ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 09, 2010 11:14 PM

Detroit Michigan U.S

 

المجهول

حميد العقابي  

حميد العقابي

Hamid Aliqabi

aliqabi@hotmail.com

 

 

أكثر من خمس ساعات مضت ونحن محشورون في جوف السيارة القديمة التي كانت تخترق الصحراء الممتدة حتى الأفقين. توقفتْ أكثر من مرة لانفجارِ دولابٍ أو لارتفاعِ سخونة المحرك فكان المسافرون يترجلون وينتشرون بسرعةٍ على جانبي الطريق ويختفون خلف كثبان الرمل ثم يعودون وعلى وجوههم ابتسامات عريضة, بينما كنتُ أقف على حافة الطريق الإسفلتي الساخن مذهولاً وأنا أتطلع إلى امتداد الصحراء.

ما من أحد غريب في السيارة, لذا فقد انطلقتْ ألسنة عماتي وخالتي وزوجات أعمامي بأحاديثَ وهمساتٍ تتخللها ضحكات مكبوتة أدركتُ بالرغم من صغر سني بأنها تدور حول أمورٍ لها علاقة بحياتهن الزوجية, بينما كانت عمتي الصغيرة بدرية ذات النهدين الصلبين واللذين وجدا بسخونة الجو مبرراً لانفلاتهما لاهثين, تطق بعلكها وهي تتهامس مع زوجها الذي أحاط كتفيها بذراعه ضاغطاً صدرها على صدره المرتفع بزهو رجولةٍ قلقة. أكلوا وتقيأوا ثم أكلوا وتقيأوا ثانيةً. تشاجروا وتصالحوا وارتفعت ضحكاتهم لأمور لم أفهم منها شيئاً. ولأنها كانت رحلتي الأولى فقد كانت عيناي لا تستقران على نقطةٍ واحدة كأنهما تحاولان التهام المشهد كله.

فجأة عمّ صمتٌ وارتسمَ الخوف على وجوه الكبار الذين كانوا قبل لحظات يثرثرون ويضحكون كأنهم ماضون إلى عرس. شفاه بدأتْ ترتعش وهي تمتم بكلماتٍ لا أفهمها وعيون مشدودة باتجاه القبّة الذهبية التي لاحتْ من بعيد. شعرتُ بيدي أمي وهما ترتجفان وصدرها يرتفع وينخفض وحشرجات أسمع حركتها ما بين الصدر والحنجرة. توقفتْ بدرية عن الضحك وغطتْ صدرها بوشاحٍ أسود وابتعد زوجها عنها قليلاً جالساً بوقار. صمتٌ مخيف يخترقه إيقاع رتيب لطقات خرزات المسبحات في أكف الرجال, وزفرات طويلة مصحوبة بعبارات الاستغفار من ذنوبٍ لم أستطع تخمين طبيعتها.

" إذن لم تتبقَ إلا مسافة قصيرة ونصل إلى المجهول الغامض الذي ينتظرنا. "

لم أكن أعرف ماذا سينتظرنا في نهاية الرحلة, لكن التغيّر المفاجئ الذي طرأ على الجميع أوحى إلي بيقين بأنّ شيئاً لا يسرّ يقف على رصيف كراج السيارات بانتظارنا, لذا فأني كنتُ أتمنى أن يطول الطريق إلى ما لانهاية حتى لو كان الطريق متاهة في صحراء.

توقفتْ السيارة في كراج المدينة بعد أن اجتازت الطريق المحاذي للضريح بمنائره وقبته الذهبية. تطلعتُ من زجاج السيارة بحذر وخوف فرأيتُ الشارع مكتظاً بالناس المسرعين نحو المجهول الذي ينتظرهم والذي قضينا نصف نهارٍ من أجل الوصول إليه. ترجل أعمامي متلكئين بوضوح كأنهم مدفوعون بقوة مجهولة, ولكي يخفوا ارتباكهم ويُظهروا عكسَ ما يضمرون راحوا يحثّون نساءهم على الإسراع فتدافعن عند باب السيارة حريصاتٍ بمبالغةٍ واضحة على تغطية وجوههن ببراقعهن السوداء, مطيعات أوامر أزواجهن بعبودية مختارة.

