ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

June 08, 2010 09:41 AM

Detroit Michigan U.S

 

      

ألفصل ألأول

رواية ستصدر قريبا

خالدة نيسان شابو

Khlida  Neesan Shabo

khalida_neesan@yahoo.com

 

U.S.A

 

 

 

 

           الرعب من ظلمات الاقبية والسراديب العميقة في وطن يضج بالصرخات والآهات ولا من مجيب ..احب الحياة لكن البشاعة والعذابات تحيط بي فاين الفرح واين الآتي الجميل وكل ما حولي يضج بالقهر والدم..(ياتي دوما معفرا برائحة الارض يعلوا جبهته غبار وانكسار حزين يجلل عينيه المتعبتين،تعال يا انت الىّ،دعك من كتب تاريخك المغبرة على رفوف الزمن،نغتسل بهدير نهرنا المطهر بالشمس،نتخلّص من سمومنا التي بصقتها فينا انيابا منخورة واحطم انا البوابة الرهيبة،اخلّف ورائي رائحة الجثث وصراخ اللعنات،لندعهم انا وانت محنطين مع موتهم،يحرسون ابواب قصورهم المصنوعة من حطام الارواح وتعال،تعال لنا المطر والشجر والريح،لنا الطيور كلها وسر الكون،لنمضي مخلّفين حطامنا وتعال اليّ..

في الاسفل حديقة واسعة اشجارها تتمايل مع مداعبات النسيم والربيع يوشوش الآن للوردة اسرارها،يمنحها عطرها،سيلملم عباءته ويمضي وسيهجم علينا الصيف ليحرقنا..لم ازل اخاف الاماكن العالية،في احلام طفولتي كنت اسقط دوما من سطح مرتفع او من حافة وا د ببطء مضمخة بضباب قطني لاستيقظ خائفة..الآن الكوابيس باتت في اليقظة الاكثر رعبا وجنونا...

احدى غرف القسم المقابل الذي يفصله عنّا حائط قليل الارتفاع،ضوءها غاب،قريبا سيسبح المبنى كله في الظلام،عادة حين تهاجمني الكوابيس والصور المجنونة وتقلع بمخالبها النوم من عيوني،اشعل الضوء فتصرخ(دنيا) وحين لايجدي احتجاجها معي تتحول نبرات صوتها الى ما يشبه الرجاء حينها اطفيء الضوء واذهب الى غرفة اية زميلة تسمح لي ان انام والضوء مشتعل هذا ما يحدث معي منذ ان ذبح اخي في الحرب..اخذوه منا وهو في الثامنة عشرة ولم اره بعدها سوى مرتين يا ابن البابليين يا اخي يا اجمل الاخوة،المرّة الاولى ورايت بهلع آثار ضجيج اصوات الزميلات في الغرفة،صخب في الممر والغرف الاخرى للطابق الثالث الذي اسكن فيه،هذا القسم الداخلي في بغداد،ياوي آلاف الفتيات من مختلف محافظات العراق،طالبات عربيات ايضا ياتين هنا لان الدراسة بلا اجور ولربما هاربات من قيود ...لكن دوما لاشىء دون مقابل،هنا وطن يُحكم الانسان فيه بالحديد والنار،دم العذاب والالم ينز دوما من مسامات انسانه..حشرجات وحسرات وآهات لاتنتهي..

انها التاسعة مساء الان والوقت مبكر للنوم,هو الليل تخرج الاشباح المسجونة في الداخل لتعلن عن حضورها الذي ازاحته جانبا حياة النهارلتاخذ ما تاخذ من الوقت والجهد ونسيان الانسان لداخله لربما الذي ينادي ولا من يسمعه..

