|

قص : جبار
ياسين
الى حسن المسعود
لزمن طويل
الحت امي على اخي كي يشتري الصورة . وفي تلك الظهيرة من آب دخل اخي
الدار وتحت ذراعه اطار لم ير احد مايحتويه . وضعه عند مدخل الغرفة
الكبيرة ومضى لينضو قميصه الراشح بالعرق . خمنت امي الأمر فمضت نحو
الأطار المركون الى الحائط الطيني. قبل ان تمسه ظهراخي عاري الصدر
واختطفه . ثم بحركة بهلوان اداره نحونا .من بين الأطار وانعكاسات
زجاجه بزغت صورة امرأة بيضاء تنظر الينا .
ـ بنت المعيدي
؟ صرخت أمي واختطفت الصورة من أخي وراحت تحدق بها بفرح وحزن معا،
فبدا وجه أمي على وشك الأنفجار.
جاء ابي بعد
ان ايقظه صراخنا من قيلولته .
ـ مالها بنت
المعيدي ؟ سأل في اللحظة التي انتبه الى للصورة المعلقة بين ذراعي أمي
.
حدق فيها و
علائم السرور تغزو وجهه ببطء وكأنها ترسم ملامحه من جديد بعد القيلولة
.
ـ يالله
قصتها قصة هذه المرأة ، الانكليزي محق والله فجمالها يفك المصلوب. ومضى
يتفرس في الصورة ، كأنه يعاين وليدا خرج للعالم توا .
مضى أخي وعاد
بشاكوش ومسمار كبير. راح يدق في الجدارن الطينية العارية الا من الشقوق
.
ـ في الوسط
حفظك الرحمن ، علقها في وسط الغرفة . قال ابي لأخي وبصره يتنقل بين
الحائط والصورة .
دق أخي
مسماره الذي نفذ سريعا في الطين . ثم اختطف الصورة واطارها الأسود
المذهب وعلقها هناك ، في وسط الحائط ، كأنها مركز بيتنا الجديد .
تراجعنا
جميعا ورحنا نحدق في صورة المرأة التي دخلت بيتنا منذ هنيهة .
كانت بيضاء
متوردة الوجنتين ،وخصلات شعرها الفاحم تتهدل على كتفيها . فوق رأسها
تاج صغير يجعلها ملكة الزمان . من عينيها اللتين تنظران نحونا، كما لو
كانت تعرفنا منذ زمن طويل ، يتوهج بريق نجمتين ينثال بعص منه على
العنق المحاط بقلادة من لؤلؤ.
مرت الظهيرة
سريعا . في نهايتها اعدت أمي الشاي الذي شربناه في الغرفة بدل الحوش .
وابي طوال كل ذلك الوقت ينظر للمرأة التي احتلت الجدار.
في المساء
جاءت الجارة ام علي . نظرت للصورة طويلا قبل ان تقول لأمي :كأنها حورية
. ثم جلست قرب أمي عند مدخل الغرفة . كان ابي في مكانه وعينيه لاتبرحان
الصورة الا اضطرارا . ثم وكأنه يرتل صلاة المساء بصوت مسموع راح يقص
للجارة :
" كانت معيدية
وابوها صاحب جواميس. ويوما رآها الانكليزي فهام بحبها ، عشقها حتى
الموت ، ثم في يوم اختطفها من اهلها وتزوجها بعد ان اخذها لبلاده
وهناك رسمها . ولم يبق احد لم يسمع بجمالها الذي صار مضرب المثل في
بلاد الانكليز ، لكنها كانت تحن دائما الى اهلها ، ورائحة الجاموس التي
تعودت عليها ، كانت تحن الى اهلها وهي في بلاد الانكليز ، في الجنة ،
مع الخدم والحشم لكنها كانت تحن الى اهلها ، كانت تحن يا ام علي ، تحن
حتى مرضت وحار الأطباء في علاجها ن حتى ماتت بعيدة عن اهلها ، في
الغربة يا ام علي ، ماتت ولم يبق للأنكليزي الا صورتها ، هذه هي
الصورة يا ام علي ، هذه المعلقة على الحائط ، والميت بأرض الغير وحده
يموت .... وحده لاحزن لا كفن لا تابوت "
كان ابي يرتل
وعيناه على الصورة ، عيناه المغرورقتان الآن بالدموع .
ايلول 1988
قصة منشورة في
" وداعا ايها الطفل " الهيئة المصرية للكتاب
|