|
ترجمة:
مكرم رشيد الطالباني
كان هناك استاذ جامعي يسكن جنبنا في شقة مؤجرة، كان كلما يأتيه الغائط،
كان يقضي حاجته فوق صفحات إحدى الصحف ومن ثم يلفها ويرميها من نافذة
شقته.
كان عبد علوان محطة عربياً، يطلقون عليه (أبو جاسم)، من سكنة مدينة
الديوانية، وقد قدم منذ اسابيع قليلة من جنوب بغداد إلى هولير محاضراً
في جامعة صلاح الدين ـ هولير (لا أتذكر في أي كلية). كان رجلاً
مهندماً، طويل القامة أسمراً، كان نظيفاً بإستمرار. كنت أراه غالباً
وهو يتأبط صحيفة واضعاً يده اليسرى في جيب بنطاله وهو يصعد درج المنزل
الواقع جنبنا كي يصل إلى شقته في الطابق الثاني من العمارة الواقعة جنب
منزلنا في حي طيراوة.
كان محمود المحكول العينين بائع اللبن قبالة منزلنا يقول غالباً لوالدي
( مهما يكن فأن جاركم الأستاذ أبو جاسم هذا لهو من مخابرات الحكومة،
لقد ارسله البعث إلى هولير لهدف معين). وكان كريم زبيب البقال الذي
يسكن في طرفنا الأيسر قد أخبر أطفاله: ( لا تقربوا منه إنه جاسوس).
وكان البعض الآخر يقولون: ( إنه سكير . إنه مدمن على شرب الخمر أربع
وعشرين ساعة). وكانت جارتنا فاطمة حسن التي كانت تزور يومياً والدتي
مرة واحدة على الأقل وتنقح معها الرز تقول :( يقول حسن لقد شاهدت هذا
الأستاذ العربي تفوح من فمه رائحة ذلك الغائط (ويقصد أن رائحة الخمر
تفوح من فمه).
وفي خضم هذه الأقاويل كانت والدتي ـ وخلافاً للجميع ـ تنظر بعين
التقدير والإحترام إلى هذا الأستاذ العربي: كانت تقول: ( أبو جاسم
المسكين وحيد، إنه غريب ها هنا، مغلوب على أمره).
ـ ولكن ، لماذا يشرب كل هذا الخمر، كل هذا الخمر ...!؟).
وكانت أمي ترد على شفيقة على هذا النحو:
ـ وماذا بشأن خدر خوخي زوج آمنة ذات المنقار الأحمر الذي يشرب الخمر
بدوره؟ وعبيد الحمامجي زوج أختكِ عيشان ألا يشرب الخمر؟ شفيقة ..
سأخبركِ أمراً؟ تقول قريبتنا خجة سكني: ( إن مغديد تقدم لها الخمر معظم
الليالي).
ـ أيتها المرأة أسكتي!
ـ قسماً بالله.
لم تكن أمي تعتبر شرب الخمر أمراً معيباً إلى هذه الدرجة لدى جارنا ذلك
الأستاذ العربي، لأن والدي وقبل أن يحج بيت الله ويغدو حاجاً، كان
بدوره يشرب الخمر.
كانت أمي في معظم الأماسي وقبل أن يؤذن الملا غريب، كانت تملأ قدراً
صغيراً بالدولمة والخضروات، وتضع قرصة خبزٍ حارة فوقه (وكثيراً ما كانت
ترسل له الكفتة) وتسلمه لأخي الصغير زياد:
ـ خذ إبني هذه القطع القليلة من الدولمة لأبو جاسم!
وكان زياد يعيد قدر الدولمة أو الكفتة للأيام الماضية لأمي وفي الوقت
عينه كان يسلم لأمي قطعاً من الثياب في كيس من النايلون: كانت عبارة عن
سترة وبنطال أو بضع فانيلات وقمصان، كان أبو جاسم قد أرسلها لتقوم أمي
بغسلها ( وفي الحقيقة كانت أمي ومنذ البداية قد أمرت أخي زياد أن يخبره
إذا ما كان لديه ملابس وسخة ليرسلها كي تقوم بغسلها له، وكانت عند كل
مرة تحمي فيها الماء تغسل له ملابسه وتعيدها له بواسطة أخي زياد.
أتذكر ليلة كنا نتابع الصور الدامية لحرب قادسية صدام عند أول هجوم
دموي لدولة العراق على إيران، كانت الحرب في بدايتها، وضعت أمي
إستكاناً من الشاي أمام والدي وأردفت قائلة:
ـ بيربال. وا عجباً، حين أذهب لأقوم بتنظيف عتبة دارنا وأقوم بتنظيف
الساقية أمام المنزل، هذه هي المرة الخامسة أو السادسة أجد فيها صحيفة
مليئة بالغائط!
أعاد والدي إستكان الشاي إلى موضعه وقال : ماذا؟!
ـ صحيفة ملفوفة. حين أفتحها. عيع ... أعذرني كون الزاد موضوع أمامك ..
قطع من الغائط! ولكن كيف يضع الناس الغائط في صحيفة؟
ـ في الساقية أمام منزلنا؟
ـ بعض المرات .. هناك، ومرات أخرى عند عتبة دارنا، ومرات أخرى في الطرف
الآخر من ساقيتنا. إنها قذرة وتفوح منها الرائحة النتنة.
وكانت جارتنا فاطمة حسن قد أخبرت الأمر نفسه: ( كل يوم ألتقط تلك
الصحيفة المليئة بالغائط لأدسها في المزبلة).
وكانت كلناز زوجة كريم الحداد تدمدم: ( كل يوم ألتقط تلك الصحيفة
القذرة الملفوفة المليئة بالغائط لأدسها في المزبلة).
