إحدى عشر مرتبة تمكن بفعل براعته من تلويث عذرية أحلامي وقادني بكلماته وأشعاره المجنونة كي يعيد صلبي على خشب هذا المكان ، هو لا يدرك الساعة مقدار ألمي ، ذلك ناجم بالأصل من سوء فهم الشفرات الحسية التي تبثها كياناتنا الحالمة والمنبثقة من منظومات التسامح المتوارثة ، وهاأنذا أنشطر طوعاً لأبرر تأخره عن الموعد الأول ، أقود ذاتي الهشة على جمرات الانتظار وحين تلوب روحي الأخرى أواسيها : إن لم يأتي في الثالثة سيكون هنا في الرابعة عارضة وجهاً من صفيح أمام المتسكعين والفضوليين ...

الآن صار وجهها الذي حلمت بملاسته يقطر يأساً ، تلاشت ومضة اللهفة من عينيها ، أطفئها الانتظار الطويل والممل ، استحالت إلى كيان أخر أكاد ألامس سخطه الوحشي ، لكنها توازن انشطارها بصعوبة ويكاد نصفها الفائر أن يعيدها إلى قلعتها الشاحبة ، ذلك سيكون أفضل من انتظاري إذ لم أعد قابلا للحضور أو التواصل إذ يرقد جسدي في ارض رطبة وعلى عمق ستة أقدام وتتخبط روحي المرتحلة في عالم حُلمي أجرد ، حيث أهيم عاريا إلا من معطفي الأبيض الذي ثقبه الرصاص ويقيني المعطوب فيما أبدو لكل المارين بي اللاهثين خلف مفاتيح فراديسهم بأنني محض نسر شائخ غير قادر على التحليق معهم ، لكنني غير ذلك قطعاً ، سأظل هنا قبالة هذا الثقب أتأمل تلك المرأة التي لم تلامس أصابعي أي جزء من جسدها المعلق على قائمة الانتظار ، سأتابعها حتى تعود إلى كهفها بأمان ، ومن مكاني هذا سأحلب غيوم الكدر العظيمة حتى تضيق الأرض بالملوحة والحزن ، وسوف يكون كل شيء مبرراً لحظة مواجهة الأسرار الغامضة حين افرغ سلال أسئلتي وعتبي ، ذلك  لأنني غير معني بالشفقة ولا استطيع أن أكون إلا شاعراً حاقداً أغضبت قصائده البعض .

ــــــــــــــ تمت ــــــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هناك من يستجيب

يحتال الليل على نهارات الصيف الفائرة ، يقتطع الساعات الأخيرة منها يفرش فيها بساط سكينته وينفث آخر أنفاسه الباردة ، يفعل ذلك برقة مبالغ فيها فيمرر دفعات رقيقة من الهواء البارد ، يعتذر عن فجاجة نصفه الآخر عندها فقط تتراخى أنسجة الأجساد المتكورة على أسطح المنازل الهاربة من أتون الغرف لتسمح للأحلام المحلقة حول الرؤوس بالهبوط في محطاتها ، لكن أحلامي أبدا معلقة هناك ، متشبثة بمداراتها ، ربما تفترض لنفسها قيمة أكبر ، فتشعر أنها ليست بالأحلام العادية تترفع على مخيلتي المنتجة لها ، تفتح لي نياسم صغيرة ما إن أتلمس دربي الشائك فيها حتى تنغلق لانكفأ مجددا على ركام احباطاتي السالفة مكتفياً بتلك السكينة والصمت اللذان يطبعان ساعات الليل الأخيرة.  

كنت شأن ألاف الموظفين الذين تتحلل طوابيرهم عند الساعة الثالثة في منعطفات الشوارع المخلية من المارة والأزقة الملتوية والذين  ينكثون عن أكتافهم تلك البلادة التي تخلفها المخاطبات المتبادلة بين الدوائر الرسمية بصيغها المتكررة الجافة ، كنت وسط مدفن يعج بالأضابير التي يفوح منها القدم ويستوطنها التراب . ألان صارت العودة إلى ذلك المدفن حلما عصياً وبدت تلك الأيام التي تقطر كآبة جزءً من ماضي أحلم باستعادته ، ذلك لان نصفي الأسفل صار معطلا بسبب تلك الخثرة الصغيرة التي هيمنت على خلايا الحركة في دماغي  وجعلتني نصف مشلول أرقد وسط كومة من الأدوية والعقاقير ، مصغياً إلى توسلات زوجتي التي لا تكف عن الدعاء والتشبث بمعجزات الأولياء والصالحين والتي كانت قصية وغير قابلة على الحضور ، بدا لي أن كل تلك الأشياء التي يمكن أن تحدث فجأة وتفكك عجزي لم تعد صالحة لهذا العصر ، لكنها حين حدثت في يوم ما ونسجت العافية على أجساد الآخرين لم تكن أبواب العقول مواربة كانت منفتحة على آفاق يمتزج فيها الصدق بالبراءة وكان الوضوح والنبل يحيط بكل الأشياء ولم تكن المعجزات الصغيرة محاطة بهذا الكم من التشكيك والتساؤلات ، لكن عصرنا غفل متعمدا ذلك العالم ولم يعد يصغي لوجيبه هو منشد ومتمسك بذلك المنجز الذي جعله الفتح الرقمي أكثر بعداً عن الذاكرة ، تلك لم تكن مجرد خيانة صغيرة لكنها تبدو لي خطيئتنا الكبرى .

 هي مازالت على مقربة مني امرأة بتنازعها الكدر والتعب ويكمن في داخلها خوف من نوع آخر تحاول اتقاء طلائعه المتحفزة بابتسامة متكلفة وتلبية سريعة لرغباتي ثم تختفي في ملاذها المُقدر حيث تفوح روائح الزيت والبصل وهي تحلم أن تراني في يوم ما بكامل صحتي أخطو وأتحرك بساقين متعافيتين ذلك ما تحتاجه كي تتعزز شعورها بالأمان وربما تسترجع لسعة أنوثتها المفتقدة وتلتصق بي ..

تنقلي ووالدي إلى سطح الدار بصعوبة ، أنصت إلى خفقان قلبيهما المتسارع وأشم رائحة عرقهما المتصبب ، في كل مساء وكلما ارتقينا سطح الدار ينثلم جزء من إرادتي ويتشظى ليضرب مكامن الحزن في روحي ، وسريعا أغلق منافذ الدمع المحتبس حتى لا تنخدش مظاهر رجولتي وحين أنجح ، أُطمئنُ دواخلي المهتزة بأنني مازالت قادرا على التحكم ببعض المفاصل ، يفرحني ذلك قليلا ويدفعني للتفكير بأن ثمة كوة أخرى يمكن أن يرشح عبرها القليل من النور ، وعلى نحو ما كنت أحاول حث داخلي واستنهاض ما تبقى لي من قوة ، فكرت إن ذلك يمكن أن يكون ملاذي الأخير ، كنت لا أعرف من أين أبدأ لكنني وحلما أطبقت أجفاني ملتمساً الراحة كان ثمة ما يدعوني للتعكز على متن اللامألوف عبر استنهاض تلك الطاقة التي يختزنها العقل البشري في محاولة للإفلات من هذا العجز ، خيل إلي إنني يجب أبدأ من ذلك الجزء المهيمن على الجسد كله ، الدماغ الذي لم تستثمر البشرية إلا جزءً قليلا من قدراته ، كنت أتساءل فيما إذا كنت قادرا على دفع نصفي المعطل للنهوض عبر نداءات ملحة من الدماغ ، في تلك اللحظات شعرت إنني أضع رهاني الأكبر على تلك القدرات البِكر التي لم تفكك أسرارها بعد . أطبقت أجفاني ، ولم أعد أصغي لأي شيء تحررت من كل ما يربطني بهذا العالم كنت معزولا ونائيا ، وأشعر بالقليل من الخدر وسط عالم شديد السكون ، ثم ودون أن أنتبه كانت تلك الخثرة الدموية الداكنة والتي طالما شاهدتها في الرقوق الشعاعية تبرز فجأة لتنتصب أمامي غيمة عظيمة تحمل في باطنها الكثير من النُذر الغامضة بدلا من المطر ، كانت قدراتي أضعف من أن تزيحها ، وبدا لي إن حياتي رهينة هذه الكتلة ببشاعتها وغموضها ، لم أكن راغبا بفتح عيني والنظر للسماء بنجومها الكثيفة ، كنت راغبا بالبقاء ضمن هذه الحالة المعلقة على حافات النوم واليقظة ، أنتظر معجزة ما كي تفتت هذه الغيمة أو تسوقها بعيداً ، ووسط كل تلك المخاوف والدهشة نسيت إنني كنت أحاول استثمار ما بقي لي من طاقة داخلية كي أحرر نصفي الأسفل من عجزه ، كنت أبحث عن نداء أفتتح به محاولاتي الجنونية ، فكرت بكل الكلمات والجمل المتوسلة ، ,استذكرت الأدعية التي كانت زوجتي ترددها عند رأسي ، وفكرت بكل النعم والمتع التي خسرتها إلى الأبد ، نعمة الحصول على ساقين سليمتين لا يشعرانك بالصغر والعجز ، تذكرت صباي وتلك الإثارة التي غمرتني وأنا أتسلق أعلى نخلة في بستان جدي ، حيث تمتد صفوف أشجار الحمضيات لخمسة دوانم متصلة ، وكانت(دبكات ) نيروز  (وﭼوبي ) الأعياد ملتصقة بي مثل وشم في ذاكرتي ،  ثم استعدت تلك اللحظات الممتعة وأنا اغمر قدمي المكدودتين في مياه نهر الخابور بعد أن طبخ الحذاء العسكري السميك أقدامي في جوفه العفن ، كنت أستحضر كل تلك الصور والذكريات كي أحثه على الحركة ، أُذَكر النصف المُعطل بما فعلناه وما يمكن أن نفعله معا ، لكن الخثرة الغيمة مازالت ماثلة أمامي ، لم أكن حتى لحظة مرضي أعير انتباها لنصفي الأسفل ، ولم أعتقد في يوم ما أنه سينفصل على هذا النحو ، ربما لأنني في الخامسة والثلاثين اعتقدت إنني لم أبلغ سن النضوج فحسب ، بل صرت محصنا ضد كل الأمراض التي يمكن أن تصيب الآخرين ، ولهذا كانت هذه السقطة مفاجأة بحق .

