العدد السادس ------------------- اذار 2004  

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

  أولاد العروس

                

                    كريم عباس زامل

 

وأنا أحفر بذاكرتي عبر تراكمات الزمن في ساحة " أم البروم " وبعد أن ابتدأت الجرافات تكتسح القبور في عملية هدم اختلطت بها الاجيال لتشكل لوحة جديدة تضاف إلى  المصائر المتقاطعة التي تلاشت بين طيات هذه الأرض الغريبة, رأيت الوجوه في جماجم خسرت ملامحها والأصابع تتشابك في سلاميات مهشمة وأظافر باقية في عمق طبقات الأرض التي جردتها الآن لزوجة الحجر من قدسيتها الخاصة لتظهرها على الملأ , المارة يملأون منافذ الطرقات وهم يبحثون عن الشواهد التي تناثرت بين آثار العجلات المسرفة وهي تشق الصفوف المنتظمة إلى نصفين, وبعد ان اكتملت الأشياء كانت الوجوه تبحث عن عريها عبر طوق المارة الذي تراكم في ثلاثة طواعين اكتسحت المدينة, جدي ( زاير خلف العجرش) مات في الطاعؤن الاول وحتما أنه دفن في هذه المقبرة التي اصبحت الآن صديقة, وعمتي (زنوبة) دفنت هي الأخرى بعد ثلاثين سنة في الطاعون الثاني, وفي الطاعون الثالث كان أحفاد (الحاج راضي حرج) قد دفنوا هنا في سرداب ثلاثي الأبعاد وبمدخل واحد, ومن "ميدان العبيد" ابتدأت رحلتي الاولى وأنا أبحث عن مصير أبي (عوفي العجرش) الذي اختفى في المدينة فجأة, قررت وأنا أدخل الزقاق الأول أن أبحث حسب وصية امي عن بيت (أم غزالة) وبيت (ملا خادم راضي) البيوت منتظمة بصفوف متراكبة تتداخل أحيانا فأبدو وكأنني أمام دار واحدة, وعبر إشارة كنت قد حفظتها عرفت أين هذا الباب الذي تعلو اطاره المزخرف رأس غزالة محنط هو حتما بيتها, فطرقت الباب ودخلت عبر دهليز مظلم كنت أوزع نظراتي بين الزواية المهجورة والتي توحي كأن الأشياء تجمدت, آثار وخيوط متشابكة وخطوط توحي كأنني أمام نفق من بقايا قرون سحيقة تمالكت نفسي وحبست أنفاسي ونظرت بعمق داخل هذا الوجه الغريب هل فعلا أني أمام هذه الأكف التي سحبت جدي زاير خلف إلى الوجود, كنت أمام صيرورة جديدة ورؤيا غريبة استطعت من خلالها  أن أسحب ما يدور بداخلي من هواجس أمام هذه العجوز التي تبدو وكأنها مومياء من حجر

                     -   جئت أسالك عن بيت جدي (زاير خلف)

                     -   ولماذا تسأل عنهم ياولدي

                     -   ………………………

ساد الصمت فجأة وبدأت العيون تقطر نظراتها بأسى عبر زمن آخر تجسد واضحاً في تحشرجات صوتها الجهوري وهو يعلو أحيانا عبر رج الحروف وهي تتكسر لتبدو وكانها بلكنة تركية

-        بعد الطاعون مات جدك وترك عشيرة صناديق مقفلة من الليرات الحميدية والمجيدية وثلاثين سفينة شراعية كانت له تجارة في حلب وفي الاهواز وفي الهند, لكن لعنة الله على أولاد الحرام فأنهم لم يتركوا لكم شيئا…………………………

وعبرت ساعات اختصرت لنا عشرات السنين, فأحسسست أن شيئاً ثقيلاً قد أزيح عن صدري.

جرجرت خطواتي بعد أن شكرتها وقبلت يديها الدار الثانية التي اوصتني بها امي, في رأس آخر من رؤوس هذه المحلة التي تبدو وكأنها خرائب, كان بيت (ملآ خادم راضي ) أمامي فدخلت.

في ساحة الدار الواسعة ثمة امرأة عجوز تتوسط الموقد وحولها صبية صغار وإبريق شاي وطبق للخبز جنب ساحتها اليمنى

-                        السلام عليكم

-                        عليكم السلام

التحية تبدو غريبة لكني انهيت حيرتي وابتدات

-                        جئت لأسالكم عن جدي (زاير خلف العجرش) وابن عمي (ملآ خادم)

عبر نافذة صغيرة في الجدار صرخت العجوز, فأطل منها وجه ناعس بتجاعيد كثيرة أسفل عينيه الصغيرتين التي تبدوان وكأنهما مطفأتان

-       ماذا تريدين

-                        عندنا ضيف

ابتدأت الحديث من نهلية الرواية التي سردتها لي (ام غزالة) فتبين لي أن كل شي أصبح غير واضح امامي وتمنيت أن أرجع مرة اخرى إلى بيت (عوفي العجرش)

المقاهي تعج بالمسافرين وهم يرتدون يشماغاتهم الملونة بخطوطها العريضة ويتداخلون بأحاديثهم التي أصبحت غير واضحة اثر موجة الحر في شهر آب, تتراقص الأشعة فوق المداخل التي تعج بالأباريز المطرزة من بقايا القرون وهي ترسم ما تبقى من آثار الطاعون الذي غزا المدينة فجأة, الساحات مغلقة خطوط متراصه تندفع بقوة نحو المئذنة وهي تندفع نحو السماء الزرقاء الملتهبه بقرص الشمس الدامي من جهة الشرق التي تلونت بالأفق المنحدر نحو جهة الشط الواسعة, النساء تبدو وجوهن السمراء مائلة إلى الصفرة.

