من
مطبوعات المديرية العامة للصحافة والطباعة والنشر لوزارة الثقافة في حكومة
إقليم كوردستان صدر كتاب (أمتليء عشقاً منك) بين دفتي مئة وأثنتين وثلاثين صفحة
من القطع المتوسط، وهو عبارة عن مجموعة من القصائد المترجمة للشاعر فريدون
سامان ترجمها عدد من المترجمين، وكذلك عدد من الدراسات حول قصائده كتبها عدد من
النقاد.
وقد
كتب الكاتب والمترجم بلال عزيز مقدمة للكتاب يقول في بدايتها: الشاعر فريدون
سامان الذي ترجمت له هذه القطع الشعرية المقتبسة من ديوانه الموسوم (أمتلئ عشقا
منك ) شاعر حداثوي يستقر على مساحة واسعة من الشعر الحداثي الكوردي متقاسمة بين
السيرالية والسيمبولية، ففي ديوانه المذكور الذي اصدره سنة 2009 يثير لدى
القاريء عاصفة من الانفعالات والتأملات تجعله يتمعن بدقة في سيماء المعاني
وملامحها التي يلتقطها بريشته التي تتقطر باللون المأساوي من دياجير الأنفال
المظلمة التي لاتنتهي نهاياتها حتى ببصيص من ضياء خافت، ويعرضها على القراء في
لوحات زيتية فسيفسائية تراجيدية التي تحكي للعام قصة حياة شعبه الكوردي الذي
تعرض ولم يزل يتعرض لشتى الوان المآسي من ظلم وقمع وتهجير من قبل المحتلين
الذين يقمعون بالحديد والنار كل نبرة صوت تصدر منه مناديا بالحرية والكرامة
الانسانية غير آبهين بأي شيء يشجعهم في ذلك الصمت المطبق للرأي العام العالمي
وما أصاب الشرعية الدولية من شلل في هذا المضمار.. مشيراً إلى أن الشاعر
(فريدون ) حينما يرفع عقيرته عاليا ويصرخ من اجل حقه المسلوب، فانما ينفث بوجوه
المحتلين وبكلماته النارية اللاهبة دماء ضحايا شعبه وهي تتلظى حمما وأتونا لأن
جراحات الضحايا التي تنزف منها هذه الدماء القانية المسفوكة هي أفواه تتكلم
وتصرخ بوجوههم وتخاطب العالم بألوف اللغات حيث تذكرهم بالمظالم التي تقترف
وبجرائم الابادة الجماعية (الجينوسايد) التي تنال الشعب الكوردي على أرض وطنه
كوردستان بما في ذلك تغيير الطابع الديموكرافي .
ويقول إن من يتصفح ديوان هذا الشاعر فانه يدخل رحاب معرض يقع بصره فيه على
عشرات من اللوحات الفنية المعروضة والتي رسمها بريشته بألوان مزائيكية زاهية،
فهو تارة يغمس ريشته في قارورة ضوء الفجر فيرسم لوحات بديعة مضيئة تنضح منها
الأمال المشرقة، وتارة أخرى يغمس ريشته في قارورة الدم القاني المقدس فتنبعث من
لوحاته شرارات لاهبة تنبه الناظر اليها ان يستعد فحص انذار يتوجس المرء منه
خيفة مما تخبؤه الاقدار لشعبه الكوردي.
الكاتب والمترجم عزيز بلال ترجم ست قصائد من قصائد الكتاب هي على التوالي : نار
تحرق نفسها، أهل الكهف، جزيرة الوهم، مدائح العشق، مدائح المرآة، عناصر العشق.
ففي قصيدة نار تحرق نفسها يقول الشاعر:
التحقت بقافلة الملائكة
المتلفّعات بالأردية البيضاء
ووطأت بقدميك
مروج
العشق المبارك
وشربت من مياه الخالدين ..
حسناً ما فعلت حينما تركت
مسرعاً هذه الارض
الملوثة بالسواد..
هذه
الارض القاحلة الجرداء
التي
تقتلع النباتات والاشجار
من
جذورها اينما كانت مغروسة عليها،
لايمر يوم
ولا
تمضي ساعة
ان
لم تذبح على هذه الارض
الحمائم الجميلة الوادعة
وتراق دماؤها القانية
فيما
نجد الشاعر المرحوم مصطفى بزار وقد ترجم قصيدة الشاعر المعنونة (رقصة الموت)
التي يقول في مطلعها:
رمال .. رمال ،
مستقرة هذه الشجرة الهرمة المسكينة
ولون وريقات العشب الجاف
لفصول
لسنين
لعصور
عديدة
دماء .. دماء
وبها تدّثر
ترى الاشجار تعاكس جذورها
وظلالها لغيرها
لا .. لم اكن ادري
أن الجذور من أصل حجر الصوان
لكي تسبب سقوط الاوراق
كالاجساد الميتة
بهذه الدرجة من الخشونة
وان يكون هنالك
في الظلال الحمراء
داخل الارحام
بيادر عديدة للاجساد الحية
ان الاشجار تراجعت الى مشاتل النسيان
وطيور الحمام .. قد حنطت في الاعشاش الشائكة
بعد ان قامت بتعليم الطيور الأُخر الطيران
من بيوض طيور الغابة تلك
في دواخل جذوع الأشجار المجوفة
خرجت ثعابين صغار
والثعابين نمت لها اجنحة النسور
أما الشاعر والمترجم مكرم رشيد الطالباني فقد ترجم للشاعر اربع قصائد
هي على التوالي : القدوم الأخير، كتلة ضباب، تحت قدميه تتفجر المياه،
الصحراويون.