كل شيء على حاله نصفي العاجز ، أجفاني المطبقة ، ثمة عتب وغضب ينخر صدري كنت أود التصريح به : هناك ألاف المتع والرغبات الصغيرة والأماكن التي لم نشاهدها بعد لكنك خذلتني باكراً!! شعرت إنني بحاجة للإفصاح عن داخلي المتورم دفعة واحدة : أنت لست بنصفي الأسفل الذي عرفته ، لم تعد كذلك أنت عالم سفلي بكل عذاباته ووحشيته  ، لم تعد تصلح حتى لأداء الأعمال القذرة ، سأقدم براءتي  منك في نهاية المطاف ، ولو كان بمقدوري فسوف أعمل على بترك ورميك إلى كلاب الشوارع كي تحتفل بنهشك ، وسأكتفي بكرسي مدولب أوجهه حيثما أشاء وحين تكل عجلاته وتصر ستحل بضع قطرات من الزيت كل المشكلة ، تعفن بمكانك وتمتع بقرح الفراش ما بقي لك من العمر ، أيها العاجز المتخاذل ، أيها الخرقة العفنة ...

لامس الهواء البارد جبهتي المعروقة ، وظلت أجفاني مطبقة ، فيما كنت أنسحب تدريجيا إلى منطقة الوعي ، والفجر القادم ينثر بذور يوم كوني جديد على وجه الأرض ، شعرت ولأول مرة ومنذ شهور بملامسة الهواء البارد لساقي العاجزتين وكان ثمة دبيب يسري من أسفل حوضي حتى أصابع أقدامي ، اعتقدت أن هناك جيوشاً من النمل تغزو جسدي وتنهش لحمي ، كنت على وشك الصراخ حين اكتشفت أن بوسعي أن أحرك أصابع أقدامي .

 

ـــــ تمت ـــــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مشهد داخلي

غيب التراب المتراكم فوق الأمتعة والصناديق ملامحها ، احتاج لبعض الوقت كي يتبين من تلك الأكوام المكدسة على رصيف المحطة ما يخصه ، لم يكن يتصور إن الشحنة بهذا الحجم ، كان عمال السكك وبعض المسافرين ينقلون بضاعتهم ثم ينسلون في عتمة الليل المثقلة بالغبار. تحركت القاطرة ببطء ، انزلقت عجلاتها الشائخة على القضبان بضع مرات قبل أن يستقيم سيرها ، ثم التهمت الظلمة المغبرة ضوء العربة الأخيرة ، كان وحيدا ومتعباً ومقذوفاً في مكان نائي ، وقبل أن يلقي بنفسه على مصطبة الانتظار الخشبية شعر إنه منفتح أكثر من أي وقت مضى لاستقبال تلك المنغصات المزعجة من الحيرة والتوحد والعجز ...

انحسر ظل العمود الأسمنتي الضخم الذي يسند مسقفات البناية عن وجهه ، وحين مسه ضوء النهار الصيفي شعر أن ألواح المصطبة الرفيعة حفرت خطوطا عميقة تمتد من عجيزته حتى كتفيه ، ارتعب حين اكتشف اختفاء حاجياته ، كان الرصيف خاويا  إلا من عربة صغيرة تقبع في طرف المحطة ، ومن بين أشجار الدفلى خرج أحدهم ملوحاً ثم أشار إلى سطح العربة ، كانت الشحنة قد صفت بعناية ، اقترب من الرجل دون أن يقول شيئاً ، كان فمه جافاً  ورائحة الغبار المتراكم فوق رأسه وملابسه تفاقم ضيقه ...

مد الرجل كفا ضخمة للمصافحة ‘ فغابت يده الصغيرة في باطنها الخشن وشعر بعنف الهزة وهي تستفز عضلاته المتراخية ، ثم ابتسم بوجهه في اللحظة التي تدلت فيها يده مثل بندول كبير...

- : عليك أن تزيل هذا الغبار العالق فيك ، مظهرك مهم في اليوم الأول .

- : أنا طبيب ...

- : لن ينازعك أحد على هذا اللقب !

أنحنى على حوض المياه الأسمنتي ليغتسل ، سقط ظل الرجل الضخم على سطح الماء فغابت عن نظره الشوائب المترسبة في القعر ، كان ينتصب خلفه مثل حارس شخصي يقظ وحين شعر بوجوده ، رغب بمعرفة  أحوال المدينة ...

- : إنها اكبر من قرية وأصغر من مدينة ، وشأن العديد من المدن فأن انسلاخ جلدها القديم يتم ببطء شديد .

شعر بتحسن بعد الاغتسال ، حين نفض الغبار العالق عن ملابسه ورتب ربطة عنقه ثم وضع السترة على كتفيه وواجه الرجل مبتسماً...

- : شكراً لمساعدتكم . ..

- : لست من هذه المدينة ، لكن حين تنازعوا على إحضارك الى هنا استعانوا بشخص من خارجها !

- :  أنت خارج النزاع إذن !

- : لا اعرف بالضبط ، أحينا أضع قدماً هنا وقدماً هناك ... دعك من كل هذا علينا أن نسرع فأمامنا طريق ترابي طويل ، اصعد بسرعة ولا تحملق بهذا البغل ، بوسعه أن يحتمل ثقلنا ، ولولا عناده لا صبح أفضل هجين حصلنا عليه ...

انحدرت العربة بسرعة من مرتفع المحطة ، كانت المسافة والطيات الأرضية تحجب المدينة عن نظره ، ثم سيطرة فكرة الخلاف على ذهنه وكان يتساءل دون أن يفصح للرجل علام يختلف الناس في هذه المدن المنسلة من باطن القرى...