الحزن ثقيل يطبق على حنجرتي،بكاء صامت صعب اطلاقه عاليا،بحاجة انا للصراخ بالكتابة او الصمت احتجاجا،دموع من غيوم سوداء في القلب،من تلك الغيمة السوداء الرهيبة التي اطبقت على وطني والانسان..الحرب مع ايران بدات منذ اكثر من ثلاث سنوات..حرب خرقاء عبثية،حطب نارها يوميا فتيان ،اروع الاطفال يساقون مُجبرين الى فم مفتوح من النيران ليلتهم منهم ولايشبع يوميا..زهور تُقطف لتُرمى اجسادا      هامدةوآه كيف اصرخ والسلاسل من حديد ونار..لماذا انا احيا الان ولا استطيع الدفاع عن نفسي ككل مساكين هذا الوطن امام جنون من يبطش ويطفيء النبض..اردت دوما ان ابحث لحياتي عن معنى واثر واشرع افق افكاري على مديات واسعة رحبة من الغنى واطير وسع الفضاء انسانا للحرية والجمال ولامنح المحبة بلا حدود..

اغلق الباب ورائي واترك (دنيا)والزميلات يشربن القهوة والسجائر ويتحدثن عن ما يشغل بالهن الا السياسة والحرب والقهر ،انه الرعب من المراقبة وتسجيل احاديثهن ،فقط الهمس لمن يثقن فيه،باب الغرفة يصدر صريرا خافتا..

زميلة في الممر تسالني وهي تغمز بطرف عينيها:

مالذي يشغلك ؟!

ابتسم والمرارة في حلقي والبكاء والصراخ يشتعل في دمي،في سري اقول لها:همومي لاتدور في فلك البحث عن رجل..

الفتيات هنا كثيرات وهي لاتدري ما فقدته،اخذوا مني اخي ،هذا الطفل الجميل لم يتجاوز التاسعة عشرة،اخذوه منا بغمضة عين ولم نلحق لنفتحها حتى جيء به الينا قبضة تراب ملفوفة بالعلم العراقي،تركوه هناك في العراء،في ارض المعركة تمزق جسده الطيور الجوارح وذئاب البراري..شهيد كالالاف الذين ساقوهم للذبح لانهم رسبوا في صفهم وامام اهاليهم دون ان يتمكن احد من النطق بكلمة حتى رموهم حطبا لنار عبثية اوقدها معتوهين..يا لهذا الوطن المسكين..

سلم لولبي ،مظلم يؤدي الى السطح،عينان خضراوان تلتمعان بحدة،آه انها قطة..بعض الفتيات يفزعن من القطط لان هناك (مَلَك)يسكن في كل قطة وان روحه فيها اما انا فلايترك عندي اي شعور بالخوف ولا يثير اية تهاويم وخيالات تحلق بالذهن وتشتط به الى بعيد..المكان يغرق في ظلمة نسبية ،لامصباح كهربائي ينير الشرفةوارى من الاعلى وانا اتكىء على سياج السطح، القسم بكل غرفه ،الاضواء تشتعل فيها او تنطفيء، بمواجهتي تماما اضواء خط السيارات السريع الذي يمر بالوزيرية،المدينة بدات بنزع اقنعتها الان،انها نسائم وطني الجميل وآه،السماء في الاعلى واسعة لكني لااشعر بالشغف والدهشةوانا ارى الاقمار والنجوم،فانا ابحث عن نجمة حبيبة،صار اخي نجمة هناك بعيدة جدا وروحه ترفرف ولاراحة لجسده الذي لم يدفن في قبر احتواه،هناك وحيدا..

مدينة من وطن صار في كل قلب غيمة سوداء من الاسى والحزن الا الوحوش الذين يفتكون بهذا الوطن والاثرياء الذين يدفعون الاموال بسخاء لامراءهم في الحيش ليناموا في بيوت اهاليهم بهناء ومنهم من يوقف بسيارته امام باب القسم الخارجي لعله يقع على صيد من هؤلاء الفتيات

