الشاعر
فؤاد جواد
Fuad Jawad
Fuadjawad@aol.com
بغدادُ حسنُكِ فاقََ كلَّ بيانِ وفَصاحَةَ
الشعراءِ كُلَّ لِسانِ
بغدادُ يا قيثارةً عَزَفَتْ لنا لَحناًً
كربعِكِ زاهيَ الألوان
بغدادُ يا إسماً يَهزُّ كياننا هَزَّ
النَّسائمِ وارِفَ الأغصان
بغداد لم يُخْلَقْ نظيرُكِ دُرَّة كيتيمة
الدَّهرِ من الدَّيّان
بغداد سيمفونية الخُلْدِ لنا يا
قِبْلةََ الدُّنيا لِكُلِّ زمان
إني نقشتكِ فوق كل خليَّةٍ ليُعينَ
لي قلبي على الخَفَقان
وطفقت ألثمُ كلَّ حرفٍ صُغْتُهُ لَثْمَ
الرِّضابِ لِصائمٍ ظمآن
ما غِبْتِ يوماً عن خيالي لحظةً كيفَ
الغيابُ وأنتِ لي شِرياني
قبلَ الوجودِ كنتُ في أحضانِكِ حتى
وُلِدْتُ فكنتِ في أحضاني
لي ذكرياتٌ فيكِ مثلُ بَتولَةٍ لم
أسلُها يوماً ولا تسلاني
كم ذكرياتٌ حلوةٌ لم أنْسَها بمطارح
العُشّاقِ لاتنساني
وهديلِ أسرابِ الحمائم في
الضُّحى تشدو بأشعارٍ لنا وأغان
في كلِّ زاويةٍ تَرينَ
صَبابَتي مرسومةً حُبّاًً على الجدران
ما إنْ حَضَرْتُ في الرّصافةِ
موعداًً حتى يكونَ بكرخِها لي ثانِ
حيثُ التَفَتُّ ألتقي بِمُخَلَّدٍ او
حورِ عينٍ أو بِسِرْبِ حِسان
وعلى ضِفافِكِ كمْ سهرتُ
ليالياً لأعودَ فجراً مُنْتَشٍ بأذان
وتَرِنُّ أجراس الكنائس في
الضحى لتُعانقَ الإيمانَ بالإيمان
فَهُنا أبو نَوّاسَ يتلو
شِعرَهُ وَهُنا امُّ كُلثومَ جَوى الآذان
بغداد هلاّ أخبروكِ بأنكِ صادرتِ
كلَّ محاسنِ البُلدان
كٌلُّ الفُصولِ في رِحابِكِ
جَنَّةٌ في الحَرِّ أو في القَرِّ أو نيسان
مَنْ ذا سَيَنسى مِنْ حُزَيرانَ
الذي أنفاسُ ليلهِ قُبْلةٌ بحنان
أمطارَ كانونَ التي عَزَفَتْ
لنا بِهُطولِها من أعْذَبِ الألحان
فإذا الدُّروبُ والأزقَّةُ
تختفي لِتَحُفَّ حول مواقِدِ النِّيران
حيثُ حَكايا الجنِّ مِنْ
جَدّاتِنا عن ألفِ ليلةَ وابْنةِ السُّلطان
فإذا بأجنحةِ الكَرى تَمضي بنا في
رحلةٍ لِبَراءةِ الصِّبيان
بغدادُ يا بدراًً يُنيرُ بخاطري
وضياءَ شمسٍ مُشْرِقٍ بجناني
طِبْتِ وطابَ العيشُِ في
أعطافِكِ لاعيشَ دونَكِ طابَ للإنسان
العُرْبُ والأكرادُ عاشا إخوةً في
وحدةٍ ومودةٍ وأمان
حتي غزانا الشِّمْرُ صَدّامُ
الرَّدى ورِفاقُهُ الأشرارُكالحيتان
فإذا به يمضي كوحشٍ هائجٍ نحو
الأشقاء أوالجيران
لا حُرمة أثنته عن عُدوانه كلاّ ولا
بمروءة الإنسان
كغمامة سوداء فوق رؤسنا ونذير شؤم
ليس بالحسبان