منذ البدء كانت بناية الشرطة تتسع بشكل لافت ، وتضاف إليها في كل مرة أجنحة جديدة ، حتى العاملين فيها كانوا أحيانا يضيعون في متاهة الغرف والطوابق والممرات المضاءة والمعتمة ، وخيل لبعض الناس ، وهم ينصتون بفضول لتلك الأصوات الغربية والمتوجعة في أخر الليل إن ثمة أشباحا تعتكف في ذلك المكان ، ومقابل هذا الاتساع كان التقادم يفرض نفسه على بناية البلدية ، حيث تسربت الرطوبة إلى كل مكان فأنحشر الموظفون في بضع غرف فيما هجرت الأخريات بسبب انهيار سقوفها أو تلف أرضيتها ، ورغم مطالب بعض الوجهاء الخجولة والمترددة والتي كانت تواجه بالإهمال والتسويف في أكثر الأحيان فأن الحياة فيها راحت تشحب وتذوي وكأنها تتنفس برئة واحدة ، وحين ارتفع منسوب المياه وفاض النهر واغرق بنايات الحكومة المطلة على الضفاف ، فضل الناس أن تكون سطوح بيوتهم أماكن يستطلعون منها وضوح مشهد الفيضان الكبير ومياهه المندفعة بسرعة وهي تجرف معها الأضابير وأثاث الدوائر الحكومية ورجال الشرطة وهم يكافحون الغرق بالتشبث بقطع الخشب والبراميل الطافية ...

ظل تراب الطريق يخفي المطبات الصغيرة فتنتفض العربة وتتأرجح ، وكان ذلك يسبب له ألما في عجيزته المستقرة على خشب صلب ، لكنه كان ينظر بإعجاب لذلك الحيوان وهو ينتزع العجلات من الحفر الصغيرة ، إذ راح يستثمر كل عضلاته خافضاً رأسه نحو الأرض مولجاً قائمتيه الأماميتين فيها كي يديم زخم اندفاعه نحو المدينة التي لم تظهر مشارفها بعد ...

- : لاشك إنك جائع ، لفة الجبن والخبز هذه لن تصيبك بأي مرض ...

تناول القطعة من الرجل ومضى يمضغ طعامه على مهل ، لكن فكرة النزاع لم تغب عن ذهنه ..

- : ما أصل النزاع إذن ؟ !

- : إنها توابع الفيضان الكبير ، حين ابتلعت الدوامات الضخمة كل شيء ، تعثرت القواعد فابتكر الناس قوانينهم الخاصة ، وصارت الأشياء والإمكان تحمل أسماءًً ورموزاً مختلفة ، ستكتشف إن الحزن يعرش في باحات البيوت ويتدلى من شناشيلها ليلتحم مع صمت الساحات والأزقة المقفرة ، هو من ذلك النوع الذي يشتت الأمل وينتج فيضاً من كآبة لا تحتمل ، بوسعك أن تقرأ ذلك في الملامح المتجهمة التي تصادفك أينما حللت ...

- : إنه أمر سيء ولكن ليس بالخطير .

- : لقد انحدرت الأمور ، إذ يتفاقم الانشطار وتتغذى خلاياه من ورم الاحتقان ، وأصبحت الريبة متوطنة مثل مرض مزمن ، إنهم يختلفون حتى في أحقية عبور الجسر الوحيد وتسميته ...

- : أذكر في الماضي إنهم اتفقوا على تسمية جسر ما ...

- : آه ... ذلك الماضي كان يختزن الوجع والحكمة في إناء واحد!!

- : كم أنت تعس !؟

- : أنا قلق وأتفصد خوفاً في بعض الأحيان !!

شغل نفسه لبعض الوقت بمراقبة الأراضي الشاسعة التي استوطنتها نباتات الشوك والعاقول ، لم يكن ثمة رعاة في الجوار، كانت الأرض التي ابيض وجهها تنفتح أمامه من كل الجهات ، وكان ذلك المشهد يراكم حزناً جديداً ينمو فوق تلك المخاوف التي أيقظها الرجل ، لم يكن التراجع ممكننا فنظام التدرج الطبي يبدأ من القرى والمدن الصغيرة وأن عليه أن يبدأ من هذا المكان ، وأن بضع خطوات صحيحة وواثقة هي كل ما يحتاجه ، وربما كان هذا الاستنتاج قد حسم تردده وجعله يشعر بامتلاكه الإرادة الكافية لانجاز عمله كطبيب معالج ، سيكون فوق نزاعاتهم ، سيجد حتما من يصغي إليه ويلتحم بصداقات جديدة تجعل الحياة ممكنة ، وتمنى أن تنفذ هذه الرؤى إلى عروق معرفته ليضيء هذا المشهد الداخلي المعتم ورغب أن يكون ذلك خطوة وليست فكرة استلهمها من وعورة الطريق ...

- : ستحتاج لبعض الوقت حتى تنجح ، سيقبلك البعض ويرتاب منك الآخرون ، مهنيتك العالية التي لا تضع فواصل بينهم سترجح كفة قبولك ، لا تتوقف عند بوابات الماضي فما زال البعض ينشر كراهيته هناك ..

لم يكن ثمة ما يمنع الشمس من الوصول إلى رأسه المكشوف ، كانت حرارتها المسلطة تشعره بالضيق وتجعل مسامات جبهته وصدغيه تنزان عرقا ينحدر نحو عنقه فتقززه رطوبة ياقة القميص ورائحة أبطيه وتتمنى أن تندفع العربة بشكل أسرع ليحتويه أي مكان ظليل وبارد ليستريح ثم ينشر أشرعته عمله البيضاء ...

- : نحن نقترب ، نصف ساعة أخرى لا غير  .

توقفت العربة قليلا عند مدخل المدينة تفحص الرجل ملياً بعض وجوه المتسكعين والباعة المتطلعين بفضول نحو الأمتعة والرجل الغريب ...