حيث يقول في ختام قصيدة الصحراويون:
في هذه الفيافي الجرداء
كل شاهدة تبحث عن لحدها الضائع
كل حفرة تولول لجثتها
هنا في هذه الليلة الدامسة المتوحشة
الكاسفة شمسها أبداً
في ذلك الوادي الضيق
في تلك القلعة الرملية
بعيون عمياء
وأيادي مقطوعة
جسد محطم انا
اتيت لأجل زيارة ماتبقى
من أردية وأحذية وذكريات السنونوات
لجدول ( حورية ) ( كويستان )ي المهتوك
وأمام أنظار هذه الخيمة السوداء المقدسة
أتيت كي انظف صدأ مرآتي المشروخة
كي أعثر على بؤبؤ عيني
وأنقل مدينة أمواتي الى مكان آخر
وفي شوارع البلوغ
التقط خلود خطواتي
في ليلتك الحالكة الوحشة هذه
التي يغيب عنها بصيص نبراس دوما وأبداً
أتيتُ كي أرفس الكرة الأرضية تلك
التي لازالت على ظهر السمك
وفوق قرون الثيران
كما
ترجم فتاح خطاب قصيدة (وصية حالم) وكمال غمبار قصيدة ( الأوساط الأخرى)
وعبدالخالق برزنجي قصيدة (نجل الرماد)، أما الدراسات فهي : الدراسة الأولى بقلم
نوري بطرس بعنوان (مدائح العشق بين الخزين الصوري وغياب الانا) وهي عبارة عن
قراءة لقصيدة (مدائح العشق) حيث يقول : ان الشاعر يرسم الصورة الشعرية عبر
المعاناة من وراء اللغة والتميز وهو يؤدي الى تأويلات الى اكثر من حدود مقولات
النص وتغلف الانا وهي ( الضلال, الاشجار, الغيوم الارض, الشمس) وجماليات المكان
في حدود الدال للقيمة الشعرية وفي حداثة جمالية للمنظور الواقعي تتجه بقيمتها
الدلالية الى الحياة واعماقها.
أما
الدراسة الثانية فهي بعنوان (الاختلافات في زمن اللاشعور) بقلم محمد البغدادي،
ويقول فيها:
ليس
بإمكاننا اليوم الوقوف بدقة على شاعرية .. فريدون سامان .. ومدى اصالة وابداع
فنه الشعري حيث تتميز لغته الشعرية بالانسانية والبساطة وخياله بالانفتاح
والخصوبة وصوره بالثراء والجمال .. انه احد المتيمين باختلافات القضايا التي
تستنتج من خلالها معقولية الواقع ومن ثم توضيفها باتجاه استنطاق حقائق تختفي
وراء كم هائل من التناقضات والارتكابات التي امضى بها في مرحلة من مراحل فهمنا
اللاموضوعي لطبيعة الحياة الانسانية التي يحاول الشاعر ... فريدون سامان كشف
ملف حقيقتها البنيوية واضعا اياها على محك التجربة السياسية والاجتماعية
والفكرية لاستخراج مضامين الفصل الحقيقي للادراك الموضوعي الذي يخترق حاجز
اللامعقولية واسدال الكشح عن كل ماله صلة بهذا الاتجاه او التيار الذاتوي
المغاير لما يرتأيه فريدون سامان في محاولة منه الى ايجاد علل واسباب فلسفية
تناقش القضايا من الجذور ومحاكمتها مبدئيا امام واقع الانسانية المتخثر بالقبيح
والجراحات الايدولوجية الانسانية.
فيما
يكتب الناقد كمال غمبار عن ديوان الشاعر المعنون (أمتليئ عشقاً منك)، ويقول:
ان هذه المجموعة الشعرية تترشح الماً وحزناً ولوعة وقلقاً على مصير الشاعر
والآخرين، انه يشكو الزمن الذي يعيش فيه حيث تغيرت المقابييس والمعايير،
وانقلبت الآيات والتناقضات، كما إن الشاعر يشخص الربيع كانسان يتنفس، ويقلب
المفردات الشعرية، ليمنحها بعداً مغايراً لكينونتها، حيث تصبح الاشياء المعقولة
لا معقولة، ويعطي لذلك الانقلاب مبررات ومسوغات يستسيغها المتلقي، من هنا تكمن
قوة الاسلوب الادبي الرفيع في الشعر المعاصر .
لدينا
ملاحظة لغوية حول ترجمة عنوان المجموعة الشعرية (برم له عشقي تو) التي ترجمها
الناقد كمال غمبار بـ_أمتلي ءعشقاً منك)، والملاحظة هي أنه كان من الأفضل
ترجمتها على النحو التالي (أمتليء منك عشقاً) وليس كما ترجمها الناقد و(عشقاً)
هنا (حال) حيث يجب أن يأتي بعد الفاعل والمفعول، كما كان يمكن أن يترجم (ممتليء
منك عشقاً) والشاعر يقصد هذا الأخير.