الفتيات يؤملها بالزواج ثم النهاية معروفة..قطع سوداء تحمل اسماء هؤلاء الفتية والاماكن التي استشهدوا فيها ..ثم يتم دفع مبالغ لاهاليهم ليشتروا بها بيوت وسيارات والمكرمة هذه لقاء دم الفتى المسفوك اجبارية ومن يرفضها يعرض اسرته للتهلكة في السجون لكن ربما هناك القليل ممن يتقبلهابرضا وهؤلاء يضافون الى الذين يتسلطون على رقاب هذا الوطن..وآه ياوطن..ويا ليلي ضمني اليك،خذني اليك لاتحدث معك،تسمعني بصمتك والوجل فيّ،لآلاف الحكايات التي صارت اسيرة الخوف والرعب لااستطيع البوح بصراخي وعذابي الا لك،في داخل سكونك وهداة كتمانك ،لاابوح الاّ لك ،لانني اسيرة قيود ضرب الاسلاك على ظهره،سالته ردّ عليّ باقتضاب :انه التدريب الشاق وتعذبت من هذا الخنوع والاستسلام لما يجري لنا ،اين المفر والحدود مغلقة ،وما العمل ؟هل يهرب الوطن كله؟ الاسرة كلها مهددة بالموت والتعذيب في السجون،اذا هرب من نار الحرب والمخبرين السريين في كل مكان،يراقبون كل حركة وفي المعركة لايستطيع الجندي الهرب فهناك من يقف في الحدود الخلفية ليقتله في الحال..والمرة الثانية رايته حين ارسله الآمرهو والجنود الآخرين قائلا لهم:اذهبوا لزيارة اهلكم...هكذا منحوه اجازة قصيرة ليرانا مثل المحكوم بالاعدام يمنحوه فرصة رؤية اهله للمرة الاخيرة..ونحن نقف عند الباب نودّعه ثم وعيوني تقبّل خطواته،اردت السير وراءه ثم غاب عن النظر ،الدنيا من حولي صارت خيمة سوداء تلفني فلا ارى شيئا غير تنهدات نبضي الذي يئنّ تحت جزمة الظلم تسحقنا انا واسرتي ووطني كله..اما الآن فاشعر بغضب جنوني يستعر في داخلي لاننا نحن اهله استسلمنا لمصيره الذي اجبرنا من يتحكم بنا في هذا الوطن،وهل كنا لنستطيع الهرب؟وقد اشترك كل هؤلاء المتعطشين لسفك الدماء في حفلة ذبح العراق ، ذُبحت ايها البابلي الجميل..دوما ياتيني وثقب كبير في صدره،القلب تماما،تتفجر دماءه وهو يخطو بوهن نحوي ،يده اليمنى على جرحه والاخرىيمدّها نحوي،متوسّلا ان تقربه خطواته مني وكلمة على شفتيه لايستطيع نطق حروفها..

التفت خائفة،لااحد يقف ورائي ولاخطوات،انا هشّة؟ تتفجّر فيّ احيانا قوّة غريبة تدفعني للتحدّي والمواجهة واحيانا اخرى يكبل انطلاقتي الخوف ..النساء مكبّلات بالخوف..كلّنا مكبّلين..وطن مكبّل بالخوف..

الممر الآن خالٍ وهاديء الا من صراخ القطط،تخرج فتاة من الغرفة السادسة ترمي تجمع القطط بحذاء وهي تشتم وتضحك..تمر زميلة وتلقي التحية(سلام)ووجهها ساهم،ارى وجهها الذابل في المرآة المعلقة ،وجهها مثلما يبدوا في الحقيقة،كانت قد قالت لي ذات مرّة وقفت امام المرآة لارى نفسي لكني لم اجدها!كان وجهي لامراة اخرى لااعرفها،غريبة عليّ تماما!ربما اضاعت هي الاخرى حتى نفسها،ربما تبدلت فاعلمتها المرآة انها اصبحت امراة اخرى ولا استغرب ما غريب الا الشيطان وهو يغرقنا الآن في الدم والرعب..

افتح باب الغرفة ببطء،سرير(دنيا)فارغ،ستاتي بعد ان تتعب من الدراسة في المكتبة،احب ان انزل الى الحديقة وانام على عشبها الرطب لعلّي اغفوا وانا اتامل النجوم البعيدة،ولعل اخي الذي تحول الى نجمة بعيدة يراني فيسكب من ضوء اجنحته النور على جفوني فانام بعمق بعد ان صرت اتوسل قدوم النوم لكني اطرد الفكرة فورا فالحراس ومراقبات القسم القاسيات سيخبرون عني المديرة ويثيرون التساؤلات المريبة..واندسّ في الفراش..