- : إنه الطبيب الجديد وهذه أدوية المستوصف ، ستتعفن جروحكم بدونه ...

تقدمت العربة على مهل نحو بناية المشفى ، كان الحيوان ينقل قوائمه بحذر شديد على الطريق المعبد ومضى إيقاع سيره يجتذب عدداً من الصغار الذين استهوتهم رتابة تلك الضربات ، فيما ظل احدهم يتابع سير العربة الحذر ويفكر : من سيفجر هذا الرأس أولا ... ؟                           

ــــــــــــ تمت ـــــــــــ

 

مُخيلة الربيع

 

 في مطلع آذار ، يخبأ الثلج المعتكف في الوديان المظلمة والعميقة برودته الباعثة على القشعريرة ، ربما يحترز لموسم أقل برودة ، لكن الريح المحتبسة في المناطق الدافئة ، تحمل ما أمكنها من برد الوديان والقمم فتلامس كل شيء في السهل الممتد قبالة الجبال ، تصطدم طلائعها بجدار الأشجار المتشابكة في مدخل السهل ، ثم تنفتح على الأدغال والشجيرات الصغيرة التي قوضها البرد ، وتعرج على القرى والقصبات المنثورة مثل وشم شاحب على وجه الأرض ...

تدخل بيتنا ، حيث أنتظر في الباحة الكبيرة ، أنصت لهدير محرك السيارة التي تقله كل يوم ، أفزع أحيانا حين يكون مقعده في مقدمة السيارة شاغراً ، لكنه يفاجئني عندما أجده في المقعد الخلفي ، يعرف إنني أطل كل يوم من سياج البيت الواطئ ، يراني ويبتسم ، يضع إصبعين على فمه ويرسل لي قبلة في غفلة عن السائق ، أرتعش خلف السياج حين يختطف نظرة مني قبل دخوله بناية المدرسة ، الريح الباردة تُثلج  وجهي لكن داخلي يهدر، أكاد أختنق ، افتح صدر ثوبي الواسع أفتح كوة للريح كي تطفأ تلك الانفعالات التي لا تكف عن إثارتي ، لكن صوت جدتي أبدا يأتي مثل نذر غامضة وطاعنة في السن مثلها ، فأختطف بضع قطع من الخشب واعدوا صوب غرفتنا حيث يختلط بخار الماء المنبعث من ( السماور ) برائحة الجبن والصوف المخزن في الأكياس ...

- : إنها حماقة ، لا فائدة من اللهاث خلف هذا الحَضري ...

ارسم في كراس صغير إشارات سرية : شفتين صغيرتين اكتب تحتهما الرقم عشرين ، قبلة اليوم هي العشرين!! ، لكنها لم تكن كذلك فعلا ، لكنني أحينا وليس دائما أتخفى في ظل تهويماتي ، نحن لم نتحدث بعد ، لم يمسك بيدي ، لم نتبادل كلمة واحدة ومع ذلك كنت أختض عندما أفكر بأن شخص ما سيفكك في يوم ما حياتي السرية هذه ، جدتي لا تجيد القراءة ، فمن يقلب شفراتي السرية هذه غير مخاوفي ، هي لا يمكن أن تكون غير العدوى، جدتي هي التي أصابتني بموروث هلعها ...

لم يعد الشاي ساخناً ، تمضغ جدتي طعامها على مهل ، بصرها الكليل لا يطال سطور كراسي ، أسخن الشاي مجددا ، أشعر بالبرد واقترب كثيرا من السماور، افتح ساقي المقرورتين ، أكاد أحتضنه ، فتنهرني :

- : عيب يا بنت تكاد النار تلتهم ما بين فخذيك..!

أضحك من أعماقي ، استلقي على قفاي من الضحك ، تضحك هي أيضا ، ثم أضع رأسي في حجرها ، أصمت قليلا ثم تنساب دموعي ، هي تدرك من استكانتي في حجرها إنني أبكي ، تتقصى منابع  وجعي المنسفحة على خدي، تجففهما بأصابعها الرقيقة لكنها لا تفعل أكثر من ذلك ، حتى إنها لا تسألني لم أبكي ، حتى لو فعلت ذلك فانا  لا أعرف حقاً لم أبكي ...

لو قدر لهذا الدفء أن يستمر فسوف تنهض الأعشاب باكرا ، ستكتسح الخضرة كل هذا السهل الشاسع  وستظهر زهور كثيرة لا أعرف كل أسماءها، وسيأتي الرعاة من كل مكان سنسمع صوت أغانيهم وناياتهم في النهار ونباح كلابهم عند الغروب وهي تحذر الذئاب المتربصة في الجوار وربما سأحظى بفرصة مرافقة أبناء أخوالي حين يقودون قطعانهم صوب المراعي القريبة من الجبل لكن ذلك ربما لن يحصل..

- : طبعا لن يحصل وأنت بمثل هذا السن ...

- : حقاً ولماذا ؟

- : هكذا..!

لكنني أعرف لم لا يصطحبون الفتيات مثلي ، كنت أخمن بعض الأشياء ، لكن صاحبتي  أخبرتني  وربما لا يكون ذلك صحيحاً ، هي تكبرني بعامين لكنها تعرف أشياء كثيرة ، جدتي لا تحبها بالرغم من أنها غالبا ما تساعدني في كنس البيت ونشر الفراش في الأيام المشمسة ...

