|
 |
ثقافة وأدب
المواد ترسل الى
wwwiraqiwriter@yahoo.com
يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي
سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص
الثقافة والإبداع. |
موقع الكاتب العراقي
تأريخ النشر
June 08, 2010 09:41 AM
Detroit Michigan U.S
|
|
|
|
العقدة
|
|

خالدة نيسان
شابو
Khlida Neesan
Shabo
khalida_neesan@yahoo.com
U.S.A
بداوا يدورون في حلقة دائرية , يدورون كاسطوانة عتيقة
بلاملل,يتقدمهم رجل في الخمسين ذو لحية متوسطة اما الآخرين
اصغر سنا, يرتدون دشداشات فضفاضة يهزون رؤوسهم يمينا ويسارا ,
كل منهم يمسك كتابا يقرا ويتمتم بكلمات ..اجنحة طليقة تحملها
الى عالم بعيد كل ما فيه يسير بقوة خفية ،حلقت في عالم غامض
فشعرت بقشعريرة باردة تزحف الى اجزاءها ، رشح ندى بارد باغتها
اصطدام عالمها المشحون بالهواجس والخوف مع سحر مجنون احاط بها
من كل جانب.
فتح باب الغرفة بغتة فدخلت والدة زوجها ،وقفت تلملم بنظراتها
اجزاء الغرفة حتى عادت تلتقي بعيني الشيخ الذي شملها بنظرة
سريعة ، متواطئة باتفاق خفي وكان بريق في عينيها يوشي
بالارتياح لآن الامور تسير كما ترغب،اقتربت من السرير العريض
وهمست لابنها الجالس بجانب زوجته التي لم تتجاوز بعد السابعة
عشرة من العمر:
افعلا ما يطلبه منكما الشيخ..
تراجعت نحو الباب والقت نظرة اخيرة متسلطة تعلن امتلاكها كل
خيوط اللعبة بيدها، مثل دمى تتحكم في كل حركاتها، فتحت الباب
لتخرج،انتشرت رائحة اللحم المطبوخ ثم اغلقته باحكام، بدأ احد
هؤلاء الرجال باحراق البخور والحرمل اما الباقين فقد استمروا
بالدوران، هاجمت المكان رائحة حادة ومميزة وامتلآ بغيوم الدخان
، تكاثفت، تلولبت وتفرقت،اخترقت خزانة ملابسها واندست بين
محتوياتها ، الفراش والستائر، تهاجم كتلتها ذرات الشرور
العالقة وتطهر الغرفة، جاءت ذكريات الاشهر الماضية كجيش من
الدود يزحف في تلافيف ذاكرتها ينخرها لتنهار اجزاءها شيئا
فشيئا..
ليلة صاخبة بالاغاني والرقص والضحكات حتى ساعة متاخرة من الليل
كان يوم عرسها بانتهائه اغلقت ام زوجها الباب عليها وعريسها
واخيرا استسلم جسدها المرهق للنوم.
طوال شهرين يتكرر في كل ليلة طقس مجدب دون ان يثمر شيئا حتى
سالتها ام زوجها :
ـــ ما بك هكذا قلقة وشاحبة هل تنتظرين مولودا؟
ـ لن يكون هناك اي مولود
قفزت ام زوجها يسوطها غضب متفجر ونشرت الخبرفي البيت، الايام
التالية كانت مشتعلة بآراء صاخبة ،متضاربة بين اهلها واهل
الزوج، والدها مضطرب وحائر واخيها متذمر يطالب بطلاقها وامها
صامتة تبدي آراءها بضعف وتردد حتى حسم والدها الامر :
ـ الاجدر بك يا أبنتي ان تنتظري حتى ...
ابلغهم الطبيب ان الزوج معافى من اصابة ساقه ِ بشظايا اثناء
الحرب ، أزدادت مع الايام الشكوك والتعليقات الساخرة التي تمس
رجولته، دار الهمس خافتا على لسان النسوة اللاتي يجلسن على على
عتبات الابواب كل مساء ... ما كان همسا تحول الى صوت مسموع
لايمكن تجاهله ، قيل ان ( جنية ) عشقته وانه حين تزوج جن
جنونها وفي ليلة العرس اقتحمت خلوة العروسين، اخذت الرجل من
زوجته لتحتكر رجولته لها وحدها وفي كل ليلة تاتيه لتسرق دفئه
ورقته منها، نفى آخرون هذا الخبر لانه هراء وخرافة فمن سرق
العريس من عروسه هي امراة حقيقية من لحم ودم متيمة به اخذته
بين حناياها وجعلته لايكف عن التفكير بها والشوق لضم جسدها
اليه، روحه ترفرف بعيدا عن عروسه ... كذب الآخرون كل هذا
قالوا انه وقبل زواجه كان يعشق امراة جميلة رفضته واهانته ،
سورت رجولته باشواك معقدة لايمكن لعطر اي امراة اقتحامها ...