توقف عمّي الكبير على حافة الرصيفِ المكتظ بالسابلة والعربات, رافعاً رأسه إلى الأعلى, متطلعاً إلى نقطةٍ بعيدة في الفضاء كأنه يختبر النوء أو يصغي إلى صوت قادمٍ من جهة مجهولة يعطيه الإشارة. تلفتَ يميناً وشمالاً ثم حثّ خطاه باتجاه الشمال دون أن يلتفت إلينا فسار الموكب خلفه, الرجال في المقدمة والنساء يتبعنهم دونما إرادة. تطلعتُ إلى السماء راجياً منها أن تُهدي عمّنا الكبير ليتخلى عن نيته, لكن أمي سحلتني من ذراعي بقوة كحملٍ حانت ساعة تقديمه قرباناً للإله المجهول الذي جئنا من أجله. افتعلتُ تعباً وألماً في قدمي لتأجيل النهاية إلا أن ذلك لم ينفع فقد ازداد إلحاح أمي وقوة قبضتها وهي تسحلني مسرعةً للحاق بالموكب.

بوابة حجرية كبيرة يقف عندها حارس ضخم الجثة وبلحيةٍ كثةٍ يغطيها تراب أصفر, يرتدي دشداشة وسخة أو بلون التراب وقد وضع طرفها في حزامه فظهرتْ إحدى ساقيه بعضلات مفتولة وأعصابٍ زرقاء بارزة. تحدثَ معه عمي بكلامٍ لم استطع التقاطه مما زاد من حيرتي. صرخ الحارسُ فهرع إليه صبي أملح الوجه وبعينين يسيل منهما رمص أصفر. أشار الحارس إلى جهة في عمق العالم المجهول فانطلق الصبي في الاتجاه مسرعاً يتبعه عمي الكبير والموكب.

" إذن هذه هي مقبرة النجف التي حدثونا عنها. "

رددتُ مع نفسي ورحتُ أسحل بقوة قدميّ اللتين انغرستا في رمال ساخنةٍ متحاشياً الوقوع في الحفر الكثيرة التي بدتْ لي كأنها أفواه جائعة أو فخاخ تترصد قدم الغافل لتنقضَّ عليه. قبور لا تعد كأفيالٍ حجرية مقطوعة الخراطيم, تمتد حتى الأفق المجهول, ولا يفصل بين قبر وقبر سوى مسافةٍ ضيقة لا تسع لمرور جسد إنسان. كان الصبي الدليل ينط فوق القبور متجهاً بخبرة عالية في اتجاه واضح على هذه الخريطة المبهمة, وكلما ازدادت المسافة بينه وبين الموكب امتطى ظهر أحد الأفيال وراح يلوح إلينا بذراعيه. توغلنا في عمق الوادي. بدا التعب واضحاً على النسوة فصرن يرتطمن ببعضهن, مترنحات من هول المشهد, يحاولن اللحاق بالرجال الذين سبقونا بعزيمة السائر إلى معركةٍ دون أن يلتفتوا إلى نسوتهم الخائفات. كانت أمي تردد كلمات لم أفهمها فيزداد ارتباكي ورغبتي في الهرب.

وأخيراً توقف الصبي وأشار بيدهِ إلى قبر قديم تآكلت شاهدته, فتوقف الجميع متسمرين بخشوع أمامَ الشاهدة التي استطعتُ تهجئة حروفها المكتوبة بخط رديء. لم تمضِ على وقوفنا سوى ثوانٍ قليلة, وبلحظةٍ متفقٍ عليها انفجرَ الجميعُ بالبكاء.