تتسلل الريح من أسفل فتحة الباب ، تتململ جدتي من ضغط رأسي على حجرها ، أعتدل ، أتطلع إليها : تنسدل أجفانها وتنفتح ، أقودها إلى فراشها القريب ، أغطيها باللحاف الصوفي لكنها تدفعه متذمرة ، أعود لمكاني عند السماور أقترب منه لكني لا أشعر بالدفء ، أفتح باب الموقد الحديدي الذي يتوسط الغرفة ، لا أجد غير بضع جمرات ذاوية أضيف إليهما بضعة قطع من الخشب الجاف ، وأنفخ ، أستمر بالنفخ حتى تنال الجمرات من الخشب ثم أغلق الباب الصغير، يغمر الدفء  الغرفة ، تتراخى كل عضلة في جسمي يكاد النوم يسحبني الى مجاهله ، لكنني أنتظر صوت السيارة وهي تعود به ، انتظر أن تصحو جدتي لأخبرها إنني أعرف لماذا لا يصطحبونني معهم ذلك لأنهم لا يريدون أن أرى ما يفعلونه في الخلوات ، لكنني أعرف أشياء كثيرة ، صوراً ترفدني بها مخيلتي ويرتعش لها جسدي... أعرف لوحدي .

 

ــــــــــ تـمـت ـــــــــ

                                                                     

 

 

 

 

 

                                  ما بعد الهطول

تزاحمت الغيوم فوقنا ، كتلاً سوداء متراصة ، ظلت تتجمع لأيام حتى حجبت ضوء الشمس خيل إلينا إن قدراً متعسفاً كان يلملم غيم الممالك والمدن النائية ويدفعه باتجاه مدينتنا ، ووسط ذعرنا بدت تلك الغيوم مثل وحوش ضالة عملاقة ستهبط فوق أرضنا وتلتهم كل شيء ، قبل الهطول العظيم انتقلنا إلى المرتفعات القريبة لذنا بالمغارات والكهوف ، زاحمنا الثعالب والذئاب أوجارها ، كانت خائفة ومرتبكة أكثر منا ، تتكوم بصمت في الزوايا كائنات سوداء منكسرة تئن بخفوت ولاشيء يشعرك بوجودها ووحشيتها المروضة بوجودنا الكثيف سوى بريق عيونها وصوت تنفسها الخفيض .

أجسادنا الصغيرة والهزيلة تواءمت مع المكان اعتادت صلابة أرضه والفت لسع حشراته ، جعلنا ( صارم الأحدب ) في مؤخرة المغارة هيأنا له أفضل فراش ممكن كان اكبر سلالة الأحدب سناً وأعظمهم حدبة وشأناً ، اعتاد ومنذ أن ازدحمت السماء بالغيوم أن يشعل قنديله مرتين ، لم يكن يقرأ في صحائف كتبه ، أو يفتت الملل بشحذ خنجره كما كان يفعل ، ولم تكن به حاجة للبحث عن طعامه كان بوسعه إن يمد يده لصحن الخبز الجاف المنقوع باللبن الرائب والذي كان يوضع أمامه بانتظام ، لكنه كان ينثر وجوده وثقل هيبته في نفوسنا المشككة بتوقعاته وأفول أيامه .

بانتظار المطر كان البرق يكسر حدة العتمة المتراصة في باطن ملاذنا الجديد ، فتفصح انكسارات الضوء الأبيض عن حجم الهلع المهيمن على اللائذين بالمغاور حيث لا تكف عيونهم القلقة عن الدوران في محاجرها ، وتتعطل حركة أطرافهم حين يلفها خدر الخوف ويشحب الصغار وتزرق وجوههم وهم يعتصرون أخر القطرات أثداء الأمهات الذابلة ، ثم تفاجئهم  ومضة خاطفة من نور يتسلح ببريق فضي يستفز الحياة الكامدة التي تجفل مذعورة حين يتبعه صوت الرعد المتضخم .

اسأل نفسي أولا ثم أحيل سؤالي إلى عارف الأحدب ، اسأله ما لذي يسكن فينا ؟ ، لكنه يعيد صياغة عجزي : بأي جزء .. ؟  هكذا هو ينتج شكوكه ومخاوفه دون أية إضاءة ، فتهبط دلاء الأسئلة إلى بئر روحي اسمع صوت ارتطامها بحجر القاع ، تخرج وقد حافظت بإباء على عذرية خوائها ، يهمس عارف الأحدب في أذني : لاشيء غير الخوف . ومع ذلك كنت قريبا من عارف الهث خلف نثار أحلامه التي يسربها إلى مخيلتي ومع إنها كانت تبدو لي مثل سراب مخادع إلا إنني كنت اختزن البعض منها ، احتفظ بها لنفسي ، أحاورها سرا وأنا أضع رأسي على الوسادة لكن ذلك كان يشعرني على الدوام بأنني كائن وحيد وحيد جدا...