انني ربما حلمت،يهرب نومي وتنبت صحوتي وخشخشة مثل اوراق الخريف تكنسها الريح وموجة مكسوّة بالزبد تهاجم شاطيء،ترتفع ثم تبدا الموجة بالتراجع لتستقر اخيرا..ذؤابات ضوء القمر على النافذة ووجه (دنيا)وهي في سريرها هاديء..

يد تربت على كتفي،الشمس بفرح نورها،تبتسم (دنيا)انيقة كعادتها دوما:

انهضي بسرعة،انها السابعة والربع وسلام.

(دينا) وطنها (لبنان) تمزق جسده بالجراحات،الاخوة يتقاتلون والحرب قتلت وشردت ومزّقت الارواح،شرّدت اسرتها الى دولة خليجية،عملوا هناك لاجل حياة جيدة ، هي احيانا كئيبة واحيانا اخرى تضحك لموقف ما او لحديث فكاهي..

وعندك بدّي ابقى ويغيبو الغيّاب

اتعذب واشقى يا ما حلى العذاب

وفي لبنان سيدة الغناء فيروز وصوتها الملائكي،هذه الجميلة تثير فيّ الوجل والخجل منها..هؤلاء الذين اشعلوا حرب لبنان ما استمعوا الى هذا الصوت بحنان الاطفال وبرائتهم واوقدوا شموعا للمحبة والسلام..اوقدوا في بلد الجمال نارا للكراهية والبغض والاحقاد..

مجازر(صبرا) و(شاتيلاّ) جرح كبير، اية رغبة مجنونة هذه لذبح الانسان لاخيه الانسان..تشعل الحمّى والالم في اجساد البشر المساكين مثلي..ووطني يخوض حربا تحرق اجساد الفتيان حطبا يلقون بهم في دوّامتها..

(دنيا) تردد دوما:

اتها الحقيقة ياعزيزتي بالمال نستطيع ان نمتلك كل شيء!

فاردّ انا مازحة اذن انت تعطيني المال وانا اعطيك المحبة فتضحك ،لانها في كثير من الاحيان لاتصدق انني هذا الانسان الذي يعيش وسط الآخرين وعلاقاتهم :المصالح والانانية لايتاثر بهذا كله وصرت هائمة الروح في خضم هذا التيه والضياع ، العجز تماما امام هذا الجبروت والطغيان : قتل ودمار ، عبث، عبث بمصيرواحلام البشرفي حروب يشعلها طغاة يتلذذون برؤية الدم يسيل بلا توقف..

الساعة الآن تشير الى السابعة والنصف ،الشمس والعصافير واحتفال النور هنا وعطايا لاتنتهي لنا ، على الشجرة امام النافذة عصافير جميلة،لكنها للحرية والسماوات وليس مثلنا في اقفاص وسلاسل تعذبنا وتغيّب عنّا الفرح والامل..

تاخرت،ارتدي ملابسي بعجلة وانا اتناولها من على المشجب الذي يصبح بالملابس المعلّقة عليه فزّاعات،ارتب اغراضي في الخزانة لئلا تراها المشرفة مبعثرة فتبرّر حجزها ، اما حين تقوم بعض المشرفات ممن يعملن شرطيات امن ببعثرة حاجياتنا نحن الطالبات الجامعيات ،يشدّدن المراقبة على كل شيء يخصّنا، بحثا عن كتاب ممنوع قراءته، كتابات ضد من يحكمنا بالحديد والنارفلا واحدة منا تجرؤ ان تفتح فمها ، ومن المؤكد ان هناك من يندسّ بيننا يسجل احاديثنا او تحركاتنا..

السيارة الكبيرة تنتظر كل صباح امام باب القسم الخارجي لطالبات القسم الداخلي تحرص كل واحدة ان تبدوا بمظهر حسن..اما انا فربما انظر الى تسريحة شعرهن بحسد احيانا واحيانا اخرى بلامبالاة،انا اكتفي بتمشيط شعرى واتركه للهواء يعبث به..

 

السائق من مرآته ينظر الى الفتيات وهو يغني ويهز راسه ،تصرخ به فتاة:

احنا امانة بركبتك يارجّا ل!

الشارع مزدحم بالناس المسرعين،السيارات،انها المدينة وزحامها ،اشتاق الى سكون البلدة،رائحة الشجر والمطر..لكني حين اعود اليها وبعد مرور فترة قصيرة اشعر بالحنين انها بغداد..بالرغم من ويلات ونوائب هذه الايام العصيبة هي بغداد وتبقى..

عند باب الكلية كشك الصحف مغلق ،همس لي زميل ذات مرّة ان صاحب الكشك مُخبر سرّي للامن يراقب تحركات الطلاب وكذلك ما يقولونه

ومثله ايضا بائع الحمص المسلوق الشهي الحار في الايام الباردة وتذكرت انه ذات مرّة وكنا انا وبعض الطلاب واقفين ناكل حاول اقحامنا في موضوع سياسي لكن احدا لم يتكلم معه او يعلّق على الموضوع و..و..الخ

الطلاب يشكلون طابورا امام الباب والمشرف على الزي الموحّد (هذا الرجل يحاسب الطالبات خاصة لانهن يحببن ان يظهرن حسب الموضة لكن بمزاجه ووفقا للهدايا المقدّمة له او وفقا للتعليمات التي يتلقاها..)انه يصرخ بطالبة:

_ارتدي قميصا ابيضا ثانية!

كم يكون عادلا وعظيما ان نتساوى في كل ما نستحق ان نناله ،ما نحن جديرون بالحصول عليه ،ما هو حق لنا..

عند سياج الحديقة قرب السلم المؤدي الى القسم الذي ادرس فيه اقف لاخفف من لهاث خطواتي ،لقد تاخرت عن موعد المحاضرة ، الطلاب هنا وهناك في الساحة ،البعض منهم ( ذكوري) ،نظراته لزجة مثل افكاره التي يشوهها لهم الآباء او الاسرة والاقرباء والآخرين فامامه امراة وهو لانه شهواني الذكورة يلصق بها كل المنكرات والمصائب فالمراة ام البلاء لانها سبب شهوته ..وهناك مَن فيه طفولة وجمال وهو ربما يخوض ايضا صراعا للغلب والانتصار على افكار تشدّه الى مايريده الذكر المشوَّه هذا الذي يقودنا الى الحروب،القتل والدمار وكل هذا العبث والجنون..

( حذرتني امي ممّن يترصدون الصغيرات ،اركضواركض،اترك مدرستي ورائي،اسقط في الوحل،يتوسخ قميصي الابيض..انهض واركض،عند باب البيت ا قف واستديرللخلف بالرعب، آه لااحد..

وانا صبية صغيرة فيّ الكثير من الطفولة لازلت لصدق ما يقوله الآخرين لي في غالب الاحيان ، بالرغم من حدسي الذي يحذرني ليكشف لي عن النوايا المستترة ثم ينتابني الذعر فاهرب ، اهرب..الهروب حالة سلبية لكن لامفر منها احيانا ..

ذات مرة سالتُ زميلة لي زميلة لي لماذا تُبالغ لتببدوا بمظهر الرزانة والهدوء في الجامعة عكس ما تكون عليه تماما  في القسم الداخلي؟ اجابت مبرّرة :

- هذا ما يريده الآخرون منا!

استاذن من الاستاذ وادلف الصف ،اجلس على مقعدي اصوات الطلاب تختلط مع بعضها ،تتشابك والاستاذ يجهد ان يوصل صوته :

- لن اؤجل الامتحان،تريدون مني ان اسير حسب اهوائكم ها ؟

- اذن سنعطيك الاوراق بيضاء.

- هذا تمرد!

تمرد؟ كانت رغبة اثبات الوجود ورفض مسخ الشخصية بالاوامر والنواهي :الاهل ، الاقرباء، المدرسين..

الاستاذ يختال كالطاووس باتاقته وبشهاداته العالية من دول غربية كبرى ، الكثير منا يعرف ان دراسة مثل هؤلاء الاساتذة في تلك الدول مبرر لتواجدهم هناك للقيام ياعمال سرية قي الخفاء لنجلس ونطلق عنان الخيال لها ما شاءت المصائب..

انها الآن فسحة من الوقت للراحة بين المحاضرات ،زحام في المحاضرات،ساذهب الى مطعم الكلية لاحتسي الشاي ..صخب اصوات من حولي،صوت غير مالوف لي قريب جدا مني ، لم اسمع خطواته وهي تقترب مني ،ارى الآن طالبا انيقا يبتسم لي:

-هل انت من مدينة..؟.

........

-هل استطيع دعوتك الى قدح شاي؟

الطالب يبتعد الآن لاحظ شرودي وعدم اهتمامي كثيرا بحديثه معي فابتعد بصمت، هناك مَن حذرني وكانوا طلابا تخرجوا وهناك مَن زُجّ في الاقبية المظلمة للتعذيب وجنون الجلاّدين..ان الاجواء هنا مهيئة للانزلاق في المتاهات..ما احتاجه هو الهدوء وصفاء السكينة لكن الحزن والانكسار هو خبزي اليومي ولديّ منه الكثير وليس الكفاف فاخي غاب ومعه فرحي واهتماماتي، ياتيني اخي وثقب كبير في صدره ينبوع دماء.. هكذا دوما..ملابسه مبللة بالدماء تقطر عمره المسفوح..

ارتعش،ارتعش فالحمّى تشتعل في جبيني ..قال ابي ودموعه ..، لسانه ثقيل يتلعثم وانفاسه حشرجة في صدره:

- لم استطع تمييز جسده مِن بين الاجساد الكثيرة في تلك البرية الشاسعة ....

اعود لقاعة المحاضرات ،الامتعاض والانزعاج على وجه الاستاذ الجاد فموضوع الدرس مهم وهو لايحب ان يضيّع دقيقة واحدة كانني انا مَن رغب الخروج من قاعة المحاضرة وليس ذلك الشخص الذي الذي استدعاني الى تلك الغرفة في القسم الذي ادرس فيه ،اخطو نحو مقعدي وسط زملائي الذين يتسائلون في اعماقهم عما كان يريد مني ذلك الشخص الذي لااعرفه وربما ان الطلاب كلهم يعرفونه وانا الوحيدة التي لااعرف انه ضابط الامن في الجامعة،اجلس وامسك بقلمي ويعود الاستاذ لتكملة محاضرته بجدّية ودقة وفيّ اشتعالي وارتباكي،رعبي والمي..ولااستطيع ان انتبه جيدا لمحاضرته ...(سالت ذلك الشخص بدهشة:

-ماذا تريد مني؟

- قولي لي ما تعرفينه عن هؤلاء الطلاب ...

لانا لااعرف ما تريده بالضبط..لاشيء سوى القاء تحية الصباح عليهم..)

لم يتجرا احد من الطلاب ان يسالني عما جرى لكني فهمت ان الدائرة تقفل عليّ والخوف يرافقني ، اتلفت حولي واشعر ان هناك عيون تترصدني ،أيقنت...صليل السلاسل والأقدام تجرّها على الأرض لكنه صوت فحسب ،هو يبدوا وهما لكنه حقيقة، حقيقة...

اتجنب أن أسير مع أية زميلة اليوم وأنا غارقة في هواجسي وقلقي ، صوت كسول ، هاديء ،يتسلل الى اذني ،غريب ومُقحَم عليّ في اضطرابي وتخبّطي ....انها زميلة تقول لي دوما انها تثق بي كثيرا:

-         التقيته اليوم...

وتسالني رايي ولااتنبه لها لكني اجيبها فقط:

- الامر يخصك وحدك..

استاذن مسرعة (مع السلامة) ورأسي كتلة مشتعلة، بركان في روحي،تحرقني الذكرى،لمن يعرف لحظات الصوت المجرّح والارق...هل تُلغى الجروح ،الذاكرة،الاحزان...لاصوت او صدى...اتامّل صحوا يفتح لي فجرا من الرؤية المشعة ويستمر.....