" كيفَ حدثَ هذا ؟ هل أنهم كانوا بانتظار هذي اللحظة ؟ هل استجمعوا كلّ أحزانهم السابقة ليفجروها في هذه اللحظة التي قطعوا المسافات للوصول إليها ؟ هل هم صادقون بأحزانهم ؟ وكيف هطلَ عليهم الحزن فجأة وكانوا قبل أقل من ساعةٍ يضحكون ويمزحون كأنهم لم يتذكروا الموت إلا في هذه اللحظة ؟ ..... "

كانت الأسئلةُ تتلاطم في رأسي الصغير. غطيتُ وجهي بكفيّ مفتعلاً البكاء, وبين لحظةٍ وأخرى كنت أتطلعُ من بين أصابعي لعلي أكتشفُ زيفَ مشاعرهم فأجد مبرراً لعدم شعوري بالحزن على هذا الجد المجهول.

وكما ابتدأ البكاء في لحظةٍ مقررةٍ سلفاً, توقف فجأةً وبإشارةٍ لا أعرف مصدرها. تمخط البعض بصوتٍ عالٍ وأشعلَ آخرون سجائرَ راحوا يمتصونها بعمق زافرين دخانها مصحوباً بحسراتٍ عميقة, بينما أزاحت النسوة نقابهن وهن يمسحن دموعهن, متمتمات بينهن بكلماتِ مودةٍ مفتعلة. خطا عمي الكبير بضع خطواتٍ مبتعداً عن قبر جدي. ارتفعتْ أنظار الآخرين تراقب خطواته حتى اختفى بين القبور, وحينما عاد كانت تلوح على وجهه ابتسامة عريضة ويداه تزرران فتحةَ بنطاله. تسلل الرجال في الاتجاه نفسه وعادوا وعلى وجوههم ابتسامة من تخلصَ من عبء ثقيل. ارتفعتْ ضحكة عمتي بدرية خجولة, وقد توقعتُ بأنها ستلاقي تأنيباً من الآخرين إلا أنها كانت جرساً يؤذن بانتهاء حصة درس الحزن والبكاء فارتفعت ضحكات أخرى, بينما تجمع الرجال في حلقةٍ وهم يتحدثون بشكلٍ يوحي بالمودةِ والألفة. أدركَ الصغار بفطرةٍ أن الرحلة نحو المجهول قد انتهتْ فرحنا نلعب وننطّ بين القبور, بل تجرأتُ وامتطيتُ ظهر جدي فارتفعت ضحكات الكبار وهم يرونني وقد شددتُ ساقيّ على الركابِ ماسكاً برأسِ النائم, ضارباً عجيزته بسوط الوهمِ لينطلق بي جامحاً, مجتازاً سورَ المقبرة, مخترقاً جدار الأفق المغبر برحلةٍ أخرى نحو مجهولٍ آخر.

توقفَ القطار في محطة كوبنهاكن الرئيسية وبدأ المسافرون بالمغادرة, غير أن تلكأتُ قليلاً خوفاً من المجهول الذي ينتظرني على رصيف المحطة. تقدمتْ مني فتاةٌ شقراء وضعتْ حقيبة كبيرة على ظهرها. أحنتْ قامتها الطويلة علي وهمستْ :

" هذه هي المحطة الأخيرة. "

هززتُ رأسي دون أن أجيبها فكررتْ كلامها وهي تشير بيديها ظناً منها بأني لا أفهم اللغة الدنماركية :

" هذه كوبنهاكن. القطار لن يتحرك أبعد من ذلك. "

وضعتُ الكتابَ في حقيبتي ونهضتُ متثاقلاً. تطلعتْ الفتاة إلي بشفقةٍ وسألتني بنيّةِ تقديم مساعدة لي :

" أين وجهتكَ ؟ "

فقلتُ :

" لا أدري. "

22/10/2006