يوقد ( صارم الأحدب ) قنديله ، لم تعد عيناه قادرتان على التبحر في وجوهنا ، كانت الظلمة أكثف من أن تخترقها مجساته . لماذا راودتني في تلك الساعة فكرة أن مخاوفنا تكبر وتمسك بتلابيب أروحنا كلما تقدم العمر بصارم الأحدب ، أيصح إن لهذا الرجل القدرة على جعل مخاوفنا معتقة مثل خمر المعابد القديمة تجتذب رائحتها مدمني الخمور الرخيصة ، يضج رأسي بالأصوات وأشم الكثير من الروائح ، اجهل معظمهما ، لكني أميز رائحة الكافور وهي تنتشر في المكان ، أتطلع إلى ( صارم الأحدب ) وهو نصف عار ، شحة الماء هي التي جعلت حاشيته الصغيرة تمسح جسده بالماء المخلوط بزيت الكافور ، كان الاستحمام العلني مرتجلا ويفتقد للمعنى رغم الإيماءات والحركات المرتبكة والفجة التي أريد لها تبدو مثل طقس بالغ القداسة يحتفي بقوة خالدة ، لكن أفضل ما في ذلك المشهد هو حدبته العظيمة ، كانت كتلة من العظم نمت على لوح الكتفين وقد كستها طبقة سميكة من الشحم واللحم أصاب اليباس قمتها فتصلبت وبدت مثل قرن ينبت بين كتفيه تلك هي المرة الأولى التي يكشف فيها عن هيأة حدبته وقدر لذلك المشهد أن ينفتح على جدل خافت لا يتوقف ...

- : انه يشيخ ، هل رأيت تقرن حدبته وتقشر جلدها ؟ لن يصمد ..!!

- : إنها علامات نضجه ، لقد صمد بوجه أكثر من عاصفة ، يحاولون إفزاعه ، صارت أضاحيه وتقدماته  لا ترضي أحداً ، اتهم يطلبون المزيد .

طالما ناقشنا سراً فيما إذا كانت كرات العظام الملتصقة بأكتافنا هي علة نتوارثها جيلا بعد جيل ، أم إنها محض تشوه عارض أملته سنوات قهرنا ، ربما كانت كذلك لأننا لم نكن نرغب بالتطلع إلى ما يدور حولنا ، استلبت آخر ومضات الشجاعة في صدورنا صرنا نتطلع نحو الأرض خافضين بصرنا ، فزعين من نظرات العسس وافتراءات البصاصين وحكايات الجب الكبير المخيفة ، فأصبحت إرادتنا لينة ومطاوعة لرغبات ( صارم الأحدب ) كنا نتبعه كظله في كل غزواته ونحتفل بنجاته من الجدري كل عام ، تلد نساءنا أطفالا أصحاء لكننا نجبرهم على أن يلتحقوا بركب مذلتنا ، نأمرهم بخفض رؤوسهم , وأن لا يثقوا بأحلامهم ، أقنعناهم إن تلك الأحلام ليست سوى هبة إلهية صغيرة للتسرية ، وهي مثل ريح الفجر الباردة أيام القيض سرعان ما تزول حين تستعيد الشمس سيادتها على النهارات الصيفية اللاهبة ، ونحن أول من فسر الأحلام المنطوية على النبوءات والنذر بعبارة واحدة كانت تختزل كل التباسات الحلم المعقدة بقولنا : " انه مجرد حلم لقد كانت مؤخرتك مكشوفة !! " ولهذا فقد بقينا في وضع

الانحناء أكثر مما يجب فتقوست عظام أكتافنا ونبتت فيها حدبات صغيرة جعلت رؤوسنا تنخفض عن خط الأفق ببضع درجات ، فيما تبدو ظلالنا على الجدران ونحن نسير في طوابير وكأننا علامات استفهام تلهث الواحدة خلف الأخرى ...  

 قبل أن تتلبد السماء بالغيوم أطلق صارم الأحدب مقولته الشهيرة :

- : ستضطرب الأرض وتحتجب الشمس خلف الغيوم لأيام وسيهطل مطر عظيم ، لكننا سننجو لن تزال حدبة واحدة من ظهوركم المقوسة وسنظل هكذا أبدا نحمل حدب الأجداد المهيبة ، إن زوال المُلك محض خرافة ..!!

ينقل السعاة وتجار الصوف والأقطان أخبار الفارين من أبناء جلدتنا وأحوال الحواضر التي احتضنتهم أهرع إلى بيت عارف الأحدب ، مترعاً بتلك الأخيلة الباهرة ، مدن مثل بلدات الملائكة المترفة ، أجساد طويلة ومتناسقة  تنقل أقدامها حيثما تشاء ، رؤوس حية ويقظة يحق لها أن تصرخ بصوت عال او خفيض متى رغبت ، إنها تتعثر بفرط حريتها يا عارف !!

- : أجل ، لكنهم بتروا حدبهم , انتظروا حتى نمت أجنحتهم ، تخبطوا في طيرانهم الأول ثم حلقوا كما يجب ، كان ذلك مُكلفاً أيضا ...

- : هرسنا اليأس يا عارف ، تمور أغانينا بالحزن ونتسلى بقصائد الهجاء السرية ، جد لي آلهة تبذر بركتها في ارضي قبل أن يتلفها السباخ .

- : سيكون ذلك باهظا وشديد الوجع ..

- : ما العمل يا عارف ؟!                                              

 

ابتدأ الهطول ، أفرغت السماء كل خزينها حبالا غليظة من الماء تضرب كل ما تحتها ، تشق جلد الأرض تحفر أخاديداً بالغة العمق يهدر الماء فيها ، تذوب قشرة التلال تتعرى ثم تنزلق تربتها وصخورها نحو المنخفضات ، تشتبك بالأشجار المقتلعة من وجذورها ، تصنع سدا صغيرا في أسفل الوادي ، تصطدم به طلائع الماء المنحدر وتتشكل الدوامات أقماع طويلة وعملاقة تدور حول نفسها ، ثم تديم السيول وشأبيب المطر زخم الماء المحتجز فيرتفع منسوبه يعلو فوق السد العفوي الصغير ويجتاحه مدويا .