وكانت العمة بهيجة زوجة عبدالله الأبله الخياط، التي أجرت شقتها لذلك
الأستاذ العربي الوحيد والتي كان منزلها تحت الشقة عينها، كانت تخبر
أمي يومياً وتقول:
ـ ( لقد أنهكتني الرائحة النتنة).
لم يكن أحد ليدري من أين يأتي هذا الغائط الموضوع في الصحيفة؟ لم يكن
أحد ليدري من أين يتم رمي هذه الصحيفة الملفوفة المليئة بالغائط مرة
أمام باب منزلنا ومرات أخرى أمام منزل العمة بهيجة، ومرات أخرى أمام
باب منزل السيدة كولناز، ومرات أخرى يتم رميها في الطرف الآخر من
الرصيف الواقع بين منزلنا ومنزل الخالة شفيقة.
كان أبو جاسم أستاذ الجامعة قد حل حديثاً في حيّنا وقام بتأجير تلك
الشقة الواقعة فوق منزل العمة بهيجة زوجة عبدالله الأبله، وكان يكرر
تلك الحادثة يومياً ثلاث أو أربع مرات لعدة اسابيع، ولم يكن ليدور في
خلد أحد أنه من يقوم بذلك العمل ويملأ الزقاق بالقذارة والروائح
الكريهة، وفي الحقيقة لم يكن يدور في خلد أحد (ولم يكن يعتقد أصلاً) أن
عملاً من هذا النوع يبدر منه!
وفي ظهيرة حارة، دلف أخي زياد مسرعاً إلى المنزل صارخاً : (أماه،
أماه).
قالت أمي: ماذا بك إبني، لقد أرعبتني. ماذا حدث؟
قال زياد: لقد شاهدت بأم عيني. لقد قام أبو جاسم برمي صحيفة ملفوفة من
نافذة الطابق الثاني من شقته على الرصيف الواقع أمام منزل السيدة
كولناز.
ـ صه أيها الشقي!
قال أخي زياد: قسماً بكتاب الله. لقد شاهدته بأم عيني. إن لم تصدقوا
هلموا لتروا!
خرجت أمي ورافقتها بدوري. وأدركنا حقيقة قول أخي زياد.
رغم أن أمي لم تكن لتعتقد أن يكون كلام أخي زياد حقيقياً وأن يبدر هذا
العمل من أستاذ مهندم وذات مظهر نظيف كهذا، وبالرغم من ذلك فقد بادرت
في اليوم نفسه بإخبار كافة نساء الحي بذلك وكانت تردد مع نفسها:( لن
أعتقد أبداً أن يكون هو الفاعل).
ومن تلك اللحظة فصاعداً أعتقد أن كافة نساء الحي قد نصحن أطفالهن
(وبأنفسهن) أن يراقبوا أبو جاسم: ليعرفوا هل صحيح أن أبو جاسم الأستاذ
الجامعي العربي غير المتزوج من يقوم بتلك الفعلة أم لا؟!
وفي عصر أحد الايام دخل إيسو إبن خليفة سعو مسرعاً إلى منزلنا صارخاً:
(أيتها العمة همين .. أيتها العمة همين ).
قالت أمي: ماذا بك. لقد أرعبتني. ماذا حدث؟
قال إيسو: لقد شاهدت بأم عيني. لقد قام أبو جاسم برمي صحيفة ملفوفة فوق
الرصيف الواقع أمام منزل الخالة شفيقة.
ـ صه أيها الشقي !
قال إيسو إبن العم خليفة سعو: قسماً بكتاب الله. لقد شاهدته بأم عيني.
إن لم تصدقوا هلموا لتروا.
خرجت أمي ورافقتها بدوري. وأدركنا مرة أخرى حقيقة الموضوع.
كانت أمي تقوم في معظم الأماسي، وقبل أن يؤذن الملا غريب، بملء قدر
صغير بالدولمة والخضراوات، وتضع قرصة خبز حارة فوقه له(وكانت تضع
غالباً التيكمة والكفتة أيضاً) وتسلمه لأخي الصغير زياد وتقول:
ـ خذ إبني هذه القطع من الدولمة لأبو جاسم !
وكان أخي زياد يعيد كل مرة قدر الدولمة أو قدر كفتة الايام الماضية
لأمي وكان يسلمها في الوقت عينه كيساً من النايلون فيه عدد من قطع
الملابس: سترة وبنطال أو عدد من الفانيلات والقمصان. كان أبو جاسم قد
أرسلها كي تقوم أمي بغسلها له. وتطور الأمر إلى درجة أن أبو جاسم كان
يقوم بإرسال سراويله الداخلية كي تقوم أمي بغسلها له، وكانت بدورها في
كل مرة تحمي فيها الماء تقوم بإنتظام بغسل ملابسه وإعادتها إليه بواسطة
أخي زياد.
ومنذ أن أثبتت لأمي حقيقة ما رآه أخي زياد وإيسو إبن العم خليفة سعو
فقد بدأت بنبذ أبو جاسم، ولم ترسل له قطعاً قدر الدولمة أو تغسل
ملابسه. أخبرت أخي زياد قائلة: ( إخبره: لقد أنتهى الأمر).
فقد ظهر أبو جاسم العرب لكافة أبناء الحي على حقيقته من هو وما هي
هويته! ولم يمض فترة حتى وضع أبو جاسم أغراضه في سيارة حمل وغادر حيّنا
إلى الأبد عائداً إلى بغداد.
2002
عن مجلة (ويران ـ الجرأة)، الدورة الثالثة، العدد (2) نيسان 2009، مجلة
خاصة بالأدب الحداثوي، تصدر عن مؤسسة (ميرك) في هولير. |