كان "ملآ حميد عثمان" متردداً حين ابتدأ حديثه من آخر أيام الطاعون وهو [ الاثنين / شوال / 1888]

-                        كان أبي يتوسط المقهى المطل على النهر المتفرع مقابل ساعة سورين وكنت أنا الشاهد الوحيد الباقي الآن من مجموعتي الصغيرة بمقهى التجار.

هل حقاً أن البحارة وهم يتسللون ليلا التجأوا نحو سفنهم باتجاه الهند هربا من الوباء أم تللك حكاية رسمتها مخيلة أبي وهو يطوي الزمن بحثا عن قصص جديدة؟, هل أن السفن حملت مع البضائع إكسيراً مخيفاً تفجر في المدينة طاعوناً وافتك بها, تللك حكاية كان أبي يخفي تفاصيلها طالما أنه يعيش أيامه الأخيرة. المقهى يتنفس رائحة الاسطبلات المجاورة والجالسين يعتكفون بعيدا عن الرجل العجوز الذي جلس مقابل الراوي الذي انتصفت حكايته حين قال

-                        عرفت من أبي أن في العشار من الناجين عقب الوباء كثيرين لكن "عوفي العجرش" أختفى فجأة ولا يعرف مصيره الآن.

ابتسم الرجل العجوز وكأن مايدور بدواخله قد تصاعد نحو لسانه المعقود هل حقاً أنه الآن يعيش احتضارات الموغلين بالماضي السحيق, "الحاج راضي حرج", "الحاج شريف العجرش", "ملآ خلف الشمخاني"  تلك هي ألغاز ربما لم تبتدئ طالما أن الراوي ابتدأ حكايته التي أوشكت على الانتهاء.

-                        فأين اذن اولاد العروس, هل حقا انهم كانوا يسكنون "ميدان العبيد" واختفوا فجأة ام أنها لعنة "الفيقم" التي تلاحقهم منذ قرون قد حلت عليهم, تللك مسألة لم اصارح بها أبي وهو يحتضر وكانت تلك من حكاياته التي ضاعت بدواخله.

الأرض الواسعه أصبحت لا تسع هذا الشيخ العجوز الذي يعيش اخفاقات الماضي, هل حقا أن جده "محمد الوغد" الذي لقب بالعروس قد ضاع بين قرى الجنوب المتناثرة وهي تحتضن النصر أم أنه تسلل بالسفن الراحلة نحو مدن قد لا يرتضيها, أصبح العجوز يعاني سكرات النعاس وهو ينظر عبر الفانوس المعلق بأعلى السقف, كان الراوي غير العليم يتلو عبر كلماته المنمقة نهاية قصته التي استطالت:-

عرفت أخيرا أن أحفاد "محمد العروس" انتشروا على ضفاف "نهرالكارون" كالعجرش والدغل.

الرجل العجوز غط في نومه والحلم يتلبسه وهو يلوح بالخنجر الذي كان أبوه يعلقه في باحة الدار التي تهدمت بفعل الفيضان الأخير.

 

 

 

 

 

 

 

 

" ملاحظات خارج المتن كان الراوي قد نسي أن يدونها وهي كما يلي"

1.      "أولاد العروس" هم أحفاد "محمد العروس" والذي سمي [محمد الوغد] حسب رواية الإستاذ عباس الفراوي في كتابه "العراق بين الاحتلالين" وذلك على أثر قتله "سليمان باشا الصغير" في الثمانينات من القرن التاسع عشر.

2.      الدفافعه او العجرش او الدغاغله وهم تسميه واحدة لبطون من [ربيعه] القبيله العربية المعروفه وكانوا على خلاف مع الضيغم في الجزيرة في بدايات القرن العاشر.

3.                     "العجرش – الدغل" هي تسمية لنبات بري معروف وقد كان المولى الحاكم في اقليم الاحواز انذاك في امارة المشعشعين قد سمى البطون المعروفة من ربيعة والتي التجأت إلى ضفاف الكارون "بالعجرش والدغاغله" لكثرتهم تشبيهاً لهم بهذا النباتات المنتشرة على ضفاف النهر.

4.      "خنجر محمد العروس" وكان أحفاده يحتفظون به اعتزازاً لما قام به حين تنكر بزي عروس جميلة مرة ليقتل الغيضم ومرة ليقتل الوالي العثماني "سليمان باشا الصغير", وكانوا يعلقونه في غرفة الزواج وهناك الالاف من هذا الخنجر وكل واحد من هؤلاء الاحفاد يدعي بأنه يحتفظ بخنجر "محمد العروس".

 

 

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )