ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 09, 2010 11:21 PM

Detroit Michigan U.S

 

 

 

صورة بنت المعيدي

 

  

 

 

قص : جبار ياسين

 

 

 

الى حسن المسعود

 

لزمن طويل الحت امي على اخي  كي يشتري الصورة . وفي تلك الظهيرة من آب دخل اخي الدار وتحت ذراعه اطار لم ير احد مايحتويه .  وضعه عند مدخل الغرفة الكبيرة  ومضى لينضو قميصه الراشح بالعرق .  خمنت امي الأمر فمضت نحو الأطار المركون الى الحائط الطيني.  قبل ان تمسه ظهراخي عاري الصدر واختطفه . ثم بحركة بهلوان  اداره نحونا .من بين الأطار وانعكاسات زجاجه بزغت صورة امرأة بيضاء تنظر الينا .

ـ بنت المعيدي ؟  صرخت أمي  واختطفت الصورة من أخي  وراحت تحدق بها بفرح وحزن معا، فبدا وجه أمي على وشك الأنفجار.

جاء ابي بعد ان ايقظه صراخنا من قيلولته .

ـ مالها بنت المعيدي ؟ سأل في اللحظة التي انتبه الى للصورة المعلقة بين ذراعي أمي .

حدق فيها و علائم السرور تغزو وجهه ببطء وكأنها ترسم ملامحه من جديد  بعد القيلولة .

ـ  يالله  قصتها قصة هذه المرأة ، الانكليزي محق والله فجمالها يفك المصلوب. ومضى يتفرس في الصورة ، كأنه يعاين وليدا خرج للعالم توا .

مضى أخي وعاد بشاكوش ومسمار كبير. راح يدق في الجدارن الطينية العارية الا من الشقوق .

ـ في الوسط حفظك الرحمن ، علقها في وسط الغرفة . قال ابي لأخي  وبصره يتنقل بين الحائط والصورة .

دق أخي مسماره  الذي نفذ سريعا في الطين . ثم اختطف الصورة  واطارها الأسود المذهب وعلقها هناك ، في وسط الحائط ، كأنها مركز بيتنا الجديد .

تراجعنا جميعا  ورحنا نحدق في صورة المرأة التي دخلت بيتنا منذ هنيهة .

كانت بيضاء متوردة الوجنتين ،وخصلات شعرها الفاحم تتهدل على كتفيها . فوق رأسها تاج صغير يجعلها ملكة الزمان . من عينيها اللتين تنظران نحونا، كما لو كانت تعرفنا منذ زمن طويل ، يتوهج بريق نجمتين  ينثال  بعص منه على العنق المحاط بقلادة من لؤلؤ.

مرت الظهيرة سريعا . في نهايتها اعدت أمي الشاي الذي شربناه في الغرفة بدل الحوش .  وابي طوال كل ذلك الوقت ينظر للمرأة التي احتلت الجدار.

في المساء جاءت الجارة ام علي . نظرت للصورة طويلا قبل ان تقول لأمي :كأنها حورية . ثم جلست قرب أمي عند مدخل الغرفة . كان ابي في مكانه وعينيه لاتبرحان الصورة الا اضطرارا . ثم وكأنه يرتل صلاة المساء بصوت مسموع راح يقص للجارة :

" كانت معيدية وابوها صاحب جواميس. ويوما رآها الانكليزي فهام بحبها ، عشقها حتى الموت ، ثم في يوم اختطفها من اهلها  وتزوجها بعد ان اخذها لبلاده وهناك رسمها . ولم يبق احد لم يسمع بجمالها  الذي صار مضرب المثل في بلاد الانكليز ، لكنها كانت تحن دائما الى اهلها ، ورائحة الجاموس التي تعودت عليها ، كانت تحن الى اهلها  وهي في بلاد الانكليز ، في الجنة ، مع الخدم والحشم لكنها كانت تحن الى اهلها ، كانت تحن يا ام علي ، تحن حتى مرضت  وحار الأطباء في علاجها ن حتى ماتت بعيدة عن اهلها ، في الغربة يا ام علي ، ماتت ولم يبق للأنكليزي الا صورتها ، هذه هي الصورة  يا ام علي ، هذه المعلقة على الحائط ، والميت بأرض الغير وحده يموت .... وحده لاحزن لا كفن   لا تابوت "

كان ابي يرتل وعيناه على الصورة ، عيناه المغرورقتان الآن بالدموع .

 

 

ايلول 1988

 

قصة منشورة في " وداعا ايها الطفل " الهيئة المصرية للكتاب