من ساقط أصلاً ومن متلون من مجرم
ومنافق و جبان
عاثوا فساداً في البلاد
تَجَبُّراً والرَّبعُ حولهمُ بلا وجدان
فوجدت دجلة ترتوي بدمائها وعيونها
جفَّت من الأحزان
لم يكتفوا بدمائنا ودمارِنا بل
أعقبتْ إجرامَهم حربان
وتكدَّستْ أشلاؤنا بمروجنا من نرجسٍ
او سوسن ٍ او بان
فهجرتُ قسراً والهمومُ حقائبي بعداً
عن الوحشِ الرهيبِ الجاني
أيّانَ رُحتُ لم أجدْ لي موطناً في
غيرِ أرضِكِ لم أجدْ عنواني
يبقى فراقكِ كُلّما عانيتُهُ ويزيد
بُعدُكِ كلَّما سأُعاني
اغتالوا علاءَ الدين كي يخلو
لهم مصباحُهُ السِّحريُّ للسَجّان
زُمَرُ الذئاب بعدهم برزوا لنا من كل
جُحرٍ أو من الحيطان
عاثوا فساداً في البلاد تصوروا لسنا
سوى بعضاً من القطعان
كم من غشومٍ باغتصابِكِ
طامعٌ بتراثكِ وبسحركِ الفتّانِ
حتى تصدى الخيِّرون لدَحرِهم والنصر
زانَ سواعِدَ الشجعان
فتراهُمُ وجيوشُهُمْ جرّارةٌ رُدُّوا
على أعقابهم بهوانِ
مازال عِطرُكِ مُنعشٌ أنفاسنا فإذا
غشيتُ عبيرُهُ أحياني
أمضيتُ فيكِ العمرَ عِزَّ زمانِهِ لم
أدرِِ أنه أسعدُ الأزمان
فإذا بطولِ سنينِهِ ومَراحِهِ يمضي
مُضِيَّ البرق مثل ثوان
دُرتُ بأرضِكِ هائماً بحبيبتي فتوقفت
أرضي عن الدَّوَران
وذَرَرْتُ حبّاتِ الفؤادِ
تُرابَها لم أُُبْقِِِ شيئاً غيرَ شِبهِ كيان
فإذا بكلِّ حُبَيبَةٍ ألقيتُها عادت
إليَّ حَبيبَةً تهواني
لكن رحلتُ عن ديارِكِ مُكرَهاً لبناء
دارٍٍ هاريَ البُنيانِ
وسكنتها مُتَجَرِّعاً ظُلُماتِها مثل
الغريقِ بلُجَّةِ الطُوفان
إن غابَ مَرءٌ عن تُخومِ ديارِهِ قد
غابَ جوفَ غياهِبِ النسيان
ضَجَّ الحنينُ إلى مرابِعِ حَيِّنا فَوَجَدتُني
شيخاً وراحَ أواني
لكنني مازلتُ أحلمُ طائراً لأَحُطَّ
فوقَ شفايفَ الشُطآن
فتعود أيامي إلى أيامِها وتسيرُ
أعوامي بعَكسِ زماني
اشتَقتُ لدجلَةَ والفُراتَ كانَّني طفلٌ
رَضيعٌ عافَهُ الأبوان
لكنَّ بي أملٌ يشعُّ بخافِقي سيكونُ
للأعراقِ شأنٌ ثانِ
إنَّ العراقَ كشعبِهِ ومناخه بُركانُ
خيرٍ ليس كالبركانِ
إن ثارَ هذا اليوم يَخمُدُ في غدٍ ليفيضَ
بالخيراتِ في الوديانِ
بغدادُ يا نَبضَ المروءةِ والهوى قلبي
وقلبكِ في الهوى سِيّانِ
لم ألقَ يوماً ما يروقُ لناظِِري فالبُعدُ
عن أنظارِكِ أعماني
مازلتُ أحلمُ في لِقاكِ مُعَزَّزاً ومُكَرَّماً
بالأهلِ والخِلاّن
أوصَيتُ أولادي إذا سَأَلوهُمُ يَوماً
بِفَخْرٍ قالوا من بغدانِ
فؤاد جواد