استمر الرجال يدورون في الغرفة مرددين طقوسهم ، لفهم ضباب
كثيف فاستطالت تفاصيل اجسادهم وامتلات كمخلوقات عجيبة مخيفة
تقدموا نحوها بخطوات وئيدة يرددون بقربها ايحاءات التلاشي
والاسترخاء وحلقة الحبل تلتف حول عنقها وتضيق شيئا فشيئا،
تكورت على اجزاءها وتقلصت بشدة ،ارادت ان تتلاشى في نفسها حتى
العدم وعريسها جسد محنط ساهم بلا حراك، مدت يدها نحوه تتلمسه
مستنجدة به لعل قوته تنتفض فينهض ويلقي بكل هؤلاء الرجال
الغريبين الى الخارج، هو وهي في الدفء والتواصل وخصب الحياة
لكنها سحبت يدها بسرعة حين اثلجها ضعفه وصمته ...
ـــ اشربي
يابنية سنفك عقدته الليلةْ...
جنون مسعور استوطن اهل زوجها ،
كل منهم في دفاع مستمر بعصبية تحولت خيبتهم الى قسوة انصبت
عليها كنار محرقة ...
ـــ من تكونين انت؟ سيتعافى ابننا وما نأمرك به ستفعلين...
بكت مكسورة وذليلة وصمتت امام سيل اللعنات ونوبات الغضب التي
انتابت زوجها ،وكأنها وقعت في حفرة مظلمة،عميقة قتل ظلامها
تألق شبابها وانوثتها المتفجرة كربيع سخي بالوانه وبهائه..طلبت
منها ام زوجها قطعا من ملابسها وفرشة سريرها لان نسوة ارشدنها
الى عرافة قادرة على حل عقدة ولدها... قلن لها ايضا ان الارض
لاتعطي ثمارها دون بذرة تغرس فيها ولآن النسغ جاف فما عليها
سوى اللجوء الى شيخ يسكن في اطراف ديالى البعيدة ستجد شفاء
لمرض ولدها وستعود منه بحجاب شاف لامحالة... لكن اللهاث العقيم
استمر وتوالت عليها ليالي الارق الطويلة والوحدة والخوف من
الآتي يتغلب عليها خدر النوم فتلاحقها اشباح تريد الامساك بها
وهي تهرب وتصرخ بحنجرة مبحوحة ثم تصحو على انينها الخافت
مرتعشة وخائفة تلتف على خيبتها وتندس في الفراش بانتظار شعاع
الفجر ...
ـــ اشربي يا بنية ...
قدم لها الشيخ كأسا فيها سائل غريب اللون وكأسا آخر لزوجها
المغمور بلامباللاته فبلع محتويات كأسه بسرعة أما هي فقد
انتظرت حتى يعود الشيخ لينخرط في طقوس الدوران وتمتمة الكلمات
مع الرجال الآخرين ... سكبت محتويات كأسها بحركة مباغتة تحت
سريرها دون ان تثير انتباههم ...(كيف ادري ما سيحل بي حين اشرب
هذا السائل) هكذا تحاورت مع اعماقها المضطربة القلقة كبحر هائج
لا يستقر على حال،استدار الشيخ بغتة فارتعبت وتراجعت فوق
سريرها الى الخلف، لفت رأسها دوامة قوية وهي تدير بصرها في
ارجاء الغرفة التي اطبقت عليها جدرانها بلا رحمة وكأن مخلوقات
هيئاتها زئبقية تخترق الجدران لتقتحم الغرفة وتندس بين
محتوياتها وتدور مع الرجال الدائرين ، انتشرت واخترقت صلابة
الاشياء ونثرت روائحها الغريبة على كل شيء ، اقترب الشيخ منها
ومن عينيه تنطلق شعاعات نارية ملتهبة يتنهد ويفح زفيره بحرقة
،ينقل بصره بينها وبين زوجها بحسرة عميقة ... صارت الآن كتلة
متحفزة كلها للدفاع عما هو ملكها وحلقة الرجال الغريبين مستمرة
في دورانها وهم يفرضون سيطرتهم على كل الاشياء التي كانت تعتقد
انها ملكها ، خزانة ملابسها،سريرها،سجادة غرفتها يستلبون ما
يخصها بكلمات يرددونها وهم مستمرين في هزة رؤوسهم بعصبية
متزايدة... اقترب الشيخ منها كثيرا فأزداد تراجعها كادت تستلقي
وتأخذ وضع النائمة ولكنها استجمعت ما تبقى لها من مقاومتها
،تكورت وأحاطت نفسها كقوقعة تقفل منافذها على لؤلؤتها وهم
يدورون ويدورون،اختنقت فشهقت تحاول ملء رئتيها بالهواء لكن
الغرفة معبأة تماما بسحب الدخان الرمادية كانت تموت وزوجها
تمثال الثلج لم يذب بحرارة البخور والحرمل ولا بلهيب الشيخ
الذي ازداد اقترابا منها.
|
|