لم نكن ننام كنا نراقب ذلك وننتقل من مكان لأخر داخل الكهوف والمغاور التي احتجزنا أنفسنا فيها متجنبين المواضع التي ينضح من سقوفها الماء ، تغيرت عادات صارم الأحدب ، لم يعد يضيء قنديله ، كان ينتقل من مكان لأخر خشية أن تصيبه الصواعق وينوشه البلل ، حتى ضاع أثره وانقطعت أخباره ، بغيابه صارت أصوتنا ترتفع قليلا ، يسخر اليافعين من حدبته الضخمة ، يغيرون على ماضيه ويلعنون شعراءه ومغنيه ، لكننا نحن الأكبر سنا والأشد وهناً ، كنا نلعنه بصمت وحين يرفع احدهم صوته كنا نشغل أنفسنا بأي حديث ...

خفت حدة المطر بعد أسابيع ، أمكننا أن نلحظ حجم الكارثة عبر كوى النور الهابط من قلب الغيم الأسود ، كنا نتطلع إلى ارض نجهلها ، تغيرت الدروب وغابت ملامحها وشقت الأنهار والجداول لنفسها طرقاً جديدة ، سويت المرتفعات القديمة وظهرت جزر صغيرة وسط بحيرات الماء الهائلة ، كنا ننتظر الشمس ونحن نتسلى بالإشاعات التي يطلقها البعض عن مصير الأحدب الكبير ، ونبحر في رؤى عارف الغامضة ...

- : سيكون لنا نور مختلف ، سيعشينا أول الأمر فنتعثر بظلالنا ، ونصطدم ببعضنا ، قد يطول الأمر ، ربما لأننا اعتدنا أن نلوذ مستسلمين بالمركز ، ببؤرة الخوف التي امتصت إرادتنا ، حتى صرنا لا نعرف من نكون !!

من مكان ما جاء صوت احدهم محملا بالكثير من السخرية والغضب ...

- : ستغرقنا ببحر حكمتك يا عارف !! إن ما نحتاجه حقاً هو إزاحة كل عتيق ، هذا إذا تمكنا من الصمود ..

بعد أسابيع انحدرنا مع أول الضوء ، كانت الأرض ما تزال رخوة وزلقة ولا احد يستطيع أن يضع قدمه في الموضع الصحيح ، عندما تتغير ملامح الأرض وتضيع نياسمها ودروبها المألوفة يصبح كل شيء غامضا ، تشعر انك لا تسير بديارك ، تضطرب حواسك وينقصك حس التمييز ، يشعر البعض بذلك توا فيما يسير الآخرين مذهولين معتمدين على خطى من سبقهم ، لكنك أبدا ملتصق بالبقعة ذاتها تكتوي بهجيرها وتلهث تحت قبتها .

سبقني الآخرون ، لم يحصل ذلك لان حدبتي اكبر من المعتاد ، كانت صغيرة وذاوية وأقل شأنا من حدب الآخرين ، لكني كنت أجاري عارف الأحدب ولا ارغب بتجاوزه ، ليس فقط لكبر سنه لكنه كان يغذي بقعة الأمل الضامرة في داخلي ويبدد هيمنة الاكتئاب التي تلبست روحي ، ومع ذلك فلم استطع أن امنع نفسي من حثه على المسير ...

- : سيضيع صوتي وسط ضجيجهم ، لقد أعانوهم على كسر خوفهم ، وسيندفعون خلف رغباتهم دون قيود ، الآن ليس هناك ما هو أكثر هشاشة من الصوت العاقل ، انه ارخص السلع على الإطلاق !!

 

لم نستطع أن نتخلص من تلك الحدب اللعينة التي تتربع فوق أكتافنا ، وقفنا في طوابير طويلة أمام دكاكين العشابين أملين أن تزيل وصفاتهم الجديدة هذه الكتل البشعة ، كنا نمسحها بالزيت ونعرضها للشمس كل يوم حتى أصاب الجفاف جلودنا ، وحين تكسرنا الخيبة نجرب مرهما أخر ، ويبدو إنها لن تزول أو تضمر قبل أن نتمكن من إماتة جذورها المعرشة في صدورنا وعقولنا مادامت تديم وجودها من حواضن الشك والخوف اللابدة في أعماقنا ، لكن ذلك لن يحدث قبل أن نستعير براءة الصوفي ونقاء مراده ... 

انحسرت أحلام عارف ، وراجت الأحلام المرعبة المستوردة من غرب البلاد على ظهور الإبل وتفاقمت الأمور في شرقها المتحفز للوثوب ، جفت البحيرات والمستنقعات الكبيرة ، لكنها خلفت وديانا وأخاديد عميقة وموحشة يصعب ردمها  أو اجتيازها ، ثم فصلتنا عن بعضنا بالتدريج دون أن ننتبه أو نفكر بردم تلك المواضع أو تجسيرها ربما لأننا لم نستوعب ما حدث، كان المطر بالنسبة لنا قرينا بربيع باذخ الجمال والخصب ، وبتكرار السنن الحتمية التي تقشر جلد الشتاء وتدحر صقيع أيامه ، لكن الهطول كان أقوى بكثير من توقعات ( صارم الأحدب ) وابعد من أن تطاله رؤى عارف ، ولم يكن أمامنا العديد من الخيارات ، سوى أن نتقبل ما حصل وأن نفكك بصبر عقد ما بعد الهطول ، حتى نحلق كما يجب أو نندثر. 

 

ـــــــــ تمت ــــــــ