العدد السادس ------------------- اذار 2004  

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

رحلة الصيد الاخيرة

تخطيط للفنان علي رشيد

كاظم الشاهري

 

كنت اقضي وقتي خلف سوق المدينة الكبير . حيث كانت هناك غابة صغيرة ونهر يخترقها . كانت المدينة صغيرة جدا وكانت تعلن عن نفسها بلا تبدل : شوارع  ملتوية واشجار اثل عتيقة ونهر اقدم من المدينة ذاتها وناسها يعملون في المعامل المحيطة بها ويقضون عطلة نهاية الاسبوع بالتسوق من متاجرها . في المدينة بارات ومنتديات ومطاعم ومراقص ومحلات وكلها تواظب على تقديم الشئ نفسه سنة اثر سنة كما خطبة امام في جامع او قس في كنيسة .

في تلك الغابة التي تقع خلف السوق الكبير والتي كان يخترقها النهر  كنت امارس هواية صيد السمك . في بداية الامر شعرت ان هؤلاء البشر الذين يمارسون الصيد يكررون المدينة نفسها واسلوبها وطريقتها . فهم يمارسون نفس الوقفة كل يوم ويلقون النظرة نفسها ايضا ويطعمون سناراتهم بنفس الطعم ويصيدون نفس السمك كل يوم ولانهم هواة صيد فكانوا يلقون السمكة بعد اصطيادها الى النهر ويلقون سناراتهم مرة ثانية .

لقد اشتريت تلك السنارة بثمن زهيد جدا . اشتريتها ليس رغبة فيها .ولكن ثمنها الزهيد اغراني ان لاافوت الفرصة بالحصول على عدة متكاملة بثمن لايصدق . الثمن الذي دفعته لتلك السنارة كان يساوي قنينة  ( كوكا كولا ) الرخيصة هنا جدا .

كان عود السنارة تتداخل فقراته وله حقيبة جلدية خاصة وكان هناك صندوق بلاستيكي صغير يضم خيوط احتياطية وسنارات ومكانا للطعم وكان على ظهر الصندوق رقم تلفون الشركة المصنعة للاتصال مجانا في حالة وجود مشاكل او ان اي شئ لايعمل بالطريقة المطلوبة .

كنت اعتقد انني سوف احتفظ بها في زواية من شقتي الى ان يحين ضجري منها والقيها في حاوية القمامة.

حملتها عصر يوم ومضيت الى النهر الذي يخترق الغابة خلف سوق المدينة الكبير .في بداية الامر شعرت اني لااستطيع الصبر جالسا خلف خيط غائر في مكان ما من النهر .وقلت ربما سالقي الخيط والسنارة في النهر واعود الى شقتي . غير ان هذا لم يحدث بل بالعكس تماما وجدت نفسي عصر كل يوم 

اخذ سنارتي بعدتها الكاملة واجلس في نفس المكان تحت شجرة ضخمة اوراقها خضراء عريضة ولااعرف حقا نوع الشجرة واسمها . كنت فقط اقول انها واحدة من الاشجار غير المثمرة . وفي احسن الاحوال اسميها شجرة ظل .

اراقب حركة الخيط وانزياحه واتحسس مداعبة السمكة للطعم وانفصل عما حولي وكأن لم يكن هناك اي شئ . اشعر اني في خلاء يضمني وحدي . اراقب الخيط وافكر ببلدي البعيد . الصحف الاخبار محطات الاذاعة ومحطات التلفزة . كلها تكرر اسم ذلك البعيد الذي ولدت فيه . صار اسمه اكثر شهرة من نجوم الرياضة والفن . اخبار تأتي من كل مكان حوله وعنه وكأن العالم اكتشفه لاول مرة . جيوش تبحر اليه . زعماء يلهجون باسمه . منهم من يتوعده بالحرب والاخر يعارضه . مؤتمرات . معارضة . الحل الاول . الحل الثاني . الحل الثالث . مظاهرات . مسيرات سلام .قمم . اجتماعات . دكتاتور . اسلحة دمار شامل . فرق تفتيش .

واذا كان البشر هنا وهناك وفي اي مكان يصممون مواقفهم عنه وفقا لانتماءاتهم ومعتقداتهم ومصالحهم . فاني كنت  احلم بالعودة اليه . عودة تاتي بالحل الاول او الثاني او الثالث او

عودة تاتي بقطار او طائرة او باخرة . عودة قريبة اوبعيدة من خلالها اجد كل الاشياء كما كانت . الاشجار والناس والمقاهي والشوارع وحفلات العرس ليلة الجمعة . كل الاشياء حتى الشتائم والشرطة .

لم يكن في نيتي في الواقع ان ارمي صيدي كما يرمي الهواة صيدهم الى النهر ثانية . سأخذ سمكاتي معي الى الشقة وهناك سوف اجعل منها مأدبة عامرة .

عصر هذا اليوم ابتعد الخيط كثيرا وتطوح يمينا وشمالا وكان ثقيلا وقلت في نفسي سمكة كبيرة . وحين سحبت السنارة كانت عالقة فيها سلحفاة . كان لونها اخضر وكانت تضم ارجلها الى الداخل وكانت تحاول ضم راسها الى  الداخل ايضا.

لم افكر باعادة السلحفاة ثانية الى النهر ولم افكر باخذها معي الى الشقة .

تاملت السلحفاة وبعد لحظات ركبت ظهرها  . وقلت هيا الى الوطن.

     

 

 

الولايات المتحدة

شباط / 2003

 

 

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )